← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

رواه أبو هريرة. * * * ١٣٦٩ - وقال: "إذا أَنفقَ المُسلِمُ على أهلِهِ نفقةً وهو يَحتَسِبُها كانتْ له صدقةً". قوله: "وهو يحتسبها"، (الاحتساب): طلب الثواب من الله تعالى؛ يعني: إذا أَنفقَ على عياله ويطلب من الله الثوابَ يحصل له الثواب, وإن أنفقَ لا لله، بل لأجل عشقٍ وشهوةٍ له مع زوجته أو ولده، أو ينفق عليهم لا لله ولطلب الثواب، بل يؤذيهم ويمنُّ عليهم، ويظن الإنفاقَ عليهم ظلمًا؛ فلا يحصل له ثوابٌ من الله بهذا الإنفاق. روى هذا الحديثَ أبو مسعود الأنصاري. * * * ١٣٧٠ - وقال: "دِينْارٌ أنفقتَهُ في سَبيلِ الله، ودِينارٌ أنفقتَهُ في رقبةٍ، ودِينْارٌ تصدَّقتَ بِه على مِسْكينٍ، ودينارٌ أنفقتَهُ على أَهْلِكَ، أَعظَمُها أَجْرًا الذي أنفقتَهُ على أَهلِكَ". قوله: "دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله"؛ أي: في الغزو. "دينارٌ أنفقتَه في رقبة"؛ أي: في إعتاقِ رقبةٍ. "أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك"، وإنما كان الإنفاقُ على الأهل أفضلَ؛ لأنه صدقةٌ وصلةُ الرحم. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * *

стр. 1052

١٣٧١ - وقال: "أَفْضَلُ دينارٍ ينفقُهُ الرجلُ: دينارٌ يُنفقُهُ على عيالِهِ، ودينارٌ يُنفِقُهُ على دابَّتهِ في سبيلِ الله، ودينارٌ يُنفقُهُ على أصحابهِ في سبيلِ الله". قوله: "أفضلُ دينارٍ يُنفقُه الرجلُ ... " إلى آخره؛ يعني: الإنفاقُ على هؤلاء الثلاثة أفضلُ من الإنفاق على غيرهم. روى هذا الحديثَ ثوبان مولى رسول الله ﵇. * * * ١٣٧٣ - وعن زَيْنَبَ امرأةِ عبدِ الله بن مَسْعودٍ قالتْ: انطلقتُ إلى النبيَّ ﷺ ، فوجدتُ امرأةً من الأَنْصارِ على البابِ حاجتُها مثْلُ حاجتي، وكانَ رسولُ الله ﷺ قد أُلقِيَت علَيه المَهابةُ، قالت: فخرجَ علينا بلالٌ، فقلنَا له: ائتِ رسولَ الله، فأخبره أنَّ امرأَتينِ بالبابِ تسأَلانِكَ: أَتُجزِئُ الصَّدَقةُ عنهما على أَزواجِهما، وعلى أَيتامٍ في حُجورِهما، ولا تُخْبرْهُ مَن نحنُ، فدخلَ، فسأَلَهُ، فقال: "مَن هما؟ "، قال: زينبُ، قال: قال: "أَىُّ الزَّيانِب؟ "، قال: امرأةُ عبدِ الله بن مَسْعود، قال: "نعَمْ، لَهُما أَجرانِ: أجرُ القَرابةِ، وأجرُ الصَّدَقةِ". قولها: "أُلقيت عليه المَهَابةُ"، (المهابة): العَظَمة والخوف؛ يعني: أَعطَى الله تعالى رسولَه مهابةً يخاف منه الناسُ. قولها: "وعلى أيتامٍ في حجورهما"، (الحُجُور) جمع: الحِجْر، وهو من الثوب ما تحت الصدر إلى الذيل؛ يعني: على أولاد لهما، ليس لأولئك الأولاد أبٌ. فإن قيل: قد قالت زينبُ لبلالٍ: "لا تُخبرْه مَن نحن"، ثم أَخبرَ بلالٌ رسولَ الله ﵇ مَن هنَّ؟ قلنا: لم يكن على بلالٍ طاعةُ زينبَ فرضًا حتى يأثمَ بمخالفتها، وكانت إجابةُ

стр. 1053

رسولِ الله ﵇ بما سأله فرضًا، وكذلك لو قال أحدٌ لأحدٍ: قُلْ هذا، أو افعَلْ هذا، أو: لا تقل، أو لا تفعل؛ لا يجب عليه طاعتُه إلا أن يُقسِمَ عليه بأن يقول: بالله عليك، أو أقسمتُ عليك أن تفعلَ كذا، فحينَئذٍ له أن يُطيعَه. * * * ١٣٧٤ - وقالت مَيْمونة بنت الحارِث: يا رسولَ الله!، إني أَعتقتُ وَلِيدَتِي، قال: "أَمَا إنَّك لو أَعطيتِها أَخْوَالَكِ كانَ أَعظمَ لأَجْرِك". قولها: "وليدتي"؛ أي: جاريتي. "أما"؛ أي: اعلَمْ، يستوي فيه خطاب المذكر والمؤنث. قوله: "كان أعظمَ لأجرك"، وإنما كان إعطاؤها أخوالَها أعظمَ لأجرها؛ لأن أخوالَها كانوا محتاجين إلى خادم، فلو أَعطَتْها أخوالَها كان صدقةً وصلةَ رَحِمٍ، والإعتاقُ شيءٌ واحدٌ، وهو الصدقة، ولا شك أن خيرَينِ أفضلُ من خيرٍ واحدٍ. * * * ١٣٧٦ - وعن أبي ذَرًّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طَبخْتَ مرَقةً فأَكْثِرْ ماءَها، وتَعَاهدْ جيرانَكَ". قوله: "وتَعَاهَدْ جيرانَك"، (الجيران) جمع: جار؛ يعني: أَعطِ جيرانَك من ذلك الطبخ نصيبًا؛ يعني: لا تجعلْ ماءَ قِدْرِك قليلًا؛ ليكونَ مرقُها كثيرَ اللذة؛ فإنك حينَئذٍ لا تَقدِر على تعاهُدِ جيرانك، بل اجعَلْ ماءَ قِدْرِك كثيرًا؛ ليبلغَ نصيبٌ منه إلى جيرانك، وإن لم يكن لذيذًا. * * * مِنَ الحِسَان: ١٣٧٧ - عن أبي هريرة أنه قال: يا رسولَ الله، أيُّ الصدقةُ أَفْضَلُ؟،

стр. 1054

قال: "جُهْدُ المُقِلِّ، وابدَأْ بمَنْ تَعولُ". قوله: "جُهْدُ المُقِلِّ"؛ (الجهد) بضم الجيم: الطاقة والاستطاعة، و (المُقِلُّ): الفقير؛ يعني: أفضلُ الصدقة ما قَدرَ عليه الفقيرُ أن يعطيَه المسكينَ، والمراد بـ (المُقِل): الغني القلب. والتوفيق بين هذا الحديث وبين قوله ﵇: "أفضل الصدقة ما كان عن ظَهر غِنًى": أنه يريد بهذا (المُقِل): الذي يصبر على الجوع، وإعطاء قُوته إلى الفقراء، وأراد بـ (الغني): الذي لا يصبر على الجوع والشدة، فمَن صبرَ على الجوع، وإعطاء قُوته، أو إعطاء ما فضل عن قُوت يومه إلى الفقراء فالإعطاءُ في حقِّه واختيارُ الجوعِ أفضلُ، كما مدحَ الله تعالى الأنصار ﵃ بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؛ أي: جوعٌ وفقرٌ. وقد جاء في تفسير هذه الآية: أن ضيفًا نزل برسول الله ﵇، ولم يكن في حُجراته شيءٌ من الطعام، فقال ﵇: "مَن يعطي هذا الضيفَ طعامًا؛ فإنه ليس عند آل محمد طعام؟ " فقال رجل: أنا يا رسولَ الله، فذهب إلى بيته ولم يكن في بيته من الطعام إلا قَدْرُ كَفَافِ واحدٍ، وكان له امرأةٌ وأولادٌ، فقال لامرأته: اجعلي أولادك مشغولين من الطعام بأن تحدِّثيهم حتى يناموا، ففعلَتْ، فنام أولادها، ثم قال لامرأته: أَسْرِجي عند الضيف سراجًا، وأَحضرِي الطعامَ عنده، فإذا وضعتِ الطعامَ عنده فقُومِي إلى السراج بحيث يظن الضيفُ أنك تُصلِحينَ السراجَ، ثم أَطفِئي السراجَ بحيث لا يدري الضيفُ، ثم نقعد أنا وأنت عند الضيف في الظلمة، ونُحول ونُدير ألسنتَنا في أفواهنا حتى يظنَّ أنَّا نأكلُ معه، ولا نأكلُ حتى يشبعَ الضيفُ، ففعلَتْ كما أمرَها زوجُها، فأكل الضيفُ حتى شبعَ، ونام المُضيفُ وزوجتُه وأولادُه على الجوع، فلما أصبحَ المُضيفُ ذهبَ إلى رسول الله ﵇، فضحكَ النبيُّ ﷺ في

