← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بواجب، بل هو مستحبٌّ؛ لأن المؤمن مقرٌّ بقلبه بما أمر الله تعالى، والإيمانُ ثابتٌ في قلبه، فلو لم يتلفظ بكلمتي الشهادة عند الموت فلا بأسَ عليه، ولهذا لا نحكمُ بكفر من مات ولم نسمعْ منه كلمتي الشهادة عند النزع من المسلمين. رواه فَرْوةُ بن نوفل بن معقل الأشجعيُّ. * * * ١٥٦١ - وقال عُقْبة بن عامِرٍ ﵁: بَيْنَا أنا أَسِيْرُ معَ رسولِ الله ﷺ بينَ الجُحْفَة والأَبْوَاءِ إذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فجعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يتَعَوَّذُ بـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ويقول: "يا عُقبَةُ!، تَعَوَّذْ بهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بمثلِها". قوله: "الجُحْفة والأبوَاءِ": هما اسما موضعين. "غَشِينا"؛ أي: جاءنا. "فجعل رسول الله ﵇"؛ أي: طفِقَ. قوله: "فما تعوَّذ متعوِّذٌ بمثلها"؛ يعني: ليس مثل هاتين السورتين، بل هاتان السورتان أفضلُ التعاويذ. * * * ١٥٦٣ - عن عُقْبة بن عامِرٍ قال: قُلْتُ: يا رسولُ الله!، أقرأُ سُورَةَ هُودٍ أو سورةَ يوسُف؟، قال: "لنْ تَقرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ الله مِنْ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". قوله: "أقرأُ سورةَ هود"، الهمزة للمتكلم، وكان أصله: أأقرأ؟ الهمزة الأولى للاستفهام، فحُذِفت همزة الاستفهام للعلم بها.

стр. 1157

قوله: "لن تقرأَ شيئًا أبلغَ عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ "؛ يعني: لن تقرأ سورة أبلغَ وأتمَّ في التعوُّذِ من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. * * * ١٥٦٢ - عن عبد الله بن خُبَيْب قال: خَرَجْنَا في لَيْلَةِ مَطَرٍ وظُلْمةٍ شديدة نَطْلُبُ رسولَ الله ﷺ ، فَأدْركْنَاهُ، فَقالَ: "قُلْ"، قُلْتُ: ما أقولُ؟، قال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُصْبحُ وحَينَ تُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". قوله: "تكفِيكَ من كلِّ شيء"؛ يعني: تدفعُ هذه السورة عنك شرَّ كل ذي شرٍّ. روى هذا الحديث عبد الله بن حبيب الجُهَني المدني. * * * فصل مِنَ الصِّحَاحِ: (فصل) ١٥٦٤ - قال رسول الله ﷺ : "تَعَاهَدُوا القُرآنَ، فَوَالذي نفسي بيدِهِ لهَو أَشَدُّ تَفَضِّيًا مِنَ الإِبلِ في عُقُلِها". قوله: "تعاهدوا القرآن"؛ أي: داوموا على قراءته حتى لا تنسَوهُ. قوله: "أشد تَفصِّيًا"؛ أي: فِراراً، (التفصِّي): الخروج من ضيقٍ. "العُقُل": جمع عِقال، وهو ما يشد به أحد ركبتي البعير إلى الأخرى؛ يعني: لو لم يكن البعير مشدودًا لفرَّ، فكذلك القرآن لو لم يقرأه الرجل لفرَّ

стр. 1158

من صدره ونسيه. روى هذا الحديث أبو موسى. * * * ١٥٦٥ - وقال: "اسْتَذْكِرُوا القُرآنَ، فإنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرَّجالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِها". قوله: "استذكِرُوا القرآنَ"؛ أي: تذكروه وداوموا على ذكره وتلاوته. "النعم" هنا: الإبل. روى هذا الحديث ابن مسعودٍ. * * * ١٥٦٦ - وقال: "مَثَلُ صاحبِ القُرآنِ كمثَلِ صاحِبِ الإِبلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَها، وإنْ أَطْلَقَها ذَهَبَتْ". قوله: "كمثَلِ صاحبِ الابلِ المُعقَّلةِ"، (المعقلة): المشدودة. "إن عاهد عليها"؛ أي: داوم على حفظ تلك الإبل. "أطلقها"؛ أي: خلاها. روى هذا الحديث ابن عمرَ. * * * ١٥٦٧ - وقال: "اقرَؤُوا القُرآنَ ما ائْتَلفتْ عليهِ قُلُوبُكُمْ، فإذا اخْتَلَفْتُمْ فقومُوا عنهُ". قوله: "اقرؤوا القرآنَ ما ائتلفتْ قلوبُكم"؛ يعني: اقرؤوا القرآنَ ما دام لكم منه ذوقٌ، وخواطرُكم له مجموعةٌ، فإذا حصل لكم ملالةٌ وتفرقُ القلوبِ،

стр. 1159

فاتركوه، فإنه أعظمُ من أن يقرأه أحدٌ من غير حضورِ القلبِ. روى هذا الحديث جُندُبُ بن عبد الله. * * * ١٥٦٨ - وسُئلَ أنسٌ ﵁: كيفَ كانتْ قِراءَةُ النَّبيِّ ﷺ ؟، فقال: كانَتْ مَدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يمدُّ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويَمُدُّ بـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمُدُّ بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾. قوله: "كانت مَدَّاء" (مَدَّاء): تأنيث أمد، و (أمدُّ) نعت المذكر، من (مدَّ)؛ يعني: كانت قراءته كثيرة المد. "ثم قرأ"؛ يعني: قال قتادة: لما سُئِل أنسٌ عن قراءة رسولِ الله ﵇، فقال: كانت مداء، ثم قرأ أنس: " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ومدَّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ومدَّ ﴿الرَّحِيمِ﴾ "؛ ليعلمَ الحاضرون كيفيةَ قراءةِ رسول الله ﵇. وأعلم أن للمدِّ حدًا، وحروفُ المد ثلاثة: الألف، والواو الساكنة التي قبلها ضمة، والياء الساكنة التي قبلها كسرة، فإذا كان واحد من هذه الحروف وبعدهما همزةٌ يمدُّ ذلك الحرف، وفي قدره اختلفَ القرَّاء؛ فبعضهم يمدُّ بقدر ألف، وبعضهم يمدُّ بقدر ألفين، وبعضهم يمدُّ بقدر ثلاث ألفات، وبعضهم يمدُّ بمقدار أربع ألفات، وبعضهم يمدُّ بقدر خمس ألفات. وإن كان بعدها تشديدٌ يمدُّ بقدر أربع ألفات بالاتفاق. وإن كان بعدها ساكن يمدُّ بقدر ألفين بالاتفاق. مثال الهمز: ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾ و ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ﴿وَفِي آذَانِهِمْ﴾. مثال التشديد: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ بمدِّ الألف؛ لتشديد الجيم، وبمد الواو؛ لتشديد النون.

стр. 1160

مثال الساكن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ تمدُّ الألف؛ لسكون الدال بعدها، وكذلك تمد الواوُ في ﴿يَعْلَمُونَ﴾ والياءُ في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ عند الوقف على النون. وإذا كان بعد حروف المدِّ حرفٌ غيرُ الهمز والمشدد وغير الساكن، لم يمدَّ حرفُ المد إلا بقدر خروجها من الفم، نحو: ﴿إِيَّاكَ﴾ لا تمدُّ الألف إلا بقدر خروجها من الفم؛ لأن ما بعدها كافٌ، وهي متحركة. وكذلك: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ عند الوصل؛ لأن النون متحركةٌ في الأصل، وكذلك جميع الأمثلة. وإذا عرفت هذا فاعلم أنَّ مدَّهُ بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن إلا بقدر خروج حرف المدِّ من الفم؛ لأنه ليس بعد الألف همزة ولا تشديد ولا ساكن. و ﴿الرَّحِيمِ﴾ يمدُّ عند الوقف بقدر الألفين، وعند الوصل بقدر خروج الياء من الفم. ونعني بقدر الألف: قدرَ مدِّ صوتِكِ إذا قلت: ياء، أو ثاء، وما أشبهَ ذلك. * * * ١٥٦٩ - وقال رسول الله ﷺ : "ما أَذِنَ الله لِشيءٍ ما أَذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقُرآنِ". ١٥٧٠ - وقال: "ما أَذِنَ الله لِشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بالقُرآنِ يَجْهَرُ به". قوله: "وما أَذِنَ الله لشيء ما أَذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن"؛ يعني: ما استمع إلى شيء كاستماعه إلى صوتِ نبيًّ قرأ الكتاب المنزَّلَ إليه بصوت رفيع. والمراد بالقرآن هنا: جميع الكتب المنزلة.

стр. 1161

(الأَذَن) بفتح الهمز والذال: الاستماع. يعني: ما أحبَّ الله صوتًا مثلَ حبه صوتَ القرآن في ديننا، وصوت التوراة في دين موسى، وكذلك كلُّ كتاب منزل قبل نسخِ ذلك الكتاب. وفي التغني في هذا الحديث وأشباهه أربعةُ أوجه: أحدها: رفع الصوت. والثاني: الاستغناء بالقرآن عن غيره؛ يعني: من قرأ القرآن صار غنيًا، ولا حاجةَ إلى كتاب آخر لم يكن مُستنبَطاً من القرآن أو موافقًا لأحكام القرآن. والحديثُ مستنبطٌ من القرآن: لأن الله تعالى قال في حقِّ الرسول ﵇: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] , وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. والوجه الثالث: التغني الذي هو عادةُ الرُّكبان، وهو ترديدُ الصوت وتلوينه بحيث لا يُخِلُّ بالمعنى، فاختار رسول الله ﵇ أن يتركَ العربُ التغنيَ بالأشعار، ويعتادوا قراءة القرآن على الصفة التي كانوا يعتادونها في قراءة الأشعار. والرابع: تحسين الصوت وتطييبه بالقراءة من غير ترديدِ الصوتِ. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٥٧١ - وقال: "ليسَ مِنَّا مَنْ لمْ يتغَنَّ بالقُرآن". قوله: "ليسَ مِنَّا من لم يتغنَّ بالقرآنِ"؛ يعني: ليس من متابعينا من لم يتغنَّ بالقرآن، وقد ذكرنا معنى التغني والأقوالَ الواردة فيها.

