Полный текст (479 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
كل علم يوجد بالعاقل، ولكن يشاركه فيه من ليس بعاقل، فإن هذا العلم لا يعد ركنا من أركان العقل، ولهذا لم يعد العلم بوجود اللذة والألم، والعلم بالنفس، والميز بين الكثرة والقلة من أركان العقل، لما كانت البهائم ومن ليس بعاقل من الناس تحصل له هذه العلوم عندي للنظر فيه مجال.
وهذا مسلم لو قلنا إن هذه العلوم المشار إليها هي جملة العقل، لأنا لو قلنا ذلك اقتضى ولابد كون هذه العلوم ليست من العقل، لوجدنا إياها فيمن ليس بعاقل، ولا يصح أن توجد العلة مع عدم حكمها، لكنا نقول: العقل جملة علوم، فلا يبعد أن تكون البهائم تحصل على بعض هذه العلوم، ولا تكون عاقلة لفقدانها ما فقدت من بقية العلوم، وهذا واضح لكن قد نقول من انتصر لطريقة القاضي إن جملة العلوم التي يشار إليها بأنها عقل لا يمكن افتراقها حتى يوجد منها بعض ويفقد بعض، فلو كانت هذه التي يتكلم عليها معدودة في العقل لما صح وجودها فيمن ليس بعاقل. وهذا نهاية ما يقال في هذه الطريقة، وهي مفتقرة إلى نظر يدق، ويتشبث بالنظر في قوانين من أحكام العلل، وطريقة القاضي تقتضي أن العقل مما لا يعلل، ولا يحد كما تقدم بيانه.
وأما من حكينا عنه أنه حد العقل بأنه ما لا يصح الاستدلال إلا مع وجوده، فإن طريقته أكشف بمعنى العقل من سائر الطرق التي ذكرنا، لولا ما تعقب عليه من أن النظر ما يفتقر أن يبني على علوم ضرورية ليست من العقل، وهذا التعقب لازم إن أراد من حكينا حده الإشارة إلى كل نظر.
وأما طريقة الجبائي ومن ذكرنا أنه يسلك مسلكه فإنما يرد بالدليل الذي حكينا عن القاضي، وذكرنا أنه اشتمل على نقض سائر المذاهب، وهذا المذهب من جملتها، ويختص برد آخر، وهو ما قدمناه، من إسناد التحسين والتقبيح إلى السمع، ولا أحد يقول إن مدارك السمع تعد ركنا من أركان العقل.
وقد حكينا سلوكه هذا المسلك، وتقييده العقل بالميز بين خير الخيرين، وشر الشرين، فإنما دعاه لذلك اعتقاده أن البهائم تميز بين خير وشر، فتنفر عن ذابحها، وتحن لعالفها، لكنها مع هذا يقصر ميزها عن ترجيح بين خير وخير، وشر وشر، وهذه الحدود كلها مطلوبة، والطريقة (الحد ...) أن الإنسان يميز ما بينه وبين الجماد، فيحد الجماد [بأنه ما] لا حس له ولا إدراك، ولا حياة، ثم يرقى عن هذه الطبقة فيميز بينه وبين البهائم، وإن كانت حساسة دراكة، فإنه باينها بمعارف، وميز، وفكرة يستنبط بها حقيقة ما يفكر فيه، ثم يفرق بينه وبين الطفل الرضيع (...)، فيجد أحدهما قد كان قابلا بما اختص به
стр. 37
العاقل، ولكنه عري عن هذا بعد انصافه به، ويمكن في العقل (...) الاتصاف به، ويد الطفل الرضيع لم يوصف بذلك، ولكنه جار إلى أن يوصف به إن عاش إلى الحلم، وسلم من الآفات (...) وليس كل عاقل في نفسه فرق ما بين بعضها وبعض، لكن جمهور العقلاء لا يحسنون العبارة عن هذه الفروق (...) وهم [كل] بحسب مقتضى صناعته، فيقول الطبيب: قد علمت أن الجسم له أفعال طبيعية واختيارية، وأفعال آلية، وغير (...).
على هذه الطريقة في البحث على ما يعرفه أهل هذه الصناعة مما لا يمكننا إيراده هاهنا، فيخرجه ذلك إلى أن العقل قوة طبيعية، كما يخرجه البحث إلى إثبات أربع قوى في الطعام، جاذبة، وممسكة، وهاضمة، دافعة، ويقول القوة الطبيعية هاهنا فقدت أصلا من البهائم، وفقد أيضًا من البهائم المزاج القابل لها، وفسد في الكبير والمجنون، المزاج القابل لها (...) الاعتدال المناسب لها فقد العقل، ويطمع الطبيب بأن يصلح مزاج هذا حتى يعيده إلى ما كان عليه، فيعقل (... عية) عندما عاد (...) الطفل الرضيع لم يكتمل فيه هذا المزاج، ثم فسد فأطمع (...) هذا المزاج (...) قليلا كما للكامل (أع ...) لعقل (ص ٢٣) هيولاني وعقل بالفعل، وعقل بالقوة إلى غير ذلك من تخاليطهم.
ونحن نسلم على الجملة بأن العقل لا يكون مع فقدان سائر العلوم أصلا، وأنه حاصل مع وجود جميعها، ونعلم أن العلوم المشار إليها هاهنا في الممكن أن يخلقها الله سبحانه في جوهر غير منضم إلى شيء آخر، ولا مفتقر إلى شيء آخر، لكن قد علم أن هذه العلوم إنما تكون في بنية مخصوصة، ومزاج معلوم، واعتدال ما، وهذه الأمور المفتقر إليه عادة عندنا، وعقلا عند غيرنا، ومن خلق الله سبحانه عندنا، ويمكن أن يكون لها أفراد أخر،
стр. 38
وكم في العالم من شيء مربوط بغيره إلى أعداد كبيرة.
لكن هاهنا يختلف المسلمون ومن سواهم، فالمسلمون يقولون: الجميع خلق الله سبحانه، والمحققون من المسلمين [يرون] هذه الارتباطات عادات، سنة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وغيرهم من المخلطين، يخطبون في الظلمات، ويظنون أنهم يبصرون وهم في عمى.
فيقول بعضهم بالطبيعة، وبعضهم بالتولد، وبعضهم يربط شيئا بشيء، ويجعل واحدًا كائنًا عن واحد، حتى ينتهي إلى الفلك الأعلى فتفيض منه قوة على كل شيء فيأخذ كل شيء منها بقدر ما يقبل مزاجه المناسب لذلك الفيض، كالشمس نوره يسطع إذا أشرق على الأرض الكثيفة الصقيلة التي لا حائل بينها وبينه، ويفيض إشراقها على ما ليس بكثيف، ولا صقيل، وبينه وبينها حائل من غمام ونحوه، فيكون الإشراق بخلاف الأول، وما ذاك إلا لأن القابل من الشمس هاهنا خلاف القابل الآخر، وإلا فنور الشمس على حال واحدة، وكذلك الإنسان خلق في قلبه أو دماغه مزاجا ونورا، يقبل من هذا النور الأعلى بمقدار ما تحمله هذه الغريزة، والفطرة المخلوقة في الإنسان فهي مفقودة في البهيمة وموجودة بالكبير المجنون، ولكن حال بينها وبين القبول حائل كما يحول السحاب بين الجبل والشمس، فلا يلوح عليه إشراق الشمس، وقد يلوح عليه ضعيفا، بقدر السحاب. ولهذا اختلف أحوال العقل والعاقلين، فواحد فيه مبدأ هذه الغريزة، ولكنها لم تكمل كالطفل، وآخر بخلاف.
فإلى هذا المعنى يرمز أبو المعالي، وهو مبلغ علمه، الذي أشار إليه على الجملة، لكن مسلكه فيه، غير مسلك أهل الإلحاد والتعطيل، وهو يعتقد أن الكل خلق الله سبحانه، وأنه قادر على خلق كل واحد من هذه الأمور، والروابط، من غير استناد إلى مخلوق آخر، ولا يعتقد أيضًا أن العلوم أنوار، ولا أن المحدث يفعل في غيره، ولا أن الفلك يخلق أو يؤثر، لكنه يرى افتقار (ال ...) معان أخر، إذا كملت في الإنسان كان عاقلا، وبكمالها وانتفاء الآفات عنها تكون كثرة علومه، ومعارفه، لكنه يبسط طريقته على أسلوب آخر، من أحاط علما بما قلناه جملة وتفصيلا تفطن لطريقته التي أشار إليها.
وإنما بسطنا القول في هذا قليلا لما رمز إليه أبو المعالي، لئلا يسبق إلى ظن الهجوم المجترئ سوء الظن بأبي المعالي، وبنسبه إلى الميل إلى مسلك لا يسلكه المحققون من المسلمين.
стр. 39
فصل في الرد على السوفسطائية
الكلام فيه من ثلاثة أوجه:
- معنى التسمية.
- ونقل صورة المذهب.
- والرد عليه.
أما معنى التسمية فقد غـ[ـفل عنه بعض] المصنفين فزعم أنهم نسبوا إلى رجل يسمى سوفسطان، وليس كما قال، وإنما معنى هذه التسمية التي هي سوفسطا، أي حكمة مموهة، هذا تفسير هذه اللفظة باليونانية، وقد ألف فيها اليونانيون جزءا عدوه أحد أجزاء علم المنطق و [كذلك لفظه] فيلسوف، ومعنى هذه التسمية باليونانية: محب حكمة، فكأنهم قدروا أن من ينكر العلوم، ويحتج إلى إنكارها ينتقل (...) عن مذاهبهم، ويغلط مريض الفم في طعم ما يذوق، ومريض البصر في رؤية ما يدرك، كصاحب اليرقان، فكأن هذا تمويه، [في العلم] أو المعارف.
وأما الوجه الثاني وهو نقل مذاهبهم، فإنهم على أربع مقالات منهم من غلا في ثبوت العلم، [وزعم أن العلم] والجهل سيان فمعتقد حدث العالم كمعتقد قدمه وكلاهما عالم، ومنهم من غلا على المناقضة لهذا فقال لا (...) من تشكك، هل ثم، علم أم لا، ومنهم من أثبت العلم، ومنع من التوصل (...) ومن تنقل أصحاب (المم ...).
الوجه الثالث فالمذهب (...) رأت لأن نهاية (...) ضرورة لا (...) الحيلة (...) (ص ٢٤) يرجى مداواة هؤلاء كما يتحيل الطبيب إذا أعياه على
стр. 40
القياس، فأمر بعضهم بصفع رجل منهم، فلما عتب على ذلك، وفر، قيل له، ولعلنا قبلنا رأسك، وأدنى إلى رجل منهم رائحة خبيثة، فلما نافرها، قيل له لعلنا أشممناك المسك، وأتى بعضهم إلى بعض الأئمة مكابرا له في مذهبه، فأمر من غير الدابة التي أتاه عليها) فلما خرج عنه وطلبها، وشكا فقدها، قيل له لعلك جئت راجلا، فلم ترد عليه حتى توب عن مذهبه، ومن أبدى هذا المذهب قوم يبطن خلافه، ولهذا إنما يتفق عليه الجماعات عن تواطؤ أو أسباب دعت إلى ذلك.
وقد ذكر أبو المعالي طريقة في الرد تختص ببعضهم، وهم من نفي العلوم أصلا، فإن نفى ما علم على زعمه، فقد أثبت ما نفاه، وما قدمناه يغني عن هذا الرد، ويشتمل على إنكار مذاهب الجميع.
فصل في حد العلم
اعلم أن المقدم على ذكر حده، كيفية استخراج حده، وقد تقرر أن الحس والإدراك يؤدي إلى العقل صور المحسوسات مميزا بعضها من بعض، والإدراك والحس يتعلق بالجزئيات، فيرى البصر إنسانا ثم إنسانا، هكذا إلى ما لا ينحصر، ويطلع العقل على العدد الكثير، فيتصور منه كليا جامعا لحقيقة تلك الآحاد التي أدركها البصر واحد فواحدا، فذلك المعنى هو مطلوب العقل، والعبارات عنه مطلوب الحاد.
وكذلك العمل فيما لا يشاهد فإن الإنسان إذا حصل علما بمعلوم أحس في نفسه بالاعتقاد الذي حصل ثم لا يزال يحصل علما حتى يطلع العقل أيضا على معنى وحقيقة اجتمعت فيها تلك الأعداد وتميزت بها عن غيرها من الأجناس، وهذا المعنى أيضًا مطلوب الحاد أن يعبر عنه.
فإن وجد في اللغة التي يخاطب بها السائل عنه لفظا وجيزا لا احتمال فيه، وهو مطابق لذلك المعنى الكلي، الذي حصل في الذهن، مطابقة لا تقصير فيها ولا زيادة، فذلك هو الحد المطلوب، وإن وجد عبارة عنه يحصل منها ذلك المعنى المطلوب ولكنها ببسط وبيان، أو تركيب وتجوز إلى غير ذلك مما يستعمل في الشرح والتبيين كان ذلك تفسيرا ورسما.
وإن لم يجد عبارة أصلا فذلك لا يحد، ولا يفسر، لكن يحال فيه على ما تقرر في
стр. 41
النفوس على الجملة، وهكذا يستخرج حد الجنس، بأن يقال ما حد الحيوان؟ فيقول: الحي الجساس، لأن العقل أدركه بهذا المعنى، ثم تجد العقل يرى الإنسان من جملة الحيوان فيجده مخالفا للبهائم، فيطلب التفرقة بينه وبينها، فيعبر عن هذه التفرقة فيقول: حده كذا وكذا، على حسب الاختلاف فيه، بين الفلاسفة والمتكلمين، فيكون قد حد [هـ] من هذا الجنس.