стр. 1055

وجهه، وتعجَّب بما فعل، فقرأ ﵇ هذه الآية، وقال: "نزلت فيك هذه الآية". وأما مَن لا يصبر على الجوع فالأفضلُ في حقِّه: أن يتركَ قُوتَه ثم يتصدق بما فَضَلَ. وفي الجملة: يَحرُم على الفقير والغني أن يصرفَ قُوتَ عياله على الفقراء، ويتركَهم على الجوع؛ إلا إذا رَضُوا وأَذِنُوا له بأن يصرفَ قُوتَهم على الفقراء لأجل الثواب. * * * ١٣٧٨ - وقال: "الصَّدقةُ على المِسْكِين صدَقةٌ واحدةٌ، وهي علَى ذِي الرَّحِم ثنتانِ: صدَقةٌ وصِلَةٌ". قوله: "الصدقةُ على المسكين صدقةٌ، وهي على ذي الرَّحِم ثِنْتَانِ؛ صدقةٌ وصِلَةٌ"؛ يعني: الصدقةُ على الأقارب أفضلُ؛ لأنها صدقةٌ وصلةُ الرحم. روى هذا الحديثَ سلمان بن عامر ﵁. * * * ١٣٨٠ - عن ابن عباس ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَلَا أُخبرُكم بخيرِ الناس؟، رجلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فرَسِهِ في سبيلِ الله، ألا أَخبُركم بالذي يتلُوهُ؟، رجلٌ معتزِلٌ في غُنَيْمَةٍ له يؤدَّي حقَّ الله - تعالى - فيها، ألا أُخبرُكم بِشرِّ الناسِ؟، رجلٌ يُسألُ بالله، ولا يُعطي بِه". قوله: "بالذي يَتْلُوه"؛ أي: يتبعُه ويكون بعده في الدرجة. "مُعتزِل"؛ أي: متباعِد ومنفرد عن الناس إلى موضعٍ خالٍ من الصحارى والبوادي.

стр. 1056

"الغُنيَمة" تصغير: غَنَم. يعني: الذي له جماعةٌ من الغنم أو البقر وغيرهما من الدواب يذهب بها إلى ناحية البادية ويرعاها، ويؤِّدي زكاتَها، ويصلِّي الصلواتِ، ولا يصل منه شرٌّ إلى أحدٍ له درجةٌ وثوابٌ قريبٌ من درجة الغازي. * * * ١٣٨١ - وقال رسول الله ﷺ : "رُدُّوا السائلَ ولو بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ" قوله: "ردوا السائل ولو بظلف مُحرَقٍ"؛ يعني: لا تجعلوا السائلَ محرومًا، بل أعطوه شيئًا ولو كان ظِلْفًا مُحترقًا، (الظِّلف) للغنم والبقر: بمنزلة الحافر للفَرَس. روى هذا الحديث: ابن بُجَيد الأنصاري، عن جدَّتِه، عن رسول الله ﵇. * * * ١٣٨٢ - وقال: "مَنِ استعاذَكم بِالله فَأَعِيذُوه، ومَن سأَلَ بالله فأَعطُوهُ، ومَنْ دَعَاكم فأَجيبُوهُ، ومَن صنَعَ إليكم مَعرُوفًا فكافِئُوه، فإنْ لم تَجِدُوا ما تُكافِئُونَهُ فادْعُوا له، حتى تَرَوْا أنْ قد كَافَأتُمُوه". قوله: "مَن استعاذكم بالله فأَعِيذُوه"، و (استعاذ): إذا طلبَ أحدٌ أن يدفعَ عنه شرًّا، و (أعاذ): إذا دفعَ عنه الشرَّ الذي يُطلَب منه دفعُه؛ يعني: إذا طلبَ أحدٌ منكم أن تدفعوا عنه شرَّكم أو شر غيرِكم بالله، مثل أن يقول: يا فلان! بالله عليك أن تدفعَ عني شر فلانٍ وإيذاءَه، أو احفَظْني من شرِّ فلانٍ، فأجِيبُوه واحفظُوه؛ لتعظيم اسم الله. قوله: "ومَن صنعَ إليكم معروفًا"؛ أي: مَن أحسنَ إليكم إحسانًا

стр. 1057

"فكافِئُوه"؛ أي: فأَحسِنُوا إليه مثلَ ما أَحسنَ إليكم، (المُكافَأة) مهموز باللام: مثل المُجازَأة. قوله: "فإن لم تجدوا ما تكافِئُوه"؛ يعني: فإن لم تجدوا من المال ما تكافِئُوه فكافِئُوه بالدعاء. قوله: "حتى تَرَوا أن قد كافأتُمُوه"؛ يعني: كرِّروا الدعاءَ له حتى تعلموا أن قد أدَّيتُم حقَّه. وقد جاء في حديث آخر: "مَن صُنِعَ إليه معروفٌ، فقال: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغَ في الثناء". فبدليل هذا الحديث مَن قال لأحدٍ: جزاك الله خيرًا مرةً واحدةً فقد أدَّى حقَّه، وإن كان حقُّه كثيرًا. وكانت عادةُ أمِّ المؤمنين عائشةَ ﵂ إذا دعَا لها السائلُ أن تُجيبَه بمِثْل ما يدعو لها السائل، ثم تُعطيه من المال ما تُعطيه، فقيل لها: أتُعطينَ السائلَ المالَ وتَدْعينَ له بمِثْل ما يدعو لك؟ فقالت: لو لم أَدْعُ له لَكانَ حقُّه بالدعاء لي أكثرَ من حقِّي بالصدقة، فأدعو له بمِثْل ما يدعو، حتى أُكافِئَ دعاءَه بدعائي؛ لِتَخلُصَ لي صدقتي. روى هذا الحديثَ - أعني حديث: "من استعاذكم بالله" -: عبدُ الله بن عمر. * * * ١٣٨٣ - وقال: "لا تَسْأَلُوا بوجْهِ الله إلا الجنَّةَ". قوله: "لا تسألوا بوجه الله إلا الجنةَ"، هذا يحتمل أمرَين: أحدهما: أن يكون معناه: لا تسألوا من الناس شيئًا بوجه الله، مثل أن

стр. 1058

تقولوا لأحدٍ: يا فلانُ! أعطِني شيئًا بوجه الله، أو بالله؛ فإن اسمَ الله تعالى أعظمُ مِن أن يُسألَ به شيءٌ من متاع الدنيا لأحدٍ، بل اسألوا به الجنةَ، مثل أن تقولوا: بالله، ويا ربنا نسألُك الجنةَ بوجهك الكريم. والأمر الثاني: أن يكون معناه: لا يُسأل الله شيئًا من متاع الدنيا، بل اسألوا الله الجنةَ ورضاه؛ فإن متاعَ الدنيا لا قَدْرَ له. روى هذا الحديثَ جابر. * * * ٩ - باب صدَقة المَرأَة من مال زوجها (باب صدقة المرأة من مال زوجها) مِنَ الصِّحَاحِ: (من الصحاح): ١٣٨٤ - قال رسول الله ﷺ : "إذا أنفقَتِ المَرأةُ من طعامِ بيتِها غيرَ مُفسِدةٍ كانتْ لها أجرُها بما أَنفقَتْ، ولزوجِها أَجرُه بما كسَبَ، وللخَازِنِ مثْلُ ذلك، لا ينقُصُ بعضُهم أَجْرَ بعضٍ شيئًا". قوله: "إذا أنفقَتِ المرأةُ من طعام بيتها غيرَ مُفسِدةٍ كان لها أجرُها بما أَنفقتْ، ولزوجها أجرُه بما كسبَ، وللخازن مثلُ ذلك": هذا الحديثُ مُفسَّرٌ عند العلماء على عادة أهل الحجاز؛ فإن عادتَهم أن يَأذَنُوا لزوجاتهم وخَدَمهم بأن يُضيفوا الأضيافَ، ويُعطوا السائلين، فحرَّض رسولُ الله ﵇ أُمتَه على هذه العادة الحسنة، فإذا كان إنفاقُ الزوجة والخادم بإذن الزوج والمولى لا شك في أن يكونَ لكلَّ واحدٍ من الزوج والزوجة والخادم نصيبٌ من الأجر،

