← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ودعوةُ المُسافِرِ، ودعوةُ المَظْلُومِ". قوله: "ثلاثُ دعواتٍ مُستجاباتٍ لا شكَّ فيهنَّ: دعوةُ الوالد، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ المظلوم". قبولُ دعوة الوالد والمسافر لما ذكرناه من أنه يخرج الدعاءُ عن التضرع. ولفظ الحديث في كتاب أبي عيسى الترمذي: "دعوة الوالد على ولده"؛ يعني: دعاء الشرِّ، وإنما يكون قبول هذا الدعاء إذا صدر عن الولد عقوقٌ؛ أي: مخالفة أمر الوالد فيما يجب على الولد طاعته، فإذا خالفه الولد، يكون الوالدُ مظلومًا، فيستجابُ دعاؤه، كما ذكرنا في المظلوم، وتقاسُ على الوالد الوالدةُ. وقيل: بل دعاءُ الوالدِ أسرعُ إجابةً من دعاء الوالدة؛ لأن الوالدةَ لها رحمةٌ وشفقةٌ بالولد، لا تريد قبول دعائها. وأما المسافر فيحتمل أن يكون دعاؤه بخير لمن يطعمه طعامًا، ويخدمه، فيدعو له، فيُقبل دعاؤه؛ لأن الغالبَ من حال المسافر: أن يكون مُحتاجًا، ومُضطرًا إلى طعام، فإذا أطعمه أحدٌ، يكون دعاءُ المسافر له عن الصدق وخلوص النية، فتسرعُ إجابته، ويحتمل أن يكون دعاؤه بشرًّ لمن يؤذيه، ويمنع حقَّه من الطعام والماء عند الاضطرار، فيُقبل دعاؤه؛ لأنه مضطرٌ منكسرُ القلب. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ٢ - باب ذِكْرِ الله والتَّقرُّبِ إليهِ (باب ذكر الله والتقرُّب إليه) مضى شرحُ هذا في الحديث الأول في (كتاب العلم).

стр. 1192

١٦١٧ - وقال: "سَبَقَ المُفَرِّدونَ"، قالوا: وَمَا المُفَرِّدونَ يا رسولَ الله؟، قال: "الذَّاكِرُونَ الله كثيرًا والذَّاكِرَاتُ". قوله: "سبقَ المُفرِّدونَ": بَيَّنَ رسولُ الله ﷺ بأنهم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات، وكان حقيقةُ التفريد في اللغة: جعلَ الرجلِ نفسَهُ فردًا ممتازًا بذكر الله عمَّن لا يذكرُ الله، أو جعلَ ربه فردًا بالذكر، وترك ذكر من سواه. روى هذا الحديث أبو هريرةَ. * * * ١٦١٨ - وقال: "مَثَلُ الذي يَذكُرُ رَبَّه والذي لا يذكرُ مثَلُ الحيِّ والميتِ". قوله: "مثلُ الذي يذكرُ ربَّه والذي لا يذكرُ مثلُ الحيِّ والميتِ"؛ يعني: الحي تحصلُ منه طاعة، والميت لا تحصلُ منه طاعة، فالذاكرُ ربَّه هو الحيُّ على الحقيقة؛ لأن الحيَّ من له تلذُّذٌ وحياة، والتلذذ والحياة الحقيقي هو ذكرُ الله تعالى وطاعتُهُ؛ لأنَّ الذكرَ يُحيي القلوبَ، ويوجِبُ له الجنةَ، ولقاءَ الله ورضاه، وهذه الأشياءُ هي الحياةُ الحقيقية، ومن خلا من الذكرِ، فهو ميتٌ؛ لأنه خالٍ عمَّا يُحيي قلبَه، وعما يوجب له الحياة الأبدية، وهو ذكرُ الله وطاعته. روى هذا الحديث أبو موسى. * * * ١٦١٩ - وقال: "يقولُ الله تعالى: أنا عندَ ظَنَّ عَبْدِي بي، وأنا معَه إذا ذَكَرَني، فإنْ ذَكَرَني في نْفسِهِ ذَكَرْتُهُ في نْفسِي، وإنْ ذَكَرَني في ملأٍ ذَكَرْتُهُ في ملأٍ خير منهم".