ومثال ما لا نجد عبارة مطابقة للمعنى الذي أشار إليه على شرائط الحدود، ولكن نجد عبارة في تفسير وبيان، العلم لا يقطع على أنه قد أحس العقل فرقا بين العلوم وغيرها من الصفات، لكونه تصورا ما، وغيره بخلاف، كما أن التصور أيضا يكون فيه تردد فيكون شكا، كالتردد هل زيد في داره قائم أو قاعد، ويكون في هذا التردد تغليبا، فيكون ظنا، كتغليب الخاطر للامطر في شدة القيظ (...) لا تردد فيه أصلا، فينقسم إلى التصميم المصيب، والمخطئ كاعتقاد المسلم أن الله واحد، وتصميمه على ذلك، واعتقاد [الكافر] إلهين وتصميمه على ذلك، وفرق ما بين التصميمين، إصابة المسلم، وخطأ الكافر، ثم المصيب في التصميم تكون إصابته (...) وبصيرة، وبرد يقين، واستدلال صحيح، عن تقليد واتباع للآباء أو غيرهم، ففي مثل هذا يغمض الفرق بين العلم والتقليد مع (... ين)، وبينهما ثلاثة فروق يحسها الإنسان من نفسه:
- أحدها: أن المقلد تطمع نفسه، ويتشوق خاطره إلى البحث (... يه) وزيادة الوضوح، فيما هو عليه، والعالم العلم اليقين لا يجد من نفسه ذلك، لأن العلم غاية الانجلاء والوضوح فلا مطلب (...).
- والثاني: أن المقلد يجد نفسه متكلفة لربط خاطره بهذا المعتقد، وكالمنقلبة إلى نقيضه، وبهذا يسمى اعتقادا (...) من هذا الربط، والعقد للنفس، والعالم عن بصيرة وثلج قلب، لا يجد تكلفا لما في خاطره بما تصوره بل هو (كاد ...) عليه من الانشراح، لهذا المعنى والانبساط إليه، حتى كأن النفس تجدد به، وإلى هذه الأشياء
стр. 42
(...) سلام فهو على (...) ([من يرد الله أن] يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) (... كة) عن الاعتقاد (...) (ص ٢٥) وربط الخاطر.
ثم فرق ما بينه وبين الشك والظن: التردد فحصل معناه ربط الخاطر بأمر من غير تردد، ثم فرق ما بينه وبين الجهل ما قدمناه من الإصابة، والخطأ فتزيد في الفروق أن تقول على جهة الصواب، ثم فرق بينه وبين العقد التقليدي المصيب ترك الإصغاء إلى من حاول التمويه عليه بأن يشك، وأن لا يتشوف إلى مزيد بحث وبيان، وأن تنشرح النفس انشراحا لا يجد بعده تكلف ربط النفس، فتزيد هذه الفروق أو أحدها فيما قدمناه، فيكون ذلك تعليما بحقيقة العلم وحده الذي فارق به ما سواه.
ولأبي المعالي في هذا الفصل كلام أقفله فانبهم على القارئ معناه، وذلك أنه لما ذكر هذه الفروق تخوف من معارضة، وهي أن الإنسان الذي تقرر في نفسه محال ثبوت أمر لا موجود ولا معدوم وعلم ذلك علما ضروريًا عند نفسه، ثم سمع أئمة يقتدى بهم يقولون له إنك متى نفيت الأحوال، وهي أمور لا توصف بالوجود ولا بالعدم، انسد عليك إثبات صفات الله سبحانه، ولم تعلم أنه عالم بعلم، ولا قدر بقدرة على حسب ما قال به بعض الأئمة، المقتدى بهم في هذا الفن، فهذا إذا كان مما يعتقد وجوب تقليد من أخبر بذلك، ويتخوف إن لم يعتقد ثبوت الحال أن يقع في نفي الصفات، فصمم على اعتقادها تقليدا، فلا شك أنه تثور في نفسه ثوائر يتخيلها تشككا فيما علمه ضرورة من استحالة ثبوت أمر لا موجود ولا معدوم، وهذا إن ثبت كونه شكا قدح في ما قلناه من الفروق. فاعتذر أبو المعالي عن هذا، فإن الذي يجده هذا المسكين في نفسه ليس بتشكك في العلم اليقين الذي عنده، ولكنه مجاهدة لنفسه في التعامي عنه وتناسيه، لئلا يتشوش عليه اعتقاده التقليدي.
وأنت إذا قرأت هذا الفصل الذي أورده أبو المعالي في باب حد العلم في آخر كلامه عليه، وقرأت كلامنا هذا تبينت أنه لا يكاد يستبين معنى هذا الذي بيناه إلا بعد كد الخاطر فيه [ممن] ارتاض بالحقائق.
стр. 43
وأما ما أشار إليه أبو المعالي من كون العقد التقليدي المصيب مثل الجهل، واستدل على ذلك بأن من سبق إلى نفسه أن زيدا في الدار، وهو ليس بها، وتمادي معتقدا لذلك إن دخل زيد الدار، فقد تبادل العقد، ولم يتبدل حال المعتقد، ولا أحس من نفسه اختلاف حالين عليه، وإن اختلف أحوال زيد، وما ذاك إلا لكون العقد التقليدي المصيب، والجهل سيان، وأغلى في هذا حتى أخذ في العذر عن ابن الجبائي، وذكر أن قوله في كتابه: إن العقد الصحيح والجهل مثلان، مراده به العقد التقليدي، ولم يرد به أن العلم والجهل مثلان، وغلط من نقل ذلك عنه.
وهذا الذي قاله مطلوب، أما كلام الرجل فوق مطلقا، وقد نفى أبو المعالي عنه وعن غيره من المعتزلة في كتابه المترجم بالبرهان، أنهم يرون تماثل العلم والجهل، هب أنه تأول قوله هذا فما يصنع بما حكاه عن غيره من المعتزلة؟
وأما اعتماده على أن حال المعتقد لا يختلف عليه، وإن اختلف المعتقد فغير مسلم عندي، لكن الكلام فيه يدق، ويفتقر إلى بسط، ونظر في أحكام التماثل وحقائق المتعلقات، وهذا إنما ينبسط في فن [الكلام. وأما] إن زيدا في الدار، وزيد ليس بها، فلا شك في كون هذا جهلا، فإذا أبصر هذا المعتقد زيدا دخلها فلا شك في كون (ا ...) والفرق محسوس في النفس لما شاهدت أسبابه وأما إذا دخل زيد الدار، والمعتقد غير عالم بما حدث فإنما هو (يا ...) الأول مكتسب لتجديده على ما كان عليه، فالثاني ليس باعتقاد لأمر مستأنف، ولا لمعنى مغاير للأول ولو (اعت ...) لكان هذا العرض الأول باقيا بعينه لا يرتفع، وإن دخل زيد الدار إذا لم يخطر المعتقد أنه قد دخلها، لكن لو شاهده (...) لاستحال فرض بقاء العرض الأول، لحدوث معنى مضاد للأول لا يصح اجتماعه معه، وقد فرضنا أن الاعتقاد التقليدي لم يحدث (...) الأول بل يصح بقاؤه
стр. 44
بعينه (...) لنا ببقاء الأعراض كلها، ولو تبدلت حال زيد، ومع هذا كله فإنما يثلج الصدر فيه (و ...) إليه من الاعتراض عليه، بسط القول في حقائق التماثل، وحقائق المتعلقات.
ولما أحس القاضي بأن هذا (...) لا يكاد يجد عنه عبارة عن صيغة الحدود [مال] إلى الاقتصار على التحديد اللفظي لا المعنوي، ورأى أن (...) عبارة عبرنا له بأخرى، (وج ...) فيه على ما (...) أصحابنا فمنها (...) إدراك (المعا ...) (ص ٢٦) وبعضهم إثبات المعلوم على ما هو به، ومنها قول بعضهم: الثقة بالمعلوم على ما هو به.
ومنها قول الأشعري ما أوجب كون محله عالما، وقوله الآخر: تسمية العالم عالما، ومنها قول الإسكافي: ما يعلم به المعلوم.
ومنها قول القاضي: المعرفة، وقال مرة أخرى: معرفة المعلوم على ما هو به. وهذه زيادة لا يفتقر إليها، ورأى بعض أصحابه أن هذه الزيادة يفتقر إليها ومنها قول ابن فورك: العلم ما صح من الموصوف به إحكام الفعل وإتقانه.
وأما المعتزلة فحد من تقدم منهم العلم بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به. وقيد المتأخرون هذا بأحد تقييدين، أحدهما مع سكون النفس إليه والآخر إذا وقع عن ضرورة أو دليل.
وساهمهم أبو بكر القفال من أصحابنا في ذكر الشيء في حده للعلم، فقال حد العلم أنه إثبات الشيء على ما هو به، ولو يقصد بذكر الشيء هاهنا ما قصدوه.
وقد اعتذر عنه بأنه أشار إلى طريقة من قال من أصحابنا بأن النفي والعدم لا يعلم
стр. 45
منفردا من غير استناد إلى وجود حاصل، أو سابق، أو مترقب، أو مقدر، فمن علم عدم ما بين يديه فقد استند علمه بالنفي إلى وجود حاصل، حاضر، وكذلك من علم عدم أعاله بالأمس، أو عدم أفعاله بالغد، أو عدم صعوده إلى السماء، فقد علم نفيا مستندا إلى وجود حاصل، أو سيحصل، أو يقدر حصوله، وإن كان لا يحصل، ومن علم بامتناع اجتماع الضدين فعلمه بامتناع اجتماع الضدين، فعلمه بانتفاء الاجتماع مستند لوجود الضدين، وكذلك علمه بنفي إله آخر مع الله سبحانه، مستند إلى العلم بالله سبحانه، فكان العلم بالعدم لابد من استناده إلى موجود، والموجود شيء، فلهذا استخف القفال ذكر الشيء في حده.
وعندي له عذر آخر، وهو أولى من هذا، لأن تقدير الوجود، ليس بشيء ولا موجود، لكن قد قال قوم بتسمية المعدوم شيئا اتباعا للغة، لا ذهابا إلى أن هذه التسمية تفيد إثبات ذات، أو عين، كما تقول المعتزلة وإذا رجع المخالف معنى في هذا إلى المحاكمة إلى اللغة هان الخطب، وسهل الخلاف، وانحصر النظر إلى قوله تعالى: (وكل شيء فعلوه في الزبر) فسمى العدم شيئا إلى غير [ذلك] من الآيات المطابقة لهذه الآية، وإذا سلم تسمية المعدوم شيئا في اللغة صار كالمعلوم في صحة الحد به.
والذي يميل إليه القاضي بعد تردد أن العدم المطلق يعلم، كما يعلم الوجود المطلق، ولا أحد يمكنه المكابرة في صحة العلم بالوجود المطلق، فليكن كذلك العدم المطلق.
والأظهر من كلام أبي المعالي القطع بالمذهب الذي صار إليه القاضي، فإن اشترطنا الإسناد في هذا العلم، فلابد من إثبات معلومين متلازمين، عدم ووجود، ويستند العدم إليه.
فأما المعتزلة فنقضت حدودهم بنواقض منها الاقتصار على ذكر الشيء، وقد بيناه. ومنها أن الحد في الصفة يسري إلى الحد في الموصوف، فمقتضى حدهم أن يكون الباري سبحانه معتقدا إما قولا مطلقا، أو قولا مقيدا بأحد قيديهم، المتقدم ذكرهما، وهم ينفصلون عن هذا بأن الباري سبحانه لا علم له، وهم إنما حددوا العلم فإنما يلزمهم أن يكون كل (...) معتقدا إما مطلقا، أو مقيدا، على ما قالوه، وطعن في حدهم أيضا بأن قال تسمية العلم اعتقادا مجاز، لأجل استحالة الربط (...) حقيقة، وهذا قد لا يلزمهم، لأن
стр. 46
هذا مجاز اشتهر حتى لا يحتاج سماعه إلى استفسار، وقد طعن على من قال مشترطا في (... قا)، وإذا كان عن ضرورة أو دليل فإن العقد التقليدي ليس بعلم، لو خلق الله سبحانه في القلب اعتقادا آخر مثله ضرورة (...) وإن كان وجد فيه هذا الحد لأنه اعتقاد للشيء على ما هو به، ووقع عن ضرورة. وأيضا فإن قولهم: إذا وقع عن ضرورة (...) وفيه تركيب، لأن معنى الضرورة غير معنى الاستدلال، والحدود يتجنب فيها التركيب.
وأما أصحابنا فإن ابن فورك حاول [أن يسلك] منهج التحديد، على المنهج الذي قدمناه، في صفة استخراج الحد، لكنه قصر حده على الاستيعاب، ففسد، لأن المستعجل [لا يوجد] والبارئ سبحانه يعلم، وهو مما لا ينفعل فيحكم، ويعلم الإنسان نفسه، ولم يمكنه إحكامها وقد طعن عليه (بم ... ر) الإتقان والإحكام لا يكون بمجرد العلم والعالم العاجز عن الفعل لا يمكنه أن يحكمه، لكونه لا يمكنه (أ ...) مع وجود (...) سواه من أصحابنا فإن (الحا ...) هو المحتمل لا (...) طعن لم أثبت (...) (ص ٢٧) الباري سحبانه مثبتا من حيث كان معلوما، ولا يحسن أن يقال: إن الله مثبت، وأثبت الله سبحانه، وإن كان يتساهل بعض الأئمة، في مثل هذا.
