← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16974

إيضاح المحصول من برهان الأصول

المازري

Полный текст (479 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إيضاح المحصول من برهان الأصول تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري ت: ٥٣٦ هـ دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور/ عمار الطالبي

стр. 2

(ص ١٢) كما لا يحب عليه سبحانه أن يفعل ما يطابق هذه المنفعة، فإذا استحال (...) مفروضا والثواب والعقاب، وهذا يمنع حقيقة، أو لكون الثواب والعقاب (...) بالعقل بالفعل أن الله سبحانه (...) بطل إضافة الوجوب إلى العقل وأما المخالفون فعمدتهم التي (...) بالتخلص من القدح، في (...) فأما استشهادهم بالعادة فلكونهم يرون العقلاء بأسرهم يستحسنون شكر النعم ويستقبحون كفرها، ومن (...) غيرقا أشفى على الموت، وحمله على ظهره إلى الشاطئ فيجعل جزاءه سبه وذمه فإن هذا مستنكر في العقول (...). ونحن نجيب عن هذا بأنه قياس الغائب على الشاهد فلا يجب إذا كان سجية فينا أن يقضى بذلك في (...) بين الله سبحانه، ورد الغائب إلى الشاهد من غير سبب جامع يؤدي إلى هدم قواعد الدين على ما عرف في كتب (...) سلمنا وجوب الرد على الجملة لعرفنا، نحن نرتاح إلى الشكر ونلتذ به وننتفع عند الناس بكوننا منعمين (...) جل ذلك ونحزن (...) ونغتم إذا كفرنا الصنيعة لفقدان هذه الأمور، وتأسفنا على أنا لم نصب بالصنيعة لأمور قد تقدس الله سبحانه عنها، فلا ينتفع بشكر شاكر، ولا يستضر بكفر كافر، والله غني عن العالمين، (...).

стр. 3

سلمناه أيضا فقلنا معلوم عند العقلاء أن ملك الأقاليم السبعة لو لحظ مسكينا بلحظة (...) شكر هذا على هذه الصنيعة ولا يحسن أن يمشي هذا في الأفاق فيمدحه بمثل هذه (...) قدرا من الملك المفروض، وعطاياه وإن اتسعت أحقر من العطية المفروضة (...) ناحية العقل من جهة ما في العقول من تجنب المهالك والمنعم عليه (...) أيضا أن إتعابه نفسه، وهي رق لغيره، والمشكور المالك (...) إذنه. وأما ما عدّوه استدلالا لكونه مخلصا من (...) قصر على السمع لأتى الرسول بمعجزاته فقال (...) لنا إيجاب شيء علينا وأنت لا (تعـ ...) لأنا نقول قصارى ما في هذا عدم (...) يطمع بمن يمنع أن يحب من ناحية (...) استدلوا به قدروه أصلا (...) يجب على الله سبحانه (...) بالضرورة بل (...) (ص ١٣) التكليف (...) فوجوب النظر ممكن حق من تأمله، وفكر عند دعوى الرسل (...) في العالم حتى يعلم (...) خلق هذه الآية فإذا فكر في هذا علم من ناحية العقل، وإذا علمه (...) الرسول، ويتضمن العلم، (بصد ...) نظر الذي أخبر الرسول بأن الله أوجبه. وهذا كما يفتقر عندهم في (ل ...) إلى فكره، وإن كان النظر واجبا، (...) أن يفكروا لأن الفكرة بها عملوا الوجوب العقلي، وهكذا نقول نحن: الوجوب (...)

стр. 4

ناحية السمع ولكننا لا نعرف ذلك إلا بعد فكرة في مقدمات، إذا عرفناها عرفنا صحة الوجوب من ناحية (...) الفكرة بالإطالة، والقصر، أو كثرة الفصلو، أو قلتها لا يوجب المنع من تحقق الوجوب لأنه يمكن العلم به على (...) وإن كان طرق العلم مختلفة، ألا ترى أن المعرفة بالله سبحانه واجبة ولا يصح أن يعرف الله سبحانه إلا بعد معرفة (...) العالم، ولم يمنع كون معرفة الله سبحانه مفتقرة إلى مقدمة قبلها لا تعلم إلا بعد هذه المقدمة من كون المعرفة بالله (...) واجبة. وعلى هذا قلنا إن النظر في حدث العالم، وإثبات الصناع طاعة وليس بقربة، لأن القربة تتضمن (...) إليه والإنسان في حال كونه طالبا لمعرفة الله سبحانه غير عارف به، لكنها مع هذا طاعة، لأن الطاعة (...)، وهذا النظر مأمور به، فوجب أن يكون طاعة. فصل في حكم ما لا حكم له في (...) تقدم من أن الأحكام كلها على اختلاف أنواعها راجعة إلى قول الله سبحانه وهذا (...) وتفاصيله من إثبات مذهبنا في الحسن والقبيح، وقد مضى، وإيجاب شكر المنعم (...) الفعل قبل ورود الشرائع، وبعد ورودها وقد بحث العارفون بها (...) لا على الإطلاق، أنا نقف في هذا الفعل، وحكم هذا الفعل (...) سبحانه فيه في حقنا. وأما المخالفون لنا فإنهم لا يطلقون (...) كشكر النعم والمعرفة بالله سبحانه (والف ...) فيها قبائح محرمات كالكذب (...) والأقسام وهو التصرف فيما لابد

стр. 5

(...) هذه الأقسام قال المخالفون فيها بمذهب (...) وبه قال الأبهري من أصحابنا (... وازيه) إشارة إلى هذا المذهب (...) بنفي الإباحة وذهبت (...) (ص ١٤) (...) على أحد القولين أن المباح حسن، وأما الواجب قد يعبر عنه (...) جهة تحقيق هذه العبارة في الواجب ينظر في الحد (وال ...) به كونه حسنا، وذلك مقصور على الواجب والندب، وما تعلق العقاب (...) في كونه قبيحا وذلك (... م). وأما المباح فلا أراه حسنا في مقتضى مفهومات الشرع، وأما المكروه فظاهر قول الأيمة (...) وحدودهم يشير إلى تطابقهم على كونه قبيحا، وهذا مما لا نستسهله، وبعد من مضمونات الشرع تسميته قبيحا (...) إن قلنا بانطلاق تسميته المكروه على هذا المعنى، وسيرد تحقيق القول في المكروه، فمنه ينكشف (... نا) إليه ولو صح القطع بأن المكروه لا حسن ولا قبيح، والمباح كذلك لكان أحسن حد حد به الحسن أنه ما (...)، وأن القبيح ما تعلق به العقاب، فهذا كشف حقيقة المذاهب كلها في معنى هاتين اللفظتين لكنا ذكرنا (...) على أصلنا فلنذكر تفصيل مدركها على أصل المعتزلة. فاعلم أنهم يرون انقسام هذا المدرك (...) المصلحة فيه غاية الأيضاح فيجعلون هذا القسم معلوما بالعلم الضروري (...) الظلم أو الكذب لغير ضرر أصلا، فهذا النوع عندهم مما يعلم بالضرورة، لأنه (...) ما انحطت رتبته عن هذا الإيضاح حتى احتيج

стр. 6

فيه إلى قياسه على ما علم (...) لفائدته، عرض فيه إشكال حتى احتيج في رفع هذا الإشكال إلى ضرب (...) بلغ العفو وكنه معرفته ولو بحثت وفكرت، وقاست واستنبطت (... ن) أحكام الصلوات والزكاة، وغير ذلك من العبادات، وإنما (ال ...) إلى ما تدعو إليه من فعل ما اتضح للعقل حسنه أو (ير ...) وجاء به الشرع. فإذا لحظت تفسيرها (...) تعلم بعد هذا الرد على من (حا ...) غير معقول فيبطل لأن (...) بالعوائد، فأما الطريقة الأولى (...) حتى يدعو (...) (ص ١٥) (...) هو قبيح مخالف لقتل القصاص الذي هو حسن، ونحن نعلم حسا (... حد) منهما أو أ؛ دهما فصفة نفس كما قد مناه من مذاهبهم (...) أسلفناه من المذاهب الثلاثة عنهم، لا على ما أنكره أبو المعالي من قول (...) الحسن والقبيح من (...) حكيناه عنه، ذلك فيما قبل، وأما المناقضة المذهبية فإنهم يرون (...) يحسن إذا عوضت عن ذلك عوضا فيجب على هذا أن يحسن الكذبة إذا اضطر إليها في تخليص زمرة قد (...) من هلاك حاول ظالم إيقاعه بهم، وقد التزم بعضهم طرد هذا القياس، وتحسين الكذب هاهنا سبيله (...) لهم أخر، لأنهم يرون الكذب من صفات الأفعال فيجب عليه أن يجوز أن يخلق البارئ سبحانه كذبا مفيدا (...).

стр. 7

وأما الوجه الرابع وهو الاستشهاد بالعوائد فإنا نقول قد تقرر إطراد العادة بأن ما علم بالضرورة لا (...) فيه فلو كان البح مما يعلم بالضرورة لم نخالفكم فيه مع كثرة عددنا، وقد أشار أبو المعالي هاهنا إلى (...) فقال: ما علم بالضرورة لا يختلف العقلاء فيه، وما علم بالاستدلال لم تتفق آراء العقلاء فيه على (...) قرائحهم وإفهامهم، وأشار في غير هذا الكتاب إلى جواز تطابق العقلاء (...) القاضي ابن الطيب، وقد انفصلوا عن هذا الاستدلال بأنا نعلم قبح ما قبحوه (وا ...) علم بالسمع، وهو معلوم بالعقل، والفرق بين علم وعلم، طريقة الاستدلال، وإلا (...) أنتم علمتموه بالسمع، وظننتم أنكم علمتموه بالعقل هذا (...) لمكر نفس (...) وهم يأبون ذلك، ونقول لا صفة في الحسن ذاتية، وهم يثبتون ذلك (و ...) بالمألوف المعروف، فيقولون العاذل إذا عذلها (...) المألوف المعروف إيثار الصدق عند سائر العقلاء (...) المشرع، ولا في حق من أنكر الشرائع لا (...) إذا عرف بالكذب (...)، لأن في النفس النفوس (...) الشرائع (مج ...) (ص ١٦) والقائلون بالإباحة يقولون، العوائد تشهد بأن منع الملك الواسع الغني (ال ...) بذلك ونزرا ما (... بقاه) وفيه منفعة للراغب إليه فيه قبيح، فأنت ترى كيف تقابل الفئتان في الاستشهاد بالعوائد، فاعترض بعضهم ببعض حتى يتضح غلط الجميع، ولعل لأجل هذا التعارض في الاستشهاد قال بعضهم أقول بالوقف، لا على معنى وقفنا الذي قلنا، لكن على