стр. 1162

وقال الشافعي: لا بأسَ بالألحان وترديد الصوت بالقرآن، واختار سفيانُ ابن عُيينةَ: أن التغني هو الاستغناء بالقرآن عن غيره. روى هذا الحديث أبو هريرة وسعدُ بن أبي وقَّاص. * * * ١٥٧٢ - وقال عبد الله بن مَسْعودٍ ﵁: قالَ لي رسولُ الله ﷺ وهو على المِنْبَرِ: "اقْرَأْ عليَّ"، قلتُ: أَقْرَأُ عليكَ وعليكَ أُنْزِلَ؟، قال: "إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، فقرأْتُ سورةَ النِّساءَ حتَّى أتيتُ إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: "حَسْبُكَ الآن"، فالتفتُّ إليه، فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفانِ. قوله: "اقرأ عليَّ"؛ يعني: اقرأ حتى أستمع إليك، فإني أحب أن أسمعَ القرآنَ من غيري، وهذا دليلٌ على أن استماعَ القرآن سُنةٌ. قوله: "حسبك الآن"؛ يعني: إذا وصلت إلى هذه الآية لا تقرأ شيئًا آخر، فإني مشغولٌ بالتفكُّر في هذه الآية وبالبكاء. ولتتعلم الأمةُ استماعَ القرآن عن رسول الله، فإنه استمع مع (١) التدبر والتفكر في معناه بحيثُ جرت دموعه من تعظيمِ خطابِ الله تعالى. قوله: " ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ "؛ يعني: فكيف حال الناس في يومٍ تحضرُ أمةُ كلِّ نبيٍّ، ويكون نبيهم شهيدًا بما فعلوا من قبولهم ذلك النبي، أو ردهم إياه؟ وكذلك يفعلُ بك يا محمد وبأمتك.

стр. 1163

"تَذرِفان"؛ أي: تقطران الدمع. * * * ١٥٧٣ - وعن أنَسٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ لأُبَيِّ بن كَعْبٍ: "إنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أقرأَ عليكَ القُرآنَ"، قال: الله سَمَّاني لكَ؟!، قال: "نعمْ"، قال: وقَدْ ذُكِرْتُ عندَ ربِّ العالَمِينَ؟!، قال: "نعمْ"، فذرفَتْ عَيْنَاهُ. وفي روايةٍ: "أَمَرَني أنْ أقرأَ عليكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ". قوله لأبيٍّ: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآنَ"؛ يعني: أن أقرأ حتى تسمعَهُ مني، وتعرفَ كيفيةَ قراءتي، وتصحيحَ الحروف، وتجويدَ اللفظ، ومن هذا جرى بين المقرئين سنةُ أن يقرأ الأستاذ أولاً حتَّى يسمعَ التلميذُ، ثم يقرأ التلميذُ. قوله: "الله سماني؟! " تقدير الكلام: (أالله) بهمزتين؛ الأولى همزة الاستفهام، والثانية همزة (الله)، فقُلِبت الهمزة الثانية ألفًا، فصار (الله) بالمد، ويجوز (الله) بغير مدٍّ على أنه حُذِفت همزة الاستفهام؛ للعلم بها. قوله: "فذرفت عيناه"؛ يعني: بكى أُبيٌّ من أجل أنه رأى نفسَه أحقرَ من أن يذكره ربُّ العالمين. قوله: "أمرني ربي أن أقرأَ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، قيل: سببُ تخصيصِ قراءة هذه السورة من بين السور: أن في هذه السورة قصةَ أهل الكتاب، وأبيٌّ كان من علماء اليهود؛ ليعلمَ أبيٌّ حالَ أهل الكتاب، ويعلمَ خطابَ الله معهم. * * *

стр. 1164

١٥٧٤ - وقال ابن عُمر ﵄: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أنْ يُسَافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ. وفي روايةٍ: قالَ: "لا تُسافِرُوا بالقُرآنِ، فإنِّي لا آمَنُ أَنْ ينالَهُ العَدُوُّ". قوله: "أن ينالَهُ العدوُّ"؛ يعني: أن يصيب الكفارُ مصحفَ القرآن ويُحقِّروه، أو يحرقوه، أو يلقوه في مكان نجس. * * * مِنَ الحِسَان: ١٥٧٥ - عن أبي سَعيد الخُدْريِّ ﵁ قال: جلَستُ في عِصابةٍ من ضُعفاءِ المُهاجرينَ، وإنَّ بعضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ ببعضٍ مِنَ العُرْيِ، وقارِئٌ يَقْرأُ علينَا، إذْ جاءَ رسُولُ الله ﷺ ، فقامَ عَلَيْنَا، فلمَّا قامَ رسُولُ الله ﷺ سَكَتَ القارِئُ، فسلَّمَ، ثمَّ قال: "مَا كُنْتُم تَصْنَعُونَ؟ " قُلنا: كُنَّا نستَمِعُ إلى كِتابِ الله، فقال: "الحمدُ لله الذي جعلَ مِنْ أُمَّتي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبرَ نفسِي مَعَهُمْ", قال: فجلسَ وَسْطَنَا ليَعْدِلَ بنفسِهِ فينا، ثمَّ قال بيدِهِ هكذا، فتحلَّقُوا، وبرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لهُ، فقال: "أبْشِرُوا يا مَعْشَرَ صعَالِيكِ المُهاجِرينَ بالنُّورِ التَّامُ يومَ القِيامَةِ، تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قبلَ أَغنِيَاءِ النَّاسِ بنصْفِ يومٍ، وذلكَ خمسُمائةِ سنَةٍ". قوله: "إن بعضَهم ليستترُ ببعض من العُرْيِ": هؤلاء أهلُ الصفة ليس لهم من الثيابِ إلا قليلٌ؛ مَنْ كان ثوبُهُ أقلَّ من ثوب صاحبه يجلسُ خلف صاحبه حتى لا يراه أحدٌ. قوله: "فقامَ علينا"؛ أي: قام رسولُ الله ﵇ فوق رؤوسنا. "بغتة"؛ يعني: كنا غافلين عن مجيئه، فإذا نظرنا، فإذا هو قائمٌ فوق رؤوسنا.

стр. 1165

قوله: "فسلَّم"؛ يعني: فسلم رسولُ الله ﵇ علينا. "جعل من أمتي مَنْ أُمرتُ أن أصبرَ معهم"؛ يعني: الحمدُ لله الذي جعلَ من أمتي زُمْرةً صلحاء فقراء مُقرَّبين عند الله تعالى، ومن غاية قربهم إلى الله تعالى أمرني الله أن أصبرَ معهم - أي: أكون معهم، وأحبس نفسي معهم - بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال المفسرون: معناه: يتعلمون القرآن والأحكام منك يا محمد في أول النهار وآخره، ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ يعني: يطلبون رضا الله، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]؛ يعني: لا تجاوزْ بصرَكَ عنهم إلى (١) الأغنياء. نزلت هذه الآية في فقراء المهاجرينَ حين قال كفارُ قريش لرسول الله ﵇: أخرِج الفقراءَ من عندك حتى نجالسَكَ، ونؤمن بك، ففعل رسول الله ﵇ ذلك حرصًا على إيمانهم، فنزلت هذه الآية، ونهاه عن ذلك. قوله: "ليعدِلَ بنفسه فينا"؛ يعني: لنراه جميعًا، فإنه لو لم يجلسْ وسطنا، لرآه بعضُنا دون بعض. قوله: "ثم قال بيده هكذا"؛ يعني: أشار إلى أن اجلسوا على الحلقة، فبهذا عُلِمَ كونُ جلوسِ الجماعة على الحلقة سُنةً. قوله: "وبرزت وجوهُهم له"؛ أي: ظهرت وجوهُهم لرسول الله ﵇؛ يعني: جلسوا على الحلقة بحيث يَرى النبي ﵇ وجهَ كلِّ واحد منهم. "أبشروا" بفتح الهمزة وكسر الشين؛ أي: افرحوا. "الصعاليك": جمع صعلوك، وهو الفقير.

стр. 1166

"بالنور التام"؛ يعني: حظُّ الفقراء في القيامة أكثرُ من حظ الأغنياء؛ لأن الأغنياء وجدوا راحةً في الدنيا، واشتغلوا بتحصيل المال، والفقراءُ لم تحصل لهم راحةٌ في الدنيا، فزيدت حظوظهم التي فاتت عنهم في الدنيا مع حظوظهم الأخروية، فحصل لهم ضعْفَا ما حصل للأغنياء، وإنما دخل الفقراءُ الجنةَ قبل الأغنياء؛ لأن الأغنياءَ وُقِفوا في العَرَصَات للحساب، وسُئِلوا من أين حصَّلوا المال؟ وفي أي شيءٍ صرفوه؟ ولم يكنْ للفقراء مالٌ حتَّى يُوقَفوا ويُسأَلوا عنه. يعني رسولُ الله ﵇ بالفقراء: الفقراءَ الصابرين الصالحين، وبالأغنياء: الأغنياءَ الشاكرين المؤدِّين حقوقَ أموالهم. * * * ١٥٧٦ - وقال: "زَينُوا القُرآنَ بأَصْوَاتِكُمْ". قوله: "زينوا القرآنَ بأصواتكم", قال الخطابي: قد جاء عن البراء بن عازبٍ عن رسول الله ﵇ في هذا الحديث روايتان: أحدهما: هذا. والثانية: "زينوا أصواتَكم بالقرآنِ". وقال: هذه الرواية أصحُّ؛ يعني: اشتَغِلوا بالقرآن؛ فإنَّ قراءةَ القرآن زينةٌ للصوت ولصاحبه. وقالوا: تقدير: زينوا القرآنَ بأصواتكم: زينوا أصواتكم بالقرآن أَيضًا؛ فإن الأصوات وأصحاب الأصوات يتزيَّنون بالقرآن، ولا يتزيَّنُ القرآنُ بالأصوات. * * * ١٥٧٧ - وقال: "مَا مِنْ امرِئٍ يقرأُ القُرْآنَ، ثُمَّ يَنْساهُ إلَّا لقيَ الله يومَ القيامَةِ أَجْذَمَ".

