← Фикх малики

Фикх малики · id 16968

المختصر الفقهي لابن عرفة

ابن عرفة

Полный текст (5 077 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وامرأتين إذا تكافؤوا. وفي سماع عيسى قال ابن دينار: لا أرى أن يقضي بمن هو أعدل من المعدلين فيقدم على من هو عدل. ابن رشد: هذا قول ابن الماجشون، وروى مطرف أنه يؤخذ بأعدل المعدلين، والأول هو الجاري علىق ول ابن القاسم أن الترجيح لا يكون إلا بالعدالة؛ لأن زيادة عدالة المعدلين لا تفيد زيادة عدالة في المعدلين، وإنما تفيد زيادة غلبة الظن بصحة عدالة المعدلين، ورواية مطرف على القول بالترجيح بكثرة العدد. وفي اعتبار بينة الحائز للمدعى فيه بتعارض بينة المعدي، ولغوها معروف المذهب، ونقل غير واحد عن ابن الماجشون، وهو قول المخالف. قال بان الحاجب: (فلو ترجحت البينة سقط اعتبار اليد، وفي يمين الخارج حينئذ قولان)؛ يريد: إذا ترجحت بينة المدعي على بينة المدعى عليه الحائز للمدعى فيه قضي للمدعي، وفي وجوب اليمين عليه قولان. قلتُ: نقل القولين الصقلي قال: قال بعض القرويين: اختلف إذا كانت إحدى البينتين أعدل هل يحلف صاحب الأعدل؟ ففي المدونة أنه يحلف في مسألة عفو الأرض مع أعدل البينتين. وقال ابن محرز: إن كانت إحدى البينتين أعدل قضي لصاحب الأعدل مع يمينه، وعند محمد: لا يمين عليه. وقال ابن شاس: تقدم بينة الداخل على بينة الخارج عند التكافؤ مع يمينة على الرواية المشهورة. وقال ابن محرز: إذا تكافأتا فالقول الحائز مع يمينه. وقال محمد: لا يمين عليه. وقال عياض في مسألة عفو الأرض: وقد يقال: إن إلزامه اليمين هنا؛ لأنها في غير يد مالك فاستبرأ باليمين لحق بيت مال المسلمين. قلتُ: مفهومه إنما هو في حوز حائزه لا يمين عليه، وانظر ما ذكره ابن شاس في

стр. 4482

ذلك من الروايتين من حكاهما من المتقدمين. الشيخ عن ابن عبد الحكم: إذا أُرِّخَت بينتا المتداعيين قضيت لأبعدهما تاريخاً، وإن لم تؤرخا قضيت بأعدلهما. وذكره اللخمي غير معزو، كأنه المذهب قال: وسواء كان المدعى فيه تحت أيديهما أو تحت يد أحدهما أو تحت يد ثالث. قالك واختلفا إن أُرِّخَت إحداهما هل يكون لمن أُرِّخَت أو أو بمنزلة من لم يؤرخ؟ وذكرت الروايات على نحو ما وردت. المازري عن أشهب: إن شهدت بينة بأنه يملك هذا العبد منذ سنة، وشهدت بينة بأنه لآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر منذ سنتين قدمت شهادة من شهد بالملك منذ سنة حتى يقولوا إنه في يد الآخر يملكه منذ سنتين، فرجح أشهب الشهادة بالملك على الشهادة بالحوز. وكان بعض أشياخي يرى خلاف هذا، وأن الواجب رد السلعة لمن تقدم حوزه لها، حتى يثبت ما يوجب خروجها من يده. قال أشهب: لو شهد لمدعي أمة أنها بنت أمته لم تفده؛ لأنها لم تتضمن إثبات ملكه، وقد تكون ولدتها قبل أن يشتريها. قال المازري: وهذا واضح لكنه لو شهدت له أنها ولدت عنده لم تفده. واعترضه بعض أشياخنا وقال: إنما أسقطها بالجواز أن تكون ولدت عنده؛ وهي وديعة عنده أو رهن، وتعقبه بأن احتمال الوديعة والرهن بعيد. قلت: لما ذكر اللخمي قول أشهب هذا قال: وقول ابن القاسم أنها لمن ولدت عنده أصوب، ومحمل الأمر على أنها له حتى يثبت أنها وديعة أو غصب. وفيها: لو أن أمة ليست بيد أحدهما أتى أحدهما ببينة أنها له ولدت عنده لا يعلمون أنها خرجت من ملكه بشئ، قضي بها لصاحب الولادة. قال غيره: ولو كانت بينة الآخر أعدل، وليس هذا بتهاتر لكن لما زادت قدم

стр. 4483

الملك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أحدهما أنه يملكها منذ عام، وبينة الآخر أنه يملكها منذ عامين؛ قضي ببينة أبعد التاريخين، وإن كانت الأخرى أعدل. المارزي: إلا أن يؤرخ الشهود بالملك دون الولادة عنده بتاريخ، فيعلم قطعاً أنه سبق تاريخ الولادة؛ فتكون هاهنا الشهادتان، وقد تكافأتا وتعارضتا؛ مثل أن يشهد قوم في فتاة لم تبلغ الحلم أنها ولدت عند زيد على ملكه، وشهد آخرون أنها مملوكة لعمرو منذ ثلاثين عاماً فهذا يعلم قطعاً أن إحداهما كذبت، فيقع التعارض، ويعود الحكم إلى ما قدمناه أولاً. قلت: فرضه أن الأمة لم تبلغ الحلم يوجب سقوط البينة بأنها مملوكة منذ ثلاثين عاماً؛ لأنها مخالفة للضرورة، فيجب سقوطها فلا يقع التعارض الذي زعمه، والعجب منه كيف وقع في هذا. وقد نبه اللخمي على ما قلناه، وقال: إن شهدت بينة كل منهما بنتاجها عنده، أو أرخت بوقتين مختلفين أو متفقين فهو تكاذب؛ إلا أن يتبين كذب إحداهما؛ لأنها مما تتوالد دون ذلك الوقت أو قبله فتكون لمن أشبه. وفيها: النسج كالولادة. اللخمي والمازري: اختلف في ذلك فذكر قولها: قال: وفي كتاب ابن سحنون البينة له بالملك تقدم على البينة بالنسج، ويقضي لمن شهدت له بالنسج بقيمة عمله بعد حلفه ما عمله باطلاً؛ وإنما الخلاف إذا كان الناسج إنما ينسج لنفسه، ومن انتصب لنسج الناس بأجر أو للبيع، فالبينة له بالنسج لغو. وكذا نسج الكتاب. اللخمي: وقيل: إن كان مما ينسج مرتين كالخز، فقالت: كل بينة هذا نسجه، وعرف الأول كان له، وللثاني قيمة عمله، وهذا فاسد لا أعلم أحدًا نقض ثوب خز جديد، ثم أعاده. وأيضاً فلا يعرف لو نقض أن الحرير أو الصوف الذي في هذا هو عين الأول، إنما يعلم ما دام ثوبًا، ويستحيل أن يشهد على حرير أو صوف بعد أن يصنع أنه المتقدم قبل

стр. 4484

العمل، وإن كان الأول قديمًا، والثاني جديدًا فهو أبين أن لا يعرف. [باب الملك] الملك: استحقاق التصرف في الشئ بكل أمر جائز فعلًا أو حكمًا لا بنيابة،

стр. 4485

فيدخل ملك الصبي ونحوه لاستحقاقهما ذلك حكمًا، ويخرج تصرف الوصي والوكيل وذو الإمرة، وتقدم قول بعضهم بعسر إدراكه، وتعذره فيذكر. اللخمي: قال سحنون: من حضر رجلًا اشترى سلعة من السوق، فلا يشهد أنها ملكه، ولو أقام رجل بينة أنها ملكه، وأقام هذا بينة أنه اشتراها من السوق كانت لذي الملك، وقد يبيعها من لا يملكها، والشهادة بالملك أن تطول الحيازة، وهو يفعل ما يفعل المالك لا منازع له، وسواء حضروا بدء دخولها في يديه أم لا، وإن لم تطل الحيازة لم يثبت الملك إلا أن يشهدوا أنه غنهما من دار الحرب وشبهه. انتهي. قوله: وإلى هذا ذهب أشهب أن لا يثبت الملك بمجرد ولادة الأم إلا أن تطول الحيازة؛ لأنه لو كانت المنازعة في الأم؛ فشهدت بينة أحدهما بملكه إياها، وللآخر بينة أنها كانت في يده يومًا أو يومين ترجح الملك، وهذا يحسن في عدم التاريخ، فإن علم أن يد هذا تقدمت، ثم ملكها الآخر، ردت لمن تقدمت يده. وقال ابن القاسم: من شهد له شاهد في مسكن أنه ملكه، وآخر أنه حيزه فملكه وحيزه سواء؛ يريد: في حيزه إذا طال.