стр. 8

معنى أن في العقل حكما لهذا الفعل يجوز إتيان شرع بأن يحظره ويبيحه، وقد استدل أصحاب الإباحة بأن الله خلق الطعوم في الجواهر، وخلقها ليس من اللازم عقلا، فلم يخلقها والحال هذه إلا لينتفع (بها). وهذه إشارة من العقل إلى الإباحة، وهذا باطل، لأنا نمنع خلق الجواهر خالية من الطعوم، وهذا قد عرف مذهبنا ومذهبهم في كتب الكلام، ولو سلمنا هذه المقدمة لم نسلم الأخرى، وهي إثبات الغرض في فعله تعالى، بل يجوز أن يخلق البارئ تعالى شيئا لا لينتفع به أحد، ولا لينظر، ولو سلمنا هذه المقدمة الثانية أيضًا لم نسلم الثالثة وهي كون المنفعة بخلق (...) صح خلقه لمنفعة أخرى غير ذلك من الاعتبار، أو ما في معنى ذلك من المنافع. واعلم أن هذا الباب مقصور (...) حكم العقل في هذه الأمور ما هو، وأما الخوض في حكم السمع في هذه الأمور إذا نظر الفقيه المفتي في تحريم؟ (...) هل يقضي فيه بحكم تحريم لكون ظاهر السمع يقضي بذلك عند عدم التعيين لهذا الحكم أو لا يقضي بالتحريم (...) ولأنه حكم يتطلب من الشرع كسائر الأحكام، وإنما كلامنا فيها لا حكم للشرع فيه، وهذا هو العذر المانع من (...) هاهنا فما خاض فيه بعض الفقهاء من التمسك بقوله تعالى: (يسئلونك ماذا أحل لهم). وهذه إشارة عنده إلى إقرار ما نحن (...) على التحريم عند فقدان وارد التحليل، أو التمسك أيضًا بضد هذا المذهب لأجل قوله سبحانه: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما) الآية (هذا) كله خوض في دلالة سمعية تفتقر إلى استقصاء حكم هذه الظواهر وغيرها مما يطول تتبعه.

стр. 9

فصل في التكليف (...) كيفية، هذا الباب قليل الفائدة للفقيه، وهو باللغوي أشبه لأنه منازعة في (ا ...) من الكلفة والكلفة المشقة، فالتكليف على هذا فعل ما يشق، وقد علم أن أحكام (ال ...) والكراهة والإباحة، فأما الوجوب والتحريم فلم يختلف في كونهما تكليفيين، وهو (مق ...) لأن أعلى (...) وترك إذا استحث على ذلك توعد العقاب، ودعا إليه (... بر) ولم تنبعث النفس إليه بحكم الطبيعة والشوق بل بالإحثاث والسوق وذلك (...) بل أطلقتم القول بأن كل واجب ومحرم تكليفي، لأجل ما صورتموه من المشقة وربما (و ...) ويحرم شرب السم، وقتل النفس، والامتناع من ذلك ليس مما يشق من مقتضى الطبيعة فيجب (ا ...) المحرم تكليفيا لفقد معنى الاشتقاق فيه. وهذا قد يجاب عنه بأن هذه صور نادرة هي (ك ...) من الواجبات التي تشق وقد يقال أيضا فإن النفس تتخوف (ال ...) أن التخوف يوجب المشقة التي اقتضاها الاشتقاق (فا ...) فيه وهذا الضد من قبيل ما يشك فلم ينف التكلف (...) أحكام الأضداد في موضعه إن شاء الله، وأما المند (وب) (...) اختلافا (...) (ص ١٧) أجلا ذلك (مح ... على) النفوس حسن عنده مذهب أبي المعالي، وأما المباح فاتفق الجميع على أنه غير تكليفي، واستخف أبو إسحاق الإسفراييني إطلاق هذا اللفظ عليه، وإلحاقه بالتكليفات (...) أن العلم بكون المباح مباحا ما أمر به الشراع أمرا واجبا في

стр. 10

حق قوم، وندبا حق آخرين، والوجوب والندب (...) التكاليف على ما قدمناه من الاتفاق على الواجب، والاختلاف في الندب، والتحقيق كونه غير تكليفي، لأن الواجب (...) استحث الإنسان عليه من ناحية فعله وتركه فاتضح كونه تكليفا، والمباح لم يستحث الشرع عليه، لا من ناحية فعله، ولا من ناحية تركه فاتضح كونه غير تكليفي، وعرض الإشكال في الندب من جهة اختلاف حكم الفعل والترك، والترك كما بيناه، وأما العلم بأحكام المباح فأمر خارج عن نفس المباح. لكن أبو المعالي غلط في الإنكار على الإسفراييني، وقال: إنه هفا في هذه هفوة ظاهرة، وله هو أيضًا في كتاب البرهان في هذا المعنى هفوة، لأنه قد قدم في أول الكتاب في حد الفقه أنه العلم بأحكام التكاليف، ولا ينكر كون المباحات فقيهات، كيف؟ (...) كتاب المدونة يخلو من تعليم المباحات، هذا أول كتاب الطهارة سئل فيه عن حيتان ملحت فأصيب (ت) (...) أنت فقال لا بأس بأكلها، وهذا لا يحصى ولا يحصر. فإذا سلم كون المباحات فقيهات (...) تكليفية على حسب ما أنكر على الإسرافييني، فقد صار حده في الفقه قاصرا على المباحات، وإذا ثبت (...) ففهيات، وليس تكليفات، وهو قد قال في الفقه العلم بأحكام التكليف فكأنه قصر الفقه على مسائل (...) والحظر والندب والكراهة، ولا ينصرف قوله هاهنا التكليف إلى العلم بكون المباح مباحا، لأنه قد قدم ذكر العلوم (...)، فذكر متعلقه وهو التكليفات، وقد بينا أنها لا تعم المسائل الفقهية. فصل في تكليف ما لا يطاق (...) علم الكلام، وعلم أصول الفقه، فأما المتكلمون فلتعلقها بأحكام القدر (وح ...) تعلقها بأحكام التكاليف، وما يصح الأمر به، وما لا يصح، ويحتاجون إلى

стр. 11

ذلك في مسائل (...) في وضعها من هذا الكتاب إن شاء الله ، واعلم أن المسألة لا تكشف حقيقتها إلا (...) امتناعه إما أن يكون لمعنى (يعو ...) الفعل وهو (استحا ... را) وخلق الأجسام في حق القادرين المخلوقين في حق القادر المأمور بمقطوع اليد (...) كان الامتناع من جهة الفعل وعدم إمكانه، فهي المسألة المرسومة في هذا الباب (...) التعبد بذلك، ورأوا الأمر به، خلافا للقادرية في منعها ذلك. وإلى هذا قال أبو المعالي (...) كان امتناع الفعل لعدم قدرة المأمور في حال الأمر، حتى يكون المراد بنفي القدرة (...) لا (...) الاستقبال فإن التكليف يصح بل لا يكون التكليف عندنا (...) وكون المأمور مكلفًا ما يطيق، وهذا منا، ومنهم، بناء على (...) يتضمن إحالة كون القدرة المحدثة، قدرة على الشيء، (و ...) أن يقوم إلى الصلاة قيامه حال قعوده غير (...) الصلاة (...) القاعد وهو لا يقدر (...) (ص ١٨) في هذا، يبني على ما ذكرناه من الاختلاف في تكليف ما لا يطاق أم لا؟ لكون (الم ...) الأب، ولا يفهم أنه لا يتصور حقيقة الطلب لهما. وكذلك أيضًا اختلفت الرواة عن الأشعري (...) في شرع تكليف ما لا يطاق، فهذا إيراد المذاهب وإيرادها على هذه الجملة من التقسيم يكشف لك حقيقة القول في قدح أبي المعالي في نقل الأئمة لمذهب الأشعري حتى قال: هذا سوء معرفة بمذهب الرجل، لأن التكاليف كلها عند الأشعري لا تطاق، واستشهد على ذلك من مذهبه بفصلين

стр. 12

أحدهما قول الأشعري إن المأمور وهو قاعد بأن الصلاة أمر بفعل لا قدرة له عليه، وما لا قدرة له عليه يستحيل إيقاعه، ولا ينجي من هذا كون المأمور بالقيام إلى الصلاة منهيا عن القعود، لكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، والقعود المنهي عنه تعلق به هذا التكليف في حال هو مقدور للعبد فلم يعر التكليف من تعليقه بمقدوره عليه. واعتذار هؤلاء بهذا العذر غير مقبول لأن المسألة مفروضة في نفس القيام للصلاة المأمور به ولا شك عنه في كونه حين ورود الأمر غير مقدور عليه، وهو القعود المنصوص (...) في الخطاب، فلا يغني عنه تقدير تعلق خطاب آخر من ناحية الضمن، وليس هو المقصود لا سيما إن نازعنا في كون الأمر بالشيء (...) ما تقف عليه في موضعه إن شاء الله . فالذي أوردناه من التقسيم يشير إلى الانفصال عما قاله أبو المعالي (... طوا) على الرجل في نقل مذهبه، لأنه معلوم أنهم أرادوا بقولهم إن الاشعري أجاز تكليف ما لا يطاق أي ما لا يطاق (...) الاستقبال وما يكون إيقاعه من قبيل المحال، ولا شك أنهم لو قيدوا ما أطلقوه بهذا الذي قلناه لم يتعقب (... طعا) أنهم أرادوه، لأنهم هم الناقلون مذهبه في هذا، ومذهبه في أن القيام الذي فرضناه غير مقدور عليه. وأنت تعلم قطعا أن (...) وحسن (...) من نفسه الفرق بين ما يستحيل إيقاعه له ككونه ناطقًا صامتًا في حال واحد، وبين قيامه إلى الصلاة، وهو قاعد فإنه (... ر) من نفسه تأتي القيام منه، وكونه متى شاء أن يفعله فعله، فليس بينه وبين فعله إلا إرادة القيام وترك ما هو فيه من القعود (...) متميز لذلك، والقيام متأت منه، حتى أدى إفراد الحسن بهذا التأتي المعتزلة (أن) اعتقدوا القدرة على القيام (حا ...) الإنسان يحس من نفسه وهو قاعد أن القيام كالفعل الحاصل له، الموجود به.

