← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

قوله: "اللهم لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ"؛ يعني: لم يكن صومي رياءً، بل خالصًا لك؛ لأن الرازقَ أنتَ، فإذا أكلتُ رزقَك - ولا رازقَ غيرُك - فلا ينبغي العبادةُ لغيرك، وهذا الدعاء يُقرَأ أيضًا بعد الإفطار. روى هذا الحديثَ معاذ. * * * ٣ - باب تَنْزيه الصَّوم (باب تنزيه الصوم) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٤٢٠ - قال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بهِ فَلْيْسَ للهِ حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرابَهُ". قوله: "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بهِ فَلْيْسَ للهِ حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرابَه"، (التنزيه): الإبعاد والتخليص، والمراد به ها هنا: تخليص الصوم من الفواحش. (مَن لم يَدَعْ)؛ أي: مَن لم يتركِ الزُّورَ والكذبَ. قوله: "والعمل به"؛ أي: بالزور، أراد به جميعَ الفواحش؛ لأن كلَّ ما نَهَى الله عنه، فمَن عملَه فقد فعلَ مخالفةَ الله تعالى، والمخالفة: هو الكذب في الحكم وحصول الإثم. يعني: الغرضُ من الصيام كسرُ النفس بترك الطعام، والغرضُ من كسر النفس: تركُ المَنَاهي، والغرضُ المعظَّم من الصيام: تركُ المناهي التي هي مُحرَّمةٌ، لا تركُ الطعام والشراب اللذَين هما مباحان.

стр. 1087

فقد روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤٢١ - وقالت عائشة ﵂: كان رَسُولُ الله ﷺ يُقَبلُ ويُبَاشِرُ وهو صائِمٌ، وكانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبهِ. قولها: "كان رسول الله ﷺ يُقبل ويُباشِر وهو صائمٌ، وكان أَملكَكم لإربه"، ومعنى (يباشر) هنا: يلمس نساءَه بيدِه، (أملككم): أفعل التفضيل من (مَلَكَ مُلكًا): إذا قَدرَ على شيء وصار حاكمًا عليه، (لأَرَبه) بفتح الهمزة والراء؛ أي: لحاجته، و (الإرْب) بكسر الهمزة وسكون الراء: مثله؛ يعني: إنما فعلَ رسولُ الله ﵇ هذا؛ لأنه كان غالبًا على هواه، ولا يُخاف عليه إنزالُ المني، بخلافكم أيها الأُمة؛ فإنه لو فعلتُم هذا يُخاف عليكم إنزالَ المني، فإذا كان كذلك القُبلةُ والمُباشَرةُ مكروهتانِ لكم. وقيل: معناه: كان رسولُ الله ﵇ يقدر على أن يحفظَ نفسَه عن القُبلة والمُباشَرة؛ لأنه غالبٌ على هواه، ومع هذا يُقبل ويُباشِر، والأُمةُ قد يكون لهم صبرٌ وقدرةٌ على ترك القُبلة والمُباشَرة؛ لأنهم قلَّما يملكون هواهم، فإذا كان كذلك يُكرَه لهم القُبلةُ والمُباشَرةُ، وبهذا قال عمر وعائشة ﵄. وقال الشافعي وأحمد: لا يُكرَه لمَن لم تحرِّك القُبلةُ والمُباشَرةُ شهوتَه، وقال مالك: تُكرَهان للشابِّ دونَ الشيخ. وقال أبو حنيفة: لا تُكرَهانِ للصائم مطلقًا. فإن خرجَ المَنِي بالقُبلة والمُباشَرة بطل الصومُ بالاتفاق. * * *

стр. 1088

١٤٢٢ - وقالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ في رَمَضَانَ وهو جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، فَيَغْتَسِلُ، ويَصُومُ". قولها: "كان رسولُ الله ﷺ يُدركه الفجرُ في رمضان وهو جنبٌ من غير حُلمٍ، فيغتسل ويصوم"، (من غير حُلم)؛ أي: من غير احتلام؛ يعني: لو جامَعَ أحدٌ قبلَ الصبح ولم يغتسل إلا بعد الصبح فلا بأسَ عليه، ولا خللَ في صومه عند الأئمة الأربعة. وقال بعض التابعين: يبطل صومُه، وقال إبراهيم النَّخَعي: يبطل الفرضُ دون النفل. * * * ١٤٢٣ - وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ، واحْتَجَمَ وهو صَائِمٌ. قوله: "إن النبي ﷺ احتجم وهو مُحرِمٌ، واحتجم وهو صائمٌ"، تجوز الحِجامةُ للمُحرِم بالحج أو العمرة بشرط أن لا ينتفَ شَعرًا، فإن نتفَ شعرًا فعليه الفِديةُ، كما يأتي في (كتاب الحج)، وكذلك يجوز للصائم الحِجامةُ من غير كراهيةٍ عند أبي حنيفة ومالك والشافعي. وقال الأوزاعي: يُكرَه للصائم الحجامةُ؛ مخافةَ الضعف، وقال أحمد: يبطل صومُ الحاجم والمحجوم، ولا كفارةَ عليهما. وقال عطاء: يبطل صومُ المحجوم وعليه الكفارةُ. * * * ١٤٢٤ - وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وهو صائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وسَقَاهُ".

стр. 1089

قوله: "مَن نَسِيَ وهو صائمٌ ... " إلى آخره؛ يعني: لا يبطل الصومُ بالأكل والشرب ناسيًا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: يبطل الصومُ بالأكل والشرب ناسيًا. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: هَلَكَتُ، وأَهْلَكْتُ، فقال: "ما شَأْنُكَ؟ "، قال: وَقَعْت على امْرَأَتِي في نَهارِ رَمضانَ، قال: "فأَعْتِقْ رَقَبَة"، قال: لَيْسَ عندي، قال: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ"، قال: لَا أستطيعُ، قال: "فَأَطْعِمَ سِتِّينَ مسكينًا"، قال: لا أَجِدُ، قال: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فأُتِىَ النَّبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ - والعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ - قال: "خُذْ هذا فتَصَدَّقْ بِه"، قال: على أَفْقَرَ مِنَّا؟، فَضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قال: "أَطْعِمْهُ عِيالَكَ". قوله: "هلكتُ وأَهلكتُ"؛ أي: هلكتُ بحصول الذنب لي، وأهلكتُ امرأتي بأن حصلت لها ذنبًا. "ما شأنك؟ "؛ أي: أيُّ شيءٍ أمرُك وحالُك حتَّى تقول هذا؟ "وقعتُ على امرأتي"؛ أي: جامعتُها في رمضان؛ أي: في نهار رمضان. قوله: "فأَعتِقْ رقبةً"؛ أي: كفارةُ هذا الذنب أن تُعتقَ رقبةً عبدًا أو أَمَةً. العَرَق" بفتح العين والراء "المِكْتَل" بكسر الميم: وهو الزِّنْبيل. قوله: "على أفقرَ منا"؛ أي: أتصدُّق بهذا على من هو أكثرُ حاجةً منا؛ يعني: أنا وعيالي فقراء ليس أحدٌ أفقرَ منا، فهل يجوز لنا أن نأكلَه أم لا بد أن أتصدَّق به على غيرنا؟

стр. 1090

"النواجذ": أواخر الأسنان، واحدتها: ناجزة. اعلم أنه ﵇ لم يأمر الأعرابيَّ بقضاء صوم ذلك اليوم في هذا الحديث، ولكن أمرَه بقضائه في رواية أخرى، ولم يورد المصنف تلك الروايات في "المصابيح". واعلم أن الأعرابيَّ لمَّا ذكرَ عجزَه عن الإعتاق والصوم والإطعام لم يقلْ رسولُ الله: في ذِمَّتك حتى يقدرَ على أحد هذه الثلاثة؛ هذه خاصيةُ ذلك الأعرابي. وأما غيرُه إذا فعلَ هذا الفعلَ وعجزَ عن هذه الثلاثة يجب في ذِمَّته إلى أن يقدرَ على واحدٍ من هذه الثلاثة. قوله ﵇ للأعرابي: "أَطعِمْه عيالَك": خاصةٌ للأعرابي، ولا يجوز لغيره أن يطعمَ طعامَ الكفارةِ عيالَه، وهذه الكفارةُ مرتبة عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد. وقال مالك: هي مخيَّرة بفعل المُجامِع ما شاء من هذه الثلاثة، ومعنى المرتب: أن يكون الإعتاق مقدَّمًا، فإن لم يقدر على الإعتاق فيلزمه صومُ شهرَين متتابعَين، فإن لم يقدر على الصوم فيُطعم ستين مسكينًا، كلَّ مسكينٍ مُدًّا، وقال أبو حنيفة: نصفَ صاعٍ. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رجُلًا سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عنِ المُبَاشَرَةِ للصَّائِمِ فَرَخَّصَ له، وأَتَاهُ آخَرُ فَنَهَاهُ، فإذا الذي رَخَّصَ له شَيْخٌ، والذي نَهَاهُ شابٌّ.