стр. 4486

وفي لغو شهادة الشاهد في دار بأنها في ملك فلان حتى يقول: ومال من ماله، وقبولها مطلقًا، ثالثها: إن كان الشهود لهم نباهة ويقظة لابن سهل عن ابن ملك قائلاً: شاهدت القضاء به، وأبي المطرف وابن عتاب، ونقل الصقلي عنها، قال مالك: من ادعى عينًا قائمة من رقيق أو طعام أو عرض أو ناض أو غير ذلك، وأتى ببينة على ملكه ذلك، فمن تمام شهادتهم أن يقولوا: وما علمناه باع، ولا وهب، ولا خرج عن ملكه، ونحوه لأبي سعيد، والذي في «المدونة» ما نصه: سمعت مالكاً غير مرة يقول في الذي يدعي العبد أو الثوب، ويقيم بينة أنه شيئه لا يعلمه باع، ولا وهب، فإذا شهدوا بهذا استوجب ما ادعاه. وسمع ابن القاسم في كتاب الاستحقاق إذا شهدوا في السرقة قال: يشهدون أنهم ما علموه باع، ولا وهب على العلم. ابن رشد: معناه يزيدون ذلك في شهادتهم على معرفة الملك بالبت، وهذه الزيادة هي كمال الشهادة، وينبغي للقاضي أن يسأل الشاهد عن ذلك؛ فإن لم يزده ذلك في شهادته بطلت، ولم يحكم بها، وإن لم يسأله القاضي حتى مات الشهود أو غابوا؛ حكم بشهادتهم مع يمين الطالب؛ إذ لا يصح للشاهد أن يشهد بمعرفة الملك إلا مع غلبة ظنه أنه ما باع، ولا وهب فهي محمولة على الصحة. قلت: ووقعت في نوازل عيسى، ولم يزد فيها زيادة. ولما ذكر الصقلي قولها في كتاب الشهادات قال: وقال أشهب مثله: إن لم يقدر على كشف البينة، وإن وجدوا سئلوا. قال ابن القاسم: فإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق، فشهادتهم باطلة. وفي العارية منها: فإن شهدوا، ولم يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق حلف على البت كما ذكرنا ويقضي له. قلت: ظاهر قول الصقلي وابن رشد: (أن زيادة البينة لا يعلمون أنه باع ... إلخ)، إنما هي كمال في الشهادة لا شرط، وهو نص قولها في العارية، وكان ابن هارون، وابن

стр. 4487

عبد السلام من شيوخنا يحملون المدونة على قولين في كونها شرط إجزاء أو شرط كمال لقولها في الشهادات والعارية، وهو ظاهر نقل ابن عات في الطرر عن ابن سهر، والأظهر عدم حملها على الخلاف، وأن ما في العارية تفسير. قال عياض في كتاب العارية: قوله (إذا شهدوا على البت أنه ما باع ولا وهب على البت) هي غموس، وشهدوا بباطل وزور. قالوا: معناه أنه كذب وباطل إذا شهدوا على ما لم يحققوه من علم الغيب؛ لا أن حكمهم حكم شاهد زور؛ ثم اختلف هل هي عامله أم لا؟ لأن لفظها مشكل في الكتاب. وقال في كتاب الشهادات: قوله: شهادتهم زورن ثم قال: وأرى أ: ن يحلف الإمام الذي شهدوا له أنه ما باع ولا وهب، ولا أخرجه من يده بشئ مما يخرج به من ملكه. قال بعضهم: انظر أطلق عليها باطل وغموس، ثم جعله يحلف معها فلم يبطلها. فتأول بعضهم: أنها عند مالك مع قوله: هذا ماضية، يحكم بها، ونحى إليه ابن لبابة، وقال ابن أبي زَمَنَيْن: هو بعيد، وقال بعضهم: في المسألة تقديم وتأخير، وقوله: (أرى أن يحلفه الإمام) راجع للمسألة الأولى في الشهادة الصحيحة، ونحى إليه ابن أبي زَمَنَيْن. وقال بعضهم: لا يرد القاضي شهادتهم حتى يسألهم أيشهدون على البت أو على العلم؟ فإن أثبتوها سقطت شهادتهم، وإن ماتوا قبل كشفهم حكم بها، وقال بعضهم: إنما زور، فيها شهادة أهل العلم بما يلزم في ذلك، وأما الجهال فلا، ويعذرون في ذلك، ونحوه لأبي محمد وأبي عمران، ولا يختلف أنه لا يلزمهم ما يلزم شاهد الزور من العقوبة. قُلتُ: لما كانت الشهادة أحد أنواع العلم، والعلم ضروري، ونظري استبان لمن تأمل أن حصول العلم للشاهد بالملك إنما هو نظري حسبما تقدم في تفسير سحنون حقيقة الملك، والعلوم النظرية معروضة للتحول عنها، فلزم من ذلك تكليف الشاهد

стр. 4488

بتلك الزيادة في شهادته بالملك، وسائر متعلقات الشهادة غير الشهادة بالعدالة، والعدم من المدين هي من لعلوم الضرورية أو القريبة منها فلم يحتج فيها لتلك الزيادة، وشرط الشهادة بالعدالة، والعدالة نص إضافتهما إلى حال أدائها. فقول ابن رشد: لو شهدت بينة بملكة بالأمس، ولم تتعرض للحال لم تسمع حتى يقولوا إنه لم يخرج من ملكه في علمهم، ولو شهدت أنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار، ويستصحب موجبه كما لو قال المدعي عليه: هو ملكه بالأمس، وكما لو قال الشاهد: هو ملكه بالأمس، واشتراه من المدعى عليه بالأمس لم يأخذه بذلك، ولو شهدوا أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه كانت الشهادة جائزة، ويجعل المدعي صاحب اليد. قلت: أعيان هذه المسائل لا أعرفها نصا لغيره من أهل المذهب إلا لمن تبعه كابن الحاجب. وفي الوجيز للغزالي: لهو شهدوا بأنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار، وإن لم يتعرض الشاهد للملك في الحال، ولو قال المدعى عليه: كان مالكاً بالأمس فالظاهر أنه ينزع من يده؛ لأنه يخبر عن تحقيق فيستصحب بخلاف الشاهد، فإنه يخبر عن تخمين، ولو قال الشهد: هو ملكه بالأمس اشتراه من المدعى عليه بالأمس، أو أقر له المدعى عليه بالأمس سمعت في الحال؛ لأنه استند إلى تحقيق، ولا خلاف أنه لو شهد على أنه كان في يد المدعي بالأمس قبل، وجعل المدعي صاحب يد. ابن شاس: لو شهدت بينة أحدهما بالملك، وبينة الآخر بالحوز قضي ببينة الملك، ولو كان تاريخ الحوز متقدمًا. قُلتُ: قد تقدم هذا الفرع لأشهب. اللخمي: من أقام بينة في ثوب بيد رجل أنه رهنه عنده، وأقام الآخر بينة أنه اشتراه منه، فقال ابن القاسم: هو لمدعي الشراء إلا أن يقيم الآخر بينة بأن الرهن كان بعد الشراء. سحنون: وقال بعض أصحابنا: يقضى بأعدلهما، وكذا لو لم تقم بينة الراهن مصدق مع يمينه؛ لأن المرتهن أقر له بالملك، وادعى الشراء.

стр. 4489

وقوله: (في عدم البينة) صحيح، ومع بينة لكل منهما قول ابن القاسم أحسن؛ لأنا لا نحمل البينتين على التكاذب مع إمكان صدقهما فقد اتفقا على ملك القائم، وكان بيده البيع والرهن، فيمكن أن يكون رهن ثم باع، فتصح الشهادتان إلا أن تكون الشهادتان عن مجلس واحد ولفظ واحد فيقضى بالأعدل، فإن تكافأت في العدالة قضي بالرهن، لأن البينتين تسقطان، ويبقى إقراره. وقال مطرف: إن شهدت للقائم على الحائز أنه غصبه، وشهد للحائز بالشراء منه قضي ببينة الشراء؛ لأنه إن تقدم الغصب بطل حكمه بما وقع بعده ومن شراء، وإن تقدم الشراء كان قد غصب ملكه. قال ابن الحاجب: وتقدم الناقلة على المستصحبة. قلت: هو قولها في الشهادات من المدونة وغيرها. من قدم وادعى دارًا بيد غيره، وثبت الأصل له أو لأبيه. وفي شهاداتها وولائها: قال ابن القاسم، من مات وترك ولدين مسلمًا ونصرانيًا كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه، وأقاما بذلك بينة مسلمين، وتكافأت في العدالة أو لم تكن لهما بينة، فالميراث بينهما نصفين، وإن كان المسلم صلى على أبيه، ودفنه في مقابر المسلمين فليس الصلاة بشهادة، ولو لم يأتيا ببينة، وكان يعرف بالنصرانية فالنصراني أحق بإرثه حتى يقيم المسلم بينة على ما ذكر. وقال غيره: إن تكافأت البينتان قضي بالمال للمسلم بعد حلفه؛ لأن بينة المسلم زادت حين زعمت أنه مسلم. قال اللخمي في كتاب الولاء: إن تداعيا ذلك، ولا بينة حلفا، والإرث بينهما نصفين، وإن أر المسلم أنه كان نصرانيا ثم أسلم، حلف النصراني أنه لم يزل على دينه، واختص بالإرث إلا أن يصلي عليه المسلمون، ويدفن عندهم بحضرته ولا ينكر، فيسأل عن عذره في ذلك، وإن أقر النصراني أنه كان مسلما، ثم مات على النصرانية اختص المسلم بإرثه دون يمين؛ لأنه على قوله: مرتد، فهو مدع لغيره فلا يقبل قوله؛ لأنه غير عدل هذا إن قال: أسلم بعد أن كبرت، وإن قال: وأنا صغير كان النظر في

стр. 4490

بقائه على الكفر؛ وإن لم يعلم أصله. ففيها لابن القاسم: ليس صلاة المسلمين عليه بشهادة، وقال الأخوان وأصبغ: إن كان ذلك بحضرة النصارى قطع دعوى النصراني؛ وهو أبين، إلا أن يعلم للنصراني عذر، وهو أبين، ولو صلى عليه النصارى ودفنوه عندهم بحضرة المسلم اختص النصراني بإرثه. قلت: للشيخ عن الأخوين في الواضحة: إن دفن في مقابر المسلمين فليس بحجة على الآخر إلا أن يكون حاضرًا لا ينكر، فذلك يقطع حجته. اللخمي: وإن أقام كل وادح بينة على دعواه، فإن كانت بأنه لم يزل على ذلك إلى موته، ولا يعرفونه انتقل عنه كان تكاذباً، وقضي بأعدلهما، فإن تكافأتا كان الإرث بينهما، وكذا إن كانت البينتان على ما مات عليه، ولا علم عندهما بما كان عليه، وإن كان معروفًا بأحد الدينين أو أقر بذلك الولدان، ففي كون ذلك تكاذبا، والقضاء بالبينة التي نقلته عن الحالة الأولى؛ لأنها زادت حكما قولان، وعلى الثانية إن كانت الحالة الأولى كفرًا فالإرث للمسلم، وفي العكس لبيت مال المسلمين، وإن قالت إحدى البينتين: لم يزل يعرف على كذا، ولم ندر ما مات عليه، وشهدت الأخرى بما مات عليه، ولم تدر حاله؛ قيل: يقضى بالأخيرة إن كانت بإسلامه ورث المسلم، وفي عكسه بيت المال. الصقلي: قال بعض فقهائنا: لو شهدت إحداهما بأنا رأيناه يصلي بالمسجد، والأخرى بأنا رأيناه يؤدي الجزية، ولم يؤرخا قضي بالإرث للمسلم؛ لأنه يمكن أن يكون كافرًا فأسلم، ويحتمل أن يكون له نصفه ونصفه للمسلمين؛ لأن الأرث يكون له تارة، وتارة للمسلمين. اللخمي: قال أصبغ: فلو كان معهما أخ صغير فكلاهما مقر له بالنصف فله النصف كاملًا، ويجبر على الإسلام، والنصف لهما بعد إيمانها. سحنون: فإن مات الصبي قبل البلوغ حلفا وقسما ماله. اللخمي: أصل قولهم أن يكون المال بينهم أثلاثا، فإن خلف الميت ستين دينارًا كان لكل من الأولاد عشرون؛ لأن المسلم يقول: المال بيني وبين الصغير نصفين،