стр. 13

وأنكرت الأشعرية (... وا) إفراد من الحس كالتهيء، وتأتي الفعل للعلم الضروري بأن الإنسان متى أراد القيام، فعله (...) التقسيم والتنبيه على وجود طرق الفعل بغير تكلف الانفصال بكون القعود متهيئًا (... ارا) عن القدح في نقل الرواة عنه هذا وإن سلم التعقيب في هذه العبارة لأنها (... ت) هذا الجواز لا ينافي القول بأن التكليف لا يكون إلا بذلك الأمر، ناحية المفهوم (ء ...) اللفظة فتفتقر حينئذ لما قدمناه من الاعتذار. وأما الوجه الثاني الذي أشار إليه أبو [المعالي] (...) قال فإنه يعتقد أنها خلق لله سبحانه وإنما العبد مكتسب، فالعبد مطلوب بإيقاع (...) فصل من هذا أن التكاليف كلها لا تطاق عنده. وأما الوجه الثاني الذي أشار إليه أبو [المعالي] (...) قال فإنه يعتقد أنها خلق لله سبحانه وإنما العبد مكتسب، فالعبد مطلوب بإيقاع (...) فصل من هذا أن التكاليف كلها لا تطاق عنده. ورمز هاهنا أبو المعالي إلى مخالفته (... ل) تمويه المموه بذكر الكسب، ولكنه لم يبد حقيقة مذهبه (..) الباب لأن هذا مختص بكتب أصول الديانات، ولعلنا نحن أيضًا (ف ....) ولكن لابد من رمز يستلوح منه، الذكي الطريق التي يسلك (...). وذلك أنه قد علم ما في العالم من الروابط التي (سربد ...) (ص ١٩) ولولا خلقه (...) عما قبله فقد يحصل من هذا أن الآخر يكون عما للتكوين وارتباط الشيء بما قبله منسوب إلى (...) قبل لم يقع بعد، فقد صار ما بعد مضافًا إليه تعالى، فهذه مقدمة لابد من تسليمها. ولابد أيضًا من تسليم مقدمة ثابتة، وهي أن الإنسان المتحرك قاصدًا للحركة قد حصل له أحوال القادرين العالمين المريدين وبهذه المقدمة ينسب الناس الفعل إلى الفاعل

стр. 14

مهما رأوه، وقع مطابقا لإرادته، وبحسب علمه، ومرتبطا بقدرته فيا نست المعتزلة إلى هذه المقدمة وبحكمها دون ما سواها، فتقول: الإنسان مخترع لفعله، ويلتفت الأشعري إليها غير مضرب عما قبلها فيقتضي ذلك توسطا بين مذهب الجبري الذي هو كالمنكر للمقدمة الأخيرة، وما بين مذهب المعتزلي الذي هو كالمنكر للمقدمة الأولى، فجعل الفعل كأنه بين فاعلين من وجهين مختلفين. وقد نبهناك على اختلاف الوجهين بالتنبيه على هاتين المقدمتين، ويرى أن الأولى إضافة اختراع الحركة إلى البارئ سبحانه لأنا إذا فرضنا أن هذه الوسائط كلها لا اختراع للعبد فيها بل هي كائنة بقدرة الله سبحانه، وما ارتبط بها ارتبط بقدرته سبحانه من أفعال الله سبحانه، ثم لم يخل العبد من معنى يستحل به الإضافة على حسب ما نبهناك عليه، وبه حسن التكليف، وتعلق الثواب والعقاب، إذ لو كان هذا (...)، كما أشار إليه أبو المعالي في إلزامه لكان ما تقرر في مصادر الشرع وموارده وعلم من أصوله وقواعده غير (...) من الشرع قصور أوامر ونواهيه على حركات العبد وسكناته، ونطقه وصماته، وأعضائه ولحظاته (...) من تصرفاته دون أن يتعلق الأمر والنهي بألوانه وطعومه وروائحه، وتأليفه، إلى غير ذلك مما لا يقف على اختياره (...) إلا لما بيناه من حقيقة توجه الإضافة إليه على جهة ما قلناه. وإلى هذا المعنى أشار قوله ﷺ وقد خوطب (...) شيء من هذا المعنى إذا؟ "وكل ميسر لما خلق له" ولكن بسط هذا، وكشف حقيقته بالتمثيل وزيادة بيان في مقدماته موقوف (...) أصول الديانات (سد ...) فيها إن شاء الله ، وعلى هذا المعنى يحوم أصحاب الكسب، والمختلفون مع (الق ...) تأثير إثبات حال في المقدور أم لا؟ فهذه فصول لابد من إيرادها لتعلقها بما قدح أبو المعالي في أصل (...) لنكتة فيه أن تعلم أن الجميع متفقون على أن حقيقة الأمر طلب الفعل، فهل يتحقق طلب المستحيل؟

стр. 15

(...) المعتزلة المشترطون كون الأمر مريدًا لوقوع ما أمر به، فلا شك أنه يستحيل عندهم تكليف (...) أمر مستحيل، فلا شك في أنه سبحانه عالم باستحالته، وأنه لا يقع، وقد فرضنا أن من (ا ...) تعالى فإنه لا يقع، وإرادته لأن يقع تناقض، فهذا المعنى يتضح به على أصلهم منع تكليف (...) [وا]ـفقهم في منع التكليف، تكليف ما لا يطاق، يوافقهم على هذا الأصل الفاسد. والذي بنوا المعتزلة (...) تحقق مع علم الطالب أن المطلوب بأمره يستحيل، وتصور جماعة أشياخه أن العلم (با ...) لا وأصولهم أن الثواب والعقاب لا يستحق على الأعمال عقلاً، وإنما الأعمال عليه (كالا ... لم) أن المأمور لا يمكنه الفعل، فالالتفات إلى هذه النكتة هو (...)، وقد يحسن هاهنا الاستدلال بالسمعيات، وقد قال تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) (...) بأن يسأل ربه ألا يحمله إياه، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر (... ك) بها في القطعيات، وقد تكلمنا على هذه الآية وما (...) الوقوع أم لا؟ وقد (ا ...). (ص ١) ألا تراه سبحانه يقول: (فلا تميلوا كل الميل)، فأضاف الميل إلينا، وأشار إلى ما ينبغي لنا (...) [وأشار النبي] ﵇ إلى هذا المعنى لما قال: "اللهم هذه قسمتي فيما أملك" الحديث، وأمثل (...)، وقد أمر أن

стр. 16

يؤمنوا بالنبي ﷺ ويصدقه في كل ما يقول، وكان مما قال أنه كان لا يؤمن به، ولا يصدقه، فصار محصول تكليف أبي لهب أن قال له: صدقني، في أنك لا تصدقني، فهذا تكليف الجمع بين متنافرين متناقضين. وقد أشير إلى الجواب عن هذا إلى طريقتين، أما من قال إن الذي كلفه للناس أولا إظهار الشهادتين، فإن معنى تكليف أبي لهب الإيمان أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذا القول يمكنه إيقاعه قبل أن يخبر بأنه لا يؤمن، وبعد أن أخبر. وأما من يقول ـ وهو الذي قاله الجمهور ـ إن أول ما كلف فيما نحن فيه اعتقاد الإيمان بقلبه. فإنما نجيب عن هذا إنما كلف تصديق النبي ﷺ في كل ما يقول على الجملة قبل أن ينظر في تفصيل أخباره، وعن كل خبر، وهذا التصديق على الإجمال من (...) لتفاصيل الأقوال ممكن. وقد اجتمع في أبي لهب فصلان: علم بالله سبحانه بأنه لا يؤمن، وخبره بذلك، فلهذا كثر استدلال [الجمهور بذلك]. أما من سواه من الكفار كأبي جهل وغيره، وممن علم الله سبحانه أنه لا يؤمن فقد صار إيمانه كالممتنع إيقاعه لأنه لو وقع لخالف علم الله سبحانه، ومخالفة علم الله سبحانه لا تصح، ولكن هذا الامتناع ليس براجع إلى عدم الإمكان [من ناحية العقل] بل إيمان هؤلاء ممكن في نفسه، متأت في علم الله سبحانه، لا يصير الممكن غير ممكن، لأن العلم لا يؤثر في المعلوم [إن تعقل بعلم]، فعلم الله سبحانه وعلمنا لا يؤثر فيه. فإذا ثبت أن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه، فلا يؤثر فيه، وكان إيمان [الكفار] ممكنا بقي على إمكانه، وإن تعلق العلم به، ألا ترى أنهم لا يصير الإيمان في حقهم كالمعجوز عنه، المستحيل إيقاعه لأجل تعلق [علم] الله سبحانه بأنه لا يقع منهم، بل المعلوم أن تأتيه منهم كتأتي غيره من الأفعال التي لا يعلم ما علم الله سبحانه من مآلها، وهذا [مذكور] في كتب أصول الديانات. ونذكر هناك أن كون خلاف المعلوم مقدور، وهو الصحيح من القولين إن شاء

стр. 17

الله، [ويدل قوله] تعالى: (بلى قادرين على أن نسوى بنانه) فوصف نفسه بأنه قادر على ما علم أنه لا يكون، وكذلك قوله: (أو ليس الذي خلق * السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم). فصل يتشعب مما تقدم (...) مانع من فهم الخطاب، وإذا منع من فهم الخطاب منع من توجه التكليف لأن (ال ...) الخطاب، وهذا يقضي الافتقار إلى ميز وقصد، ليحصل بالقصد الامتثال، ويحصل با [القصد] (...) على هذا، هل يصح تكليف الصبي أم لا؟ قيل أما الصغير الذي لا يعقل فتكليفه مبني (...) تقدم القول فيه مبسوطا. وأما اليافع ومن كان من الصبيان قد صح تمييزه وفهمه كالراشد (...) يصح عقلاً لزوال ما قدمناه من المانع للتكليف، وهو عدم فهم الخطاب، وإذا (...) التكليف العام المضاهي لتكليف المحتلم فالإجماع على أنه لم يرد. وأما من (... ع) لم يرد بتكليفهم شيئًا من الأحكام. وذهب قوم من العلماء إلى أنهم كلفوا (...) الزكاة في أموالهم، وغرامة ما أتلفوه، وإذا (ل ...) من يتولى تدبير الصغير، لا على الصغير في نفسه، وأبوه هو (...) [إذا] مات، والإحداد، وقد أشار القاضي إلى كون (ال ...).

