Полный текст (479 стр.). Показаны 456–479 · переход к 461.
стр. 456
المعتمد على قوة البحث عن طرق الاسترابة للخبر حتى تسكن النفس إلى صدق التلميذ، ووهم الشيخ، أو تيقن عن قبول الخبر والتصديق به، فيعول فيها على ما تشهد به مخايل الأحوال، وفي هذا كفاية.
فصل في كيفية الرواية وتفصيلها وردها وقبولها
تقرر فيما تقدم حقيقة الأخبار، وأقسامها، وثمراتها من علوم أو ظنون، ومن يقبل من الرواة، ومن لا يقبل، والعبارة عن التحمل والتحميل، فلنتكم هنا عن تغيير الراوي العبارة التي رواها، فاعلم أن الكلام في هذا الفصل من ثلاثة أوجه:
- أحدهما: بيان موقع الاتفاق والاختلاف في هذا الباب.
- والثاني: نقل المذاهب.
- والثالث: سبب اختلاف المذاهب فيه.
فأما الوجه الأول فاعلم أن للمسألة موقعا اتفاقيا، وجل المصنفين يشير في هذا إلى موقع واحد، وهو موقع يتفق فيه على منع تبديل العبارة المسموعة وانفرد القاضي أبو محمد عبد الوهاب بإشارة يستلوح منها إثبات موقع آخر اتفاقي وهو موقع يتفق فيه على جواز تبديل العبارة على الجملة، وما سوى هذا الموقع الواحد على رأي الجمهور، أو الموقعين على رأي القاضي أبي محمد عبد الوهاب فهو محل الخلاف وموقعه.
فأما الموقع الاتفاقي على منع النقل بالمعنى وتغيير العبارة المروية فإنه يجمعه أربعة أوصاف:
أحدها أن يقطع الرواية على أن تبديله العبارة يضمن تبديل المعنى وتغييره إلى ما ليس هو منه، كما لو غير قوله: "نهى عن كذا" بقوله: "أمر"، وقوله: "خطر" بقوله: "أباح"، وكما لو غير قوله ﵇: "إن الله يأمركم بكذا" بأن قال: قال ﵇: "إن الله أوجب عليكم، وفرض عليكم كذا"، على القول بأن قوله: يأمركم ينطلق على الواجب والمندوب، لأن هذا تغيير رفع من اللفظ ما ثبت فيه من التردد، وعين فيه مراد الله سبحانه، وهو يجوز أن يكون أراد خلاف ما نقل عنه.
والثاني أن يشك في اللفظ الذي بدله؛ هل معنى اللفظ الذي عبر عنه مثل اللفظ الذي سمع في تأديه المعنى أم لا؟ وهذا لا تحصى أمثلته، ولكن ما تقدم من المثال يحسن أن يضرب فيه، وذلك أن يكون الراوي شاكا؛ هل لا معنى لقوله: "إن الله أمر بكذا" إلا أنه
стр. 457
أوجب كذا وفرضه، أو يحتمل أن يكون عند العرب مترددا بين أن يكون أمر وجوب أو أمر ندب؟
والثالث أن يصمم على أن معنى اللفظ الذي أورد هو معنى اللفظ الذي سمع، ولكن لا علم له بالحقائق حتى يكون على ثقة من تصميمه، فالجاهل لا يوثق بتصميمه على الأمور، وهجومه عليها من غير معرفة بطرق اليقين، إذا كان ما صمم عليه خارجا عما لا يمترى في كونه معلوما ضرورة.
والرابع أن يكون عالما بالحقائق والعموم، ولكن إنما صمم على أن مراد المتكلم بلفظه ما اعتقده من جهة استدلال على ذلك، فإن هذا لا يسوغ له نقل الحديث بالمعنى وتبديل العبارة، التي إنما ضبط معناها بالاستدلال إلى عبارة يفهم منها المعنى الذي استدل عليه، ولا يفهم منها ما سواه، ولا يتردد بينه وبين ما عداه. وهذا كما لو سمع قوله ﵇: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وهو لا يتردد بين أن يكون أراد أنه يذكي مثل ما تذكى أمه، أو أراد أن ذكاة أمه ذكاة له وإن لم يذك، فيكون أداه الاستدلال من جهة أحكام الإعراب وصناعة النحو، وشواهد الأصول إلى أحد المعنيين، فيعبر عن ذلك بعبارة تكون نصا في المعنى الذي تأول واعتقد، ويضيف ذلك إلى النبي ﵇ فيقول: قال ﵇: إن الجنين يذكي مثل ما تذكى أمه، أو يقول: قال ﵇: إن الجنين يكفي فيه ذكاة أمه ويستباح بها، وأمثلة هذا لا تحصى كثرة. فهذا موقع الاتفاق على منع النقل، وقد ضبطناه بهذه الأربعة.
وأما موقع آخر اتفاقي فهو ما انفرد به القاضي عبد الوهاب فإنه ذكر أنه يشترط في المسألة شرطا أغفله الكل، وأشار إلى أن الخلاف إنما يصور في حديث سمع من النبي ﵇ نقل ألفاظه حتى يحفظ عنه ﷺ في إيراده إياه مرة واحدة من غير تكرير يقصد به أن يحفظ عنه، وإنما إذا أورد حديثا طويلا يعلم أنه لا يحفظ عنه على حال إلا أن ينتصب لتعليمه وتحفيظ ألفاظه، فإن هذا ينقل على المعنى.
وهذا الذي قاله ﵀ وانفرد به، قد يسبق إلى النفس قبوله لما يتخيل فيه من الضرورة إلى الاقتصار على المعنى، ولكن عندي فيه تفصيل هو كش الغطاء فيه، وذلك أن الحديث الطويل إذا كان النبي ﵇ أورده على (ص ٢٣٩) أصحابه إيراد غير قاصد إلى الإذن في نقله عنه، لكونه لا يتعلق به حكم، أو لا تمس الحاجة إلى نقله، أو لكونه يتعلق به حكم مقصور على السامعين، فإن هذا لا أراه يسلم من الاختلاف في جواز نقله على المعنى، إذ لا حاة لمغير اللفظ وبملده إلى نقله على المعنى، وهذا كإخبار النبي ﵇ بحديث
стр. 458
جريح الراهب، إن قيل: [إ] نه لا يتضمن حكما، وإن كان البخاري أشار إلى تعلق حكم به، وكخبر إحدى عشر امرأة على طوله، وما فيه من اللغة، إن قيل أيضا: إنه لا يتعلق به حكم.
وقد شرحناه في كتابنا "المعلم"، وذكرنا ما قيل: إنه يتعلق به. فمثل هذا وإن طال فتغيير العبارة فيه وإضافتها إلى النبي ﵇ لا يبعد أن يذهب الذاهبون إلى منعه، لكن يظهر لما قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب وجه، وهو أن يكون الحديث المطال يتعلق به الأحكام، وقصده ﷺ بإيراده أن يعمل به، ويبلغها السامعون لمن يأتي بعدهم ويعلمونهم إياها، فإن هذا يكون منه ﷺ شاهد الحال فيه يتضمن الإذن في نقل ذلك عنه بالمعنى، إذ لا يقدر على أكثر منه، ولو ردده ﵇ ليحفظ لأمكن في الغالب أن يكون الأظهر تغيير بعض العبارة، فإن أراد ﵀ بما انفرد بإيراده هذا الوجه، فما قاله صحيح.
فهذه مواقع الاتفاق وقد ضبطناها هنالك، وذكرنا هنا كل ما قيل فيها، ووجه التحقيق فيها، فإذا علمت ذلك علمت ما سواه هو موقع الخلاف.