стр. 1059

وأما إذا أَنفقتِ المرأةُ بغير إذن زوجها يحصل لها مظلمةٌ وإثمٌ لا يجوز لها أن تتصدقَ بشيءٍ من مال زوجها، لا القليلَ ولا الكثيرَ، ولا الرطبَ ولا اليابسَ. وفسَّر بعضُ الناس هذا الحديثَ: بأن ينفقَ طعامًا، نحو مَرَقة ورُطَب وعِنَب وبطيخ، وما أشبه ذلك مما يَفسُد لو بقي في البيت. فقال هذا القائل: جازَ لها أن تتصدَّقَ بهذه الأشياء بغير إذن زوجها، وهذا القول ليس بشيءٍ؛ بل لا يجوز لها التصدَّقُ بشيءٍ من مال زوجها بغير إذنه أصلاً. قوله في هذا الحديث: "غيرَ مُفسِدة"؛ يعني: لا تكون مُسرِفةً في التصدُّق. روت هذا الحديثَ: عائشة ﵂. * * * ١٣٨٥ - وقال: "إذا أَنفقتِ المَرأَةُ من كسْبِ زَوجها من غيرِ أَمرِه فلها نِصْفُ أَجْرِه". قوله: "إذا أنَفقتِ المرأةُ من كسب زوجها من غير أمره فلها نصفُ أجره". فسَّر الخطابي هذا الحديثَ بما إذا أَخذتِ المرأةُ من مال زوجها أكثرَ من نفقتها وتصدَّقتْ به، فإذا فعلَتْ هذا فعليها غُرمُ ما أخذتْ أكثرَ من نفقتها وتصدَّقتْ به، فإذا علمَ الزوجُ بأنها تصدَّقت بأكثرَ من نفقتها ورَضيَ بذلك يكون الأجرُ بينهما نصفَين؛ نصفٌ لها بما تصدَّقت من نفقتها، ونصفٌ له بما تصدَّقت به أكثرَ من نفقتها؛ لأن الأكثرَ حقُّ الزوج.

стр. 1060

روى هذا الحديثَ: أبو هريرة. * * * ١٣٨٦ - وقال: "الخازِنُ المُسلِمُ الأَمينُ الذي يُعطِي ما أُمِرَ بِه كاملاً مُوَفَّرًا طَيبةً بِه نفْسُهُ، فيدفعُهُ إلى الذي أُمِرَ له بِه أحدُ المُتَصَدَّقَيْنَ". قوله: "الخازن المسلم الأمين الذي ... " إلى آخره. شرطَ في هذا الحديث أربعةُ أشياء: أحدها: الإذن؛ لأنه قال: "ما أُمر به". والثاني: ألا ينقصَ مما أُمر به. والثالث: أن يكون قلبُه طيبًا بالتصدُّق بما أُمر به؛ فإن بعضَ الخازنين والخُدَّام غيرُ راضين بما أُمروا به من التصدُّق، فإذا تصدَّقوا من غير رضا قلوبهم لم يحصل لهم ثوابٌ، حتى لو تصدَّقَ واحدٌ من مال نفسه ولم تكن نفسُه طيبةً بما يتصدَّق به لم يحصل له ثوابٌ. الشرط الرابع: أن يعطيَ إلى المسكين الذي أَمر صاحبُ المال بالدفع، ولا يعطيه إلى مسكينٍ آخرَ، فإذا اجتمع في الخازن هذه الشروط فهو "أحدُ المتصدِّقين"؛ يعني بـ (المتصدقين): صاحب المال والخازن؛ لأن الخازنَ يحصل له ثوابٌ بالسعي. روى هذا الحديثَ أبو موسى الأشعري. * * * ١٣٨٧ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ رجُلاً قال للنبي ﷺ : إنَّ أُمي افْتُلِتَتْ نفَسُها، وأظنُّهَا لو تكلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فهل لها أَجْرٌ إن تَصدَّقتُ عنها؟، قال: "نَعَمْ".

стр. 1061

قوله: "إن أُمَّي افتُلتتْ نفسُها"؛ أي: أُهلكت نفسُها بغتةً، (الفلتة): البغتة؛ يعني: ماتت بغتةً ولم تَقدِر على الكلام، ولو قدرت لتصدَّقتْ بشيءٍ من مالها وأَوصَتْ بشيءٍ من مالها، فهل يجوز أن أتصدَّقَ بشيءٍ من مالي عنها؟ فأجازه رسولُ الله ﵇ في ذلك. وهذا صريحٌ في أن ثوابَ الصدقة عن الميت يصلُ إليه. * * * مِنَ الحِسَان: ١٣٨٨ - عن أبي أُمامة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ في خُطبَتِهِ عامَ حجَّةِ الوداعِ: "لا تُنفِقُ امرأةٌ شيئًا من بيتِ زَوجِها الا بإذنِ زَوْجِها"، قيل: يا رسولَ الله، ولا الطعامُ؟، قال: "ذاكَ أفْضَلُ أَموالِنا". قوله: "ذلك أفضلُ أموالنا"؛ يعني: الطعامُ أفضلُ أموالنا، فإذًا: لا يجوز التصدُّقُ بشيءٍ هو أقلُّ قَدْرًا من الطعام بغير إذن الزوج، فكيف يجوز بالطعام الذي هو أفضلُ؟! * * * ١٣٨٩ - وعن سَعْد ﵁ قال: لَمَّا بايعَ رسولُ الله ﷺ النِّساءَ قالت امرأةٌ: إنَّا كَلٌّ على آبائِنا وأزواجِنا، فما يَحِلُّ لنا من أَموالِهم؟، قال: "الرَّطْبُ تَأكُلْنَهُ، وتُهْدِينَه". قولها: "كَلُّ"؛ أي: ثقيلٌ وعيالٌ. قوله: "الرَّطْبُ تَأكُلْنَه وتُهدِينه"، (أَهدَى يُهدي): إذا أَرسلَ هديةً؛ يعني: يحل لَكُنَّ ما تأكلْنَه من أموال آبائكنَّ أو أبنائكنَّ أو أزواجكنَّ بقَدْر نفقتِكنَّ، وأما الإهداءُ والتصدُّقُ لا يحلُّ لَكُنَّ إلا بالإذن.

стр. 1062

والحديثُ مُفسَّرٌ بما إذا أَذِنَ آباؤهنَّ أو أبناؤهنَّ أو أزواجهنَّ بالإهداء، والله أعلم. * * * ١٠ - باب مَنْ لا يَعْود في الصَّدقَة (باب من لا يعود في الصدقة) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٣٩٠ - قال عُمر بن الخطاب ﵁: حَمَلْتُ على فرَسٍ في سبيلِ الله، فأضاعَه الذي كان عنْدَه، فأَردتُ أَنْ أشتريَه، فساَلْتُ النبيَّ ﷺ ، فقال: "لا تَشْتَرِه دانْ أعطاكَهُ بدِرْهمٍ، فإنَّ العائدَ في صدقَتِهِ كالكلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه". وفي روايةٍ: "لا تَعُدْ في صدقَتِكَ، فإنَّ العائدَ في صدقتهِ كالعائدِ في قَيْئه". قوله: "حَملتُ على فَرَسٍ"؛ أي: أَركبتُ أحدًا على فَرَسٍ؛ يعني: تصدَّقتُ بفَرَسٍ على أحدٍ في الغزو. قوله: "فأضاعه الذي كان عندَه"، (ضاع الشيء) بنفسه، و (أضاعه) أحدٌ، والمراد بقوله: (أضاعه): أن الذي أعطيتُه الفَرَسَ لم يَقدِر على القيام بعلفه، فبقي الفَرَسُ بلا علفٍ، فأردت أن أشتريَه، فنهاني النبي ﵇ عن شرائه؛ لأني لو اشتريتُه لكان ذلك الرجل يُخاببني في ثمنه، ويستحيي أن يضايقَني فيه، فربما يبيعه مني رخيصًا، فأكون كالذي عاد في صدقته. * * *