стр. 18

فصل: أحكام المكلف (ص ٢) ممكن فيه وهو (... دقه) عادة اطردت والعوائد لا تستبعد، ولا يقال فيها الاحتصاص في مثل هذا بزمن دون زمن، وعدل أيضًا في الرد على (...) قال: لو كان عند اختلافه يطرأ عليه العقل لأحس طريان ذلك عليه، وهذا أيضًا قاطع، لأنا وإن سلمنا أنه لابد أن يحس الحي بطل ما طرأ عليه من الصفات المشترط فيها الحياة، فإن هذه المعارضة (تلد ...) له، فأنت تعلم أنه قد مرت به سنون وهو غير عاقل، ثم عقل فخبرا عن الصبي متى أحس بهجوم العقل عليه قبل بلوغه. وهذا لا سبيل لتحديده وضبطه، وهذه أحوال على التدريج يخفى كثير منها عن الحس على مقتضى الفطرة التي فطر الله الناس عليها في التنمية للأعضاء والعقول، وبسط هذا يخرج إلى علوم أخر، وإن كان لابد من مخالفة القاضي في هذا فأمثل [ما] يعول عليه عندي أن يقال: قد اتفق على أن العقل شرط في حصول العلوم النظرية. ولا يمكن من فقيد العقل أن يستنبط (...) الأمور، ويكشف بالفطرة السديدة عن حقائقها، ونحن نرى كثيرًا من المراهقين نعلمهم دقائق العلوم فيتعلمونها ويأ [خذون] فيها أصولا فيفرعون عليها ويقيون، وقد يستنبطون منها وهذا لا يكون مع فقد العقل، وبين أيدينا الكلام في حقيقة الـ[ـعقل] فهناك يكشف عن حقيقته إن شاء الله. وأما خطاب من لا يعقل وقد كان عاقلا كالسكران والنائم، وكل من [فقد العقل] فالقول فيه على ما تقدم من البناء على تكليف مالا يطاق، وقد قدمنا حقيقة العلة في هذا المعنى بأن قلنا بمنع (...) الجمهور من الحققين على أن السكران والنائم غير مخاطبين بحكم من الأحكام أصلا، ومن الناس من ذهب إلى كونهم مخاطبين (...) بالأحكام، وإن احتج هؤلاء بتوجه قضاء ما فات من صلاة وصيام عليهم، أو غرامة متلف، كان جوابهم أن هذا الخطاب [توجه إليهم] بعد أن تابت عقولهم إليهم فخوطبوا حينئذ بقضاء ما فات من الصلوات حال النوم والسكر، فإذا صرفنا الخطاب إلى حا [لة كونه] عاقلا إما قبل النوم والسكر أو بعدهما وقع الخطاب في حق عاقل، وخطاب العاقل لا يستحيل، وصارت

стр. 19

الأفعال حال الـ[عقل] (... لما) على خطاب هذا العاقل. وتعلق هؤلاء أيضًا بقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) (...) أن الفقيد العقل، وقد أجيب عن هذا بأجوبة منها أن الآية منسوخة بتحريم شرب الخمر، و (هـ ...) إن النسخ إنما يكون بأمر يناقض الأول، وتحريم الخمر، ومنع السكران الصلاة حكمان متباينان وأيضًا (...) لكان السكران قد خوطب في الشرع مدة من الزمان، ثم نسخ فلا يكون هذا الجـ[ـواب] (...) باقي إلى الآن، وقيل أيضًا الآية وردت في السكر من النوم، وهذا إنما ينفع إذا قلنا [إن قوله] تعالى: (حتى تعلموا ما تقولون) يشير إلى أنه غير ثابت الميز، وقيل ايضًا إن المراد بالـ[ـكران] (...) الذي لا ميز له، ونهي هذا عن الصلاة، لأن نشوته ومسرته يمنعان من استيفاء حقوق الله (...) هذا الشراب من الجرأة والتهاون بالعظائم، والإعراض عن النظر في العواقب (...) من يدافعه الأخبثان: الغائط والبول، لكون ذلك قاطعا له عن استيفاء (...) (حتى تعلموا ما تقولون) فجعل غاية النهي العلم، فدل على أن ما قبل الغاية (...) في هذا اللفظ توسع وتجوز، والمراد به علم ملتفت إلى النظر في الـ[عواقب] (...) والمسكنة. وقد أخبرنا أن النشوان لا توجد فيه هذه الصفات، وقد (...) بها الكافرون (...) فيها، وهذا إذا كان معه الميز. ولكن قصد به (ال ...) تعالى الله (...) (ص ٣) لتأتي في النظر الأول

стр. 20

شعبة منه فتشعب من النظر في التحسين والتقبيح (...) وجوب عقلا، وشبه ذلك، والكلام في حكم الفعل قبل ورود الشرائع، وتشعب [منه أيضا] تكليف ما لا يطاق (كتكليف) الصبي والسكران والساهي، وتكليف الكفار بفروع الشريعة، وهذا الفصل في تكليف المكره متشعب (...) في التحسين فاعلم أن المكره على فعل، النظر فيه من وجهين: أحدهما: جواز ورود الشرع بالنهي عن فعل ما أكره على فعله. والثاني: جواز وروده بالأمر بفعل ما اكره على فعله، فأما ورود الشرع بالنهي عما اكره على فعله فمتفق على جوازه (...) وأكره رجلا على قتل مسلم لا يحل قتله، فإن الشرع قد ورد هاهنا بنهي هذا الرجل من قتل ما أكره على قتله والثاني [قد] اختلف فيه الخائضون في هذا الفن، وهو صحة ورود الأمر بفعل ما أكره الإنسان على إيقاعه كنائم استيقظ في ضيق من (...) فأكرهه إنسان على إيقاع الصلاة، فعندنا أن الشرع يصح أن يرد بأمره بالصلاة، وكذلك ورد، كيف؟ ومالك ئة وجماعة من العلماء يرون أن من قال: لا أصلي فيهدد بالقول إذا ضاق الوقت، ويقتل إن لم يصل، وقالت المعتزلة في هذا القسم (...) الشرع يأمر المكره بفعل ما أكره على فعله. ونكته النظر في النظر أنا قدمنا أن الإمكان والتمكين إذا حصلا صح، [فينظر] في حصول هذين الوصفين في هذا المكره، فإن حصلا له صح تكليفه، ولا شك أنهما قد حصلا له، لأن [ما] اكره عليه ممكن إيقاعه، بل زاد في الإمكان طبقة حتى خيل إلى المعتزلة أنه كالفعل الضروري الذي لابد منه (...) المكره أيضًا متمكن من الإيقاع، بل زاد في التمكن طبقة لاضطراره إلى الفعل، فإذا كان المكره عالما بما يفعل مقتدرا (...). وقد وافقتنا المعتزلة على كونه مقتدرا، وأربوا علينا في وصفه بالاقتدار، فقالوا إنه قادر على فعل ما أكره عليه [وعلى] تركه بناء على أصلهم في القدرة المحدثة على الضدين،

стр. 21

فهم أحق منا بصحة تكليف هذا المكره، لأنا نحن لا نراه مقتدرا إلا (...) الواقع، ولا قدرة له على ضده، فقد ثبت كونه قادرا عالما، وكذلك ثبت كونه مريدا قاصدا لإيقاع الفعل، فلا (...) تكليف فعل ممكن لرجل متمكن زمن هذا الوصف الآخر الذي ذكرناه وهو القصد والإرادة شبه على المعتزلة (...) إن لم تفعل كذا قتلناك، فإن الطبع يستحثه على التخلص من القتل، فهو كالمجبول على فعل أكره فيه، [فيكون ذلك على] مقتضى الجبلة والطبيعة، فإذا كان السبب في إيقاعه حفظ الحياة لم يتصور معرته (...) أمر الله سبحانه، فإذا لم يكن سبب إيقاعه قصد التقرب به لم يثبت عليه، لأنه يكون ضد (...) شرط التكلف الإثابة، فهذا معتمد القول في الرد عليهم، ثلاثة طرق: أحدهما المدافعة [والثاني الممانعة] والثالث المناقضة. فأما المدافعة عن أصل المذهب فتتكلم عليها في أصول (...) يستند أبو المعالي على أنه لا يجب على الله سبحانه أن يثيب أو يعاقب أو يكلف أو ر، وهناك علم بطلان ما قالوه في إحالة تكليف المكره. وأما الممانعة في تصور (...) والطبيعي، وهذا باطل، لانا نعلم ضرورة أن من الممكن أن يمتنع المكره من فعل ما أكره عليه، (...) صرامة وبالمراقب (؟) أن يقهر أويضام على رؤوس الناس يتجلد على أنواع العذاب ويظهر (...) لصفة من غلب على مراده، وإذا كان هذا موجودا مشاهدا، صح أن يكون المكره لولا مخافة في إيقاعه ما خوفه الله سبحانه من عقابه لا (...) ألم من أنواع عذابه (...) للطبيعة، لا مطيعا لله سبحانه وقع هذا الذي أريناهم (...) (ص ٤) هذين (الو ...) يوقعها الإنسان.

стр. 22

وقد قسمت الأوائل الأفعال ثلاثة أقسام طبيعيًا محضًا، [كهضم] المعدة للطعام [وإراديا محضا] كرد السلام، ومشتركا بين الطبيعة والإرادة كالسعال وما ذكروه معه، فمن قـ[ـائل] دخلت على المعتزلة الشبهة، ولا يخفى على عاقل فرق بين المشارك والمتمحض، وهذا لا يطلق [عليه] أرباب الأصول أنه مكره على الحركة لما سلب الاختيار فيها جملة، بخلاف المكره على الحركة. وأما المناقضة فإن القاضي أبا بكر [رضي] الله عنه ناقضهم بالمكره على القتل، فإن العلماء قد أجمعوا على أنه منهي عنه مع إكراهه عليه فقد تحقق التكليف [مع] الإكراه، وهاهنا ذكر أبو المعالي أن هذا الإلزام هفا فيه القاضي هفوة عظيمة، وقد جانب هذا الرجل عادته (...) في مصنفاته القديمة من التضاؤل للقاضي، إذا لاح له وجه مخالفة عليه، وطلب جميل المخارج لقوله، فلو سلك (...) الطريقة لم يطلق مثل هذا القول، في مثل هذا الإلزام، كيف والقاضي لم يهف كما تصور، ولكنه نظر إلى المسألة [من جهة] ونظر القاضي إليها من جهة أخرى أما هو فإنه تتبع علة القول فلم يرَ الإلزام لازما لهم، لأنا ذكرنا عنهم، أن الحمل (...) يقتضي إيقاعه طاعة لا لداعي الشرع، فلهذا لم يحسن تكليفه، وأما المأمور بالقتل المهدد بالقتل إن لم يفعل فإ [ن داعي الطبع] وداعي الشرع مختلفان، الطبع يدعوه إلى أن يقتل تخلصا من الهلاك، والشرع ينهاه عن ذلك، ويأمره (بج ...) أشد في المحنة، فالأجر يعظم فيه، فشتان بين صورة تقتضي الزيادة في الأجر، وصورة تقتضي عدم الأجر، وقد (...) بزيادة الأجر في الوضوء عند شدة البرد، ولما كان داعي الشرع فيه ينازعه داعي الطبع، ولا شك أن من نظر [إلى المسألة] على مقتضى أصلهم، عرف أن ما ألزمه القاضي لهم غير لازم. ومن نظر إلى المسألة من جهة تصور المذاهب كما قد (...) على الوجه الثاني عرف أن ما ألزمهم لازم، وذلك أنه ليس إلا أحد أمرين إما أن يقدر أن الإكراه

стр. 23

لا يسلب الفعل حكم (... ار) فيستوي السؤالان، ويصح تكلف المكره قتل من أكره على قتله، ويصح نهيه عن قتل من أكره على قتله، لأنه في (...) أن يقال أن الإكراه يلحق الفعل بالأفعال الطبيعية والأمور الضرورية، فيستوي أيضًا على هذا السؤالان (...) يصح أن يؤمر به، لأنه يؤمر حينئذ بفعل ضروري، وهذا لا يصح عندكم، كما لا يصح أن يؤمر الإنسان بهضم (...) على قتل رجل، فلا يصح أن ينهي عن قتله، كما لا يصح أن ينهي عن الأفعال الضرورية، ولا يصح (...) طعامه. وعجبا لأبي المعالي كيف أطلق في هذا الإلزام ما أطلقه في القاضي وهو (...) الخصم، ولا خلاف بين النظار أن المناقضة تكون على أصل صاحب المذهب وهو (...) أن يتفقا على نقل الكلام إلى صحة مذهب المخالف، وهو قد علم أن القاضي لا يشترط (...) التكليف ولا يمنع تكليف ما لا يطاق، ولا خفاء عن جواز هذا الإلزام لازم (عد ...) اشترطوه في هذا التكليف، أفيحسن أن يطلق مثل هذا القول، ولامناقضة على (...) أن القاضي يضطرهم إلى أن تكون المناقضة صحيحة على أصلهم لأن نكتتهم التي عولوا [عليها] (...) إلى الطبيعة ولا شك أنهم يمنعون تعلق التكليف بالطبيعات الضروريات (فع ...) ويعلم صحة [ما اعتذ] رنا عن القاضي به، وبيناه. وقد اندرج في كلامنا العذر عن أبي المعالي (...) كالأقد، ولكنه أساء في إطلاق ما أطلق على القاضي [وهذا] واضح لمن تدبره.