стр. 4491

والنصراني غاصب لنا، والغصب علي وعليه على قدر أنصبائنا، وذلك يؤدي إلى تساويهم فيه. وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان، ويوقف ثلث ما بيد كل منهما حتى يكبر الصبي فيدعي مثل دعواهما؛ فيأخذ ما وقف له من سهمه، ويرد إلى الآخر ما وقف من سهمه، فإن مات قبل أن يبلغ حلفا واقتسما ميراثه، فإن مات أحدهما قبل بلوغه، وله ورثة يعرفون؛ فهم أحق بميراثه ولا يرد، فإذا كبر فادعاه كان له. قلت: قول سحنون: فيأخذ ما وقف له من سهمه، ويدر إلى الآخر ما وقف له من سهمه، فإن مات قبل أن يبلغ حلفا وقسما ميراثه، وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفون؛ فهم أحق بميراثه ولا ترد، فإن كبر فادعاه كان له؛ خلاف قوله المتمم قول أصبغ؛ فتأمله. ابن شاس: ولو كان عوض الابنين جماعة، واختلفت الدعوى بينهم فعلى القول بالقسم يقسم المال بينهم نصفين، وإن تفاوتت أعدادهم. وفي الموازية: وظاهره عن كتاب ابن ميسر: إن ترك ولدين مسلمين، وولدين نصرانيين كافرين يدعي أن الأب مات على دينه قسم الإرث بينهم أرباعا بعد إيمانهم، فإن نكل فريق اختص الفريق الحالف بالإرث، ولو رجع أحد المسلمين أو أحد النصرانيين قسم الراجع مسلم للطائفة الأخرى، وقول ابن الحاجب: إن كان مع الولدين طفل. فقال سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بأيديهما، فإذا كبر فمن ادعى دعواه شاركه ورد الآخر ظاهره أنه يأخذ نصف تركته، وهو وهم إنما يأخذ الثلث الذي وقف له كذا نقله المازري، وابن محرز، والشيخ، وغير واحد، وابن شاس.

стр. 4492

[باب الدعوى] الدعوى: هو بحيث لو سلم أوجب لقائله حقًا.

стр. 4493

ابن شاس والمازري: من غصب منه شيء وقدر على استرداده مع الأمن من تحريك فتنه أو سوء عاقبة، بأن يعد سارقًا أو نحو ذلك جاز له أخذه، ولم يلزمه الرفع إلى الحاكم، وأما العقوبة فلا بد من الحاكم، وقولهم: (جاز) يقتضى عدم استحبابه، ويتخرج استحبابه مما يأتي أحرويًا من قول ابن الماجِشُون. وقال اللخمي: قال محمد في الإقرار الأول: من غصب منى شيئًا، ثم خفي له أخذه بعينه فأخذه جائز. قلتُ: فيجب تقييده بما تقدم، ومن قدر على أخذ حقه المالي ممن هو له عليه ففيه طرق. ابن رُشْد في المقدمات: من أودع رجلًا وديعة فجحده إياها، ثم إنه استودعه وديعة أو ائتمنه على شيء. فروى ابن القاسم في المدَوَّنة: لا يجحده، وروى أشهب: لا آمره بذلك، وإن أردت فعله فأنت أعلم. وروى ابن وَهْب: له أخذه إن لم يكن عليه دين، فإن كان بقدر حصاصه منه.

стр. 4494

زاد ابن نافع عنه: إن أمن أن يحلف كاذبًا؛ يريد: إن قبل منه أن يحلف ما له عندي حق على سماع أَصْبَغ في النذور، وقال ابن شعبان: تقبل يمينه ما له عنده وديعة، ولا غيرها بخلاف الحقوق الثابتة في الذمة، فما لا يلزم ذمته يحلف على أقل ما يبرئه من فروعه. وقال ابن عبد الحَكم: له أن يأخذ وإن كان عليه دين، وقال ابن الماجِشُون: أرى له استعمال الحيلة بما يقدر عليه حتى يأخذ حقه، ففي المسألة أربعة أقوال: المنع والكراهة والإباحة، والاستحباب كان عليه دين أم لا. وقيل: إنما هذا إن لم يكن عليه دين، فإن كان لم يأخذ إلا قدر الحصاص، وهو قول خامس، والأظهر من الأقوال الإباحة. اللخمي: إن كان عليه غرماء عالمين بفلسه أو شاكين، وتركوه يبيع ويشترى جاز له حبس جميعها، وإن كان ظاهره عندهم اليسر، ولو علموا ضربوا على يديه جاز له أخذ ما لا يشك أنه يصير له في المحاصة، وإن كانت الوديعة عرضًا جاز أن يبيعها، ويحسب الثمن مما له عليه، واختلف إن كان يحلفه إن هل يجحدها؟ فقال مالك: إنما له ذلك إن أمن أن يحلفه كاذبًا، واختلف في صفة اليمين. قيل: يحلف ما أودعتني شيئًا ينوي يلزمني رده، وقيل: ينوى والأولى مثله أو يحرك به لسانه وكل واسع. ابن الحاجب: وأما ما قدر على غيره، فثالثها: إن كان من جنسه جاز، وهذه طريقة ابن شاس، والقول الثالث ذكره رواية. وذكره المازري: قولا غير معزو لمعين وقال: ظاهر المذهب أن لا فرق بين جنس ماله وغيره.

стр. 4495

[باب المدعي والمدعى عليه] المدعي: من عريت دعواه عن مرجح غير شهادة. المدعى عليه: من اقترنت دعواه به.

стр. 4496

فقول ابن الحاجب: المدعي من تجرد قوله عن مصدق يبطل عكسه بالمدعي، ومعه بينه، ونحوه لابن شاس. وفي كتاب الرواحل من المقدمات عن سعيد بن المسيب المدعي من قال: قد كان والمدعى عليه من قال: لم يكن ومن عرفهما لم يلتبس عليه الحكم. ابن رُشْد: ليس قوله على عمومه في كل موضع إنما يصح إذا تجردت دعوى المدعي في قوله قد كان من سبب يدل على صدق دعواه؛ فإن كان له سبب يدل على تصديق دعواه أقوى من سبب المدعى عليه القائل: لم يكن بدئ عليه باليمين كمن حاز شيئًا عن غيره مدة الحيازة في وجه مدعي الشراء قبل قوله مع يمينه، وهو يقول: قد كان، والمدعى عليه يقول: لم يكن، وكذا المودع يدعى رد الوديعة، القول قوله، وهو يقول: قد كان والمودع يقول: لم يكن، وقول ابن الحاجب: فلذلك كان مدعي رد الوديعة مقبولًا لائتمانه، ومدعي حريَّة الأصل صغيرًا أو كبيرًا ما لم يثبت عليه حوز الملك بخلاف مدعي العتق هو قولها في الوديعة، وفي عتقها الثاني، ومن حاز صغيرًا حيازة الملك، وعرفت حيازته له وخدمته إياه، ثم كبر فادعى الحريَّة فلا قول له، وكذا إن ادعى الحريَّة في صغره، وإن كان إنما هو متعلق به، ولم يعلم فيه حوز فللصبي مصدق، وفي غير موضع منها لغو دعوى العبد على سيده أنه أعتقه. ابن شاس: والدعوى المسموعة هي الصحيحة، وهي أن تكون معلومة

стр. 4497

صحيحة؟ قُلتُ: هو نقل الشَّيخ عن المجموعة عن عبد الملك قال: إذا لم يبين المدعي دعواه ما هي وكم هي لم يسأل المدعى عليه عن دعواه حتى يبينه الطالب في طلبه، فيسأل حينئذ المطلوب عن دعواه، ونقله المازري عن المذهب وقال: وعندي لو قال الطالب: أتيقن عمارة ذمة المطلوب بشيء أجهل مبلغه، وأريد جوابه بذكره مفصلًا أو إنكاره جملة لزمه الجواب. ابن شاس: وكذا لو قال: أظن أن له لي عليك فاختصره ابن الحاجب بقوله: وشرط المدعي أن يكون معلومًا محققًا، فقبله ابن عبد السلام، وابن هارون ولم يذكروا فيه خلافًا. وفي رسم الطلاق من سماع القرينين: من دخل بزوجته، ثم مات فطلبت صداقها حلف الورثة ما يعلم بقي عليه صداق. ابن رُشْد: أوجب اليمين عليهم، وإن لم تدع ذلك عليهم خلاف ما في النكاح الثاني من المدَوَّنة، وما في الغرر منها في التداعي في وقت موت الجارية المبيعة على الصفة، فإن نكلوا عن اليمين حلفت المرأة أنها لم تقبض صداقها، وتستوجبه لا على الورثة علموا أنها لم تقبضه، فهذه اليمين ترجع على غير ما نَكَل عليه الورثة، ولها نظائر كثيرة. قُلتُ: ويختلف في توجه هذه اليمين إذا لم تحقق المرأة ذلك على الورثة؛ لأنها يمين تهمه، ولا يختلف في رجوعها على المرأة بمعرفتها بما يحلف عليه كما يختلف في رجوعه يمين التهمة. وقول ابن الحاجب: ولا يحلف مع البينة إلا أن يدعي عليه طرو ما يبرئه من إبراء أو بيع؛ هو قولها في اللقطة وغيرها، ولا يستحلف طالب الحق مع شاهديه؛ يريد: غير يمين الاستحقاق في غير الربع عن المشهور، وأسقطها ابن كنانة مطلقًا؛ قاله في الطرر، وفي الربع قولان.