стр. 1091

قوله: "عن المُباشَرة"؛ أي: عن القُبلة واللمس باليد، وإنما رخَّص للشيخ؛ لأنه لا تكون له شهوةٌ غالبةٌ، فيُخاف عليه إنزالُ المني، بخلاف الشباب. * * * ١٤٢٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ وهو صائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْه قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ"، ضعيف. قوله: "مَن ذَرَعَه القَيء": غلبَ عليه القيء، فخرجَ بغير اختياره لا قضاءَ عليه؛ لأنه لا تقصيرَ منه. قوله: "ومَن استقاء"؛ أي: طلبَ القيءَ وأخرجَه باختياره فعليه القضاءُ. * * * ١٤٢٩ - عن مَعدانَ بن أبي طَلْحَةَ، أنَّ أبا الدَّرداءِ حَدَّثه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَاء فَأَفْطَرَ، قال ثَوْبَان: صَدَقَ، وأَنا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ. قوله: "وأنا صببتُ له وَضوءَه" بفتح الواو؛ أي: ماءَ وضوئه؛ يعني: سكبتُ الماءَ على يديه حتى غسلَ يدَيه وفمَه، هذا تأويله عند الشافعي؛ لأن القيءَ لا يُبطل الوضوءَ عنده. وقال أبو حنيفة: يُبطل القَيءُ الوضوءَ. * * * ١٤٣٠ - عن عامر بن رَبيعةَ قال: رأَيتُ النَّبيَّ ﷺ ما لا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وهو صائِمٌ. قوله: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ ما لا أُحصي يتسوَّك وهو صائمٌ"، (ما لا أحصي)؛ أي: ما لا أقدر على عدِّه من كثرته، (الإحصاء): العَدُّ، ولا يُكرَه السواكُ للصائم في جميع النهار، بل هو سُنَّةٌ عند أكثر العلماء، وبه قال أبو حنيفة

стр. 1092

ومالك؛ لأنه تطهيرٌ. وقال ابن عمر ﵄: يُكرَه بعد الزوال؛ لأن خَلُوفَ فمِ الصائم أثرُ العبادة، وهو أطيبُ عند الله من ريح المسك، والخَلُوفُ يظهر عند خلو المَعدة من الطعام، وخلوُّ المعدة يكون عند الزوال غالبًا، وإزالةُ أثرِ العبادةِ مكروهٌ، وبه قال الشافعي وأحمد. روى هذا الحديثَ عامر بن ربيعة العدوي. * * * ١٤٣٢ - ورُوي عن أنَس ﵁ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ قال: اشْتَكَيْتُ عَيْنِي، أفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟، قال: "نَعَمْ"، ضعيف. قوله: "اشتَكيتُ عيني"؛ أي: أَشكُو من وجع عيني. الاكتحالُ للصائم غيرُ مكروهٍ، وإن ظهرَ طعمُه في الحلق عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وكرهَه أحمد. * * * ١٤٣٣ - ورُوي عن بعضِ أَصحابِ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: لَقَدْ رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ بالعَرْجِ يَصُبُّ على رَأْسِهِ الماءَ وهو صَائِمٌ مِنَ العَطَشِ، أوْ مِنَ الحَرِّ. قوله: "رأيتُ النبيَّ ﷺ بالعَرْج يصبُّ على رأسه"، (العرج): أسم موضع بالمدينة. لا يُكرَه للصائم أن يصبَّ على رأسه الماءَ وينغمس في الماء، وإن ظهر برودتُه في باطنه. * * *

стр. 1093

١٤٣٤ - عن شَدَّاد بن أَوْسٍ قال: رَأَى النَّبيُّ ﷺ رجُلًا يَحْتَجِمُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، قال: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ". قال المصنِّف ﵀: وتأَوَّلَه بعضُ مَنْ رخَّص في الحِجَامة، أي: تعرَّضَا للإفطار، المَحجُوم للضَّعْف، والحاجِم لأنَّه لا يأْمَن من أَنْ يصِلَ شيءٌ إلى جَوْفِه بمصِّ المَلازِم. قوله: "أفطرَ الحاجمُ والمحجوم"، قال أحمد: بطلَ صومُهما بظاهر هذا الحديث، وقال غيره: لا يبطل صومُهما، وقد ذُكر بحثُ هذا وتأويلُه. قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) أنهما فَعَلا فِعلًا يُخاف عليهما إفطارُ الصوم، أما المحجومُ لحصول ضعفٍ فيه، وأما الحاجمُ فلامتصاصه تلك القارورة؛ فإنه يُخاف عليه أن يَصِلَ شيءٌ من الدم إلى جوفه. * * * ١٤٣٥ - ورُوي عن أبي هُريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ أَفْطَرَ يومًا مِنْ رَمضانَ مِنْ غيرِ رُخْصَةٍ ولا مَرَضٍ لم يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّه"، ضعيف. قوله: "لم يقضِ عنه صومُ الدهرِ كلِّه"؛ يعني: لم يجد فضيلةَ صوم المفروض بصوم النافلة، وليس معناها: لو صام الدهر بنية قضاء يوم رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم، بل يُجزئه قضاءُ يومٍ بدلًا من يومٍ. * * * ١٤٣٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "كَمْ مِنْ صائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الظَّمَأُ، وكَمْ مِنْ قائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيامِهِ إلَّا السَّهَرُ". قوله: "كم مِن صائمٍ ... " إلى آخره؛ يعني: كلُّ صومٍ لا يكون خالصًا

стр. 1094

لله تعالى، بل يكون رياءً ونفاقًا يحصل له العطشُ والجوعُ ولا يحصل له الثوابُ، وكذلك لو تكلَّم الصائمُ بالكذب والغِيبة وشتم الناس وغير ذلك مما لا يكون له الثوابُ؛ لأن ثوابَ صومه يأخذه منه مَن شتمَه واغتابَه يومَ القيامة، وكذلك القائمُ في الليل بالصلاة وتلاوة القرآن إذا كان رياءً ليس له ثوابٌ، ويحصل له مشقةُ السهر، وهو تركُ النوم، وكذلك جميع العبادات إذا لم يكن خالصًا. * * * ٤ - باب صَوْم المُسافِر (باب صوم السفر) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٤٣٧ - قالت عائشة ﵂: إنَّ حَمْزَةَ بن عَمْروٍ الأَسْلَمِيَّ قالَ للنَّبيِّ ﷺ : أَصومُ في السَّفَرِ؟، وكانَ كَثيرَ الصِّيامِ، فقال: "إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ". قوله: "إن شئتَ فصُمْ، وإن شئت فأفطِرْ". الإفطار والصوم كلاهما جائزان في السفر، الاختيارُ إلى الرجل عند أكثر العلماء إلا ابن عباس وابن عمر ﵃، فإنهما قالا: لا يجوز الصومُ في السفر، ثم اختلف القائلون بجواز الصوم والفطر؛ فقال أحمد: الفِطرُ أفضلُ، وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: الصومُ أفضلُ لمَن يُطيقه، ومَن يلحقه ضررٌ شديدٌ بالصومِ فالفِطرُ له أفضلُ. * * *

стр. 1095

١٤٣٨ - وقال أبو سَعيد الخُدْري ﵁: غَزَوْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رمَضانَ، فَمِنَّا مَنْ صامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فلمْ يَعِبِ الصَّائمُ على المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ على الصَّائمِ. قوله: "قد ظُلِّل عليه"؛ أي: سقط من ضعف الصوم وجُعل على رأسه ظلٌّ. قوله: "ليس من البرِّ الصومُ في السفر"؛ يعني: لمَن يلحقه ضررٌ شديدٌ بالصوم الصومُ في حقِّه لا يَحْسُنُ. * * * ١٤٤١ - وقال ابن عبَّاس ﵄: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ، فصامَ حتَّى بَلَغَ عُسْفانَ، ثُمَّ دَعا بماءٍ فَرَفَعَهُ إلى يَدِهِ لِيَرِاهُ النَّاسُ، فَأَفْطَرَ حتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وذلكَ في رمضانَ. قوله: "حتَّى بلغَ عُسفانَ"، (عُسفان): اسم موضع قريب من المدينة. * * * ١٤٤٢ - ورُوي عن جابرٍ: أَنَّهُ شَرِبَ بعدَ العَصْرِ. قوله: "شرب بعد العصر"؛ يعني: كان رسولُ الله ﵇ صائمًا إلى وقت العصر، ثم أفطرَ؛ ليعلمَ الناسُ أن الإفطارَ في السفر جائزٌ. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٤٣ - روى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله وَضَعَ عَنْ المُسافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ، والصَّوْمَ عَنِ المُسافِرِ، وعَنِ المُرْضعِ، والحُبْلَى". "شطر الصلاة"، (الشطر): النصف؛ يعني به القصر.