стр. 1193

قوله حكاية عن الله أنه قال: "أنا عند ظن عبدي بي"، هذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون معناه: أني مطلعٌ على قلب عبدي، وأعلمُ أن فيه ذكري، ومَحبتي، وتعظيمَ أمري، ورضاه بقضائي وقدري، أو يكون في قلبه خلافُ هذه الأشياء، فإذا علم العبد أني مطلعٌ على قلبه، فليكنْ في قلبه ما أُحبُّه وأُثيبُهُ عليه جدًا، ولا يغفلُ عني، فيحرم من رضائي وثوابي. والاحتمال الثاني: أن يكون معناه: أني أعطي العبدَ ما يظن بي، فإن اعتقدني كريمًا، أكرمت عليه، وإن اعتقدني غفورًا غفرت له، وإن اعتقدني رحيمًا رحمته. و (الظن) هنا بمعنى: اليقين والاعتقاد، لا بمعنى: الشكِّ. قوله: "وأنا معهُ إذا ذكرني"؛ أي: أنا عالمٌ به، ولا يَخفَى عليَّ شيءٌ. "فإن ذكرني في نفسِهِ"؛ أي: في السرِّ. "ذكرته في نفسي"؛ أي: أوجبت له، وأثبتُّ له الثوابَ بحيث لا يعلمُ أحدٌ من الملائكة. "وإن ذكرني في ملأ"؛ أي: بينَ جماعةٍ. و (الملأ): الجماعة الأشراف. "ذكرته في ملأ"؛ أي: بين الملائكة. "خير منهم"؛ أي: الملائكة خير من الجماعة التي ذكرني بينهم. واختلف في أن الملائكة خير من البشر أم لا؟ وما عليه المعتبرون من الأئمة، وهذا هو المختارُ: أن خواصَّ البشر - أعني: الأنبياءَ - خيرٌ من خواصِّ الملائكة، وأما عوامُّ البشر ليسوا خيرًا لا من خواصِّ الملائكة، ولا من عوامهم. روى هذا الحديثَ أبو هريرةَ. * * *

стр. 1194

١٦٢٠ - وقال: "مَنْ جاءَ بالحسَنةِ فلهُ عَشْرُ أمْثالِهَا وأَزِيدُ، ومَنْ جاءَ بالسَيئةِ فجَزاءُ سيئةٍ مثلُها أو أَغفِرُ، ومَنْ تَقَرَّبَ شِبرًا منِّي تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعًا، ومَنْ تَقَرَّب منِّي ذِراعًا تقرَّبْتُ منهُ باعًا، ومَنْ أَتاني يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، ومَنْ لَقِيَنِي بقُرابِ الأَرضِ خَطيئةً لا يُشْرِكُ بي شيئًا لَقِيتُهُ بمِثلِها مغفرةً". قوله: "أو أَغْفِرُ"؛ يعني: إن شئتُ جازيتُ المسيءَ لا أجازيه بكلِّ شيء إلا جزاء سيئة فقط، وإن شئت أغفر له تلك السيئةَ؛ فإني غفورٌ رحيم. قوله: "ومن تقرَّبَ مني شِبرًا، تقرَّبت منه ذِراعًا ... " إلى آخره. (التقرُّب): طلب القُربةِ، وطلبُ قُربةِ العبد من الله يكون بالطاعة، فمن كانت طاعتُهُ وصفاءُ قلبه أكثرَ، كانت قربته من الله أكثر. يعني بهذه الألفاظ المذكورة في هذا الحديث: أن ثوابي أكثرُ من طاعة العبد، وتوفيقي إياه أكثرُ من سعيه؛ يعني: فإن فعلَ خيرًا قليلاً، جازيته به ثوابًا كثيرًا، وإن طلب مني التوفيقَ والاستعانةَ على الطاعة أعطيتُهُ أضعافَ ما طلب. (المشي): الذهاب المعهود. و (الهرولة): الذهاب مع الإسراع؛ يعني: العَدْو. "ومَنْ لقيني"؛ أي: جاءني يومَ القيامة. "بقُرابِ الأرضِ"؛ أي: بمِلء الأرضِ. لا يجوزُ لأحد أن يغترَّ بهذا الحديث ويقول: إذا قال الله تعالى: "مَنْ لقيني بقُرابِ الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا، لقيتُهُ بمثلها مغفرة"، فأُكْثِرُ الخطيئةَ حتى يكثِرَ الله مغفرته، وإنما قال الله بهذا؛ كي لا ييأسَ المذنبون من رحمته، ولا شك أن الله له مغفرةٌ وعقوبةٌ، ومغفرتُهُ أكثرُ، ويغفرُ كثيرًا من [ذنوب] المذنبين، وإن كانت ذنوبهم كثيرة، ويُعذَّب كثيرًا من المذنبين

