Полный текст (479 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
واشترط أبو المعالي في قبول روايته، وكونه معدلا لأشياخه إذا ظهر تعويله على الحديث، بأن يكون ذلك العمل مما لا يؤخذ فيه بالاحتياط، حتى يجوز أن يكون الراوي احتاط للعمل بأن أخذ بالرواية. وهذا التقييد الذي اشترطه داخل في الجملة التي أجملناها أولا، حيث قلنا: إنا نشترط أن لا يكون عمل بدليل آخر غير الحديث، وكأنه هذا ضرب من ذلك، والأخذ بالاحتياط مسلك ثان غير مجرد الرواية.
وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في التجريح الضمني، فإنه إذا روى حديثنا ولم يعمل به، وتحققنا أنه لم يترك العمل به لدليل آخر عارضه، فإن الظن به أنه ترك العمل به لكون شيخه فيه غير ثقة عنده، أو شيخ شيخه. ولا شك أن هذا مما يخرم الثقة بالخير. وقد كنا قدمنا مرارا أن المعتمد في هذا الباب حصول الثقة وسكون النفس إليه.
وقد أجرى القاضي ابن الطيب هاهنا سؤالا جاريا على هذا الأسلوب، وهو أن القاضي إذا حكم بشهادة قوم، فإن ذلك حكم منه بتعديلهم، إذا عول في البحث عن حالهم على نسه، واختياره، وفحصه عن حالهم، بخلاف أن يزكوا عنده، فإن ذلك لا يكون حكما بتعديلهم. وهذه المسألة [سنذكر] تفصيلها في ما نميله من الفقيهات، ففيها نبسط المقال في قاض آخر، هل يكلف بالاجتهاد في حال الشهومد، واستئناف النظر [أو يضرب عن ذلك] صفحا، ويعول على القاضي الذي نفذ حكمه بتعديلهم على حسب ما ذكرناه.
المسألة الرابعة (...) فيمن يزكى أو يجرح شاهدا أو مخبرا، فقالت طائفة: لا يقبل في تزكية المخبر أو الشاهد إلا اثنان [ولا يقبل] في ذلك قول رجل واحد. وقالت طائفة: أما المخبر فيقبل في وصف حاله رجل واحد بخلاف الشاهد (...) الشهادة، وعليه أكثر أهل المذاهب، فإنه يرى أن العدد لما كان معتبرا فيها وجب أن يعتبر فيما شرط في (ص ٢٢٠) قبولها أو ردها. ولما كان التعديل والتجريح مؤثرين في القبول والرد وجب اعتبار العدد فيها كما اعتبر ذلك في نفس الشهادة، وإذا ثبت هذا في تعديل الشهود أو تجريحهم قيس عليه تعديل المخبر أو تجريحه، لأنه شهادة بحاله على رأي من ساوى بين الأمرين.
وأما على رأي من فصل بينهما فإنه لا يسلم هذا القياس، لأن القياس لا يصح إلا بعلة جامعة، ولا علة تجمع هاهنا بين الخبر والشهادة، وأما من ساوى بين الجميع في أنه لا يعتبر عددا في تزكية شاهد أو مخبر أو تجريحهاما بل يقبل في جميع ذلك قول رجل واحد، فإنه يعول على أن قدمنا إجماع الصحابة على العمل بخبر واحد عن النبي ﵇، وما ذاك
стр. 422
إلا لحصول الثقة بخبره، وغلبة الظن بصدقه، وكون الظاهر من حاله العدالة وتجري الصدق. وهذا المعنى يثبت في خبر العدل إذا عدله رجل آخر عدل، والنفس تسكن إلى خبر المعدل، كما تسكن لخبر المعدل، فوجب قبول الخبر عن التعديل، كما وجب قبوله عن النبي ﵇.
والمفهوم عن الصحابة أنه لو روي لهم رجل خبرا عن النبي ﵇ وهم يعملون حاله، فقال لهم الصديق أو عمر ﵄: إنه ثقة صدوق، لبادروا الخبر بخبره، وعولوا على مقتضى ما يقول، وإذا ثبت هذا في الخبر قيست الشهادة عليه، والعلة الجامعة بين الشهادة والخبر عند هؤلاء أن الشهادة هي ما يختص به رجل واحد بعينه، أو قوم بأعيانهم، ويتطلب فيه فصل القضاء ويمكن الترافع فيها إلى الحكام والتخاصم، ألا ترى أن من شهد على رجل بدين، أو وديعة، أو نكاح، أو طلاق، أو عتاق، أو قتل، أو سرقة، أو قذف، فإن جميع هذا مما يختص ضرره بالمشهود عليه، وما يتطلب فيه فصل القضاء ويمكن فيه المرافعة إلى الحكام، يتطلب فيه الشرع العدد استظهارا لمزيد الظن وقوته، وانتفاء التهمة عنه، والخبر عن النبي ﵇ لا يختص ضرره بشخص واحد، ولا يقف حكمه على معين، بل يعم سائر المسلمين والمخبر بالخبر، وكل ما سواه، فحسن أن لا يتطلب فيه استظهارا بالعدد.
وإذا تصورت هذه النكتة كما يجب، فمهنا ينشأ الخلاف في اعتبار العدد في المزكي والمجرح، وذلك أن من اعتبر العدد في ذلك قال: إن المقصود إثبات وصف رجل بعينه، وهو المخبر أو الشاهد، وإذا كان مضمون القول الاقتصار على ثبوت أمر معين في رجل معين، فهذا حقيقة الشهادة.
وقد جاء الشرع باعتبار العدد في الشهادة، ومن لم يعتبر العدد في ذلك قال: إن هذا الوصف إذا حصل لهذا الرجل قبل قوله وخبره وشهادهت في جميع ما يخبر عنه أو يشهد عموما، فصار ذلك كقول تضمن عاما في سائر الناس، فجرى مجرى الخبر، فالالتفات إلى هذا السر في هذه المسألة هو سبب اختلاف الفقهاء والأصوليين فيها، وعلى المرور عليها مال الحذاق إلى تصويب من قال: إن الهلال يجب أن يقبل فيه خبر واحد، كان هلال صوم أو هلال فطر، لأن مضمون هذا الخبر عن الهلال يتضمن حكما عاما يخاطب به هذا المخبر عن الهلال وكل من سواه.
وقد اختلف أئمتنا في قبول خبر الترجمان الذي يترجم للقاضي عن أهل اللغات الذين
стр. 423
لا يعرف القاضي لغتهم، وإنما سبب الخلاف ما أشرنا إليه أنه أقيم للترجمة مقام عام، ولكن إنما يرفع للقاضي خبرا مخبرا عن معين فمعين، إلى غير ذلك من المسائل الذي اضطرب فيه المذهب عندنا، وجميعها دائر على اعتبار النكتة التي نبهناك عليها.
وقد قيل في الرد على من اعتبر العدد وعول في ذلك على القياس على الشهادة، بأنه قد ورد الشرع بأن الشرط في الشهادة قد يكون أخفض رتبة منها، ألا ترى أن الزاني لا يرجم بإجماع الأمة بأقل من شهادة أربعة، ولكنه لا يرجم حتى يثبت كونه محصنا، وإحصانه يثبت بشهادة رجلين، ولا يفتقر الإحصان إلى شهادة أربعة، وإن كان لا يصح الرجم إلا بعد ثبوته، فقد صار شرط الشهادة غير جار مجراها، فكذلك لا يبعد أن تكون الشهادة مشروطة بالعدد. والتعدل وإن كان شرطا فلا يفتقر إلى العدد كما قلناه في الإحصان والزنا، ويلزم القائلين بقياس التعديل على الشهادة ألا يقبلوا في تعديل شهود الزنا بأقل من أربعة، ولا في النقل عنهم، ولا في كتاب القاضي، حكمه في شهادتهم (...) اختلف المذهب عندنا في قبول شهادة شاهدين على حكم القاضي بالزنا، وفي النقل عن شهوده، إلى غير ذلك مما نبسط (...) إن شاء الله.
المسألة الخامسة اعلم أن اختلاف العلماء في اللفظ المطلوب في تعديل المعدل (...) العدالة جملة وتفصيلا، فإذا عدل رجل شاهدا أو مخبرا، أو جرحها، فهل يكاشف ويباحث عن طريق (...). اختلف الناس في ذلك على أربعة أقوال:
- فمنهم من قال يستفسر المعدل والمجرح عن الأسباب التي عولا عليها (...) (ص ٢٢١) أو التجريح.
- ومنهم من قال يقلدان ما تقلداه ولا يجب أن يكاشفا.
- ومنهم من قال يكاشف المجرح عن السبب الذي جرح به ولا يكاشف المعدل، وبهذا قال الشافعي، وعليه الجمهور.
- ومنهم من عكس ذلك فقال لا يكاشف المجرح ويكاشف المعدل، ذكر هذا المذهب أبو المعالي عن القاضي.
стр. 424
والأشهر عن القاضي عندنا أنه يرى ترك المكاشفة في التعديل والتجريح، إذا وثق بعلم العدل والمجرح، وعرف كونهما عارفين بأسباب التعديل والتجريح. وهذا الاشتراط للمعرفة في المعدل والمجرح تعرض إليه القاضي كما ذكرناه وأبو المعالي، وما رواه مما يخالفان فيه، ولا يحسن أن يذهب محصل إلى قبول ذلك مطلقا من رجل غمر جاهل لا يعرف ما يجرح به ولا ما يعدل به، وإنما يحسن الخلاف إذا وقع ذلك من عالم.
وقد اعتمد من أوجب الاستفسار في التعديل والتجريح بما يدخل ذلك لما تقرر اختلاف العلماء في أمور كثيرة، هل يقع بها التجريح أم لا؟ وفي حقائق التعديل، وفي التعويل فيه على مجرد ظاهر الإسلام خاصة، وإن أمكن أن يصير المعدل أو المجرح إلى مذهب يخالف مذهب السامع له، وجب على السامع لخبره أن يكاشفه عن ذلك حتى يرى ما عوّل عليه؛ هل أصاب فيه عنده أم أخطأ، فهذه عمدة أصحاب هذه المذاهب.
وعمدة الآخرين أن الحاكم يجب عليه قبول شهادة الشاهد، بأن فلانا عقد نكاح فلاننة، أو اشترى دار فلان، ويقضي بهذه الشهادة، وبإمضاء النكاح والبيع، مع اشتهار اختلاف العلماء في عقود الأنكحة والبياعات، ومع تجويز القاضي إذا كان مالكيا أن يكون الشاهد حنفيا يرى صحة النكاح من غير ولي، وكذلك إذا كان القاضي شافعيا يرى أن من شرط انعقاد النكاح حضور شاهدين، ويجوز أن يكون الشاهد مالكيا يرى صحة انعقاده مع عدم الشهادة، وكذلك إذا شهد عنده بيع داره، وكان الشاهد مالكيا يرى جواز بيع الغائب على الصفة.
ثم مع هذا الاحتمال والتجويز يقضي القاضي بالشهادة غير ملتفت إلى هذا التجويز، فكذلك ما قوع من الخلاف في التعديل والتجريح، ولا يوجب ذلك مكاشفة المعدل والمجرح. وقد اشتهر الخلاف في مسألة المدونة فيمن شهد أن فلانا مولى فلان، لا يعلمون له وارثا غيره، فأوجب أصحاب مالك استفسار الشهود إذا حضروا، هل هو مولى أعلى، أو مولى أسفل. وصرح بعضهم بأنهم إذا غابوا وتعذر استفسارهم قضى له بالميراث جريا على ما قلناه من حمل الشهادة على ما يفيد، واجتناب تعطيلها بالتجويز.
وأما من فرق بين التعديل والتجريح فإنه يعول على أن التجريح تمكن العبارة عنه بلفظ وجيز، فيقول: رأيته سرق أو سكر من الخمر، والتعديل تكثر أسبابه وتطول العبارة عنه، فدعت هذه الضرورة إلى ترك المكاشفة. هذا والاختلاف في معاصٍ تجرح أشد إشكالا من الاختلاف في حقائق العدالة.
وأما ما ذكره أبو المعالي عن القاضي من عكس هذا المذهب، فإنه اعتمد على أن المعتبر في قبول الخبر الثقة به، والإخبار بالتجريح على الجملة يخرم هذه الجملة، ويمنع من سكون النفس إلى خبر هذا المجرح على الجملة، وكل ما خرم الثقة فإنه يقتضي رد
стр. 425
الخبر، وأشار أبو المعالي إلى أن هذا المذهب أوقع في مأخذ الأصول، لما قلناه من كون التجريح على الجملة يخرم الثقة، بخلاف الإخبار عن الثقة فإنه لا تحصل الثقة بخبر المخبر إلى عن مباحثته عن الأسباب التي علم منها ثقة المعدل، واطلع منها على دينه، وحسن حاله.
وأما ما اعتمد عليه أبو المعالي، وذكرنا أن القاضي أشار إليه فإنه قال: العالم بوجوه التعديل والتجريح، الظاهر منه أنه لا يطلقها إلا بعد تحصيل اسبابها كيف يجب، بخلاف الجاهل فإنه لا يوثق بما يقول لجهله بأسباب التعديل والتجريح.
وقد قيل: إن الشافعي إنما دعاه إلى المكاشفة عن التجريح خاصة، أنه علم بإنسان جرح إنسانا، فلما سئل عن طريق علمه بتجريحه، قال: رأيته يبول قائما. فقيل له: وإذا بال قائما ماذ عليه؟ فقال: قد يتطاير عليه البول. فقيل له: فهل رأيته صلى بعد هذا؟ فقال: لا. فدعا الشافعي إلى اشتراط المباحثة عن أسباب التجريح.
وظاهر هذه الحكاية يقتضي أنه يوجب مباحثة من لا يوثق بعلمه بالتجريح.
وما يتعلق بأحكام المباحثة أن التجرح [هل] نقل من المجرح سرا أو علانية؟. لأنه إذا قال: رأيته سرق أو شرب الخمر، فإن ذلك يخرم الثقة بقول السارق والشارب، سواء أسر المعدل هذا التجريح لمن أخبره به أو أعلنه.
وأما التعديل فقد اختلف أصحاب الشافعي فيه على قولين: هل يقتصر فيه على تعديل (ص ٢٢٢) العلانية للمخبر، أو لابد من المباحة عن التعديل في السر؟ وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في جواز الاقتصار في تعديل الشاهد على العلانية دون تعديل السر، واختار بعض أشياخي ألا يقبل ذلك إلا بعد المباحثة في السر، لأن الإنسان لا يمكن غالبا أن يذكر في العلانية قبائح الإنسان المستورة، وإذا سئل في السر ذكرها.
وقد يجري اختلاف أصحابنا هذا في تعديل المخبر عن النبي ﵇، لا سيما وقد قال كثير من الناس: إن المبالغة في البحث عن عدالة الراوي يجب أن تكون أشد من المباحثة عن تعديل الشاهد، لكون الراوي يعم خبره سائر المسلمين، بخلاف شاهد يختص ضرر شهادته بزيد أو عمرو، فعلى هذا قد يجري الخلاف في المخبر ما حكيناه عن أصحابنا في الشاهد، وإن كان قد رأيت بعض المصنفين قد يشير إشارات خفية إلى أن المخبر هاهنا أخفض مرتبة، لأن الخبر مبني على حسن الظن، ألا تراه يقبل من العبد والمرأة بخلاف الشهادة. وبالجملة فلا أعرف في الخبر نص خلاف بين أصحابنا، فإن لم يتخرج الخلاف فيه من الشهادة فقد ذكرنا الخلاف فيه بين أصحاب الشافعي.