стр. 1096

"الحُبْلَى": الحامل، يجوز للمُرضع والحامل الإفطارُ إذا خافَتَا أن يلحقَهما أو يلحقَ ولدَيهما ضررٌ بالصوم باتفاق العلماء، وأما في الفدية خلافٌ؛ فقال الشافعي وأحمد: يُطعمانِ المساكين عن كلِّ يومِ مُدًّا من الحِنطة أو قُوتَ غيرها إن كان قُوته غيرَ الحِنطة. وقال أبو حنيفة: ليس عليهما الفديةُ، وقال مالك: تجب على الحامل دون المُرضع؛ لأن الحاملَ يلحق الضررُ نفسَها والمُرضعَ ولدَها، فتكون الحاملُ كالمريض ولا بد من القضاء بالاتفاق. روى هذا الحديثَ "أنسُ بن مالك" ﵁، الذي هو من بني عبد الله ابن كعب، ولم يروِ (أنسٌ) غيرَ هذا الحديث، و (أنسٌ) هذا ليس بـ (أنسٍ) الذي هو خادمُ النبي ﵇. * * * ١٤٤٤ - وقال: "مَنْ كانَتْ لَهُ حَمُولَةَ تَأْوِي إلى شِبَعٍ، فَلْيَصُمْ رمضانَ حيثُ أَدْرَكَهُ". قوله: "مَن كانت له حَمُولةٌ يأوي إلى شِبعٍ فَلْيَصُمْ رمضانَ حيث أدركَه"، (الحَمولة) بفتح الحاء: المركوب؛ يعني: مَن كان راكبًا وسفرُه قصيرًا بحيث يبلغ إلى المنزل في يومِ فَلْيَصُمْ رمضانَ، والمراد بقوله: (تأوي إلى شبعٍ): الوصول إلى المنزل؛ يعني: إذا كانت المسافةُ أقلَّ من ستةَ عشرَ فرسخًا لا يجوز الإفطارُ. وقال داود: يجوز الإفطارُ في السفر أيَّ قَدْرٍ كان، ويحتمل أن يكون معنى هذا الحديث: أن مَن كان راكبًا ومعه زادٌ يفطر به في الليل فَلْيَصُمْ رمضانَ، وإن كان سفرُه طويلًا؛ لأن الراكبَ قلَّما تلحقه مشقةُ السفر، وعلى هذا التأويل يكون أمرَ استحباب؛ يعني: الصومُ أحبُّ في السفر من الإفطار، والله أعلم. * * *

стр. 1097

٥ - باب القَضَاء (باب القضاء) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٤٤٥ - قالت عائشةُ ﵂: كانَ يَكُونُ عليَّ الصَّوْمُ مِنْ رمَضانَ، فَما أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضيَ إلَّا في شَعبانَ. تعني: الشُّغْلُ بالنَّبيِّ ﷺ . قوله: "تعني الشُّغلَ بالنبي ﷺ "، يعني كانت مشغولةً بخدمة النبي ﵇، لعلها تعني بهذا الشغل؛ لأنها لا تصوم كي لا يفوتَ عن النبي ﵇ استمتاعُها، فأخَّرَت قضاءَ رمضان إلى شعبان، فإذا جاء شعبان قَضَتْ ما عليها من الصيام، وإن فاتَتْ عنها خدمةُ النبي ﵇؛ لأنه لا يجوز تأخيرُ القضاء من شعبان، فإن أخَّر أحدٌ قضاءَ رمضانَ عن شعبانَ وقضى بعد رمضانَ آخرَ فعليه مع القضاء عن كلَّ يومٍ مُدٌّ من الطعام عند الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا فديةَ عليه. * * * ١٤٤٦ - قال رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ للمَرأَةِ أَنْ تَصُومَ وزَوْجُها شَاهِدٌ إلَّا بإذْنِهِ، ولا تأْذَنَ في بَيْتِهِ إلَّا بإذْنِهِ". قوله: "لا يحلُّ لامرأةٍ أن تصومَ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنه"، (شاهد)؛ أي؛ حاضر في البلد، والمراد بهذا الصوم: صوم النافلة؛ كي لا يفوتَ عن الزوج استمتاعُها. قوله: "ولا تأذن في بيته إلا بإذنه"؛ يعني: لا تأذن المرأةُ لأجنبيٍّ في دخول البيت. قولها في جواب معاذة: كنَّا نُؤمَر بقضاء الصوم ولا نُؤْمر بقضاء

стр. 1098

الصلاة، فهذا الجواب ليس جوابًا لسؤال معاذة؛ لأنها تعلم هذا الحكمَ، ولكن تسأل عن علَّته، ولم تُجِبْها عائشةُ بما فيه بيانُ علَّة الحكم، ولم تبين لها علَّةَ الحكم؛ لأنه يجب على الناس قَبولُ أحكام الشرع، سواءٌ علموا علَّتَها أو لم يعلموا، ولكن لو طلب أحدٌ علَّةَ حكم من الأستاذ لطلبِ الفائدةِ لا للإنكارِ والاعتراضِ على الشارع فلا بأسَ. وقيل: علَّة هذه المسألة أن قضاءَ صوم رمضانَ لا حرجَ فيه؛ لأن أكثرَ الحيضِ خمسةَ عشرَ يومًا، وقضاءُ خمسةَ عشرَ يومًا في سنةٍ غيرُ شديدٍ، بخلاف قضاء الصلاة؛ فإنه ربما يكون حيضُ المرأةِ خمسةَ عشرَ يومًا من كل شهرٍ، فقضاءُ خمسةَ عشرَ يومًا من كل شهرٍ شديدٌ. * * * ٦ - باب صِيَام التَّطوُّع (باب صيام التطوع) ١٤٥١ - وقالتْ: ما عَلِمْتُهُ صامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمضانَ، ولا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حتَّى يصومَ منهُ، حتَّى مَضَى لِسَبيلِهِ. "حتى مضى لسبيله"؛ يعني: حتى تُوفِّي. * * * ١٤٥٢ - وقال عِمْرانَ بن حُصَين: قال رسول الله ﷺ له أَو لآخَر: "أَصُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعبانَ؟ "، قال: لا، "قال: "فإذا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ". قوله: "له أو لآخر"؛ يعني: شكَّ الراوي أن النبيَّ ﵇ قال

стр. 1099

لعِمران بن الحُصين أو قال لرجلٍ آخرَ: "أصمتَ من سررِ شعبان؟ " (السَّرَر) و (السِّرَار) بفتح السين وكسرها: ليلتان من آخر الشهر؛ يعني: إذا أفطرتَ اليومَين الأخيرَين من شعبان فاقضِ مكانَهما يومَين، قيل: كان عليه صومُ يومِ الأخيرَين من شعبان، فأمرَه رسولُ الله ﵇ بقضائها إذا فاتا، على هذا الوجه فسَّره أصحاب الحديث، سُمِّي اليومانِ الأخيرانِ من الشهر سَرَرًا وسِرَارًا؛ لاستتار القمر في ليلتهما. * * * ١٤٥٣ - وقال: "أفْضَلُ الصِّيامِ بعدَ رَمضانَ شَهْرُ الله المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بعدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ". قوله: "أفضلُ الصيام بعدَ رمضانَ شهرُ الله المُحرَّم"؛ أضاف (شهر المُحرَّم) إلى نفسه تعالى؛ لتعظيم هذا الشهر. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤٥٤ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ما رَأَيتُ النَّبيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيامَ يَومٍ فَضَّلَهُ على غيرِهِ إلَّا هذا اليومَ يومَ عاشوراءَ، وهذا الشهرَ، يعني: شهرَ رمضانَ. قوله: "يتحرَّى صيامَ يومٍ فضَّلَه" بدل من قوله: (صيام يوم)، والتقدير: يتحرَّى فضلَ صيامِ يومٍ على غيره، و (التحرِّي): طلبُ الصوابِ والمبالغةُ في طلبِ شيءٍ؛ يعني: ما رأيتُه يُبالغ في تفضيل صومِ يومٍ على يوم إلا عاشوراءَ ورمضانَ؛ فإنه ﵇ فضَّل صومَ هذه الأيام على صوم غيرها. أما صومُ رمضانَ فلأنه مفروضٌ، وأما عاشوراء فإنها كانت فريضةً في أول الإسلام، ثم نُسخت فرضيتُها ووجبَ فرضيةُ رمضانَ، ولا شك أن السُّنةَ

стр. 1100

التي كانت فريضةً ثم نُسخت فرضيتُها أفضلُ من سُنَّةٍ لم تكن فرضًا قطُّ. * * * ١٤٥٥ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: حِينَ صامَ رسول الله ﷺ يومَ عاشوراءَ وأَمَرَ بصِيامِهِ قالوا: يا رسُولَ الله!، إنَّهُ يومٌ تُعَظِّمُهُ اليَهُودُ، فقال: "لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ". قوله: "حين صام رسولُ الله ﷺ يومَ عاشوراءَ ... " إلى آخره، قصته: أن النبي ﵇ لمَّا خرج من مكةَ ودخل المدينةَ رأى اليهودَ يصومون يومًا، فقال لهم: "ما هذا اليوم؟ " فقالوا: هذا يومٌ أظهرَ الله موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنصوم هذا اليومَ ونعظِّمه، فقال رسول الله ﵇: "نحن أَولى بموسى ﵇"؛ يعني: بموافقته، فصام رسولُ الله ﵇ ذلك اليومَ وأمرَ أصحابَه بصومه، وذلك يوم عاشوراء، وهو العاشر من المُحرَّم، فلما كانت السنةُ العاشرةُ من الهجرة وصامَ يوم عاشوراء قال له أصحابه: هذا يومٌ يعظِّمه اليهود؛ يعنون بذلك: أنَّا لا نريد موافقتَهم، فقال رسول الله ﵇: "لئن بقيت إلى قابلٍ لأَصومَنَّ التاسعَ"؛ يعني: لئن عشتُ إلى المُحرَّم الذي يأتي بعد هذا لأَصومَنَّ من اليوم التاسع من المُحرَّم، يسمى ذلك اليومُ تاسوعاءَ، فلم يَعِشْ رسولُ الله ﵇ إلى السَّنة القابلة، تُوفي في الثاني عشرَ من الربيع الأول، فصار اليومُ التاسعُ من المُحرَّم صومُه سُنَّةً وإن لم يَصُمْه رسولُ الله ﵇؛ لأنه عَزَمَ على صومه، وكلُّ ما فعلَه رسولُ الله ﵇ أو عَزَمَ عليه أو أَمَر به أو رَضيَ به كان ذلك سُنَّةً، إن لم يكن فريضةً. وقوله: "لأصومن التاسع"، لم يقل ﵇ هذا على عزم ترك صوم عاشوراء مخالفة لليهود، بل قال هذا وعزم على صوم التاسع من المُحرَّم لتعلم اليهودُ أنَّه ﵇ وأصحابَه لم يصوموا عاشوراءَ موافقةً لهم؛