стр. 1063

١٣٩١ - عن بُرَيْدة أنه قال: كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ إذ أَتَتْهُ امرأةٌ فقالت: يا رسولَ الله، إني تصدَّقتُ على أُمي بجاريةٍ وإنَّها ماتتْ، قال: "وجَبَ أجرُكِ، وردَّها علَيكِ المِيْراثُ"، قالت: يا رسولَ الله، إنه كانَ عليها صومُ شهرٍ، أفَأَصومُ عنها؟، قال: "صُومي عنها"، وقالت: إنَّها لم تَحُجَّ قَطُّ، أفأحجُ عنها؟، قال: "نَعَمْ حُجِّي عَنْها". قوله: "وردَّها عليك الميراث"، قال أكثر العلماء والأئمة الأربعة: إنَّ مَن تصدَّقَ بشيءٍ على قريبه، ثم مات ذلك القريبُ وَرِثَ المُتصدَّقُ ذلك الشيءَ عن الميتُ إن كان الميت من وَرَثَة المتصدِّق، ويكون ذلك الشيءُ ملكًا للمُتصدِّق. وقال بعض العلماء: وجب على المتصدِّق أن يتصدَّقَ بذلك الشيء على فقيرٍ؛ لأن ما تصدَّق به صار حقًّا لله، فلا يصير مُلكًا للمتصدِّق. قوله: "صُومِي عنها"، جوَّز أحمد أن يصومَ الوليُّ عن الميت ما كان عليه من الصوم من قضاء رمضان أو نذر أو كفَّارة؛ بهذا الحديث. ولم يجوَّز مالك والشافعي وأبو حنيفة ﵏، بل قالوا: يُطعِم عنه وليُّه عن كل يومٍ مُدًّا من الطعام، وأما الحج فيجوز أن يحج أحدٌ عن الميت بالاتفاق. ° ° °

стр. 1064

المفاتيح في شرح المصابيح تأليف العلامة مظهر الدين الزيداني الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المظهري الكوفي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ - رحمه الله تعالى - تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد الثالث]

стр. 1065

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1066

المَفَاتِيْحُ فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ [٣]

стр. 1067

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

стр. 1068

٧ - كِتابُ الصَّومِ

стр. 1069

[٧] كِتابُ الصَّومِ (كتاب الصوم) ١ - باب مِنَ الصِّحَاحِ: ١٣٩١/ م - قال رسولُ الله ﷺ : "إذا دَخَلَ رَمضانُ فُتِحَتْ أَبْوابُ السَّماءِ". وفي روايةٍ: "فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتْ الشَّياطينُ". وفي روايةٍ: "فُتِحتْ أَبْوابُ الرَّحْمَةِ". قوله: "فُتحت أبوابُ السماء"؛ يعني: إذا دخل الوقتُ الشريفُ فُتحت أبوابُ السماءِ وأبوابُ الجنةِ؛ لتنزلَ الرحمةُ على مَن عظَّم الوقتَ الشريفَ، وَلِتَصِلَ طاعةُ مَن عظَّم هذا الوقتَ بالأعمال الصالحة واجتناب المعاصي إلى محلِّ الكرامة. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * *

стр. 1070

١٣٩٢ - وقال: "في الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوابٍ، فيها بابٌ يُسَمَّى الرَّيَّان لا يَدْخُلُهُ إلَاّ الصَّائِمُونَ". قوله: "يُسمَّى الريَّان"، (الريَّان): ضد العطشان. روى هذا الحديثَ: سهل بن سعد ﵁. * * * ١٣٩٣ - وقال: "مَنْ صَامَ رمضانَ إِيْمانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ، ومَنْ قامَ رَمَضَانَ إِيْمانًا وَاحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ، ومَنْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيْمانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ". قوله: "إيمانًا واحتسابًا"؛ يعني: عن الإيمان والاعتقاد بحقَّيَّة فرضيَّة صوم هذا الشهر، لا عن خوفٍ أو استحياءٍ من الناس من غير اعتقادٍ بحقِّيَّةٍ وفرضيَّة، من غير اعتقادٍ بتعظيم هذا الشهر. و (الاحتساب): طلب الثواب من الله الكريم. قوله: "ومن قام"؛ يعني: مَن أَحيَا لياليَ رمضانَ أو بعضًا من كل ليلةٍ بصلاةِ التراويح وغيرها من الطاعات. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٣٩٤ - وقال: "كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضعْفٍ، قال الله تعالى: إلَاّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لي، وأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلي". وقال: "للصائِم فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِه، وفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقاء رَبهِ، ولَخُلوفُ

стр. 1071

فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله تعالى مِنْ رِيْحِ المِسْكِ، والصِّيامُ جُنَّةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ صوْمِ أَحَدِكُمْ؛ فلا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي آمْرُؤٌ صائِمٌ". قوله: "يُضاعَف الحسنةُ بعَشرِ أمثالها"؛ يعني: كلُّ طاعةٍ وخيرٍ إن لم تكن رياءً ونفاقًا أقلُّ ما يُعطَى صاحبُه عشرةُ أمثالها، وقد يُزاد إلى سبع مئة ضعْفٍ. "الضعْف": المِثْل. وسبب الزيادة من عشرة أمثالها إلى سبع مئة؛ إما لكمال إخلاص نية المتصدِّق، وإما لشدة استحقاق الفقير، وقد يُزاد الثوابُ عن سبع مئة ضعْفٍ، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. قوله: "إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أَجزِي به"؛ يعني: أن سائر الخيرات تطَّلع عليها الملائكة ويكتبونها، إلا الصوم؛ فإنه لا اطِّلاعَ للملائكة عليه؛ لأنه ليس بعملٍ ظاهرٍ، بل هو نيةٌ وتركُ الطعامِ، وهذا مما لا تطَّلع عليه الملائكةُ، لا يجزي الصائمَ بموجب كتاب الملائكة؛ لأنه لا اطِّلاع لهم عليه، بل يجزيه بما يعلمه تعالى، ولأن الصومَ أشدُّ على النفس من سائر العبادات. ولأنه لا يمكن الصومُ بالرياء والنفاق؛ لأن المرائيَ والمُنافِقَ يُظهرانِ بين الناس عن أنفسهم الصومَ، ويأكلانِ ويشربانِ في الخلوة، فحينَئذٍ لا يكونانِ صائمَينِ حتى يُجزَيا بصومهما، بخلاف الصلاة وسائر العبادات؛ فإنه يمكن فعلُها بين الناس للرياء والنفاق. قوله: "يَدَع شهوتَه"؛ أي: يترك ما اشتهتْه نفسُه من اللذات والاستمتاعات التي هي لا تجوز للصائم. قوله: "للصائم فرحتانِ: فرحةٌ عند فِطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه"، (الفرحة التي تكون عند فطره) تحتمل أمرين:

стр. 1072

أحدهما: فرحُ نفسِه بالأكل والشرب؛ فإن نفسَ الإنسان تفرح بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش. والثاني: فرحةٌ بوجدانه التوفيقَ لإتمام صوم ذلك اليوم. والفرحة الثانية: إذا لقي الله يومَ القيامة وأعطاه جزاءَ صومِه يفرح فرحًا لا يبلغ أحدٌ كُنْهَه. قوله: "ولَخَلُوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المِسْك"، (الخَلُوف)؛ يعني: رائحةُ فمِ الصائمِ أطيبُ وأعزُّ عند الله من ريح المسك عند أحدكم أيُّها الناسُ؛ لأن رائحةَ فمِ الصائمِ من أثر الصوم، والصومُ عبادةٌ يجزي بها الله تعالى بنفسه صاحبَها. قوله: "والصيام جُنَّة"، و (الجُنَّة): التُّرس، هذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون معناه: الصومُ يدفع الرجل عن المعاصي؛ لأنه يكسرُ النفسَ كما تدفع الجُنَّةُ السهمَ. والثاني: أن يكون الصومُ يدفع النارَ عن الصائم كما أن الجُنَّةَ تدفعُ السهمَ. قوله: "فلا يَرفُثْ ولا يَصخَبْ": (رَفَثَ يَرْفُثُ): إذا تكلَّم بكلامٍ قبيحٍ، و (صَخَبَ يَصْخَبُ): إذا رفع الصوتَ. يعني: إذا كان الرجلُ صائمًا فَلْيكنْ صائمًا من جملة المناهي، لا من الطعام والشراب فقط، وأراد بالنهي عن رفع الصوت: رفع الصوت بهَذَيانٍ، وأما رفعُ الصوت بقراءة القرآن والذَّكر وغيرها مما فيه خيرٌ فلا منعَ منه. قوله: "فإن سابَّه"؛ أي: شتمَه. قوله: "أو قاتَلَه"؛ يعني: أو خاصمه وحاربَه.