стр. 1195

بذنوبهم، ولا يعلم أحدٌ أنه من الذين يغفرُ الله من ذنوبهم، أو من الذين يعذبهم الله بذنوبهم، فإذا كان الأمر كذلك فليرجُ الرجل مغفرةَ الله، وليخَفْ عقابَهُ، والله أعلم. روى هذا الحديث أبو ذرٍّ. * * * ١٦٢١ - وقال: "إنَّ الله تعالى قال: مَنْ عَادَى لِيْ وَلِيًّا فقد آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحببْتُهُ، كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسمعُ به، وبصَرَهُ الذي يُبصِرُ به، ويدَه النبي يَبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإنْ سألني لأُعطِيَنَّهُ، ولئنْ استَعاذَ بي لأُعيذَنَّهُ، وما تردَّدتُ في شيءٍ أنا فاعَلُهُ تَرَدَّدِي عن نفْسِ المُؤمنِ، يَكْرَهُ المَوتَ، وأنا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه، ولا بُدَّ له مِنه". قوله ﵇ حكايةً عن الله تعالى: أنه قال: "مَنْ عادَى لي وليًا، فقد آذنته بالحربِ"؛ يعني: من أغضب وآذى واحدًا من أوليائي. "فقد آذنته"؛ أي: أعلمته بأني سأحاربه؛ أي: سأقهره وأعذبه. و (أولياء الله): هم المطيعون له، وليس المراد بالوليِّ هنا: الولي المعهود بين المشايخ، بل كلُّ مُتَّقٍ داخلٌ في هذا الحديث؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. قوله: "وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه"؛ أي: بأداء ما فرضتُ عليه؛ يعني: أداءُ الفرائض أفضلُ من أداء السنن والنوافل؛ لأن أداءَ الفرائض طاعةُ الله والإتيان بأوامره، وترك أداء الفرائض عصيانُ الله، ولا شكَّ أن الإتيانَ بأوامر الله واجتنابَ عصيانِهِ أحبُّ إليه من أداء النوافل الذي