стр. 1101

لأنهم لو صاموها موافقةً لهم لم يعزموا على صوم تاسوعاء. * * * ١٤٥٦ - وقالتْ أُمِّ الفَضْل بنت الحارِث: إنَّ ناسًا تَمارَوْا يومَ عَرَفَةَ في صِيامِ رسُولِ الله ﷺ ، فأَرْسَلْتُ إليهِ بِقَدَحِ لَبن وهو واقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ. قولها: "إن ناسًا تمارَوا"؛ أي: شكُّوا، (التماري): الشكُّ؛ يعني: خَفِيَ على الصحابة أن رسولَ الله ﵇ هل هو صائمٌ يومَ عرفةَ بعرفة أو ليس بصائمٍ؟ "فأرسلْتُ إليه" بلَبن؛ لأرى هل يشربه أم لا؟ فشربَه، فعلم الناسُ أنَّه ﵇ ليس بصائمٍ، فعُلِمَ بهذا أن صومَ يومِ عرفةَ سُنَّةٌ لغير الحاجِّ. وأما الحاجُّ قال الشافعي ومالك: ليس بسُنَّةٍ لهم؛ كي لا يضعفوا عن الدعاء بعرفة. وقال: إسحاق بن راهَوَيه: إنه سُنَّةٌ لهم، وقال أحمد: إن لم يضعفوا صاموا، وإن ضعفوا لم يصوموا. * * * ١٤٥٧ - وقالت عائشةُ ﵂: ما رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ صائِمًا في العَشْرِ قَطُّ. قول عائشة ﵂: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صائمًا في العَشْرِ قطُّ"؛ أي: في العَشْرِ من أول ذي الحجَّة. اعلم أن صومَ تسعةِ أيامِ من أول ذي الحجَّة سُنَّةٌ؛ للحديث المذكور في فضلها في آخر هذا الباب، وقولها: (ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صائمًا في العَشْر

стр. 1102

قط) لا ينفي كونَها سُنَّةً؛ لأنه ﵇ ربما صامَها ولم تعرفْ عائشةُ ﵂ بصومه، فإذا تعارَضَ النفيُ والإثباتُ فالإثباتُ أَولى بالقَبول. * * * ١٤٥٨ - وعن أَبي قَتادة قال: قال عُمر: يا رسُولَ الله!، كيفَ مَنْ يصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟، قال: "لا صامَ، ولا أفْطَرَ، ثَلاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ، فهذا صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيامُ يومِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ على الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ التي بعدَهُ، وصِيامُ يومِ عاشُوراءَ أَحْتَسِبُ على الله أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَها". قولها: "لا صامَ ولا أفطرَ"؛ يعني: هذا الشخص كأنه لم يصمْ ولم يُفطرْ، لأنه لم يأكلْ شيئًا، ولم يَصُمْ؛ لأنه لم يكن بأمر الشارع. قال الشافعي ومالك: هذا في حقِّ مَن صامَ جميعَ أيام السَّنة حتى يومَي العيد وأيام التشريق، فمَن صام هكذا فكأنه لم يَصُمْ؛ لأن يومَي العيدِ وأيامَ التشريقِ صومُهما مُحرَّمٌ، فأما مَن لم يَصُمْ هذه الأيامَ الخمسةَ لا بأسَ عليه في الصوم غير هذه الأيام؛ لأن أبا طلحةَ الأنصاريَّ وحمزةَ بن عمرو الأسلميَّ كانا يصومانِ الدهرَ، غيرَ هذه الأيامِ الخمسةِ، ولم يُنكر عليهما رسولُ الله ﵇. وقال أحمد: يجب أن يفطرَ هذه الأيامَ الخمسةَ حتى يخرجَ من النهي، وعلَّةُ نهي صومِ الدهر: صيرورةُ الرجل به ضعيفًا عاجزًا عن الجهاد وقضاء الحقوق. قوله: "ثلاثٌ من كل شهرٍ"، قيل: مرادُه من هذه الثلاثة: أيام البيض، والصحيح أن الرجلَ مخيَّر، أيَّ ثلاثةِ أيامٍ صام من كل شهر وجدَ هذا الثوابَ، بدليل حديث عائشة، ويأتي بعد هذا.

стр. 1103

قوله: "أحتسب"؛ أي: أرجو. "يُكفِّر" بتشديد الفاء؛ أي: يَستُر ويُزيل ذنوبَ صائمِ ذلك اليوم، ذنوبَه التي اكتسبَها في السَّنة التي قبلَها والسَّنة التي بعدها، ولعل المرادَ بهذه الذنوب: غيرُ الكبائر؛ لأنه اشترطَ اجتنابَ الكبائر في أحاديث. فإن قيل: كيف يكون تكفيرُ ذنوب السَّنة التي بعدها ولو لم يكن للرجل ذنبٌ في السَّنة التي لم تأت بعدُ؟ قيل: معناه: يحفظهُ الله تعالى عن أن يُذنبَ إذا جاءت تلك السَّنة، أو يعطيه من الرحمة والثواب بقدَرْ ما يكون كفَّارةً للسَّنة القابلة اذا جاءت واتفق له فيها ذنوبٌ. * * * ١٤٥٩ - وسُئل عَنْ صَوْمِ يومِ الإثْنَينِ فقال: "فيهِ وُلِدتُ، وفيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ". قوله: "وسُئل عن صوم الاثنين": راوي هذا الحديث أيضًا أبو قتادة، عن عمر: أنه سأل رسولَ الله ﵇ عن صوم يوم الاثنين، فأجابه بما يدل على أن هذا اليومَ مباركٌ وصومَه محبوبٌ. * * * ١٤٦١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صامَ رَمضانَ، وأتْبَعَه سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كانَ كصِيامِ الدَّهْر". قوله: "من صامَ رمضانَ وأتبعَه سِتًّا من شوَّالٍ كان كصيامِ الدهر": وإنما كان كذلك؛ لأن الحسنةَ بعَشْرِ أمثالها، فإذا صام رمضانَ فكأنه صامَ عشرةَ أَشهُرٍ، وإذا صام ستةَ أيامٍ من شوالٍ فكأنه صامَ شهرَين، وهذه الستةُ لو صامَها

стр. 1104

متتابعةً بعد يوم العيد لكان أَولى، ولو صامَها متفرقةً في شوَّالٍ جازَ. روى هذا الحديثَ أبو أيوب الأنصاري. * * * ١٤٦٤ - وقال: "أيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وشُرْبٍ، وذِكْرٍ لله". قوله: "أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله"، وحُرِّم الصومُ في يومَي العيد وأيام التشريق؛ لأن الناسَ أضيافُ الله تعالى في هذه الأيام، أراد أن يأكلَ الناسُ في عيد الأضحى وأيام التشريق من لحوم الأضاحي؛ حتى يكون للفقراء رفاهيةٌ وطيبُ عيشٍ في هذه الأيام. وفي عيد الفطر يأكل الفِطرةَ والأطعمةَ التي أعطاهم الأغنياءُ، وأراد أن يوافقَهم الأغنياءُ في ترك الصوم، فحرَّم الصومَ في هذه الأيام على الفقراء والأغنياء. سمَّى هذه الأيامَ: أيامَ التشريق؛ لأن معنى (التشريق) جعلُ اللحم قديدًا، والفقراء يُقدِّدون ما أُعطوا من لحوم الأضاحي في هذه الأيام، فسمَّى هذه الأيامَ: أيامَ التشريق لأجل هذا. روى هذا الحديثَ نُبَيْشَة الهُذَلي. * * * ١٤٦٥ - وقال: "لا يصُومُ أَحَدُكُمْ يومَ الجُمعةِ إلَّا أنْ يصُومَ قَبْلَهُ، أو يصُومَ بعدَه". ١٤٦٦ - وقال "لا تَخْتَصُّوا ليلةَ الجُمعةِ بِقيامٍ مِنْ بينِ اللَّيالي، ولا تخْتَصُّوا يومَ الجُمعةِ بصيامٍ مِنْ بينِ الأَيَّامِ إلَّا أنْ يكُونَ في صَوْمٍ يَصُومُه أَحدُكم".