стр. 426
المسألة السادسة: اعلم أنا قد قدمنا حقيقة التعديل والتجريح، وعدد من يعدل أو يجرح، وهل تجب المباحثة للمعدل أو المجرح، فلو فرضنا اختلافا وقع في شاهد أو راوٍ، حتى عدله قوم وجرحه آخرون، فإن هذا لا يخلو من قسمين، أحدهما أن يتساوى عدد المعدلين والمجرحين، أو يختلف.
فأما إن تساوى عدد المجرحين والمعدلين، بأن أثبت [التعديل رجل واحد واثبت] التجريح رجل واحد على قول من يقبل الواحد في ذلك، أو أثبت التعديل رجلان، وأثبت التجريح رجلان، فإن القاضي ابن الطيب حكى الإجماع على قبول التجريح وتقدمته هاهنا على التعديل. وما أرى الإجماع يثبت له، لأن ابن شعبان من أصحابنا ذكر في كتابه المترجم بالزاهي في ذلك قولين: أحدهما أن شهادة المعدلين أولى من شهادة المجرحين، والقول الثاني: أن المجرحين أولى، فأنت تراه ذكر في المسألة قولين.
وأما إن اختلف عدد المعدلين والمجرحين، فإن كان المجرحون هم الأكثر، فلا شك في تقدمة شهادتهم، وذلك أولى بأن يكون إجماعا على نقل القاضي ابن الطيب وقوع الاختلاف بين العلماء في ذلك.
وهذه المسألة ينجر إليها مسائل كثيرة يعرفها الفقهاء لا تكاد تحصى كثرة، وكم من مسألة في المدونة وغيرها من الدواوين المشهورة تكلم الفقهاء فيها على اختلاف الشهادات، ونظرا فيمن تقدم من الشهود، وذكروا خلافا في بعض المسائل، وعدوا مسائل أخرى من الخلاف، ولكن النكتة التي يجب أن ننبه عليها أن الاختلاف والتعارض إنما يكون إذا وقعت الأقوال على وجهين متناقضين لا حيلة في رفع التناقض عنهما، فأما إذا وجد السبيل إلى بناء ما اختلف من الأقوال، فإن التناقض لا يقطع في حصوله، فهذا يحوجك إلى النظر في اختلاف المعدلين أو المجرحين:
فإن حكيا في ذلك حكاية مطلقة بأن قال المعدل: هو عدل، وقال المجرح: هو مستجرح، فإن تقدمة الجرح هاهنا أولى، ولا يحسن الخلاف في هذا، ولو اختلف عدد المعدلين والمجرحين.
وإذا كان المجرحون عددا يستقل به التجريح، وذلك أن التعديل مبناه على الظاهر، لأنا قدمنا أن من حقيقته اجتناب المعاصي المفسدة للدين، واجتناب المباحات المسقطة للمروءة، والمعدلون إنما يحكون من ذلك ما رأوه في غالب الأحوال والأوقات، ومن الممكن أن تقع فلتة يزني فيها أو يسرق من وصفوه بحسن الدين والوقار واستقامة الأحوال، وهذا لاشك أن المعدلين يجوزونه، ويقولون: يمكن أن يكون لما جنه الليل وآوى إلى فراشه ركب في فراشه معصية كبيرة سقطت بها عدالته، ولكنا ما نعبدنا بهذا الخفي المحوز، فإذا قال المجرحون: نحن اطلعنا على هذا الخفي، ولم يره المعدلون، فإن المعدلين لا
стр. 427
يقدرون على إكذابهم فيما قالوه، إذا لم يقطعوا بكذبهم، فلا وجه لرد شهادتهم بالتجريح.
لكن لو تصور الأمر على خلاف هذا بأن يقول المجرحون: رأيناه ساعة كذا يشرب خمرا، أو سرق مالا، ويقول العدلون الذين عولوا على الشهادة على غالب حاله: كنا حضورا معه في تلك الساعة فلم يصنع مما قال المجرحون شيئا، بل كان قائما يصلي، فلا شك أن هذا تكاذب، وهذا يغمض الأمر، ويحسن وقوع الخلاف فيما تقدم من الشهادتين، ويحسن الترجيح بالكثرة في العدد، أو الترجيح يكون بقوم أظهر عدالة من قوم، على حسب ما عرف في كتب الفقهاء من النظر في الترجيح بقوة العدالة، أو بكثرة العدد، وأصل المدونة في أمثال هذه المسائل بقوة العدالة والظهور فيها، فالجانب الذي هو أظهر عدالة وأقوى ديانة هو الأقوى أن يقدم.
وأما التجريح بالكثرة فلم يلتفت إليه في المدونة، والتفت [إليه] في غيرها من كتب المالكية، ويعتبر الفقهاء هاهنا (ص ٢٢٣) أصلا آخر، وهو أن من أثبت حكما أولى ممن نفاه.
وقد وقع عندنا في المذاهب قولان في شاهدين شهدا أن فلانا قتل فلانا ساعة كذا، وشهد آخران أن القاتل كان عهما تلك السعة بمكان آخر، يعلم منه أنه ما حضر القتل، هل يقدم شاهدا القتل لأجل أنهما اثبتا حكما، وهو إباحة إراقة دمه قصاصا، بعد أن كان الأصل أن دمه مصان غير مباح، أو تسقط الشهادتان لتعارضهما؟
وكلك لو شهد اثنان بأنه تكلم بكلمة هي "طالق لزوجته، وقال آخر: بل هي عتق لغلامه.
وكذلك لو شهد شاهدان أن هذا مات نصرانيا، وقال آخران: بل مسلمًا، وتنازع النصارى والمسلمون من أولى بميراثه.
وكذلك إذا شهد شاهدان بأنه وصى عند موته وهو ثابت العقل، وقال آخران: بل فاسد الميز فقيد العقل. على ما عرف من أحكام المسائل المذكورة، بعضها في المدونة وبعضها في غيرها.
وإنما بسطنا لك هذا لتعليم طريقة الفقهاء فيه، وتستدل بأجوبتهم في هذه المسائل على مسألتك ماذا يقولون فيها ما إنا ذكرنا عنهم الخلاف في عينها على حسب ما نقلناه لك، ولكن الفقهاء إنما يتكلمون على ذلك في أحكام الشهادات وفصل القضاء إذا اختلف على القاضي المعدلون والمجرحون.
стр. 428
وأما الأصوليون فقد ذكرنا لك ما قال إمامهم وهو القاضي ابن الطيب، وكنا قدمنا لك أن أبا المعالي أشار إلى أن المعتمد في هذا على عمل الصحابة، وهم ﵃ كانوا يعولون على حصول الثقة بالخبر، وذكر أن كل ما يخرم الثقة فإنه يمنع من وجوب قبول الخبر، فينظر في هذا الاختلاف إذا وقع في راوٍ، هل ذلك مما يخرم الثقة أم لا؟ وقد ذكر أبو المعالي في باب التعديل والتجريح فصلا لطيفا، وذاك أنه قال: فهمها لم نجد إجماعا من الصحابة في قبول خبر، فإنا إذا لم نعرف رأيهم في جنس من الأخبار، أو المخبرين فإن القاضي ابن الطيب يقطع على رد الخبر، لأجل فقد الدليل الذي عليه يعول في العمل بالخبر.
وذكر أبو المعالي أن هذا المذهب وإن [كان] مخيلا، فإن الراوي لهذه أن يترك إلى ظنون الفقهاء، ويخلون [و] الاجتهاد فيها، كما يخلون مع اجتهادهم في المسائل الفقهية الظنية، واعتمد في ذلك على أن الصحابة ﵃، كانوا ربما اتفق فيهم أن يعمل بعضهم بخبر ويقف آخرون عنه عن العمل به، لأجل اختلاف طرق الاجتهاد منهم في قبوله.
فإذا كان هذا معلوما من حالهم، ونحن إنما نعتمد عليهم في العمل بخبر الواحد، فهذا كانوا يرون صرفه إلى الاجتهاد، كما كانوا مجمعين على العمل بصنف آخر من الأخبار.
وهذا الفصل قد أفرده أبو المعالي بالذكر في خلال كلامه في التعديل والتجريح، وما له به تعلق، إلا أن ينظر فيه عند الحاجة إلى مثل النظر في هذه المسألة التي نحن في ذكرها، وهي اختلاف المعدلين والمجرحين، أو ما في معناها، وهذا الفصل الذي ألحقناه عنه قد يشير إلى إلحاق هذه بالمجتهدات عند اختلاف الشهود. في تعديل الراوي تجريحه، أو إلحاقها بما يرد لنفي الدليل على وجوب العمل به على رأي القاضي ابن الطيب الذي ذكره عنه أبو المعالي ورده.
المسألة السابعة: اعلم أنا لما ذكرنا الحاجة للوقوف على حقيقة التعديل والتجريح، وحققة من تقبل شهادته به، ومن لا تقبل، فلتعلم أنا لما ذكرنا لك حقيقة العدالة، فإن بعض الأشخاص قد اشتهر حصولها له اشتهارا يستغني سامع خبره أو شهادته على البحث عن حاله، أو استشهاد الشهود فيه، فنحن الآن لو حدثنا بحديث عن النبي ﵇، وعلمنا تعديل شيخنا فيه، وشيخ شيخنا، حتى انتهى السند بنا إلى مالك ﵁ أو إلى سفيان الثوري، أو الحسن البصري، وأمثالهم، فإنا لا نطلب تعديل هؤلاء ولا نترك العمل به حتى
стр. 429
يثبت عندنا عدالتهم، لأنا لو طلبنا ذلك فإنا نطلبه بإخبار واحد لنا بذلك، أو إخبار اثنين، وقد استفاض ذلك حتى أخبرنا به الجم الغفير عن العدد الكثير، وصار ذلك في نفوسنا آكد من ثبوته لدينا بشهادة شاهدين، ولهذا يعمل بأحاديث الموطأ، والبخاري، ومسلم، لروايتنا هذه الدواوين عن شيوخ ثقاة، وأئمة عدول، وأخبرونا بذلك عن أمثالهم، حتى انتهى الأمر إلى مالك والبخاري ومسلم، وهؤلاء قد ذكروا أنهم ما أدخلوا في كتبهم إلا أخبار العدول، ولم يعثر مع البحث فيمن رووا عنه على خلاف ما وصفوه به.
فإذا تقرر هذا لديك فليكن أولى بهذا الوصف، وأحق بهذا الحكم أصحاب النبي ﷺ ، فإنهم إذا روينا حديثا، وثبت عندنا عدالة من (ص ٢٢٤) بيننا وبين التابعين فيه، وكان التابعي عدلا، فإنا نقبل الخبر إذا أضافه أحد من أصحاب نبينا ﷺ ، ولسنا نعني بأصحابه هاهنا كل من رآه اتفاقا، أو رآه لماما، أو ألم به لغرض وانصرف عن قريب، لكن إنما نريد بذلك أصحابه الذين لازموه، (وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون)، ولو لم يكن في تصحيح ما قلناه إلا هذه الآية التي شهد الله سبحانه لهم فيها بالفلاح مع إخباره عن أهل بيعة الرضوان ﵃، فقال: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم)، وذكر في آيات لا تحصى ما أعد للمجاهدين معه من الخيرات، وأثنى عليهم ثناء جميلا في كثير من الآيات، وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، وفي أقل من هذا كفاية في تعديلهم وتزكيتهم.
ونحن نقبل تعديل رجل واحد عدل على ما بدا به من حسن الحال في غالب الأمر، وقد يغلط من جهة المراءاة والتصنع، فكيف بتعديل من عدله من يعلم السرائر وما تخفي الصدور، وإنما ذكرنا هذا ردا على من قال من المعتزلة بنفي عدالة قوم مشاهير قاتلوا عليا ﵁، وحكموا عليهم بالتفسيق، لجلهم ﵃ عن تسميتهم، لما وصفهم هؤلاء بالضلال بذلك، وقد وقف بعضهم بين الفئتين، ورأى أنه لو شهد اثنان كل واحد منهما من طائفة لم يجب قبول شهادتهما للتردد بينهما، إلى غير ذلك من أباطيلهم التي تفرهوا بها في نقلة هذا الدين وحملته الذين بأسيافهم ظهر، ومن ألسنتهم انتشر، ونحن نرى كلا منهم أداه
стр. 430
اجتهاده إلى ما فعل، ولم يتعمد ركوب المعصية، ألا ترى أن بعضهم أشكل عليه الأمر فوقف عن الفئتين، حتى سمعوا العقد به، لأنهم قعدوا عن نصرة علي ﵁، أو النصرة عليه.
ولو أفضنا فيما يدل على صحة ما قلناه من قبول شهادة بعضهم عند الفئة القاتلة لهم، وتفويض الأحكام إليهم لخرجنا عن غرض الكتاب، وهذا يدل على أن المقاتل منهم لصاحبه كان يراه مجتهدا في قتاله متأولا، فلم يتبرأ منه، ولا أسقط شهادته.
ومن طعن في أبي هريرة لإكثاره، فقد طعن بما لم يطعن به، وقد ولاه عمر ﵁ أمورا جسيمة، ولو كان غير عدل ما ولاه إياها، علي بعد عمر ﵁ عن المداهنة والمراءاة.
وكذلك لمز من لمز ابن عمر ﵁ يرد عليه بأن جبريل قد زكاه فقال في الصحيح: "نعم الرجل عبد الله". هذا وأئمة المسلمين في سائر الأعصار يرون عنهم، ويعملون بأحاديثهم، وقد قال البخاري: روي عن أبي هريرة سبعمائة من أبناء المهاجرين والأنصار، ومن اشتهر عند التابعين بالنقل عنه هذا الاشتهار كان الطعن فيه إزراء بعقول أئمة المسلمين، ومخالفة لما عليه نقلة هذا الدين.
فإن قيل: عدالتهم في تعديل الصحابة على ما تلوتم من القرآن وصدقتم، ولكن حدثت بعد ذلك حوادث تسقط العدالة في الموطأ وغيره من الصحاح، حديث الحوض وأخباره ﷺ أنه "يذاد قوم عن حوضه فيقول: أصحابي، فيقال له: ما تدري ما الذي أحدثوا بعدك". قيل: أما هذا الحديث فمحال أن يراد به من أشرنا إليه من الصحابة ﵃، ما بدلوا، ولا غيروا، وإنما أشار إلى من بدل دينه وغير، وقد بدل قوم دينهم وغيروا، وأولئك ليسوا الذين أردناهم، ولاهم المروي عنهم هذه الشريعة، وقد ذكرنا تأويلهم في القتال الذي جرى بينهم. وألف أئمتنا فيه دواوين مجردة للكلام على ما جرى بينهم، والذي ذكرناه لك على الجملة عليه التعويل، وإنما بقي النظر في تعيين تأويل كل قصة يتعلقون بها في القدح في العدالة.
والجواب المسكت لهم أن كل ما قدحوا به فيمن أسقطوا عدالته من الصحابة يتصور عليهم مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم، فإن ابتدوا إلى تأويل أفعال من وافقوا على عدالته، وحسنوا لهم المخارج قوبلوا بمثل ذلك فيمن خالفونا في عدالته، ولا يجدون فصلا بين الفئتين، فهم بين حيرتين، إما التأويل لأفعال الجميع، فنصل نحن بذلك إلى ما نريد، وإما إسقاط عدالة الجميع، وهذا خلاف الإجماع. وقد أجمع الناس على أنه لا
стр. 431
يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة، لأنه لو سقطت عدالتهم جميعهم لانهدم هذا الدين، ولم نحصل نحن ولا من قبلنا على شيء منه، لأنهم ﵃ هم طريقنا إليه.