стр. 1167

قوله: "ما من امرئ يقرأ القرآنَ ثمَّ ينساه إلا لقيَ الله يوم القيامة أجذمَ"، (الأجذم): مقطوع اليد. قال ابن الأعرابي: معناه: لقيَ الله خاليَ اليدِ من الخير، وقيل: معناه: لقيَ الله مقطوعَ الحُجَّة؛ يعني: لا حجةَ له ولا عذرَ له في نسيان القرآن؛ يعني: ينكِّسُ رأسَهُ عند الله من الاستحياء عن استخجال نسيانِ كلامِهِ. روى هذا الحديث سعدُ بن عُبادةَ. * * * ١٥٧٨ - عن عبد الله بن عَمْرٍو: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ القُرآنَ في أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ"، صحيح. قوله: "لم يفقَهْ مَنْ قرأ القرآنَ في أقلَّ من ثلاثٍ"؛ يعني: لا يقدرُ الرجل أن يتفكَّرَ أو يتدبر في معنى القرآن لو ختم القرآن في ليلة أو ليلتين؛ لأنه يقرأ على العجلة والملالة، بل ينبغي أن لا يختمَ القرآنَ إلا في ثلاث ليال أو أكثر، حتى يقرأَ على التأني، ومن طيب النفس ونشاطها، ويتفرَّغَ للتدبر في معناه. * * * ١٥٧٩ - وعن عُقْبة بن عامِرٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "الجاهِرُ بالقُرآنِ كالجاهرِ بالصَّدقةِ، والمُسِرُّ بالقُرآنِ كالمُسِرُّ بالصَّدقةِ"، غريب. قوله: "الجاهِرُ بالقرآن كالجاهرِ بالصدقةِ، والمُسِرُّ بالقرآن كالمسرِّ بالصدقة"؛ يعني: كما أن الجهر والسر بالصدقة جائزان، فكذلك في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] الحاصل: أن قراءةَ القرآن كصلاة النافلة، فكما أن إخفاءَ صلاة النافلة أفضلُ،

стр. 1168

فكذلك إخفاءُ قراءة القرآن، وهذا في غيرِ الصلوات المفروضات، فإن الجهرَ في صلاة الصبح والركعة الأولى والثانية من المغرب والعشاء أَوْلَى اقتداءً برسول الله ﵇، ولو قرأ جماعة في مسجد سبعًا أو أكثر من القرآن جهرًا؛ ليعلمَ بعضُهم بعضًا اللحن والخطأ، وليستمعَ إليهم جماعةٌ لينالوا ثوابَ الاستماع، وليرغبَ جماعةٌ في تعلُّمِ القرآن، وليحصلَ للمستمعين ذوقُ أصوات القارئين، وذوقُ معاني القرآن وإظهار الدين، فإذا كان نيَّتهم هذه الأشياء، فالجهرُ أولى، كما أن الأذان في أيِّ موضع أعلى أفضل؛ لأن رسول الله ﵇ قال لأبي بكر: "ارفعْ من صوتِكَ"، ولأنه قال ﵇: "زينوا أصواتَكم بالقرآنِ". * * * ١٥٨١ - عن يَعْلى بن مَمْلَك: أنَّه سألَ أُمَّ سلَمةَ عنْ قِراءَةِ النبيَّ ﷺ ، فإذا هي تَنْعَتُ قِراءَةً مَفَسَّرةً حرفًا حرفًا. قوله: "فإذا هي تَنْعَتُ"؛ أي: تصفُ، (نعت): إذا وصف. "مُفسَّرة"؛ أي: مبينة؛ يعني: قالت: كان رسول الله ﵇ يقرأ القرآنَ على التأني بحيث يمكنُ عدُّ حروفِ ما يقرأ. * * * ١٥٨٢ - ورُوي أنّها قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يُقطِّعُ قِراءَتَهُ يقولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثمَّ يَقِفُ، ثمَّ يقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمَّ يقِفُ، والأوَّل أصحُّ. قولها: "يقولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقفُ": إنَّما كان رسول الله ﵇ يقفُ على الآية؛ ليتبينَ للمستمعين رؤوسُ الآيِ، ولو لم يكنْ لهذه العلةِ لَمَا وقفَ على ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا على ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأن

стр. 1169

الوقفَ على هذين الموضعين قَطْعُ الصفةَ عن الموصوف، وهذا غيرُ صواب، ولهذا لم يستحسن القراءُ الوقفَ على رأس آية تتعلق بما قبلها أو بما بعدها لتمام معناها. قوله: "الأول أصح"؛ أي: الرواية الأولى عن أم سلمة أصحُّ من هذه الرواية. * * * فصل (فصل) مِنَ الصَّحَاحِ: ١٥٨٣ - قال عُمر بن الخطَّاب: سَمِعْتُ هِشامَ بن حَكِيم بن حِزَامٍ يقرأُ سورةَ الفُرقانِ على غيرِ ما أَقرَؤُهَا، وكان رسُولُ الله ﷺ قْرَأَنِيها، فجئْتُ بِهِ رسُولَ الله ﷺ ، فقلتُ: إنِّي سمعتُ هذا يقرأُ سُورَةَ الفُرقانِ على غيرِ ما أقرأْنِيها، فقالَ له رسولُ الله ﷺ : "اقْرَأْ"، فقرأَ القِراءَةَ التي سَمِعْتُهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هكذا أُنْزِلَتْ"، ثمَّ قالَ لي: "اقْرَأْ"، فقَرَأتُ، فقال: "هكذا أُنْزِلَتْ"، إنَّ هذا القُرآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فاقْرَؤُوا ما تيسَّرَ منه". من الصِّحَاح: "فجئت به"؛ يعني: قلت لهشام تعالَ معي حتى نأتيَ رسولَ الله ﵇، ونسأله أن قراءتي صحيحة أم قراءتك؟ "فقرأ القراءة التي سمعته"، الضمير الغائب في (سمعته) يرجع إلى هشام، وهذا هو المفعول الأول لـ (سمعت)، ومفعوله الثاني محذوف، وتقديره: سمعته يقرأ. في "صحيح مسلم": "سمعته يقرأ".

стр. 1170

قوله: "أنزلت"؛ أي: أنزلت هذه السورة. "على سبعةِ أحرفٍ"؛ أي: على سبع قراءات، وقد ذُكِرَ بحث القراءات السبعة في (باب العلم). * * * ١٥٨٤ - وقال ابن مَسْعودٍ ﵁: "سمعتُ رجُلاً قرأَ آيةٍ، وسمِعت النَّبيَّ ﷺ يَقْرأُ خِلافَها، فجئْتُ بهِ النَّبيَّ ﷺ ، فَأخْبَرْتُهُ، فعَرَفْتُ في وَجْهِهِ الكَراهِيَةَ، فقال: "كِلاكُما مُحْسِن، فلا تَخْتَلِفُوا، فإن مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فهَلَكُوا". قوله: "فعرفتُ في وجهه الكراهيةَ"، إنما كره رسول الله ﵇ اختلافَ ابن مسعود مع ذلك الرجل؛ لأن الاختلافَ في القرآن غيرُ جائز؛ لأنَّ كلَّ لفظ من القرآن إذا جاء قراءته على وجهين أو أكثر، فلو أنكر أحدٌ واحدًا من ذينك الوجهين أو الوجوه، فقد أنكر القرآن، وإنكارُ القرآن غيرُ جائز، فإذا اختلف اثنان في لفظ أنه يقرأ هكذا، فلا يجوزُ اختلافهما فيه ولا القول فيه بالرأي والاجتهاد؛ لأن قراءةَ القرآن سُنةٌ متبعةٌ، بل طريقُهما أن يسألا عن ذلك اللفظِ من هو عالمٌ بالقراءات. * * * ١٥٨٥ - وقال أُبيُّ بن كعب ﵁: كُنْتُ في المسجِدِ، فدخلَ رَجُلٌ يُصَلَّي، فقرأَ قِراءَةً أنكرتُها عليهِ، ثمَّ دَخَلَّ آخرُ فقرأَ قراءةً سِوَى قِراءةِ صاحِبهِ، فلمَّا قَضَيْنَا الصَّلاةَ دَخَلْنَا جَميعًا على رسُولِ الله ﷺ ، فقلت: إِنَّ هذا قرأَ قِراءةً أنكرتُها عليهِ، ودخلَ آخرُ فقرأَ سِوَى قِراءةِ صاحِبهِ، فأمَرَهُمَا النَّبيُّ ﷺ فقرآ، فحسَّنَ شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ في نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ ولا إِذْ كُنْتُ في الجَاهِلِيَّةِ، فلمَّا رأَى رسولُ الله ﷺ ما قَدْ غشِيَنِي ضَرَبَ في صَدْرِي، فَفِضْتُ