وقد قال [في] التمهيد "باب إثبات الصانع"، وكذلك الحد بالثقة، لأن أظهر معانيها الإشعار بالعدالة، وأيضا فالمقلد واثق وليس بعالم، وأيضا فليكن الباري سبحانه واثقا، من حيث كان عالما، وأما التحديد بالإدراك فيقال أيضا أدركت الشيء، بمعنى أبصرته، والبصر طريق إلى العلم على أحد القولين، ويكون أيضا بمعنى البلوغ والانتهاء، يقال منه أدركت الثمرة إذا أينعت.
وقد قال بعض أصحابنا: حد العلم الإحاطة بالمعلوم، ورمى مرمى هؤلاء، ويقال عليه نحو مما قيل عليهم، ويلزم عليه أن يكون الباري سبحانه محاطا به من حيث كان معلوما، وقد قال : (ولا يحيطون بشيء من علمه)، والمضير في علمه فيه قولان،
стр. 47
أحدهما أنه يعود إلى الباري سبحانه، والثاني أنه يعود إلى (ما بين أيديهم وما خلفهم) وقد تكلمنا على هذا الضمير في بعض ما أمليناه من الرسائل.
وأما من قال إنه تبين المعلوم، فإن حده طعن فيه، بقصوره عن الاستيعاب، لأن التبين مأخوذ من بان بمعنى انقطع، وفارق، فهو ممشعر بمفارقة العلم بحاله هذه ما كان عليه من الحال التي كان المعلوم خفيا عنه فيها، والبارئ سبحانه لا يخفى عنه خافية، ولا يشك ثم يستبين، ولهذا لا يسمى متبينا، لما في هذا من الإشعار بمعنى لا يجوز على الله سبحانه، وما يوهم معنى مستحيلا على الله فلا يطلق عليه باتفاق، إلا أن يرد فيه إذن.
وأما القاضي فعورض في حده بوجهين أحدهما اختلاف تعدي علمت وعرفت، واختلاف تعديهما يشعر باختلاف معناهما، وهذا غير صحيح، لأن التعدي تابع للألفاظ لا للمعاني، وتقول نظرت زيدا، ونظرت لزيد، ومرادك معنى واحد، والثاني يقتضي تسميته سبحانه عارفا، وأجاب القاضي عن هذا اللفظ لا ينكر [على] مطلقيه، ومن قال: إن الله يعرف السر والعلانية لم ينكر عليه، والمطابقة على ترك الإنكار يقتضي الجواز، فهذا الانفصال يتعلق النظر فيه بالنظر في السكوت هل يكون حجة، وبالنظر فيما يجوز إطلاقه على الله سبحانه وما لا يجوز، فإحدى المسألتين مبسوطة في كتب علم الكلام، والأخرى في كتب أصول الفقه، فمن تحقق ذلك هناك تحقق ما أجاب القاضي به عن هذا، وعلم صحته أو سقمه.
وأما من رأى من أصحابه أنه لابد من زيادة "المعلوم" في حده فإنه اعتل بأن فيه إشارة إلى مخالفة ابن الجبائي بإثبات علم لا معلوم فيه، وفيه أيضًا إثبات حقيقة العلم بإثبات متعلقة، وهذان وجهان ضعيفان أما الإشعار بمخالفة ابن الجبائي فلا يقول أحد أن غرض الحاد الإشعار في حده بالخلاف.
وأما التعرض إلى أحكام المحدود وحقائقه مما ليس غرض الحاد، فلا يلزم أيضا من غير خلاف.
وأما ما يقع للقاضي في بعض كتبه من زيادة على هذه الزيادة وهي قوله: على ما هو به، فمتفق على أن الإخلال به لا يفسد الحد وأما حد الأشعري والإسكافي فإنما يردان لما فيهما من الإحالة على مجهول، عنه وقع السؤال، فعن الذي يوجب كون المحل عالما، وعن الذي يعلم به المعلوم السؤال. ولا يمكن أن يعجز أحد عن حد شيء يسال عنه، إذا سلك هذه الطريقة، ورضي بالإجمال، فيقول: القدرة ما أوجبت أن يكون محلها قادرا، ويقول في سائر الصفات كذلك، مع أن في مذهب الأشعري إشارة إلى إثبات الأحوال، وأن
стр. 48
هاهنا ما (...) وموجب وفي إثباتها خلاف، وكذلك ما قلناه بمعنى لفظه وعبارته عنه، من أن العلم ما اقتضى تسمية العالم عالما، [فالعلم] اشتق للعالم منه اسم عالم، ففيه ما في الحدود التي أشرنا إليها من عدم البيان والكشف عن حقيقة المحدود، وصحة (ط ...) في كل مسؤول عنه، وبالله التوفيق.
فصل في مبادئ العلوم وكيفية وقوعها
المقالات في مأخذ العلوم سبع، قيل مأخذ جميعها الحس لا غير، وقيل الحس وخبر التواتر لا غير، وقيل النظر لا غير، وقيل العقل لا غير، وقيل الشرع لا غير، وقيل الاضطرار والنظر العقلي والسمع، فمن المصنفين من أشار إلى حذف (...) مأخذ العقل لا غير فإن هذا المذهب، (... سار) أئمتنا (...)) به العلوم (...) تارة بوساطة (...) (ص ٢٨) الحس، وتارة بوساطة العادة، وتارة بوساطة الشرع.
وهذا التأويل يحسن حمل كلامه عليه، إذا قيل إن العقل غريزة، وميز على صفة ما، حلاف ميز البهائم وهذا الميز يتوصل به إلى نيل العلوم، ولكن في عد العادة واسطة بخلاف ما ذكر معها من الوسائط نظر، لأن العادة مستندة إلى المشاهدات لأمر متكرر يحصل منه للعقل بالتجربة معنى كلي.
وكذلك أشار أبو المعالي إلى إسقاط قولين آخرين، وهما حصر العلم في الحسيات أو النظريات، ورأى أن هذين المذهبين، عبارة عن مضمون مذهبنا إذ قلنا إن العلوم المحدثة على قسمين ضرورية ونظرية، فقال: فإن الفلاسفة تسمي ما ارتسم في الخيال، وأخذه العقل بعد تشكله علما، وتسمي مالا يرتسم في الخيال، ولا يتشكل في الحس معقولا، فلما أطلقوا أن لا معقول إلا بالنظر، ظن بعض النقلة بهم أن مرادهم حصر العلوم.
ولما أطلقوا أن لا معلوم إلى حسي ظن بهم أيضًا حصر العلوم في الحسيات، وهكذا تأول بعضهم إسقاط مقالة أخرى وهي حصر العلوم في الإلهام، فقال يمكن أن يكون المراد
стр. 49
بهذه المقالة أن العلوم كلها ضرورية، وإن كانت مما يفتقر بعضها إلى فكرة، فيعود ذلك إلى أخذ المقالات في كيفية الوقوع.
وقد اختلف الناس أيضًا في كيفية الوقوع:
فمنهم من صار إلى أن العلوم كلها ضرورية، واختلف هؤلاء على ثلاث مقالات، فمنهم من زعم أن لا فكرة في جميعها.
ومنهم من زعم أن بعضها يفتقر إلى فكرة، ولكنه وإن افتقر إليها فإن الواقع عقيب الفكرة ضروري، ومنهم من زعم أن علوم العقائد خاصة هي الضرورية، وما سواها نظري.
ومنهم من قال: بل كلها كسبية، ويحكى ذلك عن بعض الجهمية، وهذا يشير إلى خلاف ظن أبي المعالي، فإن القول إن العلوم كلها نظرية ليس على ظاهره.
وقال أهل الحق: العلوم المحدثة على قسمين ضروري، ونظري، وقال بعضهم: ما كان من العلوم الضرورية لا ضرر فيه يسمى بديهيا، إشارة إلى مراعاة مأخذ اللفظ من اللغة، وأن الاضطرار افتعال من الضرر. وإن قلنا: إن الضرر بمعنى القهر والإكراه فلا معنى لهذه التفرقة في علوم الضرورة، لأنها كلها موجودة بغير اختيار الإنسان.
فأما من قصر العلم على الشرع فظاهر البطلان، لأن صحة الشرع إنما يعرف بالعقل، وأما من قصر العلم على الحس، فإنه إن قطع بصحة قوله فقطعه بها ليس من الحس، فقد تناقض في قوله.
وأما من حصر العلوم في النظر فيرد عليه بالمعلوم ضرورة من استغنى بعضها عن فكر، كعلم الإنسان بنفسه، ولذته، وألمه، وعلمه بما يراه، وأيضًا فلابد عند المكابرة من الاستناد إلى ضرورة لا يخالف فيها، فإذا بقيت الضرورية، بطل هذا الاستناد.
وبقية المذاهب سوى ما ذهبنا إليه يعرف إبطاله من هذا الذي قدمناه، وإذا انحصر الحق فيما ذهبنا إليه من تقسيم العلوم فبين أئمتنا خلاف في العلوم النظرية هل هي مكتسبة تقع بعد النظرة، بقدرة الناظر عليها أم لا؟
فالمشهور من مذهب أئمتنا أنها مفتقرة إلى قدرة كافتقار سائر الأفعال الكسبية، كحركة المختار للتحرك، وذهب بعض أئمتنا إلى استغنائها عن القدرة، ورأى أنها تقع اضطرارًا كحركة المرتعش استدلالاً منه على أن المفكر وإن كان مكتسبا بفكرته، ومقتدرا
стр. 50
عليها، ويمكنه الانصراف عنها فإنها إذا اشتدت وتمكنت لا يمكنه دفع العلم عن نفسه، كما لا يمكن المرتعش دفع حركته.
وأجيب هؤلاء عن هذا بأن عدم القدرة على الفعل لا يقتضي كونه غير مكتسب، لأنا لجماعتنا نقول: إن القدرة الحادثة لا تتقدم المقدور بل تقارنه، وهي إذا قارنته (... جو) ولم يصح رفعه في حال وجوده، ولهذا قلنا: من اشتد في الجري، واستفرغ فيه وسعه، ثم حاول نظر جريه فلابد [من] حركات بعد إرادة القطع، يتدرج بها اقطع قليلا قليلا، فتلك الحركات مكتسبة، وإن كانت لا يمكنه رفعها (...) نفي الاقتدار على العلم، والانفصال عنها.
وأما من ذهب من أئمتنا إلى إثبات القدرة على العلم، وهو عندنا المذهب [الذي أخذ به] الجمهور منا، فإن نكتته أيضًا وجهان أحدهما إحساس التفرقة بين العلم الضروري (... لوم واحـ ...) مثلان، وإن كان أحدهما ضروريا، والآخر نظريا، فإذا أثبتنا؟ (...) للقطع (...) وجود القدرة (...) (ص ٢٩) وعدمها في الآخر، وأجيب هؤلاء عن هذا بأن التفرقة المحسوسة إذا كان لابد من صرفها عن نفس العلمين إلى سواها، فلستم أحق منا إذا صرفنا التفرقة إلى وجود النظر في أحد العلمين ونفيه عن الآخر.
واعتذر الآخرون عن هذا بأن التفرقة محسوسة مع تقصي النظر، وعدمه، والعدم لا وجه لصرف التفرقة إليه، وهذا الفصل من لمشكلات، وإنما يصفو بعد الخوض في أحكام القدر ولليس هذا موضعه.
والوجه الثاني الاستدلال بأوامر الشرع، بمعرفة الله سبحانه، والضروري لا يؤمر به وأجيب هؤلاء عن هذا بصرف الأوامر الواردة في هذا إلى النظر المؤدي إلى المعارف، فإذا علمت حقيقة المذهبين، فالعلم الواقع نظريًا عند من نفي القدرة عليه، يختلف أصحاب هذا المذهب في صفة وقوعه، فالمعتزلي يثبت وقوعه على جهة التولد، ومذهبهم قد علم في صفة القدرة على المتولدات، وأما نحن فننكر التولد، ونثبت التضمن والتلازم، من غير إثبات كون النظر علة ومولدا، وإذا كشفنا كيفية وقوع العلوم، وأخبرنا بمبادئها على الجملة، فلنكشف عن مبادئ العلوم النظرية.
стр. 51
[مبادئ العلوم النظرية]
فاعلم أن أبا المعالي ذكر عن أئمتنا أن طرق العلوم النظرية أربعة أنواع أحدهما السبر والتقسيم، والثاني رد الغائب إلى الشاهد، والثالث إنتاج المقدمات النتائج، والرابع الاستدلال بما اتفق عليه على ما اختلف فيه، وباح في هذا الباب بأمور صعاب هدم بها على الأئمة قواعدهم، وزيف فوائدهم، ونحن نبين ما عليه في ذلك وعليهم، ونضايقه حتى نرده عليهم، بعد أن نشير إلى ما تساهل فيه في النقل عنهم، وذلك أنه ذكر عن أئمتنا حصر الأدلة العقلية في أربعة أقسام.
والمقدم في هؤلاء الأئمة المشار إليهم القاضي أبو بكر بن الطيب ئة، وهو قد أشار في كتاب التمهيد الذي هو أشهر كتبه إلى الإضراب عن حصر هذه الأقسام، فقال في باب الاستدلال: إن قال قائل على كم وجه ينقسم الاستدلال؟
قيل له على أوجه يكثر تعدادها، وأخذ في عد أنواع منها، فذكر السبر والتقسيم، وذكر رد الغائب إلى الشاهد، وذكر الاستدلال على صحة الشيء بصحة مثله، واستحالته باستحالة مثله، فهذه الأنواع التي نص عليها في طرق العقليات، فأنت تراه كيف افتتح كلامه بأنه يكثر تعداد هذه الأقسام، خلاف ما أشار إليه أبو المعالي من الحصر في أربعة أقسام.