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب، فاعلم أن معظم الأصوليين على جواز نقل الحديث بالمعنى، كما أن معظم المحدثين على منع ذلك. وأما الفقهاء فإن أبا حنيفة لم يختلف المصنفون في النقل عنه أنه يجيز ذلك، وكذلك الشافعي نقل المصنفون عنه إجازة ذلك أيضا، لكن الذي وقع له في كتاب الرسالة أن حديث النبي ﵇ إنما ينقل كما سمع بلفظه، إذا كان الناقل غير عالم، واحتج لذلك بقوله ﵇: "نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" الحديث. والتقييد في منع النقل يكون الناقل غير غير عالم يشير إلى أنه يجيز ذلك إذا كان الناقل عالما، والتعويل فيإضافة هذا المذهب إليه على مثل هذا اللفظ فيه نظر، فإن لم يوجد له ما ينقل منه مذهبه في هذا اللفظ فلا يحسن التصميم على إضافة هذا المذهب إليه، الذي قاله أبو حنيفة. وأما مالك فمن المصنفين من يضيف إليه ما أضاف إلى الإمامين أبي حنيفة والشافعي، ويرى أنه يقول بالجواز، ومنهم من يضيف إليه الامتناع من نقل الحديث على المعنى، والذي وقع له لفظ أشار ابن خويز منداد [به] إلى أن مذهب مالك المنع من نقل الحديث على المعنى تمسكا منه بأن مالكا سئل عن ذلك فقال: لا ينقل حديث النبي ﵇ إلا كما سمع، وأما نقل أحاديث الناس فإنه لا بأس
стр. 459
بنقلها على المعنى، وابن خويز منداد منع من نقل الحديث على المعنى. والقاضي أبو محمد عبد الوهاب يضيف إلى مالك أنه يكره ذلك في حديث النبي ﵇، لأنه قال: أكره ذلك في حديث النبي ﵇، ولا أرى به بأسا في حديث الناس، وهذا تمسك به القاضي أبو محمد عبد الوهاب من لفظة الكراهية، وقد يتأولها من خالفه في النقل عن مالك، ويقول: قد وقع لمالك ﵁ فيما لا يجوز لفظة الكراهية، فيقول: أكره كذا وكذا، وهو عنده من قبيل ما لا يجوز، فهذه المذاهب المشهورة في هذا الباب.
وأما الوجه الثالث وهو سبب الاختلاف، فاعلم أن المانعين لذلك تعلقوا بالكتاب والسنة والاستدلال.
فأما الكتاب فقوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، فآيات الله هي القرآن، والحكمة هي السنة، وقد أمر الله سبحانه أن يذكرن نفس ما يتلى، وآيات الله إذا ذكرنها فإن تغيرها لا يحل، فكذلك ما عطف عليها وهي الحكمة المراد بها السنة.
ويجيب عن هذا الآخرون بأن عطف جملة على جملة لا يوجب تساويهما في الأحكام، وليس إذا منع نقل آيات الله بالمعنى وجب أن يمنع ذلك فيما عطف عليه، وليس في الآية تصريح بمنع النقل على المعنى، وإنما اشتملت على الأمر بأن يذكرن ما يتلى في بيوتهن، ومن ذكر معناه من غير تغيير فيه، فقد يسمى ذاكر له، وإن بدل بعض عباراته.
وأما السنة فقوله ﵇: "نضر الله أمرا سمع مقالتي فأداها كما سمعها، رب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه ... " الحديث، على ما رويت (...)، وهذا منه ﷺ مبالغة في التحضيض على نقل لفظه ﷺ بصيغته وعبارته.
وأجاب الأولون (...) لأنها فيها خبر الواحد، وأيضا فإن الحديث محمول (ص ٢٤٠) على ما ليس بعالم، ولا واثق بنفسه في ضبط المعاني وحقائق العبارات عنها، ألا تراه يقول آخر الحديث: "فرب حامل فقه ليس بفقه"، إلى غير ذلك من الألفاظ التي أشار فيها ﷺ إلى أن الناقل إذا غير لا يبعد أن يكون غالطا في تغييره، وإن نقل نفس ما سمع لعرف المنقول إليه غلطه.
стр. 460
وأما الاستدلال فإنهم يقولون: قد أجمع على أن القرآن لا ينقل على المعنى، فكذلك السنة لأنهما جميعا وحي عن الله سبحانه، وأيضا فإن الأذان، والتشهد، وتكبيرة الإحرام جاء الشرع بمنع تغيير العبارة فيها، فكذلك يجب أن تكون أحاديث النبي ﵇.
ويجيب الآخرون عن هذا بأن هذا قياس من غير علة جامعة، وتلك قد قدمنا الأدلة على التعبد بإيراد ما سمع وشرع فيها، ولم يقم دليل على التعبد بإيراد لفظ النبي ﵇.
وأما الأخرون المجيزون لنقل الحديث بالمعنى فإنهم يحتجون أيضا بالكتاب والسنة والاستدلال.
فأما الكتاب فإن الله سبحانه ذكر معنى واحدا بعبارات مختلفة أنزلها على محمد ﷺ كقوله عن أم موسى: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم)، وفي موضع آخر: (هل أدلكم على من يكفله)، وقال تعالى: (وألق عصاك)، وفي موضع آخر: (وأن ألق عصاك)، إلى أمثال ذلك مما يكثر تعداده في القرآن، فلولا أن المعنى إذا تساوى لا يكون اختلاف العبارة عنه كذبا ولا تحريفا، لم يقع ذلك في القرآن العزيز.
بهذا استدل البلخي، وأجابه الدقاق من أصحاب الشافعي بأن الله سبحانه يعلم ضمائر الناطقين ومقاصد المتكلمين علما لا يجوز فيه الغلط، وكذلك يعلم مضمون العبارات وحقائقها، وما يفهمه السامعون منها، فلهذا حسن في القرآن اختلاف العبارة عن المعنى الواحد. والرواة منا بخلاف ذلك في جواز الغلط والجهل عليهم، فلهذا منعوا.
وللبلخي أن يقول له: إنما كلامنا في تغيير اللفظ مع أمن الراوي من الغلط، وعلمه الضروري بأنه لم يغيرا لمعنى لما غير اللفظ، كقوله ﵇: "إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون"، بدل قوله: " ... جالسا فصلوا جلوسا" إلى أمثال ذلك مما يعلم قطعا أنه لم يفسد تغيير اللفظ المعنى المراد ولا حرفه.
لكن قد يقال للبلخي: من الممكن أن تقول أم موسى هذا المعنى مرتين، وتختلف عبارتها فيه، فأخبر الله سبحانه عنها بالمجلسين جميعا، لكن هذا يفتقر إلى بسط، ويبعد تأويله في بعض المواضع على صفة قد يشير إليها.
стр. 461
وأما السنة فقال هؤلاء: "إذا أصيب المعنى فلا بأس"، ولكن هذا الحديث لا يثبت ثبوت الحديث المتقدم الذي تعلق به الآخرون، ولا اشتهر اشتهاره.
وأما الاستدلال فإنهم يقولون رأينا الصحابة تختلف عبارتها في حديث واحد يحكونه عن النبي ﵇، وما ذاك إلا لأنهم إنما كانوا يراعون المعنى وضبطه، فإذا حصل لهم اليقين بتحصيل المعنى عبروا عنه بما يفهمه السامع منهم.
ولا يحسن أن يجاب عن هذا بأن يقال: ما أنكرتم أن يكون النبي ﵇ ذكر الحكم في مجالس مختلفة بعبارات مختلفة، فحدث كل راو بالعبارة التي سمع، لأن هذا التجويز إنما يحسن تصوره لو كان الواقع من هذا حيدث أو حديثان، وأما فقد وقع من ذلك من الرواة ما لا يحصى كثرة، ومن البعيد أن يكون يتصور المحصل أن النبي ﵇ كرر جميع ذلك على كثرته، وكرر كل واحد منه مرات كثيرة بحسب اختلاف عبارات الرواة.
وأيضا فإنهم كانوا يرددون الحديث بعبارات مختلفة، ولا يتحاشى الراوي الواحد منهم من ذلك، ولا يأبى عنه بأن يفعل منه بقدر ما يظهر له من فهم السامعين، وتحصيل الإيضاح والبيان لهم.