стр. 1073

قوله: "فليقل: إني امرِئٌ صائمٌ"، قيل: معناه: أنه يقول بلسانه: إني صائمٌ؛ ليندفعَ عنه خصمُه؛ يعني: إذا كنتُ صائمًا لا يجوز لي أن أقاتلَك بالشتم والهَذَيان، فاتركْني. وقيل: لا يقول ذلك بلسانه، بل بفكره في نفسه؛ لتسكنَ نفسُه من الغضب، ولا يُجيبُ خصمَه. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * مِنَ الحِسَان: ١٣٩٥ - قال: "إذا كانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ صُفِّدَتْ الشَيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجنِّ، وَغُلَّقَتْ أَبْوابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْها بابٌ، وفُتِّحَتْ أَبْوابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ منها بابٌ، ويُنادي مُنادٍ: يا باغِيَ الخَيْرِ أَقْبلْ، ويَا باغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، ولِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وذلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ"، غريب. قوله: "صُفِّدت الشياطينُ ومَرَدَةُ الجِن"، (صُفِّدَت): برفع الصاد وكسر الفاء وتشديدها وتخفيفها؛ أي: شُدُّوا بالأغلال؛ كي لا يوسوسوا في الصائمين، ويحملوهم على المعاصي، كما قال ﵇ في هذا الحديث في موضع آخر: "كيلا يفسدوا على الصائمين صيامَهم". (المَرَدَة) جمع: مارد، وهو كلُّ شرِّيرٍ كثيرِ الفسادِ، مجاوزٍ عن الحدِّ. (الباغي): الطالب، "يا باغيَ الخيرِ! أَقبلْ"؛ يعني: يا طالبَ الثوابِ! تعالَ واطلُبِ الثوابَ بالعبادة؛ فإنك تُعطَى ثوابًا كثيرًا بعملٍ قليلٍ، وذلك لشرفِ الشهر، فإن الوقتَ إذا كان شريفًا يكون ثوابُ الطاعة فيه كثيرًا، وعذابُ المعصية أيضًا فيه كثيرًا.

стр. 1074

قوله: "ويا باغيَ الشرِّ! أَقصِرْ"، (الإقصار): الترك؛ يعني: يا مَنْ يَشرعَ ويَسعَى في المعاصي! تُبْ وارجِعْ إلى الله. قوله: "ولله عُتَقاء من النار"؛ أي: ويُعتق الله عبادًا كثيرًا من النار؛ لحُرمةِ هذا الشهر. قوله: "وذلك كلَّ ليلةٍ"؛ يعني: هذا النداء يكون كلَّ ليلةٍ من ليالي شهر رمضان. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ٢ - باب رؤية الهِلال (باب رؤية الهلال) مِنَ الصِّحاحِ: (من الصحاح): ١٣٩٦ - قال رسول الله ﷺ : "لا تَصومُوا حتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُروا لَهُ". وفي روايةٍ: "فإن غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثلاثينَ". قوله: "لا تصوموا حتى تَرَوا الهلالَ"؛ يعني: لا تصوموا شهرَ رمضانَ حتى تثبتَ عندكم رؤيةُ الهلال بشهادة عَدْلَين أو أكثر. وهل تثبت بشهادة عَدْلٍ واحدٍ؟ تثبت في أصح قولَي الشافعي وعند أحمد، سواءٌ كان في السماء سحابٌ أو لم يكن، وعند أبي حنيفة: تثبت إذا كان في السماء سحابٌ، وعند مالك: لا تثبت أصلاً.

стр. 1075

وهل يثبت بقول النساء والعبيد؟ فيه خلاف؛ والأصح: أنه لا يثبت قوله: "ولا تفطروا حتى تَرَوه"؛ يعني: ولا تخرجوا من صوم رمضان حتى يثبتَ عندكم رؤيةُ هلالِ شوَّال، ولا يثبت هلالُ شوَّال بأقلَّ من شهادة عَدْلَين بالاتفاق. قوله: "فإن غُمَّ عليكم"؛ أي: فإن خَفِيَ عليكم هلالُ رمضانَ بعد مضي تسعة وعشرين يومًا من شعبان. "فاقدُرُوا له"؛ أي: قدِّرُوا واجعلوا شعبانَ ثلاثين يومًا، ثم صوموا رمضان. روى هذا الحديثَ ابن عمر. * * * ١٣٩٧ - وقال: "صوموا لِرُؤيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعبانَ ثلاثينَ". قوله: "صُومُوا لرؤيته وأَفطِرُوا لرؤيته"، معنى هذا كمعنى الحديث المتقدم. روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * ١٣٩٨ - وقال: "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ، ولا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هكَذَا، وهكَذَا وهكَذَا، وعَقَدَ الإِبْهَامَ في الثَّالِثَةِ"، ثُمَّ قالَ: "الشَّهْرُ هكذَا وهكَذَا وهكَذَا، يَعْنِي: تمامَ ثلاثين، يعني: مرَّةً تسعٌ وعِشرونَ، ومَرَّةً ثلاثونَ. قوله: "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ"؛ (الأمي): الذي لا يعرف الكتابةَ والقراءةَ من الكتاب، منسوب إلى أُمة العرب، لا يعرفون الكتابةَ والقراءةَ.

стр. 1076

وقيل: منسوب إلى الأُم؛ أي: بقي على الحالة التي ولدته أُمه عليها. يعني: نحن - جماعةَ العرب - لا نعرف الكتابةَ وحسابَ النجوم، حتى نعتمدَ على علم النجومِ وسَيرِ القمر، ونعرفَ الشهرَ بحساب النجوم، بل نعدُّ بعضَ الشهر تسعةً وعشرين يومًا، وبعضَها ثلاثين يومًا. وهذا يتعلق بالرؤية، فإن رأينا الهلالَ بعد مضي تسعةٍ وعشرين يومًا من الشهر المتقدم نحكم بدخول الشهر، وإن رأيناه بعد مضي ثلاثين يومًا نحكم بدخوله. وليس معنى قوله: "مرةً تِسعٌ وعشرون، ومرةً ثلاثون": أنه يلزم أن يكون شهرٌ تسعةً وعشرين، وشهرٌ ثلاثين على السوية والتعاقب؛ لأنه قد يكون شهران ثلاثين، وقد يكون شهران تسعةً وعشرين، لا ترتيبَ بهذا، بل معناه: قد تكون بعضُ الشهور تسعةً وعشرين، وبعضُها ثلاثين من غير تعيين، كيف ما اتفق. قوله: "هكذا": إشارة إلى أصابعه العشر. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٣٩٩ - وقال: "شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الحِجَّةِ". قوله: "شَهْرَا عيدٍ لا ينقصان"، أراد بأحد الشهرَين: رمضان؛ لأنه يأتي بعده عيد، والثاني: ذا الحجَّة؛ لأن العيدَ فيه. وقال أحمد بن حنبل: معنى هذا الحديث: أنه لا يكون هذانِ الشهرانِ في سَنةٍ تسعًا وعشرين، بل إن كان أحدُهما تسعًا وعشرين يكون الآخرُ ثلاثين. وقال إسحاق بن راهَوَيه: معناه: لو كانا تسعةً وعشرين لكان ثوابُ مَن