ثم زيف أبو المعالي ما قاله الأئمة من عد السبر والتقسيم من أنواع الأدلة، وأشار إلى أن كثيرًا منهم يستعمله المتكلمون، وهو غير منحصر قطعا، لكن ما انحصر منه، وتردد بين النفي والإثبات قد ينهض ركنا من أركان النظر، فأما عبارته هاهنا عنه بأنه قد ينهض ركنا من أركان النظر فقد أحسن فيه، لأن القاضي تعقب عليه عده السبر والتقسيم إن أنواع الاستدلال، وقيل نفس التقسيم لا يثمر علما بالمطلوب، وإنما المثمر العلم الدليل المصحح لأحد القسمين، أو المبطل لها، فإنما التقسيم محل للدليل، أو ركن من أركانه، وإنما يكون ركنا فيما قام الدليل فيه على أحد القسمين، دون التقسيم الذي لا يناسب الاستدلال، وإن كان نفيا وإثبات، كقوللنا: لابد أن يكون خلق الله ملكا أو لم يخلقه، ولا معنى لتعقب كلام القاضي بمثل هذا الذي أشار إليه، لأنه أجل قدرا أن يهجس بباله كون مجرد التقسيم دليلا، لكنه تجوز في العبارة.
وأما الوجه الذي زيفه أبو المعالي من الاعتماد على التقاسيم الغير حاصرة، مثل أن يقول المستدل: إنما جازت رؤية المرئي لوجوده، لأنه لا يصح أن يكون إنما صحت رؤيته لكونه جوهرا أو عرضا، أو محدثا، ويذكر ما يحـ[ـتمله] من الأقسام ويفسدها حتى لا يبقى
стр. 52
إلا الوجود فيجعله علة جواز الرؤية، ويقول المعتزلي إنما امتنعت الرؤية لبعد [مفرط أو] قرب مفرط، أو ساتر بين الرائي والمرئي، ويذكر ما يخطر بالبال من الموانع حتى يتوصل إلى غرضه، في أن اله سبحانه لا يرى في الآخرة، فهذا النوع من التقسيم لا يوثق به لجواز أن يبقى قسم لم يخطر ببال المقسم، ولو استقصى البحث لعرفه، أو (...) عنه، ويكون هذا القسم هو علة الحكم المطلوب، دون اعتقده المقسم، وهو (...)، سبق إليه في فنون من هذا النوع.
وأجيب عنه بأن هذا القسم (الم ...) لم يف عليه (...) العلم ضرورة (ل ...) (ص ٣٦) ناتج الصدر، وقد عكس على قائله فقيل له هلا جعلت مقدم الدليل على الانتفاء دليلا على الثبوت بعكس جعلك فقد الدليل على الثبوت دليلا على الانتفاء؟
وأجيب أيضًا عن الاعتراض بجواب آخر، وهو أن التشكك في ثبوت قسم يقتضى التشكك في ثبوت آخر، وآخر، هكذا إلى ما لا ينحصر، وهذا لا يصح تصوره واعتقاده، والتحقيق في هذا الاعتراض والانفصال عنه سيبسط في موضعه من كتب علم الكلام، إن شاء الله .
وذكر أبو المعالي رد الغائب إلى الشاهد في العلة، مثاله أنه قد ثبت كون العالم منا عالما، يعلم بالعلم، فإذا ثبت كون البارئ سبحانه عالما وجب تعليل هذا الحكم بالعلم أيضا. والثاني الشرط مثاله: قد ثبت أن كون العالم منا مشروط حصول علمه بحصول الحياة، فإذا ثبت كون البارئ سبحانه عالما بعلم فيجب كونه حيا بحياة، طردا لهذا الشرط والمشروط، والثالث الحقيقية. فإذا ثبت أن حقيقة العالم منا من له علم، وثبت كون البارئ سبحانه عالما، وجب إثبات العلم له، طردا لهذه الحقيقة، والرابع الدليل، فإذا دل إحكام الفعل فينا على علم فاعله، دل إحكام الخليقة بأسرها على علم خالقها، وهو الله سبحانه.
ولما ذكر أبو المعالي هذه الأصول التي تدور عليها جل دقائق علم الكلام، وأكثر أبوابه، وكثير من العقائد، أتبعها بالرد والإنكار، وخالف في ذلك طريقة سائر النظار، والنكتة التي عول عليها في إبطال طريقة من تقدمه أنه قال: لا قياس في العقل، ورد غائب إلى شاهد لا معنى له، فإن قام في الغائب دليل كما قام في الشاهد، فالدليل المتبع، ولا
стр. 53
معنى للرد، وإن كان الدليل إنما قام مختصا بنفس الشاهد، فما الواجب رد الغائب إليه؟.
وأنكر في كتابه المترجم بالبرهان ثبوت الأحوال، فإذا أنكرها، فلا شك في بطلان الرد في العلة، إذ لا علة ولا معلول عند نفاة الأحوال، وكذلك ينكر الرد في الحقيقة، لأن علم الله سبحانه مخالف لعلمنا، فلا يجتمعان في حقيقة، وإن فرض اجتماعهما في حقيقة العلمية، فذلك إشارة إلى الحال، وهو لا يقول بها.
فاعلم أن هذا الذي هول به لا طائل تحته، وأنه برز إلى القوم بروز حرب، وهو يرى الباطل لهم سلم؟ وذلك أنا نقول للقاضي إذا قام الدليل على أمر في الشاهد فرددت إليه الغائب، فلا يخلو أن يكون ذلك الدليل انتظم الغائب والشاهد، ومعناه متصور في الغائب (...) والشاهد، أم الدليل الذي فرضت مختص في الشاهد لم ينتظم الغائب، فإن قال: لم ينتظم الغائب، ولا يتصور في الغائب (...) حاشاه أن يقول هذا، حاشاه.
فالذي قال أبو المعالي هو: وما الذي رد الغائب إلى دليل لم يقم عليه، ولم يتصور فيه، ويقال لأبي المعالي إذا فرضنا أن الدليل قام فينا انتظم الغائب والشاهد، وتصوره في الغائب كتصوره في الشاهد، فهل تمنع المساواة بين الغائب والشاهد في مقتضى الدليل؟
فلابد أن يجيب بأنه لا يمنع من ذلك، وحاشاه أيضًا أن يخالف في هذا، فليس إلا أحد القسمين، وقد بينا أن كل واحد منهما لا يخالف فيه القوم بعضهم بعضا، فإنما تبقى المناقشة في العبارة، وتسمية هذا ردا مع كونه معلوما من نفس الدليل بعينه، المشار إليه، وأنت إذا تأملت هذه الطريقة التي أريناك أجريتها في بقية الأقسام، وعلمت أن القاضي (...) وأن الحال التي اختص فيها العالم، لا يصح حصولها إلا مرتبطة بالعلم، وأنه قد قام عنده الدليل على وجوب ارتباط هذه (... ال) على الإطلاق في سائر العالمين بعلته، وهي العلم، إذ هذا التعميم هو معنى إثباته إياها علة، لأنه لو حصل هذا الحال (...) تكن علة وقد قام الدليل عنده على كونها علة، وهذا الدليل اللذي قام على كونها علة لابد أن يكون منتظما لسائر [العالمين] على هذا يجري في الشرط والمشروط، وكذلك الحقيقة يجري فيها هذا المجرى حتى يرجع الخلاف بين أبي المعالي
стр. 54
[والقاضي] (... به) في عبارة، نعم إذا أنكر الأحوال سقطت بعض هذه الأقسام، إذ العلة والمعلول إنما (تتص ...) من هذه الحقيقة معنى لا (...) الخلاف في الحال مشهور قد سبق (...) ينكر عليه (...) هذا المورد لكشف (... قد) وجانب فيه ما أظهره ممن (ا ...) على الائمة (...) (التتا ... تنا) فإن (الو ...) هذا (ص ٣١) في التمهيد لما عد أقسام الاستدلال، وليس هذا مشهورا عن الأئمة.
وقد مثله أبو المعالي بأن الجسم لا يخلو عن [ادث] نتيجة أن الجسم لا ي سبقها، ثم زيف أيضًا هذا القسم، وأشار إلى أنه لا حاصل له، وأحسن في قوله: إنه لا حاصل له، ولكن لا معنى لعده إياه قسما، وقد علم أن هذا العلم الذي أشار إليه ليس بمخالف للعلم الآخر، ولا هو غيره، لأن القائل إذ قال: هذا الجسم لا يمر به زمن من أزمان وجوده، وهو خال عن الحوادث، فقد تضمن قوله هذا أنه لا يسبقها، إذ لو سبقها لكان قد مر به زمن، وهو خال عنها، وقد فرضنا في هذا القول أنه لا يخلو عنها زمنا من أزمان وجوده.
فأنت ترى كيف هذا الثاني هو الأول، وإن كان اللفظ الأول يعم زمنا زائدا على ما يقتضي هذا اللفظ الثني، فإذا وضح هذا، فقوله لا يمر به زمن واحد عنهما هو قولنا منها ولو حسن، عد هذا مقدمة ونتيجة، لأمكن أن يقول قائل آخر: هذا الجسم لا ينفك من الحوادث، ونتيجته أنه لا يخلو منها، وهذا مما يتصوره عاقل، أن يجعل إبدال عبارة بعبارة يدلان على معنى واحدد مقدمة ونتيجة، ولا فرق ببينهما إلا كون قولنا: لا ينفك عنها ولا يخلو عنها متطابقين، وقولنا لا يسبق الحوادث من مضمون قولنا لا ينفك عنها.
وهذا واضح لمن تدبره، فلا نتائج ولا مقدمات تتصور على هذه الجهات، وإنما هذه عبارة قوم آخرين، وهم أهل المنطق، فيزعمون أن المقدمة الواحدة لا تنتج، كما لا ينتج ذكر دون أنثى، وأنثى دون ذكر، وإنما تكون النتيجة بازدواج مقدمتين، ويسمون اللفظة
стр. 55
الأولى من المقدمة موضوعا، والثانية محمولا ويجعلون محمول الأول موضوعا للثانية، وتكون النتيجة موضوع الأول، ومحمول الثانية، مثل أن يقول القائل: كل إنسان حيوان، وكل حيوان حساس، فالنتيجة: كل إنسان حساس، على ما عرف في كتبهم من تفصيل القول في المقدمات وتنويعها إلى اللصغرى والكبرى، والسالبة والموجبة إلى غير ذلك من اشتراطهم.
وإنما ذكرنا هذا لما ذكرنا الفئة التي يغلب هذا اللفظ على ألسنتها.
وأما المتكلمون من أئمتنا فلا يكادون يلمون بهذه العبارة، ولا يشيرون إلى هذه المعاني التي ذكرنا عن أهل المنطق.
وأما مما ذكره أبو المعالي من الاستدلال على موضع الخلاف بالوفاق، ثم زيفه فإنك لا تكاد تجد الأئمة المشاهير يعدون هذا قسما من أقسام الاستدلال، ولا أحد منهم يظن أنه يستدل على معرفة الحق في مذهب من المذاهب بالاتفاق والإجماع في مسائل العقائد التي لا يعلم صحة السمع إلا بعد العلم بها، فلا معنى لإضافة هذا المذهب إليهم، نعم قد يستعملون هذا عند المناظرة، والقصد به مناقضة الخصم، ثم مع هذا لا يقتصر الحذاق عليه حتى يظهروا معنى جامعا بين إلزامهم وبين ما ألزموا عليه، ألا ترى أنا نستدل على من زعم أن الجوهر يصح خلوه عن سائر الأعراض إلا الأكوان بموافقته على استحالة الخلو عن الأكوان، كما نستدل على الآخرين بموافقتهم على إحالة التعري عن الألوان، وتناقض طائفة بمذهبه طائفة أخرى من أهل هذين.
وكذلك نستدل أيضًا بالموافقة على استحالة التعري عن الأعراض بعد الاتصاف بها على إحالة التعري قبل الاتصاف، وقد اتفق عليها عندنا وعند من يستدل عليه من مشاهير المعتزلة، ولكن التحقيق في هذا أن المناقضة والاعتراض لا يلزم إلا إذا بينا وجه المناسبة بين الإلزام وبين ما ألزم عليه فنقول: إنما امتنع التعري بعد الاتصاف لصحة القبول، فيلزم على هذا حاله قبل الاتصاف على ما يبسط في كتب علم الكلام، فإذا فعلنا هذا كان استدلالا (...) ورد الغائب إلى الشاهد، وعاد هذا القسم إلى ما مضى الكلام عليه.
وقد عد القاضي في التمهيد من أقسام الاستدلال على صحة الشيء بصحة مثله واستحالته على استحالة مثله، كاستدلاله بخلق الله سبحانه جوهرا على أنه تعالى قادر [على إعادته بعد فنائه]، والاستدلال صحيح لا يقدح فيه عارف، كيف وقد حاج الله سبحانه من
стр. 56
أنكر الإعادة فقال: (كما بدأنا أول خلق نعيده)، وقال: (أو ليس الذي خلق * السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) (فل ...) تصوير عبارة، [هذا] النوع من الاستدلال يناسب (...) يفتقر إلى بسط ودقيق (...) (ص ٣٢) على علة كونه متحركا، ومنها ما يبنى فيه الضروري على النظري، ومثله بأن العلم بأن الجسم لا يخلو من حوادث لها أول تعلم بدقيق النظر، ينتج عنه علم ضروري، وهو أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث.