وأيضا فإن النبي ﵇ كان يبعث رسله إلى الجهات، ولا يأمرهم لأن ينقلوا نفس ألفاظه، ولا يكلفهم ذلك، وأيضا فإن النبي ﵇ قد بعث إلى سائر أهل اللغات، ولابد من الترجمة عنه لأهل كل لغة بلغتهم، ونقل المعنى من لغة إلى لغة أخرى أبعد من نقله من اللغة نفسها إلى اللغة نفسها إذا اختلف عبارتها. وهذا قد يجيب عنه الآخرون بأن هذه اضرورة لكون العجم لا تفهم لغة العرب، ولا ضرورة بالراوي في أن يبد لفظة بلفظة أخرى، وهو ذاكر لها. وقد أشرنا أن القاضي عبد الوهاب يرى أن ما طال من الكلام حتى لا يمكن ضبطه يسوغ التبديل فيه للضرورة إلى ذلك، بخلاف ما قل من الكلام الذي وقع فيه اختلاف العلماء، كما قدمناه، وهذا من ذلك فافهمه.
فصل [في جواز الاقتصار على نقل جزء من الحديث]
لما تكلمنا على نقل الحديث بالمعنى (...) ترتيب الحذاق هذا الفصل به
стр. 462
لاتصاله، وهو جواز الاقتصار (...) ص (٢٤١) الناس في هذه المسألة على أربعة أقوال:
- أحدها: إجازة ذلك على الإطلاق.
- والثاني: منع ذلك على الإطلاق.
- والثالث: إجازة ذلك إن كان تقدم من الناقل رواية الحديث تاما، وتقدم ذلك من غيره، ومنعه من الاقتصار على بعض الحديث إن لم يكن تقدم منه روايته على التمام، ولا تقدم ذلك من غيره.
- والرابع: الجواز إن لم يكن ما سكت عنه تتمة لما قبله، ومتعلقا [به] كالشرط، والاستثناء، والتقييد، ولا كان قادحا فيما نقل، ويقيده، ولا يوهم غلطا فيه.
وقد أشار الحذاق من الأئمة إلى أن المانعين من نقل الحديث على المعنى يمنعون ما نحن فيه على الإطلاق، وكأنهم يرون أن علة المانعين لنقل الحديث على المعنى إمكانهم غلطهم في المعنى إذا غيروا العبارة، وهذا الإمكان يتقدر فيما نحن فيه، لجواز أن يكون ما سكت عنه الناقل متعلقا بما قبله ومؤثرا فيه، وإن كان الناقل لا يعتقد ذلك.
وعندي أنه كان تغيير العبارة أشد من الاقتصار على بعض جمل الحديث في النقل، لأنه لا يبعد أن يعرف من غير العبارة بأنه كان، فمتى قال رجل: قال لي زيد: اقعد، وزيد إنما قال له: اجلس، فقد يهجس في النفس أن هذا لا حق بالكذب. وإذا قال: قال لي زيد: اجلس، وسكت عن قول زيد له: وهل رأيت عمرا، لم يكن ذلك مما يتخيل فيه متخيل أنه قد كذب.
وقد أشار القاضي أبو محمد عبد الوهاب إلى حمل مذهب المجيزين على الإطلاق على ما لا يغير السكوت عنه حكم الأول، ولا يوهم فيه غلطا، لتصير المذاهب على هذا التأويل ثلاثة، وسقط الرابع.
والذي عليه الحذاق من الأئمة منع ذلك متى أدى السكوت عن نقل بعض الجمل إلى تغيير معنى الأول، أو إيهام غلط فيه، وإجازة ذلك متى أمن من هذين على حسب ما تقدم ذكره، لأنا إذا أمنا مما ذكرنا جرى الاقتصار على ذكر إحدى الجمل المسموعة في مجلس، فجرى الاقتصار على ذكر حديث سمع في يوم، والسكوت عن نقل الحديث سمع
стр. 463
في يوم آخر، إذ اتحاد اليوم والمجلس لا تأثير له في هذا، إذا لم يكن في ذكر الثاني زيادة فائدة في الأولى من الجمل، وكأن الصارين إلى المنع يساهمون هؤلاء في المقصد، ولكن اختلفت طرقهم، فاختلفت لذلك آراؤهم.
فرأى قوم أن الناقل قد يعتقد فيما سكت عنه أنه لا يغير معنى ما أورد ذكره، ولا يوهم فيه غلطا، ولكنه مع هذا يغلط في اعتقاده، فكان من الحزم حماية الذريعة، وسد الباب، والمنع على الإطلاق.
ورأى آخرون أنه متى تقدم منه أو من غيره نقل ما سكت عنه الآن، فإن ذلك يؤمن مما اعتل به هؤلاء، وسماع ما تقدم يرفع الإيهام والالتباس، وهذا تخيل أدى هؤلاء إلى الإطلاق في شرط الإباحة عندهم، ولا يخفى على أن إطلاق هذا لا يحسن، لأنا إذا كنا لم نسمع من الأستاذ تلك الرواية التي أوردها على التمام في قديم الزمان، وقعنا في الغلط، وأوهمنا نقله الباطل، ولم يكن لما سمعه غيرنا منه جدوى ولا فائدة (...)، وإنما يقرب ما قالوه من الصواب لو فرضنا هذا التكرار مرة تاما، ومرة ناقصا في حق أستاذ أسمع مرتين، وأما من التلامذه مخصوصين على وجه يعلم أنهم ذاكرون لما رووه من الرواية التامة ومعتقدون أنه أورد الرواية [تامة]، والمرة الثانية اختصارا لا رجوعا عنها.
وأما المجيزون على الإطلاق، وقد ذكرنا التأويل عليهم، وأنهم لا يجيزون مع كون المسكوت عنه موهما غلطا، فإن كان هذا مذهبهم فتوجيه هذا المذهب قد تقدم، وأما إطلاق الجواز، وإن كان اختصار الحديث يفسد، ويوهم الغلط، فلا يتصور له وجه.
وقد رأى القاضي عبد الوهاب أن الاقتصار على نقل الحكم، والسكوت عن ذكر علته جار حكمه على ما قدمناه، وأنه من قبيل ما يمنع، لما في السكوت عن ذكر العلة من الإيهام والإلباس (وا ...) الحكم، فكأن الناقل خص العام لفساد نقله، وهذا الذي قاله ﵀ يتضح صوابه مع القول بأن ارتفاع العلة يوجب ارتفاع الحكم، لأن الراوي إذا سكت عن ذكر العلة اقتضى نقله تأبيد الحكم، وأنه لا يتغير، وإذا [حذفوا] علة وارتفعت، غيرنا نحن الحكم، وهو قد منعنا من التغيير لأجل حذف ما حذف.
ونقل أبو المعالي في هذا الباب عن الشافعي مسألتين [وهما] كالمثالين، وأمثلة هذا
стр. 464
الباب لا تحصى كثرة، لكن نذكر ما ذكره الشافعي. ذكر أن الشافعي [ذهب] إلى أن ما وقع من الاختلاف في حديث ابن مسعود من أنه "أتى النبي ﷺ بحجرين وروثة (ص ٢٤٢) ليستنجي بها، فرمى النبي ﵇ الروثة، وقال: إنها رجس"، وزاد بعض الرواة فقال: "إنه رمى بالروثة، ثم قال: ابغ لي ثالثا"، فالسكوت عن هذه الزيادة لا يمنع من استقلال ما رواه الناقل الآخر، وإفادته لما أفاده، ولكنه قد يوهم جواز الاقتصار على حجرين في الاستنجاء، فيمنع الراوي من الاقتصار على قوله: "رمى بالروثة"، وحذف ما بعد ذلك، وتحمل رواية المقتصر على أنه لم يبلغه غير ما رواه.
واختار أبو المعالي في هذا تفصيلا فقال: إن قصد الراوي استعمال منع الروث في الاستنجاء، ونقل ما يدل على صحته من رمي النبي ﵇ للروثة، وحكمه بأنها رجس، فإن هذا سائغ بقصده ذلك، ولكنه [إذا] أورد الحديث غير متعلق بغرض معين، فلا يجوز الاقتصار على ذكر رمي الروثة، لما فيه من الإيهام الذي قدمناه.