стр. 1196

لم يأمر به الله، ولم يعصِ أحدٌ الله بترك النوافل، بل فعل النوافل موجبٌ للثواب، وتركُهُ غيرُ موجبٍ للعقابِ. قوله: "وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه". مثال المؤدي للفرائض والنوافل جميعًا كمن عليه دينٌ لأحد، فإذا أدَّى دينه موفرًا كاملًا عن غير مطلٍ يحبُّه، ولو أدَّى دينه، وزادَ عليه شيئًا من ماله غيرَ ما وجب عليه، لا شكَّ أن آخذَ الدين أشدُّ حبًا له بأخذ الدين والشيءِ الزائد من أخذ الدين، فكذلك مَنْ أدَّى فرائضَ الله تعالى يحبُّه الله، ومن أدَّى الفرائضَ والنوافلَ يزيدُ حبُّ الله له، فبقدرِ ما زاد من النوافل يزيدُ حبُّ الله له، حتى صار عبدًا مخلصًا مرضيًا لله تعالى، فإذا صار مرضيًا محبوبًا لله، يكون الله سمعَهُ الذي يسمع به ... إلى آخر الكلمات. سُئِلَ الشيخُ أبو عثمان الحِيْرِيُّ عن هذه الكلمات فقال: معناه: كنتُ أسرعَ إلى قضاء حوائجه من سمعِهِ في الاستماع، وبصرِهِ في النظر، ويدِهِ في اللمس، ورجلِهِ في المشي. وقال الخطَّابيُّ: معناه: توفيقه في الأعمال التي باشرها بهذه الأعضاء؛ يعني: يتيسَّرُ عليه فيها سبيلُ ما يحبُّه ويعصمه عن موافقة ما يكره من استماعٍ إلى اللغوِ بسمعه، ونظرٍ إلى ما نهى الله عنه ببصرِهِ، وبطشٍ بما لا يحلُّ بيده، وسعي في الباطل. حاصل كلام الخطابي: أن معناه: أني أوفِّقه حتى لا يسمعَ إلا ما أحبه، ولا يبصر إلا ما أحبه، ولا يستعمل يديه ورجليه إلا فيما أحبه. قوله: "وما تردَّدتُ في شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفسِ المؤمنِ". (تردَّد الرجل): إذا تحيَّرَ بين الفعلين؛ لعدم علمه بأنَّ الأصح فعلُ هذا أم هذا، وهذه من صفة الخلق، وأما الخالق منزهٌ عن التردُّدِ بهذا المعنى.

стр. 1197

وذكر في "شرح السنة": [أنه] له وجهان: أحدهما: أن معناه: أني أرسلتُ إلى المؤمن ما يقرَّبهُ إلى الهلاك من المرض والجوع والعطش والسقوط من العلو إلى السفل البعيد، ثم حفظته وشفَيْتُه من الأمراض، ودفعتُ عنه الجوعَ والعطشَ، ففعلتُ به هذا مرةً بعدَ أخرى، ولم أهلكه حتى يبلغ أجله، ومن قَرُبَ أن يفعل فعلًا، ثم تركه، يقال: (بدا له تردُّدٌ)، فكذلك إذا أرسل الله إلى المؤمن ما يقرِّبه إلى الهلاك، ثم حفظه عن الهلاك، فكأنه قرب أن يهلكه ولم يهلكه، فهذا يشبهه فعلُ المتردَّد، ولكن ليس في حق الله تعالى بأنه عالم بما كان وما يكون، وبما فعل وبما يفعل، ولا يخفى عليه شيء. والوجه الثاني: أن يكون (التردد) بمعنى: الترديد، وهو جعلُ أحدٍ مترددًا بين أمرين، ومعناه هنا في هذا الوجه: أني ما ردَّدتُ الملائكةَ الذين يقبضون أرواحَ الناس ويهلكونهم في شيء ترديدًا مثلَ ترددي إيَّاهم في قبض أرواح المؤمنين؛ يعني أقول لهم: اقبضوا روح فلان، ثم أقولُ لهم: أخِّروه، كما جاء أنه تعالى بعثَ ملك الموت إلى موسى ﵉، وأمره بقبضِ روحِهِ، فلما جاء ملكُ الموت وقال له: أجب ربك؛ يعني: أطعني حتى أقبض روحَكَ، فلطمه موسى، وفَقَأَ عينَهُ، فرجع ملك الموت إلى ربه وقال: يا رب! أرسلتني إلى من لا يريدُ الموتَ، فلطمني، وفقأ عيني، فردَّ الله إليه عينه فقال له: اذهبْ إلى موسى، وقل له: إن كنتَ تريدُ الحياةَ، فضعْ يدَك على متن ثورٍ، فما وارت يدك من شعره، فاإنك تعيشُ بها سنة، فقال موسى ﵇: ثم مَه؟ أيُّ: أي شيء يكون بعد ذلك؟ فقال: الموت؛ يعني: تموت بعد ذلك، فقال: الآنَ من قريب؛ يعني: فإذا كان عاقبتي الموت، فأمتني عن قريب. قوله: "يكره الموتَ وأنا أكرهُ مساءتَهُ"، (المساءة): الأحزان، والمراد بها