وأنت إذ تدبرت ما بيناه أولا من كون الثاني سماه نتيجة، كأنه الأول بعينه، تبينت في هذا المثال ما قدمناه هناك، لكن قد علم الخلاف بين أصحابنا في جواز بناء العلوم الضرورية على النظرية، فمن جوز ذلك استدل بأن العلم باستحالة اجتماع الضدين يعلم بالضرورة وثبوت الضدين يعلم بالنظر.
وأجيب عن هذا بأن الضدين يعلمان أيضًا بالضرورة، وإنما جهل نفاة الأعراض مغايرتها للجسم، وركب بعضهم أن إحالة الاجتماع يعلم نظرا، لأن القائلين بالكمون والظهور جوزوا اجتماع هذين الضدين وإنما سلموا اجتماع حالتيهما النقيضين.
واعتمد هؤلاء المنكرون لبناء الضروري على النظري بأن النظري يصح الشك فيه، والضروري لا شك فيه، ومن المحال نفي الشك عن الفرع مع الشك في الأصل، وكذلك أيضًا بين أئمتنا اختلاف في صحة بناء ضروري على ضروري، فمن أجازه قال ذلك خلق الله سبحانه يخلق ما يشاء من غير استناد، وأجاز القاضي ذلك، ويمثل بأن الله سبحانه لو خلق لنا علما ضروريًا به، لافتقر إلى علم آخر ضروري، وهو علمنا بأنفسنا، إذ لا يعلم ربه من لا يعلم نفسه.
فصل في مراتب العلوم
حكى أبو المعالي عن الأئمة أنها مرتبة عشر مراتب، العلم بالنفس وما فيها من لذة أو ألم، ثم العلم بما يستحيل كاجتماع الضدين، ثم العلم بالمدركات، المرئيات وغيرها. وبين هؤلاء اختلاف في المدركات على أربعة أقوال:
стр. 57
- هل متساوية في المرتبة؟.
- أو البصر مقدم لعموم تعلقه؟
- أو السمع مقدم، لأن الله تعالى قدمه، إذ يقول: (أفأنت تُسمع الصم)، ثم ذكر بعده (أو تهدى العمى)؟
- وقيل البصر، والسمع سيان، ولكنهما مقدمان على غيرهما.
ثم العلم بالأخبار المتواترة لكونه يفتقر إلى فكرة ما، ثم العلم بالصنائع والحرف، ثم العلم بقرائن الأحوال كخجل الخجل، ووجل الوجل، ثم العلم بالنظريات العقلية، ثم العلم بجواز انبعاث الرسل، ثم العلم بالمعجزات، ثم العلم بالسمعيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وهذه التقاسيم التي حكاها فيها اختلال، واعتل أصحابنا بأضعف اعتلال، ولا وجه لتأخيرهم المدركات، لأجل غلظ يقع فيها، كما يرى من اعتل بصره [فرأى] بعض المرئيات على غير ما هي به، لأن هذا لو التفت إليه لكان قادحا في العلوم الضرورية، وبهذا اعتل السوفسطائية لإنكارهم جميع الضروريات، فإذا لم يلتفت سائر العقلاء إليه لما احتج السوفسطائية فكذلك هاهنا، وإنما نتكلم على السليم الحواس.
ولا وجه أيضًا لتأخيرهم العلم بامتناع اجتماع الضدين لكون العلم بذلك يفتقر إلى فكرة في ذات الضدين لأنا إنما نشير هاهنا إلى العلم باستحالة الحالتين النقيضين، فعلم الإنسان بأنه لا يصح أن يكون حيا ميتا، ولا قائما قاعدا كعلمه بنفسه ولذاته وألمه، وأما ذات الضدين فقد قال قوم من أئمتنا إنما يعلم استحالة اجتماعهما بالدليل، ولهذا غلط فيه أصحاب الكمون والظهور، وأما الحالان المحسوستان فلم يجوز اجتماعهما أهل الكمون هذا التقسيم [العلم] بالحرف والصناعات على العلم بقرائن الأحوال، وأنى لهم بذلك؟
وبين الأئمة خلاف [في العلم] بالحرف والصناعات، هل هي مكتسبات أو ضروريات؟
فمنهم من قال إنها نظريات، لأن متعلم الصنعة لا يهجم عليها حتى يستعمل فكرة،
стр. 58
ويتأمل حركات معلمه، ويدبر كيفية ما يقول في التعليم، وربما مر عليه في ذلك الأعوام وهذه هي العلوم النظرية.
ومنهم من قال: بل هي ضرورية، لأنه لا يمكن الشك فيها، لأن من يعلم الخياطة وتمرن على عملها لا يطرأ عليه (...) منها علما، وقد قيل لهذا الإشكال إن أول موقعها نظري لافتقارها لتقدم الفكرة، والنظر تتوالى (...) وتعلم (...) ضروريا وأيضًا فإن (العا ...) وإلى الحس والمشاهدة (فيلت ...) وركات (...) الأحوال جوابه ما (...) بي (ال ...) لكن عنده (ص ٣٣) النظر العقلي في المرتبة السابعة، وعدهم النظر في انبعاث الرسل مرتبة ثامنة، وهل يعرف جواز انبعاث الرسل إلا بالنظر العقلي؟
وهم قد جعلوا النظر العقلي كله في المرتبة السابعة، فما بالهم أخذوا بعضه فجعلوه مرتبة ثامنة؟ ويلزمهم على هذا إذا أخذوا في تعيين مسائل النظر العقلي أن يرتبوا مراتب لا تنحصر، ولم يصرحوا في هذا التقسيم بالعلم بوجوب العادات، ولعلهم اكتفوا بكون بعض الأقسام التي ذكروا يشير إليه.
وأضرب أبو المعالي عن التنبيه على هذه الوجوه المختلفة صفحا، ورأى هذا المسلك نازحًا عن الحق، وعنده أن العلوم كلها ضرورية، فلا تفاوت فيها، والأمر كما قال في أن العلوم لا تفاوت فيها، والضروري والنظري إذا تعلقا بمعلوم واحد، فهما مثلان، على ما بين في علم الكلام، كيف؟ وإنما يعرض التفاوت بينها، لخفاء وظهور، والخفاء نقيض العلم، لأن العلم نستبان به الأمور وتتضح، فإذا فرضنا علمين تعلقا بمعلوم واحد، على ما
стр. 59
هو به، فكيف تصور التفاضل؟ وإن كان أحدهما تعلق بالأمر على غير ما هو به، فهو جهل وإن تعلقا به على ما هو به، فلا خفاء يقدَّر.
ويقع في كلام نقلة الشرع من فقهاء ومحدثين الإشارة إلى خلاف هذا الذي قررناه، فيقولون بزيادة إيمان على إيمان، وهؤلاء من أشار منهم، إلى (...) العلم بالله، فهذا الذي يحتج بما قدمناه، ونحن وإن قلنا بما قررناه من تساوي العلوم، فإننا نمنع القول بأن إيمان أحد كإيمان النبيين صلوات الله عليهم، لأن هذا من سوء الأدب معهم في الشرع، والتسامي إلى مراتبهم، كيف وبعض أئمتنا يقول فيهم إنهم يعرفون الله سبحانه ضرورة؟ ومن قال: بل يعرفونه بالاستدلال، فلا شك في توالي المعرفة على قلوبهم، وأن قلوبهم لا تفتر من ذكر الله سبحانه، واعتقاد جلالته، وسعة ملكوته، واستشعار الخوف منه، والحياء، وإخبات القلب، وانتفاء الشكوك، وكثرة الأدلة، والطرائق الموصلة إلى المعارف، وشتان بين من أحس برد اليقين، وبين من يصارع وخز الشكوك، ومن عصم من نزغة الشيطان، وآخر يجول في ميدان قلبه الشيطان، والعلم بالله يقارنه تصديق به، وهذا التصديق به، وبكل ما جاء به رسله يتبعه توابع من الخير، من حياء بالله سبحانه ومخافة، ومسكنة، وغير ذلك من أحوال الذين اتقوا وهم محسنون.
وأما النظر في نفسه فقد اختلف فيه الأئمة فمنهم من أطلق عليه الجلي والخفي، وهذا أبو إسحاق الإسفراييني قد صنف ديوانه الكبير، وترجمه بهذا المعنى: النظر الجلي الدقيق، ومنع بعضهم إطلاق هذه التسمية على النظر، لأن الاتضاح والانجلاء لا مناسبة بينه وبين نفس الفكرة، والنظر المؤدي إلى المعارف، وإنما الجلاء والاتضاح في نفس المعارف كما تقدم. لكن من النظر ما يستند إلى مقدمة ضرورية، لا واسطة بينه وبينها، فلا ينتهض العقل إلا أدنى نهضة، ولا يجرد الفكر) إلا أدنى تجريد وقد حصل الناظر على مطلوبه، ومنها ما يكون بينه وبين المقدمة الضرورية وسائط كثيرة بيني بعضها على بعض فلا يتوصل إلى الآخر إلا بعد قطع الفكر مسافة تلك الوسائط كلها، فيكد الذهن، وتتسع الفكرة، ويبعد عن الحسيات بعدا كثيرًا، فإن أشير إلى الجلاء واعيا في النظر إلى هذا المعنى، فهو معنى صحيح، وإنما تبقى المناقشة في العبارة.
стр. 60
فصل فيما يعلم عقلا أو سمعا تخصيصا أو جمعا
قد تقرر أن مبادئ العلوم شيئان: العقل والشرع، وذاك هاهنا مجال كل واحد منهما مختصا أو مشتركا، فأما كل معلوم لا يصح العلم بالسمع إلا بعد تقدمه، فإنه لا مجال للسمع [فيه] و (...) كل معلوم لا يصح أن يعلم إلا بعد العلم بثبوت القول الصدق فلا مجال للعقل فيه.
أما كل معلوم يصح أن يعلم متقدما على [القول] الصدق، ولا يجب ذلك فيه فإنه يعلم بالعقل والشرع.
وبيان هذا بالمثال أن ثبوت القول الصدق وهو قول الله ورسوله (...) أن يعلم (...) والعلم بالله سبحانه وبصفته التي لا يصح العلم بصدق الرسول إلا بعد العلم بها كعلمه وقدرته إلى غير ذلك (...) العلم (...) يمكن العلم به استدلالا إلا بعد النظر في مخلوقاته، فكل من حاول علم شيء من هذه الأ [شياء] فقد حاول (...) أن يأخذ علم الأصول من الفرع، ومثال ما لا يعلم إلا بهما خاصة جملة الأحكام (...) إلى غير ذلك ر وأن رؤية البارئ (...) (ص ٣٤) (... ين) معناه، وذلك أنا يصح لنا العلم بحدث العالم، وإثبات خالقه تعالى، وصفاته التي لا يصح العلم بالمعجزة إلا بعد العلم بها، ومن صفاته هل يجوز أن يرى أو لا يجوز؟ فينظر فيه قبل أن ينظر في السمع، أو يؤخره إلى أن ينظر في السمع.
وقد حاول أبو المعالي البيان عن هذا بلفظ جامع فقال: أما ما لا يعرف إلا
стр. 61
بالعقل كحقائق الموجودات، واستحالة المستحيلات، وجواز الجائزات. وهذا الإطلاق تسامح فيه، وقد يوجد من حقائق الموجودات، وجواز الجائزات ما لا ينفرد العقل به كما قال، بل يشترك فيه العقل والسمع، وقد مثل هو في المشترك جواز رؤية الله سبحانه كما مثل بها القاضي أبو بكر بن الطيب قبله.
فهذا واحد من الجائزات لم ينفرد العقل به، بل اشترك في ذلك هو والسمع، ولما أحس أبو المعالي بما تسامح به في إطلاقه ما حكيناه عنه، تلافى ذلك برمز خفي إليه حتى يمنع القادح من الاعتراض عليه، فقال: وأما القسم المشترك، وبذكره ينضبط ما تقدم.
فأنت تراه كيف أشار إلى أن القسم الأول وهو قوله: جواز الجائزات استدراك يستثنيه من الإطلاق، ومن وقف على عدة جواز الرؤية من قبيل المشترك. وأما تمثيله في السمعيات فإنه العلم بوقوع الجائزات أو انتفائها، فهذا الإطلاق صحيح لا يحتاج فيه إلى التفات إلى القسم الثالث المشترك، فالأحكام الشرعية كلها حظ العقل إجازة ورودها، أو انتفاء ورودها، وحظ اسمع ورود هذا الجائز ووقعه، وكذلك الإخبار عن المعاد، فإن الإنسان وجوده معلوم حسا، وحدثه معلوم عقلا، ثم العقل يجوز عدمه أو بقاءه إلى غير آخر، فبالسمع علم وقوع هذا الجائز من عدمه، ثم إذا وقع فالعقل يجوز أن يعاد أو لا يعاد، ثم الشرع أعلم أنه يعاد، ثم العقل يجوز في هذا المعاد أن يعاقب أو يثاب، أو لا يعاقب ولا يثاب، فأعلم الشرع أن لابد من أحدهما، هكذا إلى بقية الحشر والنشر، وغير ذلك مما لا ينحصر كثرة، وبالله التوفيق.
فصل في مجاري العقول
هذا باب أطال فيه أبو المعالي القول حتى خرج من فن إلى فن، ولباب ما أورده في هذا الباب سبع نكت:
- إحداها: كون العلوم كلها ضرورية.