стр. 1105

قوله: "لا يصومُ أحدُكم يومَ الجمعة إلا أن يصومَ قبلَه أو بعدَه"، قيل: علَّة النهي: إنما كانَ ترك موافقةِ اليهودِ السبتَ في يومٍ واحدٍ من بين أيام الأسبوع؛ يعني: عظَّمت اليهودُ السبتَ فلا تُعظِّموا أنتم الجمعةَ خاصةً بصيامٍ وقيامٍ، بل عظِّموا جميع الأيام. روى هذا الحديثَ والذي بعدَه أبو هريرة. * * * ١٤٦٧ - وقال: "مَنْ صامَ يومًا في سَبيلِ الله بَعَّدِ الله وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَريفًا". قوله: "مَن صام يومًا في سبيل الله تعالى بعَّدَ الله وجهَه عن النار سبعين خريفًا"؛ أي: سَنةً؛ يعني: مَن جمع بين تحمُّل مشقة الصوم ومشقة الغزو يكون له هذا التشريفُ، وهذا إذا اتفق الغزو في البلد، أما إذا كان في السفر فإن لم يَلحَقْه ضعفٌ يمنعُه عن الجهاد فالصومُ أفضلُ له من الإفطار، وإن لحقَه ضعفٌ فالإفطارُ أَولى. روى هذا الحديثَ أبو سعيد الخُدْري. * * * ١٤٦٨ - وقال عبد الله بن عَمْرو بن العاص: قالَ لي رسُول الله ﷺ : "يا عَبْدَ الله!، أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تصُومُ النَّهارَ، وتقُومُ اللَّيْلَ؟ "، فقلتُ: بلَى يا رسُولَ الله، قال: "فلا تَفْعَلْ، صُمْ وأفْطِر، وقُمْ ونَمْ، فإن لِجَسَدِكَ علَيْكَ حقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حقًّا، لا صامَ مَنْ صامَ الدَّهْرِ، صَوْمُ ثلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّه، صُمْ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةُ، واقْرأ القُرآنَ في كُلِّ شَهْر"، قلت: إنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذلك، قال: "صُمْ أفْضَلَ الصَّوْم صَوْمَ داوُدَ، صيامُ يومٍ وإفْطارُ يومٍ، واقْرَأْ في كُلِّ سَبْعِ لَيالٍ مَرَّةً،

стр. 1106

ولا تَزِدْ على ذلكَ". قوله: "تصومُ النهارَ وتقومُ الليلَ"؛ أي: تصوم النهارَ أبدًا وتقوم جميعَ الليل، ولا تنام. قوله: "إن لجسدِك عليك حقًّا وإن لنفسك عليك حقًّا"، (النفس): الدمُ، وعين الشيء، والنفس أيضًا بمعنى الجسد، ولعل المرادَ ها هنا بـ (النفس): الذات، وبـ (الجسد): اللحم؛ يعني: كلُّ شيءٍ من بدنك له عليك حقٌّ، فلا يجوز لك إضاعتُه وإضرارُه بحيث تعجز عن عبادة الله تعالى وقضاء الحقوق، فإن الصومَ الدائمَ يذيُب لحمَك ويُضعف قوتَك، ويَقل به نورُ عينك، وتعجز عن القيام بحقِّ زوجك من المضاجعة والمباشرة والمكالمة، وتعجز أيضًا عن المجالسة مع زَوْرِك والقيام بخدمتهم. و"الزَّور" جمع: زائر، وهو الضيف. قوله: "واقرأ القرآن في كل شهر"؛ أي: اقرأ كلَّ يومٍ وليلةٍ جزءًا من ثلاثين جزءًا حتى تختمَ كلَّ شهرٍ خَتمةً واحدةً. * * * ١٤٧٠ - وقال أبو هُريرة ﵁: قالَ رسولُ الله ﷺ : "تُعْرَضُ الأَعمالُ يومَ الإِثْنَيْنِ والخمِيسِ، فأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلي وأنا صائِمٌ". قوله: "تُعرَض الأعمالُ"؛ أي: تُعرَض الأعمالُ على ربِّ العالمين "يومَ الاثنين والخميس"، جاءت لفظة (رب العالمين) في حديث آخر. * * * ١٤٧٢ - عن عبد الله قال: كان رسُولُ الله ﷺ يصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثلاثَةَ أَيَّامٍ، وقَلَّمًا كانَ يُفْطِرُ يومَ الجُمعةِ.

стр. 1107

قوله: "وقلَّما كان يُفطر يومَ الجمعة"، تأويل هذا: أنه يصوم مع يوم الجمعة يومًا قبله أو يومًا بعده، حتى لا يكونَ التناقضُ بين هذا وبين نهيه عن صوم يوم الجمعة، أو نقول: هذا مختص برسول الله ﵇، كما كان الوِصالُ مختصًا به. * * * ١٤٧٣ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ يصُومُ مِنْ الشَّهْرِ السَّبْتَ، والأَحَدَ، والإِثْنَيْنَ، ومِنَ الشَّهْرِ الآخر الثَّلاثاءَ، والأَرْبعاءَ، والخَمِيسَ". قول عائشة: "كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبتَ والأحدَ والاثنين، ومن الشهرِ الآخرِ الثلاثاءَ والأربعاءَ والخميسَ": أراد رسولُ الله ﵇ أن يبين سُنَّةَ صومِ جميعِ أيام الأسبوع؛ فصام من شهرٍ السبتَ والأحدَ والاثنين، ومن شهرٍ الثلاثاءَ والأربعاءَ والخميسَ، وإنما لم يَصُمْ جميعَ هذه الستةَ متواليةً لئلا يشقَّ على الأمة الاقتداءُ به، ولم يكن في هذا الحديث ذكرُ صوم يوم الجمعة، وقد ذُكر في حديثٍ آخرَ قبلَ هذا قولُ أمِّ سَلَمة: كان رسولُ الله ﵇ يأمرُني أن أصومَ ثلاثةَ أيامٍ في كل شهرٍ، أولُها الاثنين أو الخميس؛ يعني: ثلاثةَ أيامٍ يكون أولُها الاثنين أو الخميس، فإن كان الاثنين تبتدئ بصوم يوم الاثنين وتصوم بعدَها الثلاثاءَ والأربعاءَ، وإن كان أولُها الخميسَ يبتدئ بصوم يوم الخميس وتصوم بعدَه يومَ الجمعةِ والسبتَ. * * * ١٤٧٥ - عن مُسلِمٍ القُرَشي قال: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ صِيامِ الدَّهْرِ، قال: "صُم رَمَضَانَ، والذي يَلِيهِ، وكُلَّ أرْبعاءَ وخَمِيسٍ، فإذا أنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ".

стр. 1108

قوله: "والذي يليه"؛ أي: يأتي بعده. * * * ١٤٧٧ - عن عبد الله بن بُسْرٍ، عن أُخته: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَصُومُوا يومَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ علَيْكُمْ، فإنْ لمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ". قوله: "لا تصوموا يومَ السبت"، وجه كراهية صوم يوم السبت: أنَّه يومٌ يعظِّمه اليهود، فنُهينا عن أن نعظِّمه. "اللَّحاء": القِشْر. * * * ١٤٧٨ - وقال: "ما مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إلى الله أنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فيها مِنْ عَشْرِ ذي الحِجَّةِ، يَعدِلُ صِيامَ كُلِّ يَومٍ منها بصِيامِ سَنَةٍ، وقِيامُ كُلِّ لَيْلَةٍ منها بقِيامِ لَيْلَةِ القَدْرِ". قوله: "ما من أيامٍ أحبُّ إلى الله تعالى أن يُتَعبَّد له فيها": ذُكر هذا الحديث في (باب العيد) في آخر (فصل الأضحية). * * * ١٤٧٩ - وقال: "مَنْ صامَ يَومًا في سَبيلِ الله جعلَ الله بينَهُ وبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ". قوله: "جعلَ الله بينَه وبينَ النارِ خَنْدَقًا كما بين السماء والأرض"، حقيقة هذا مثل قوله: "الصومُ جُنَّة"؛ يعني: يصير صومُه خَنْدَقًا بينه وبين النار، فكما أن الرجلَ إذا كان بينه وبين عدوِّه خندقٌ لا يصلُ إليه عدوُّه، فكذلك الصائمُ لا تصل إليه النارُ.

стр. 1109

روى هذا الحديثَ أبو أُمامة الباهلي. * * * ١٤٨٠ - وقال: "الغَنِيمَةُ البارِدَةُ الصَّوْمُ في الشِّتَاءِ"، مرسلْ. قوله: "الغنيمةُ الباردةُ الصومُ في الشتاء"، (الغنيمة): التي تحصل بأدنى سعي من غير كثرة مشقة، ويُستعمل (البارد) في الشيء ذي الراحة، و (البَرد): الراحة، وإنما سُميت الراحةُ بردًا؛ لأن الحرارةَ غالبةٌ في ديار العرب، وماءَهم حارٌّ، فإذا وجدوا بردًا أو ماءً باردًا يعدُّونه راحةً؛ يعني: الصومُ في الشتاء يحصل الثوابُ به للصائم، ولم تَلحَقْه مشقةُ الجوع؛ لقِصَرِ اليومِ. روى هذا الحديثَ "عامر بن مسعود". * * * فصل مِنَ الصِّحَاحِ: (فصل من الصحاح): ١٤٨١ - عن عائشةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ " فقلنا: لا، قال: "فإنِّي إذًا صائِمٌ"، ثُمَّ أَتانا يَوْمًا آخَرَ، فقُلْنا: يا رسُولَ الله!، أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فقال: "أَرِينِيهِ، فلَقَد أصْبَحْتُ صائِمًا"، فأَكَلَ. قوله: "فإني إذًا صائمٌ"؛ يعني: ما نويتُ الصومَ إلى هذه الساعة، فإذا لم يكن شيءٌ عندَكم آكلُه نَويتُ الصومَ، هذا دليلٌ على جواز نية صوم النافلة في أثناء النهار.