стр. 4498

ولظاهر عموم قولها: قال ابن دحون في سمَاع ابن كنانة: من شهدت له بينة بموت موروثة، وأنهم لا يعلمون له وارثا غيره، فإنه يستحلف مع بينته بذلك. قُلتُ: يستحلف حرف سوء لا خلاف أنه لا يحلف مع بينته. ابن رُشْد: قوله: (لا خلاف أنه لا يحلف) غير بين؛ لأنه لو ادعى أحد أنه وارثه، وادعى عليه علمه ذلك لزمته اليمين اتفاقًا، فصارت يمينه كيمين الاستحقاق. وسمع عيسي ابن القاسم: من طلب غريم موكله بدين له عليه بذكر حق فادعى الغريم أنه دفع نصف الحق لموكله، ولا بينة له لم ينفعه ذلك، وغرم جميع الحق، ولا يؤخر للقائه الغريم، فلو غرم، ثم قدم رب الحق فأقر بالقبض، والوكيل معدم أو موسر لم يرجع إلا على رب الحق. ابن رُشْد: لم يفرق بين أن يكون الموكل قريبًا أو بعيدًا، وفرق ابن عبد الحَكم بين قربه وبعده، وهو عندي تفسير لهذه الرواية، ولقول أَصْبَغ في نوازله في كتاب البضائع: وقيل: لا يقضى للوكيل حتى يكتب الموكل فيحلف، وإن كان بعيدًا على مسألة نوازل عيسى في يمين الاستحقاق. وفرق بعض أهل النظر بين يمين الاستحقاق ويمين دعوى القضاء: وقيل: إن الوكيل يحلف على العلم، وحينئذ يقتضى، ومضى تحصيله في رسم العتق من سمَاع عيسى من الأقضية، وظاهر هذه الرواية، وما في نوازل أَصْبَغ: أنه ليس على الإمام أن يستحلف الموكل على قبض حقوقه الغائبة أنه ما قبض منها شيئًا، ويكتب له دون يمين خرج أو وكل خلاف كا في رسم العتق من سمَاع عيسي من كتاب الأقضية: أنه يستحلف في الوجهين معًا ما اقتضى، ولا أحال ولا قبض، ثم يكتب له، وعلى ظاهر هذه الرواية جرى العمل. وقيل: يستحلفه إذا وكل لا إذا خرج، وهو أولى الأقوال، ومعنى قوله: (لم يرجع إلا على رب الحق) معناه أنه لا يلزمه أن يرجع عليه، ويترك رب الحق بل له أن يرجع على من شاء منهما.

стр. 4499

قُلتُ: قوله: (وفرق بعض أهل النظر) هو قوله في رسم العتق من سمَاع عيسى من كتاب الإقضية: وفرق بعض المتأخرين بأن يمين الاستحقاق من تمام الشهادة، وهى يمين يوجبها الحكم واليمين في مسألة الدين لسيت كذلك، وإنما تجب بدعوى الغريم القضاء، وذهب ابن أبى زيد إلى حمل المسألتين بعضهما على بعض، وهو بين من قول أَصْبَغ لحكاية ابن حبيب عنه أنه يقضى للوكيل في مسألة الاستحقاق في غيبة الموكل إن بعدت، فيتحصل ثلاثة أقوال القضاء وعدمه، والثالث: الفرق بين مسألة الدين والاستحقاق، ورابعها: لابن كنانة أنه يحلف الوكيل. وقاله ابن القاسم في المدّنيَّة: وكل هذا في الغيبة البعيدة والقريبة لا يقضى لها في المسألتين إلا بعد يمينه. قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: فلو قال: أبرأني موكلك الغائب، فقال ابن القاسم: ينظر، وقال ابن كنانة: إن كان قريبًا كاليومين. قلتُ: وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وهو خلاف ما تقدم من سمَاع عيسى، وظاهر ذكره ابن رُشْد مخرجًا على نوازل عيسى أنه غير منصوص مطلقًا. قال ابن عبد السلام: ولقول ابن القاسم: ما استعمله المتأخرون من القضاة في تمكين الموكل من الحلف على عدم الإبراء، وما يزيدون معه من الفصول وتسامحوا فيها، وإن كانت يمينًا قبل توجهها، والأصل أن لا يمكن منها. قلتُ: هذا يقتضى عدم نص المتقدمين هذه اليمين، وقد تقدم ثبوت ذلك في رسم العتق من سمَاع عيسى من كتاب الأقضية. ابن هارون: من له ديون مؤجلة فأراد سفرًا، ووكل وكيلًا على اقتضائها فهل يمكن من حلف يمين الرغبة أم لا؟ مكنه من ذلك بعض القضاة الأندلسيين، ومنعه بعضهم. قلتُ: الأظهر أن المنع لعدم حلولها فهي يمين غير مفيدة. قال ابن رُشْد: ومن ادعى قال: لي بينة قرينة، وطلب منه كفيلًا أخذ منه كفيل لنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة، وكذا إن قامت له البينة فله طلب الكفيل قبل

стр. 4500

التعديل. وقال ابن الحاجب: ومن استمهل لإقامة أو لدفعها أمهل جمعة، ويقضي ويبقى على حجته. قلتُ: هو مقتضى نقل الشَّيخ عن محمد: لو قال القاضي: ... للخصم قبل الحكم: أبقيت لك حجة؟ قال: نعم، وقد تبين للقاضي أن حجته نفدت، وأنه ملد فليضرب له أجلًا غير بعيد، فإن تبين لديه أنفذ عليه الحكم، ولو ادعى بينة بعيدة لم يمهل. وفيها: من ادعى قبل رجل غصبًا أو دينًا أو استهلاكًا، فإن عرف بمخالطته في معاملة أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب نظر فيه الإمام، فإما أحلفه له أو أخذ له كفيلًا حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرف له. عياض: قال بعضهم: جعل له أخذ الكفيل، ولم يجعله في كتاب الكفالة ولغيرة هناك كما له هنا، وقال آخرون: ظاهره أخذ الكفيل، بمجرد الدعوى لقوله: (وأما الدين فإن كانت بينهما خلطة، وإلا لم بعرض له) يدل أن الوجه الأول بخلافه. عياض: يحتمل أن يكون الكفيل بمعنى الموكل به، وقول من قال: ألزمه الكفيل بمجرد الدعوى فغير بين، لقوله: إن كان يعرف بينهما خلطة في دين. قال ابن الحاجب: وللمدعي طلب كفيل في الأمرين. ابن عبد السلام: الأمران طلب المدعى إقامة بينه بحقه، وطلب المدعى عليه إقامة بينة يدفع بها بينة الطالب. وقال ابن هارون: يحتمل أن يريد بالأمرين ادعاء المطلوب دفع بينة المدعي أو تجريحها. قلتُ: لا يخفي بعده. وسمع القرينان: من أقام بينه على استحقاقه منزلًا، فيسأل المدعى عليه أن يؤجل ليأتي ببينة له فيها حجة، فأؤجله الشهرين والثلاثة، فلا يأتي بشيء، ويذكر غيبة شهوده أيضرب له أجل آخر؟

стр. 4501

قال: أما المأمون الذي لا يتهم على المدعي باطلًا فيزيده، والملد الذي يرى أنه قصد إضرار خصمه فلا يمكنه من ذلك إلا بما تقارب شأنه ثم يقضي عليه. ابن رُشْد: لأن ضرب الآجال مصروف لاجتهاد القضاة بحسب ما يظهر من حال المؤجل، والذي مضى عليه عمل الحكام في التأجيل في الأصول ثلاثون يومًا، عشرة أيام، ثم عشرة، ثم يتلوم له بعشرة أو ثمانية، ثم يتلوم له بأربعة عشر أو خمسة عشر، ثم ثمانية، ثم أربعة، ثم يتلوم له تتمة ثلاثين أو يضرب له أجلًا قاطعا ثلاثين يومًا يدخل فيه التلوم، والآجال كل ذلك مضى من فعل القضاة هذا مع حضور بينته بالبلد، وإن كانت غائبة عن البلد بأكثر من ذلك على ما تضمنته هذه الرواية من اجتهاد الحاكم، وإن امتنع المدعى عليه من أن يقر أو ينكر. فقال اللخمي: روى عن محمد: المدعى فيه أن يجبر على أن يقر أو ينكر. محمد: فإن أبى حكمت عليه للمدعي دون يمين، وقال أَصْبَغ: يقال له: إن لم تخاصم أحلفت المدعي، وحكمت له عليك إن كانت الدعوى يستحق بها مع نُكُول المطلوب عن اليمين إذا أثبتت لطخًا؛ لأن نكوله عن الكلام نُكُول عن اليمين، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة دعاهم بها، ولا يسجنه حتى يتكلم، ولكن يسمع من صاحبه ويحمل الحكم عليه. اللخمي: المدعى بالخيار بين أخذ ذلك بغير يمين على أنه متى عاد المدعى عليه للإنكار، والخصومة كان ذلك له، وبين أن يحلف الآن وبحكم له به ملكًا بعد إعلام المدعى عليه إن لم يقر أو ينكر حكم عليه كالناكل، ولا ينقض حكم من خاصم بالاحتجاج، وينقض بالبينات وبين أن يسجن فلا أحلف، وهذا كقولهم في الشفيع: يكتمه المشتري الثمن؛ فاختلف هل يسجن له الآن حتى يقرأ أو يقال له: خذ ولا وزن عليك حتى يثبت الثمن، هذا إن كانت الدعوى في معين، دار أو عبد، وإن كانت في شيء في

стр. 4502

الذمة وأقام لطخا فكذلك، وإن لم يقم لطخا لم تسمع دعواه. وإن ادعت الزوجة الطلاق فلم يقر الزوج، ولم ينكر يسجن حتى يقر أو ينكر، وحيل بينه وبينها، وتطلق عليه إن طال الأمر لحقها في الوطء، وإن ادعت عليه النكاح سجن حتى يقر أو ينكر، ولو ادعى عليها نكاحاً فلم يقر، ولم تنكر حيل بينها وبين الأزواج حتى تقر أو تنكر، وكذا السيد يدعي عليه البعد العتق، فإنه يسجن حتى يقر أو ينكر. الشيخ في المجموعة عن أشهب: إن سأل المدعى عليه طالبه من أي وجه يدعي عليه هذا المال فقد تقدمت بيني وبينه مخالطة فسئل عن ذلك، ولم يقض القاضي بشيء على المدعى عليه حتى يسمي المدعي السبب الذي كان له به الحق أو يقول: لا أعلم وجهه، ولا أذكره، فلا يكون عليه في ذلك يمين أنه لا يذكره، وسأله البينة على دعواه، ومثله في كتاب ابن سَحنون، وزاد: إن أبى الطالب أن يخبر بالسبب، فإن قال: لأني لا أذكر وجه ذلك قبل منه، وإن لم يقل ذلك فلا يقضى له بشيء حتى يذكر سبب دعواه أو يقول لا أذكر سببه، ولا يمين عليه أنه لا يذكر سببه، ويسأله البينة على دعواه، ونقله الباجي بلفظ: إن أبى الطالب أن بين سبب دعواه، وادعى نسيانه قبل منه بغير يمين، وألزم المطلوب أن يقر أو ينكر. قال الباجي: القيام عندي أن لا يوقف المطلوب حتى يحلف الطالب أنه لا يذكر ما يدعيه، إذ لعله بذكر السبب يجد مخرجاً، وإن امتنع من ذكر السبب من غير نسيان لم يسأل المطلوب عن شيء. قلت: في دلالة الرواية على ما ذكر الباجي من قوله: (وألزم المطلوب أن يقر أو ينكر) نظر فتأمله، ونقل المازري كالباجي. وقول ابن شاس: جواب دعوى القصاص على البعد يطلب من العبد، ودعوى الأرش، يطلب جوابه من السيد واضح؛ لأن الجواب إنما يطلب من المدعى عليه، وهو في الأولى العبد؛ لأن إقراره به عامل دون سيده، وفي الثانية السيد؛ لأن إقراره به عامل دون العبد.