- والثانية: حقيقة النظر والدليل.
- الثالث: كون النتائج كالمقدمات.
стр. 62
- الرابعة: ما لا ينحصر من التقاسيم لا يوثق به.
- الخامسة: كون التقسيم المنحصر يعين العقل أحد قسيمة تارة، ولا يعين ذلك تارة.
السادسة: فرقان بين وقوعه على التعيين تبلدا منه، أو يكون المطلوب لا يعرف.
السابعة: الفرق بين الجواز حكما أو شكا، وتعلق بهذه النكتة السابعة طرف من الكلام في تعلق العلم بما لا يتناهى.
أما النكتة الأولى فقد مضى جوابها حيث تكلمنا على اختلاف أئمتنا في كون العلم النظري مقدورا للعبد أم لا.
وأما النكتة الثانية فإنه حصر النظر إلى التردد في أنحاء أساليب الضرورات، وأشار إلى أنه لا حاصل للدليل والنظر سوى تحديق العقل، وتجويد الفكر عن الغفلات نحو المطلوب مع صحة النحيزة. فأما حصره الفكرة بين تأمل أمرين، وتردد الفكر بين قسمين إما ثبوت المطلوب و [إما] انتفاؤه فصحيح ما قال، وقد قدمنا في الكلام على العقل الإشارة إلى أن أثبت أركانه العلم بكون المعلوم لا ينفك عن ثبوت أو انتفاء، فعلى هذا كل طالب معلوما ما فإنما يتطلب إن ثبوته أو انتفاءه.
وأما الاقتصار في النظر على تحديق البصيرة وتجريدها عن الغفلات، فإذا فعل ذلك أدرك المطلوب فأنت إنما تعرف بتحديق البصر نحوها، ومنعه من التقليب في الجهات، فليس هذا بالكاشف لحقيقة النظر، وكم من (...) ربط به عين فكرته، وهو غير قاصد للبحث عنه، وبطلت حقيقته، ولهذا يعبر عن النظر بأنه الفكر المطلوب به العلم، (...) فأنت ترى هذا الحد لم يقتصر فيه على الفكرة، حتى قيدت بكونها بحثا، والبحث والطلب زائد على التحديق والتجريد (...) لا مطمع في ضبط هذا البحث، ومباحث أهل العلوم مختلفة باختلاف أوضاعهم، وصور علومهم، وكل (...) البحث فيه ينضبط بل هو (...) لا يعرف صحة ما قلناه إلا المجربون، كره فيه من تركيب وتقدير (...) لا
стр. 63
يحصر كثرة، ثم هذه، (...) علمين، نظرا (...) [أ] نتج له ذلك (...) إليه كون (ال ...) (ص ٣٥) المجرد فإنه خلاف لما عليه جماعة الناس، والاستدلال والنظر عند العلماء غير الدليل، فإذا رأى الإنسان كتابة ففكر هل وقعت من كاتب أم لا؟ ففكرته هي النظر، والاستدلال، ووسيلة هذه الفكرة إلى العلم بالكاتب هي الكتابة، وهي التي تسمى دليلا.
وأما النكتة الثالثة وإشارته فيها إلى كون النتائج كالمقدمات، وأخذ يضرب مثالا في ذلك من كل علم فقال: إن المهندس إذا علم أن الشيء إذا ساوى شيئين، فكل واحد من هذين الشيئين مساو لصاحبه، وعلم هذا ضرورة وأضاف إلى هذا مقدمة ثانية فعلم أيضًا على الضرورة من غير فكرة، وهي كون الخطوط الخارجة من مركز الدائرة إلى محيطها متساوية، فإنه إذا أراد أن يعرف بعد هاتين المقدمتين كون قاعدة المثلث مساوية لكل واحد من ضلعيه، فإنه لا يمكنه أن يعرف ذلك بديهة كما عرف هاتين المقدمتين، ولكنه يعرض دائرة أخرى، ويركبها على هذه، ويعرف فيها هاتين المقدمتين فيعلم بتصريفهما فيما يشكل مطلوبة علما لا يمتري فيه، ولا يجد فرقا في وضوحه بينه وبين هاتين المقدمتين المذكورتين.
فكذلك الأصولي إذا شاهد تحرك جسم وسكونه فإنه حصل له معلوم ضروري ففكر بعده هل تحركه من مكانه واجب أو جائز ويحدق الفكر مترددا بين هذين القسمين فيتضح له أنه جائز، ثم يفكر في هذا الجائز هل وقع بمقتضى اقتضاء، أو بغير مقتض؟ ويردد الفكر أيضًا بين هذين القسمين المترددين بين النفي والإثبات، فيتضح له افتقاره إلى مقتض، ثم يفكر في المقتضى هل هو نفس الجسم، أو زائد عليه؟ وهذا الذي قاله وتمثل به غير مسلم له.
ولا أحد من المحققين ينكر فرقان ما بين العلوم الضرورية والنظرية، فإذا عرف العاقل أنه موجود فلا تجد في نفسه تلفتا إلى نقيض هذا الاعتقاد، ولا يجوز رجوعه عنه، واعتقاده ضده، ولا يصغي إلى مشكك له فيه بل يتخذ كلامه هزؤا، حتى إذا قال النظام: أنتم تعتقدون أن الجوهر لا يتجزأ، وها أنا أريكم خطأكم، كيف يصح انتظام الأجسام، وأن يحيط بجوهر فرد ستة جواهر، من جهات مختلفة، ولا يقدر مع اختلاف هذه
стр. 64
الجهات الانقسام، أو يقول له: نحن نرى الجسم متناهيا بالطرفين، وكيف يكون ما لا يتناهى، له طرفان؟ أفترى عاقلا أن يقول إن الإصغاء لهذا كالإصغاء لمن قال للقاعد لست بقاعد.
وكم من عالم نحرير نصر مذهبا حقا أو باطلا أكثر أيام عمره وكان واثقا باستدلاله عليه، ثم انتقل عنه إلى نقيضه، وهل في الأرض عاقل يبدل اعتقاده في وجود نفسه؟ فهذه تفرقة لا يكابر فيها عاقل، ولا يمتري في تأتي تشكيكه نفسه في النظريات، وامتناع ذلك عليه في الضروريات، نعم حالة وقوع العلم لا يضامه الشك، لكونهما نقيضين.
وأخذ أبو المعالي بمثل ما علمنا، بمسألة ثبوت العرض، ولكنه لم يبعد النجعة، كأن يتمادى إلى آخر فصول حدث العالم، ويورد كل ما علينا من الأسولة، وكل ما لنا من الأجوبة، حتى يبصر كيف تدق الأمور، وتتفاوت مراتب العلوم في المعاني التي أشرنا إليها وهي في غيرها مما يبسط في مواضعه إن شاء الله .
فإن طلب الرجل نفسه، وجميع أبواب علم الكلام بأن يجري فيها على هذا الأسلوب الذي هو تردد بين أنحاء الضرورة خاصة فقد طلب معوزا (...) معجزا، وكثير من براهين أشكال المهندسين إنما هي علوم ضرورية مستورة عن العقل، فإذا زال ذلك الساتر عرف (...) الأول الضروري بعينه ونحن لا نطلب في علومنا هذا المطلب، ولهذا سمى أهل المنطق استدلالنا إقناعا (وه ...) معنى الذي علينا أن نكلمهم على مسألة من الإلهيات ونظير حقيقة حجاجنا فيها، ونسامحهم بالمعاندة و (...) كل ما ورد حتى نضطرهم إلى الاستناد إلى مقدمة ضرورية، لا يمكن فيها عناد، ولا مكابرة، ثم ليسموا بعدها (...) في كثير من قوانينهم التي لا تخالف الشرائع، يتمسكون فيها بطرق من الجدال (...) الذي يصنعون في الإلهيات لولا المقصود من غرض هذا الكتاب لأوردت عليك (...) أو بطريقهم حتى ترى أنت (...).
стр. 65
وأما المسألة الرابعة (...) (ص ٣٦) بتقاسم لا يوثق بها، كالتقاسيم في علة صحة تعلق الرؤية وأوردنا فيه مقدار ما يليق بهذا الكتاب.
وأما النكتة الخامسة فإن أبا المعالي نوع التقسيم المنحصر الدائر بين الإثبات والنفي، إلى نوعين أحدهما يدركه العقل، ويعين مطلوبه في أحد القسمين، ومثل ذلك بأن تحرك الجسم المشاهد لا يخلو أن يكون عن مقتضٍ، فهذا يدرك العقل افتقاره إلى مقتض، والنوع الثاني لا يدركه العقل، ومثل ذلك بأن الإنسان يفكر في جوهر هل يصح تعرية عن اللون أم لا؟ فزعم أن العقل لا يدرك تعيين أحد القسمين، ولو امتد الفكر فيه أبد الآباد، ومن حاول قياسه على الأكوان فقد غلط، لا قياس في العقل، لكن إن كان الدليل الذي يصور في امتناع الخلو عن الأكوان يتصور في الألوان قضي به، وهذا الذي قاله شذ به عن الجماعة.
وسائر الأئمة مجمعون على خلاف ما قال، محيلون تعري الجواهر عن الألوان، نعم وعن غيرها من سائر الأعراض، وقد وافقتنا المعتزلة بصريهم وبغداديهم على هذه الإحالة بعد اتصاف الجوهر بالأعراض، وإنما خالفونا في جواز تعري الجوهر عن الاتصاف بالأعراض قبل أن يتصف بها، فقال جميعهم يجوز ذلك إلا في عرض واحد أبقوه، ليصح لهم الاستدلال على حدث الجوهر إذ المجيز لتعريها عن سائر الأعراض غير قادر على الاستدلال على حدث الأجسام لكنهم اختلفوا في هذا العرض فهل هو اللون، أو الكون؟
وقد كنا قدمنا قبل هذا مضايقة الأئمة في رد الغائب على الشاهد، وما ذكر معه من الأقسام حتى رددنا أبا المعالي إليهم فيما أظهره من الخلاف عليهم، وأشرنا إلى أن الدليل الذي قام على ارتباط حال العالمين بالعلم مطرد في القديم والحادث، كما أشار إليه أبو المعالي هاهنا، في طرد دليل الكون ولهذا نقول: إن الجوهر إنما قبل العرض لنفسه، فمحال أن توجد نفسه وهي غير قابلة للعرض، وهذا دليل مبسوط في كتب علم الكلام وهو مطرد في سائر الأعراض.
وأما النكتة السادسة فإن أبا المعالي أشار إلى غموض هذه التفرقة، وأكد في البحث عنها، وذكر أن الإنسان يحس من نفسه انقفال خاطره عن العلم المطلوب تبلدًا طبيعيًا، أو لعارض نفسي، أو غذائي، أو هوائي، أو لتحمله في التمادي في الفكرة فوق طاقته، وبين انقفاله لكون المطلوب منقفلا في نفسه، لا يتشوف فهم من الأفهام، وإن
стр. 66
استنارت ولطفت واحتدت إلى فتح انقفاله، وربما وقع في النفس تردد في هذا الانقفال هل هو راجع إلى البصر أو إلى المبصر، وهذا في البصائر كهو في الأبصار.
ألا ترى أن الإنسان يفرق في نفسه بين كونه قاصرا عن إدراك ما وراء الجدورات، ويعلم أن ذلك غير راجع إلى ضعف البصر الطبيعي، وبين كونه قاصرا عن إدراك خطوط يقرأها غيره، ولكنه كل بصره، أو رمد وقد يشك بصره أيضًا في خطوط هل هي مما تقرأ أو مما لا يقرأها أحد، فكذلك حال العقل والمعقولات، ومثل فيما لا يدرك من قبل المطلوب لا من قل الطالب العلم بحقيقة الإله، وما هو عليه من صفات الجلال والكمال.
وحاول هاهنا جمعا بين فئتين مختلفتين الإسلاميين والمتفلسفين، فزعم أن الإسلاميين يقولون في علة نفي الإحاطة بحقائق الإله أن ما يتصف به حادث موسم بحكم النهاية لا يدرك ما لا يتناهى، وأشار إلى أن الفلاسفة يحومون على هذا المعنى، ويعبرون عنه بعبارة مستنكرة عند الإسلاميين، لأنهم يقولون: هذا العالم الطبيعي، ويشيرون إلى هذه المركبات من الاستقصاءات، كالحيوان والمعادن والنبات، ويشيرون إلى عالم آخر وهو عالم الطبيعة كنفوس الأفلاك وغيرها من الروحانيات ويرون أن هذا العالم الطبيعي كالجزء، والعالم الذي وراءه عالم الكل، والعلم إحاطة بالمعلوم، فكما لا يحيط الأصغر بالأكبر، والجزء بالكل إحاطة مماسة، فكذلك لا يحيط إحاطة (...) إنما يحيط الأكبر بالأصغر، والكل بالجزء في الحس والمماسة، فكذلك في العقل، والإحاطة والاستحواذ سلطنة [كسلطنة] السلطان الأعلى على الأسفل، والأكبر على الأسفل والكل على الجزء، لا الأسفل على الأعلى ولا الأصغر على الأكبر، ويرون أن الجزئيات فاضت علينا من العقل الكلي، وإنما اختصصنا نحن بهذا الفيض دون غيرنا من الحيوان، (لكو ... انعت) (... ببا) لقبول هذا الفيض، ولكنه إنما يقبل من هذا الفيض بقدر ما يحتمل، والإحاطة (...) (ص ٣٧) هما لا يحتملها هذا المزاج الجزئي، فلا
стр. 67
يصح أن يكون هذا الجزئي والمقدار من الفيض الذي يعلم به ما تحته، يعلم به ما هو فوقه (...) لو عقل به ما فوقه، بما انحل منه، وهو العقل الكلي، وأحاط بجميعه، لصار كليا مثله.