стр. 24

فصل [خطاب الكفار بالفروع] (...) من كفر نتكلم على هذه المسألة [في] خمسة أوجه: (...) (ص ٥) ما لا يطاق كما تقدم تنبيهنا عليه، فيما قبل، وأما القاضي فاقتضى عنده (...) لعموم أن النظر فيها نظر فيما اشتمل العموم عليه، كنظره في دخول العبيد في عموم الخطاب، و (...) ولا شك (...) إلى جواز الخطاب عقلا، فالرتبة ما رتب أبو المعال، وإن التفت فيها إلى ورود السمع بخطابهم (...) ما رتب القاضي. وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب، فاعلم أن المأمور به، إما أن يكون مرتبا على ما قبله، وإما أن لا ترتيب فيه. فإن كان غير مرتب على ما قبله كأول واجب أمر به المكلف من المعارف، فإن هذا لا يُمترى [فيه] فحصل الخطاب به، ولكن مع هذا فالذي عليه أئمة المسلمين أن الكفار [مأمورون] بعقائد الإيمان، من تصديق الله ورسله. وحكي عن [قوم] من المبتدعة، أن الكفار غير مخاطبين بهذا المعارف، واختلفت طريقة هؤلاء، فمنهم من رأى المعارف ضرورية [فلهذا لم يؤمروا] بها، ومنهم من رآها كسبية، ولكنه منع الخطاب لما يذكر في غير هذا الفن. وزعم الجاحظ أن هذه المعارف [ذات] وجهين: النظر والاستدلال، والطبع، فكأنها عنده مشتركة، ورأى أن من استدل فلم يعرف معذور، لأن الطبع (...) به، وهذه ترهات من المذاهب، والمسلمون على خلافها، وإذا التفت إلى نقضها فذلك يذكر في كتب علم الكلام [أما] سوى هذه المعارف كالعبادات البدنية من صلاة وحج، وغيرهما فاختلف الناس في الخطاب لكافر فأضيفه؟ إلى الشافعي أنه رأى توجه الخطاب إلى الكافر بذلك. وذكر عن أبي حنيفة أنه رأى أن الكافر لا يخاطب بذلك. وأما مالك فلم أعثر له فيها على نص، ولكن ذكر ابن خويز منداد من أصحابنا أن الصحيح عنده أن الكفار غير مخاطبين بذلك [وهو] مقتضى مذهب مالك، واستقرأ هذا من

стр. 25

قوله: أن الكافر لا يلزمه طلاق، ولا عتاق، ولا تقام عليه الحدود، وانفصل عن [ذلك] في السرقة، وإقامة حد الحرابة عليها، بأن ذلك لضرورة صيانة المال، بخلاف غيرها من الحدود التي القصد بها كفارة [لأهلها] فإنها لا تقام على الكافر، لأنه مع كفره لا يخاطب بما يكفر عنه هذا الذنب. وكثيرًا ما يجري في المذاكرات تخريج اضطراب أهل المذهب في مسائل الاختلاف في هذا الأصل، من يخرج اضطراب المذهب (...) المحيض إذا أراد زوجها المسلم وطئها على هذا الأصل، وكذلك يخرج مسألة المسلم المسافر [إذا كانت] زوجته النصرانية طاهرة فأراد وطئها لكونها مفطرة على مقتضى دينها وهو (...) يستبعد استقراء مسائل الأصول من الفروع. ونحن إن خضنا في المعاذير عن هذه المسائل و (لع ...) فيما أمليناه من كتب الفقه، ومن الناس من ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالمنهيات دون بالمأمورات والذين يرون أن الكـ]ـفار مخاطبون فإنه يرون [هم] مخاطبين شرعا، لا عقلا، وأما النفون خطابهم فيخالفون على (قو ...) و [هذه] جملة المذاهب. وأما الوجه الثالث فالنكتة فيه أن الصلاة والصيام مما يمكن أن (...) لكن يأتي اكتسابه فالأمر به سائغ، ولو منع بعضه لمنع كله، لكن المكتسبات تقع (...) بعضها إلى مقدمات مكتسبات لا يخرج الأواخر أن يكون ممكنة متأتية كإمكان الأوائل (...) أن يكتب، والقلم موضوع بين يديه يمكنه تناوله، ولا يفرق أحد من العقلاء بين هذين (...) إلا بأن يقدم فعلا آخر قبلهما وهو حركته إلى القلم، لكن لما كانت حركته إليه (بة ...) وإن كان لا يمكنه إيقاع صلاة متقرب بها إلى الله سبحانه، وهو مصر على كـ[ـفرة] (...) وما ذاك إلا لكون (...) (ص ٦) ثم يقالل [ل] (...) [إذا]

стр. 26

فرضناه مأمورا بهما بشرط أن نقدم الإيمان، صار تاركا واجبا عليه، مع تأتي إيقا [دعه وهوي ما بيناه، فحصلت المعاقبة. نعم لو فرضنا خطاب الكافر بالصلاة ناجزا لفور الخطاب من غير مهلة يوقع فيها الإيمان [كان] هذا خطابا بالمحال، لأن الصلاة إذا أمر أن يتقرب بها إلى الله سبحانه في الحال التي لا يعرف فيها الله، والتقرب يتضمن معرفة الله فإنه كلف الجمع بين العلم والجهل، وهذا لا يمكن، فمن منع تكليف ما لا يطاق منعه، ومن جوزه أجازه، وقد مضى [الكلام] فيه، ويناقض من أحال خطاب الكافر بالصلاة بخطابه بتصديق الرسل، فإن تصديق الرسل قد أمر الكافر به، باتفاق أهل [العلم] المعتمد على قولهم، وقد علم أن تصديق الرسل لا يصح إلا بعد العلم بالله سبحانه الذي أرسلهم، فمن كان لا يعرف الله سبحانه فما خوطب بتصديق رسله، وذلك لا يمكن إلا بعد العلم بالله سبحانه. فإن قيل: لأن التوصل إلى ذلك يمكن بأن يعرف الله سبحانه، وكذلك يمكن الكافر أن يعرف الله سبحانه، فتصح منه الصلاة، وقد نوقض أصحاب هذا المذهب أيضًا بكون المسلم (الم ...) الذي دخل عليه وقت الصلاة مخاطب بالصلاة مع كونه لا تصح الصلاة منه إلا بعد إزالة حدثه. وقد ركب ابن الجبائي (...) المناقضة، وزعم أنه غير مخاطب بالصلاة، ولو بقي سائر دهره محدثا، وقد نسب في هذا الذي ركب إلى خرق الإ [جماع] أوجده أبو المعالي سبيلا إلى العذر، فقال: إن أراد أنه غير مخاطب بفعل الصلاة ناجزا مع بقاء حدثه فذلك صحيح، وإن أراد لا يأثم وإن اتسع الوقت لإيقاع الطهارة، والصلاة، وأنه لا يأثم بترك الصلاة سائر عمره فقد خرق الإجماع. وهذا الذي نقل أبو المعالي عن ابن الجباثي وأراه طول التأويل فيه، قد وقفت عليه لابن خويز منداد من أصحابنا، وذلك أنه صرح بأن المحدث غير مخاطب، ولو دخل الوقت. وأشار إلى إسناد هذا المهذب لمالك ﵁ فقال: إن مالكا يقول: في الحائض إذا رأت الطهر قبيل الغروب، فإنه يعتبر في إدراكها الصلاة، أن يبقى بينها وبين الغروب قدر ما تغسل فيه، وتدرك ركعتين من صلاة العصر، فهذا منه إشارة إلى أن المحدث لا تجب عليه الصلاة إلا بعد تطهره، فأنت ترى هذا المذهب (ال ...) كيف مر عليه ابن

стр. 27

خويز، وأضافه إلى مالك، وقد كان إمامي في الفقه يقول حين التدريس للفقيه (...) الصبي والكافر، يجب أن يكون المذهب على قولين في اعتبار طهارتهم في إدراك الوقت و (ك ...) مجرى واحد، ويرى أن هذه الموانع إذا زالت فإنه يختلف في مراعاة الطهارة في إدراك وقت [الصلاة] (...) المذكور في بعضها في ما لم يذكر فيه خلاف، وإن كان غيره من المتأخرين يشير إلى منع الحد [ث] (...) هذا لا يمكن بسطه هاهنا، وإنما ذكرناه لأنه كان يبني الخلاف في هذه المسائل على النظر (...) وجوب الصلاة أو في صحة أدائها، فقال: من يقول إن الطهارة شرط في وجوب الصلاة يعتبر في (...) طهارة، ومن يقول إنها شرط في صحة الأداء، يعتبر زوال المانع خاصة، لأن الوجوب عنده (...) فاده حسن تصوره إلى الإمام بهذه الحقائق، والإشارة إلى ما اضطرب فيه الأصوليون وإن لم ر. وأما الوجه الرابع فإنا قدمنا لما نقلنا هذه المذاهب أن من قال إن الكفار مخاطبون [بفروع الشريعة] ثم إنما رجعوا في ذلك إلى السمع، إذ معنى قولهم: إن الكافر مخاطب أي سمع في الشرع خطابه به (...) من اختلاف في مأخذ مذهبهم فمنهم من قال علمنا ذلك لإحالة العقل خطابهم (...) علمنا أنهم غير مخاطبين سمعا، فهؤلاء هم متحاكمون إلى السمع مع (القد ...) أنهم غير مخاطبين. وأما الآخر (...) هنا خطاب (...) (ص ٧) ([لم نك]) من المصلين]، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين) (...) الكفار هذه الأمور هي