стр. 4503

ولفظ اليمين في حقوق اللعان والقسامة فيها: يحلف المدعى عليه أو من يحلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلى هو، لا يزيد على هذا، ومثله ذكر الشَّيخ من رواية سَحنون بزيادة: لا أعرف غير هذا، ولابن رُشْد في رسم الأقضية من سماَع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وفي صفة اليمين اختلاف كثير المشهور قولها، وقيل: يزيد عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وهو قول ابن كنانة في المدنيَّة. اللخمي: واختلف إن قال: والله لم يزد، أو قال: والذي لا إله إلا هو؛ فمقتضى قول مالك: أنها يمين جازية، وقال أشهب في الموازيَّة: لا يجزيه اليمين في الوجهين. قلت: هو ظاهر المَدونَّة، واختار الأول قال: لأنه لا خلاف فيمن قال: والله، ولم يزد، أو قال: والذي لا إله إلا هو، أنها يمين تكفر. قُلتُ: لا يلزم من أنها يمين تكفر أن يجزئ في الحقوق لاختصاص يمين الخصومة بالتغليظ، ولما ذكر المازري قول أشهب: قال: وحمل بعض أشياخي عن مالك أنه يرى الاكتفاء بقوله: والله فقط، وإنما يتعلق في هذا بقوله في كتاب اللعان يقول: بالله، وليس مقصود مالك في اللعان بيان اللفظ المحلوف به، وذكر المازري في لفظ يمين اللعان خمسة أقوال، فقال في المَدوَّنة: يحلف بالله، وفي الموازيَّة يقول: أشهد بعلم الله. وقال محمد: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، والرابع زيادة: الرحمن الرحيم، وقال ابن الماجِشُون: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم، ونحوه للخمي. المازري في القسامة ثلاثة أقوال: بالله الذي لا إله إلا هو، والثاني أن يقول: الذي أمات وأحيا، والثالث أن يقول: الذي لا إله إلا هو عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم. الباجي عن ابن حبيب عن الأخوين: بالله الذي لا إله إلا هو. محمد: والعبد كالحر، وهو مشهور قول مالك وابن القاسم وروايته ورواية ابن كنانة بزيادة: عالم الغيب والشهادة. وقال ابن رُشْد في رسم القبلة من سمَاع ابن القاسم، وعن مالك وابن القاسم

стр. 4504

يقول: (أقسم بالذي أمات وأحيا). وسمع يحيى ابن القاسم في الديات صفة حلف القسامة أن يقولوا: بالله الذي لا إله إلا هو، ليس عليهم أن يقولوا: الرحمن الرحيم، ولا الطالب الغالب المدرك. ابن رُشد: هذا مشهور مذهبه، وعزا لابن كنانة مثل قول ابن الماجِشون قال: وفي كتاب ابن شعبان: من حلف عند المنبر فليقل: ورب هذا المنبر. وروى ابن القاسم وابن وَهْب يقول: بالله أمات وأحيا، والزيادة على بالله الذي لا إله إلا هو، عند من رواها استحسان إذا لم يختلف في أنه إن لم يزد على ذلك أجزأته يمينه. قلتُ: وقاله اللخمي. وفيها: ولا يحلف النصراني أو اليهودي في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليه الذي أنزل التوراة والإنجيل. اللخمي: قال ابن شعبان: روى الواقدي: أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وقول ابن عبد السلام: النصراني يقر بالتوراة والإنجيل فلعله يغلظ عليه بذكرهما معاً، والمؤلف لم يبينه خلاف ظاهر الرواية. ابن محرز: قال في الكتاب في النصراني: لا يحلف إلا بالله، وظاهره أنهم لا يحلفون بالله الذي لا إله إلا هو، وقاله ابن شبلون وغيره: قالوا: لأنهم لا يوحدون، ولا يكلفون ما ليس من دينهم، وليس كذلك بل يحلفون اليمين على هذه الصورة، ولا يكون ذلك منهم إيمانا، ونص عليه متقدمو علمائنا، ويدل عليه استحلاف المجوس بالله، وهم ينفون الصانع تعالى الله عن قولهم. زاد عياض: وفرق ابن شبلون بين اليهود فألزمهم ذلك لقولهم بالتوحد، وبين بغيرهم. المازري: وفى تمكين المسلم من استحلافه اليهودي يوم السبت قولا القابسي وبعض المتأخرين، فخص بعضهم الخلاف باليهودي؛ لأن النصراني لا يعظم يوماً،

стр. 4505

وعممه ابن عات فيهما، قال: لأن يوم الأحد له، والسبت لليهودي. اللخمي: اختلف في محل اليمين، فقال ابن القاسم: محله في أقل من ربع دينار، وفى ربعه في المسجد الجامع حيث يعظم منه. الشَّيخ عن محمد: والثلاثة دراهم ربع دينار، وذكره ابن سَحنون رواية، وذكر القاضي عبد الوهاب عن بعض المتأخرين: الاستحلاف في المسجد في القليل والكثير. المازري: والمعتبر في المعيب قدر قيمة العيب إن فات المبيع، وإلا ففي كونه كذلك قولا أَصْبَغ، وحذاق الأشياخ. وقال المازري في بعض الروايات: الإشارة إلا أنه لا يشترط اليمين عند المنبر إلا منبره ﷺ ، ولابن حبيب عن بعض أصحاب مالك: أن الاستحلاف عند المنبر، وتلقاء القبلة يشير إلي أن المحراب هو أعظم ما في المسجد، ومعروف المذهب اختصاصه بالجامع الأعظم، وفي المذهب ما يشير إلى مساواة مساجد الجماعات والقبائل للجامع الأعظم. اللخمي: إن كانت اليمين في مسجده ﷺ فعند المنبر. وقال محمد: على المنبر. قال مالك: ويحلف بمكة عند الركن. وقال ابن مالك الجلاب: يستحلف الناس في أقل من ربع دينار في سائر المساجد، ولا يحلف عند المنبر إلا منبره ﷺ في ربع دينار. الباجي: في سائر منابر البلاد عند المحراب، وأعظم ما في المساجد المحاريب، فيحلف عندها قرب المنبر، ولو كان المنبر في وسط المسجد حلف عند المحراب دون المنبر. وفيها: وتخرج المرأة فيها له بال من الحقوق، فتحلف في المسجد، فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً، وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن يخرج، ويبعث القاضي إليها من يحلفها، ويجزئه رجل واحد. اللخمي في الموازيَّة: تحلف المرأة في بيتها في أقل من ربع دينار، وفي ربع دينار في

стр. 4506

الجامع، فإن كانت ممن تتصرف أحلفت نهاراً، وإلا أحلفت ليلاً، وأجاز سَحنون في امرأتين ليستا ممن تخرج أن تحلفا في أقرب المساجد إليهما. وقال القاضي عبد الوهاب: إن كانت من أهل الشرف والأقدار جاز أن يبعث الحاكم إليها من يحلفها، ولا مقال للخصم. ولماذا ذكر عياض حلف المرأة في بيتها حسبما تقدم قال: وهذا فيما تطلب فيه، ولابن كنانة في المدنيَّة قال: يحلف النساء اللاتي لا يخرجن في بيوتهن فيما ادعي عليهن، وأما إن أردن أن يستحققن حقهن فيخرجن إلى موضع اليمين، وقد حلف سَحنون مثل هؤلاء في أقرب المساجد إليهن، وأما شُيُوخ الأندلسيين فرأوا أنه لابد من خروج هؤلاء، ومن امتنعت حكم عليها بحكم الملد. قال عياض: وليس هذا بصواب. الشَّيخ في نوادره: روى ابن القاسم تخرج فيما له بال، فمن كانت تخرج بالنهار خرجت، وإلا خرجت بالليل، وفي الموازيَّة مثله. قلتُ: لمحمد: تخرج في ربع دينار. قال: لا إلا في الشيء الكثير الذي له بال، ومنهن من هي كالرجل تخرج هذه تحلف بالنهار في المسجد الجامع في ربع دينار، ولابن حبيب عن الأخوين من لا تخرج نهاراً تخرج في الليل في ربع دينار عياض: قوله: وأما ما سألت عنه من المكاتب، والمدرب، وأمهات الأولاد فسنتهم سنة الأحرار، إلا أني أرى أمهات الأولاد كالحرائر منهن من يخرج، ومنهن من لا يخرج حمل بعضهم أول الكلام على الذكور دون الإناث، وعليه اختصره أبو محمد، وحمله آخرون على الذكور والإناث، وأن ما عدا أمهات الأولاد كالرجال في الخروج لليمين؛ لأن حرمة أمهات الأولاد بحرمة ساداتهن وأبنائهن كالحرائر، وإليه ذهب ابن محرز، ووقع في كلام ابن القاسم في هذه المسألة في كتاب الشهادات، وأما ما سألت عنه من المدبرة والمكاتبة وأمهات الأولاد فسنتهن سنة الأحرار، وهو محتمل. قلتُ: وللباجي عن ابن القاسم: والحرة والعبد والمدبرة والمكاتبة سواء.