стр. 1171

عَرَقًا، وكأنِّي أنْظُرُ إلى الله تعالى فَرَقًا، فقال لي: "يا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إليَّ: أَنِ اقْرَأ القُرآنَ على حَرْفٍ، فردَدتُ إلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي، فردَّ إليَّ الثانيَةَ: اقْرَأْهُ على حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إليهِ: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي، فَرَدَّ إليَّ الثالثةَ: اقْرَأْهُ على سبعةِ أَحْرُفٍ، ولَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مسأَلَةٌ تَسْأَلُنِيها، فقلتُ: اللَّهمَّ اغْفِرْ لأُمَّتي، اللَّهمَّ اغفِرْ لأُمَّتي، وأَخَّرْتُ الثالثةَ ليَوْمٍ يَرْغبُ إليَّ الخَلْقُ كُلُّهُمْ حتَّى إبراهيمُ ﵇". قوله: "فسُقِطَ في نفسي من التكذيبِ، ولا إذْ كنتُ في الجاهليةِ"؛ يعني: وقع في خاطري من تكذيبِ النبيَّ ﵇ في تحسينه "شأنهَما" - أي: قراءتهما - تكذيبًا أكثرَ من تكذيبي إياه قبل الإسلام؛ لأني تعجبتُ من تحسين قراءتين مُختلفتين، [فـ]ـفي عقلِ الإنسانِ أنَّ كلَّ لفظين مختلفين لا يكونان صحيحين، بل يكون أحدُهما صحيحًا، والآخرُ فاسدًا. قوله: "ما قد غشيني"؛ أي: دخلَ في قلبي من التكذيبِ، عَلِمَ خاطري بالمعجزةِ. قوله: "ضربَ في صدري"؛ أي: ضربَ صدري بيده، يحتمل أن يكون هذا الضربُ للتأديبِ وإخراجِ الوسوسة الشيطانية عن قلبه ببركة يده، ويحتمل أن يكون هذا الضربُ للتلطفِ. قوله: "ففِضْتُ عَرَقًا"، (فاض يفيض فيضًا): إذا أجرى الماء، (عرقًا) منصوب على التمييز، وتقديره: فاض عرقي فأخَّرَ (العرقَ)، ونصب على التمييز؛ يعني: جرى عرقي من الخوف والاستحياء من النبي ﵇ لمَّا عرفَ خاطري. قوله: "كأنما أنظرُ إلى الله فَرَقًا" (فرقًا): منصوب على التمييز، و (الفَرَق): الخوف؛ يعني: فكما أن المذنبَ إذا قدرَ في نفسه ينظر إلى الله تعالى

стр. 1172

يحصلُ له خوفٌ لا حدَّ له، فكذلك لمَّا عرف رسول الله ﵇ خاطري حصلَ لي خوفٌ واستحياءٌ شديدٌ من الله ومن الرسول. قوله: "أرسلَ إليَّ"؛ يعني: أرسل الله جبريلَ إليَّ، وأمرني "أن اقرأَ القرآنَ على حرفٍ، فرددتُ" جبريل إلى حضرة الله تعالى، وقلت: قل لربي: "أن يهوِّنَ على أمتي"؛ أي: يسهل على أمتي بأن يأمرني أن أقرأ بأكثر من قراءة واحدة، فجاء جبريلُ ﵇، وقال: يأمرك ربك أن تقرأ على سبع قراءات. قوله: "ولك بكلِّ ردَّةٍ رددتُكَهَا مسألةٌ"؛ يعني: بكل مرة طلبتَ مني أن أهوِّنَ على عبادي، فرددتك، وما أجبت مسألتك لك، ثم أعطيتكها مسألتها. وهذا يدلُّ على أن مَنْ طلب من الله الكريم فلم يعطه لا بدَّ وأن يعطيه ما سأله؛ إما في الدنيا في وقت آخر، وإما في الآخرة. وقد جاء في الحديث بمثل ما قلنا، وسنذكر بعدَ هذا في (كتاب الدعوات)، فقد جاء ردُّ النبي ﵇ ثلاث مرات، وأمره الله تعالى أن يسأله بكلِّ مرةٍ مسألةً، فقال: "اللهمَّ اغفرْ لأمتي" مرتين، وأَخَّرَ الثالثة إلى يوم القيامة، وهي الشفاعةُ في يوم يحتاج إلى شفاعتي جميعُ الخلق. * * * مِنَ الحِسَان: ١٥٨٧ - عن أُبيَّ بن كَعْبٍ قال: لَقِيَ رسُولُ الله ﷺ جِبريلَ فقال: "يا جِبْرِيلُ!، إنِّي بُعِثْتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيينَ، منهُمُ العَجُوزُ والشَّيْخُ الكَبيرُ والغُلامُ والجارِيَةُ والرَّجُلُ الذي لمْ يقرَأْ كِتابًا قَطُّ"، قال: "يا مُحَمَّدُ! إنَّ القُرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أَحْرِفٍ". وفي روايةٍ: ليسَ منها إلَّا شافٍ كافٍ.

стр. 1173

وفي روايةٍ عن أُبَيٍّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ جِبريلَ ومِيكائيلَ أتيانِي فقعدَ جِبريلُ عنْ يَمِينِي، وميكائيلُ عنْ يَسَارِي، فقالَ جِبريلُ: اقْرَأْ القُرْآنَ على حَرْفٍ، وقال مِيكائيلُ: اسْتَزِدْهُ، فاسْتَزَدْتُهُ حتَّى بلغَ سَبْعةَ أحْرُفٍ، وكُلُّ حرفٍ شافٍ كافٍ". قوله ﵇: "يا جبريلُ إنِّي بُعِثتُ على أمة أميين ... " إلى آخره. يعني: لو أقرأ على قراءة واحدة لا تقدرُ أمتي أن تقرأها؛ لأن من الناسِ من تجري ألسنتُهم على الإمالةِ، ولا يقدرون على التفخيم، ومنهم من جرى ألسنتُهم على التفخيم، ولا يقدرون على الإمالةِ، ومنهم من جرى ألسنتُهم على الإدغامِ، ومنهم من جرى ألسنتُهم على الإظهار، وغير ذلك مما شرحناه في (كتاب العلم)، فأريد أن أقرأ على أكثر من قراءة واحدة؛ لتتيسَّرَ على أمتي القراءة. قوله: "ليس منها إلَّا شافٍ كافٍ"؛ يعني: كل قراءة منها تشفي صدرَ القارئين، وتشفي من العلل والأمراض، وتحصل مرادهم وتكفيهم في الدرجات والثواب. قوله: "إن جبريل وميكائيل أتياني ... " إلى آخره. اعلم أن هذا كان بأمر الله تعالى، فإن جبريلَ لا يقدر أن يزيدَ على قراءة إلى سبع قراءات إلا بأمر الله، فإن الله قال لجبريل: قل لمحمد: أن يقرأ على قراءة، فإذا استزاد فزدْهُ سبعَ قراءات، وقال لميكائيل: قل لمحمد: ازدده؛ أي: اطلبْ من جبريل أن يزيد لك على قراءة. * * * ١٥٨٨ - عن عِمْران بن حُصَيْن: أنَّه مَرَّ على قاصًّ يقرَأُ ثم يَسأَلُ،

стр. 1174

فاسْترجَعَ، ثمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ الله بهِ، فإنَّهُ سَيَجيءُ أقوامٌ يقرَؤونَ القُرآنَ يسأَلُونَ بِهِ النَّاسَ". قوله: "على قاصًّ" بتشديد الصاد؛ أي: على رجل يقول القصص، و"يقرأ" القرآن، "ويسألُ" الناس شيئًا من مال الدنيا بالقرآن. "فاسترجعَ"؛ أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا الكلام يقال عند نزول مصيبة، وهذا مصيبة؛ لأنه من علامات القيامة، ولأنه بدعةٌ، وظهورُ البدعة بين المسلمين مصيبةٌ. قوله: "فليسأل الله به"؛ يعني: فليسأل من الله الجنةَ واللقاءَ، وليعوذَ به من النَّار، وصورته: أن يقرأ القرآن، فإذا فرغَ يدعو، ويسأل الله الجنة، ويسأل ما يشاء من أمر الدين والدنيا، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يقول: يا رب! بحق القرآن أن تعطيني كذا وكذا. ° ° °

стр. 1175

٩ - كِتابُ الدَّعَوَاتِ

стр. 1176

[٩] كِتابُ الدَّعَوَاتِ (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ) قوله: "الدعوات" بفتح العين: جمع دعوة، وكلُّ (فَعْلة) إذا جُمِعَتْ على (فَعَلات) تكون عينها مفتوحة في الجمع إن كانت اسمًا، وإن كانت صفةً نحو: ضخمة، أو اسمًا ولكن عينها واوًا نحو: جوزة، أو ياء نحو: بيضة، أو مدغمة نحو: سَلَّة، فجمعها على (فَعْلات) ساكنة العين. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٥٨٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "لِكُلِّ نبَيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتعجَّلَ كُلُّ نَبيٍّ دَعْوَتَهُ، وإنَّي اختَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأمَّتي يومَ القيامَةِ، فهيَ نائلةٌ - إنْ شاءَ الله - مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتي لا يُشْرِكُ بالله شيئًا". قوله: "لكلِّ نبيًّ دعوةٌ مستجابةٌ، فتعجَّلَ كلُّ نبيًّ دَعوتَهُ"، اعلم أن جميعَ دعوات الأنبياء مستجابةٌ، والمراد بهذا الحديث: أن كلَّ نبي دعا على أمته بالإهلاك كما أن نوحًا ﵇ دعا على أمته حتى غرقوا بالطوفان، وصالحًا دعا على أمته حتى هلكوا بالصيحة؛ يعني: صاح عليهم جبريل حتى ماتوا، وكذلك شعيب وموسى وغيرهم. وأما نبينا - عليه وعليهم السلام - لم يدعُ على أعدائه بالإهلاك، بل قال:

стр. 1177

"اللهمَّ اهدِ قومي؛ فإنَّهمْ لا يَعلمونَ"، فأُعطِي قبول الشفاعة يوم القيامة عوضًا عمَّا لم يدع على أمته، وصبر على أذاهم، ويعني بالأمة فيما ذكرنا: أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، فإن أَحَدًا من الأنبياء لم يدعُ على مَنْ أجابه من أمته، بل دعا على من كفر به. قوله: "وإني اختبأت"؛ أي: سترت. (الاختباء): الستر؛ يعني: أخَّرت دعوتي إلى يوم القيامة لأشفعَ لأمتي. "فهي نائلةٌ"؛ أي: شفاعتي واصلة وواجدة كلَّ مَنْ مات من أمتي غير كافر. (نال ينال نيلاً) على وزن (علم يعلم): إذا وجد ووصل. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ١٥٩٠ - وقال: "اللهمَّ إنَّي أتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لنْ تُخْلِفَنيهِ، فإنَّما أنا بشرٌ، فأيُّ المُؤمِنينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ فاجْعَلْهَا لهُ صلاةً، وزكاةً، وقُرْبةً تُقَرِّبُهُ بها إليكَ يومَ القيامَةِ". قوله: "إنِّي أتَّخِذُ عندكَ عهدًا"؛ أي: أطلب منك. "لن تُخْلِفَنيهِ"؛ أي: أرجو أن لا تردني فيما أطلبُ منك، ويحتمل أن يكون معناه: أُوقِنُ أنك لن تردنيه، فإن دعاء الأنبياء لا يرد. "فإنما أنا بشر"؛ يعني: أنا بشرٌ يصدرُ مني ما يصدر من البشر من الشتم والضرب وغير ذلك ممَّا يصدرُ من الإنسان عند الغضب. "فأيُّ المؤمنين آذيتُهُ ... " إلى آخره. معنى: "جلدته"؛ أي: ضربته. "فاجعلها"؛ أي: فاجعلْ تلك الأذيةَ والشتمةَ واللعنةَ والجلدةَ.

стр. 1178

"له"؛ أي: لمن لعنته وشتمته. "صلاةً"؛ أي: دعاء خير. "وزكاةً"؛ أي: تطهيرًا له من الذنوب. يعني: اجعل إيذائي سببًا لتطهيرِهِ من الذنوبِ، وسببَ أن تعطيه قربة إليك، رُوِي أنه ﵇ خرج من حجرته إلى الصلاة، فتعلَّقت عائشةُ بذيله، وطلبت منه شيئًا، وألحت في ذلك الطلب، وتجذبُ ذيلَهُ، فقال ﵇: "قطع الله يدك"، فخلَّته عائشةُ، وجلست في حجرتها مغضبةَ ضيقةَ الصدر لقوله ﵇: "قطع الله يدك"، فلمَّا رجعَ ﵇ إلى عائشة فرآها ضيقةَ الصدر، فعلم سبب ضيق صدرها، فقال: "اللهمَّ إنِّي أتخذُ عندك عهدًا ... " إلى آخر الحديث؛ ليطيب قلبها بما دعا لها بالخير، والسنة لمن دعا على أحد بالشر أن يدعو له بالخير؛ ليجبرَ دعاءُ الخير دعاءَ الشر، وتبرأَ ذمتُهُ بما دعا له بالخير عمَّا دعا له بالشر. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٥٩١ - وقال: "إذا دَعَا أحدُكُمْ فلا يَقُلْ: اللَّهمَّ اغْفِرْ لي إنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ، ولْيَعْزِمْ مسأَلَتَهُ، إنَّهُ يفعلُ ما يشاءُ، لا مُكْرِهَ لَهُ". وفي روايةٍ: "ولكن لِيَعْزِمْ، ولْيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ، فإن الله لا يَتَعاظمُهُ شيءٌ أَعْطاهُ". قوله: "إذا دعا أحدُكُم فلا يقلْ: اللهمَّ اغفرْ لي إنْ شئتَ ... " إلى آخره، نهى عن قول: (إن شئت) في الدعاء؛ لأن هذا شكٌّ في قبول الدعاء، ولأن لفظ

стр. 1179

(إن شئت) إذا قلته لأحد معناه: إني جعلت الخيرة إليك؛ يعني: لم يكن قبلَ قولك: (إن شئت) مختارًا، بل لو لم تقلْ: (إن شئت) كان يلزمُ عليه قَبولُ الدعاء؛ شاء أو لم يشأ، فإذا قلت: (إن شئت) جعلته مخيرًا، وهذا لا يجوز في حقَّ الله تعالى، فإنه لا حكمَ لأحد عليه، وليس لأحد أن يكرهه، بل هو فعَّال لما يريد، فكيف يجوزُ أن يقال: (إن شئت)، بل يعزم السائل مسألته، وليسألْ من غير شكًّ وتردد، بل ليكن مُستيقِنًا في قبول الدعاء، فإن الله تعالى كريم لا بخلَ عنده، وقدير لا يعجزُ عن شيء. قوله: "لا مكره"؛ يعني: لا يقدر أحدٌ أن يكرهه على أمرٍ، ولا حكمَ لأحد عليه، بل يفعلُ ما يشاء، فإذا لم يكن له مُكرِهٌ، ولم يكن لأحد عليه حكمٌ، فلا يجوزُ أن يقال له: اغفر لي إن شئت. قوله: "لا يتعاظمُهُ شيءٌ أعطاهُ": الضمير في (أعطاه) يرجع إلى (شيء)؛ يعني: لا يَعظُم عليه إعطاءُ شيء، بل جميع الموجودات والمعدومات في أمره يسير، يقال: تعاظمَ زيدًا هذا الأمرُ؛ أي: كبر عليه وعسر عليه. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٥٩٢ - وقال: "يُسْتَجابُ للعبدِ ما لمْ يَدْعُ بإثْمٍ أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لمْ يَسْتَعْجِلْ"، قيلَ: يا رسُولَ الله، ما الاسْتِعْجَالُ؟، قال: "يقولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وقدْ دَعَوتُ، فلم أَرَ يُسْتَجَابُ لي، فيَسْتَحْسِرُ عندَ ذَلِكَ، ويَدع الدُّعَاءَ". قوله: "ما لم يدعُ بإثمٍ"؛ يعني: ما لم يقل: اللهمَّ انصرني على قتلِ فلانٍ، وهو مسلمٌ، وليس مستوجبًا للقتل، أو: اللهمَّ ارزقني الخمر أو الفلانة، وهي محرمة عليه، وهو يريد زناها.

стр. 1180

قوله: "أو قطيعة رحم"؛ يعني: أو يدعو بالقطع بينه وبين أقاربه مثل أن يقول: اللهمَّ أبعدْ بيني وبين أبي أو أمي أو أخي، وما أشبه ذلك. فإن هاتين الدعوتين - أعني: الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم - لا تقبل. قوله: "ما لم يستعجل"؛ يعني: يُقبَل دعاؤه بشرط أن لا يستعجلَ. قوله: "يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أرَ أن يستجاب لي"؛ يعني: يقول الداعي: دعوت مرة ومرتين وأكثر، ولم أر قَبولَ دعائي، فيملُّ من الدعاء، ويتركُ الدعاء، فمن كان له ملالةٌ من الدعاء لا يقبل دعاؤه؛ لأنَّ الدعاءَ عبادةٌ؛ حصلت الإجابة، أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يملَّ من العبادة. وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأتِ وقته، فإن لكلِّ شيءٍ وقتًا مقدَّرًا في الأزل، فما لم يأتِ وقته لا يكون ذلك الشيء موجودًا، وإما لأنه لم يُقدَّر في الأزل قبول دعائه، وإذا لم يقبل دعاؤه يعطيه الله في الآخرة من الثواب عوضه، وإما يؤخَّر قبول دعائه؛ ليلحَّ ويبالغ في الدعاء، فإنه تعالى يحبُّ الإلحاحَ في الدعاء، فإذا كان تأخيرُ إجابة الدعاء لأحد هذه الأشياء، فلا ينبغي للمؤمنِ أن يتركَ الدعاء. قوله: "فيستحسر"؛ أي: فيمل، (الاستحسار): الفتور والتعب. قوله: "ويَدَعُ الدعاءَ"؛ أي: ويترك الدعاء. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٥٩٣ - وقال: "دَعوةُ المَرءِ المُسلمِ لأخِيهِ بظهْرِ الغَيْبِ مُسْتجَابَةٌ، عندَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأخِيهِ بخَيْرٍ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ به: آمينَ، ولكَ بمِثْلهِ".

стр. 1181

قوله: "دعوةُ المرءِ المسلم لأخيهِ بظهرِ الغيبِ مستجابةٌ"؛ يعني: إذا دعا مسلمٌ لمسلم بخيرٍ في غيبته يستجابُ دعاؤه؛ لأن هذا الدعاءَ خالصٌ لله تعالى، وليس لرياءٍ ولطمعِ عوضٍ، وما كان لله يكون مقبولًا. قوله: "ولك بمثله"؛ يعني: يقول له الملك: لك مثلُ ما دعوتَ لأخيك. روى هذا الحديث أبو الدَّرداءِ. * * * ١٥٩٤ - وقال: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنَّه لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجابٌ". قوله: "اتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنهُ ليسَ بينهُ وبينَ الله حجابٌ"؛ يعني: احذرْ دعوةَ المظلومِ؛ يعني: لا تظلم أحدًا حتى لا يدعوَ عليك، فإن المظلومَ إذا دعا على الظالم يقبلُ الله دعاؤه؛ لأنَّ قَبولَ دعائه نصرةُ المظلومِ، والله تعالى وعدَ بنصرةِ المظلوم. روى هذا الحديث ابن عباس. في (كتاب الزكاة) في حديث: أن رسول الله ﵇ لمَّا بعث معاذًا إلى اليمن قال له حديثًا طويلًا، وهذا الحديثُ بعضُ ذلك الحديث. * * * ١٥٩٥ - وقال: "لا تَدْعُوا على أنفُسِكُمْ، ولا تَدعُوا على أولادِكُمْ، ولا تَدعُوا على أموالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ الله ساعةً يُسألُ فيها عَطاءٌ فَيُسْتَجابُ لكُمْ". قوله: "لا تدعوا على أنفسِكم"؛ يعني: لا تدعوا دعاءَ سُوءٍ على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم؛ مخافةَ أن توافق دعوتُكم ساعةَ إجابةٍ، فيُستجاب دعاؤكم السوء، ثم تندموا على ما دعوتم، ولا تنفعكم الندامةُ؛ يعني: لا تدعوا بسوء، بل ادعوا بخير.