وهذا الذي قاله أبو المعالي فيه نظر، لأنه وإن قصد بما ساق الاحتجاج على منع الاستنجاء بالروث، فإنه قد يظن السامعون للحديث أن الذي أورده هو غاية الحديث ومنتهاه، فيحتجون به في مقصدهم أيضا في جواز الاقتصار على حجرين، فيكون في هذا النقل إيهام وتدليس، لكن لو أفهمهم من شاهد الحال أنه لم يسق الحديث على نصه وكماله، وإنما أورد ما يتعلق بغرضه، فمثل هذا يصح أن يذهب إلى جوازه.
وذكر عن الشافعي أيضا أن الحديث المروي فيه إثبات الجلد مع الرجم في زنا المحصن يرده حديث ماعز، لأنه ﵇ لم يجلده، فصار ناسخا لما تقدم من الحديث [الذي] فيه جلد مع رمه لأ [ن] قصة ماعز مشهورة، فلو وقع فيه الجلد لذكر. ثم عطف الشافعي عن هذه الطريقة إلى أخرى فعول على أن أبا الزبير روى عن جابر "أنه ﵇ رجم ماعز ولم يجلده"، ولولا هذه الزيادة لما عارضنا الحديث الأول بقصة ماعز. وذكر القاضي أن ما قاله الشافعي يتأكد بالإجماع على ترك الجلد، ثم قال: وما أرى الحديث
стр. 465
الأول إلا هفوة، فإن من يقتل بالأحجار لا معنى لجلده.
وتعقب أبو المعالي على القاضي ما أورده فقال: في السلف من يجمع بين الجلد والرجم، ولولا ذلك لما اعتني الشافعي بالكلام على الحديث، فالإجماع غير مسلم. وأما قوله: إن الحديث الأول هفوة، لعل الراوي سمع الجلد في البكر فطرده في الثيب، فإن هذا لا يسوغ التعلق بمثله، ولا ترد راية الثقاة بمثل هذه الإمكانات، ولكن إنما يستعمل هذا في التأويلات، تقوية للتأويل، وإظهار لغلبة الظنون.
وقد قال بعض الحذاق، إن الراوي متى علم اختصاره للحديث يوجب تهمته عند التلامذة، والنظر إليه بعين الاسترابة وسوء الحفظ، فإنه لا يسوغ له أن يحمل الناس على إساءة الظن به، وأن يحلظوه بالضعف في الثقة و [العدالة]، وهذا ضرب في فن آخر، لا يتعلق بيانا من جهة أخرى، لأن المنع من هذا المعنى يعود إلى الراوي في حال نفسه، لا لمعان تعود إلى بيانات الشرع وأوضاعه.
فصل في أحكام الانفراد في الرواية
الكلام في هذا الباب من ثلاثة أوجه:
- أحدها: تقاسيم الانفراد المراد في هذا الباب.
- والثاني: نقل المذاهب فيما يقبل منه أو يرد.
- والثالث: بيان سبب اختلاف المذاهب.
فأما الوجه الأول فإن الانفراد الذي تكلم عليه الأصوليون في هذا الباب خمسة:
- أحدها: أن ينفرد الراوي بنقل حديث أو حديثين، لا يروي في عمره سواهما.
- والثاني: أن يكون من المكثرين للرواية وإن انفرد بنقل حديث عن شيخه، دون بقية أصحاب الشيخ وتلامذته.
- والثالث: أن ينفرد دون التلامذة بإسناد ما أرسلوه.
- والرابع: أن ينفرد برفع ما أوقفوه.
- والخامس، وهو مقصود الباب: أن ينفرد بزيادة في حديث رواه هو وغيره من التلامذة وغيره عن شيخهم.
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب فاعلم أن كون الراوي مقلا حتى لا يروي
стр. 466
سوى حديث واحد أو حديثين لا يقدح في روايته عند سائر العلماء والمحققين، وربما أنكر بعض المحدثين قبول رواية مثل هذا، ويرون قلة حفظه علما على قلة عنايته، وقلة عنايته توجب انخرام الثقة بخبره.
وأما انفراده بحديث دون بقية التلامذة، أو بإسناد مرسل، أو بإسناد موقوف، فإن العلماء أيضا المحققين، على أن ذلك غير قادح في الرواية، ولا مانع من العمل بها، والمحدثون أيضا ينكرون ذلك، ويقفون عن قبوله.
وأما انفراد أحد التلامذة بزيادة لفظ في حديث رواه جميعهم، فإن للناس في ذلك ستة أقوال:
- أحدها: قبول ذلك على الإطلاق، وإليه مال أبو الفرج من أصحابنا.
- والثاني: منعه على الإطلاق، قال به جماعة من العلماء، وقال (ص ٢٤٣) القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إن في كلام بعض شيوخنا ما يدل على منع الأخذ به، لأجل أنهم ردوا زيادة أحد الرواة إلى حديث عدي بن حاتم في الصيد "وإن أكل فلا تأكل"، لأن جملة الرواة إنما رووا أن عدي بن حاتم لما استفتى النبي ﵇ عما يحل أكله من الصيد الذي اصطاده فقال ﵇: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل"، وانفرد الشعبي فزاد على هذا: "وإن أكل فلا تأكل"، فلما انفرد الشعبي بهذه الزيادة لم يقبلها بعض شيوخنا.
- ومن الناس من قال: إن كان المزيد لفظا لا يتعلق به حكم قبل، وإن كان يتعلق به حكم لم يقبل.
- ومنهم من عكس هذا، فقال: إن لم يتعلق به حكم يكون ناسخا لما سواه قبل، وإن لم [يكن] ناسخا لم يقبل.
- ومنهم من قال: إن كانت الزيادة من الراوي بعينه الذي كان أرواه الحديث ناقصا لم يقبل، وإن كانت زيادة رواها تلميذ دون التلاميذ قبلت.
فهذه جملة المذاهب المذكورة في هذا الباب.
وأما الوجه الثالث وهو سبب اختلاف المذاهب في جميع هذا كله فإنه يدور على نكتة واحدة، وهي ما قررناه مرارا من أن المعتبر فيما يقبل أو يرد من الأخبار حصول الثقة أو انخرامها، وإذا كانت الظنون الواقعة عقيب خبر الآحاد، أو العلوم الضرورية عقيب خبر
стр. 467
التواتر إنما مستندها العادات، هي الحاكمة فيها، فكان من قال: إن المقل لا يعمل بروايته تخيل استرابة من ناحية العادة [التي] قدمنا ذكرها، وهي كون ذلك يؤذن بقلة عنايته بالحديث ومعرفته بأهله، ومن كان كذلك لم يوثق بحديثه.
والجمهور غلطوا اصحاب هذا التخيل ولم يروا هذا خارما للثقة، والثقة وإن تفاوتت مراتبها فإنها لا يطلب منها في الأخبار غايتها، بل إنما يطلب حصول الثقة على الجملة، وهي حاصلة هاهنا، وقد كانت الصحابة تقبل خبر الأعرابي ومن لا يعرف بحفظ الحديث والإكثار من الرواية. وقد يتفق سماع حديث واحد من عدل، ثم تقطع القواطع عن الازدياد، فلا تقف صحة روايته لهذا الحديث على الازدياد، بخلاف العادة في المفتي، فإن لم يعن بنفسه في مواضبة العلماء والأخذ عنهم، وطول الأزمنة في القراءة عليهم والتلقي منهم لم يحصل في مرتبة الفتوى، ولا يكون لها أهلا، لما أشرنا إليه من جريان العادة بالحاجة في ذلك إلى لقاء العلماء والاستكثار من الأخذ عنهم، والتحسس إلى مراميهم ومسالكهم فيما يتأملون ويفتون به.
وكذلك ما ذكرنا من الخلاف في انفراد أحد التلامذة برواية حديث دون بقية أصحابه، فإن من رد ذلك تخيل هذا ريبة، واستبعد أن لا تعلم الجماعة من ذلك ما علمه هذا المنفرد.