стр. 1110

قولها: "أُهدِيَ لنا حَيْسٌ"؛ أي: أُرسل إلينا حَيْسٌ على سبيل الهدية، (الحيس): طعامٌ مخلوط من الزُّبْد والتمر. قوله: "فلقد أصبحتُ صائمًا"؛ يعني: نَويتُ الصومَ في أول هذا اليوم، فإذا كان عندَكم طعامٌ أوافقكم في الأكل، وهذا دليلٌ في جواز الخروج من صوم النافلة. * * * ١٤٨٢ - عن أنَسٍ ﵁ قال: دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ على أُمِّ سُلَيْمٍ، فأَتَتْهُ بتَمْرٍ وسَمْنٍ، فقال: "أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ في سِقائِهِ وتَمْرَكُمْ في وِعائِهِ فَإنِّي صائِمٌ"، ثُمَّ قامَ إلى ناحَيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعا لِأمِّ سُلَيْمٍ وأَهْلِ بَيْتِها. قوله: "فإني صائمٌ" في حديث أنس: هذا دليلٌ على أن مَن صامَ تطوُّعًا يجوز أن يصومَ ولا يلزمُه الإفطارُ إذا قُرِّبَ إليه طعامٌ، وإن أفطرَ يجوزُ؛ للحديث المتقدم، ولا قضاءَ عليه، وكذلك لو خرج من صلاة التطوُّع عند الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاءُ، سواءٌ خرج منها بعذرٍ أو بغيرِ عذرٍ. وقال مالك: لا قضاءَ عليه إن خرج بعذرٍ، ويلزمه القضاءُ إن خرج بغيرِ عذرٍ، والسُّنَةُ للضيف إذا كان صائمًا ولم يُفطِر أن يدعوَ للمُضيف، ولو صلَّى ركعتَين كان حسنًا، كما ذُكر في آخر هذا الحديث. * * * ١٤٨٣ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلى طَعامٍ وهو صائِمٌ فَلْيَقُلْ: "إنِّي صائِمٌ". قوله: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعامٍ وهو صائمٌ فَلْيَقُلْ: إنِّي صائمٌ"، روى

стр. 1111

هذا الحديثَ والذي بعده "أبو هريرة"، وفي هذَين الحديثَين دليلٌ على أن الصائمَ لا يفطر. وعند أبي حنيفة ومالك ظاهرٌ، وأما عند الشافعي وأحمد تأويله: أنه يُستحبُّ له إتمامُ الصوم، وليس بواجبٍ عليه، والضابطُ فيه عند الشافعي: أن الضيفَ ينظر؛ فإن كان المُضيفُ يتأذَّى بترك الإفطار فالأفضلُ للضَّيف الإفطارُ، وإن لم يتأذَّ فالأفضلُ ألا يفطرَ. * * * ١٤٨٤ - وقال: "إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ فليُجِبْ، فإنْ كانَ صائِمًا فَلْيُصَلِّ، وإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ". قوله: "فَلْيُصلِّ"؛ قيل: معناه: فَلْيَدْعُ لصاحب الطعام، وقيل: معناه: ليصلِّ ركعتَين كما فعلَ رسول الله ﵇ في بيت أمِّ سُلَيم. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٨٥ - عن أُمِّ هانئٍ ﵂ قالت: لمَّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ جاءَتْ فاطِمَةُ، فَجَلَسَتْ عَنْ يَسارِ رسُولِ الله ﷺ ، وأُمُّ هانِئٍ عَنْ يَمِينِه، فَجاءتِ الوَلِيدَةُ بإناءٍ فيه شرابٌ، فناوَلتْهُ، فشَرِبَ منهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ أُمَّ هانِئٍ، فَشَرِبَتْ، فقالتْ: يا رسُولَ الله!، إنِّي كُنْتُ صائِمَةً، فقالَ لها: "أَكُنْتِ تَقْضينَ شَيْئًا؟ "، قالت: لا، قال: "أَنَذْرٌ عليكِ"، قالت: لا، قال: "فلا يَضُرُّكِ إنْ كانَ تَطَوُّعًا". وفي روايةٍ: "الصَّائَمُ المُتطوِّع أَمِيرُ نَفْسِه، إنُ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أَفْطَرَ". قوله: "وفي رواية: الصائمُ المُتطوِّعُ أميرُ نفسه"، وفي رواية عند أم هانئ

стр. 1112

أيضًا: أنَ رسول الله ﷺ قال: "الصائمُ المتطوِّعُ أمير نفسِه"؛ أي: هو حاكمٌ على نفسه، إن شاءَ أفطرَ وإن شاءَ صامَ. * * * ١٤٨٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كُنْتُ أنا وحَفْصَة صائِمَتَيْنِ، فعُرِضَ لنَا طَعامٌ اشْتَهَيْناهُ، فأَكَلْنا مِنْهُ، فقالَتْ حَفْصَةُ: يا رسُولَ الله!، إنَّا كُنَّا صائِمَتَيْنِ، فعُرِضَ لنا طَعامٌ اشْتَهَيْناهُ، فأَكَلْنا منهُ، قال: "اقْضيا يَوْمًا آخَرَ مَكانَهُ"، وهذا يُروى مُرسلًا على الأَصحَّ عن الزُّهريِّ عن عائشة ﵂. قوله: "اقضيَا يومًا آخرَ مكانَه"، قال الخطابي: هذا القضاءُ على سبيل التخيير والاستحباب؛ لأن قضاءَ شيءٍ يكون حكمُه حكمَ الأصل، وكما أن في الأصل كان الرجلُ فيه مخيَّرًا فكذلك في قضائه. * * * ١٤٨٧ - عن أم عُمارَة بنت كَعْب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الصَّائِمَ إذا أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ حتَّى يَفْرُغُوا". قوله: "إن الصائمَ إذا أُكِلَ عندَه صلَّتْ عليه الملائكةُ حتَّى يفرغوا"، قصة هذا: أن رسولَ الله ﵇ دخل على أُمِّ عُمَارة بنت كعب، فدَعَتْ أمُّ عُمارةَ بطعام لرسول الله ﵇، فدعاها رسولُ الله ﵇ لتأكلَ هي أيضًا، فقالت: إني صائمٌ، فقال رسول الله ﵇: "إن الصائمَ إذا أُكِلَ عنده ... " إلى آخر هذا الحديث؛ تفريحًا لها بإتمام صومها؛ يعني: الصائمُ إذا رأى الطعامَ ورأى مَن يأكل الطعامَ عنده تَميلُ نفسُه إلى الطعام، فيكون الصيامُ عليه شديدًا في هذه الحالة، فمَن صبرَ على الصوم مع هذه المشقة "صلَّت عليه الملائكة"؛ أي: استغفروا له عِوَضًا عن هذه المشقة.

стр. 1113

و"أم عُمَارة" هي جدَّة حبيب بن زيد الأنصاري. * * * ٧ - باب لَيْلَةِ القَدْر (باب ليلة القَدْر) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٤٨٨ - قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ". قوله: "تحرَّوا"؛ أي: اطلبوا. قوله: "في الوِتر"؛ أي: في ليالي الوِتر. "من العَشر الأواخر": مثل الحادي والعشرين، والثالث والعشرين ... إلى آخرها. * * * ١٤٨٩ - وقال ابن عمر: إنَّ رجالًا مِنْ أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ أُرُوا لَيلَةَ القَدْرِ في المَنامِ في السَّبْعِ الأَواخِرِ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "أَرَى رُؤْياكُمْ قد تَواطَأَتْ في السَّبْعِ الأَواخِرِ، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَها فلْيَتَحَرَّها في السَّبْعِ الأَواخِرِ". قوله: "أُرُوا" بضم الهمزة والراء، أصله: أُرِيُوا، فنُقلت ضمةُ الياء إلى الراء وحُذفت؛ لسكونها وسكون واو الجمع.

стр. 1114

قوله: "قد تَواطَتْ في السَّبع الأواخر"، (تواطت): أصله: (تواطأت) بالهمز بعد الطاء، فقُلبت الهمزة ألفًا وحُذفت الألفُ؛ لسكونها وسكون التاء، ومعناه: توافقت؛ يعني: رأى جماعةٌ من الصحابة ليلةَ القَدْر في المنام، بعضُهم رآها في ليلة الثالث والعشرين، وبعضُهم في ليلة الخامس والعشرين، وكذلك جميعُهم رَأَوها في المنام في السَّبع الأواخر. سُمِّيت ليلةُ القَدْر بهذا الاسم؛ لأن معنى (القَدْر) عظيمُ الشأن والمنزلة، هذه الليلةُ عظيمةُ القَدْرِ والمنزلةِ، وقيل: سُميت هذه الليلةُ بليلة القَدْرِ؛ لِمَا يجري فيها من قضاء الله وقَدَره أكثر مما يجري سائرَ الليالي. * * * ١٤٩٠ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الْتمِسُوا في العَشْرِ الأواخِرِ في رمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ في تاسِعةٍ تَبْقَى، في سابعةٍ تَبْقَى، في خامِسَةٍ تَبْقَى، في ثالِثَةٍ تَبْقَى". قوله: "التَمِسُوا"؛ أي: اطلبوا. * * * ١٤٩١ - عن أبي سَعيد الخُدْري ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ اعْتكَفَ العَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فقال: إنِّي "اعْتكَفْتُ العَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتكَفْتُ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثْمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لي: إنَّهَا في العَشْرِ الأَواخِرِ، فَمَنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعي فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَواخِرَ، فقدْ أُريتُ هذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُها، وقدْ رَأَيْتُني أَسْجُدُ في ماءٍ وطِينٍ مِنْ صَبيحَتِها، فالْتِمِسُوها في العِشْرِ الأَواخِرِ، والْتَمِسُوها في كُلِّ وِتْرٍ"، قال: فَمَطَرَتِ السَّماءُ تِلكَ اللَّيْلَة، وكانَ المسجِدُ على عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المسجِدُ،