стр. 1182

قوله: "يُسأل فيها عطاء"، (العطاء): ما يعطى من خير أو شر، وأكثرُ استعمال (عطاء) يكون في الخير، والمعنى هنا: يُسألُ فيها مسألةً. روى هذا الحديث جابر. * * * مِنَ الحِسَان: ١٥٩٦ - قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ". قوله: "الدعاء هو العبادة"، (هو) في (هو العبادة) للحصر، ظاهرُهُ يدلُّ على أن لا عبادةَ إلا الدعاء، ولكن معناه: الدعاءُ معظمُ العبادة، كما قال ﵇: "الحجُّ هو العرفة"؛ أي: معظم أركان الحج العرفة. يعني: الدعاء هو العبادةُ، سواء استُجيبَ للداعي دعاؤُهُ أو لم يُستجَب؛ لأن الدعاءَ إظهارُ العبدِ العجزَ والاحتياجَ عن نفسه، والاعترافُ بأن الله تعالى قادرٌ على إجابة الدعاء، كريمٌ، غنيٌّ، لا بخلَ له، ولا فقرَ، ولا احتياجَ له إلى شيء حتى يحفظَه لنفسه، ويمنعَهُ عن عباده، وهذه الأشياءُ عينُ العبادةِ، بل مخُّ العبادة. روى هذا الحديث النعمانُ بن بَشيرٍ. * * * ١٥٩٨ - وقال: "ليسَ شيءٌ أكرمَ على الله مِنَ الدُّعاءِ"، غريبٌ. قوله: "ليسَ شيءٌ أكرمَ على الله من الدُّعاءِ"؛ يعني: ليس عبادةٌ أكرمَ على الله من الدعاء، وعلَّته ما ذكرناه.

стр. 1183

روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٥٩٩ - وقال: "لا يَرُدُّ القَضاءَ إلَاّ الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العُمْرِ إلَاّ البرُّ". قوله: "لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ"، وهذا مثل حديث التَّداوي؛ جاءت الرُّخصةُ في التداوي، ولكن لا ينفعُ دواءٌ داءً إلا ما قدَّر الله تعالى أن ينفع، فإن كلَّ داءٍ قُدِّرَ أن يزولَ بدواء، وإلا فلا، فكذلك كلُّ قضاء قُدِّر أن يندفع بدعاء يندفعُ، وكلُّ قضاءٍ لم يقدَّر أن يندفعَ لا يندفعُ. وكذلك قوله: "لا يزيد في العمر إلا الدعاء"؛ كلُّ عمرٍ قُدِّر أن يزيد بالدعاء يزيد، وكلُّ عمر لم يقدر أن يزيد لا يزيد البتة؛ لأن ما قُدِّر في الأزل لا يتغير. روى هذا الحديث سلمانُ الفارسي. * * * ١٦٠٠ - وقال: "إنَّ الدُّعاءَ ينفعُ مما نزلَ، ومما لمْ ينزِلْ، فعلَيْكُمْ - عِبادَ الله - بالدُّعاءِ". قوله: "الدعاءُ ينفعُ ممَّا نزلَ، وممَّا لم ينزلْ"؛ يعني: الدعاءُ يدفعُ البلاءَ النازلَ، ويدفعُ البلاءَ الذي يريد النزولَ. قوله: "فعليكم عبادَ الله بالدعاءِ"، (عليكم) كلمة الإغراءِ والتَّحريضِ؛ يعني: الزموا يا عباد الله الدعاءَ. روى هذا الحديث ابن عمرَ. * * *

стр. 1184

١٦٠١ - وقال: "ما مِنْ أحَدٍ يَدْعُو بِدُعاءٍ إلَاّ آتَاهُ الله ما سألَ، أوْ كَفَّ عنه مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ، ما لمْ يَدْع بإثْمٍ، أوْ قَطِيعَةِ رَحِم". قوله: "آتاه الله تعالى ما سألَ، أو كفَّ عنه من السُّوءِ مثلَهُ"؛ يعني: إذا سأل الله أحدٌ شيئًا؛ فإن جرى في الأزل تقديرُ إعطائه ما سأل أعطاه، وإن لم يجرِ التقدير دفعَ الله عنه البلاءَ عوضَ ما منع ممَّا سأل. روى هذا الحديث عبادةُ بن الصَّامِتِ. * * * ١٦٠٢ - وقال: "سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ، فإن الله يُحِبُّ أنْ يُسأَلَ، وأفضلُ العِبادَةِ انتِظارُ الفَرَجِ"، غريب. قوله: "سلُوا الله من فضلِهِ؛ فإنَّ الله يحبُّ أن يُسألَ"؛ يعني: اطلبوا قضاءَ حوائجكم من الله؛ لأنه كريمٌ يحبُّ أن يُسأل؛ أي: تطلبُ منه الحاجات؛ فإنه غنيٌّ قادرٌ على قضاء الحوائج، وهو كريم، والكريم يُحبُّ أن تُطلَبَ منه الحوائج. قوله: "وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفَرَج"؛ يعني: إذا نزلَ بأحد بلاءٌ، فترك الشكايةَ، وصبر، وانتظر الفرجَ، وهو ذهابُ البلاء والحزن، فهذا أفضلُ العبادة؛ لأن الصبرَ في البلاء والانقيادَ لقضاء الله أفضلُ العبادة. وقوله ﵇: "أفضل العبادة انتظار الفرج" عقيب قوله: "يحب أن يسأل" مفهومه: أنه ادعوا الله لإذهابِ البلاء والحزن، وانتظروا الفرج، ولا تستعجلوا في طلب إجابة الدعاء، ولا تتركوا الدعاء بتأخير إجابةِ دعائِكم. روى هذا الحديث ابن مسعودٍ. * * *

стр. 1185

١٦٠٣ - وقال: "مَنْ لمْ يَسْأَلِ الله يَغْضَبْ عليهِ". قوله: "مَن لم يسألِ الله يَغضَبْ". (الغضب من الله): إرادةُ إيصالِ العقوبة إلى من غضب عليه؛ يعني: الله تعالى يغضبُ على من لم يطلبْ منه حاجةً؛ لأن ترك طلبِ الحاجة منه كِبْرٌ واستغناء، ولا يجوز للعبد تركُ عرضِ حاجته على الله تعالى، بل ليعرضْ حاجته على الله، وليطلبْ منه قضاءه؛ ليكونَ هذا اعترافًا من العبد بفقره وعجزه، وبقدرة الله على قضاء الحوائجِ وبكرمه وغناه. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ١٦٠٤ - وقال: "مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بابُ الدُّعاءِ فُتِحَتْ له أبوابُ الرَّحمةِ، وما سُئِلَ الله شيئًا - يعني أَحَبَّ إليهِ - مِنْ أنْ يُسألَ العَافِيةَ". قوله: "وما سُئِلَ الله شيئًا - يعني: أحبَّ إليه - مِن أن يُسألَ العافيةَ"، (العافية) و (المعافاة) جاء في اللغة: أن معناهما دفعُ العَفاءِ، وهو الهلاكُ، والمعنى اللائق بالعافية هنا: أن يكون للرجل كفافٌ من القوت، وصحةُ البدن، واشتغالُهُ بأمر دينه، وتركُهُ ما لا ضرورةَ له فيه، ولا خيرَ له فيه. يعني: أحب شيء سأل العبدُ ربَّه، وهو أن يسأله أن يُيسِّر له أمرَ دينه، ويعطيه الكفاف والصحة، ولا يسأل المالَ الكثيرَ والجيشَ والأتباعَ والحكمَ وغير ذلك من الفضول. روى هذا الحديث عبد الله بن عمرَ. * * *

стр. 1186

١٦٠٥ - وقال: "مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْتَجيبَ الله لهُ عِندَ الشَّدائِدِ فلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ"، غريب. قوله: "مَنْ سرَّه"؛ أي: من أراد أن يَقبلَ الله دعاءَهُ. "عند الشدائد"، وهي: جمع شديد، وهي الحادثة والمشقة. "فليكثرِ الدعاءَ في الرخاءِ"، وهو: ضد الشدة، وهذا إشارةٌ إلى أن الرجل ينبغي أن يذكرَ الله ويعبدَهُ في جميع الأوقات. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ١٦٠٦ - وقال: "ادْعُوا الله وأنتُمْ مُوقِنُونَ بالإجَابَةِ، واعْلَمُوا أنَّ الله لا يَسْتَجِيبُ دُعاءً مِنْ قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ"، غريب. قوله: "ادعُوا الله وأنتم مُوقِنونَ"، الواو في (وأنتم) واو الحال؛ يعني: ليكنِ الداعي ربَّه على يقين بأنه تعالى يُجيبُه؛ لأنَّ ردَّ الدعاء؛ إمَّا لعجزٍ في إجابته، أو لعدم كرمٍ في المدعو، أو لعدمِ علمِ المدعوِّ بدعاء الداعي، وهذه الأشياءُ منفيةٌ عن الله تعالى؛ فإنه ﷻ عالمٌ كريمٌ قادرٌ، لا مانعَ له من الإجابة، فإذا علم الداعي أنه لا مانعَ لله في إجابة الدعاء، فليكن مُوقِنًا بالإجابة. فإن قيل: قد قلتم: إن الداعيَ ليكن موقنًا بالإجابة، واليقينُ إنما يكون إذا لم يكن الخلافُ في ذلك الأمر، ونحن قد نرى بعض الدعاء يُستجابُ وبعضه لا يُستجابُ، فكيف يكون للداعي يقينٌ؟ قلنا: الداعي لا يكونُ محرومًا عن إجابة الدعاءِ البتة؛ لأنه يُعطى ما يُسأل، وإن لم تكن إجابةُ دعائه مقدرةً في الأزل لا يُستجابُ دعاؤه فيما يسأل، ولكن يُدفَعُ عنه [من] السوءِ مثل ما يسأل، كما جاء في الحديث، أو