стр. 28

الموقعة لهم في العذاب، فدل ذلك على أنهم أمروا بالصلاة فلم يفعلوها فعذبوا عليها، ولا معنى عن هذا بقوله: هذا قول الكفار، والكافر لا حجة في قوله، لأن الله سبحانه أخبر بذلك عنهم تحذيرا للمؤمنين أن [يفعلوا] فيما وقعوا فيه من الموبقات، فلو كانت هذه أكاذيب لم يصح التحذير بها، ولا كذبهم البارئ سبحانه في كذبهم، ولا أنكر عليهم، كما أنكر عليهم ما ذكروه عن أنفسهم من هذه الموبقات. وكذلك إن قيل المراد بهذا: لم يكن من المصدقين للصلاة، وذلك يرجع إلى التكذيب بالإيمان لم يصح هذا التأويل، لأن تسمية المصدق بالصلاة مصليا مجاز، والكلام محمول على الحقائق، لا يصرف عنها إلا بدليل، وهكذا طريقة الاستدلال بقوله سبحانه: (ويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة) لأن هذا ذم (...) لا أن الزكاة منعوها بعد أمرهم بها لما نصوا عليها وقد قيل: إن هذا نعت لهن، فلا يستدل به، فيقال: وإن كان نعتا فالقصد [به] الذم، فبقصد الذم استدلالنا لا بمجرد النعتية. وقد ذكر ابن فورك معنى في تخصيص الزكاة دون غيرها من العبادات فقال [إن] الزكاة يحمل على منعها البخل والشح، وكانت العرب تأنف من أن يرمز إليها بالشح والبخل، وترى ذلك من المعرات التي تتقيها، اختصت الزكاة بهذا المعنى الذي يُتقى أن يشار إليها به، خصت، بالذكر دون غيرها من العبادات. وكذلك يستدل أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) فنص في هذه الآية على أن أهل الكتاب أمروا بالصلاة والزكاة، وإن سلكوا في المدافعة عنها (...) ما قدمنا دفعناهم بنحو ما تقدم، وحملنا الكلام على حقائقه، وقد قال تعالى في المنافقين: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) فذمهم على التكاسل عن الصلاة، فلولا أنهم مخاطبون بها ما ذموا عليها. وهذا أيضًا يقول فيه الآخرون هم أظهروا الإسلام، والتزام أحكامه فخوطبوا كما يخاطب أهله، والقصد ذمهم على النفاق، فهذا وجه الاستدلال بالقرآن [ومن ثم] فلا

стр. 29

مطمع للقائلين بخطاب الكفار في التعلق بها، كما تعلقوا بالقرآن. وأما الآخرون الذين [يرون أن الكفار مخاطبون] فيتعلقون منها بما وقع في الأحاديث التي وصى بها النبي ﷺ رسله للناس وقد اشتملـ[ـت] (...) منهم، ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوا فأعلمهم بالصلوات، فإن أجابوا فأعلمهم [بالزكاة] كما وقع، وقد تضمن هذا أنه إنما وجب عليهم الصلاة والزكاة بعد الإجابة إلى الإيمان وقد تكـ[ـلمنا على ذلك في كتا [بنا المعلم بفوائد مسلم، وللآخرين أن يقولوا إنما رتب لهم رتبة التعليم، ولم يقصد رتبة الإيـ[ـجاب] [القا] طع على صحته. وأما طرق الاستدلال فإن من يقول إنهم مخاطبون يستدل بقطعهم في (ل ...) عليها، فلولا كونهم مخاطبين ما أقيم ذلك عليهم، وقد ذكرنا في فيما تقدم ابن خويز عن (...) التفرقة بينه وبين ما سواه من الحدود، وقد استدل من أنكر خطابهم بالإجماع على أنهم لا يقضون [الصلاة فلولا أنها غير واجبة لكانت تقضي، ألا ترى أن الصبي لا يقضي إذا بلغ، وعكسه الناسي إذا ذكر (...) عبادة مستأنفة بأمر متجدد فيتعبد البارئ بما شاء، والحائض لا تصلي، ولا تصوم وتقضي الصلاة (...) بقضاء المرتد أيام ردته وهو كافر، ولا معنى لقولهم كان قبل ارتداده ملتزما للصلاة (...) المفروضات، لا معنى لاعتباره، وإنما يعتبر فيها إلزام الله سبحانه إياها لعباده. وأما المرتد (...) خطاب الكافر فلا وجه [لهذا التفصيل] لأن النهي على الحقيقة أمر، وإن [التروك لا تفتقر إلى تصور بخلاف الفعل] الكلام في الصلاة (...) (ص ٨] على كفره فإ [ن أمر] المتركات بخلاف المفعولات في حكم المقصود (ك ...)

стр. 30

بخلافها في حكم الخطاب، وقد (...) فإنه لا يمكن الخلاف في كون الكافر القاتل للرسل كالكافر الذي لا ذنب له سوى كفره، وما ذاك إلا أن الكفر (...) الرسل، ولو كانوا غير مخاطبين بالمنهيات لاستوى حال هذين الكافرين. وأما الوجه الخامس فإن القاضي لما [ذهب إلى] خطاب الكافر بفروع الشريعة رأى ذلك من مسائل الاجتهاد ومجاري الظنون، وما ذلك إلا لاعتقاده أن ما تعلق به من الآي يقبل [التأويل] وليست بنصوص في المراد بها هاهنا، وإنما هي ظواهر، ولا شك أن التعلق بالظواهر من مسالك الاجتهاد. وأما أبو المعالي فإنه مال إلى عد المسألة قطيعة وسلك مسلكا آخر، غير مسالك القاضي، وكأنه يشير إلى إجماع مستقر أو تعلق بما [هو] من مخايل نقلة الشرع، فيقول: معلوم أن الرسول ﷺ دعا الناس عامة إلى قبول شريعته عامة، والتصديق بكل ما جاء به، واتباعه على ما هو عليه، ولكن فيما جاء به من العبادات ترتيب وتقديم وتأخير يتعلم منه بعد التزام تصديقه في كل ما جاء به، وسلوك ما هو عليه من الصراط المستقيم، والدين القويم، هذا مقتضى خطاب الكفار على الجملة وبالله التوفيق. فصل في تلخيص النقل لمذاهب الناس في العقل اعلم أن هذه المسألة تكلم عليها أصناف من المنتحلين للعلوم، منهم الفلاسفة، والأطباء، والمتكلمون والفقهاء. أما الفلاسفة فهم قوم يزعمون أن المقصود من علمهم البحث على حقائق الموجودات وأسبابها، والعقل من أشرف الموجودات المحدثات. وأما الأطباء فإنهم يرون أن المقصود من علمهم معالجة الأمراض، ومن أشدها مرض العقل، فيفتقرون إلى معرفته على الجملة. وأما المتكلمون فإنهم أهل النظر، والاستدلال، ولا يتم النظر والاستدلال إلا بعد حصول العقل، فيفتقرون في معرفة مقصودهم إلى البحث عما لا قوام له إلا به. وأما الفقهاء فمقصودهم معرفة أحكام التكليف، ومن شرط لزومها العقل، فيفتقرون إلى معرفة ما هو شرط في مقصودهم. فكل واحد من هؤلاء [له] في تفسير العقل ما يليق بصناعته.

стр. 31

فأما الفلاسفة فإن منهم من يقول: إن العقل شيء لطيف يشابك الأشخاص، وتسلسل (...) الفلسفة على هؤلاء تفسير هذا اللطيف، فقالوا: هي جزئيات تنحل من كلي الفلك الأعلى الذي هو العقل (...) ومحركها، ومدبر العالم، وإنما تشابك جزئياته الأشخاص الإنسانية عند كون مزاجها، و [آلا] تها على (...) ما فاض عليها من هذا العلوي، فإذا خرجت من هذا الاعتدال نافرت هذا المشابك، ولم تقبله (...) قوة طبيعية يميز بها حقائق المعلومات. وأما الإسلاميون فجمهورهم يصرف العقل إلى العلوم و (...) [بعض المتكلمين] يرونه غيرها. فمنهم أبو المعالي، فقد صرح في كتابه بكونه خارجا عن العلوم وأضاف [هذا] المذهب إلى المحاسبي، بعد أن كان في أول عمره اشتد إنكاره في تصانيفه على من أضاف هذا (...) المذهب عنه، وذكر أنه أعلى قدرًا وأجل نظرا من أن يقول هذا، وتأول مقاله هذا، أن لو صح نقله عنه [وإذا] أطلق المعرفة فإنما يريد بها معرفة الله سبحانه، فلعله أراد أن العقل ليس هو معرفة الله سبحانه، ولم (...) أراد بالغريزة هاهنا العلوم الضرورية التي جبل الإنسان عليها، وهي غريزة فيه، ونهاية (...) [أرا] ده في إنكار إضافة هذا المذهب لأحد م السنة، ثم وقع فيه الآن. ولكنه في آخر عمره (...) المعتزلة أن العقل هو ما يصرف عن القبيح، ويدعو إلى الحسن، فإن أرادوا بهذا الصارف (...) الطريقة التي سلكها أبو المعالي، وإن أرادوا إنما العلم الذي به يصرف عن القبيح (...) العقل هو ما لا يصح الاستدلال [إلا] به، فإن أرادوا (الع ...) آخر غير العلم و (...).

стр. 32

(ص ٢٠] العقل هو العلم وتابعه على هذا الشيخ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. وقال الجبائي: هو العلم الداعي إلى الحسن، والصارف عن القبيح، وقالت الخوارج هو أن يعقل عن الله سبحانه أمره ونهيه، وقال بعض الناس هو ما يميز خير الخيرين، وشر الشرين. وهل هذه المذاهب متقاربة المرمى؟ أما الأشعري فجرى على تحديد الشيء باسمه الذي هو أوضح من الاسم الذي سئل، عنه وهذا كحد العلم بالمعرفة، وقد تقرر أن أهل اللغة يطلقون هذه العبارة على معنى واحد، فيقولون عقلت هذا الشيء، وعلمته، وعرفته، وفهمته، ودريته، وزكنته، إلى غير ذلك من الألفاظ، فاقتضى هذا أن العقل هو العلم، كما أن العلم هو المعرفة. وأما الجبائي فسلك هذا المسلك، لكنه التفت إلى اشتقاق هذه التسمية، وهي مشتقة من المنع، ألا تراهم يقولون عقل بطنه (... ت)، وعقلت البعير، ويسمون عصبة الإنسان عاقلة لما كانت تمنع، فبمقتضى هذا لا يسمى من العلوم عقلا إلا ما يحصل فيه معنى هذا الاشتقاق، وهي العلوم المانعة، ولهذا لا يسمى علم الله عقلا، إذ هو المتقدس عن المانع، وإنما سميناه حكيما وإن كان في الحكمة معنى العقل، لأن هذه اللفظة مأخوذة من حكمة الدابة، وهي الحديدة التي فيها، اتباعًا للشرع في إطلاق هذه التسمية، وعلى هذا المعنى جرت بقية المذاهب التي ذكرناها، لأن فيها معنى المنع. وأما القاضي فإنه ذكر أن العقل بعض العلوم الضرورية، واختلفت إشارته إلى تعيين هذه العلوم، فقال مرة: هي العلوم الضرورية بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، وأشار مرة إلى التحديد، فقال مرة هو العلم باستحالة اجتماع الضدين، وأن العلوم لا تنفك عن ثبوت أو انتفاء، وأن الموجود لا ينفك عن حدث أو قدم، والعلم بمجاري العادات ككون الجبال لا تسير، والبحار لم تفجر، وأن الخبر لا ينفك أن يكون صدقا أو كذبا. ونازعه أبو المعالي في بعض هذه الوجوه، فقال: الأخرس على الحقيقة من لا كلام بقلبه، ولا لسانه، ولكنه إذا انصاف إليه الضمير لم يعقل معنى الخبر، ومن لا يعقل أصل الشيء لا يعرف أقسامه وأحكامه، وقد جزم القاضي القول في كون هذا غير مكلف، إذا لم يتأت إفهامه بالإشارة، وردوا القول في كونه عاقلا. وأولى من هذا الاعتراض [إنه] قد يستثنى عن أفراد عن القسم بالذكر، لأن قوله: من أركان العقل أن يعلم أن المعلوم لابد أن يكون ثابتا أو منتفيا، لم يرد بهذا تعيين [ذلك] وإنما أراد أن يعلم أن هذا من حكم المعلوم على الجملة، وكون الخبر لا ينفك عن الصدق