стр. 4507

فإن قلت: قولها: (وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج) مفهومه أنها تخرج في الكثير، وهو مناقض لما تقدم من أنها لا تخرج في الكثير. قلتُ: لهذا المفهوم صورتان هذه، وهو غير معمل فيها، والثانية أنها إن كانت ممن تخرج خرجت من بيتها لمحل يقتضي فيه الطالب يمينها، ولا يلزمه الذهاب إلى بيتها لاقتضائه؛ لأن الطالب حقاً في اقتضائه اليمين. قال الباجي: وعندي لو حلف عند المنبر دون أن يقتضيه صاحب اليمين، لم يبر بها حتى يحلف، وصاحب الحق مقتض ليمينه. قلتُ: وذكر لنا شيخنا ابن عبد السلام أنه حكم لرجل بيمين على امرأة، وطلب حضورها معها لحلفها فامتنعت هي، وزوجها خوف اطلاعه عليها. قال: فحكمت بحضوره إياها متباعداً عنها أقصى ما يسمع منها لفظ اليمين. وفيها: في الحالفة في بيتها، ويبعث القاضي إليها من يحلفها لصاحب الحق، ويجزئه رجل واحد. قلتُ: ظاهره أنه لا يقضى له بحضور يمينها في بيتها. عياض: هذا يدل على أحد قوليه في هذا الأصل فيمن يوجهه القاضي للإحلاف، والحيازات، والأعذار، والنظر في العيوب، والترجمان، والقائف أنه يجزئ في ذلك رجل واحد، ولو زعم من وجب حلفه عجزه عن الخروج لمحل الحلف لمرضه، ففي نوازل الشعبي أربعة. ابن بقيّ: إن أثبت ذلك ببينة حلف ببيته، وإلا أخرج. ابن حارث: وإلا حلف لا يقدر على الخروج، ولا راكباً، وخير المدعي في حلفه ببيته، وتأخيره لصحته، فإن نّكَل لزمه الخروج أو رد اليمين. ابن لبابة: إن ثبت مرضه حلف في بيته بالمصحف، وإلا حلف على عجزه، وخير المدعي في الأمرين. ابن زَرْب: يختبر القاضي صدقه ببعثه له شاهدين، وأنكره محمد بن ميسور. وفي كون التغليظ بالمكان شرطاً في اليمين طريقان.

стр. 4508

الشَّيخ عن ابن حبيب: من نَكَل في ماله بال له أن يحلف في المسجد عند المنبر، وشبهه من المواضع، فقال: أحلف في مكاني فهو كنكوله يغرم إن ادعي عليه، وبطل حقه إن كان مدعياً، وقضى به مروان على زيد بن ثابت. قاله الأخوان، المازري: في كون التغليظ مستحقاً أو مستحبّاً قولان. اللخمي: ولا يحلف من الأيمان إلى غير موضعه إلا في القسامة. قال مالك: يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس وغيرهم يستحلفون في مواضعهم، إلا أن يكون قريباً من المصر العشر الأميال ونحوها، وقال أبو مصعب: يجلب إلى الأمصار من كان على ثلاثة أميال، وهو أحسن، ولا يمكن من كان من البوادي من الدماء فتضيع. اللخمي: اختلف هل يقام الحالف، وهل يستقبل به القبلة؟ فلابن القاسم فيها: ليس عليه أن يستقبل به القبلة، وقال مالك في كتاب ابن سَحنون: يحلف جالساً، وفي كتاب محمد قائماً، وقال الأخوان: يحلف قائماً يستقبل به القبلة إلا أن يكون أقل من ربع دينار، فيحلف في مكانه جالساً، قال مالك في كتاب آخر: ليس على الحالف في غير المسجد أن يقوم؛ يريد: أنه يقوم إذا كانت اليمين في الجامع، وأرى أن يستقبل القبلة في قليل ذلك وكثيره، ولا يقام وإن كانت اليمين في الجامع، وقد يستحسن ذلك في القتل، ولم يقم النبي ﷺ في اللعان إلا في الخامسة أقام المرأة في موضع الغضب، وقيل: أقام الرجل في الخامسة، وليس في الصحيح. الشَّيخ: في كتاب ابن سَحنون: قيل لمالك: أيحلف قائماً أو قاعداً؟ قال: قائماً أبين. قال مالك: يحلف في القسامة قائماً، كذلك اللعان، وقول ابن شاس: حكى ابن عبدوس عن أشهب أن القيام في الأيمان إنما هو في اللعان، وفي القسامة لم أجده في النوادر، وتقدم نقل اللخمي فيه. وفيها: يحلف اليهودي والنصراني في كنائسهم، وحيث يعظمون، ويحلف المجوس في بيت نارهم، وحيث يعظمون.

стр. 4509

الباجي: وهل تغلظ بالزمان؟ وروى ابن كنانة في كتاب ابن سَحنون يتحرى بأيمانهم في المال العظيم، والدماء، واللعان وقتاً يحضر الناس فيه المساجد، ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من مال وحق، ففي كل حين، ولابن حبيب عن الأخوين: لا يحلف حين الصلوات إلا في الدماء واللعان، وأما في الحقوق ففي أي وقت حضر الإمام استحلفه، وقاله ابن القاسم وأَصْبَغ، ابن شاس: قال في الكتاب: وشرط اليمين أن تطابق الإنكار. قلتُ: هو قولها في الشهادات: ومن اشترى منك ثوباً، ونقدك ثمنه، وجحدته الاقتضاء، وطلبت يمينه، فأراد أن يحلف أنه لا حق قبله لم يكن له ذلك. قال مالك: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا؛ لأن هذا يريد أن يورك. ابن القاسم: يعني بقوله: يورك الإلغاز. قلتُ: نقلها الباجي عن مالك في الموازيَّة لا من المدَوَّنة، قال: وقاله مُطّرِّف، وقال ابن الماجِشُون: إذا حلف ما له عليه شيء من كل ما يدعيه، فقد برئ، واختاره ابن حبيب، وفي الموازيَّة والعتبيَّة القولان. قلتُ: نقل المازري، واختار ابن حبيب الاستظهار بقرائن الأحوال، فإن كان المدعى عليه من أهل الصلاح والفضل، والمدعي من أهل التهم وممن يظن به ادعاؤه الباطل منع في اليمين بقول ابن الماجِشُون: (وشرط اليمين مع الشاهد) موافقتها شهرته معنى ولفظاً. الباجي: وصفة اليمين مع الشاهد أن يحلف على ما شهد له، فإن شهد بإقرار المطلوب لم يكن له أن يحلف أن له عليه كذا؛ بل يحلف لقد أقر له فلان بكذا. قاله ابن عبد الحَكم: فإن كان المطلوب غائباً زاد، وإن حقه لباق عليه، وما عنده به رهن، ولا وثيقة ويقضى له. قال ابن عبد السلام: هذا على أن اليمين مع الشاهد كشاهد آخر، ومنهم من جعلها تقوية له، وعليه لا يبعد كونها على وفق الدعوى كاكتفاء ابن الماجِشُون في يمين

стр. 4510

المدعى عليه بالحلف على نفي دعوى المدعي سواء طابق الإنكار أو لم يطابق. قلتُ: يرد بأن شرط اليمين مع الشاهد موافقتها شهادة الشاهد فيها أثبته في المعنى اتفاقاً أو إجماعاً والحلف مع الشاهد على وفق الدعوى هي أعم من خصوص ما شهد به الشاهد. والأعم لا يستلزم الأخص إثباتاً فلا يستلزم الحلف على الدعوى نفس ما أثبتته شهادة الشاهد، وقول ابن الماجِشُون: إنما هو في الحلف على أمر هو أعم من خصوص الدعوى، وهو في باب النفي، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فاستلزم حلفه نفي الدعوى فتأمله. وما ذكره من الخلاف في حال اليمين مع الشاهد لا أعرفه على النحو الذي ذكره؛ بل قول المازري: اضطرب العلماء في القضاء بالشاهد واليمين هل القضيَّة مستندة إلى الشاهد واليمين كالتقوية له، أو مستندة إلى اليمين، والشاهد كالمقوي لها أو مستندة إليهما جميعاً. الشَّيخ: من قول مالك وأصحابه أن من أقام بينة بدين على حاضر أنه لا يحلف على أنه ما قبضه حتى يدعي المطلوب أنه دفعه إليه، أو دفعه عند دافع، ولو كان الحكم بالدين على ميت أو غائب لم يقض للطالب حتى يحلف أنه ما قبضه منه، ولا من أحد بسببه، ولو كان الدين لميت قام به ورثته على ميت أو غائب، فلابد أن يحلف أكابرهم أنهم ما يعلمون أن وليهم قبضه من المقضي عليه، ولا من أحد من مسببه، ولا يحلف الأصاغر، وإن كبروا بعد موته. قلتُ: قوله: (ولا يحلف الأصاغر) يدل باللزوم على نص قولها: لا يمين على صغير، ولا على من يظن به علم ذلك، وفي سلمها الأول، وإذا أصاب المسلم إليه رأس المال رصاصاً أو نحاساً فردها عليه فقال له: ما دفعت لك إلا جياداً، فالقول قوله ويحلف ما أعطاه إلا جياداً في علمه ألا أن يكون إنما أخذها على أن يريها، فالقول قوله مع يمينه، وعليه بدلها. التونسي: إن حقق أنها ليست من دراهمه حلف على البت، فإن نكل حلف قابضها على البت؛ لأنه موقن،