стр. 1198

ها هنا: شدة الموت، وليس المراد بها: نفس الموت؛ لأن الموت يوصل المؤمن إلى رحمة الله تعالى ولقائه، فكيف يكره الله للعبد الموت الذي يوصله إلى رحمته؟! يعني: يكره المؤمنُ الموتَ، وأنا أكره له أيضًا شدةَ الموت، فأؤخِّر موته؛ يعني: لا أهلكه بما يلحقه أولًا من أسباب الموت من المرض والسقوط وغير ذلك، ولا بما يلحقه ثانيًا وثالثًا، بل أشفيه من الأمراض، وأحفظه من الهلاك، حتى يَكمُلَ له ما كُتِبَ من العمر. وفي بعض الروايات بعد قوله: (وأنا أكره مساءته): "ولا بدَّ له منه"؛ يعني: وبعد تأخيرِ عمره ونجاته من الأمراض والمهلكات، لا بدَّ له من الموت، ولا يخلصُ منه، فإني قدَّرت لكلَّ نفسٍ الموتَ. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٦٢٢ - وقال: "إنَّ للهِ ملائكةً يَطُوفونَ في الطُّرُقِ يلتمِسُونَ أهلَ الذِّكرِ، فإذا وَجَدُوا قَومًا يذكرونَ الله تَنَادَوا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكُمْ، قال: فَيَحُفُّونَهم بِأَجنِحَتِهم إلى السَّماء الدُّنيا، فإذا تَفَرَّقُوا عَرجُوا إلى السَّماءِ، قال: فيَسْألُهم الله وهو أَعلَمُ بهم: مِنْ أينَ جئتُم؟، فيقولونَ: جِئْنَا مِنْ عِندِ عِبادِكَ في الأَرضِ، قال: فيسألُهم ربُّهم وهو أَعْلَمُ بهم: ما يقولُ عبادي؟، قالوا: يُسَبحونَكَ، ويُكَبرُونَكَ، ويَحمدُونَكَ، ويُهَلِّلُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، قال: فيقول: هل رَأَوْنِي؟ قال: فيقولونَ: لا والله ما رَأَوْك، قال: فيقولُ: كيفَ لو رَأَوْنِي؟، قال: يقولونَ: لو رَأَوْكَ كانوا أَشَدَّ لكَ عِبادةً، وأشدَّ لكَ تَمْجيدًا، وأكثرَ لكَ تَسْبيحًا، قال: فيقولُ: فما يسأَلوني، قالوا: يَسألونَك الجنَّةَ، قال: وهل رَأَوْهَا؟، قال: فيقولونَ: لا والله يا ربِّ ما رَأَوْها، قال: يقولُ: فكيفَ لو رَأَوْهَا؟ قال: يقولونَ: لو أنَّهم رَأَوْها كانوا أشدَّ عليها حِرْصًا، وأشدَّ لها طَلَبًا، وأعظمَ فيها