стр. 33

أو الكذب يعود إلا (...)، أيضًا قوله في موجب العادات وزعم أن لمن لم يطلع على الأمور التي يستنبط منها العادة كمن خلق فريدا لا يعلم العادات (... بذا) عاقل. والقاضي إنما أشار إلى العلم بما في حق المطلعين على أسبابها، فسقط عنه الاعتراض بهذا الذي (...) لذلك اعترض عليه بأن العلم باستحالة اجتماع الضدين قد أنكره قوم، وجوزوا اجتماعهما، على حسب ما يقوله أهل الكمون والظهور، وقال قوم أيضًا بأن العلم باستحالة اجتماعها نظري، والنظري لا يعد ركنا في العقل، وهذا أيضًا يجب (...) لا يلتفت إلى خلاف من خالف في استحالة اجتماعهما. وأهل الكمون والظهور تخيلوا في الكمون معنى (...) حالة ومن قال إن ذلك علم نظري فإنما قال ذلك لمعنى آخر مبسوط في مواضعه. وقد قال بعض أتباع القاضي: إن العقل (... حد). فرأى العقل هو العلم الحاصل للعالم بأنه عالم، فإن المعلوم لا ينفك عما قلناه، وكذلك الموجود لا ينفك [عن القدم أو الحدوث] (...) إلى هذا التخيل المحافظة على أصول مهددة، وهي كون العاقل حصل على حكم، وحال، وكون الأحوال في مثل (...) ومن شرط العلة أن تكون واحدة في الأحكام العقلية، وهذا إفراط في التخيل في حفظ أصل، إلا (...) لا ي أصل آخر، قد علم أن من علم معلوما فعلة أنه عالم به هو نفسه علمه بذلك المعلوم، ومعلوم أن العلم [لا يخلو] من ثبوت أو نفي غير (...) قدم أو حدث على ما أشار إليه (ما ...) عالم هو (...) يصح له (...) (ص ٢١) الخبر لا ينفك عن الصدق والكذب، فليعد مثل ذلك الجواب هاهنا، ويقال العلم بأن الموجود لا ينفك عن حدث أو قدم، معناه إثبات الأزلية لهذا الموجود أو نفيها عنه فعاد هذا التقسيم داخلا في قولنا من أركان العقل أن يعلم أن المعلوم لا ينفك من ثبوت أو نفي.

стр. 34

وإن لم يسلك هذا المسلك، قلنا: هذا مما لا يقال، انطلاق هذه التسمية التي هي العقل على أعذار أشرنا إليها، ولا يحد أيضًا لأنه لا يلوح معنى تجتمع فيه هذه الأعذار ويتميز به عما سواها. وقد أحسن القاضي في أن صاغ في هذه المسألة لنفسه دليلا، اشتمل على نقض سائر المذاهب على كثرتها سوى مذهبه، وبحث عن الحق بالتقسيم فقال: لا يمكن أن يكون العقل عدما إذ العدم لا تخصيص له بالذوات، فيقتضي كون شخص عاقلا، دون شخص آخ، فثبت كونه موجودا، ولا يصح أن يكون هذا الموجود قديما، إذ لا اختصاص له أيضا بذات دون ذات، ولا يصح أيضًا أن يقوم بالقدم كما تقوم به الصفات، فثبت كونه محدثا، ولا يصح كونه جوهرا لتماثل الجواهر، فليس العقل بأن يكون هو العاقل أولى من أن يكون العاقل هو العقل. وأيضا فإنه لا يصح قيام جوهر بالعاقل كما تقوم به الصفات، فثبت كونه عرضا، فلا يصح أن يكون الأعراض كلها، لأن من لا يتحرك، أو من لا يتكلم فذو عرض وهو عاقل، فصح أنه بعضها، ولا يصح أن يكون هذا البعض خارجا عن العلوم، لاستحالة وصف من لا علم له أصلا بأنه عاقل فصح أنه من العلوم، ولا يصح أن يكون كلها، لأن منها دقائق علوم النظر، والأبله المغفل لا نظريات عنده، وهو مع هذا عاقل، فصح أنه من الضروريات، ولا يكون كلها، لأن الأعمى والأصم فقدا علوما ضرورية، وهما عاقلان فصح أنه بعض العلوم الضرورية، وهذا نهاية ما أنهى إليه القاضي مذهبه على اختلاف عنه في العبارة عنه (قد ... ته). وهذا دليل كما تراه قد بحث عن الحق بالتقسيم المنحصر بين النفي والإثبات، وهو من أجل طرق الاستدلال لكن أثار أبو المعالي في أحد هذه الأقسام منازعه أدته إلى الخلاف في حقيقة العقل كما حكينا مذهبه فيه فقال، العقل صفة (خ ...) العلوم (...)، والانفصال عن ما أبطل به القاضي هذا الوجه أن يجعل العلوم شرطا في وجود العقل الذي هو خلافها فلا (... ها) مع فقدان العقل، كما لا ينكر امتناع وجود العلم مع

стр. 35

فقدان الحياة، وهذا الذي قاله جواب القاضي عنه (...). وهذه المسألة من هذا الطرف، وهو امتناع وجود المشروط دون شرطه، فانظر إليها من الطرف الآخر، وهو صحة وجود الشرط دون مشروطه، فإن كانت العلوم شرطا في هذه الصفة التي هي العقل عندك فلتجز وجود هذه العلوم التي هي شرط مع فقدان العقل، وهذا لا يجوزه عاقل، فإن تعدي هذه المرتبة، وزعم أن هذه الصفة لازمة الوجود للعلم، كملازمة الجوهر للعرض، قيل له هذا يهدم أصلا عظيما، فلتجوز أن يكون القادر إنما كان قادرا للقدرة و (...) لم يقم على إثباتها دليل، وإن كنا نعلم ارتفاع كونه قادرا عند ارتفاع القدرة، وثبوت كونه قادرا عند وجود [القدرة و] العرض المقدر يلازمها في الوجود، ولتجوز مع هذا العرض عرضا آخر هكذا أبدا في القدرة وفي غيرها من الصفات. [واعرض] عليه أبو المعالي في تصحيح مذهبه، وإفساد مذهب القاضي بأن قال: لو كان العقل علما ضرورية لم يكن من انتفت الفكرة عاقلا لكونه ذاهلا عن هذه العلوم الضرورية. فهذا يجيب القاضي عنه بأن هذا في حكم العالمية (...) المؤمنين، وإن كان الإيمان غير خاطر بباله حين غفلته لكونه إذا أشغل نفسه بفكرة أذهلته عن هذه العلوم (...) إذا اختار أحضرها في نفسه في الحال، ففارق حال الطفل الرضيع، والكبير المجنون، فإن محو هذه المعاني (... يا بديها) ولا ردها، مصروف إليها، فليست هذه العلوم في نفوسها حاضرة موجودة بالعقل، ولا موجودة بالفعل، (... سوا) لا اعتراض به في كتب علم الكلام على (...) كان أركان (...) (ص ٢٢) على الجملة. فلنذكر الآن طريقته في البحث عنه على التعيين، فاعلم أن كل علم يشار إلى الخالي منه بأنه ليس بعاقل. وكذلك في عد ذلك العلم ركنا من أركان العقل، لأنه لو لم يكن كذلك لم يوصف العاري منه بكونه غير عاقل، وهذه جملة واضحة مسلمة، لكن أضيف إليها أن

стр. 36

كل علم يوجد بالعاقل، ولكن يشاركه فيه من ليس بعاقل، فإن هذا العلم لا يعد ركنا من أركان العقل، ولهذا لم يعد العلم بوجود اللذة والألم، والعلم بالنفس، والميز بين الكثرة والقلة من أركان العقل، لما كانت البهائم ومن ليس بعاقل من الناس تحصل له هذه العلوم عندي للنظر فيه مجال. وهذا مسلم لو قلنا إن هذه العلوم المشار إليها هي جملة العقل، لأنا لو قلنا ذلك اقتضى ولابد كون هذه العلوم ليست من العقل، لوجدنا إياها فيمن ليس بعاقل، ولا يصح أن توجد العلة مع عدم حكمها، لكنا نقول: العقل جملة علوم، فلا يبعد أن تكون البهائم تحصل على بعض هذه العلوم، ولا تكون عاقلة لفقدانها ما فقدت من بقية العلوم، وهذا واضح لكن قد نقول من انتصر لطريقة القاضي إن جملة العلوم التي يشار إليها بأنها عقل لا يمكن افتراقها حتى يوجد منها بعض ويفقد بعض، فلو كانت هذه التي يتكلم عليها معدودة في العقل لما صح وجودها فيمن ليس بعاقل. وهذا نهاية ما يقال في هذه الطريقة، وهي مفتقرة إلى نظر يدق، ويتشبث بالنظر في قوانين من أحكام العلل، وطريقة القاضي تقتضي أن العقل مما لا يعلل، ولا يحد كما تقدم بيانه. وأما من حكينا عنه أنه حد العقل بأنه ما لا يصح الاستدلال إلا مع وجوده، فإن طريقته أكشف بمعنى العقل من سائر الطرق التي ذكرنا، لولا ما تعقب عليه من أن النظر ما يفتقر أن يبني على علوم ضرورية ليست من العقل، وهذا التعقب لازم إن أراد من حكينا حده الإشارة إلى كل نظر. وأما طريقة الجبائي ومن ذكرنا أنه يسلك مسلكه فإنما يرد بالدليل الذي حكينا عن القاضي، وذكرنا أنه اشتمل على نقض سائر المذاهب، وهذا المذهب من جملتها، ويختص برد آخر، وهو ما قدمناه، من إسناد التحسين والتقبيح إلى السمع، ولا أحد يقول إن مدارك السمع تعد ركنا من أركان العقل. وقد حكينا سلوكه هذا المسلك، وتقييده العقل بالميز بين خير الخيرين، وشر الشرين، فإنما دعاه لذلك اعتقاده أن البهائم تميز بين خير وشر، فتنفر عن ذابحها، وتحن لعالفها، لكنها مع هذا يقصر ميزها عن ترجيح بين خير وخير، وشر وشر، وهذه الحدود كلها مطلوبة، والطريقة (الحد ...) أن الإنسان يميز ما بينه وبين الجماد، فيحد الجماد [بأنه ما] لا حس له ولا إدراك، ولا حياة، ثم يرقى عن هذه الطبقة فيميز بينه وبين البهائم، وإن كانت حساسة دراكة، فإنه باينها بمعارف، وميز، وفكرة يستنبط بها حقيقة ما يفكر فيه، ثم يفرق بينه وبين الطفل الرضيع (...)، فيجد أحدهما قد كان قابلا بما اختص به