ورأى الجمهور أن هذا ليس بريبة، ومن الممكن أن يكون الشيخ خص هذا في بعض خلواته بأن أرواه حديثا آثره به على أصحابه، أو كان غافلا عن ذكره فذكره حين أرواه لهذا التلميذ، أو يكون اقتضى حال في تلك الخلوة ما أراده فأورده على هذا المنفرد، ولم يقتض الحال في أيام اجتماع التلامذة إيراده عليهم. ويمكن أيضا أن يكون روى هذا الحديث وهم منصرفون، وهذا المنفرد لم ينصرف، فحصله دونهم أو كانوا على بعد من مجلس الشيخ، وهذا المنفرد على قرب منه، بحيث يسمع ما يخفيه من ألفاظه، فأخفى صوته بحديث فسمعه هذا دونهم.
وطرق الإمكانات لا تكاد تحصى، وإذا أمكن هذا كله لم تقع ريبة في انفراده، فوجب قبول خبره، ولو جعل هذا ريبة لذهب معظم الشرع من أيدينا، لأن أكثر مجالس النبي ﵇، إنما كانت لجملة من الناس، وانتصابه لبيان الأحكام لم يكن لقوم دون قوم، ونرى أكثر الأحاديث ينفرد بها رجل من الصحابة، فيروي صاحب حديثا، ويروي آخر حديثا، حتى يأتي على سائر الأحاديث، فنجد كل واحد منها إنما رواه الواحد أو الآحاد، ولم يكن انفرادهم بهذا ريبة، وهذا واضح.
стр. 468
وكذا (ا ............ ون) في سبب الخلاف في إسناد ما أرسله الأكثر، أو رفع ما وقفه الأكثر، تخيل الواقفون عن العمل به أن الانفراد بمثل هذا ريبة، وقال الجمهور: يمكن في الانفراد لأحد الأسباب التي أحلناها على العادة، وهذا أيضا واضح.
وأما مقصود الباب وهو انفراد الراوي بالزيادة في حديث شاركه في نقله من سواه من الرواة عن شيخه، فإن المانعين لقبول ذلك على الإطلاق قد رأوا هذا ريبة، واستبعدوا أن يضبط رجل واحد ما أغفل الجماعة.
وهذا أيضا ليس بريبة عند الآخرين، لأن الأسباب التي أحلناها على العادات ممكنة في هذا بأن يكون الشيخ كرر الحديث بموقع لم يكن حاضرا فيه سوى هذا المنفرد فحصل الزيادة دون من سواه، أو ذهلوا عن ضبطها، أو بعدوا عن سماعها، إلى غير ذلك من وجوه الإمكانات.
ويؤكد هذا أن الزيادة والانفراد مما لا يقتضي رد الشهادة، هذا والشهادة قد ورد فيها من التعبدات (ص ٢٤٤) والتقييدات ما لم يرد في الأخبار، من مراعاة العدد والحرية إلى غير ذلك مما تقدم ذكره في موضعه، فإذا لم يقدح هذا في الشهادة مع كون (...)، فإن القوادح إليها أسرع منها في الأخبار، فكذلك انفراد راو بزيادة دون بقية التلامذة، ولم نورد هذا إيراد مستند على الاستدلال به، فيطالب فيه بشروط القياس، وينظر في قبوله هاهنا، وإنما أردناه إيضاحا لأحكام العادات، وأن هذا لا يعد في جملة الاسترابات في النقل، وأشار إلى أن من قبل القراءة الشاذة مع كون القرآن يلفى شائعا على العا [دة]، فأحرى أن يقبل الزيادة التي انفرد بها أحد رواة الأحاديث، وسنتكلم نحن على القراءة الشاذة.
وهذا كله الذي أوردناه إنما يتحقق إذا كان بقية التلامذة غير قاطعين بكذب المنفرد، بأن يجوزوا ما أريناك تجويزه من ناحية العادة من غفلة منهم، أو انفرد هذا الواحد بمجلس دونهم. وأما لو حكى زيادة عن مجلس أضافه غلى حضورهم واستماعهم، وكذبوه على قطع في تلك الزيادة، فإن هذا يصير من أحكام التعارض وسنتكلم عليه.
وبالجملة فإن هذا يخرم الثقة على الجملة، والثقة هي المعتبر، وإذا تضح لك ما ذكرناه من النكتة التي يدور عليها الخلاف، علمت أن لا وجه لمذاهب المفصلين الذي حكيناه، وأن لا فرق بين زيادة تفيد حكما أو لا تفيده. على أن التشاغل بالكلام على زيادة لا تفيد، لا معنى له، وإنما يحسن التشاغل بالكلام على زيادة تفيد.
стр. 469
وكذلك ما فرق بين الزيادة ناسخة أو غير ناسخة لا معنى له، لأنه وإن كانت الزيادة تنقض حكم المزيد، وكان ذلك في مجلسين، نظرنا إلى التارخ ونسخنا الأول بالآخر، وأما النسخ فيما يورد بمجلس واحد لم يستقر حكمه، فإنه لا يقع.
وكذلك تفرقة من فرق بين أن تكون تلك الزيادة من الراوي نفسه الذي روى الحديث ناقصا، أو من غيره، وكان هذا اتهم الراوي لما اختلف خبره في نفسه، رواه مرة ناقصا، ومرة تاما، وهذا أيضا مما قد يظهر فيه العذر بأن يكون نسي الزيادة حين رواه ناقصا، ثم ذكرها فأكمل الحديث، ولا قدرة للمحصل في مثل هذا على أكثر من أن يعتبر حصوله الثقة أو انخرامها، وسنستقضي وجوه الإمكانات في العادات. وقد قيل في الراوي نفسه: إنه لا ينبغي أن يروي الحديث ناقصا وهو ذاكر للزيادة، لأجل أنها لا تفيد أكثر من التأكيد، لأن التواكيد في الشريعة تشعر بتأكيد الحكم وقوته على غيره، وهذا مما قد يحتاج في.
ومنهم من سامحه بإسقاط الزيادة إذا لم يكن فيها فائدة أكثر من التأكيد، وقد كنا تكلمنا على رواية بعض الحديث دون بعض، وإنما ذكرنا هذا هاهنا لتعلقه بقول هؤلاء: إن الراوي نفسه إذا زاد في الحديث بعد أن نقص لم يقبل ذلك منه بخلاف غيره، وربما احتاج الفقيه فيما ينظر فيه إلى مزج هذا الباب بباب الكلام في ترجيح أحد الخبرين على الآخر، وقد كنا قدمنا ذهاب بعض المحدثين إلى منع العمل برواية من لم يرو إلا حديثنا أو حديثين.
وقد اختلف الأصوليون القائلون بقبول خبر هذا المقل من الحديث لو عارضه مكثر من الحديث؛ هل يرجح خبر المكثر على خبر المقل لأجل إكثاره أم لا؟ وهذا يستقصى في كتاب الترجيحات إن شاء الله.
فصل في نقل ما تعم البلوى به
قد قررنا فيما سلف تقاسيم الأخبار، وأنها منقسمة إلى ما يقطع بصدقه، وإلى ما يقطع بكذبه، وإلى ما يتردد فيه بين أن يكون صدقا أو كذبا.
فالذي يقطع بصدقه تارة يكون ذلك ضروريا، كمن أخبر عن المدركات على ما هي عليه، وتارة يكون استدلاليا كمن أخبر بأن الله إله واحد، وهذا القسم لا تعلق [له] بما نحن فيه.
وأما عكسه وهو الكذب فيستفاد علمه من عكسه ما قلناه في الخبر الصدق، فعكس
стр. 470
الأخبار الصدقية في المدركات، والاستدلال تكون كذبا، كمن قال: العسل مر، والله ثاني اثنين ـ تعالى الله عن ذلك.