стр. 1077

يُعظِّمهما ثوابَ ثلاثين يومًا، لا ينقص ثوابُهما، فعلى قوله: يجوز أن يكونا في سَنةٍ تسعًا وعشرين. روى هذا الحديثَ أبو بكر. * * * ١٤٠٠ - وقال: "لا يتقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمضانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ إلَاّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصومُ صَومًا فَلْيَصُمْ ذلِكَ اليوْمِ". قوله: "لا يتقدَّمَنَّ أحدُكم رَمضان ... " إلى آخره الحديث. يُكرَه للرجل أن يصومَ آخرَ شعبان يومًا أو يومين، كما في هذا الحديث. وعلَّة الكراهة: أن الرجلَ ينبغي له أن يستريحَ من الصوم؛ ليحصلَ له قوةٌ ونشاطٌ، كي لا يثقلَ عليه دخولُ رمضان. وقيل: علَّتُها اختلاطُ صوم النفل بالفرض؛ فإن الرجلَ لو صامَ آخرَ شعبانَ يشك الناسُ ويقولون: لعلَّه رأى هلالَ رمضان حتى يصومَ، فيوافقه بعضُ الناس على ظنَّ أنه رأى الهلال. هذا النهي إنما كان عن صوم النفل؛ لأنه لا ضرورةَ فيه، وأما القضاءُ والنذرُ، والوِردُ فيه ضرورة؛ لأن القضاءَ والنذرَ فرضٌ، وتأخيرُ الفرضِ غيرُ مَرْضيٍّ، وأما الوِردُ فتركُه أيضًا شديدٌ عند مَن أَلِفَه؛ لأن أفضلَ العباداتِ أدومُها. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٠١ - قال ﷺ : "إذا انتصَفَ شَعْبَانُ فلا تَصُومُوا".

стр. 1078

قوله: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"؛ يعني: إذا مضى النصفُ الأولُ من شعبان فلا تصوموا بعد ذلك إلى آخره، وعلَّته: ليستريحَ الرجلُ من الصوم. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤٠٢ - وقال ﷺ : "أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ". قوله: "أَحْصُوا هلالَ شعبان لرمضان"، (أحصى الرجل): إذا علمَ وعدَّ عددًا، يعني: اطلبوا هلالَ شعبان واعلموه، وعدُّوا أيامَه؛ لتعملوا دخولَ رمضان. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤٠٥ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إلى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنَّي رَأَيْتُ الهِلالَ، يعني: رمضان، قال: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلَاّ الله؟ "، قال: نَعَمْ، قال: "أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟ "، قال: نَعَمْ، "قال: يا بِلالُ، أَذِّنْ في النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا". قوله: "أتشهد أن لا إله إلا الله": هذا يدل على أن الإسلامَ شرطٌ في الشهادة، وعلى أن الرجلَ إذا لم يُعرَف منه فسقٌ يُقبَل منه شهادة؛ لأن النبيَّ ﵇ لم يبحث في أن الأعرابيَّ عَدْلٌ أم لا، وعلى أن شهادةَ الواحد مقبولةٌ في هلال رمضان. * * *

стр. 1079

١٤٠٦ - عن ابن عُمر ﵁ قال: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلالَ، فَأخْبَرْتُ رسولَ الله ﷺ أنَّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ الناس بِصِيامِهِ. قوله: "تراءى الناسُ الهلالَ"، (الترائي): أن يرى بعضُ القوم بعضًا، والمراد به ها هنا: أنه اجتمع الناسُ لطلب الهلال. * * * فصل (فصل) مِنَ الصَّحَاحِ: (من الصحاح): ١٤٠٧ - عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَحَّرُوا، فإنَّ في السُّحُورِ بَرَكةٌ". "تسحَّروا"؛ أي: كُلُوا الطعامَ في وقت السَّحَر؛ ليكونَ لكم قوةٌ على الصوم. روى هذا الحديثَ أنس. * * * ١٤٠٨ - وقال: "فَصْلُ ما بَيْنَ صِيامِنَا وصِيامِ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ"، رواه عَمْرو بن العاص. قوله: "فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلَةُ السَّحَر"؛ يعني: كان الطعامُ والشرابُ والمجامعةُ حرامًا على بني إسرائيل ليلةَ صيامهم إذا ناموا، ولا يجوز لهم هذه الأشياء إلا بعد الغروب إلى أن يناموا.

стр. 1080

وكذلك كان الحكمُ في بدء الإسلام، ثم أَذِنَ الله تعالى بهذه الأشياء ما لم يطلع الصبح. وسببه: أن قيسَ بن صِرْمَةَ الأنصاريَّ كان صائمًا، فلما كان وقتُ الإفطار لم يجد شيئًا يفطر به، وخرجت امرأتُه في طلب شيء، فغلب النومُ على قيس، فنام، فلما جاءت امرأته بالطعام كان قيسٌ قد نام وحَرُمَ عليه الطعام، فلم يأكل شيئًا، فلما كان من الغد غُشِيَ عليه في نصف النهار من غاية الجوع. وأتى عمرُ ﵁ أهلَه؛ أي: جامَعَها وقد نامَتْ، فسأل عمرُ رسولَ الله ﵇ عن ذلك، وتحسَّر على هذا الذنب، فنزل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿الرَّفَثُ﴾: المجامعة، ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾: الصبح الثاني، ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾؛ أي: من بين الظلام الذي كان في موضع الصبح. روى هذا الحديثَ - أعني: "فصل ما بين صيامنا" - عمرو بن العاص. * * * ١٤٠٩ - وقال: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ"، رواه سَهْل بن سَعْد. قوله: "لا يزال الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْرَ"، (ما): للدوام، السُّنَّةُ إذا تحقَّق غروب الشمس: أن يعجلَ الصائمُ الإفطارَ؛ يعني: ما دام الناسُ يحفظون هذه السُّنةَ كانوا على الخير، وإذا تركوها قلَّ خيرُهم؛ يعني: مَن حافَظَ على جميع الفرائض والسُّنن أكثرُ خيرًا ممن تركَ بعضَ السُّنن. وعلَّة استحباب تعجيل الفطر: إشباعُ الناس؛ ليكونَ لها حضورٌ وقوةٌ عند أداء الصلاة.

стр. 1081

روى هذا الحديثَ سهل بن سعد الساعدي. * * * ١٤١٠ - وقال: "إذا أَقبلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وغَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". قوله: "إذا أَقبلَ الليلُ من ها هنا، وأدبرَ النهارُ من ها هنا، وغربت الشمسُ فقد أفطرَ الصائم"، (أقبل الليل من ها هنا): إشارةٌ إلى المشرق؛ لأن الظلمةَ أولَ ما تظهر تظهر من ذلك الجانب، و (الليل): عبارة عن ظهور الظلمة من المشرق. قوله: "وأَدبرَ النهار من ها هنا": إشارةٌ إلى جانب المغرب؛ لأن الإدبارَ هو الذهابُ، والشمسُ تذهب إلى جانب المغرب، و (النهار): عبارة عن بقاء الشمس، فإذا غربت الشمسُ ذهبَ النهارُ. وقوله: "وغربت الشمس": لا حاجةَ إلى هذا اللفظ؛ لأنه إذا قال: (وأدبر النهار) عُلِمَ منه غروبُ الشمس؛ وإنما قاله لشرح (وأدبر النهار من ها هنا)، أو لبيان كمال الغروب، كيلا يظنَّ أحدٌ أنه إذا غربت بعضُ الشمس جازَ الإفطار؛ لأنه أدبرَ النهارُ. قوله: "فقد أفطر الصائم"، قيل: معناه: دخل في وقت الفطر؛ لأنه ما لم يأكل ولم يشرب لا يكون مفطرًا، وقيل: معناه: أفطر في الحكم؛ يعني: إذا غربت الشمس انتهى صومُ الصائم، ولم يكن بعد ذلك صائمًا في الحُكم، سواءٌ أكل أو لم يأكل، بدليل أنه يحتاج إلى نية الصوم للغد إن لم يأكل ولم يشرب. روى هذا الحديثَ عمر بن الخطاب ﵁. * * *