стр. 1115

فَبَصُرَتْ عَيْنايَ رسُولَ الله ﷺ وعلى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الماءِ والطِّينِ من صَبيحَةِ إحْدَى وعِشْرِين. قوله: "اعتَكَفَ العَشْرَ الأولَ من رمضانَ ... " إلى آخره، (الاعتكاف): الإقامة في المسجد بنية الاعتكاف، ولا يصح من غير نية، ولا يصح إلا في المسجد، سواءٌ فيه مسجد الجامع وغيره عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك. وقيل: يصحُّ اعتكافُ المرأة في بيتها، ويصحُّ الاعتكافُ بغير صومٍ عند الشافعي، ولا يصحُّ عند أبي حنيفة ومالك. قوله: "فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ"؛ أي: في قُبَّةٍ من لِبْدٍ. قوله: "ثم أُتيتُ"؛ يعني: قال لي قائلٌ من الملائكة: إن ليلةَ القَدْر في العَشر الأواخر لا في العَشر الأول والأوسط، فعَزَمتُ على أن أَعتكفَ في العَشر الأواخر لا في العشر الأول؛ فمَن أراد موافقتي فَلْيُوافِقْني في اعتكاف العَشر الأواخر. قوله: "فقد رأيتُ هذه الليلةَ ثم أُنسيتُها"؛ يعني: رأيتُ هذه الليلةَ مرارًا ثم أُنسيتُها، ولعل الحكمةَ في نسيانه ﵇ ليلةَ القَدْر: أنَّه لو لم يَنْسَها لأَخْبَرَ الناسَ بها، وإذا أَخْبَرَ الناسَ بها فربما يُواظب جماعةٌ على تعظيم ليلة القَدْر، ويغترُّون بكثرة ثوابهم في إحياء تلك الليلة ويتركون تعظيمَ باقي الليالي والأيام، فأخفاها الله تعالى ليُعظِّمَ الناسُ لياليَ رمضانَ أو لياليَ العَشر الأواخر من رمضانَ لطلب ليلة القَدْر. قوله: "وقد رأيتُني أسجدُ في ماءٍ وطينٍ من صبيحتها"؛ يعني: رأيتُ ليلةَ القَدْر في المنام، ورأيتُ في المنام أيضًا أني أَسجدُ في صبيحةِ ليلةِ القَدْر على أرضٍ رطبٍ، فنُسِّيتُ أيةَ ليلةٍ كانت. قال أبو سعيد: فبَصُرَتْ عيناي جبهةَ رسول الله ﵇ ملطخةً

стр. 1116

بالطين صبيحةَ الحادي والعشرين؛ لأن المسجدَ كان من أغصان الشجر، و"مَطَرَتِ السماءُ تلك الليلةَ"، ورطبت أرض المسجد؛ يعني: الليلةُ التي رآها رسولُ الله ﵇ في المنام أنها ليلةُ القدر هي ليلةُ الحادي والعشرين. و"العَرِيش": بيتٌ من أغصان الشجر، "وَكَفَ": أي: قَطَرَ ونَزَلَ الماءُ من السقف. * * * ١٤٩٢ - وعن عبد الله بن أُنَيْس قال: أَمَرَهُ رسُولُ الله ﷺ أَنْ يقُومَ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ. قوله: "ليلةَ ثلاثٍ وعشرين"؛ أي: قال عبد الله بن أُنَيْس: إن ليلةَ القَدْر هي ليلةُ ثلاثٍ وعشرين. * * * ١٤٩٣ - وعن أُبيِّ بن كَعْب: أنَّه حَلَفَ لا يَسْتَثْني أنَّها ليلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فقِيلَ لهُ: بأَيِّ شَيءٍ تقُولُ ذلك؟، قال: بالعلامَةِ التي أَخْبَرَنا رسولُ الله ﷺ : "أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ في صَبِيحَةِ يَوْمِها بَيْضاءَ لا شُعاعَ لها". قوله: "لا يستثني"، (الاستثناء): أن يقول الحالفُ عَقيبَ حَلِفِه: (إن شاء الله)؛ يعني: حَلَفَ أُبي بن كعب حلفًا جازمًا أن ليلةَ القَدْر هي ليلةُ السابع والعشرين. * * * ١٤٩٤ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسُولُ الله ﷺ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأَواخِرِ ما لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِه.

стр. 1117

قولها: "يجتهد في العَشْر الأواخر"؛ يعني: يُبالغ في طلب ليلة القَدْر في العَشْر الأواخر أكثرَ مما يُبالغ في غيرهن من الليالي. * * * ١٤٩٥ - وقالت: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مَئْزَرَهُ، وأَحْيا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أَهْلَهُ. قولها: "إذا دخل العَشْر"؛ أي: العَشْر الأواخر من رمضان. قولها: "شدَّ مِئْزَرَه"، (شد الإزار): عبارة عن الجد والمبالغة في الأمر، وهو عبارة أيضًا عن ترك المجامعة. قولها: "وأَيقظَ أهلَه"؛ أي: أَيقظَ أهلَه للعبادة وطلب ليلة القَدْر في العَشْر الأواخر. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٩٧ - وقال ابن عمر ﵄: سُئِلَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، فقال: "هيَ في كُلِّ رَمَضانَ"، ووقفَه بعضُهم على ابن عُمر. قوله: "هي في كل رمضان"؛ يعني: ليلة القَدْر ليست مختصةً بالعَشْر الأواخر من رمضان، بل كلُّ ليلةٍ من شهر رمضانَ يمكن أن تكون ليلةَ القَدْر، ولهذا لو قال أحدٌ لامرأته في نصف رمضان أو غيرها من ليالي رمضان: أنتِ طالقٌ في ليلة القَدْر، لا تَطلُقُ حتَّى يأتيَ رمضانُ السَّنةِ القابلةِ، فتَطلُق في الليلة التي علَّق فيها الطلاقَ. * * *

стр. 1118

١٤٩٨ - عن عبد الله بن أُنَيْس ﵁ قال: قلتُ: يا رسُولَ الله!، إنَّ لي بادِيَةً أكُونُ فيها، وأنا أُصلِّي فيها بِحَمْدِ الله، فمُرْني بلَيْلَةٍ مِنْ هذا الشَّهْرِ أنْزِلُها إلى هذا المسْجِدِ، قال: "انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِين"، قال: فكانَ إذا صلَّى العَصْرَ دخلَ المسجِدَ فلَمْ يَخْرُجْ إلَّا في حاجَةٍ حتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ. قوله: "إن لي بادية"؛ يعني: أنا ساكنٌ لبادية، وأصلِّي فيها، ولكن أريدُ أن أعتكفَ في مسجدٍ في ليلةٍ من ليالي رمضان. قوله: "انزلْ ليلةَ ثلاث وعشرين"، هذا إشارةٌ إلى أن هذه الليلةَ ليلةُ القدر. * * * ٨ - باب الاعتِكاف (باب الاعتكاف) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٥٠١ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كانَ رسُولُ الله ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ بالخَيْرِ، وكانَ أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمَضانَ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ في رَمَضانَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ القُرْآنَ، فإذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كانَ أَجْوَدَ بالخَيْرِ مَنَ الرِّيحِ المُرْسَلَة. قوله: "أجود الناس"؛ أي: أكثرهم جُودًا وسَخاوة. قوله: "فكان أجود ما يكون في رمضان": (ما) في (ما يكون) مصدرية، وهو جمع؛ لأن أفعل التفضيل إنما يُضافُ إلى جمع، والتقدير: فكان أجودَ أكوانِهِ في رمضان؛ يعني كان رسولُ الله ﵇ في رمضان أكثرَ جودًا منه

стр. 1119

في سائر الشهور؛ لأن الوقتَ إذا كان أشرفَ يكون الجودُ فيه أفضلَ. قوله: "كان جبريلُ يلقاه كلَّ ليلة في رمضان"؛ يعني: ينزل جبريلُ ﵇ في رمضان كلَّ ليلة يقرأ عليه رسول الله ﵇ القرآن، وهذا تشريفٌ من الله الكريم إليه ﵇؛ لأن الله تعالى يكثرُ تشريفَ عباده المقربين في الأوقات الشريفة، ونزول جبريل ﵇ كل ليلة من رمضان لا شكَّ أنَّه مزيدُ تشريفٍ له. "من الريح المرسلة"؛ أي: الشديدة؛ يعني: كان كثير التصدق. * * * ١٥٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبيَّ ﷺ القُرْآنُ كُلَّ عامٍ مَرَّةٍ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ في العامِ الَّذي قُبضَ فيهِ، وكانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عامٍ عَشْرًا، فاعْتكَفَ عِشْرِينَ في العامِ الَّذي قُبضَ. قوله: "يُعرَض عليه القرآنُ كلَّ عام مرة"؛ يعني: يأتيه جبريلُ، ويقرأ رسولُ الله ﵇ القرآنَ عليه من أوله إلى أن يختم؛ لتجويدِ اللفظ، وتصحيحِ إخراج الحروف من مخارجها، وليكونَ سنةً في حق الأمة؛ ليجدد التلامذة على الأستاذين قراءتهم. * * * ١٥٠٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا اعْتَكَفَ أَدْنَى إليَّ رَأْسَهُ وهو في المسْجِدِ فأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لِحاجَةِ الإِنْسانِ. قولها: "أدنى إليَّ رأسَه وهو في المسجد، فأرجِّله"، (الترجيل): تسريح الشعر، وهو استعمالُ المشطِ على الرأس؛ يعني: يخرج رأسه من المسجد إلى