стр. 1187

يُعطى عوضَ ما سأل يومَ القيامة من الثواب والدرجة؛ لأن الدعاءَ عبادةٌ، ومن عمل عبادةً لا يُجعَل مَحرومًا من الثواب. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ١٦٠٧ - وقال: "إذا سأَلْتُمُ الله فاسْأَلُوهُ بِبُطونِ أَكُفِّكُمْ، ولا تسأَلُوهُ بظُهُورِها". قوله: "إذا سألتُمُ الله فاسألوه ببطونِ أكفِّكم، ولا تسألوهُ بظُهُورِها"، (الأكف): جمع كف، العادةُ فيمن طلب شيئًا من أحدٍ أن يبسطَ ببطن كفَّه ويمدها إليه، والداعي طالبٌ قضاءَ حاجةٍ من الله الكريم، فليبسطْ بطنَ كفه، وليرفعها إليه متواضعًا متخشعًا، ولا يرفع ظهرَ كفِّه إليه؛ لأن رفعَ ظهر الكفِّ إشارةٌ إلى الدفع، لا إلى الطلبِ، ومن أراد دفعَ بلاء فليرفعْ ظهرَ كفِّه، كما فعل رسول الله ﵇ في الاستسقاءِ، وحين دعا بدفع الحَرْقِ والهدمِ ونزولِ العذابِ. روى هذا الحديث ابن عباس. * * * ١٦٠٨ - ويُروى: "فإذا فَرَغْتُمْ فامْسَحُوا بها وجُوهَكُمْ". قوله: "فإذا فرغتُمْ فامسحُوا بها وجُوهَكم"؛ يعني: فإذا فرغتم من الدعاءِ، فامسحُوا ببطونِ أكفِّكم وجوهكم. وعلته: أنه نزلتِ الرحمةُ على بطنِ كفِّ الداعي، فليمسحْ بها وجهه؛ لتصلَ البركةُ والرحمة إلى وجهه، وهذا شيءٌ يقبله المؤمن عن الاعتقاد تصديقًا

стр. 1188

لرسول الله ﵇ فيما قاله. * * * ١٦٠٩ - وقال: "إنَّ ربَّكُمْ حَييٌّ كريمٌ، يَسْتحيي من عبْده إذا رفع يدَيهِ إليه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا". قوله: "إن ربكم حييٌّ كريمٌ يَستحيي من عبدِهِ إذا رفَع يديه إليه أن يردَّهما صِفرًا". (الصِّفْر) بكسر الصاد وسكون الفاء: الخالي؛ يعني: من رفع يده إلى ربه، فقد أظهرَ غايةَ عجزه واحتياجه، وأظهرَ واعتقد كرمَ ربه، ومن فعل هذا، فقد أوجبَ الله تعالى على نفسه كرمًا قضاءَ حاجته، فإن الكريمَ لا يردُّ السائل محرومًا. روى هذا الحديث أنسٌ وسلمانُ. * * * ١٦١١ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يَسْتَحِبُّ الجَوامِعَ مِنَ الدُّعاءِ، ويَدَعُ ما سِوَى ذلك. قوله: "قالت عائشةُ: كانَ رسولُ الله ﵇ يستحبُّ الجوامعَ من الدعاءِ ويَدَعُ ما سِوَى ذلك". (يدع)؛ أي: يترك، والمراد بـ (الجوامع): ما كان لفظه قليلًا، ومعناه مجموعًا فيه خيرُ الدنيا والآخرة نحو أن يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ * * *

стр. 1189

١٦١٢ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أسْرَعَ الدُّعاءِ إجابةً دعوةُ غَائبٍ لغَائِبٍ". قوله: "إنَّ أسرعَ الدعاءِ إجابةً دعوةُ غائبٍ لغائبٍ"؛ يعني: إذا دعا أحدٌ لغائب يُستجابُ دعاؤه له؛ لأنه بعيدٌ عن الرياء والطمع، بل لا يدعو غائبٌ لغائب إلا خالصًا لله، وما كان خالصًا لله يكون مقبولًا. روى هذا الحديث عبد الله بن عمر. * * * ١٦١٣ - وقال عُمر بن الخَطَّاب ﵁: اسْتَأْذَنْتُ النبيَّ ﷺ في العُمْرَةِ، فأذِنَ لي وقال: "أشْرِكْنَا - يا أُخَيَّ - في دُعائِكَ، ولا تَنْسَنَا"، فقالَ كلمةً ما يَسُرُّني أنَّ لي بها الدُّنيا. قوله: "فقال كلمةً"؛ يعني: فقال لي رسولُ الله ﵇ كلمةً. قوله: "ما يسرُّني أن لي بها الدنيا"، (ما) للنفي، والباء في (بها) للبدل؛ يعني: لو كان لي جميعُ الدنيا بدل هذه الكلمة ما فرحت به، بل كنت بهذه الكلمة أشدَّ فرحًا من أن تكون لي الدنيا، والكلمةُ التي فرح بها عمرُ يحتمل أن تكون قوله ﵇ لعمر: "يا أُخَيَّ"، ويحتمل أن يكون قوله ﵇: "أشرِكْنا في دعائك"؛ فإن طلبَ رسول الله ﵇ من عمر أن يُشرِكَ خيرَ المخلوقات في دعائه تعظيمٌ لعمر، ومنصبٌ له. وهذا تعليمٌ للأمة؛ فإنه ﵇ مع علوِّ شأنه، وكونه خيرَ المخلوقات، رغبَ في دعاء عمر، فأنْ نرغبَ في الدعاءِ أولى وأليقُ. * * * ١٦١٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حينَ يُفْطِرُ،

стр. 1190

والإِمامُ العادِلُ، ودعوةُ المَظْلومُ يَرفَعُهَا الله فوقَ الغَمامِ وَيُفْتَحُ لها أبوابُ السَّماءِ، ويقولُ الرَّبُّ: وعِزَّتي لأَنْصُرَنَّكَ ولو بعدَ حينٍ". قوله: "ثلاثةٌ لا تردُّ دعوتهم ... " إلى آخره. اعلم أن سرعة قَبولِ الدعاء إنما تكونُ لصلاح الداعي، أو لتصرُّعه في الدعاء، و"الصائمُ" يقبل دعاؤه؛ لأنه فرغَ من عبادةٍ محبوبةٍ إلى الله تعالى، وهي الصوم، كما قال رسول الله ﵇ حكايةً عن الله تعالى: أنه قال: "الصَّومُ لي". وأما "الإمام" فلأنَّ عدله أفضلُ العبادات؛ لأن عدلَ ساعةٍ يدركُ عبادةَ ستين سنة. وأما "المظلوم" فلأنه لمَّا لحقته نار الظلم، واحترقت أحشاؤه، خرج منه الدعاءُ عن التضرع، وصار مُضطرًا إلى قبول الدعاء، ودفع الظلم عنه، فيقبل الله دعاءه، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. قوله: "يرفعُها الله فوقَ الغَمامِ"، الضمير في (يرفعها) يرجع إلى دعوة المظلوم، والمراد بقوله ﵇: (يرفعها فوق الغمام) أنه يرفعها حتى تجاوزَ الغمامَ، وهو السحاب، وتجاوزُ السماءَ حتى تصلَ إلى حضرة الله تعالى، فيقول الله: "وعزتي لأنصرنك" أيها المظلوم "ولو بعد حين". يعني: لا أضيعُ حقك، ولا أردُّ دعاءك، ولو مضى زمانٌ طويل؛ لأني حكيمٌ، لا أعجَّل عقوبة العباد، فلعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاءِ الخصومِ والتوبةِ. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٦١٥ - وقال: "ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَاباتٍ لا شَكَّ فيهنَّ: دعوةُ الوالِدِ،

стр. 1191

ودعوةُ المُسافِرِ، ودعوةُ المَظْلُومِ". قوله: "ثلاثُ دعواتٍ مُستجاباتٍ لا شكَّ فيهنَّ: دعوةُ الوالد، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ المظلوم". قبولُ دعوة الوالد والمسافر لما ذكرناه من أنه يخرج الدعاءُ عن التضرع. ولفظ الحديث في كتاب أبي عيسى الترمذي: "دعوة الوالد على ولده"؛ يعني: دعاء الشرِّ، وإنما يكون قبول هذا الدعاء إذا صدر عن الولد عقوقٌ؛ أي: مخالفة أمر الوالد فيما يجب على الولد طاعته، فإذا خالفه الولد، يكون الوالدُ مظلومًا، فيستجابُ دعاؤه، كما ذكرنا في المظلوم، وتقاسُ على الوالد الوالدةُ. وقيل: بل دعاءُ الوالدِ أسرعُ إجابةً من دعاء الوالدة؛ لأن الوالدةَ لها رحمةٌ وشفقةٌ بالولد، لا تريد قبول دعائها. وأما المسافر فيحتمل أن يكون دعاؤه بخير لمن يطعمه طعامًا، ويخدمه، فيدعو له، فيُقبل دعاؤه؛ لأن الغالبَ من حال المسافر: أن يكون مُحتاجًا، ومُضطرًا إلى طعام، فإذا أطعمه أحدٌ، يكون دعاءُ المسافر له عن الصدق وخلوص النية، فتسرعُ إجابته، ويحتمل أن يكون دعاؤه بشرًّ لمن يؤذيه، ويمنع حقَّه من الطعام والماء عند الاضطرار، فيُقبل دعاؤه؛ لأنه مضطرٌ منكسرُ القلب. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ٢ - باب ذِكْرِ الله والتَّقرُّبِ إليهِ (باب ذكر الله والتقرُّب إليه) مضى شرحُ هذا في الحديث الأول في (كتاب العلم).