وينفرد المقطوع على كذبه بطريق أخرى لا تتلقى من العكس، وهو أن يكون الخبر يرد آحادا وشذوذا، فيما نعلمه أنه من حقه أن يشيع ويذيع ويتواتر، ويكثر له نقل الدول على الجملة، فإن ذلك من موقوف الهمم على الحديث به، وأن لا يفيد في دنيا ولا دين، وتارة يدعو استغرابه والتعجب منه إلى نقله كالزلازل والعجائب السماوية الخارقة للعادة، فإن هذا إن نقله الواحد خاصة قطع على كذبه، ومن ذلك معجزات الرسول فإن فيها هذا المعنى الداعي إلى الإشاعة، وهو الاستغراب والتعجب، ومنه ما يتعلق بأمر الدين والشرائع التي من شأن المتعبد نقل الخبر عنها والحديث بها، وهكذا فرض الصلوات الخمس، وصوم رمضان، إلى غير ذلك من قواعد الإسلام، فإن شأنه أن يكثر وينقل (ص ٢٤٥) تواترا، لأن العبادة جاءت به بأن يعلم فرضه ويتصدى من يأتي بعدنا لعلم ذلك والعمل به، ولا يتوصل إلى علم ذلك من جهة مخبر واحد عن الرسول ﷺ ، ولهذا يقطع على كذب من قال: إن الله فرض صلاة سادسة، وصوم شهر آخر، فلو قيل خبر بهذا لقطعنا على كذبه، لأنه لو كان حقا لم ينفرد هذا بنقله وعلمه، وقد بسطنا جميع هذا الأنواع فيما تقدم من هذا الكتاب، وأعدنا منها هذه النكتب لحاجتنا إليها في التصوير لما نحن فيه.
فإذا تحققت أن من الأقسام ما يقطع بكذبه إذا جاء آحادا، وأردت أمثله لهذا مما يقع الإشكال فيه، هل يلحق بهذه النقل عن الرسول ﷺ حكما من الأحكام، نعم البلوى به وتمس الناس حاجة إلى العلم بحكمه، ويتكرر عليهم ما يقتضي السؤال عن حكمه كمس الذكر، فإنه مما يتكرر ويكثر في جملة الناس، فإذا روى واحد أن النبي ﷺ أمر بالوضوء من مسه، ولم يسمع ذلك إلا من هذا الواحد لم يعمل به لكون انفراده بهذا ريبة لعموم حاجة الناس كلهم إلى معرفة حكم هذا، وكثرة نزوله بهم، فمن حقه أن يعلمه جميعهم أو أكثرهم، وينقلون ما سمعوا به، فإذا لم ينقلوا أو نقله واحد لا أكثر دونهم استريب خبره، ولم يصح العمل به، لا سيما إذا كان الراوي لنا امرأة بخبر مس الذكر، فإن الناقل عن النبي ﷺ بالوضوء منه بسرة، وهي امرأة لا حاجة لها في معرفة ذلك، ولا يصح أن يخص المرأة بذكر أحكام ذكور الرجال دون أن يعلم بذلك الرجال.
وأمثلة هذا الباب التي تنخرط في هذا السلك تكثر، والتنبيه بهذا الحديث يرشدك إلى جميعها، وفي مثل هذا اختلف الناس على قولين:
стр. 471
فمنهم من قال: لا يقبل خبر واحد عن النبي ﷺ فيما تعم البلوى به، ذهب إلى هذا الكرخي وغيره من متأخري أصحاب أبي حنيفة، وبه قال ابن خويز منداد من أصحابنا، وأضاف هذا المذهب إلى مالك، واستنبط هذا المذهب لمالك ﵁ لما قيل له: إن قوما يقولون: إن التشهد فرض. فقال: أما كان أحد يعرف التشهد؟ فأشار إلى أن الانفراد بعلم هذا لا يصح، لأن من شأن أن يعرفه الجميع. وكذلك قصته مع أبي يوسف عن الآذان، فقال له مالك: وما حاجتك إلى ذلك؟ فعجبا من فقيه يسأل عن الآذان، ثم قال له مالك: وكيف عندكم الآذان؟ فذكر مذهبم فيه الذي ذكرناه في كتبنا الفقيهات، وهو مشهور في الكتب. فقال له مالك: من أين لكم هذا؟ فذكر له أن بلالا لما قدم الشام سألوه [أن] يؤذن لهم، فاذن لهم بما ذكرناه. فقال له مالك: ما أدري ما أذان يوم، وما صلاة يوم، ها مؤذن النبي ﷺ وولده من بعده، يؤذنان في حياته وعند قبره، وبحضرة الخلفاء الراشدين من بعده. فاشار مالك ئة [إلى] أن الأذان لما كان مما تعم البلوى به لم يقبل فيه مثل الخبر الذي أورده أبو يوسف على انفراده وشذوذه، مما أشار ابن خويز منداد في استنباط ما استنبطه عن مالك.
ومثل هذا الاستنباط لا يصح التعويل عليه في إضافة مذهب إلى إمام وإسناده إليه، لأن مالكا عفا الله عنه لم يرد ما رواه أبو يوسف في الأذان بمجرد ما أشار إليه ابن خويز منداد من كون الأذان مما تعم البلوى به، لكنه قابله بأخبار أخر أثبت منه وأظهر وأصح وأشهر، ولا ينكر أحد ويريد تقدمة خبر على خبر، فلا يحسن أن يضاف إلى مالك أنه لا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى لأجل هذا الذي نقله ابن خويز منداد عنه وتعلق به.
وكذلك ما أورده في التشهد لم يذكر فيه أنه نقل خبر، وإنما نقل إليه ذهاب قوم إلى مذهب فاشار إلى إنكاره عليهم، فيكون مذهبهم كالمبتدع الذي بخلاف ماعليه من تقدم. والنظر في هذا الاستدلال عليهم غير متعلق بما نحن فيه، وإنما يتعلق بما نحن فيه ما نبهناك عليه من كون ما تعلق به ابن خويز منداد غير صحيح.
وذهب جماعة من الفقهاء والأصوليين إلى العمل بخبر الواحد فيما تعم البلوى به، وهو الذي نصر القاضي أبو محمد عبد الوهاب من أصحابنا، وقد قدمنا لك في صدر هذا الكتاب نكتة إذا عرضت عليها هذه المذاهب بأن لك وجه الحق فيها، وسبب اختلاف أهليها، لأنا قدمنا أن الأخبار منها ما يقطع على كذبه، ولا شك أن ما كان هكذا فإن ورود التعبد به لا يحسن، كما أن ما قطع على صدقه يحسن ورود التعبد به، وكذلك ما ظننا صدقه
стр. 472
ولم يقطع به، فإن التعبد به يحسن فتخيل قوم مسيس حاجة الجمهور إلى معرفة حكم يقتضي سؤالهم عنه، وإذا اقتضت الحاجة إليه سؤالهم عنه، فلابد أن يجيبهم الرسول ﷺ ، وإذا أجابهم وهم خلق عظيم فمن البعيد أنلا ينقل ذلك منهم إلا رجل واحد.
ورأى الآخرون أن ذلك لا يستبعد (ص ٢٤٦)، ومن الممكن أن يكتفوا بنقل الواحد منهم عن الإضافة في نقله، أو تحدث به حوادث تقطعهم عن النقل، والأساب القاطعة عن النقل والأعذار في هذا لا تضبط ولا تحصر، وأقل ما فيه أنا لا يمكننا القطع على كذب هذا العدل الناقل عن رسول الله ﷺ مثل هذا الحكم، كما نقطع على كذب المنفرد بنقل العجائب العامة، وإذا لم نقطع على كذبه فلا مانع من العمل بحديثه.
ويعتضد هؤلاء أيضا بأن القياس يعمل به فيما تعم به البلوى، وهو إنما يوجب الظن، فكذلك خبر الواحد يعمل به، وإن كان لا يوجب إلا ظنا هاهنا. وقد ينفصل الآخرون عنه وعن هذا الاستدال بأن يقولوا: القياس هاهنا إذا كان مما يعم صار عموم الحاجة إليه كالمعارض لنقل هذا الواحد فاستريب. ولكن للآخرين أن يقولوا: لما حسن العمل بالقياس في مثل هذا أشعر ذلك أنه من المجتهدات المظنونات، وإذا ثبت أنه من المجتهدات المظنونات حسن استعمال الظن فيه. وهاهنا ينازعهم الآخرون فيمنعون من حصول الظن بهذا الخبر، لأجل ما قررناه من الاسترابة عندهم، ولا ملجأ للآخرين إلا إنكار الاسترابة، وإبداء المعاذير التي أشرنا إليها في انفراد هذا بهذه الخبر.