فإن قيل: أنتم وإن تأولتم فإن تأويلكم لا يرفع الشك في فعلهم، والشك في فعلهم يوجب الشك في عدالتهم. قلنا: الإجماع الذي حكيناه من استحالة القول بإسقاط عدالة الجميع، مع كون الشك في عدالة بعضهم [لا] يؤدي إلى إسقاط عدالة جميعهم، والوقف عن خبرهم حجة قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر، بعد أن نسلم حصول الشك في ذلك (ص ٢٢٥)، كيف ونحن إنما نتأول تأويلا في قصة، وهو الظاهر المستفاد ظهوره منها، والمستفاد ظهوره مما تقدم، وعلم عدالتهم التي شهد لهم بها رب العالمين، كيف ونحن لو شهد فينا شاهد عرفناه بالعدالة والورع، ولكن حكي لنا عنه أنه صدر منه فعل قد يريب فإنا لا نسقط عدالته بالتجويز والشك، بل نستصحب ما كنا عليه من قبول شهادته، وبهذا تعبدنا في شهدائنا مع كون أحدهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ من أحد الصحابة، ولا نصيفه، فكيف نظن أنا نخرجهم عن العدالة بتجويز وقوعهم في معصية تقدح في العدالة هذا لا خفاء به عند محصل.
فصل في المراسل
الكلام في هذه المسألة من أربعة أوجه:
- أحدها: بيان معنى المرسل من الحديث.
- والثاني: نقل المذاهب فيه.
- والثالث: التنبيه على نكتة سلفت يفتقر إليها هاهنا.
- والرابع: ذكر [سبب] الخلاف فيه.
فأما الوجه الأول: فإن للمحدثين عبارات اصطلحوا عليها يديرونها بينهم في مجالسهم وكتبهم، فمن ذلك قولهم: حديث مسند، وحديث مرسل، وحديث مقطوع، وحديث موقوف، وحدي ثمتصل، إلى غير ذلك من عباراتهم.
وحاجتنا هاهنا إلى بيان المسند، والمرسل.
فأما المسند فهو حكاية كل تلميذ عن شيخه حتى ينتهي الحديث إلى صحابه، كقول مالك في موطئه: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. وقول سحنون: حدثني ابن القاسم عن مالك.
стр. 432
وأما المرسل فهو رواية التلميذ عن شيخ شيخه، كقول سحنون: قال مالك، وقول مالك: قال ابن عمر. ومعلوم أن سحنونا لم يلق مالكا، ولا مالك لقي ابن عمر. وإنما عول مالك على من حدثه عن ابن عمر، وكذلك عول سحنون على من حدثه عن مالك. وهكذا إذا قال مالك: عن نافع، عن النبي ﵇، أو عن عطاء عن النبي ﵇، أو عن ابن المسيب عن النبي ﵇، فهذا مرسل، لأن ابن المسيب لم ير النبي ﵇، ولا رآه عطاء، ولا نافع، فقد انحذف من السند رجل بين نافع وبين النبي ﵇. وكذلك قول مالك في موطئه: أن ابن شهاب قال: "وكان النبي ﵇ يقول آمين"، فمعلوم أن ابن شهاب لقيه مالك وسمع منه، فخبره عنه مسند، ومعلوم أن ابن شهاب لم ير النبي ﵇، فمعلوم أنه إنما عول على النبي ﵇ كان يقول آمين على خبر من أخبره عن النبي ﵇، فهو مرسل ما بين ابن شهاب وبين النبي ﵇، لأن مالكا حدثه عن ابن شهاب كالأمر المعتمد المستقر سماعه منه، وخبر ابن شهاب كأنه أمر أرسله صاحبه إرسالا، فلا ساتناد له، لأجل كتمانه ذكر ما بينه وبين النبي ﵇.
وإذا تصور معنى المرسل، ومعنى المسند، فإن هذه الحقيقة التي أشرنا إليها فالإرسال قد يقع من الراوي كما صورناه، بأن يحذف ذكر من روى عنه تصريحا [أ] وتلويحا، وقد يتعرض لذكره ذكرا لا يفيد، فيسمى ذلك إرسالا أيضا، كقوله: حدثني رجل عن فلا، ولا يسمى الرجل الرجل الذي حدثه، فإن ذكر هذا على الإجمال لا يفيد فائدة تزيد على قوله: قال فلان، لأن معلوم أنه إذا كان لم يلق فلانا، فإن مراده أنه حدثني بذلك رجل عنه.
وكذلك لو أضاف إلى هذا المكني عنه العدالة فقال: حدثني رجل عدل مرضي، فإن هذا يلحق بالمرسلات من الأحاديث على ما ذكره أبو المعالي، وسننبهك على باقيه.
وكذلك إضافة خبر إلى كتاب كتبه النبي ﵇ من غير أن يذكر من حمل الكتاب ونقله، لأنه لم يذكر حامل الكتاب وناقله، صار ذلك مثل ما قلناه من قول الراوي: حدثني رجل، لم يسمه.
ويلتحق بهذا عندي ما وقع في الصحيح: "نادى منادي رسول الله ﷺ أن الخمر قد حرمت"، وقوله: "نادى منادي رسول الله بإكفاء القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر"،
стр. 433
وقد تكلمت على هذا في كتاب "المعلم"، لأن المنادي إذا لم يسم صار ككتاب أضيف إلى النبي ﵇ أنه أرسله، ولم يسم حامله وناقله، وقد أشرت هنالك إلى الالتفات إلى علم المحدث عن النداء، بأن ذلك لا يخفى على النبي ﵇، حتى يعلم ضرورة أن النبي ﵇ أمر به، فيحل ذلك محل سماعه الأمر منه ﷺ . وهذا مستقضى في غير هذا الموضع.
وقد ذكر أبو المعالي عن الأستاذ ابن فورك أنه سمى حذف الراوي شيخه منقطعا، وسمى ذكره على الإجمال مرسلا، فإذا قال ابن المسيب: قال النبي ﵇، أو قال مالك: قال عمر بن الخطاب، كان هذا يسمى حديثا منقطعا، وإن قال ابن المسيب: حدثني رجل عن النبي ﵇، أو قال مالك: حدثني رجل عن عمر بن الخطاب سمي ذلك مرسلا.
وذكر أبو المعالي أن في كلام الشافعي إشارة إلى هذا، ونبه على أن هذا لا يتعلق بفرق معنوي، وإنما هو ذكر القاب في هذا الباب. وقد رأيت أنا مصنف ابن فورك في أصول الفقه، فأول ما افتتح به: باب القول في المراسيل، أن قال: إذا قال التابعي (ص ٢٢٦): أن النبي ﵇ قالك كذا وكذا، فهذا معنى المراسيل، فأنت تراه كيف ذكر أن حقيقة المرسل ما حذف فيه اسم الراوي، ولم يذكر لا معينا ولا مجملا، بخلاف ما حكاه عنه أبو المعالي. ولعمري هذا اصطلاح لا فائدة في تحرير نقل المذاهب فيه إذا عرف غرض المنقول عنه.
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في المراسيل في العمل به، فاعلم أنه لا يختلف في جواز إرسال الحديث بأنيقول مالك ﵁: بلغني أن النبي ﵇، أو يقول الفقيه من أهل عصرنا: قال مالك، ويقول سحنون: قال مالك، وإنما الخلاف في ذلك؛ هل يلزم بقوله والعمل به أم لا؟
فأما أبو حنيفة ﵁ فنص جماعة من المصنفين على أنه يرى قبول المراسيل، ويوجب العمل بها، وكذلك أضاف قوم من المصنفين هذا المذهب إلى مالك ﵁، والقاضي أبو الفرج من أصحابنا لما نصر هذا القول، وأضافه إلى مالك، وبين ما وقع من كلامه، مما يدل على أنه يرى العمل بالمراسيل، وذكر القاضي عبد الوهاب أن الظاهر من المذهب قبولها والعمل بها، ولكنه بعد ذلك ذكر مذهب من ذهب إلى الاقتصار على قبول
стр. 434
المراسيل للصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ثم قال: وهذا هو الظاهر من المذهب عندي. فقد علمت من صار إلى قبول المراسيل على الإطلاق.
ومن الناس من قيد وجوب القبول على الصحابة خاصة ﵃، فقال: لا يقبل سوى مراسيل الصحابة، ومنهم من أضاف إلى الصحابة والتابعين، فقال: إنما يجب قبول مراسيل الصحابة والتابعين (لا مراسيل من بعدهم. ومنهم من أضاف إلى هذين العصرين العصر الثالث، فقال: يجب قبول مراسيل الصحابة والتابعين) وتابعي التابعين.
ومن الناس من ذهب إلى أن المراسيل لا يجب قبولها ولا العمل بها، فمنهم من لم يقبل المرسل ولا من الصاحب ﵁، ومنهم من استثنى الصحابة فقبل منهم المرسل، ومن القائلين بالمراسيل من أغلى في قبولهم حتى قدمها على المستندات، لأمر سننبهك إليه.
وأما الشافعي فلقد اضطرب النقل عنه فرأيت بين المصنفين اختلافا كثيرا في النقل عنه، لكن القاضي ابن الطيب نقل عنه أنه لا يرى العمل بالمراسيل إلا عند شروط تصحب الحديث المرسل، منها أن يسنده غير من أرسله، ومنها أن يعمل به صاحب، ومنها أن يعمل به العامة، ومنها أن المرسِل لا يرسل إلا عن ثقاة، ولهذا قال: مراسيل ابن المسيب حسنة، لأ، هـ كشف عنها وعلم إسنادها. وأبو المعالي ذكر عن الشافعي أنه لا يرد المرسل مطلقا، ولكنه قد يتطلب مزيد ثقة تقوي الحديث المرسل، وأشار إلى استنباط هذا من مذهببه مما حكيناه عنه في مراسيل سعيد، وإلى بعض ما نقلنا من شروطه، وهذه الطريقة التي اختار أبو المعالي، فرأى أن الراوي الموثوق بعلمه ودينه واختياره للرواية، ومعرفته بالتعديل والتجريح إذا قال: حدثني من أثق به وأرضاه، فإن ذلك يوجب الثقة بحديثه، وإذا قال: حدثني رجل، ولم يزد على هذا، فإن هذا يتوقف على العمل بحديثه. وكذلك: إذا قال الإمام اراوي: قال النبي عليه السالم، فهذا بالغ في ثقته بمن روى له.
فهذه جملة من المذاهب المذكورة في هذا الباب. وقد كنا حكينا أن من الناس من قال: لا يقبل إلا مرسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، هكذا حكى بعض المصنفين هذا مطلقا، ولم يسم أصحاب هذا المذهب، وحكى بعضهم عن عيسى بن أبان هذا المذهب، ولكنه زاد فيه قبول مرسل أرسله إمام، وإن كان هذا الإمام بعد تابعي التابعين.
وأما الوجه الثالث فاعلم أنه ينبغي للناظر في هذه المسألة أن يلتفت إلى بنائه على أصول تقدمت الإشارة إليها، فمن ذلك ما ذكرناه من اختلاف الناس في التعديل، هل يفتقر فيه إلى مباحثه المعدل عن أسباب التعديل، فلا شك أنه لا يقبل المرسل من الأحاديث، لأن قصارى ما يعتمد عليه من يقبل المرسل من الأحاديث كون المرسل متقلدا عدالة من أرسل عنه، وهو لو صرح بتعديله لم يقبل ذلك منه دون المباحثة عن أسباب التعديل
стр. 435
به، إذا لم يصرح، وإنما فهم عنه التعديل تلويحا لا تصريحا. وأما من قال: يقبل التعديل من غير مباحثة المعدل، فأصحاب هذا المذهب هم الذين ينظرون في قبول المرسل، ويختلفون هل يتضمن الإرسالُ التعديلَ أم لا؟
فهذا أصل لابد من الالتفات إليه في هذه المسألة، ويلتفت فيها إلى أصل آخر أيضا، وهو قبول تعديل المعدل الواحد، لأن المرسل عند من قبل الإرسال كالمعدل لمن أسل عنه الحديث، وهو لو سماه وعدله لم يعول على تعديله منفردا، فكيف به إذا لم يسمه، ومنها أنه لو قال: حدثني رجل عدل وثقة مرضى، فإن هذا مما اختلف فيه، فقيل: لا يعول على هذا حتى يسميه، لأنه لو سماه لأمكن أن يعرف سامع الخبر من جرحه هذا المسمى، ولأن يعرفه المرسل الذي عدله قاصرا به عن تسميته يقتضي عدم ثقة (ص ٢٢٧) السامع لتعديله، فلهذا لم يقبل، وقيل: بل يجب قبول مثل هذا.
وقد رأى أبو المعالي أن هذا من الصنف المقبول من المراسيل إذا كان المعدل إماما ثقة، عارفا بطرق التعديل والبحث عنه، ورأى أن هذا التشكك الذي فرضناه من تجويزنا أنه لو سمى للسامع لأمكن أن يعرف منه ما لم يعرف المعدل لا يخرم الثقة بصحة الخبر والتعديل، وكل ما لا يخرم الثقة لا يلتفت إليه.
وقد ذهب بعض الأئمة إلى أنه لو صحر بتسمية الراوي وبتعديله لم يبادر إلى العمل بالخبر حتى يبحث السامع عن صحة ما قال المعدل، ويطلب تعديل هذا أو تجريحه من مظانه حتى يتأكد عنده صحة تعديل المعدل، أو يعثر على خلاف ما قال من كون التعديل طريقه الاجتهاد، وما طريقه الاجتهاد تختلف فيه الآثار، ويتفاوت فيه بحث العقلاء، فكل إنسان منهم مخاطب باجتهاده، ولهذا كان القاضي إذا شهد عنده عدلان حكم بشهادتهما قاض غيره، لا يقتصر على ما فعله غيره، بل يستأنف هو البحث عنهما إذا أمكن عنده أن يفيده البحث بطلان ما ذهب إليه القاضي الذي قبله من تعديلهما، أو تأكيد صحة ما ذهب إليه.
وقد أشار القاضي أبو محمد عبد الوهاب إلى إلزام هؤلاء الصائرين إلى إيجاب البحث بعد سماع التعديل أن يكون القاضي إذا رفع إليه حكم قاض آخر لا ينفذه حتى يبحث عن عدالة من حكم القاضي بشهادته، لجواز أن يكون إذا بحث عثر على تجريحهم، وحاول بهذا الإلزام رد ما قالوه من إيجاب البحث عن تعديل الراوي بعد سماع تعديله ممن روى عنه، وهذا عندي قد لا يلزمهم، وشتان بين أمر قد تقدم فيه حكم، ونفذت فيه قضية، وبين أمر لم يتقدم فيه قضية ولا نظر فيه قاض، فهؤلاء، إنما أوجبوا البحث على القاضي الثاني في
стр. 436
أمر شهد عنده به شاهدان حكم قاض قبله بشهادتهما في أمر آخر، لا تعلق له بما هو فيه ناظر، ولا يكون إمضاؤه فيه القضاء بإبطال أو تصحيح مناقضا لحكم آخر قبله، بخلاف حكم آخر قبله بخلاف حكم رفع إليه قد نفذه من قبله، فإنه إذا بحث عن عدالة من شهد عند الأول، وعثر على تجريحها، ونقض ما شهدا به فقد تعرض لنقض قضية من قبله، وليس للقاضي أن ينقض على من قبله، إلا إذا أخطأ خطأ لا مدخل للاجتهاد فيه، وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في نقض حكم، حكم فيها بشهادة عدلين عند القاضي بهما، ثم تبين أنهما كانا حين الحكم فاسقين.