стр. 1082

١٤١١ - وقال أبو هريرة ﵁: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنِ الوِصَالِ في الصَّوْمِ، فقالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّكَ تُواصِلُ يا رسُولَ الله!، قال: "وَأَيُّكُمْ مِثلي؟، إنَّي أَبيتُ عِنْدَ رَبي يُطْعِمُني ويَسْقِينِي". قوله: "نهى رسولُ الله ﷺ عن الوِصَالِ في الصوم"، (الوِصَال): أن يَصِلَ الصائمُ صومَ يومٍ بيومٍ؛ يعني: ألا يأكلَ ولا يشربَ شيئًا في الليل. وهذا منهيٌّ عنه في حق غير رسول الله ﵇ نهيَ كراهةٍ، وأما في حق رسول الله ﵇ يجوز الوصالُ من غير كراهة. وعلَّة نهي الأُمة عن الوصال: عدمُ قُوَّتهم على ترك الطعام يومَين؛ فإن الرجلَ يصير بالوصال ضعيفًا، فيعجز عن كثيرٍ من العبادات وكثيرٍ من الحقوق، فلو أكلَ الصائمُ في الليل شيئًا أو شربَ وإن كان شيئًا قليلًا خرجَ عن النهي. فلو أراد أحدٌ الوصالَ ولا يلتفت إلى النهي فلا يكفيه لصوم يومَين نيةٌ واحدةٌ، بل يلزمه أن ينويَ لصوم اليوم الثاني في ليلته، وإن لم يأكل شيئًا. قوله: "إني أَبيتُ عند ربي يُطعمني ويَسقيني"، قال الخطابي: يحتمل هذا معنيين: أحدهما: أن يُحمَل على الظاهر ويقول: يرزقه الله تعالى في ليالي صيامه طعامًا وشرابًا. والثاني: أن يكون معناه: إن الله تعالى يُعينني على الصوم، ويُعطيني القوةَ على الوصال، فيكون إعطاءُ الله إياه ﵇ القوةَ بمنزلة إعطاء الطعام والشراب. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤١٢ - عن حَفْصَة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ

стр. 1083

الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ"، ويُروى موقوفًا على حَفْصَةَ. قوله: "مَن لم يُجمعِ الصيامَ من الليل قبلَ الفجر فلا صيامَ له"، (أَجمعَ يُجمِعُ): إذا عزمَ على الشيء؛ يعني: مَن لم ينوِ الصومَ قبلَ الصبح لا يصحُّ صومُه. وفي هذا بحثٌ؛ فالقضاءُ والكفارةُ والنذرُ المُطلَق، فصيامُ هذه الأشياءِ لا تصح إلا بنية قبل الصبح لكل يومٍ نيةٌ جديدةٌ. وأما صومُ رمضان إذا لم يكن قضاءً، والنذرُ المعيَّن زمانُه؛ فعند الشافعي وأحمد: لا يصح أيضًا إلا بنيةٍ لكل يوم قبل الفجر. وعند أبي حنيفة: يجوز في هذَين النوعَين النيةُ بعد الصبح، وقبلَ الزوال لكل يومٍ نيةٌ واحدةٌ. وعند مالك: يجوز لجميع رمضان نيةٌ واحدةٌ، مثل أن يقول الرجل في أول ليلة من رمضان: نويتُ أن أصومَ هذا الشهرَ، فتكفيه هذه النيةُ لصوم جميع رمضان. وأما النافلةُ يجوز صومُها بنيةٍ من الليل والنهار قبلَ الزوال بالاتفاق. * * * ١٤١٣ - وقال: "إذا سَمِعَ النِّدَاءَ أَحَدُكُمْ والإناءُ في يَدِهِ؛ فلا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضيَ حاجَتَهُ مِنْهُ". قوله: "إذا سمع النداءَ أحدُكم والإناءُ في يده"، وأراد أن يشرب "فلا يضعه حتى يقضيَ حاجتَه منه"؛ يعني: إذا سمع الصائمُ أذانَ الصبح، وإناءُ الماء في يده، وأراد أن يشربَ فلا يتركْه بسماع الأذان، بل له الشربُ، وهذا إذا علمَ عدمَ طلوع الصبح، أما إذا علمَ طلوعَ الصبح أو شكَّ أنه هل طلع أم لا؟ لا يجوز له الشربُ، وهذا لا يتعلق بالأذان، بل يتعلق بطلوع الصبح وعدمه.

стр. 1084

روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤١٤ - وقال: "قال الله تعالى: أَحَبُّ العِبادِ إليَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا". قول الله تعالى: "أحبُّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطرًا"؛ يعني: مَن هو أكثرُ تعجيلًا في الإفطار؛ فهو أحبُّ إلى الله تعالى. ولعل سببَ محبة الله تعالى إياه: لطاعته سُنَّةَ رسول الله ﵇، ولأنه إذا أفطرَ قبلَ الصلاة يؤدي الصلاةَ عن حضور القلب وطمأنينة النفس، ومَن كان بهذه الصفة فهو أحبُّ إلى الله ممن لم يكن كذلك. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤١٥ - وقال: "إذا أَفْطَرَ أَحَدكم فَلْيُفْطِرْ على تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكةٌ، فإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ على ماءٍ، فإنَّهُ طَهُورٌ". قوله: "فَلْيفطِرْ على تمرٍ؛ فإنه بركةٌ، فإن لم يجد فَلْيفطِرْ على ماءٍ؛ فإنه طَهورٌ": فهذا الحديثُ وأمثالُه الأَولى أن يُحالَ عليه إلى رسول الله ﵇؛ فإنه يعلم حقيقةَ الأشياء بتعليم الله تعالى إياه، ونحن لا نعلم. وما يجري في الخاطر: أن التمرَ قُوتٌ وحلوٌ، والنفس قد تعبت بمرارة الجوع، فأَمرَ الشارعُ بإزالة هذا التعب بشيءٍ هو قُوتٌ وحلوٌ، ولا شيءَ بهذه الصفة إلا التمر والزبيب، والتمرُ أكثرُ في المدينة من الزبيب وأحلى، فلهذا أَمرَ ﵇ بالإفطار على التمر. وإن لم يكن التمرُ أَمرَ الشارعُ بالإفطار على الماء؛ لأن الماءَ يُزيل تعبَ

стр. 1085

العطش عن النفس. روى هذا الحديثَ سلمان بن عامر الضبي. * * * ١٤١٧ - عن زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ فَطَّرَ صائِمًا أو جَهَّزَ غَازِيًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِه"، صحيح. قوله: "مَن فطَّر صائمًا"، (التفطير): جعلُ أحدٍ مُفطِرًا؛ يعني: مَن أطعمَ صائمًا. قوله: "أو جهَّز غازيًا"، (التجهيز): تهيئة أسباب المسافر؛ يعني: مَن أعطى غازيًا السلاحَ والفَرَسَ ونفقةَ سفرِه إلى الغزو "فله مثل أجره". * * * ١٤١٨ - عن ابن عمر قال: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أَفْطَرَ قال: "ذَهَبَ الظَّمَأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وثَبَتَ الأَجْرُ إنْ شَاءَ الله تعالى". قوله: "ذهبَ الظَّمَأ"؛ أي: زالَ العطشُ الذي كان بي. "وابتلَّت العروق"؛ أي: زالت يبوسةُ عروقي التي حصلت من غاية العطش بأن شربتُ الماء، وهذا تحريضُ الناس على العبادة؛ يعني: لا يبقى التعبُ على الإنسان، ويبقى له الأجرُ، فَلْيحمِلِ الإنسانُ التعبَ على نفسه؛ ليحصلَ له غنيمةُ الأجر، وهذا الدعاء يُقرَأ بعد الإفطار بالماء. * * * ١٤١٩ - ورُوي: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذَا أَفْطَرَ قال: "اللهمَّ لكَ صُمْتُ، وعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ".

стр. 1086

قوله: "اللهم لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ"؛ يعني: لم يكن صومي رياءً، بل خالصًا لك؛ لأن الرازقَ أنتَ، فإذا أكلتُ رزقَك - ولا رازقَ غيرُك - فلا ينبغي العبادةُ لغيرك، وهذا الدعاء يُقرَأ أيضًا بعد الإفطار. روى هذا الحديثَ معاذ. * * * ٣ - باب تَنْزيه الصَّوم (باب تنزيه الصوم) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٤٢٠ - قال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بهِ فَلْيْسَ للهِ حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرابَهُ". قوله: "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بهِ فَلْيْسَ للهِ حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرابَه"، (التنزيه): الإبعاد والتخليص، والمراد به ها هنا: تخليص الصوم من الفواحش. (مَن لم يَدَعْ)؛ أي: مَن لم يتركِ الزُّورَ والكذبَ. قوله: "والعمل به"؛ أي: بالزور، أراد به جميعَ الفواحش؛ لأن كلَّ ما نَهَى الله عنه، فمَن عملَه فقد فعلَ مخالفةَ الله تعالى، والمخالفة: هو الكذب في الحكم وحصول الإثم. يعني: الغرضُ من الصيام كسرُ النفس بترك الطعام، والغرضُ من كسر النفس: تركُ المَنَاهي، والغرضُ المعظَّم من الصيام: تركُ المناهي التي هي مُحرَّمةٌ، لا تركُ الطعام والشراب اللذَين هما مباحان.