وأشار ابو المعالي في الرد على من أنكر العمل بهذا إلى طريقة أخرى، وذلك أنه نظر إلى أصل علة مذهبهم فعكسها عليهم، لأنهم إنما عولوا على أن ما تعم البلوى به من حقه أن يستفيض حكمه وينتشر وينقل تواترا، وإذا تعلقنا بخبر واحد فيما تعم البلوى به، وأنكروا علينا، قيل لهم فعكس الحكم المروي يجب أن ينقل تواترا إن كان خبرنا أيضا، فإن لم ينقل اصلا عندكم ولم يستحل ألا ينقل ولا يستحيل أنينقل الحكم الآخر آحادا، لأن قصارى ما فيه عدم التواتر سلمتم عدمه من أحد الطرفين، والطرف الآخر لم يروه إلا واحد فقبوله أقرب إلى ما تشيرون إليه من رده، لأنا إن رددناه واستكذبناه صار ما تعم البلوى به غير منقول فيه حكم أصلا، وإذا صح ألا ينقل فيه حكم أصلا، ولم يستحل ذلك، فأحرى وأولى ألا يستحيل انفراد واحد بنقل فيه. ألا ترى أن مس الذكر مما تعم البلوى به، ونقل فيه حديث بسرة، وفيه الأمر بالوضوء، ومذهبهم ألا وضوء فيه، فيجب على اعتلالهم أن يكون إسقاط الوضوء منقولا تواترا، وقد علم أنه ينقل عن النبي ﷺ إسقاط الوضوء منه نقلا متواترا من هذا الطرف الذي هم عليه، فما المانع أن ينقل آحادا، ولا ينقل تواترا من الطرف الآخر الذي نحن عليه، واعتلالهم بأن بسرة امرأة لا يحسن خصوصها بذكر
стр. 473
هذا دون الرجال. جوابه أنه من الممكن أن يكون المخاطب رجالا سمعت الخطاب لهم ثم افترقوا واندرسوا قبل النقل واخترموا دونه، أو لهم عذر مما تقدمت الإشارة إليه.
ومما رد عليهم به القاضي أبو محمد عبد الوهاب أن ما لا تعم البلوى به وهو مما يخص، قد يكون الذين يخصهم جماعة فيجب أن لا يقبل هذا الخبر إلا من جماعة، وكون هذه الجماعة قاصرة عن الجماعة التي يشير إليها المخالف لا يمنع من طرد علتهم في كون هذه الجماعة الخاصة ينقل جميعها ما خصوا، فإن صح انفراد واحد منهم بالنقل صح انفراد واحد بالنقل دون الجماعة الكبيرة.
ومما رد عليهم به أيضا أن (...) تعم البلوى بحكمه، وقد اختلفت فيه الصحابة المهاجرون والأنصار حتى استفتوا في ذلك أزواج النبي ﷺ وقبلوا خبرهن، فلو كان ما تعم البلوى به لا يقبل فيه خبر الواحد لم يقبل فيه الصحابة خبر من أخبرهم من أزواج النبي ﷺ .
هذا، وقد قابل الآخرون برد الخبر بتوريث الجدة وخبر أبي موسى في الاستئذان لما كان الآحاد نقلوا ما يعم، ونحن قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب العذر في رد هذين الخبرين، فمن طالعه هنالك علم بطلان تعلقهم به، وقد نوقض المخالفون في هذا في مسائل تعم البلوى بها، قبلوا فيها خبر واحد، ولا حاجة لإيرادها، لأنها قد يتركون كونها تعم البلوى بها. ومن نظر في أحكام الفقه في الصلاة والرعاف في الصلاة، والقيء فيها، وإيجاب الوضوء من ذلك، والأمر عن غسل منها أن يغسل، وإيجاب الوتر عند المخالف عمل منذ ذلك ما يجزيه في هذا الباب، وما يناقض به المخالف إذا علم مذهبه في هذه الفروع، وهذا نهاية ما يقال في هذا الباب.
فصل في القراءة الشاذة
اعلم أن هذا الباب نوع من المسالة التي فرغنا منها الآن، وأنا نبني على ما نبهناك عليه من أن الأخبار منقسمة إلى ما يقطع على صدقه أو كذبه أو يشك فيه، وإن مما يقطع على كذبه مجيء الخبر آحادا ومن حقه أنينقل تواترا، إما بسبب دنيا كما تقدم مثاله، أو بسبب تعجب واستغراب كما تقدم مثاله أيضا، والخلاف المشار إليه في القراءة الشاذة هل يعمل بها أم لا؟ مبنى (ص ٢٤٧) على هذا مع حصول الاتفاق على (...) ما في
стр. 474
المصاحف الآن، إثباتها في المصحف و (ذ ...) أن الثقة بها والقطع (...) لا يوجب (...) كما تقدم بيانه.
وأما العمل بها في الحلال والحرام وغير ذلك من الأحكام فهذا (...) أبو المعالي إلى الشافعي أنه ينكر العمل بالقراءة الشاذة، واستنبط ذلك له من (...) بالله لا يجب تتابعه مع قراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وأضاف إلى أبي (...) أنه يرى (... لى) وجوب التتابع في صوم هذه الكفارة (فاد ...) ما نسبه إلى الشافعي، ففيه نظر، وقد يرى الشافعي ترك التتابع (... خر) قابل به قراءة ابن مسعود وعارضها ورجحها عليها، ولا ينكر أصولي الترجيح في مثل هذا عند تعارض الأدلة (...) الشافعي (... ت) في الرضعات المحرمات، ويقول: لا يحرم الرضيع إلا بخمس مصات فأكثر لا أقل منها، وذلك أن عائشة ﵂ روت الحديث المشهور "أن المصات المحرمات كن عشرا فنسخن إلى خمس"، فهذا الشافعي هاهنا قد [يمكن] أن يقال: إنما عول على قراءة شاذة (...) نقل آحادا.
وأما أبو حنيفة فكذلك يقول فيه أيضا، لأنه من الممكن أن يوجب التتابع في كفارة اليمين بدليل آخر ظهر ولم (...) قراءة ابن مسعود، وقد ورد في القرآن اشتراط التتابع في صيام بعض الكفارات كالظاهر والتقل و (...) أطلقت، ويرد المطلق إلى المقيد، وقد تقدم كلامنا عليه، وبسطنا القول فيه (...)، فبقي النظر هاهنا في
стр. 475
اختلاف (...) في كفارة اليمين، وفي كفارة القتل والظهار، وتحقق القول في وجوب (...) بابه الذي تقدم كلامنا فيه و (.... ي) يعول عليها المحققون في أن القراءة الشاذة لاي عمل بها (...) السلام وقطب الأحكام، ومفزع (...) وزرهم، وآية رسولهم، ودليل صدق دينهم، ومعلوم قطعا أن ما اجتمعت فيه هذه الأسباب أن دواعي أهل الملة تتوافر على نقله وتلهج ألسنتهم بذكره، لا سيما القرآن وما هو عليه من البلاغة الخارقة للعادة المستحسنة عند أهل اللسان (...) كان من شأنهم وعادتهم اللهجة بفقرة نادرة وبيت شعر رائق، حبا في البلاغة واستحسانا للبراعة، ولا بلاغة أعظم من بلاغة القرآن، فإن ثبت أن هذه الاسباب تدعو الجميع إلى النقل، فإنه إذا نقل الواحد دونهم علم أننقله غير ثابت، ولا يحتج بما قدمناه من الآحاد الذي قررناه مرارا.