وبالجملة فإن أصل الشريعة قد فرق بين ما نفذ الحكم به وما لم ينذ، والشاهدان إذا رجعا بعد الحكم لم يبطل الحكم برجوعهما، ولو رجعا قبل الحكم لم يصح إنفاذ الحكم بشهادتهما. وأيضا فإن القاضي المأمور باستئناف البحث عن شاهدين حكم قاض غيره بشهادتهما في أمر آخر يحسن منه البحث، لجواز أن يكونا فسقا بعد إنفاذ الأول الحكم بشهادتهما فيصادق حكمه فسقهما، فلهذا حسن البحث عند هؤلاء، وهؤلاء الذي ذكرنا عنهم يوجبون البحث مع سماع التعديل تصريحا بتسمية الراوي وتعديله يخالفهم غيرهم في ذلك، ويقتصر على تعويل المعدل، وفي خلال حجاج من يقبل المراسيل ما يشير إلى ما قلنا من إسقاط إيجاب البحث مع سماع التسمية والتعديل، وقد كنا ذكرنا اختيار أبي المعالي قبول ذلك من العارف بطرق التعديل مع إضرابه عن التسمية، ولست أدري ما يذهب إليه في هذا لما سمي الراوي، لأنه قد يرى أن من سمى له الراوي قد وجد سبيلا إلى الاستقصاء والبحث فلا معنى لإضرابه عنه مع قدرته عليه، وأما من لم يسم له الراوي، ولكن قال له شيخه: حدثني رجل عدل رضي، فإنه لم يوجده شيخه سبيلا إلى البحث عمن عدله.
وبالجملة فإن الذي أفهم من كلام بعض من ذهب إلى قبول المراسيل أنه لا يرى من شرط القبول البحث والاستقصاء بعد سماعه لتسمية الراوي وتعديله، وقد كنا قدمنا أيضا ذكر الاختلاف في رواية العدل عن رجل؛ هل يتضمن ذلك تعديله أم لا؟ وهذا الأصل مما يلتفت إليه أيضا في مسالتنا هذه، وقد يلتفت فيها أيضا إلى نحو ما كنا قدمنا ذكر الخلاف فيه من التعديل على ظاهر الإسلام في قبول الخبر.
فهذه نكت نبهناك عليها يفتقر الناظر في المسألة التي نحن فيها إلى التشوف إليها، ولم ينبه عليها غيرنا من المصنفين مجموعة كما نبهناك عليها، ويكاد الذكي أن يستلوح منها سبب الخلاف في قبول المراسيل على ما ترى.
وأما الوجه الرابع فاعلم أن النكتة المعتمد عليها ومن النظر فيها ينشأ الخلاف في قبول المراسيل هي أن الراوي إذا قال: حدثني فلان وهو عدل مرضي، فإنه إذا سمى الراوي،
стр. 437
وصرح بتعديله فقد بلغ إلى نهاية ما يراد منه، وإذا استظهر السامع بعد هذا بالبحث والاستقصاء عن صحة ما قال في التعديل فلم يعثر على جرح فقد حصل الإجماع على وجوب قبول (ص ٢٢٨) هذا الخبر على الجملة، عند من لم يشترط العدد في التعديل، ولا المباحثة كما تقدم.
وإذا قال: حدثني رجل لا أعرفه بخير ولا شر، ولا أعدله ولا أجرحه، فإن هذا لا يقبل إجماعا عند من لم ير التعديل على ظاهر الإسلام في قبول الرواية.
فإذا أحطت بهذا علما، فإذا قال الراوي: حدثني رجل، ولم يسمه؛ فهل يحمل أمره على أنه عنده من القسم الأول المتق على قبوله، وأنه لو لم يكن عنده عدلا لما حدث عنه، فيجب قبول المراسيل والعمل بها. أو يكون الأمر فيه كالحال في القسم الثاني، وأنه لا يعرف هذا الرجل بعدالة ولا جرح، فلا يقبل هذا الخبر، فهذه النكتة هي سبب الخلاف، ولهذا سلك المحققون الطرق التي حكيناها عنهم، فرأى القاضي ابن الطيب أنه لا يجب العمل بالمراسيل، لأنه وإن كان حصل الاتفاق على جواز الحديث بها، فإن المحدثين بها لم يتطابقوا على اعتياد أن لا يحدثوا إلا عن عدل، ونحن نجد المحدثين في عصرنا وفيما قبله من الأعصار يحدثون عن رجال ويسمونهم، فإذا سئل المحدث عن رجل منهم قال: لا أعرف حاله، هل هو ثقة أم لا؟
فإذا كان هذا مشهورا بينهم، وجوزنا أن يكون المحدث أرسل الحديث عمن هو عدل عنده، أو عمن لم يعرفه، أو عمن يعرف جرحه، وقد قال الشافعي: حدثني الحارث الأعور، وكان كذابا. فمن أين يصح القطع على أن الراوي لم يرسل الحديث إلا عن عدل عنده. وإذا ثبت التجويز لأن يكون أرسل عن عدل، أو عن غير عدل لم يجب العمل بحديث مشكوك فيه، وإنما يعتمد على من قال بقبول المراسيل، على أنه لا يرسل الحديث إذا كان ثقة إلا عن ثقة، وقد أخبرنا أن هذا الذي اعتمد عليه غير صحيح، وأن العادة لم تطرد به.
وقد نجح من يقول بالمراسيل إلى الاعتماد على مسلك آخر، وذلك أنه يقول: العمل بخبر الواحد إنما تلقيناه عن الصحابة ﵃، وعلى إجماعهم على العمل به عولنا، وقد رأيناهم يقبلون المراسيل، وهذا ابن عباس ﵁ مات النبي ﷺ وهو صغير، وقد روى أحاديث لا تحصى، ولم ينكر عليه ولا ترك العمل بما رواه، مع العلم بأنه لم يبلغ به العمل إلى أن يسمع من النبي ﵇ بعض ما رواه فكيف بجميعه ألا تراه لما [روى]: "لا ربا إلا في النسيئة" وهو حدث عنه قال: حدثني أسامة بن زيد، وهكذا لما روي "أن
стр. 438
النبي ﵇ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة". قال حدثني به أخي الفضل. ولقد قال بعض الناس: إنه ﵁ لم يسمع من النبي ﵇ إلا أربعة أحاديث، وزاد بعض الناس على هذا العدد قليلا. وألا ترى ابن عمر حدث بحديث أجر المصلي على الجنازة، ثم قال: حدثني به أبو هريرة، ألا ترى أبا هريرة حدث بأن "من أصبح جنبا فلا صوم له"، فلما وقع في القصة ما ذكره مالك في «الموطأ» من إرسال مروان إلى أمير المؤمنين ﵁، قال: إنما حدثني به الفضل فرأى هؤلاء أن هذه الأخبار وأمثالها إجماع الصحابة على العمل بالمراسيل.
وقد كان ابن الزبير صغيرا، والنعمان بن بشير، وقد رووا ما علم، والمخالفون لهؤلاء المستدلين لا يسلمون إجماع الصحابة على العمل بها، وليس تجويز الرواية على الإرسال يقتضي العمل بها، هذا وهم أيضا، إنما أمرونا أن الصحابة إنما عملت بأحاديث قوم صغار الأسنان مع تجويزهم أن يكونوا أرسلوا الحديث، ونحن إنما تكلمنا على حديث قطع فيه بالإرسال، فمن حاول قياس ما قطع فيه بالإرسال على ما جوز فيه الإرسال طولب بعلة جامعة بينهما، ولو أرودها كان ذلك قياسًا ظنيًا لا يؤدي إلى القطع. وهذا أيضًا إنما يحتاج إليه إذا قلنا: إنا لا نقبل المرسلات ولا من الصحابة. وأما إذا قلنا بقبول مراسيل الصحابة خاصة كما قدمنا ذكر هذا عن قوم، فإنا لا نحتاج إلى هذه الاعتبارات لكون ابن عباس وابن الزبير وغيرهما من الصحابة ﵃، ومراسيلهم مقبولة.
وأما من حكينا عنه أنه يرد المراسيل كلها إلا مراسيل الصحابة، فإنه يعتمد على أن الصحابة إنما يحدث بعضهم عن بعض، فإذا علمنا أن الصاحب إنما يحدث عن صاحب آخر، وكان جميعهم عدولا بتعديل الله سبحانه إياهم كما قدمنا وتلونا فيما سلف، وتعديل النبي ﵇ إياهم بقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهدتيم" وجب قبول إرسالهم خاصة، إذ عدالة أهل الأعصار الذين بعدهم لا يقطع بها في آحادهم كما قطع بذلك على الصحابة ﵃.
واعلم أن هذا الاستدلال إنما يصفو لهم بعد التسليم أنه لم يكن في الصحابة أحد إلا معدل، وأما إذا قيل: إنه قد يندر فيهم من حدث عنه حادث قدح في العدالة، فإن هذا
стр. 439
الاستدلال يضعف لجواز أن يكون الراوي منهم إذا أرسل فإنه إنما أرسل عنه. وقد ذهب الفساق إلى أنه لا يبعد أن يكون فيهم من حدث منه ما أوجب التوقف عن قبول خبره، وقد يعتضد صاحب هذه الطريقة بحد عمر بن الخطاب ﵁ لأبي بكرة لما حده بالقذف، وقد (ص ٢٢٩) اعتذر عن هذه الوقعة الشاذة النادرة فيهم ﵃، بل إن أبا بكرة لم يورد ما حد عليه مورد القذف والسباب، لكن أورده مورد الشهادة التي قدرها قربة وعبادة، فكان من حكم الشرع جلده صيانة للأعراض، وحماية للذريعة، لا على أنه تعمد ركوب معصية بالقذف.
والقاضي أبو محمد عبد الوهاب يشير إلى إنكار أن يكون في الصحابة مقدوحا في عدالته، وإلى هذا أيضا يشير غيره من البغداديين من أصحاب الشافعي، وقد رأيت الأذري ترددفي هذا، ولكنه مال إلى أنه لا يشترط العصمة لجميعهم.
وقد قال من أنكر العمل بالمراسيل ولو من الصحابة: ليس يجوز أن يكون الصاحب أرسل عن التابعي، والتابعي غير مزكي بالشرع؟ وهذا التجويز يوجب التوقف عن قبول مراسيل الصحابة ﵃.
وأما من أضاف إلى الصحابة والتابعين خاصة، فإنه يرى أن التابعي إنما يحدث عن الصحابة، وقد قدمنا أن الصحابة كلهم عدول، فإرسال التابعي إنما يكون عمن ثبتت عدالته، وهذا أيضا ضعيف لجواز أن يرسل التابعي عن تابعي أخر مثله.
وأما من أضاف إلى التابعين تابعي التابعين فلعله رأى أن هذا العصر الثالث هو نهاية ما ورد الثناء عليه، وإنما الفساد إنما ظهر وانتشر بعد هذا العصر.
وأما من قدمنا الحكاية عنه أنه يرى أن المرسل آكد من المسند، فإنه يعتل بأن الراوي إذا سمي رجلا فقد وكل النظر فيه إلينا، وإذا لم يسمه فقد تقلده، ولا يتقلد الإمام الثقة إلى عن ثبت وتصحيح.
وأما الشافعي فإنه ذكر عنه شروط في قبول المرسل، منها أن يعمل به صاحب، ومنها أن يسنده غيره، ومنها أن تعمل به العامة. وقد رد عليه ما قال، فأما عمل الصاحب فليس بدليل، وأما إسناد غيره فإنه يغني عن إرساله، وأما عمل العامة فإنه لم يرد [فيه] الإجماع، فلا حجة فيه.
وقد أغلى بعض من قال بقبول المراسيل حتى قال ما حكيناه عنه أنها أقوى من المسند، لعلة أن من أرسل تقلد التعديل. ويجاب عن هذا بأنا قدمنا أن الإطلاق والإرسال لا يتضمن التعديل في العرف والعادة.
стр. 440
وقد أغلى أيضا بعض من رد المراسيل حتى قال: إذا أرسل روٍ حديثا، وأسنده غيره رددت المسند، وهذا لا وجه له، ولا يخفى فساده على محصل، وليس تقصير رجل يقتضي رد صواب رجل آخر. وهذا واضح. وفيما ذكرناه في هذا الباب كفاية.
وبالجملة فإن القول في المراسيل طريقه الاجتهاد، وتلحق المسألة بالظنيات، وقد أريناك طرقها.
فصل في تحمل الرواية وتلقيها
ذكر أبو المعالي في هذا الفصل مسائل افتتحها بالكلام على صفة السماع، فاعلم أن حملة الحديث يحملونه عن أشياخهم على رتب متقاربة ومتفاوتة.
فمن الرتب التي يعول عليها حملة الحديث قراءة الأستاذ على التلميذ ما يأمره بروايته عنه، وإملاؤه عليه ذلك، فإذا قال مالك لابن القاسم، وقد حضره ليروى عنه: حدثني فلان عن فلان أن النبي ﵇ قال كذا وكذا، وقرأ عليه ذلك من صحيفة بيده، أو عن ظهر قلبه فحفظه منه تلقيا، أو كتبه عنه إملاء، فلا يشك أحد في صحة هذا التحمل والتحميل. وهو من أعلى مراتب النقل وأقواها.
ويجوز هاهنا للتلميذ أن يعبر عن ذلك بأن يقول: سمعت منه، أو أخبرني، أو حدثني، أو قرأ عليّ، إن كان ذلك قراءة من الشيخ، أو أملى علي إن كان ذلك إملاء منه، لأن هذه العبارات كلها صدق بمطابقتها ما جرى.
ومن مراتب التلقي أن يقرأ التلميذ على أستاذه كتابا، والأستاذ يسمع منه جميع ما قرأه عليه، على وجه يتحقق التلميذ أنه لم يغفل ولم يسه عن شيء مما قرأه عليه، بل تحقق ما قرأه عليه، ثم قد يختلف الحمل هاهنا فيقول الأستاذ للتلميذ: أرو عني ما قرأت عليّ، أو يقول له: الأمر كما قرأت، أو الذي قرأت صواب وحق، أو يصمت الشيخ فلا يقول حرفا.
أما إذا قال عقب فراغ التلميذ من القراءة: أرو ما قرأت عليّ، أو الأمر كما قرأت، أو الذي قرأت حق وصواب، أو أورد عبارة أو إشارة يفهم منها هذا المعنى، فلا شك أن هذا من التلقي الصحيح المقبول المعمول به، ونطقه هاهنا بأن يقول: أرو عني ما قرأت، يحل محل قراءة الأستاذ بنفسه، وكذا إذا قال له التلميذ: أئذن لي في أن نروي عنك ما قرأت عليك، فقال له: نعم، أو أشار إليه برأسه إشارة يفهم منها ضرورة الإذن، فلا يمتري لبيب في صحة هذا النقل والثقة به.