стр. 4511

قلتُ: ظاهره: ولو كان حلف الأول على العلم، فتكون يمينه تنقل على خلاف ما تتوجه. قال ابن رُشْد: وهو في مسائل كثيرة. قلتُ: وذكر غير واحد من شُيُوخ الفاسيين في صفة الحلف ثلاثة أقوال، قولها الثاني: يحلف على البت مطلقاً، الثالث: هذا إن كان صيرفياً دون عزو، وعزاها ابن حارث لابن القاسم، وابن كنانة، وابن الماجِشُون، وقال ابن شاس بعد ذكر الأول: ولو قال: ما أعرف الجيد من الرديء، فقال بعض الأصحاب: يحلف ما أعطيته رديئاً في علمي. قلتُ: فالأقوال خمسة. نقل التونسي، والثلاثة، ونقل ابن شاس. المازري: وينظر في حق الله تعالى في إباحة اليمين مع الشاهد للصغير الذي لم يعاين ما شهد به الشاهد، ولا علمه ضرورة، فإن لم يعلم ذلك إلا من قول الشاهد، وغلب على ظنه صدقه بخبره أو غير ذلك، ففي إباحة اليمين له بذلك، ووقفها على يقينه قولان لكتاب ابن سَحنون والموازيَّة. واحتج سَحنون بجواز تصرف الولد الصغير في مال شهد له شاهدان بأنه لأبيه، وظاهر قوله: إسناد هذا الاحتجاج لمالك، وفيه إشكال؛ لأن التصرف في الأموال، ورد من الشرع التعويل فيه على الظن للضرورة إلى ذلك، ولو وقف ذلك على اليقين لأدى إلى ضرر عظيم، وأما تعليق التكليف بتعظيم اسم الله، والقسم به بيقين الصدق، فلا يلحق به ضرر عام وبعض أشياخي يضيف هذين القولين لمالك. قلتُ: وتقدم هذا، وأخذ الأول من ظاهر قولها في الشهادات، وأظهر منه قولها في الوديعة: وإن بعث إليه بمال، فقال: تصدقت به علي، وصدقه الرسول، وأنت منكر للصدقة فالرسول شاهد يحلف معه المبعوث إليه، ويكون المال صدقة عليه. قيل: كيف يحلف، ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه، واختصرها أبو سعيد سؤالاً

стр. 4512

وجواباَ لعدم إفادة الجواب نفي الإشكال؛ لأن حاصله أنه أتى بصورة مماثلة للمسؤول عنها فتستشكل كما استشكلت الأولى. قال ابن شاس: اليمين على نيَّة القاضي، وعقيدته فلا تصح تورية الحالف، ولا استثناؤه بحيث لا يسمعه القاضي تقدم الكلام في نيَّة الحالف في الأيمان، وأن الخلاف عام في يمين القاضي وغيره حسب ما نص عليه ابن رُشْد قي سمَاع أَصْبَغ منه قال: إلا أن تتضمن نيَّة المحكوم عليه إبطال حق فهي عليه نيَّة المحلوف له اتفاقاَ، وفي لزوم نفي المدعى به في اليمين بعينه والاكتفاء بعموم يشمله خلاف تقدم عزوه. الباجي عن أشهب: إن بين المدعي السبب فأنكر المطلوب، وقال: أحلف أنه لا شيء له عندي في هذا السبب لم يجزه حتى يقول: ولا أعلم له شيئاً بوجه من الوجوه، قاله أشهب في المجموعة ونحوه في كتاب ابن سَحنون هـ. والظاهر أنه يجزئه؛ لأن الطالب لم يطلبه بغير ذلك، ومن حق المطلوب أن لا يحلف حتى يقول له الطالب: هذا آخر حقوقي عندك. قال ابن الحاجب: فإن ذكر السبب نفاه معه على المشهور. قلت: انظر الضمير في قوله (معه) على من يعود، وفسره ابن هارون بمسألة كتاب الشهادات المتقدمة، قال: يعني قوله: (نفاه معه) أي: نفى السبب مع العدد. قلتُ: لا يخفى بعده، وفسره ابن عبد السلام بمسألة أشهب وسَحنون، وهو أيضاً بعيد. ابن الحاجب: قال الباجي: القياس أن يكتفي بذكر السبب، وعن مالك ماله عندي حق. قلتُ: ظاهر أن قول مالك في نفس الصورة، وفيه نظر؛ لأن الباجي قال بعد ذكر ما تقدم ما نصه: وإن ادعى أنه أسلفه أو باع منه لم يجزه قوله: (لا حق به عندي) حتى يقول: لم تسلفني أو له تبع مني، قاله سَحنون، وهو مقتضى قول مالك قال: وربها قيل منه الجواب ما له على حق، وإلي القول الأول رجع مالك. قال ابن الحاجب: قال ابن دينار: قلت لابن عبدوس: أيضطر إلى يمين كاذبة أو

стр. 4513

غرم ما لا يجب؟ فقال: ينوي شيئاً يجب رده الآن، ويبرأ من الإثم. قلت: عزوه السؤال لابن دينار خلاف نقل ابن شاس عن ابن حارث عزوه لأحمد بن زياد، وذكر ابن حارث في كتاب المديان، كلفظ ابن شاس، وعزو ابن الحاجب وهمٌ؛ لأن ابن دينار، إما عيسى وإما عبد الرحمن وإما محمد، وكلهم لا يستقيم أن يَسأل ابن عبدون لعلو طبقتهم عنه؛ أما عيسى فهو أكبر من ابن عبدوس. قال عياض وغيره: أنه أخذ عن مالك ولزم ابن القاسم. وأما عبد الرحمن فقال عياض: لقي ابن القاسم في رحلته الأخرى، وروى عنه سماعه وعرض عليه المدنيَّة، وفيها أشياء من رأيه وكلاهما من أهل الأندلس، وذكرهما في طبقة سَحنون. وأما محمد فقال فيه عياض إنه صحب مالكاً، وابن هرمز، روى عنه ابن وهب. قال ابن عبد البر: كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز. وأما ابن عبدوس فقال فيه عياض: هو محمد بن إبراهيم بن عبدوس كان من كبار أصحاب سَحنون، وهو أحد المحمدين الأربعة الذين اجتمعوا في عصر من أئمة مذهب مالك لم يجتمع في زمان مثلهم؛ اثنان مصريان، ابن عبد الحكم وابن المواز واثنان قرويان؛ ابن عبدوس وابن سَحنون. والحق ما ذكره ابن حارث وهو أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي. قال عياض: صحب ابن عبدوس وابن سلام والقاضي ابن مسكين، وكان يكتب له السجلات سمع منه ابن حارث وأحمد بن حزم وأبو العرب وغيرهم. قال أبو العرب: كان عالماً بالوثائق، وضع فيها عشرة أجزاء، أجاد فيها. ابن شاس: إن ادعى عليه ملكاً فقال: ليس لي إنما هو وقفٌ على الفقراء، أو على ولدي، أو هو ملك لطفل لم يمنع ذلك إقامة البينة للمدعي إن لم يثبت ما ذكر فتقف المخاصمة على حضور من ثبتت له عليه الولاية. قلت: ما ذكره هو مقتضى أصول المذهب، ومقتضى إقراره بذلك لحاضر أو

стр. 4514

غائب، ولا أعلم من ذكر نفس المسألة التي ذكرها إلا الغزالي في الوجيز. المازري: لو قال: هي لفلان، وهو حاضر فصدقه سلم له المدعى فيه، والخصومة بينه وبين المدعي، وللمدعي إحلاف المقر أنه ما أقر به لإتلاف حقه إذا لو اعترف أنه أقر بالباطل، وأن المقر به إنما هو لمدعيه لزم الغرم، فإن حلف أنه لم يقر إلا بالصدق، ولا حق فيه للمدعي، سقط مقال المدعي، فإن نَكَل عن اليمين فهاهنا اختلف الناس ها يستحق بيمينه غرامة المقر لإتلاف بإقراره ما اقر به أم لا؟ لأنه لم يباشر الإتلاف، وإذا توجهت الخصومة بين المدعي، والمقر له وجبت اليمين على المقر له، فإن نَكَل حلف المدعي وثبت حقه، فإن نَكَل فلا شيء له عليه، وهل تحليف المقر أم لا؟ قال ابن عبد السلام: ليس له ذلك؛ لأنها لو وجبت لكان للمقر النُكُول عنها، وإذا نَكَل عنها لم يكن للمدعي أن يحلف؛ لأنه قد توجه عليه هذا الحلف ونكل عنه. قلتُ: ونحوه قول عياض فى الوكالات: إذا اطلع بائع السلعة من وكيل على شرائها على زائف في الثمن فأحلف الآمر فنكل فوجبت اليمين للبائع، وليس له أن يحلف المأمور. عياض: لأن نكوله عن يمين الآمر نٌكٌول عن يمين المأمور. قال المازري: ولو أقر به لغائب لا يعذر إليه لبعد غيبته لم يستحقه المدعي بذلك اتفاقاً، فإن أراد تحليفه سئل، فإن قال: رجاء أن ينكل فأحلفه وأغرمه قيمته جرى على ما قدمناه من الخلاف في توجه الغرم عليه بإقراره به لغيره دون مباشرة إتلاف فمن أغرمه يحلفه ومن لا فلا، وإن قال: رجاء أن ينكل فأحلف، وأستحق نفس الثوب، فذكر ابن سَحنون: من ادعي عليه بدار في يده، فقال: هي لفلان الغائب، فإن حلف بقيت الدار بيده، وإن نَكَل أخذها المدعي دون يمين حتى يقدم الغائب بإقرار المقر، واختار بعض أشياخي إسقاط اليمين عن المدعي عليه إن لم يدع عليه المدعي أنه أودعه السلعة أو رهنه إياها؛ لأنه لا يلزمه أن يحلف لإثبات ملك غيره، ومن الناس من قال: إن نَكَل عن اليمين حلف المدعي، وأخذ المدعى فيه حتى يقدم الغائب فيخاصمه؛

стр. 4515

وكأنه رأى أن هذا صيانة لقاعدة الشرع؛ لأنه لو منعنا المدعي من المدعى فيه، ولم يحلف المدعى عليه لم يشأ أحد أن يصرف خصمه عن طلبه من غير أن يمكنه مما ادعى فيه، ولا يحلف له إلا فعل ذلك بأن يضيف المدعى فيه لغائب، ثم ذكر فروعاً لم يضف أقوالها للمذهب فلا ضرورة لذكرها. قال ابن الحاجب: فإن كان غائباً لزمته اليمين أو البينة، وانتقلت الحكومة إليه، فإن نّكَل أخذه بغير يمين. قلتُ: ضمير لزمته اليمين يجب عوده على المقر وضمير (إليه) عوده إلى الغائب، والضمير المستكن في (نكل) عائد على المقر، وفي (أخذ) عائد على المدعي، والضمير المفعول (بأخذه) عائد على المدعى فيه، بهذا يستقيم موافقته لما تقدم عن المازري ونحوه لابن شاس، ولا يخفى على منصف إجمال كلام ابن الحاجب، ولو جاء بهذه الضمائر مظهرة كان أولى به. [(باب النكول] **** امتناع من وجب عليه أو له يمين منها. قال ابن الحاجب: ويجري فيما يجري فيه الشاهد واليمين. قلتُ: فاعل (يجري) ضمير يفسره السياق عائد على حكمه المذكور بعد، وهو إثباته القضاء على الناكل بنكوله مع يمين المدعي، ولا يخفى إجمال دلالة قوله على