وأشار أبو المعالي إلى التعويل على نكتة ثانية، وهو ما تقرر من إجماع الصحابة على مصحف عثمان وعمل الناس عليه، وأنهم عولوا عليه ورضوه ونبذوا ما سواه ورفضوه، وعاق عثمان ﵁ ابن مسعود لما أبدى تعقبا عليه في مصحف، وحض الناس عليه، وهذا الإجماع يمنع الناس من التعلق بالقراءة الشاذة والعمل بها. وهذا الذي تمسك به أبو المعالي من هذا الإجماع إنما يكون له فيه حجة إذا سلم المخالفون في العمل بالقراءة الشاذة أن الإجماع قد تقرر من الصحابة على إطراح ما سوى مصحف عثمان نقلا وعملا، وأما إن قالوا: إنا إنما نسلم إجماعهم على إطراح ما سواه في ألا يقرأ في المحاريب، ولا يكتب في المصاحف، ولا يضاف إلى القرآن، دون أن يسلم إجماعهم على منع تعليق الأحكام به، فإنهم يوقفون (...) الاستدلال، ويضرب معهم في باب آخر، وهو البحث عن هذا الإجماع؛ هل يتضمن منع العمل بالقراءة الشاذة أم لا؟ وكل من يرى الإجماع يتضمن [العمل بها] يستلوح هذا من إضرابهم عما سوى مصحف عثمان ابن عفان
стр. 476
ورده، ونظر إمامهم في إخفاء ما سوى مصحفه واندراسه، وهذا يشير إلى أنهم لا يرون العمل به. وأشار أبو المعالي إلى اختصاص القطع على رد القراءات الشاذة، وأنه ينقل نقلا شاذا أو لفظا يضاف إلى القرآن.
وأما اختلاف الإعراب والجاري من القراء فليس من هذا، لأن اختلاف الإعراب وضبط القراءات إنما اشتهرت به طائفة من المسلمين، وهم الذين تواتر عندهم، ومنهم من يؤخر التواتر، وقد أشرنا إلى أن اشتهار الخبر، والله بذكره إنما يكون بحسب السبب الداعي إليه، فإن كان السبب يعم الجميع نقله الجميع، وإن كان السبب يخص طائفة اختص بالنقل تلك الطائفة، والداعي إلى تداول القرآن [هو] كونه معجزات الرسول وأصل الد [ين] (...)، هذا السبب يعم الجـ[ـميع].
وأما التشاغل بضبط حركات (ص ٢٤٨) الإعراب والنطق بها (والو ...) [طائـ] فة من المسلمين، وهم [النحاة]، كما اشتغلت طائفة من المسلمين بعلم (...) الذي نقله الجميع، وهكذا حركات الإعراب التي أشرنا إليها يختص بضبط (...)، وهكذا الحال في جميع العلوم والحرف والصنائع يختص بالبحث عنها (...) من جهة العادة ولكن (...) سائر الناس لاشتراكهم في السبب المقتضى لعلمه، وهو (التستـ ... سموية) وغيرها من الأدوية المسهلة، مما يسهل عليهم أيضا من جهة العادة، ولكن يختص بالعلم بذلك الأطباء (ومت ...) لاشتغالهم بعلم هذا الباب الذي هو معالم الأبدان السقيمة، وحفظ الصحة على الأبدان الصحيحة.
وأما الآخرون الذاهبون إلى العمل بالقراءة الشاذة، فإنهم يرون أن أقل مراتبها أن يكون كخبر واحد نقل لفظ النبي ﷺ ، وقضيته في حكم من الأحكام مقبول، وقد نبهناك على الفرق، وبطلان هذا القياس، لأن الأصل الذي قاسوا عليه خبر مظنون صدقه، وهذا الذي تنازعنا فيه بعد ذلك هو خبر معلوم بطلانه، وشتان بين ما يظن الصدق فيه، وبين ما يعلم بطلانه.
стр. 477
وأشار أبو المعالي إلى أنه لا مطمع لمن قال بأن أحد الرواة إذا انفرد بزيادة لا يقبل فيه في أن [يعمل] بالقراءة الشاذة (...) كزيادة انفرد بها بعض الرواة، وقد ذكرنا فيما تقدم الخلاف في العمل بزيادة انفرد بها بعض الرواة، وذكرنا سبب (...) في ذلك، وإذا أنت تأملت سبب الخلاف (...) علمت أن هذا الذي أشار إليه أبو المعالي أنه من القائلين بمنع قبول الزيادة (...) الرواة لا يمكنهم القول بالعمل بالقراءة الشاذة فيه نظر، إذا لم يسلم القوم كون هذه القراءة الشاذة مما يجب علم الجميع بها (... ـم) إذا لم يسلموا ذلك صارت عندهم كحديث رواه واحد، ولم يسمعه سواه، وانفرد الرواة بحديث ليم يسمعه غيره يجب قبوله عند جمهور المحققينن. واعتذر أبو المعالي عن ترك ضبط القول فيما يتعلق بأطراف الكلام في هذا الباب من أحكام نقل القرآن بأنه سيجمع فيه مجموعا يختص به، وذكر أن القاضي ابن الطيب لم يشف الغليل في كتاب الانتصار لنقل القرآن على أنه من أجل كتبه. وقد كنا نحن أملينا كتابا ترجمناه بقطع لسان النابح في المترجم بالواضح، وهو كتاب نقضنا فيه على رجل نصراني كان كتاب ألفه في الرد على المسلمين، وصرف همته فيه إلى الطعن في القرآن وما يتعلق به، وبسطنا القول هناك في بعض أطراف ما يتعلق بما نحن فيه.
وبالجملة فلا يحسن بالمؤلف استيعاب المسائل المتعلقة بالقرآن، فهذا القاضي ابن الطيب قد استوعب فيه ما يحسن إيراده في ذلك، ولكن أبا المعالي أبدا يرمز في مثل هذه المواضع إلى الكلام على مبادئ بعيدة، ويرى أن إيرادها وتدريج القارئ منها على ما تكلم عليه القاضي هو شفاء للغليل، وإبراء من داء الشكوك، ولكل مؤلف طريقته في التأليف، والله سبحانه يهدينا إلى أجمل الطرق بمنه وفضله.
نجز كتاب الأخبار والحمد لله.
стр. 478
كتاب الإجماع
تصور كتاب الإجماع بأربع مسائل:
- إحداها معنى هذه التسمية.
- الثانية، إمكان وجود هذا المسمى أواستحالته.
- الثالثة نقل المذاهب فيه إذا كان ممكنا.
- الرابعة سبب اختلاف المذاهب فيه.
فأما معنى هذه التسمية فإنها تتردد بين معنيين:
- أحدهما: العزيمة والإمضاء، ومنه قولهم: أجمع رأي فلان على كذا، قال تعالى: (فأجمعوا أمركم).
والمعنى لاثاني يرجع إلى الإجماع والانضمام، فكأن الأمة إذا قالت بقول واحد في مسألة واحدة، فقد اجتمعت أقوالها، وجرى إجماع أقوالها مجرى اجتماع الأجسام، ولو كان الاجتماع لا يصح في الأقوال، لكن قد يتجوز بإطلاق ذلك فيها.
ومن الناس من ذهب إلى إنكار إطلاق ذلك على معنى الاجتماع، ورأى قصر هذه اللفظة على معنى واحد وهو العزم والإمضاء، واستشهد بأن ما كان بمعنى العزيمة يكون من واحد، ألا تراهم يقولون: أجمعت الأمة على كذا بمعنى عزمت عليه، ولا يقولون في هذا: اجتمعت لأن الاجتماع لا يكون إلا بين اثنين، يدل هذا على أن الإجماع خلاف الاجتماع.
وقد زعم أبو حامد الإسفراييني أن هذه اللفظة في الشرع بخلاف معناها في اللغة، فإن بنى على هذا المذهب، فكأنه يرى أن (...) الإشارة إلى الاجتماع على المذاهب، لا على العزم عليها.
стр. 479
أنهيت نسخ هذا الكتاب يوم الإثنين ٢ من ذي الحجة ١٤٢٠ هـ الموافق لـ ٧ فيفري ٢٠٠٠ على الساعة التاسعة إلا ربعا صباحا، بمنزلي بالعاشور ـ الجزائر العاصمة.
وقبولت مع الأصل مع تخريج الآيات والأحاديث، وتم ذلك يوم الثلاثاء ٩ ربيع الثاني ١٤٢١ هـ الموافق لـ ١١ جويلية ٢٠٠٠ م بمنزلي بالعاشور (الساعة الرابعة بعد الظهر) نسأل الله التوفيق في البدء والختام.
الأستاذ الدكتور عمار الطالبي
الأستاذ بجامعة الجزائر
كلية العلوم الاجتماعية
قسم الفلسفة