стр. 1192

١٦١٧ - وقال: "سَبَقَ المُفَرِّدونَ"، قالوا: وَمَا المُفَرِّدونَ يا رسولَ الله؟، قال: "الذَّاكِرُونَ الله كثيرًا والذَّاكِرَاتُ". قوله: "سبقَ المُفرِّدونَ": بَيَّنَ رسولُ الله ﷺ بأنهم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات، وكان حقيقةُ التفريد في اللغة: جعلَ الرجلِ نفسَهُ فردًا ممتازًا بذكر الله عمَّن لا يذكرُ الله، أو جعلَ ربه فردًا بالذكر، وترك ذكر من سواه. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ١٦١٨ - وقال: "مَثَلُ الذي يَذكُرُ رَبَّه والذي لا يذكرُ مثَلُ الحيِّ والميتِ". قوله: "مثلُ الذي يذكرُ ربَّه والذي لا يذكرُ مثلُ الحيِّ والميتِ"؛ يعني: الحي تحصلُ منه طاعة، والميت لا تحصلُ منه طاعة، فالذاكرُ ربَّه هو الحيُّ على الحقيقة؛ لأن الحيَّ من له تلذُّذٌ وحياة، والتلذذ والحياة الحقيقي هو ذكرُ الله تعالى وطاعتُهُ؛ لأنَّ الذكرَ يُحيي القلوبَ، ويوجِبُ له الجنةَ، ولقاءَ الله ورضاه، وهذه الأشياءُ هي الحياةُ الحقيقية، ومن خلا من الذكرِ، فهو ميتٌ؛ لأنه خالٍ عمَّا يُحيي قلبَه، وعما يوجب له الحياة الأبدية، وهو ذكرُ الله وطاعته. روى هذا الحديث أبو موسى. * * * ١٦١٩ - وقال: "يقولُ الله تعالى: أنا عندَ ظَنَّ عَبْدِي بي، وأنا معَه إذا ذَكَرَني، فإنْ ذَكَرَني في نْفسِهِ ذَكَرْتُهُ في نْفسِي، وإنْ ذَكَرَني في ملأٍ ذَكَرْتُهُ في ملأٍ خير منهم".

стр. 1193

قوله حكاية عن الله أنه قال: "أنا عند ظن عبدي بي"، هذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون معناه: أني مطلعٌ على قلب عبدي، وأعلمُ أن فيه ذكري، ومَحبتي، وتعظيمَ أمري، ورضاه بقضائي وقدري، أو يكون في قلبه خلافُ هذه الأشياء، فإذا علم العبد أني مطلعٌ على قلبه، فليكنْ في قلبه ما أُحبُّه وأُثيبُهُ عليه جدًا، ولا يغفلُ عني، فيحرم من رضائي وثوابي. والاحتمال الثاني: أن يكون معناه: أني أعطي العبدَ ما يظن بي، فإن اعتقدني كريمًا، أكرمت عليه، وإن اعتقدني غفورًا غفرت له، وإن اعتقدني رحيمًا رحمته. و (الظن) هنا بمعنى: اليقين والاعتقاد، لا بمعنى: الشكِّ. قوله: "وأنا معهُ إذا ذكرني"؛ أي: أنا عالمٌ به، ولا يَخفَى عليَّ شيءٌ. "فإن ذكرني في نفسِهِ"؛ أي: في السرِّ. "ذكرته في نفسي"؛ أي: أوجبت له، وأثبتُّ له الثوابَ بحيث لا يعلمُ أحدٌ من الملائكة. "وإن ذكرني في ملأ"؛ أي: بينَ جماعةٍ. و (الملأ): الجماعة الأشراف. "ذكرته في ملأ"؛ أي: بين الملائكة. "خير منهم"؛ أي: الملائكة خير من الجماعة التي ذكرني بينهم. واختلف في أن الملائكة خير من البشر أم لا؟ وما عليه المعتبرون من الأئمة، وهذا هو المختارُ: أن خواصَّ البشر - أعني: الأنبياءَ - خيرٌ من خواصِّ الملائكة، وأما عوامُّ البشر ليسوا خيرًا لا من خواصِّ الملائكة، ولا من عوامهم. روى هذا الحديثَ أبو هريرةَ. * * *

стр. 1194

١٦٢٠ - وقال: "مَنْ جاءَ بالحسَنةِ فلهُ عَشْرُ أمْثالِهَا وأَزِيدُ، ومَنْ جاءَ بالسَيئةِ فجَزاءُ سيئةٍ مثلُها أو أَغفِرُ، ومَنْ تَقَرَّبَ شِبرًا منِّي تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعًا، ومَنْ تَقَرَّب منِّي ذِراعًا تقرَّبْتُ منهُ باعًا، ومَنْ أَتاني يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، ومَنْ لَقِيَنِي بقُرابِ الأَرضِ خَطيئةً لا يُشْرِكُ بي شيئًا لَقِيتُهُ بمِثلِها مغفرةً". قوله: "أو أَغْفِرُ"؛ يعني: إن شئتُ جازيتُ المسيءَ لا أجازيه بكلِّ شيء إلا جزاء سيئة فقط، وإن شئت أغفر له تلك السيئةَ؛ فإني غفورٌ رحيم. قوله: "ومن تقرَّبَ مني شِبرًا، تقرَّبت منه ذِراعًا ... " إلى آخره. (التقرُّب): طلب القُربةِ، وطلبُ قُربةِ العبد من الله يكون بالطاعة، فمن كانت طاعتُهُ وصفاءُ قلبه أكثرَ، كانت قربته من الله أكثر. يعني بهذه الألفاظ المذكورة في هذا الحديث: أن ثوابي أكثرُ من طاعة العبد، وتوفيقي إياه أكثرُ من سعيه؛ يعني: فإن فعلَ خيرًا قليلاً، جازيته به ثوابًا كثيرًا، وإن طلب مني التوفيقَ والاستعانةَ على الطاعة أعطيتُهُ أضعافَ ما طلب. (المشي): الذهاب المعهود. و (الهرولة): الذهاب مع الإسراع؛ يعني: العَدْو. "ومَنْ لقيني"؛ أي: جاءني يومَ القيامة. "بقُرابِ الأرضِ"؛ أي: بمِلء الأرضِ. لا يجوزُ لأحد أن يغترَّ بهذا الحديث ويقول: إذا قال الله تعالى: "مَنْ لقيني بقُرابِ الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا، لقيتُهُ بمثلها مغفرة"، فأُكْثِرُ الخطيئةَ حتى يكثِرَ الله مغفرته، وإنما قال الله بهذا؛ كي لا ييأسَ المذنبون من رحمته، ولا شك أن الله له مغفرةٌ وعقوبةٌ، ومغفرتُهُ أكثرُ، ويغفرُ كثيرًا من [ذنوب] المذنبين، وإن كانت ذنوبهم كثيرة، ويُعذَّب كثيرًا من المذنبين

стр. 1195

بذنوبهم، ولا يعلم أحدٌ أنه من الذين يغفرُ الله من ذنوبهم، أو من الذين يعذبهم الله بذنوبهم، فإذا كان الأمر كذلك فليرجُ الرجل مغفرةَ الله، وليخَفْ عقابَهُ، والله أعلم. روى هذا الحديث أبو ذرٍّ. * * * ١٦٢١ - وقال: "إنَّ الله تعالى قال: مَنْ عَادَى لِيْ وَلِيًّا فقد آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحببْتُهُ، كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسمعُ به، وبصَرَهُ الذي يُبصِرُ به، ويدَه النبي يَبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإنْ سألني لأُعطِيَنَّهُ، ولئنْ استَعاذَ بي لأُعيذَنَّهُ، وما تردَّدتُ في شيءٍ أنا فاعَلُهُ تَرَدَّدِي عن نفْسِ المُؤمنِ، يَكْرَهُ المَوتَ، وأنا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه، ولا بُدَّ له مِنه". قوله ﵇ حكايةً عن الله تعالى: أنه قال: "مَنْ عادَى لي وليًا، فقد آذنته بالحربِ"؛ يعني: من أغضب وآذى واحدًا من أوليائي. "فقد آذنته"؛ أي: أعلمته بأني سأحاربه؛ أي: سأقهره وأعذبه. و (أولياء الله): هم المطيعون له، وليس المراد بالوليِّ هنا: الولي المعهود بين المشايخ، بل كلُّ مُتَّقٍ داخلٌ في هذا الحديث؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. قوله: "وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه"؛ أي: بأداء ما فرضتُ عليه؛ يعني: أداءُ الفرائض أفضلُ من أداء السنن والنوافل؛ لأن أداءَ الفرائض طاعةُ الله والإتيان بأوامره، وترك أداء الفرائض عصيانُ الله، ولا شكَّ أن الإتيانَ بأوامر الله واجتنابَ عصيانِهِ أحبُّ إليه من أداء النوافل الذي
следующие страницы →