وأما إن لم يقع من الأستاذ عبارة ولا إشارة حتى انصرف عنه التلميذ، فهذا مما ذكر
стр. 441
فيه الخلاف، ومعظم العلماء والأئمة المحققين على أن ذلك تلق مقبول معمول به، إذا علم من حال الساكت أنه كالناطق بالإذن بالنقل عنه. وذهب الناس (ص ٢٣٠) إلى أن ذلك لا يقبل ولا يعمل به، وإليه ذهب قوم من أهل الظاهر، ولا معنى للخلاف في هذا، لأن قرائن الأحوال تفيد العلوم الضرورية، وكم من صامت يكون كالمخبر، فإذا كان الأستاذ عدلا ورعا، وانتصب وتصدر لقراءة الناس عليه وحملهم الدين عنه، وعلم أنه غير مجبور على السكوت على باطل، ولا خائف من إنكار كذب، وأنه سمع ما قرئ عليه، حتى لم يغفل عن شيء منه، وأن الناس ينصرفون من مجسه ويروون ما قرأه عليه ويعملون به ويأمرون الناس بالعمل به، فإنا لو فرضنا أنه سمع ما ما قرئ عليه باطلا، أو كذبا وتحريفا، ولم ينكر ذلك وقد تحق أنه يروي عليه ويعمل به، فإن هذا يؤذن بفسقه وضعف دينه، ونحن فرضنا المسألة في عدل موثوق به، فإذا علم أن العدل لا يرضى بهذا صار عدم إنكاره وتقريره للقراءة عليه على ما قرأه وانصرفوا به عنه كالنطق يأذن لهم في النقل.
ولا العبارة من هذا القسم تكون بخلاف العبارة عن القسم الأول، فإذا قال في هذا: قرأت عليه، أو حدثني، أو أخبرني قراءة عليه، فلا شك في صدق هذا الخبر، وصحة هذه العبارة. وأما إن اقتصر على قوله: أخبرني وحدثني، ولم يضف إلى هذا قراءة عليه، فإن الحاق من الأئمة يكرهون له هذه العبارة، ويأمرون باجتنابها لكون ظاهرها يقتضي أن الشيخ تولى نفسه القراءة أو الإملاء، فيتحوف أن يقع المعبر بمثل هذه العبارة في التدليس على السامع، ومن الناس من تسامح في إطلاقها، ولعله رأى أن العرف لما اطرد بها وكثر استعمالها فيما قرأه القارئ على أستاذه، جانب المعبر بها حال المدلس الموهم للسامع ما ليس بحق. ومن الناس من ذهب إلى أنه لا يقول: حدثني وأخبرني مطلقا دون أن يقول: قراءة عليه، إذا لم يقرر الأستاذ السماع عند فراغه نطقا، فأما إذا قرره نطقا عند انقضاء السماع فإنه يجوزأن يقول: أخبرني، ولا يقول: حدثني، لأن الحديث يقتضي المشافهة، وهو لم يشافهه، والإخبار يفيد العلم، وهو قد أعلمه بما قرره.
وقد شرطنا في هذا الفصل أن يكون الأستاذ عالما بصحة ما قرئ عليه، غير غافل عن شيء منه، فأما إذا قرأ من حفظه، أو أملى من حفظه، فلا شك في أنه على ثقة مما أورد، وقد اختار بعض الناس للحفاظ أن يكون بأيديهم كتبهم، استظهارا للثقة واحتياطا من غلط أو سهو، وهذا الشرط مبالغة في الاحتياط، لا على أنه لا تصح الرواية إلا به، لأن العدل
стр. 442
متى أملى من غير صحيفة، فإنه مهما شك في شيء، فإنه لا يورده إيراد موقن به، لأن هذا كالكاذب، وهو خلاف صفات العدول، وأما إن كان الأستاذ لا يعول فيما يمليه أو يُرئه على حفظه، وإنما يعول على كتابه، فإن الحال يختلف في هذا أيضا، فإن كان الأستاذ يتحقق أنه قد سمع جميع ما في كتابه جملة وتفصيلا، ويقف على عين كل حديث، ويتحقق سماعه إياه، ويعلم عين ما سمعه منه، فلا شك أيضا في الثقة به وصحة الراوية عنه، ووجوب العمل بما حدث به. وإن كان يعلم سماعه لجميع ما في كتابه وأنه سمعه من ثقة، ولكنه نسي ممن سمعه، فذكر القاضي ابن الطيب هاهنا اختلافا في جواز الرواية لما في هذا الكتاب، وذهب [إلى] أنه لا يروي رواية معمولا بها، لأن هذا إن نسي من سمع منه الكتاب مع عدم تيقنه، وإنما عول على ظن وتخمين، فإن هذا يلحق بالكذب، وذلك مما لا يجوز له، كما لا يجوز لشاهد أن يشهد على ظنه فيما المطلوب به القطع.
فإن قيل: بل يجوز رواية هذا الكتاب والعمل به وإسناده على الظن، كما جاز للشاهد أن يشهد بملك سلعة لرجل رآها في يديه مدة طويلة، وهو يتصرف فيها تصرف الملاك. قيل: قد منع بعض الفقهاء التعويل في الشهادة بالملك على هذا، ومن أجازه منهم فإنه يرى أن هذا الشاهد لو حكى القاضي صورة ما رأى لحكم القاضي للمشهود له بحكم الملك، وأقر يده على السلعة بكون الشرع جاء بأن اليد دليل الملك، ولو ساغ لهذا الراوي أن يبني روايته على الظن، لساغ لشاهد أن ينقل الشهادة عن شاهد آخر يظن أنه أمر بنقلها عنه، ولا يتيقن ذلك منه، وهذا مما لا يقوله أحد.
وذكر القاضي أن الشافعي أومأ في رسالته إلى قبول مثل هذه الرواية، لأنه قال: لا يحدث المحدث من كتابه حتى يكون حافظا لما يه، وهذا يقتضي أنه إنما أشار إلى من جهل شيخه الذي سمع منه الكتاب، لأنه لو علم شيخه الذي حدثه بالكتاب لم يشترط حفظه إياه، لأن من علم شيخه الذي حدثه، وعلم بأنه حدثه بجميع ما في كتابه فإنه لا يشترط فيه أن يكون حافظا لما في كتابه، وهو الذي تأوله القاضي، وقد تأول غير القاضي هذا الكلام الذي وقع للشافعي على غير هذا التأويل كما سنذكره. فهذا حكم من تحقق (ص ٢٣١) سماع جميع ما في الكتاب جملة وتفصيلا، وقد علم هذا السامع غير من حدثه أو نسي من حدثه، وبالجملة فعندهم أنه تحقق سماع جميع ما في الكتاب ممن علم ثقته وعدالته، ولكنه جهل عينه، فإن هذا الحديث يلحق بالمراسيل، وقد ذكر من أمثلتها هذا القسم، ولكنا إنما ذكرناه هناك عن راو حدث عن عدل عنده ثقة، ولم يسمه، ولكنه ما
стр. 443
صرح بأنه جهله، وهاهنا قد صرح الراوي بأنه جهله، فلذلك نبهناك على هذا هاهنا.
وأما إن كان الأستاذ سمع جميع ما في الكتاب، ويتحقق أنه سمع الجزء كله، ولكنه لا يحفظ ما في الكتاب عن ظهر قلبه، ولا يذكر سماعه لعين كل لفظة فيه، فإن هذا لا يصح له أن يرويه، ويجب العمل به.
وأما إن كان لا يذكر السماع ولا مجلسه ولازمه، وإنما عول في أنه سمعه على خطه الذي كتبه في أول كتابه، كما جرت عادة المحدثين أن يكتبوا في أوائل كتبهم: حدثني بهذا الكتاب فلان، فإن هذا ذكر الأصوليون اختلافا في قبوله والعمل به.
وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن أبي حنيفة أنه لا يرى العمل به، وذكر أن ذلك هو مقتضي أصل مالك، واشار إلى تخريج المسألة على منع الشاهد من الشهادة على أمر لم يذكره، وإنما عول فيه على خطه، فعندنا في المشهور أن هذه الشهادة لا يعمل بها. قال القاضي أبو محد عبد الوهاب: وعلى الرواية الأخرى عن مالك في العمل بها يجب أن يعمل بمثل هذه الرواية التي فرضناها في هذا المحثد من كتابه الذي عول عليه على خطه. وذكر أن بعض الأصوليين نسب إلى الشافعي جواز العمل بمثل هذه الرواية، أخذ مذهبه هذا مما حكيناه عنه في الرسالة أنه قال: لا يحدث المحدث في كتابه إلا أن يكون حافظا له.
وبالمنع من العمل بهذه الرواية قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وخالفا شيخهما أبا حنيفة في ذلك، وأشار القاضي أبو محمد عبد الوهاب إلى أن الفرق بين تقليد الراوي لغيره فيما يرويه، وبين تعويله على خطه أنه كان ذاكرا لما سمع متيقنا له، من غير تعويل على خطه، فلما طال العهد تناسى ما كان علم، وقد كان أولا مقطوعا به، وما كان إلى القطع عليه طريق، لا يعول فيه على الظن، بخلاف تقليد الراوي لغيره، فإن ذلك لا سبيل فيه إلى القطع، ولا طريق إلى التقليد. وأشار إلى أن القائلين بذلك يرون أن هذه ضرورة، وأن الأحاديث كثيرة، وأن الأشياخ الأئمة المكثرين من الرواية لا يكاد أن يخصلوا جميع ما رووه حفظا وذكرا مع تطاول الزمان، ولو شطرنا ذلك فيهم لا نحل أكثر الأحاديث، فلهذا قبل التعويل على الخط في مثل هذا.
стр. 444
وأما إن كان الأستاذ لم يعول على أنه سمع كتابه لا من جهة ذكره لذلك، ولا من جهة خطه، ولكن لأنه رأى فيه خط رجل آخر يذكر فيه أن هذا الذي بيده الكتاب سمعه هذا الكتاب على شيخه كما جرت عادة اتلامذة بأن يكتب كل واحد منهم في آخر كتابه أو في أوله أسماء من سمع معه، فإن هذا الكتاب لهذا إن [لم] يحقق خطه، ولم يتحقق ثقته وعدالته فإنه لا شك أنه لا يحل له أن يروي هذا الكتاب مسندا إلى من كتب غيره عنه أنه سمعه معه، وإن كان هذا الأستاذ صاحب الكتاب تحقق خط من كتب فيه أنه سمعه معه، وعلم ثقته، فهذا مما اختلف فيه هل يجب قبول هذه الرواية أم لا؟ والمحدثون يقبلونها. والذي أراه في ذلك أنا إن قلنا: لا نعول في الشهادة ولا في الرواية على خط نفسه، ففي خط غيره أحرى [أن] لا يعول على ذلك. وأما إذ قلنا بقبول الشهادة والرواية على الخط، فإنه لا يصح عندي أن يروي هذا الكتاب، وأطلق الرواية على شيخهما جميعا بأنه حدثه، لأن هذا كذ وتدليس، لكن إن ذكر طريق روايته، وأخبر بصفة الحال، فقال: أحدث بهذا الكتاب عن فلان لا شفاها، ولكن تعويلا مني على خط فلان أنه سمعه معه على فلان، وخط فلان أتحققه، وأتحقق ثقته وعدالته، ومعلوم أنه لا يكتب ذلك إلا عن تحقيق ويقين، فإن هذا يقبل على هذه الطريقة، ولا يفتقر هاهنا إلى إذن الكاتب أن ينقل ذلك عنه كما يفتقر إلى إذن الشاهد في أن ينقل عنه شهادته إذا تحققها هاهنا، أن هذا ما وضع خطه إلا عن يقين، وقد ذكرنا مرارا أن المعتمد في قبول الراوية عن النبي ﵇ على الثقة، فإذا حصلت وجب العمل، وليس في الروايات تعبدات وتقييدات كما في الشهادت، وقد تقدم بيان ذلك.
وأما إن لم تكن نسخة الشيخ بيده، لكنها كانت بيد قارئ يقرأها عليه، والقارئ موثوق بعدالته وتصحيح قراءته، فإن القاضي ابن الطيب تردد في العمل بهذا الخبر وصحة إسناده، ومال في الأظهر من تردده إلى أن ذلك لا يبقل، لأنه لم يحصل الشيخ على يقين من صحة ما حمله للتلامذة، وإنما قصارى ما حصل (ص ٢٣٢) من نظر الغير إلى كتابه يقرأ على الجملة.
وعندي أن الأولى في هذا سلوك الطريقة التي أشرت إليك بها الآن، وذلك أن الشيخ يصير معولا فيما يرويه ويحمله لتلامذته على نقل غيره عنه أنه روى كذا وكذا، وقد ينخرط هذا السؤال في سلك مسألة الأستاذ إذا روى عنه تلميذه حديثا، ونسي الأستاذ أنه حدثه به، حتى يصير في الرواية معولا على تلميذه، فكذلك هذا القارئ الذي أخبره بأن في كتابه كذا وكذا. ولو رأى ما في كتابه لقطع بصحته، فإن الأستاذ يصير هاهنا كراو عمن روى
стр. 445
عنه، لكن الأستاذ هاهنا يمكنه اليقين بما يرويه إذا كان لا آفة ببصره تمنعه من الاطلاع على ما في كتابه حتى يكون تحميله الرواية لتلامذته يقع منه عن يقين، والأستاذ إذا نسي لا يمكنه اليقين، فرجوعه إلى الراوي عنه أمر ضروري.
هذا قصارى ما يكون فرقا بين المسألتين، لكن لو كان الأستاذ ببصره آفة تمنعه من الاطلاع على ما في كتابه بأن يكون كف بصره، وهو قاطع على أن الكتاب الذي ناوله للقارئ سمع جميع ما فيه، فإن هذا يكون في تعويله على القارئ مغرورا أيضا. هذا تحقيق القول عندي في هذه المسألة التي تردد فيها كلام القاضي ابن الطيب.
وكثيرا ما يعول فقهاء الزمان على قراءة من يقرأ كتبهم بين أيديهم، ولكن أكثر فقهاء الزمان كثيرا ما تقرأ عليهم بعض كتب الحديث ليستمع كلامهم على فقهها، ويتعلم منهم كيفية الاستنباط من أحاديثها، وعندي أن مثل هؤلاء لا ينبغي أن يروى عنهم ما قرئ عليهم على هذه الجهة، حتى يقرر عليهم عند فراغ السماع أنهم يأذنون في رواية ما قرئ عليهم، فإن كثيرا منهم يهرب إذا قرئ ذلك عليهم عن أن يتقلد للقارئ ضبطا في الكتاب. وقد كنا قدمنا ذكر الخلاف في الرواية عن المحدث إذا قرئ عليه، ولم يقرر عليه عند الفراغ من السماع، وذكرنا أن المختار جواز الرواية عنه، وأن يقرر عليه، ولكنا نبهنا هناك على أن قرائن الحال من الحدثين الذين إنما انتصبوا لأن يروى عنهم اللفظ، لا لأن يتعلم المعنى [مما] يشعر بأنهم آذنون بما قرئ عليهم أن يرى عنهم، وهذا بخلاف ما وصفنا من حال الفقهاء.
فصل في الإجازة والمناولة
كثر من أبناء الزمان الإخلاد إلى تطلب الإجازات من المشايخ لا سيما عصبة المتفقهين، لأنهم يرون أن قطع الأزمنة في قراءة دواوين الأحاديث، وتطلبهم المحدثين من الأقطار مقطعة عن درس الفقه. ولا خلاف في جواز تطلب ذلك، والرواية عليه، هكذا حكى القاضي ابن الطيب الاتفاق على جواز ذلك.