وهذا تناقض، وليست هذه العبارة بمجردها مستنكرة عند أهل الإسلام كما قال أبو المعالي بل هي مستنكرة عندهم لفظا ومعنى، وقد كشفنا لك مقاصدهم بهذه كشفا يعرف منه استنكار معانيها عند المسلمين، ونحن إنما نحيل ما أحالوه، وذلك أنا نقول: قد تقرر في كتب علم الكلام أن الإنسان لا يعلم معلومين غير متلازمين بعلم واحد، بل يفتقر في كل معلوم إلى علم به، فإذا علم مسألة، ومعها مسائل، فلكل مسألة علم، وإذا ثبت أنه لابد لكل معلوم من علم، فإنما نحيل أن يعلم الإنسان معلومات لا نهاية لها على التفصيل، لأن ذلك لو جوزناه اقتضى أن يخلق في قلبه علوم لا تتناهى في زمن متناه، وخلق ما لا يتناهى في زمن متناه، [محال] لأن وصفنا الزمن بالتناهي يتضمن جواز خلق شيء آخر بعده، وقد قلنا: إن المخلوقات لا تتناهى، فأثبتنا التناهي فيها بتناهي الزمن ثم نفيناه عنها، لما قلنا إنها لا تتناهى، وهذا الوجه خاصة هو الذي نحيل أن يعلمه الإنسان.
وأما معلومات لها نهايات، وإن كثرت حتى يعجز أن يعدها منا العادون، فإن خلقها في الإنسان جائز، سواء كانت معلومات لعدم، أو لوجود، وسواء كان الوجود نفسه، أو من سواه من مركب أو بسيط أو روحاني أو كثيف على ما يهتفون به في تقاسيمهم، ولا فرق بين معلوم ومعلوم في هذا، ومن قدر على العلم بجوهر، قدر على خلق العلم بجوهر آخر، ومن قدر على خلق العلم بعرض قدر على خلق العلم بعرض آخر، وحصر هذا بعد لا سبيل إليه، إذ ليس لقائل أن يتحكم بالوقوف عند عدد، إلا وللآخر أن يزيد عليه، أو ينقص منه، لكن إن خرج بالزيادة إلى ما لا يتناهى فهو المحال، خاصة، لما قدمناه، وهذا أوضح من فلق الصبح.
وقد عبر أبو المعالي عبارة عن هذا الدليل، وأخذ بعض ألفاظنا فيه فأشار إلى كون الإنسان متناهيًا، وتناهيه يمنعه أن يحيط بما لا يتناهى، ونحن إنما جعلنا العلة تناهي الزمن، لما أريناك من تضمنه للتناقض.
وأما تناهى جرم العالم فلا مدخل له هاهنا، ولا مناسبة بينه وبين ما أشرنا إليه من التناهي إلا من ناحية الألفاظ والعبارات، ولو جوزنا خلق ما لا يتناهى في الزمن المتناهي لجاز أن يعلم الإنسان معلومات لا تتناهى، ولو كان في نفسه متناهيا ولا التفات إلى ما
стр. 68
قالوه، وما تشير إليه عبارة أبي المعالي عنها من جزء وكل، وكثر وقل، وهم كثيرا ما يتمثلون بالحسيات، ويناسبون الأبصار بالبصائر، وهذه العين ومقدارها في التجزئة ـ كما قد علمتم ـ تدرك في لمحة واحدة من السماء مقدار ما علمتم على بعد مقدار ما بينها في نفسها في الجرم وبين أجرام الجبال، والبحار، والسماء، التي تدرك، فلا إحاطة في إدراك أصغر أكبر منه، وإنما الحق ما مهّدناه، وقررناه، بالدليل الواضح.
وكذلك أيضا الحق في تمثيل هذا القسم أبو المعالي الخاصية في المغناطيس التي يجذب بها الحديد، وحكى عن الأوائل أنه لا سبيل إلى أن يطلع العقل على سر هذا، فأشار إلى القدح في مذهبهم، على أصولهم بكونه هذا كله من حديد ومغناطيس وجاذب ومجذوب من جملة عالم الطبيعة، وعالم الطبيعة فليست عقولنا جزءا منه فيستحيل إحاطتها بشيء منه، وإنما استحال إحاطتها بالعقل الكلي لكونها جزءا منه، ولا يحيط الجزء بكله.
ثم عطف عطفة أخرى، وأشار إلى كون الاختصاص بحكم فيض ما أفاض من النفس العلوية على المغناطيس، لكون المغناطيس متهيئًا أيضًا لقبول فيض هذه القوة كما تهيأ الدماغ من الإنسان لقبول فيض قوة العقل، وإذا (...) قوية علوية فغير مستنكر تقصير العقل على الإحاطة بها لما قدمناه من التعليل، وردد قوله في هذه المسألة، وأ [شار] إلى أنه لم يتهيأ محل العقل من الإنسان إلى أن يفيض عليه ما يعرف به، هذا الخفي من أسرار الطبيعيات، وإنما (ا ...) قل الكلي ما يليق بهذا التمهيد، وهذا المقدار لا يبلغ أن يطلع به على هذه الأسرار.
وأشار أيضًا إلى [أنه لو كان ممكنا] أو يتأتى العلم [به] لعثر عليه عاثر، فلما انقضت الأعصار، ومرت الدهور والجس لا (...) (ص ٣٨) برا اقتضى ذلك أنه من قبيل ما يمكن معرفته، وعجبا له في هذا التردد، وهذا الاضطراب، ويطلب
стр. 69
المعاذير عما قاله هؤلاء المبطلون.
والأصل الذي بنوا عليه كله فاسد، ومنهدم، وقد أوضحناه حتى صار كالشمس، وبينا أنه لا فرق بين معلوم ومعلوم في جواز العلم به، وأن الله سبحانه قادر على أن يخلق لنا العلم بهذا المعلوم بدلا من العلم بمعلوم آخر، وإنما المحال أن يعلم ما لا يتناهى على التفصيل لما بينّاه، فمن المقدور أن يعلمنا الباري حقيقة هذا الجذب، وكيفية ما في المغناطيس من خواص، أو غيرها، وهل قوة ما في المغناطيس إلا كقوة في الفلفل مغذ بها؟ ولكن جرت عادة هؤلاء الأوائل أن ينظروا في هذه الأجسام إذا تلاقت بانفعال بعضها عن بعض، فإن علموا للانفعال علة وسببا، واستند لهم إلى مقدمة ضرورية قالوا هذا أمر طبيعي، وسببه كذا، وإن لم يعلموا لهذا المشاهد من الانفعال سببا ولا علة قالوا هذه خاصية، فيعبرون عن جهلهم بعلة الحكم بالخاصية.
ألا تراهم لما نظروا إلى الصبر، وإلى السقمونيا فوجدوا كل واحد من هذين يسهل البلغم والصفراء، وكانت عندهم مقدمة أن الصفراء حارة يابسة، والبلغم بارد رطب، ومقدمة ثانية وهي أن الصبر حار يابس، والسقمونيا حارة يابسة، ومقدمة ثالثة وهي أن الضد ينفي ضده، أنتجت هذه المقدمات علة إسهال الصبر، والسقمونيا للبلغم، لكون المزاجين ضدين، فضادت حرارة الصبر والسقمونيا برودة البلغم، فنافته ومنعته من مجاورتها، فأما الصفراء فلا منافاة بينها وبين الصبر، بل هما متناسبان، في كونهما حارين يابسين، فلم يعلم لإسهال الصبر الصفراء علة، لارتفاع التنافي بينهما، فعبروا عن جهالتهم هذه الخاصية، والذي أحوجهم إلى تحسين العبارة عن أنفسهم لما جهلوا، أصولهم الفاسدة التي يبنون عليها.
وأما من أراح قلبه من هذه الترهان واعتقد أن الله سبحانه فاعل كل شيء، وأن المحدث لا يفعل في غيره شيئا، والجواهر متماثلة فليس بعضها أن يفعل في بعض بأولى من أن يفعل ذلك البعض في الفاعل الذي فعل فيه، فليس إلا فعل الله سبحانه الذي يخلقه عند مجاورة بعضها لبعض، ومقابلة بعضها لبعض، عادة أجراها وسنة في الخليقة أمضاها ولن تجد لسنة الله تحويلا.
ونضايقهم في هذه الخاصية هل هي نفس جوهر المغناطيس؟ فإن قالوا: هي مجرد الذات من غير مزيد، قيل لهم: جوهر الحديد كجوهر المغناطيس، فلم اختص أحدهما بكونه جاذبا, والآخر مجذوبا؟
وإن قالوا: هو معنى يزيد على الجوهر، قيل لهم للجوهر صفات نفسية ومعنوية، فالمعنوية أعراضه المعقولة، كلونه، وطعمه ورائحته، وكونه، فأي هذه الأعراض هي
стр. 70
الخاصية؟ فلا يقولون في أحدها قولا إلا وقيل لهم خلافه، فلا يجدون مدفعا، وإن كانت صفاته النفسية فهي معقولة، كوجوده وتحيزه، وقبوله للأعراض، إلى غير ذلك من الصفات التي يشترك فيها سائر الجواهر، فلا يخصون منها صفة إلا وقيل لهم خلافها.
وأيضًا فهذه الصفات تشترك فيها سائر الجواهر، فلم اختص واحد منها بجذب الحديد دون الآخر؟ وهلا كان الحديد هو الجاذب، والمغناطيس هو المجذوب؟ فإن قالوا هي غير معلومة ولا معقولة، فإثبات صفة نفسية أو معنوية [خا] رجة عن الأجناس المعقولة مذكور أدلته في كتب علم الكلام.
وأيضًا فلو سلمناها مع الجهالة بها، لقيل لهم: [هل ذلك] يدل على علم فاعله وإرادته؟ وهذه الصفة تستحيل أن تكون مريدة عالمة، لأن الصفات لا تقوم بها الصفات، [ويحا] جون بما يحاج به الطبائعيون، وذلك مبسوط في كتب علم الكلام.
والعجب من أبي المعالي إذا علم بالدليل القاطع [فساد] القول بالطابع الفاعلة، وأقر بأن الله سبحانه خالق كل شيء، ما حاجته إلى تسطير هذا الهتف، وأخذه المعاذير (.. عه) في المعاذير حتى يتردد فيها، هذا على أن المعنى الذي أشار إليه، وإلى انقداحه في نفسه مسطور في كتبهم (...) ابن سينا، وهو معاصر لأبي المعالي، ويذكر أنه كان يذاكره، وهو أمام مات (جمل ... ة) عليهم ذكر الأفيون و (...) للجسم تبريدا قويا، فوق تبريد (...) (ص ٣٩) مركبا من العناصر الأربعة، وكالجزء منها، ولا يمكن أن يكون الجزء أقوى فعلا من الكل، فأشار إلى قوة فلكية أثرت فيه، حتى جعلته مؤثرا هذا التأثير، وهذا هو نفس هذا الذي أشار إليه أبو المعالي في المغناطيس، وأظنه منصوصا لهم عليه، لكن لم يثبت في حفظي الآن، إلا ما حكيته في الأفيون.
وعجبا لهم هؤلاء قوم يؤمنون بأنه لا يكون شيء من هذه إلا عن فاعل، فهلا جعلوا هذا الفاعل هو الله سبحانه الذي هو معلوم، دل عليه الدليل؟، ولم انصرفت عقولهم عنه إلى تطلب فاعل آخر لا يعقل معناه، ولا يثبت عليه دليل؟ وقد أشار هاهنا إلى الاعتماد على
стр. 71
الاستقراء، وذكر أنه لو كان هذا لأمكن أن يعثر عليه على عاثر، مع تكرير البحث عنه على مر الدهور.
وقد قدمت عنه أنه منع الاعتماد على الأقسام الغير منحصرة، كالتقاسم المستعملة في المصحح للرؤية، وقد قال يمكن أن يكون هناك قسم لم يعثر عليه المقسم، وإن طال الفكر فيه، وعميت عنه بصائر سائل المقسمين، فيقال هاهنا: هلا نقلت من هنا إلى هنالك، وقلت لو أمكن أن يكون هناك قسم آخر لعثر عليه عاثر، على مر الدهور؟ إلا أن يقول معتذر عن هذا أنا أمنع أن يكون هاهنا قسم يعلم في تقاسيم الرؤية، ولكن نفي العلم به، لا ينفيه، فينتقل الكلام إلى الفصل المتقدم، وهو النظر فيما يمكن أن يعلم أو لا يعلم.
وأما النكتة السابعة فقد تقرر أن كل عاقل يجد في نفسه فرقا بين تجويزه لأمر تجويزا يرجع إلى نفس الأمر المجوز، وتجويزا يرجع إلى جهالة المجوز، وحيرة المتردد، فمن قطع بجواز رؤية الله سبحانه أحس في نفسه فرقا بين هذا القطع بالتجويز وبين تحيره وتردده بين المذهبين: مذهب الأشعرية في جواز الرؤية، ومذهب القدرية في إحالة الرؤية.
وضرب أبو المعالي لهذا مثلا آخر، وهو ما قد اشتهر من الخلاف في تجويز خلق جنس من الألوان غير الألوان المعلومة، فمن صائر إلى إحالة ذلك، ومن صائر إلى القطع بجوازه، ومن تردد بين المذهبين شاك في جوازه وإحالته.