стр. 1120

حجرتي، فأسرِّحُ شعرَ رأسه، وهذا دليلٌ على أن الاعتكافَ في المسجد، وعلى أن المعتكف لو أخرجَ بعضَ أعضائه من المسجد لا يبطلُ اعتكافُهُ. قولها: "وكان لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجة الإنسان"، هذا دليلٌ على أن المعتكفَ إذا خرج من المسجد لِمَا لا بدَّ له منه، كالأكل والشرب ودخول المستراح، لا يبطلُ اعتكافه، وإن خرج لِمَا له منه بدٌّ بطلَ اعتكافُهُ إن نوى أيامًا متتابعة، ويلزمه الاستئنافُ، وإن لم يذكر أيامًا، بل اعتكفَ من غير تعيين المدة، فإذا خرج حصلَ له ثوابُ الوقت الذي اعتكف، ثم إذا دخل المسجدَ بعد الخروج، يستأنفُ النية. * * * ١٥٠٤ - ورُوي عن عمر ﵁: أنَّه سَأَلَ رسُولَ الله ﷺ قال: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتكِفَ لَيَلْةً في المسْجِدِ الحَرامِ، قال: "فأوْفِ بنذْرِك". قوله: "فأوفِ بنذرِكَ"، هذا دليلٌ على أنَّ الكافرَ لو نذر في حال الكفر بما يجوزُ نذرُهُ في الإسلام صحَّ نذرُهُ، ويلزمه الوفاءُ به إذا أسلمَ، وكذلك لو حلفَ أو ظاهرَ في حال الكفر، وحنث في حال الكفر أو بعد الإسلام، لزمته الكفارةُ عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ نذرُ الكافر ولا يمينه ولا ظهاره. * * * مِنَ الحِسَان: ١٥٠٥ - عن أنس ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَعْتكِفُ في العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عامًا، فَلَمَّا كانَ العامُ المُقْبلُ اعْتكَفَ عِشْرِينَ.

стр. 1121

قوله: "فلم يعتكفْ عامًا، فلمَّا كان العامُ المقبل اعتكفَ عشرين"، هذا دليلٌ على استحبابِ قضاءِ ما فاتَ من السُّنن. * * * ١٥٠٧ - وعن عائشة ﵂ أنَّها قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا أَرادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفِجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ في مُعْتَكَفِهِ. قولها: "كان رسولُ الله ﵇ إذا أرادَ أن يعتكفَ صَلَّى الفجرَ، ثم دخلَ في مُعْتَكَفِهِ". (المُعتكَف) بفتح الكاف: موضع الاعتكاف. فمن أراد أن يعتكف يومًا أو أكثر يدخل المسجدَ في أول صبح ذلك اليوم عند أحمد بدليل هذا الحديث، وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: يدخل المسجد قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكفَ في اليوم الذي بعدها. فمن أرادَ أن يعتكفَ العشرَ الأواخرَ من رمضان، يدخلُ المسجد في قول هؤلاء الثلاثة قبل غروب الشمس من يوم العشرين، وفي قول أحمد: يدخلُ بعد الصبح في يوم الحادي والعشرين. * * * ١٥٠٦ - وعن عائشة ﵂ قالتْ: كانَ رسُولُ الله ﷺ يعُودُ المَرِيضَ وهو مُعْتَكِفٌ، فيَمُرُّ كما هُو ولا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. قولها: "كان رسولُ الله ﵇ يعودُ المريضَ وهو معتكف، فيمرُّ كما هو، فلا يعرِّجُ يسألُ عنه". (التعريج): الإقامة والميل عن الطريق إلى جانب؛ يعني: إذا خرجَ لقضاء

стр. 1122

حاجةٍ، ورأى مريضًا في طريقه يسألُهُ، ولا ينحرفُ عن الطريق إلى جانب لعيادة المريض، فمن عادَ مريضًا أو صلَّى على جنازة وهو معتكف، فإن خرج لقضاء حاجة، واتفقَ له هذا الشغلُ في طريقه، ولم ينحرفْ عن الطريق، ولم يقفْ في الطريق وقوفًا أكثرَ من قدر الصلاة على الميت، لم يبطل اعتكافه، وإن انحرفَ عن الطريقِ، أو وقفَ في الطريق أكثر من قدر صلاة جنازة، بطلَ اعتكافُهُ عند الأئمة الأربعة، وقال الحسن البصري والنخعي: يجوز للمعتكف الخروج لصلاة الجمعة، وعيادة المريض، وصلاة الجنازة. * * * ١٥٠٨ - وقالت عائشةُ ﵂: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتكِفِ أنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدَ جنازَةً، ولا يَمَسَّ المَرْأَةَ، ولا يُباشِرَها، ولا يَخْرُجَ لَحاجَةٍ إلَّا لِمَا لا بُدَّ منه، ولا اعْتِكافَ إلَّا بصَوْمٍ، ولا اعْتِكافَ إلَّا في مَسْجِدٍ جامِعٍ. قولها: "السنةُ على المعتكفِ أن لا يعودَ مريضًا"؛ يعني: الدين والشرع أوجبَ على المعتكف أن لا يخرجَ من المسجد لعيادة المريض أو صلاة جنازة. "ولا يشهد"؛ أي: ولا يحضر. "ولا يمسَّ المرأة"؛ يعني: ولا يمسها بشهوةٍ. "ولا يباشرها"؛ أي: ولا يجامعها، فإن جامعَ المعتكفُ بطلَ اعتكافه، وإن مسها بشهوة؛ ففي قول: بطل اعتكافه، وفي قول: لا يبطل اعتكافه، وفي قول: إن أنزل بطل، وإن لم ينزل لم يبطل، هذه الأقوال للشافعي، وأما عند أبي حنيفة: إن أنزل بطل، وإن لم ينزل لم يبطل. ° ° °

стр. 1123

٨ - كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ

стр. 1124

[٨] كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ (كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ) قوله: "الفضائل": جمع فضيلة، وهي الشيء الذي يفضل به الرجل على غيره، يقال: لفلان فضيلةٌ؛ أي: خصلةٌ حميدةٌ وشرفٌ وفضلٌ على غيره. يبينُ في هذا الباب فضلَ القرآن على سائر الكلام، وفضلَ تعليمه وتعلمه على تعليم وتعلم غيرِهِ من الكلام. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٥٠٩ - روى عُثمان: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَه". قوله: "خيرُكُم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمه"؛ يعني: إذا كان خيرُ الكلامِ كلامَ الله، فكذلك خيرُ الناس بعد النبيين مَنْ تعلَّم ويعلِّمُ كلامَ الله. روى هذا الحديث عثمانُ بن عفان ﵁. * * * ١٥١٠ - وقال: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أنْ يَغْدُوَ كُلَّ يومٍ إلى بُطْحانَ أَوْ العَقِيقِ، فَيَأْتِيَ بناقَتَيْنِ كَوْماوَيْنِ في غَيْرِ إثْمٍ ولا قَطْعِ رَحِمٍ؟ "، قالوا: يا رسُولَ الله!، كُلُّنا يُحِبُّ ذلك، قال: "فَلأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إلى المَسْجدِ فَيَعْلَمَ أو يَقْرَأْ آيَتَيْنِ مِنْ

стр. 1125

كِتابِ الله تعالى خَيْرٌ لهُ مِنْ ناقَتَيْنِ، وثَلاثٌ خَيْرٌ لهُ مِنْ ثَلاثٍ، وأَرْبَعٌ خَيْرٌ لهُ مِنْ أرْبَعٍ ومِنْ أَعْدادِهِنَّ مِنَ الإِبلِ". قوله: "أَيُّكم يحبُّ أن يغدوَ كل يوم إلى بُطْحانَ والعقيق"، (بطحان) و (العقيق): موضعان قريبان من المدينة، والعقيقُ الذي هو هذا غيرُ العقيق الذي هو ميقاتُ أهل الشرق قريبٌ من ذات عرق. "كَوْمَاوَين": تثنية: كَوْماء، وهي الناقةُ العظيمةُ السَّنام. "في غيرِ إثمٍ ولا قطعِ رحمٍ"؛ يعني: يجد ناقتين عظيمتين من غير سرقةٍ، ولا غصبٍ، ولا إيذاءِ قريبٍ له. قوله: "وثلاث خير من ثلاث"؛ يعني: وثلاثُ آياتٍ خيرٌ من ثلاث من الإبل، وأربعُ آيات خيرٌ من أربع من الإبل. قوله: "ومن أعدادِهنَّ من الإبل"، (من الإبل) بدل من (أعدادهن) أو بيان له؛ أي: من أعداد من الإبل، وهذا يتعلَّقُ بقوله: اثنين، وبقوله: ثلاث، وبقوله: أربع آيات؛ يعني: آيتان خيرٌ من عدد كثير من الإبل، وثلاث آيات وأربع آيات خيرٌ من عدد كثير من الإبل؛ لأن قراءةَ القرآن تنفعُ الرجل في الدنيا والآخرة بأن يُحفَظَ ببركته من البلاء في الدنيا، ويُعطَى الجنة في الآخرة، وأما الإبل فمتعلقة بتمتُّع الدنيا، والآخرةُ خيرٌ وأبقى. روى هذا الحديث: عقبةُ بن عامر. * * * ١٥١١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ أنْ يَجدَ فيهِ ثلاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سمَانٍ؟ "، قلنا: نَعم، قال: "فثَلاثُ آياتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ في صَلاتِهِ خَيْرٌ لهُ مِنْ ثَلاثِ خَلِفَاتٍ عِظامٍ سمَانٍ".
следующие страницы →