وقد رأيت ابن خويز منداد في كتابه ذكر أن قول مالك اختلف في ذلك، فأجاز تلك مرة وكرهه أخرى، ولكنه أورد بعد هذا بناء على هذا الاختلاف ما يشير إلى أنه غير متعرض إلى ذكر الاختلاف فيما ذكر القاضي ابن الطيب الاتفاق عليه من جواز الرواية على هذه الصفة، وذلك أنه قال: إن قلنا برواية الإجازة قال الراوي: أخبرني، وحدثني. وإن قلنا برواية الكراهة لم يقل إلا أجازتي، أو أخبرني أو حدثني إجازة. فأشار إلى صرف الاختلاف إلى تحقيق العبارة في الرواية.
لكن القاضي أبو محمد عبد الوهاب أشار إلى صرف الاختلاف إلى جواز الرواية
стр. 446
بالإجازة، فقال: الظاهر من مذهب مالك أنه يكره الرواية بها، وحكى عن قوم المنع، واحتج لهم بأنهم إذا كان لا يجوز للراوي أن يروي عن شيخه قبل أن يجيز له، فكذلك إذا جاز له، لأن إجازته له لا تتيح له أن يفعل ما لم يكن جائزا، وظاهر هذا حكاية الاختلاف في جواز الرواية بالإجازة.
وقد اختلف العلماء في صفة العبارة هاهنا، فمنهم من أباح لمن عول في الرواية على الإجازة أن يقول: حدثني، وأخبرني مطلقا، ومنهم من جوز ذلك حتى يقيده بأن يقول: حدثني أو أخبرني إجازة.
ورأى أبو المعالي أن الأليق بالراوي أن يذكر جهة تلقيه، فيقيد بأن يقول: حدثني إجازة، فإن هذا أرفع للبس، وإن قال ذلك مطلقا من غير تقييد فليس ذلك كذبا محضا، ولكن ليس قوله: حدثني في الإجازة عبارة مرضية لإيهام التحفظ والتصون، وهذا الذي قاله صحيح، ومايكاد من يتورع أن يقع فيه، وكثيرا ما يبعث على هذا الإطلاق ومجانبة التقييد بالإجازة طلب الرئاسة، وارتفاع القدر في أنفس التلامذه ليلحظوه بعين من اشتدت عنايته بالحديث، وتكون ثقتهم به أتم.
والتدليس في الرواية قد تكلم العلماء عليه ونهوا عنه، والدواعي تكثر، وربما كان منها ما نحن فيه إذا قصد [بـ]ـمطلق القول هاهنا الإيهام والتدليس. ومن وجوه التدليس أن يوهم الأستاذ للتلامذة أنه سمع من رجل وهو لم يلقه، وإنما أخذ عمن أخذ عنه، لتشتد رغبتهم فيه وفي السماع منه، لعلو السند، ولو باح لهم بما كتم لزهدوا فيه، وربما كان من روى عنه حاضرا، وهو أقرب إليهم (ص ٢٣٣) منه، وقد اختلف في جواز العمل بالمراسيل كما قدمناه، وقد يكون السامع من هذا لا يرى العمل بالمراسيل، ولكنه يعمل بحديث هذا لتوهمه أنه لا إرسال فيه، وهذا تغرير في الديانات. ومن وجوه التدليس أيضا أن يروي عن رجل مشهور بصناعته أو بلده، أو بغير ذلك من ألقاب المحدثين، فيحذف ما يعرف به ويعدل إلى اسم خفي من أسمائه، حتى يوهم التلامذة أنه غير ما يعرفونه بذلك اللقب الذي كتم، ولو باح لهم بما كتم، لكان لهم ي قبوله والأخذ عنه رأي آخر، وهذا أيضا من التغرير بأهل الديانات.
وقد اختلف الناس في قبول حديث المدلس، فمنهم من قال: إنه وإن كان يكره له ما فعل، فإن حديثه لا يرد، فإنه لم يقع في الكذب الصراح فيجرح به، ومنهم من قال: هذا كالكذب الذي يقدح في العدالة، فلا يقبل حديثه، ولا شك عندي أن هذا يقدح في ورعه وتحفظه وإفراط الثقة به، وأما قبول حديثه أو رده فموقوف عندي على الاطلاع على تأويله،
стр. 447
وغرضه الباعث له على التدليس، وعلى النظر في مقدار تغريره بالسامعين منه، وهل أمن من أن يقعوا بما حدثهم في فعل ما لا يحل لهم لو أبدى لهم ما كتم.
وذكر أبو المعالي أن للمحدثين اصطلاحات اقتضت أن يقولوا في بعض رواياتهم: أخبرني، وفي البعض: حدثني، وليست جارية على حقائق، ولكنهم لا يمنعون من اصطلاحاتهم، فإن لكل طائفة عبارات اصطلحوا عليها يديرونها بينهم. وهذا الذي قاله صحيح. وقد اشتهر من اصطلاحات المحدثين استعمال العنعنة في الحديث، بأن يقولوا: عن فلان عن فلان عن فلان، وهم إنما دعاهم لذلك طلب الاختصار لأن قول سحنون: حدثني ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇، أخصر من قوله: حدثني ابن القاسم، قال حدثني مالك، وقال مالك: حدثني نافع.
وقد قال بعض حذاق الأصوليين: إن هذا محمول على أن كل راو سمع الحديث ممن قال فيه عن فلان، إذا كان عاصره وحاضره، ومن الناس من لم ير هذا تصريحا بالسند وتوقف فيه مخافة أن يكون مرسلا.
وإذا وضح تحقيق العبارة عن أحاديث الإجازة، فإن العمل بأحاديث الإجازة فيه اختلاف بين الأصوليين؛ منهم من لا يرى العمل به، وألحقه بالمراسيل في حكم منع العمل بها، ومنهم من أوجب العمل بها ورأى تحقق المسند فيه، وهو اختيار القاضي ابن الطيب، وذلك أنا لا نشترط أن يقرر المحدث عند فراغ نوبة السماع على أنه يروي عنه ذلك كما تقدم، فنطقه بالحديث ليس بمشترط، وإنما المعتمد على استفادة العلم منه، بإنه يروي كذا وكذا، وأذن في أن يروى عنه، وهذا المعنى متحقق فيه، إذا أجاز كتابا أن يروى عنه معينا، أو أحال على مسموعاته إذا صحت عند المحال له.
وذكر أبو المعالي الاختلاف المذكور فيه إذا عين كتابا لتلميذه، فأجاز له أن يرويه عنه، أو أباح له أن يروي عنه ما صح من مسوعاته، واختار أبو المعالي العمل بالإجازة لأن المعتمد على حصول الثقة بالمخبر، وقد تقدم هذا مرارا، والثقة هاهنا حاصلة، ولكنه رأها تتفاوت مراتبها، فأعلاها أن يشير إلى كتاب بعينه، فيقول له: ارو هذا عني وبعض الناس يؤكد هذا بأن يناول الكتاب إلى التلميذ تأكيدا للرواية. قال أبو المعالي: وما أرى في مناولته مزيد تأكيد، وأشار إلى ضعف الإجازة التي أحيل فيها التلميذ على عماية وجهالة بأن يقول له أستاذه: أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي، واستبعد صحة ذلك عند التلميذ، وإن بطلت الصحة وعول فيها على خطوط رآها، عرف منها أن شيخه سمع الكتاب الذي رأى فيه الخط، فهذا ليس بمقنع في الثقة، ولكن أبا المعالي أشار إلى أنه
стр. 448
متى صح ذلك عند التلميذ صحة موثوقا بها، فإن يروي ذلك.
وهذا الذي أورده في هذا الفصل صحيح، ولكن يفتقر إلى مزيد إشارة إلى أصول تقدمت، وذلك أن أبا المعالي ذكر هاهنا تعويل التلميذ على خطوط، وقد قدمنا نحن ما قال العلماء في التعويل على الخطوط في الرواية والشهادة، وإن عول على خبر تلميذ آخر روى عن شيخه، فذلك يلحق من جهة بالإرسال، ومن جهة بالإسناد؛ فأما لحوقه بالإسرال فمن حيث إنه إنما عرف أن شيخه يروي كذا وكذا من قبل صاحبه لا من قبل شيخه، وأما لحوقه بالمرسل فمن جهة أن شيخه أذن له أن يروي مثل هذا عنه، فهو غير كاذب في أن الشيخ أرواه إياه، إذا قيد بالإجازة كما تقدم، والعمل به لازم إذا كان صاحبه الذي أخبره عن شيخه عدلا، وقصارى ما فيه أن يكون كالتلميذ لصاحبه، ولو حدثه صاحبه عن شيخه بما سمعه منه لوجب العمل فكيف به، وقد ينضم له إلى حديث صاحبه إذن شيخه في أن يعمل ويروي ما صح عنده (ص ٢٣٤) من مسموعاته.
هذا عندي كشف الغطاء عن حقيقة هذه المسألة، وعند انكشافه يتحقق وجوب العمل، ولا يتصور الخلاف فيه، إلا أن يدار الخلاف على جههة أخرى أشرنا إليها.
وأما الشيخ إذا ناول تلميذه كتابا كتبه بيده أو صححه بيده، فقال له: أرو هذا عني، فلا شك في وجوب العمل بهذا، ولا معنى للاختلاف فيه، وقد قدمنا أنا لا نشترط تقرير الأستاذ إذا فرغت نوبة الإسماع، وهذا وإن لم يسمع لفظ الأستاذ بالكتاب الذي ناول تلميذه، فإن مناولته إياه، وقوله له: ارو عني ما فيه كسماعه، وقد ذكر ابن وهب أن يحيى بن سعيد سأل مالكا عن شيء من أحاديثه فكتب له مالك ﵁ بيده أحاديث وأعطاها له، فقيل لابن وهب: أقرأها يحيى بن سعيد على مالك؟ فقال ابن وهب: هو أفقه من ذلك. يشير بهذا إلى أن كتابة مالك لها بيده ومناولته إياها مغن عن قراءته إياها على مالك ﵁.
وقد حاول ابن خويز منداد الانتصار لتصحيح الإجازة والمناولة، وإلحاقها بالمسوغات شفاها بقوله تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى)، وبقوله: (فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم)، وبما وقع من الأحاديث التيجرى فيها القول بـ "نعم" مجرى الحديث، فمن قال: نعم كقوله للنبي ﵇: "الله أرسلك إلينا؟ قال: نعم"، الحديث بطوله، وجوابه عن كل فصل فيه بـ "نعم" جرى مجرى نطق النبي ﵇ بالفظ الذي سأله به
стр. 449
السائل. وهذا الذي احتج [به] إنما يكون حجة في تقرير الحديث عند فراغ السماع، وأما كونه دليلا على أحاديث الإجازة، فإنه لا يتحقق، ولا يستقل بمجرد ما قال، دون أن يبسط البسط الذي قدمناه.
وذكر أبو المعالي في هذا الباب مسألة هي كالخارجة عما نحن فيه من الكلام على تحمل الراوية، لكنه ألحقها بالباب لانخراطها في سلكه. والحاجة إليها ماسة، فإن كثيرا من الفقهاء والمفتين والمصنفين في مسائل الخلاف وطرق الحجاج، تقل روايتهم للحديث لاشتغالهم عنه بما هم فيه من درس كتب الفقه، وتحفظ مقالات الفقهاء، ولكنهم يحتجون بأحاديث ويعلمون بها، وإنما معتمدهم فيها الإحالة على الدواوين الصحيحة، فإذا احتاج فقيه إلى الوقوف [على حديث] قرأه في الموطأ أو البخاري أو مسلم، ولا رواية له في شيء من هذه الكتب، فإنه إذا بحث عن الحديث ووقف عليه في شيء من هذه الدواوين في أمهات صحاح ضطبها الثقات لما قرأها على الأئمة حتى تحقق عنده أن هذا مما أدخله البخاري في كتابه على صفة ما رآه، فإنه يعمل به لحصول الثقة له بأنه مسند عن النبي ﵇ من طريق صحيح، وإذا أخبر بهذا الحديث غيره لزمه أيضا أن يعمل به، ولكنه مع هذا لا يروي ما رأى، إذ لا رواية له فيه، فإن رواه كذب، وأما العمل به وإن كان لا يرويه، فلأن ثقته به كثقته بحديث حدث به عدل عن عدل عن النبي ﵇.
واعتمد أبو المعالي في وجوب العمل بمثل هذا على أن كتب النبي ﷺ كانت ترد إلى جهات فيعمل بها من أرسلت إليه، ويعمل بها من رآها عنده، وإن لم ترسل إليه، لأجل حصول الثقة له بأنه أمر النبي ﵇ ونهيه. وهذا الذي ذكره أبو المعالي يفتقر عندي إلى الإحالة على مطالعة ما تقدم من جواز التعويل على خطوط وقف عليها على حسب ما كنا قدمنا بسطه قبل هذا لما تكلمنا على بحث الطالب عن مسموعات شيخه، ولكنه ربما وقع في مثل الموطأ والبخاري بحيث يكاد يفضي بالباحث إلى القطع على أن الحديث من أحاديث الموطأ، وكذلك أحاديث البخاري وإن لم يبالغ في بحث ينتهي به إلى هذا الاعتقاد، فهاهنا يفتقر إلى الرجوع إلى النظر فيما أشرنا إليه.
فصل في تحقيق عبارة
اعلم أنه قد يقع من الصاحب إسناد حكم إلى النبي ﷺ بلفظ نص لا احتمال فيه، كقوله: "سمعت النبي ﷺ يقول كذا وكذا". وقد يقع منه هذا بعبارة فيها إشكال كقوله: "من السنة كذا وكذا".
стр. 450
وقد اختلف الناس في هذا اللفظ؛ هل يحمل على أن المراد به سنة النبي ﷺ ، ويتنزل ذلك منزلة قوله ﷺ ، أو يتردد هذا اللفظ بين أن يكون قائله أراد به سنة النبي ﵇ أو سنة غيره من أئمة الصحابة ﵃؟ واختلف قول الشافعي فيه، فقال في القديم "الظاهر من هذا الاحتمال أن المراد به سنة النبي ﵇، وقال في الجديد: هو محتمل، ولم يره مسندا.
وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب أن أصحابنا وأصحاب الشافعي مختلفون فيه، وينبغي لك أن تحقق أن منشأ الاختلاف راجع إلى تنازع في معهود المعتاد من الرواية، فمن جعلهذا اللفظ كالمسند إلى النبي ﵇، فلا تعويل له إلا على أنه هو المفهوم في (ص ٢٣٥) عرف التخاطب، وما مراد الصاحب به إلا أن يجعل ما ذكر حجة وشرعا، ولا يحصل له هذا الغرض إلا أن يضيف ذلك إلى النبي ﵇، ويؤكد عنده ما ادعاه من هذا العرف قول الناس، الكتاب والسنة، ولا يريدون بالكتاب إلا القرآن، مع كون ما سواه من الكتب يسمى كتابا، فكذلك لا يريدون بقولهم: السنة إلا قول النبي ﵇ أو فعله، فوجب حمل هذا الإطلاق على العرف، وإن كان محتملا من ناحية اللغة، لأن السنة في اللغة هي الطريقة، وسنة أبي بكر وعمر ﵄ طريقتهما، وقد قال ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي".