وهذا مبلغ القول في النكت التي عددناها على الجملة، وبسط القول في هذه المذاهب في الألوان مذكور في كتب الأصول، ولكن أبا المعالي أشار هاهنا إلى اختياره القطع بالإحالة، ونفي الجواز، وعلق بذلك مسألة عظيمة يجل فيها الخطب، وهي الكلام على تعلق علم الله سبحانه بما لا يتناهى على التفصيل لآحاده، وكون كل واحد مميزا عن صاحبه، فقال إني لو أجزت خلق أجناس من الألوان لاستحال الوقوف عند عدد لا يتعدى، وإذا استحال الوقوف عند عدد لا يتعدى لم يبق إلا القطع بنفي التناهي، وإذا قطع بنفي التناهي تضمن ذلك تعلق العلم بآحاد ما لا يتناهى على التفصيل، لكون كل جنس مشار إليه يختص بحقيقة يخالف بها جنس صاحبه، وهذا الاختصاص، وتميز واحد عن واحد، يتضمن إثبات التقدير، والتناهي، وقد فرضنا عدم التناهي، وهذا جمع بين النقيضين.
وأشار إلى تجهيل من قدح في هذا باعتقاد المسلمين أن الله سبحانه يعلم ما لا يتناهى، ولم يتضمن ذلك تناقضا، واعتذر عن هذا بأن المعلوم الذي لا يتناهى متناسب الآحاد، ليس بأجناس مختلفة فيضطر اختلافها في قضية العلم بها إلى تميز بعضها عن بعض، فإنما يتعلق العلم به، تعلق استرسال عليه من غير تفصيل لبعضه عن بعض،
стр. 72
واستشهد على صحة هذا بأنه لا يتناهى [وما لا يتناهى]، قد تقرر استحالة خروجه إلى الوجود، وما ذاك إلا لما تضمنه من التناقض بين إثبات التقدير والنهاية للموجود المفروغ من خلقه وإيجاده مع نفي النهاية عنه، ووصفه بأنه لا يتناهى، وذكر أن هذه حقائق إذا لاحت فليقل الأخرق ما شاء.
وأول ما أقدم بين يدي الكلام على هذه المسألة تحذير الواقف على كتابه هذا أن يصغي إلى هذا المذهب الذي قال، أو يتساهل في خطوره بباله، فضلا عن التشكك في محاله، فإنه أحد أركان الدين و (مع ...) يؤدي التساهل فيه إلى مطاعن الزندقة والملحدين، وبودي لو محوت هذا من هذا الكتاب بماء بصري، لأن هذا الرجل له سابقة قديمة وآثار كريمة في عقائد الإسلام، والذب عنها، وتشييدها، وحسن العبارة عن حقائقها، وإظهار ما أخفاه العلماء من أسرار، ولكنه في آخر أمره ذكر أنه خاض في فنون من علم الفلسفة، وذاكر أحد أئمتها، فإن ثبت هذا القول (ص ٤٠) عليه، وقطع بإضافة هذا المذهب في هذه المسألة إليه، فإنما سهل عليه ركوب هذه المسالك إدمانه للنظر في مذاهب أولئك.
ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله سبحانه يخفى عنه خافية ولو دقت، حتى لا يحيط بها العقول، ولا تتوهمها الأوهام، والمسلمون لو سمعوا أحد يبوح بخلاف هذا لتبرأوا منه، وأخرجوه عن جملتهم، ونحن لو قنعنا في رد هذا المذهب بهذا المقدار، لكنا عوّلنا على ما يعول عليه في مثل هذا، لأنا إذا كان خطابنا مع موحد مسلم، كنا نخاطبه بلسان سائر المسلمين، ونقول له إن زعمت أن الله سبحانه يخفى عليه خافية، أو يتصور العقل معنى، أو يثبت في الوجود صفة أو موصوف، أو عرض أو جوهر، أو حقائق نفسية أو معنوية، وهو تعالى غير عالم به فقد فارقت الإسلام، وإن كان كلامنا مع ملحد فنرد عليه بالأدلة.
ولابد من مقدمات نقدمها قبل أن نخوض في العقليات المختصة بهذه المسألة، فمن ذلك اختلاف أهل الأصول في وجوب اتحاد معلوم العلم الحادث، فأما ظاهر مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، فإنه يوجب اتحاد معلوم العلم الحادث، ويمنع من تعلقه بأكثر من معنى واحد، وتابعه على هذا المذهب القاضي أبو بكر بن الطيب لكنه قبل ذلك بما لا يتلازم من المعلومات، وأجاز تعلق العلم الحادث بمعلومين متلازمين يستحيل أن يعلم
стр. 73
أحدهما ويجهل الآخر، وهي معلومات النسب، والتضمين، كالعلم بفوق، فإنه يستحيل أن يعلم فوق من يجهل تحت، وكذلك يمين وشمال، وخلف وقدام، وكذلك إذا قلنا هذا غير هذا، وهذا مثل هذا، وهذا خلاف هذا، فمن المحال أن يعلم التماثل بين اثنين أو التغاير بينهما من لا يعلم إلا واحدا منهما.
وأما ما لا يتلازم كزيد وعمرو، فلابد من اتحاد المعلوم، ولا يصح عنده أن يعلم هذان بعلم واحد، لأنا لو فرضنا أنهما يعلمان بعلم واحد لأدى ذلك إلى الجمع بين النقيضين، لأنه معلوم بالضرورة أنه من الممكن أن يعلم زيد، ويجهل عمرو، ويعلم عمرو، ويجهل زيد، فإذا قررنا تعلق علم واحد بهما أدى إلى أحد محالين، إما إحالة جائز أوجمع بين النقيضين، لأن العلم الواحد إذا تعلق بهما، فإن قلنا لا يصح أن يجهل أحدهما أحلنا ما كنا قدمنا القطع بجوازه وإن قلنا يصح الجهل بأحدهما مع بقاء العلم بالآخر فقد صار هذا الذي فرضنا الجهل به معلوما، من حيث فرضنا بقاء العلم المتعلق بصاحبه مجهولا من حيث فرضنا طريان الجهل به، وإذا كانت هذه العلة في منع تعلق علم حادث بمعلومين، فلا شك في فقدانهما في المتلازمين لما بيناه من استحالة العلم بأحدهما دون الآخر، وإذا وجب تقارنهما في العلم، لم يقتض تعلق علم واحد كما بيناه.
وأما أبو الحسن الباهلي أستاذ القاضي ابن الطيب، فإنه أجاز تعلق علم ضروري بمعلومات، ومنع ذلك في النظريات، لأن كل مسألة تختص بنظرها، ونظر ما يضاد نظر صاحبتها، لأن كل نظرين ضدان، والضدان لا يجتمعان، فتجويز تعلق علم نظري بمعلومين يتضمن إثبات نظرين، وإثبات نظرين معا محال، ولو جاز إثبات ذكرين لنظرين معا، فإنا نمنع تعلق علم ذكري بمعلومين، لأنه إذا ثبت ذلك في مهتديه ثبت في ذكره، إذ لا يصح أن نحيل أمرا في العلم الواقع عقيب النظر، ونجيز في العلم الواقع عند تذكار ذلك النظر مع كون (... رى) العلم متعلقا بما تعلق به الأول، وإذا كانت العلة عند هذه فلا شك أيضًا في فقدانها في الضروريات.
وحكى عن (...) وأصحابنا جواز تعلق العلم الحادث، بمعلومات متناهية، أو غير متناهية، وعبر هؤلاء كون علم الباري سبحانه متعلقا بما لا يتناهي، ومن حق العلل أن تطرد على سياق واحد شاهدا وغائبا، وهذا مذهب ضعيف لا يرتكبه محقق،
стр. 74
ووجود التفرقة بين علم الله سبحانه، وعلمنا، مذكور في كتب الكلام.
والدليل القاطع على أننا لا نعلم ما لا يتناهى، وأن ذلك مخال منا مبني [على] القاعدة، وهي إحالتنا تعلق علم حادث بمعلومين، ولو فرضنا أن الإنسان يعلم ما لا يتناهى من المعلومات لاقتضى (...) لا تتناهى وخلق علوم لا تتناهى في زمن متناه محال، فهذه مقدمة لما نحن بصدده.
وأما المعتزلة (... ني) القول بأن العلم يتعلق بالأمر على (...) مسألة اختلف الناس والمعتزلة على (ص ٤١) تجويز ذلك، إلا ابن الجبائي فإنه منعه في أحد قوليه، وأكثر أئمتنا على تجويز ذلك أيضا، وإذا قلنا بتجويز ذلك فبين أبي الحسن الأشعري والقاضي اختلاف: هل لابد أن يضام العلم على الجملة بالتفصيل أم لا؟ فرآه القاضي مضاما لها، ولم يره أبو الحسن الأشعري.
وقد اعتمد من قال إن العلم يتعلق على الجملة، كما يتعلق على التفصيل بأنا نعلم أن معلومات الله سبحانه لا تتناهى، وهذا علم منا على الجملة، وأجاب الآخرون بأنا إنما علمنا هاهنا بأن لله سبحانه علما يتعلق بما لا يتناهى فمعلومنا علم الله سبحانه، لا ما لا يتناهى، وهذا جواب ضعيف، ونحن نعلم حقيقة ما لا يتناهى على الجملة، وإن لم يستند ذلك إلى علم الله سبحانه به.
وكذلك نعلم من فارقناه عن قريب أنه بالمدينة معنا على الجملة، وإن كنا لا نعلم عين مكانه على التفصيل. وكذلك الدرهم المختلط مع دراهم نعلمه كائنا مع جملة الدراهم على الجملة، ولا نعين كونه ومكانه.
وأما طريقة من منع تعلق العلم على الجملة فسنشير إليها في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى. وأما اختلاف القاضي وأبي الحسن في كون العلم الجملي لابد أن يضامه الجهل بالتفصيل، فإنما يتضح معنى خلافهما إذا كشفت لك حقيقة منها ترقي إلى صرف خلافهما إلى عبارة، وذلك أن الذات قد تقرر أن لها صفات عامة حتى لا يوجد فوق تلك الصفة ما هو أعم منها، وخاصة حتى لا يوجد تحت تلك الصفة ما هو أخص منها، وبين هاتين صفات تكون بالمقايسة إلى ما فوقها خاصة، وإلى ما تحتها عامة، وبيان ذلك بالمثال: أن
стр. 75
السواد من أوصافه أنه معلوم، ولكن ليس فوق هذا الوصف ما هو أعم منه، لأنه وصف ينطلق على المعلوم والموجود، فإذا علم وصف آخر يميزه به عن المعدوم علمه موجودا، لكن الموجود الله سبحانه ومخلوقاته، فإذا علم وصف آخر وهو حدوثه، انفصل هذا المعلوم انفصالا آخر، لكن إذا علم كون هذا المحدث عرضا انفصل المعلوم انفصالاً آخر، لكونه قد تميز عن الجواهر، فإذا علم أن هذا العرض لون انفصل هذا المعلوم أيضًا عن بقية الأعراض، وإذا علمه سوادا انفصل هذا المعلوم عن بقية الألوان فمن علم سواد جوهر بعينه، فليس تحت هذا المعلوم ما هو أخص منه.
وهذه الأوصاف المشار بالجملة منها إلى التعميم، وبالتفصيل إلى التخصيص، فكونه لونا، خاص بالنسبة إلى كونه عرضا، عام بالنسبة إلى كونه سوادا، وليس من شرط من علم الوصف العام أن يجهل الخاص، وهذا يتضمن فلابد صحة ما قاله الأشعري من أن العلم على الجملة لا يقارنه الجهل بالتفصيل ضربة لازم، لأنا نعلم كون هذا العرض عرضا، ونجهل كونه سوادا، وتارة نعلم كونه عرضا ونعلم كونه سوادا، فقد اتضح أنه ليس من ضرورة العلم بالوصف العام، الجهل بالوصف الخاص.
فالذي قاله القاضي لا وجه له، لما بيناه، إلا أن يكون قصد المشاحة في العبارة، وذلك أنه يقول لا يسمى العالم بالوصف العام عالما بالجملة، إلا إذا جهل الوصف الخاص، وأما إذا علمه مع علمه بالوصف العام فلا أسميه عالمًا على الجملة، وامنع أن يقال إن الله سبحانه عالم على الجملة لما أشعر به هذا الإطلاق من الجهل بالتفصيل، فيعود ذلك بينه وبين الشيخ أبي الحسن اختلافا في عبارة.
وإذا وضحت هذه الحقائق، واستبان معنى العلم بالجملة والتفصيل، استبان منه القطع على فساد ما أشار إليه أبو المعالي من أن الله سبحانه يسترسل علمه على ما لا يتناهى من غير تعلق بتفاصيل آحاده، وذلك أنا إذا قلنا الله سبحانه يعلم نعيم أهل الجنة، وذلك لا آخر له، ولا نهاية، فإذا فرضناه عالما بشرب رجل من أهل الجنة كأس رحيق، وبشربه كأسا آخر، بعد ذلك، هكذا لغير آخر، فلابد أن نقول إن الكأس الأول متميز عن الثاني بجميع أوصافه الخاصة والعامة، والله سبحانه يعلم منه جميع هذه الأوصاف الخاصة والعامة، أو لا يعلم ذلك؟
فإن قال: إنه لا يتميز شرب كأس عن شرب كأس فقد كابر، (...) وإن قال: يتميز شرب بأوصاف [اختلف] بها عن صاحبه، والباري سبحانه عالم بجميع، قيل له فما
следующие страницы →