стр. 4516

هذا المعنى. الشَّيخ لابن سَحنون عنه: قال مالك: ولكنه لا يجب الحق بنكول المدعى عليه حتى يحلف المدعي، ولم يختلف في ذلك أهل المدينة. قال مالك: وإن جهل ذلك الطالب ذكر له القاضي حتى يحلف الطالب. قال أشهب: لم يختلف في ذلك أهل العلم، وقول ابن شاس: ويتم النُكُول بقوله: لا أحلف وأنا ناكل، وبقوله له: أحلف أو يتمادى على الامتناع من اليمين، الروايات والأقوال واضحة بصحته، وقول ابن شاس: إذا تم نكوله، ثم قال: أنا أحلف لم يقبل هو قولها. قال مالك: إذا نَكَل مدعو الدم عن اليمين، وردوا الأيمان على المدعى عليه، ثم أرادوا بعد ذلك أن يحلفوا لم يكن لهم ذلك، وكذلك قال لي مالك فيمن أقام شاهداً على مال وأبى أن يحلف معه ورد اليمين على المطلوب، ثم بدا له أني حلف ليس له ذلك. وسمع عيسى ابن القاسم في رسم الجواب من كتاب المديان: إن قال المدعى عليه للمدعي بعد أن طلب يمينه: احلف أنت وخذ، فإذا هم المدعي بالحلف. قال المدعى عليه: لا أرضى بيمينك، ما ظننتك تحلف لا رجوع للمدعى عليه كان ذلك عند السلطان أو غيره. ابن رُشْد: مثله في كتاب الدعوى والصلح. وفي كتاب الديات: ولا خلاف أعلمه في ذلك بعد أن يردها على المدعي، ولو نكل عنها، ولم يردها عليه، ففي كونه كذلك وصحة رجوعه قولان؛ لظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم في المدنيَّة مع ظاهر قولها في الديات، وظاهر قول ابن نافع في المدنيَّة. قلتُ: ومثله في رسم القبلة من سمَاع ابن القاسم في الديات بزيادة إلا أن يكون لهم عذر بين. سَحنون: مثل أن يزعموا أن الميت عليه دين أو يكون أوصى بوصايا.

стр. 4517

ابن رشد: تفسير سحنون بين، لأنه إذا أبى أن يحلف مع شاهده على حق يدعيه لميته لأجل أنه قيل له أنه أوصى بوصايا أو عليه دين، ثم علم أنه ليس على الميت دين، ولا أوصى بشيء والعذر في القسامة غير هذا، وقوله: إن لهم أن يرجعوا إلى القسامة إن كان لهم عذر ينبغي أن يحمل على التفسير لما في المدونة من كتاب الديات، وفي تعليقه أبي عمران في المدعي عليه يلتزم اليمين، ثم يريد الرجوع إلى إحلاف المدعي أن له ذلك، لأن التزامه ليس أشد من التزام الشرع له. قال: وخالفني ابن الكاتب، وقال: ليس له رد اليمين، وقول ابن شاس: ونكول المدعي بعد نكول المدعي عليه كحلف المدعي عليه هو نص الروايات فيها، وفي غيرها، ومثله قول ابن الحاجب، وكذلك لو ادعى أنه قضاه، ثم نكل بعد نكوله لزمه. الشيخ عن ابن عبد الحكم: إن قال من وجبت عليه يمين: اضرب لي أجلاً لأنظر في حسابي وأمري أمهل بقدر ما يراه، وفي طرر ابن عات الشعباني: إن طلب من وجبت عليه يمين أن يؤخر بها اليومين والثلاثة، لينظر في محاسبته فله ذلك، ولا يزاد على ذلك، ثم ذكر قول ابن عبد الحكم قال: وقال غيره: ليس له ذلك إلا برضا الطالب وإذنه، لأن على القاضي إنفاذ الحق على الخصم إذا وجد لذلك سبيلاً. قلت: فالأقوال ثلاثة، وتقييد ابن شاس تأخيره بكفيل بوجهه صواب، يريد: ويغرم المال بعد حلف المدعي إن لم يأت به، ولم يحك ابن الحاج في نوازله إلا القول بعدم تأخيره، وأما عكس هذا، وهو أن يطلب المدعي تأخير حلف المدعي عليه، ففي نوازل ابن الحاج: ليس له ذلك إلا برضا المطلوب، وهو مقتضى قول ابن عات في طرره: من وجبت له يمين على رجل فتغيب عن قبضها، وكل القاضي من يتقاضاها إذا ثبت عنده مغيبه، ويشهد على ذلك. ابن زرقون: اختلف في توجه يمين التهمة، فمذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة: أنها تتوجه، وعلى الأول فالمشهور لا تنقلب، وفي سماع عيسى من كتاب الشركة أنها تنقلب. قلت: هو كلام ابن رشد.

стр. 4518

الباجي: إن ادعى المودع تلف الوديعة، وادعى المودع تعديه عليها صدق المودع إلا أن يتهم فيحلف، قاله أصحاب مالك. قال ابن عبد الحكم: فإن نكل ضمن، ولا ترد اليمين هنا. ابن رزقون: وفي توجيه يمين الاستحقاق على المستحق أنه ما باع، ولا وهب، ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه على البت كان المستحق ربعا أو غيره، ثالثها: إن كان المستحق غير ربع للمشهور، وابن كنانة، وبعض شيوخ ابن أبي زمنين، وهذا الخلاف على قولي المدونة في استحقاق بعض الورثة داراً من سبب مورثه، فبقول ابن القاسم يقضى لهذا القائم بحصته فقط، وعلى القول أنه لابد من يمين المستحق، وقول مالك وأشهب تنزع الدار من المطلوب لبقية الورثة على أنه لا يحلف على استحقاق الربع، وقول ابن كنانة: إنما يصح والمطلوب حاضر لا يدعي شيئاً، فإن غائباً فما أراه يقول ذلك. [باب الخلطة] الخلطة: حالة ترفع بعد توجه الدعوى على المدعي عليه لا لسوء غرضه،

стр. 4519

فتخرج حالة توجه دعوى السرقة والعداء. المازري: قال المتقدمون كابن القاسم: الخلطة أن يبايع إنسان إنساناً بالدين مرة واحدة، أو بالنقد مراراً، وقال البغداديون من أصحابنا: إنما المعتبر كون الدعوى تشبه. قال القاضي عبد الوهاب: من أصحابنا من قال: هي أن تكون الدعوى تشبه أن يدعى بها على مثل المدعي عليه. وقال بعضهم: هي أن يشبه أن يعامل المدعي المدعي عليه في مثل ما ادعى عليه به، وهذان الحدان متقاربان، أحدهما راعى الشبه في جنس المدعي فيه، والآخر راعاه في جنس المدعي والمدعي عليه والمدعي فيه، والتحقيق اعتبار قرائن الأحوال في النوازل ولابن رشد في سماع أصبغ قوله في هذا السماع المبايعة الواحدة ليست بخلطة حتى يبايعه مرة ومرة، وفي سماع يحيى من الشهادات ما ظاهره أن المعاملة الواحدة خلطة، وقيل: معنى رواية يحيى أنها مضافة لمعاملة قبلها، ولا أقوال أنها مخالفة ولا مفسدة، بل معنى هذا السماع أنهما قابضاً وتناجزاً، وسماع يحيى على أن المعاملة بالدين والمبايعة بالنقد مع التناجز ليست خلطة وبالدين خلطة، وبالنقد دون مناجزة في شهادات المدونة أنها ليست بخلطة، وفي الموازية أنها خلطة قال: وثبوتها بما ثبتت الحقوق من شاهدين أو شاهد وامرأتين، وفي ثبوتها بشاهد واحد، ثالثها: مع اليمين، ورابعها: شاهد وامرأة لهذا السماع مع نوازل سحنون، وابن كنانة مع ابن القاسم أيضاً، وابن

стр. 4520

نافع، وسماع حسين بن عاصم. الباجي عن المغيرة وسحنون: لا تثبت بين أهل الأسواق حتى يتبايعوا، والاجتماع بالمسجد للصلاة، والأنس، والحديث لا يثبتها، وفي الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كان إذا جاءه الرجل يدعي حقاً على رجل آخر، فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف المدعي عليه. قال مالك: وعليه الأمر عندنا، ومثله في كتاب ابن سحنون. قال سحنون: حدثني ابن نافع عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي أن النبي ﷺ قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" إذا كان بينهما خلطة. قال أبو عمر: ليس في شيء من الآثار المسندة اعتبار الخلطة. ابن رشد في سماع أصبغ مذهب مالك، وكافة أصحابه الحكم بالخلطة. قلت: ومثله عمل القضاة عندنا عليه، ونقل لي شيخنا ابن عبد السلام عن بعض القضاة أنه كان لا يحكم بها إلا إن طلبها منه المدعي عليه. الباجي: إن كانت الخلطة بتاريخ قديم، وانقطعت، فقال أصبغ وسحنون: حكمها باق، وقال محمد: لا يحلف إلا بخلطة ثانية مجددة، وإن قضى عليه بمائة اليوم أقام عليها بينة ثم ادعى عليه من الغد بحق آخر، فلا يمين عليه بسبب تلك الخلطة لانقطاعها حتى يثبت خلطة، ثم ينقطع أمرها. عبد الحق عن أصبغ: خمسة يجب عليهم الإيمان دون خلطة: الصائغ والمتهم بالسرقة، ومن قال عند موته: لي على فلان دين، ومن يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل، ولو كان المدعي عليه عدلاً غير متهم، ومن ادعى عليه رجل غريب نزل بمدينة أنه استودعه مالاً، وكذا نقلها ابن سهل، ونقلها ابن رشد غير معزوة
следующие страницы →