وأبي المحققون من هذا وأنكروا أن يكون العرف اطرد بها اطرادا يقتضي ألا يفهم عن قائله إلا الإشارة بما قال النبي ﵇، وكل مفت تنسب فتواه إلى شريعة النبي ﵇، سواء كانت فتواه عن نقل أو عن استنباط، وقد يقول الفقيه في فتواه: هذا هو الحق، وهذا هو الشرع، وكذلك أيضا قد يقول: هو السنة، ومراده أنه مستنبط من سنة النبي وطريقته.
ونصر أبو المعالي كون اللفظ مترددا، ومنع من إلحاقه بالمسندات، ولم يبسط القول فيه، ولكن فلتعلم أنت أن الصاحب إذا قال: أمر النبي ﵇ بكذا وكذا، فإن الجمهور من العلماء على أن ذلك مقبول معمول به. وذهب داود وابنه إلى أن ذلك لا يعمل به حتى ينقل الصاحب لفظ النبي ﵇ الذي ذكر الراوي أنه أمر، لجواز أن يعتقد كون النبي ﵇ أمر من لفظ سمعه منه، لو عرضه علينا لخالفناه في اعتقاده فيه، ورأيناه محتملا، وأيضا فقد يكون نقل الأمر عن غيره، فيصير الحديث مرسلا، وهذا الاعتلال الثاني إنما يصح على طريقة من قال: مراسيل الصحابة ﵃ لا تقبل، ويراهم كغيرهم في الإرسال، ويرى هذا
стр. 451
اللفظ مترددا بين الإسناد والإرسال، وقد رد الأئمة هذا المذهب بأن الظاهر من الصاحب أنه لا يجزم القول بأن النبي ﵇ [أمر] إلا وقد سمع منه ما علم منه الأمر علما ضروريا بقرينة حال أو غيرها. وأما لو سمع لفظا فيه احتمال لاقتضى ورعه وعدالته، ألا ينقل إلينا محتملا يصمم القول فيه بناء على اعتقاده فيه، مع علمه بإمكان الخلاف فيه، وتأويل غيره له بخلاف تأويله، كيف وقد تقدم ذكرنا أن الشاهد بالنكاح والبيع يقضي بإطلاق شهادته، ولا يجب الوقف عن شهادته لعدم تفسيره لنا، وإيراده [هـ] علينا شروط الصحة في النكاح والبيع، ووقف كلام العدول عن إمضائه على ظاهره لا يجب لتجويز أن يكون معرضا للبطلان.
وقد ذكر ابن خويز منداد هذا الخلاف الذي ذكرناه عن أ÷ل الظاهر، عن بعض أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وما رأيت من أضاف هذا لهؤلاء سواه، ولكنه مع هذا أشار إلى سبق الإجماع على خلاف هذا المذهب.
ويتعلق بما فيه النظر في حمله على العموم، وأظن أنا أشرنا إليه في كتاب العموم، ولكن نشير إليه الآن، فاعلم أن بين العلماء اختلافا في حمل مثل هذا على العموم، أو التوقف فيه، لجواز أن يكون الراوي إنما أراد أن النبي ﵇ أمر رجلا واحدا أمرا لا يتعداه، أو فرقة واحدة أمرا لا يتعداهم، وكذلك اختلف الناس أيضا في قوله: "قضى النبي ﵇ بكذا"، هل يحمل على العموم أو يتوقف فيه، كقول الراوي: "قضى بالشفعة للجار"، وبالكفارة في الإفطار، فمن لم يحمله على العموم لجواز أن يكون الراوي أراد أنه قضي في شخص واحد، قصر قضيته عليه. ومنهم من رأى أنه لو غير الراوي هذه العبارة فقال: قضى بأن الشفعة للجار، لكان ذلك يقتضي العموم. وأبى بعضهم من اقتضاء هذا العموم، ولو وقع بهذا اللفظ، ورأى أن دخول "أن" كخروجها. ومنهم من قال: إنما يقتضي هذا العموم لو قال: كان يقضي بالشفعة للجار، لأجل إفادة "كان" التكرار قد يكون في شخص بعينه أو آحاد محصورين، فصار في واحد بعد واحد.
وقد كنا نبهناك على الاختلاف في قول الصاحب: "أمر النبي ﵇" هل يحمل على العموم أم لا؟، فاعلم أيضا أن الاحتمال يدخله من جهة أخرى، وهل تردد قوله: "أمر" بين الوجوب أو الندب على رأي أن المندوب إليه مأمور به؟ وقد قيل: إنا تتبعنا آثار الصحابة فوجدناهم عاملين بمثل هذا اللفظ، وقد قال علي لابن عباس ﵄ محتجا عليه
стр. 452
" أن النبي ﵇ نهى عن نكاح المتعة"، وأورد هذا القائل أمثال هذا الحديث كقوله: "نهى عن المخابرة"، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، مما يكثر تعداده، ولم يطالب بعضهم بعضا بإيراد نفس اللفظ.
فهذا منتهى القول في قول الصاحب: "أمر النبي ﵇ بكذا". وأما لو قال: "أُمرنا بكذا"، و (نُهينا عن كذا)، فقد اختلف (ص ٢٣٦) الناس فيه على حسب ما قدمناه من اختلافهم في قول لصاحب: "السنة كذا وكذا"، فمن الناس من حمل هذا على أن المراد به أن النبي ﵇ هو الآمر، ومنهم من حمله على أنه محتمل أن يكون غير النبي ﷺ وهو الآخر الذي أشار إليه الراوي، وسبب الخلاف (هو ما قدمناه من) اختلافهم في قول الصاحب: "السنة كذا وكذا".
فصل في إنكار الشيخ ما روي عنه
اعلم أن الناس مختلفون في راوٍ تحدث بحديث عن شيخ، وذلك الشيخ ينكر الحديث، فمن الناس من رأى قبول ذلك الحديث والعمل به، ومنهم من أبى من قبوله والعمل به، وحكي عن الشافعي أنه يرى العمل بذلك. وذكر ابن خويز منداد من أصحابنا أن المختار عنده العمل به، واستقرأ هذا عن مالك ﵁ من قوله: إن القاضي إذا شهد عليه شاهدان بأنه قد حكم عليه بحكم، والقاضي ينكر ذلك الحكم، أن شهادة الشاهدين يقضي بها، ويجب إمضاء الحكم بشهادتهم، وإن كان الحاكم بالحكم ينكره، ولكنه ذكر أن قول مالك ﵁ في شهود نقلوا شهادة عن شاهد، والشاهد المنقول عنه الشهادة ينكرها، فإن الشهادة لا يقضي بها. قال ابن خويز منداد: وهذا يدل على خلاف الأول، فاشار إلى تردد في الاستقراء عن مالك، ولكنه بعد هذا في أثناء الباب أنكر قياس الإخبار على الشهادة في هذا، والذي أورده من الإنكار، والفرق بين الشهادة والإخبار يقتضي أن لا يتردد تضييفه إلى مالك من مسألة الشهود إذا نقلوا عن شهود.
وأما القاضي ابن الطيب فإنه فصل القول في هذا، ورأى أن الشيخ إذا قطع بأنه لم يحدث بالحديث واستكذب من رواه عنه، فإن هذا الحديث لا يعمل به، لأن قطع الشيخ على تكذيب التلميذ يخرم الثقة بالخبر، وليس تصديق التلميذ على الشيخ بأولى من تصديق الشيخ على التلميذ، وإذا تعارض الأمران سقط الخبر، لأن التلميذ هاهنا كالفرع والشيخ
стр. 453
كالأصل، وانهدام الأصل يهدم الفرع، وأضاف القاضي هذا المذهب إلى الشافعي في هذا الوجه، وحمل إطلاق قوله بالقبول على أن الشيخ متشكك فيما قاله التلميذ.
ورأى أبو المعالي أن قطع الشيخ بكذ التلميذ لا يوجب الرد على الإطلاق، لكنه يتنزل منزلة خبرين تعارضا على التناقض، فيستعمل الترجيح بينهما بزيادة العدالة، أو بغير ذلك من وجوه الترجيح، أو يفقد الترجيح بينهما، فيؤدي ذلك إلى سقوط الخبر.
وبعض المصنفين يشير إلى إخراج هذا عن أحكام التعراض في الأخبار، لأن الخبرين المتعارضين إذا رواهما رجلان فليس أحدهما فرعا للآخر، ولابد له منه، فيسقط الفرع بسقوط الأصل، وهاهنا التلميذ فرع لشيخه، وسقوط الأصل مسقط للفرع.
وقد أشار القاضي أبو محمد عبد الوهاب إلى أن هذا كالتجريح من التلميذ لأستاذه، وإذا جرح الراوي من روى عنه سقطت الرواية، ولكن ألزم على هذا أن لا يعمل التلميذ بشيء من رواية هذا الشيخ في هذا الحديث ولا في غيره. وغيره من المحققين يأبى كون هذا تجريحا، لجواز أن يكون الشيخ والتلميذ لم يعتقد كل واحد منهما في صاحبه أنه تعمد البهتان والمكابرة، ولكنه غلط فيما تصمم عليه، والغلط لا يجرح به، ولعل القاضي عبد الوهاب إنما أشار إلى التجريح إذا اعتقد التلميذ أن شيخه تعمد الكذب والمكابرة.
وقد عول الرادون لخبر أنكره الشيخ على تلميذه على القياس على الشهادة، وأنكر الشافعي هذا القياس، ورأى أن الشهادة تعبدنا فيها بعبادات لم نتعبد في الأخبار بمثلها، ولهذا يقبل خبر المرأة والعبد، ولا تقبل شهادتهما على الإطلاق، واحتج بأن الراوي لو روى في أثناء خصومته حديثا يؤدي إلى القضاء على خصمه [أو] إلى جر منفعة إلى ولده، أو والده، لم يرد خبره لأجل هذه التهمة، بخلاف الشهادة التي ترد للتهمة. وأيضا فإن نقل الشهادة لا يصح مع حضور المنقول عنهم، وإمكان تلقي الشهادة منهم شفاها، لأن تواريهم عن القاضي ريبة، بخلاف الخبر فإنه يصح النقل فيه، ويسمع خبر التلميذ ويعمل به مع إمكان مطالعة شيخه وتلقي الحديث عنه.
وأشار الشافعي إلى القطع بأن الصحابة كانوا يروي بعضهم لبعض عن النبي ﵇، فيقبلون ذلك ولا يلتزمون على الطرد مراجعة النبي ﵇ مع الإمكان، وهذا كله يشعر بمخالفة أحكام الأخبار أحكام الشهادات، فلا يقاس أحدهما على الآخر.
وهذا الذي ذكره الشافعي من رواية راوٍ حديثا في أثناء خصومة يجر به لنفسه منفعة يسلم له إن حكى ذلك عن قديم الزمان وصدر الإسلام، حيث كانت العدالة بارزة، وأكثر الأحاديث والأحكام خية غير ظاهرة، وأما الآن مع خفاء العدالة (ص ٢٣٧) وظهور الأحاديث وضبطها بالدواوين، والكتب، والروايات فلنا فيه نظر، وصرفه إلى الاجتهاد الذي
стр. 454
يقتضيه شاهد الحال لا يبعد الذهاب إليه.
وأما ما ذكره من إمكان مطالعة الشيخ مع الإضراب عنها، فقد ذكر ابن خويز منداد مسألة أفردها فقال: إن الناس اختلفوا في رجل روي له عن النبي ﵇ حديث، ثم قدم عليه ﷺ ، هل يلزمه العمل بهذا الحديث أو يلزمه سؤال النبي ﵇ حتى يسمعه شفاها منه. قال: وهذه مسألة تكلفها الأصوليون، وتركها أفضل من ذكرها، لأن الآن في غنى عنها.
واحتج القائلون بمطالعة النبي ﵇ أن مطالعته إذا أمكنت انتقال من الظن إلى اليقين، ومن تطلب الحكم بالاجتهاد ثم عثر على النص وجب عليه أن يرجع إليه، فينتقل من ظن إلى يقين، وهكذا القبلة يجتهد فيها عند الالتباس، فإذا أمكنت المعاينة وجب الرجوع إليها.
وقال آخرون: لا تجب مطالعة النبي ﵇، وقد رد عليه من نقل خبره إليه ولم ينقل عنه أنه طالعه، وتطلب السماع منه، وهكذا كان شأن الصحابة. فقيل لهؤلاء: قد قال بعضهم لما ورد عليه: إن رسولك أمرنا بصلاة ... الحديث، ولم ينكر عليه أن يستثبت الخبر منه ويطالعه عليه، وهذا لا يعترض به على هؤلاء، لأنهم لا يمنعون جواز الاستظهار باسماع من النبي ﵇، ولكنهم ينازعون في وجوب هذا.
وقد أبعد ابن خويز منداد النجعة وأغرب في العرض فقال: إن حديث ذي اليدين يشهد بصحة العمل بالحديث الذي ينظره الشيخ الذي روى عنه، ألا ترى "أن النبي ﵇ لما أخبره ذو اليدين بأنه لم يكمل الصلاة خالفه ﵇ فيما قال: وقال له: ما قصرت ولا نسيت"، حتى سأل أبا بكر وعمر فأعلماه فرجع إلى قولهما لما أخبراه بأنه فعل شيئا، وهو ناس للفعل الذي أخبراه به. فكذلك الشيخ يجب أن يرجع إلى تلميذه، ويحدث به عنه كما كان سهيل يقول: حدثني ربيعه عني أن النبي ﵇ "قضى بالشاهد واليمين"، وهذا الذي قاله قد تقدمت إشارتنا إلى القدح فيه حيث قلنا: لا تقاس الأخبار على الشهادات، لكون الشهدات انفردت بمزيد تعبد. فكذلك نقول الآن لابن خويز منداد: الصلوات فيها من العبادات ما اختصت بها، ولم يوجد في غيرها، فلا تقاس الأخبار عليها. هذا ومن الممكن أن يكون النبي ﵇ ذكر أنه لم يكمل الصلاة لما أخبره أبو بكر وعمر ﵄، ويمكن أيضا أن يكون أحدث له خبرهما شكا، فرجع إلى الأصل في
стр. 455
الفرع، وهو أن الشك في عدد الركعات يلغي شكه ويبني على يقينه، وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في "المعلم"، وفي شرح كتاب التلقين، بما يؤكد عندك صحة هذا الذي قلناه، ومما يعول علهي الراوون للخبر الذي ينكره الأستاذ أن إنكاره له يخرم الثقة، ومبني الأخبار على حصول الثقة.
وذكر أبو العباس أن هذا لا يخرم الثقة خرما كليا، ولكن الشيخ لو صدق التلميذ لكان آكد في الثقة، ولسن متعبدين بمطالعة بلوغ أقصى النهايات في الثقة، ولهذا يعمل برواية مالك للحديث، كما يعمل برواية عدل آخر لم يشتهر بالعدالة والأمانة اشتهار مالك، وإنما تؤثر قوة الثقة في الترجيح لخبر على خبر، وأما أن يقتضي التقاصر عن البلوغ إلى نهاية الثقة رد الخبر، فلا يجب ذلك، وقد قيل: إنه قد حصل الاتفاق على أن الشيخ إذا شك في لظفه أو إعراب لفظة، وحقق التلميذ أنه رواها عنه، فإن ذلك لا يوجب التوقف عما قاله التلميذ، فكذلك إذا نسي الشيخ جملة الحديث.
وقد يشير الآخرون إلى أن الفرق بين نسيان الكل، والبعض، أن نسيان البعض يمكن وجرت العادة به، ونسيان كل الحديث بعيد من جهة العادة، فتشكك الشيخ فيه ريبة توجب رده.