стр. 37

العاقل، ولكنه عري عن هذا بعد انصافه به، ويمكن في العقل (...) الاتصاف به، ويد الطفل الرضيع لم يوصف بذلك، ولكنه جار إلى أن يوصف به إن عاش إلى الحلم، وسلم من الآفات (...) وليس كل عاقل في نفسه فرق ما بين بعضها وبعض، لكن جمهور العقلاء لا يحسنون العبارة عن هذه الفروق (...) وهم [كل] بحسب مقتضى صناعته، فيقول الطبيب: قد علمت أن الجسم له أفعال طبيعية واختيارية، وأفعال آلية، وغير (...). على هذه الطريقة في البحث على ما يعرفه أهل هذه الصناعة مما لا يمكننا إيراده هاهنا، فيخرجه ذلك إلى أن العقل قوة طبيعية، كما يخرجه البحث إلى إثبات أربع قوى في الطعام، جاذبة، وممسكة، وهاضمة، دافعة، ويقول القوة الطبيعية هاهنا فقدت أصلا من البهائم، وفقد أيضًا من البهائم المزاج القابل لها، وفسد في الكبير والمجنون، المزاج القابل لها (...) الاعتدال المناسب لها فقد العقل، ويطمع الطبيب بأن يصلح مزاج هذا حتى يعيده إلى ما كان عليه، فيعقل (... عية) عندما عاد (...) الطفل الرضيع لم يكتمل فيه هذا المزاج، ثم فسد فأطمع (...) هذا المزاج (...) قليلا كما للكامل (أع ...) لعقل (ص ٢٣) هيولاني وعقل بالفعل، وعقل بالقوة إلى غير ذلك من تخاليطهم. ونحن نسلم على الجملة بأن العقل لا يكون مع فقدان سائر العلوم أصلا، وأنه حاصل مع وجود جميعها، ونعلم أن العلوم المشار إليها هاهنا في الممكن أن يخلقها الله سبحانه في جوهر غير منضم إلى شيء آخر، ولا مفتقر إلى شيء آخر، لكن قد علم أن هذه العلوم إنما تكون في بنية مخصوصة، ومزاج معلوم، واعتدال ما، وهذه الأمور المفتقر إليه عادة عندنا، وعقلا عند غيرنا، ومن خلق الله سبحانه عندنا، ويمكن أن يكون لها أفراد أخر،

стр. 38

وكم في العالم من شيء مربوط بغيره إلى أعداد كبيرة. لكن هاهنا يختلف المسلمون ومن سواهم، فالمسلمون يقولون: الجميع خلق الله سبحانه، والمحققون من المسلمين [يرون] هذه الارتباطات عادات، سنة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وغيرهم من المخلطين، يخطبون في الظلمات، ويظنون أنهم يبصرون وهم في عمى. فيقول بعضهم بالطبيعة، وبعضهم بالتولد، وبعضهم يربط شيئا بشيء، ويجعل واحدًا كائنًا عن واحد، حتى ينتهي إلى الفلك الأعلى فتفيض منه قوة على كل شيء فيأخذ كل شيء منها بقدر ما يقبل مزاجه المناسب لذلك الفيض، كالشمس نوره يسطع إذا أشرق على الأرض الكثيفة الصقيلة التي لا حائل بينها وبينه، ويفيض إشراقها على ما ليس بكثيف، ولا صقيل، وبينه وبينها حائل من غمام ونحوه، فيكون الإشراق بخلاف الأول، وما ذاك إلا لأن القابل من الشمس هاهنا خلاف القابل الآخر، وإلا فنور الشمس على حال واحدة، وكذلك الإنسان خلق في قلبه أو دماغه مزاجا ونورا، يقبل من هذا النور الأعلى بمقدار ما تحمله هذه الغريزة، والفطرة المخلوقة في الإنسان فهي مفقودة في البهيمة وموجودة بالكبير المجنون، ولكن حال بينها وبين القبول حائل كما يحول السحاب بين الجبل والشمس، فلا يلوح عليه إشراق الشمس، وقد يلوح عليه ضعيفا، بقدر السحاب. ولهذا اختلف أحوال العقل والعاقلين، فواحد فيه مبدأ هذه الغريزة، ولكنها لم تكمل كالطفل، وآخر بخلاف. فإلى هذا المعنى يرمز أبو المعالي، وهو مبلغ علمه، الذي أشار إليه على الجملة، لكن مسلكه فيه، غير مسلك أهل الإلحاد والتعطيل، وهو يعتقد أن الكل خلق الله سبحانه، وأنه قادر على خلق كل واحد من هذه الأمور، والروابط، من غير استناد إلى مخلوق آخر، ولا يعتقد أيضًا أن العلوم أنوار، ولا أن المحدث يفعل في غيره، ولا أن الفلك يخلق أو يؤثر، لكنه يرى افتقار (ال ...) معان أخر، إذا كملت في الإنسان كان عاقلا، وبكمالها وانتفاء الآفات عنها تكون كثرة علومه، ومعارفه، لكنه يبسط طريقته على أسلوب آخر، من أحاط علما بما قلناه جملة وتفصيلا تفطن لطريقته التي أشار إليها. وإنما بسطنا القول في هذا قليلا لما رمز إليه أبو المعالي، لئلا يسبق إلى ظن الهجوم المجترئ سوء الظن بأبي المعالي، وبنسبه إلى الميل إلى مسلك لا يسلكه المحققون من المسلمين.

стр. 39

فصل في الرد على السوفسطائية الكلام فيه من ثلاثة أوجه: - معنى التسمية. - ونقل صورة المذهب. - والرد عليه. أما معنى التسمية فقد غـ[ـفل عنه بعض] المصنفين فزعم أنهم نسبوا إلى رجل يسمى سوفسطان، وليس كما قال، وإنما معنى هذه التسمية التي هي سوفسطا، أي حكمة مموهة، هذا تفسير هذه اللفظة باليونانية، وقد ألف فيها اليونانيون جزءا عدوه أحد أجزاء علم المنطق و [كذلك لفظه] فيلسوف، ومعنى هذه التسمية باليونانية: محب حكمة، فكأنهم قدروا أن من ينكر العلوم، ويحتج إلى إنكارها ينتقل (...) عن مذاهبهم، ويغلط مريض الفم في طعم ما يذوق، ومريض البصر في رؤية ما يدرك، كصاحب اليرقان، فكأن هذا تمويه، [في العلم] أو المعارف. وأما الوجه الثاني وهو نقل مذاهبهم، فإنهم على أربع مقالات منهم من غلا في ثبوت العلم، [وزعم أن العلم] والجهل سيان فمعتقد حدث العالم كمعتقد قدمه وكلاهما عالم، ومنهم من غلا على المناقضة لهذا فقال لا (...) من تشكك، هل ثم، علم أم لا، ومنهم من أثبت العلم، ومنع من التوصل (...) ومن تنقل أصحاب (المم ...). الوجه الثالث فالمذهب (...) رأت لأن نهاية (...) ضرورة لا (...) الحيلة (...) (ص ٢٤) يرجى مداواة هؤلاء كما يتحيل الطبيب إذا أعياه على

стр. 40

القياس، فأمر بعضهم بصفع رجل منهم، فلما عتب على ذلك، وفر، قيل له، ولعلنا قبلنا رأسك، وأدنى إلى رجل منهم رائحة خبيثة، فلما نافرها، قيل له لعلنا أشممناك المسك، وأتى بعضهم إلى بعض الأئمة مكابرا له في مذهبه، فأمر من غير الدابة التي أتاه عليها) فلما خرج عنه وطلبها، وشكا فقدها، قيل له لعلك جئت راجلا، فلم ترد عليه حتى توب عن مذهبه، ومن أبدى هذا المذهب قوم يبطن خلافه، ولهذا إنما يتفق عليه الجماعات عن تواطؤ أو أسباب دعت إلى ذلك. وقد ذكر أبو المعالي طريقة في الرد تختص ببعضهم، وهم من نفي العلوم أصلا، فإن نفى ما علم على زعمه، فقد أثبت ما نفاه، وما قدمناه يغني عن هذا الرد، ويشتمل على إنكار مذاهب الجميع. فصل في حد العلم اعلم أن المقدم على ذكر حده، كيفية استخراج حده، وقد تقرر أن الحس والإدراك يؤدي إلى العقل صور المحسوسات مميزا بعضها من بعض، والإدراك والحس يتعلق بالجزئيات، فيرى البصر إنسانا ثم إنسانا، هكذا إلى ما لا ينحصر، ويطلع العقل على العدد الكثير، فيتصور منه كليا جامعا لحقيقة تلك الآحاد التي أدركها البصر واحد فواحدا، فذلك المعنى هو مطلوب العقل، والعبارات عنه مطلوب الحاد. وكذلك العمل فيما لا يشاهد فإن الإنسان إذا حصل علما بمعلوم أحس في نفسه بالاعتقاد الذي حصل ثم لا يزال يحصل علما حتى يطلع العقل أيضا على معنى وحقيقة اجتمعت فيها تلك الأعداد وتميزت بها عن غيرها من الأجناس، وهذا المعنى أيضًا مطلوب الحاد أن يعبر عنه. فإن وجد في اللغة التي يخاطب بها السائل عنه لفظا وجيزا لا احتمال فيه، وهو مطابق لذلك المعنى الكلي، الذي حصل في الذهن، مطابقة لا تقصير فيها ولا زيادة، فذلك هو الحد المطلوب، وإن وجد عبارة عنه يحصل منها ذلك المعنى المطلوب ولكنها ببسط وبيان، أو تركيب وتجوز إلى غير ذلك مما يستعمل في الشرح والتبيين كان ذلك تفسيرا ورسما. وإن لم يجد عبارة أصلا فذلك لا يحد، ولا يفسر، لكن يحال فيه على ما تقرر في
следующие страницы →