стр. 1087

فقد روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤٢١ - وقالت عائشة ﵂: كان رَسُولُ الله ﷺ يُقَبلُ ويُبَاشِرُ وهو صائِمٌ، وكانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبهِ. قولها: "كان رسول الله ﷺ يُقبل ويُباشِر وهو صائمٌ، وكان أَملكَكم لإربه"، ومعنى (يباشر) هنا: يلمس نساءَه بيدِه، (أملككم): أفعل التفضيل من (مَلَكَ مُلكًا): إذا قَدرَ على شيء وصار حاكمًا عليه، (لأَرَبه) بفتح الهمزة والراء؛ أي: لحاجته، و (الإرْب) بكسر الهمزة وسكون الراء: مثله؛ يعني: إنما فعلَ رسولُ الله ﵇ هذا؛ لأنه كان غالبًا على هواه، ولا يُخاف عليه إنزالُ المني، بخلافكم أيها الأُمة؛ فإنه لو فعلتُم هذا يُخاف عليكم إنزالَ المني، فإذا كان كذلك القُبلةُ والمُباشَرةُ مكروهتانِ لكم. وقيل: معناه: كان رسولُ الله ﵇ يقدر على أن يحفظَ نفسَه عن القُبلة والمُباشَرة؛ لأنه غالبٌ على هواه، ومع هذا يُقبل ويُباشِر، والأُمةُ قد يكون لهم صبرٌ وقدرةٌ على ترك القُبلة والمُباشَرة؛ لأنهم قلَّما يملكون هواهم، فإذا كان كذلك يُكرَه لهم القُبلةُ والمُباشَرةُ، وبهذا قال عمر وعائشة ﵄. وقال الشافعي وأحمد: لا يُكرَه لمَن لم تحرِّك القُبلةُ والمُباشَرةُ شهوتَه، وقال مالك: تُكرَهان للشابِّ دونَ الشيخ. وقال أبو حنيفة: لا تُكرَهانِ للصائم مطلقًا. فإن خرجَ المَنِي بالقُبلة والمُباشَرة بطل الصومُ بالاتفاق. * * *

стр. 1088

١٤٢٢ - وقالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ في رَمَضَانَ وهو جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، فَيَغْتَسِلُ، ويَصُومُ". قولها: "كان رسولُ الله ﷺ يُدركه الفجرُ في رمضان وهو جنبٌ من غير حُلمٍ، فيغتسل ويصوم"، (من غير حُلم)؛ أي: من غير احتلام؛ يعني: لو جامَعَ أحدٌ قبلَ الصبح ولم يغتسل إلا بعد الصبح فلا بأسَ عليه، ولا خللَ في صومه عند الأئمة الأربعة. وقال بعض التابعين: يبطل صومُه، وقال إبراهيم النَّخَعي: يبطل الفرضُ دون النفل. * * * ١٤٢٣ - وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ، واحْتَجَمَ وهو صَائِمٌ. قوله: "إن النبي ﷺ احتجم وهو مُحرِمٌ، واحتجم وهو صائمٌ"، تجوز الحِجامةُ للمُحرِم بالحج أو العمرة بشرط أن لا ينتفَ شَعرًا، فإن نتفَ شعرًا فعليه الفِديةُ، كما يأتي في (كتاب الحج)، وكذلك يجوز للصائم الحِجامةُ من غير كراهيةٍ عند أبي حنيفة ومالك والشافعي. وقال الأوزاعي: يُكرَه للصائم الحجامةُ؛ مخافةَ الضعف، وقال أحمد: يبطل صومُ الحاجم والمحجوم، ولا كفارةَ عليهما. وقال عطاء: يبطل صومُ المحجوم وعليه الكفارةُ. * * * ١٤٢٤ - وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وهو صائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وسَقَاهُ".

стр. 1089

قوله: "مَن نَسِيَ وهو صائمٌ ... " إلى آخره؛ يعني: لا يبطل الصومُ بالأكل والشرب ناسيًا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: يبطل الصومُ بالأكل والشرب ناسيًا. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٤٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: هَلَكَتُ، وأَهْلَكْتُ، فقال: "ما شَأْنُكَ؟ "، قال: وَقَعْت على امْرَأَتِي في نَهارِ رَمضانَ، قال: "فأَعْتِقْ رَقَبَة"، قال: لَيْسَ عندي، قال: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ"، قال: لَا أستطيعُ، قال: "فَأَطْعِمَ سِتِّينَ مسكينًا"، قال: لا أَجِدُ، قال: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فأُتِىَ النَّبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ - والعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ - قال: "خُذْ هذا فتَصَدَّقْ بِه"، قال: على أَفْقَرَ مِنَّا؟، فَضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قال: "أَطْعِمْهُ عِيالَكَ". قوله: "هلكتُ وأَهلكتُ"؛ أي: هلكتُ بحصول الذنب لي، وأهلكتُ امرأتي بأن حصلت لها ذنبًا. "ما شأنك؟ "؛ أي: أيُّ شيءٍ أمرُك وحالُك حتَّى تقول هذا؟ "وقعتُ على امرأتي"؛ أي: جامعتُها في رمضان؛ أي: في نهار رمضان. قوله: "فأَعتِقْ رقبةً"؛ أي: كفارةُ هذا الذنب أن تُعتقَ رقبةً عبدًا أو أَمَةً. العَرَق" بفتح العين والراء "المِكْتَل" بكسر الميم: وهو الزِّنْبيل. قوله: "على أفقرَ منا"؛ أي: أتصدُّق بهذا على من هو أكثرُ حاجةً منا؛ يعني: أنا وعيالي فقراء ليس أحدٌ أفقرَ منا، فهل يجوز لنا أن نأكلَه أم لا بد أن أتصدَّق به على غيرنا؟

стр. 1090

"النواجذ": أواخر الأسنان، واحدتها: ناجزة. اعلم أنه ﵇ لم يأمر الأعرابيَّ بقضاء صوم ذلك اليوم في هذا الحديث، ولكن أمرَه بقضائه في رواية أخرى، ولم يورد المصنف تلك الروايات في "المصابيح". واعلم أن الأعرابيَّ لمَّا ذكرَ عجزَه عن الإعتاق والصوم والإطعام لم يقلْ رسولُ الله: في ذِمَّتك حتى يقدرَ على أحد هذه الثلاثة؛ هذه خاصيةُ ذلك الأعرابي. وأما غيرُه إذا فعلَ هذا الفعلَ وعجزَ عن هذه الثلاثة يجب في ذِمَّته إلى أن يقدرَ على واحدٍ من هذه الثلاثة. قوله ﵇ للأعرابي: "أَطعِمْه عيالَك": خاصةٌ للأعرابي، ولا يجوز لغيره أن يطعمَ طعامَ الكفارةِ عيالَه، وهذه الكفارةُ مرتبة عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد. وقال مالك: هي مخيَّرة بفعل المُجامِع ما شاء من هذه الثلاثة، ومعنى المرتب: أن يكون الإعتاق مقدَّمًا، فإن لم يقدر على الإعتاق فيلزمه صومُ شهرَين متتابعَين، فإن لم يقدر على الصوم فيُطعم ستين مسكينًا، كلَّ مسكينٍ مُدًّا، وقال أبو حنيفة: نصفَ صاعٍ. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رجُلًا سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عنِ المُبَاشَرَةِ للصَّائِمِ فَرَخَّصَ له، وأَتَاهُ آخَرُ فَنَهَاهُ، فإذا الذي رَخَّصَ له شَيْخٌ، والذي نَهَاهُ شابٌّ.
следующие страницы →