والتحقيق في هذا الفرق النظر في حال الحديث، وحال الشيخ، وبعد الزمن وقربه، فالأئمة المثكرون من الرواية الذي روى عنهم عدد الرمل لا يطالبون بحفظ جميع ما أملوه وأرووه مطالبة من لم يرو إلا حديثا أو حديثين، والمعروف بالحفظ والبعد عن النسيان بخلاف المعروف بخلاف ذلك، وحديث يقول التلميذ للشيخ: سمعته منك منذ أربعين عاما بخلاف حديث يقول له: سمعته منك بالأمس، وكذلك نسيان إعراب لفظة ولفظة، أقرب من نسيان حديث طويل بأسره.
فهذا النحو من النظر يجب أن يسلك في استرابة الحديث وقوته وضعفه، إذا شك الشيخ فيه، وهي الطريقة عندي، وقد [روى] أهل العراق خبر الولي في النكاح الذي رواه ابن شهاب (ص ٢٣٨) وهو قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل"، لما عرض الحديث على ابن شهاب فأنكره، وابن شهاب من المكثرين للرواية، لكنه من الحفاظ، فقد تتعارض قرائن الأحوال في الشيخ هذا النحو من التعارض، ولكن
стр. 456
المعتمد على قوة البحث عن طرق الاسترابة للخبر حتى تسكن النفس إلى صدق التلميذ، ووهم الشيخ، أو تيقن عن قبول الخبر والتصديق به، فيعول فيها على ما تشهد به مخايل الأحوال، وفي هذا كفاية.
فصل في كيفية الرواية وتفصيلها وردها وقبولها
تقرر فيما تقدم حقيقة الأخبار، وأقسامها، وثمراتها من علوم أو ظنون، ومن يقبل من الرواة، ومن لا يقبل، والعبارة عن التحمل والتحميل، فلنتكم هنا عن تغيير الراوي العبارة التي رواها، فاعلم أن الكلام في هذا الفصل من ثلاثة أوجه:
- أحدهما: بيان موقع الاتفاق والاختلاف في هذا الباب.
- والثاني: نقل المذاهب.
- والثالث: سبب اختلاف المذاهب فيه.
فأما الوجه الأول فاعلم أن للمسألة موقعا اتفاقيا، وجل المصنفين يشير في هذا إلى موقع واحد، وهو موقع يتفق فيه على منع تبديل العبارة المسموعة وانفرد القاضي أبو محمد عبد الوهاب بإشارة يستلوح منها إثبات موقع آخر اتفاقي وهو موقع يتفق فيه على جواز تبديل العبارة على الجملة، وما سوى هذا الموقع الواحد على رأي الجمهور، أو الموقعين على رأي القاضي أبي محمد عبد الوهاب فهو محل الخلاف وموقعه.
فأما الموقع الاتفاقي على منع النقل بالمعنى وتغيير العبارة المروية فإنه يجمعه أربعة أوصاف:
أحدها أن يقطع الرواية على أن تبديله العبارة يضمن تبديل المعنى وتغييره إلى ما ليس هو منه، كما لو غير قوله: "نهى عن كذا" بقوله: "أمر"، وقوله: "خطر" بقوله: "أباح"، وكما لو غير قوله ﵇: "إن الله يأمركم بكذا" بأن قال: قال ﵇: "إن الله أوجب عليكم، وفرض عليكم كذا"، على القول بأن قوله: يأمركم ينطلق على الواجب والمندوب، لأن هذا تغيير رفع من اللفظ ما ثبت فيه من التردد، وعين فيه مراد الله سبحانه، وهو يجوز أن يكون أراد خلاف ما نقل عنه.
والثاني أن يشك في اللفظ الذي بدله؛ هل معنى اللفظ الذي عبر عنه مثل اللفظ الذي سمع في تأديه المعنى أم لا؟ وهذا لا تحصى أمثلته، ولكن ما تقدم من المثال يحسن أن يضرب فيه، وذلك أن يكون الراوي شاكا؛ هل لا معنى لقوله: "إن الله أمر بكذا" إلا أنه
стр. 457
أوجب كذا وفرضه، أو يحتمل أن يكون عند العرب مترددا بين أن يكون أمر وجوب أو أمر ندب؟
والثالث أن يصمم على أن معنى اللفظ الذي أورد هو معنى اللفظ الذي سمع، ولكن لا علم له بالحقائق حتى يكون على ثقة من تصميمه، فالجاهل لا يوثق بتصميمه على الأمور، وهجومه عليها من غير معرفة بطرق اليقين، إذا كان ما صمم عليه خارجا عما لا يمترى في كونه معلوما ضرورة.
والرابع أن يكون عالما بالحقائق والعموم، ولكن إنما صمم على أن مراد المتكلم بلفظه ما اعتقده من جهة استدلال على ذلك، فإن هذا لا يسوغ له نقل الحديث بالمعنى وتبديل العبارة، التي إنما ضبط معناها بالاستدلال إلى عبارة يفهم منها المعنى الذي استدل عليه، ولا يفهم منها ما سواه، ولا يتردد بينه وبين ما عداه. وهذا كما لو سمع قوله ﵇: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وهو لا يتردد بين أن يكون أراد أنه يذكي مثل ما تذكى أمه، أو أراد أن ذكاة أمه ذكاة له وإن لم يذك، فيكون أداه الاستدلال من جهة أحكام الإعراب وصناعة النحو، وشواهد الأصول إلى أحد المعنيين، فيعبر عن ذلك بعبارة تكون نصا في المعنى الذي تأول واعتقد، ويضيف ذلك إلى النبي ﵇ فيقول: قال ﵇: إن الجنين يذكي مثل ما تذكى أمه، أو يقول: قال ﵇: إن الجنين يكفي فيه ذكاة أمه ويستباح بها، وأمثلة هذا لا تحصى كثرة. فهذا موقع الاتفاق على منع النقل، وقد ضبطناه بهذه الأربعة.
وأما موقع آخر اتفاقي فهو ما انفرد به القاضي عبد الوهاب فإنه ذكر أنه يشترط في المسألة شرطا أغفله الكل، وأشار إلى أن الخلاف إنما يصور في حديث سمع من النبي ﵇ نقل ألفاظه حتى يحفظ عنه ﷺ في إيراده إياه مرة واحدة من غير تكرير يقصد به أن يحفظ عنه، وإنما إذا أورد حديثا طويلا يعلم أنه لا يحفظ عنه على حال إلا أن ينتصب لتعليمه وتحفيظ ألفاظه، فإن هذا ينقل على المعنى.
وهذا الذي قاله ﵀ وانفرد به، قد يسبق إلى النفس قبوله لما يتخيل فيه من الضرورة إلى الاقتصار على المعنى، ولكن عندي فيه تفصيل هو كش الغطاء فيه، وذلك أن الحديث الطويل إذا كان النبي ﵇ أورده على (ص ٢٣٩) أصحابه إيراد غير قاصد إلى الإذن في نقله عنه، لكونه لا يتعلق به حكم، أو لا تمس الحاجة إلى نقله، أو لكونه يتعلق به حكم مقصور على السامعين، فإن هذا لا أراه يسلم من الاختلاف في جواز نقله على المعنى، إذ لا حاة لمغير اللفظ وبملده إلى نقله على المعنى، وهذا كإخبار النبي ﵇ بحديث
стр. 458
جريح الراهب، إن قيل: [إ] نه لا يتضمن حكما، وإن كان البخاري أشار إلى تعلق حكم به، وكخبر إحدى عشر امرأة على طوله، وما فيه من اللغة، إن قيل أيضا: إنه لا يتعلق به حكم.
وقد شرحناه في كتابنا "المعلم"، وذكرنا ما قيل: إنه يتعلق به. فمثل هذا وإن طال فتغيير العبارة فيه وإضافتها إلى النبي ﵇ لا يبعد أن يذهب الذاهبون إلى منعه، لكن يظهر لما قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب وجه، وهو أن يكون الحديث المطال يتعلق به الأحكام، وقصده ﷺ بإيراده أن يعمل به، ويبلغها السامعون لمن يأتي بعدهم ويعلمونهم إياها، فإن هذا يكون منه ﷺ شاهد الحال فيه يتضمن الإذن في نقل ذلك عنه بالمعنى، إذ لا يقدر على أكثر منه، ولو ردده ﵇ ليحفظ لأمكن في الغالب أن يكون الأظهر تغيير بعض العبارة، فإن أراد ﵀ بما انفرد بإيراده هذا الوجه، فما قاله صحيح.
فهذه مواقع الاتفاق وقد ضبطناها هنالك، وذكرنا هنا كل ما قيل فيها، ووجه التحقيق فيها، فإذا علمت ذلك علمت ما سواه هو موقع الخلاف.
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب، فاعلم أن معظم الأصوليين على جواز نقل الحديث بالمعنى، كما أن معظم المحدثين على منع ذلك. وأما الفقهاء فإن أبا حنيفة لم يختلف المصنفون في النقل عنه أنه يجيز ذلك، وكذلك الشافعي نقل المصنفون عنه إجازة ذلك أيضا، لكن الذي وقع له في كتاب الرسالة أن حديث النبي ﵇ إنما ينقل كما سمع بلفظه، إذا كان الناقل غير عالم، واحتج لذلك بقوله ﵇: "نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" الحديث. والتقييد في منع النقل يكون الناقل غير غير عالم يشير إلى أنه يجيز ذلك إذا كان الناقل عالما، والتعويل فيإضافة هذا المذهب إليه على مثل هذا اللفظ فيه نظر، فإن لم يوجد له ما ينقل منه مذهبه في هذا اللفظ فلا يحسن التصميم على إضافة هذا المذهب إليه، الذي قاله أبو حنيفة. وأما مالك فمن المصنفين من يضيف إليه ما أضاف إلى الإمامين أبي حنيفة والشافعي، ويرى أنه يقول بالجواز، ومنهم من يضيف إليه الامتناع من نقل الحديث على المعنى، والذي وقع له لفظ أشار ابن خويز منداد [به] إلى أن مذهب مالك المنع من نقل الحديث على المعنى تمسكا منه بأن مالكا سئل عن ذلك فقال: لا ينقل حديث النبي ﵇ إلا كما سمع، وأما نقل أحاديث الناس فإنه لا بأس
стр. 459
بنقلها على المعنى، وابن خويز منداد منع من نقل الحديث على المعنى. والقاضي أبو محمد عبد الوهاب يضيف إلى مالك أنه يكره ذلك في حديث النبي ﵇، لأنه قال: أكره ذلك في حديث النبي ﵇، ولا أرى به بأسا في حديث الناس، وهذا تمسك به القاضي أبو محمد عبد الوهاب من لفظة الكراهية، وقد يتأولها من خالفه في النقل عن مالك، ويقول: قد وقع لمالك ﵁ فيما لا يجوز لفظة الكراهية، فيقول: أكره كذا وكذا، وهو عنده من قبيل ما لا يجوز، فهذه المذاهب المشهورة في هذا الباب.
وأما الوجه الثالث وهو سبب الاختلاف، فاعلم أن المانعين لذلك تعلقوا بالكتاب والسنة والاستدلال.
فأما الكتاب فقوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، فآيات الله هي القرآن، والحكمة هي السنة، وقد أمر الله سبحانه أن يذكرن نفس ما يتلى، وآيات الله إذا ذكرنها فإن تغيرها لا يحل، فكذلك ما عطف عليها وهي الحكمة المراد بها السنة.
ويجيب عن هذا الآخرون بأن عطف جملة على جملة لا يوجب تساويهما في الأحكام، وليس إذا منع نقل آيات الله بالمعنى وجب أن يمنع ذلك فيما عطف عليه، وليس في الآية تصريح بمنع النقل على المعنى، وإنما اشتملت على الأمر بأن يذكرن ما يتلى في بيوتهن، ومن ذكر معناه من غير تغيير فيه، فقد يسمى ذاكر له، وإن بدل بعض عباراته.
وأما السنة فقوله ﵇: "نضر الله أمرا سمع مقالتي فأداها كما سمعها، رب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه ... " الحديث، على ما رويت (...)، وهذا منه ﷺ مبالغة في التحضيض على نقل لفظه ﷺ بصيغته وعبارته.
وأجاب الأولون (...) لأنها فيها خبر الواحد، وأيضا فإن الحديث محمول (ص ٢٤٠) على ما ليس بعالم، ولا واثق بنفسه في ضبط المعاني وحقائق العبارات عنها، ألا تراه يقول آخر الحديث: "فرب حامل فقه ليس بفقه"، إلى غير ذلك من الألفاظ التي أشار فيها ﷺ إلى أن الناقل إذا غير لا يبعد أن يكون غالطا في تغييره، وإن نقل نفس ما سمع لعرف المنقول إليه غلطه.
стр. 460
وأما الاستدلال فإنهم يقولون: قد أجمع على أن القرآن لا ينقل على المعنى، فكذلك السنة لأنهما جميعا وحي عن الله سبحانه، وأيضا فإن الأذان، والتشهد، وتكبيرة الإحرام جاء الشرع بمنع تغيير العبارة فيها، فكذلك يجب أن تكون أحاديث النبي ﵇.
ويجيب الآخرون عن هذا بأن هذا قياس من غير علة جامعة، وتلك قد قدمنا الأدلة على التعبد بإيراد ما سمع وشرع فيها، ولم يقم دليل على التعبد بإيراد لفظ النبي ﵇.
وأما الأخرون المجيزون لنقل الحديث بالمعنى فإنهم يحتجون أيضا بالكتاب والسنة والاستدلال.
فأما الكتاب فإن الله سبحانه ذكر معنى واحدا بعبارات مختلفة أنزلها على محمد ﷺ كقوله عن أم موسى: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم)، وفي موضع آخر: (هل أدلكم على من يكفله)، وقال تعالى: (وألق عصاك)، وفي موضع آخر: (وأن ألق عصاك)، إلى أمثال ذلك مما يكثر تعداده في القرآن، فلولا أن المعنى إذا تساوى لا يكون اختلاف العبارة عنه كذبا ولا تحريفا، لم يقع ذلك في القرآن العزيز.
بهذا استدل البلخي، وأجابه الدقاق من أصحاب الشافعي بأن الله سبحانه يعلم ضمائر الناطقين ومقاصد المتكلمين علما لا يجوز فيه الغلط، وكذلك يعلم مضمون العبارات وحقائقها، وما يفهمه السامعون منها، فلهذا حسن في القرآن اختلاف العبارة عن المعنى الواحد. والرواة منا بخلاف ذلك في جواز الغلط والجهل عليهم، فلهذا منعوا.
وللبلخي أن يقول له: إنما كلامنا في تغيير اللفظ مع أمن الراوي من الغلط، وعلمه الضروري بأنه لم يغيرا لمعنى لما غير اللفظ، كقوله ﵇: "إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون"، بدل قوله: " ... جالسا فصلوا جلوسا" إلى أمثال ذلك مما يعلم قطعا أنه لم يفسد تغيير اللفظ المعنى المراد ولا حرفه.
لكن قد يقال للبلخي: من الممكن أن تقول أم موسى هذا المعنى مرتين، وتختلف عبارتها فيه، فأخبر الله سبحانه عنها بالمجلسين جميعا، لكن هذا يفتقر إلى بسط، ويبعد تأويله في بعض المواضع على صفة قد يشير إليها.
следующие страницы →