стр. 1199

رغبةً، قال: فيقولُ: فَمِمَّ يتَعَوَّذونَ؟، قال: يقولونَ: من النَّار، قال: فهل رَأَوْها؟ قال: يقولونَ: لا والله يا ربِّ ما رَأَوْها، قال: يقولُ: فكيفَ لو رَأَوْها؟، قال: يقولونَ: لو رَأَوْها كانوا أَشَدَّ منها فِرارًا وأشدَّ لها مخافةً، قالوا: ويَستغفِرُونَكَ، قال: فيقولُ: فأُشْهِدُكم أَنِّي قد غفَرتُ لهم، وأَعطيتُهم ما سَأَلوا، وأَجَرْتُهم مما استَجارُوا، قال: يقولُ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ: ربِّ فيهم فُلانٌ ليسَ مِنْهُم، إنَّما جاءَ لحَاجَةٍ". وفي روايةٍ: "يقولونَ: ربِّ فيهم عبدٌ خطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ فجلَسَ معَهم، قال: فيقولُ: ولهُ غفَرتُ، هُم القَومُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُم". قوله: "يلتمسون أهلَ الذكر"؛ يعني: يطلبون من يذكر الله من بني آدم؛ ليزورُوهم، ويدعوا لهم، ويستمعوا إلى ذكرهم. "تنادَوا"؛ أي: ينادي بعضُ تلك الملائكة بعضًا، ويقولون: (هلموا)؛ أي: تعالوا "إلى حاجتكم"؛ أي: إلى ما تطلبون من استماعِ الذكرِ، فإنا قد وجدنا جماعةً من أهل الذكر. قوله: "هلموا" هذا اللفظُ يجوز أن يُجعَل في التثنية والجمع والمذكر والمؤنث (هَلُمَّ): بفتح الميم على لفظ الواحد، ويجوز أن يُصرَّفَ كـ (مُدَّ)، وهو أمرُ حاضرٍ من (المدِّ). قوله ﵇: "فيحفونهم بأجنحتهم"، (الحُفوف): الاجتماعُ والاشتمال حول الشيء. (الأجنحة): جمع جناح، والباء للتعدية؛ يعني: يديرون أجنحتهم حولَ جماعةِ الذاكرين. قوله: "إلى السماء"؛ يعني: يقف بعضُهم فوقَ بعض إلى السماء الدنيا.

стр. 1200

"فإذا تفرقوا"؛ يعني: فإذا تفرَّقَ الذاكرون. "التمجيد": ذكرُ (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وأصلُ لُغته: ذكرُ الله بالعظمة. "وأجرتهم": هذا اللفظُ من (أجار يُجير إجارة): إذا أمَّنَ أحدًا ممَّا يخافُ، و (الاستجارة): طلب الأمان. قوله: "ليس منهم"؛ يعني: كان فيهم رجلٌ ليس من الذاكرين، بل كان يمرُّ لشُغلٍ، فجلس بينهم، يريد ذلك الملك بهذا اللفظ: أنه لا يستحقُّ المغفرةَ؛ لأنه ليس من الذاكرين. قوله تعالى: "وله غفرت"؛ يعني: غفرت لهذا العبد أيضًا ببركة الذاكرين. "فإنهم قوم لا يَشقَى بهم جليسُهم"؛ أي: لا يُحرَم جليسُهم من الثواب، بل من جلس معهم يجدُ ببركتهم الثوابَ. وفي هذا ترغيبٌ للعباد في مجالسةِ الصلحاءِ؛ لينالوا نصيبًا من بركتهم وثوابهم. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٦٢٣ - عن حَنْظَلة الأُسَيديِّ قال: انطلقتُ أنا وأبو بكْرٍ حتَّى دخلْنَا على رسولِ الله ﷺ ، قلتُ: نافَقَ حَنْظَلةُ!، قال رسولُ الله ﷺ : "مَا ذَاكَ؟ "، قلتُ: نكُونُ عندَكَ تُذَكِّرنا بالنارِ والجنةِ كأنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فإذا خرجْنا عافَسْنا الأزْوَاجَ والأولادَ والضَّيْعَاتِ نَسِيْنا كثيرًا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "والذي نفْسي بيدِهِ، لو تَدُومونَ على ما تَكُونُونَ عندي وفي الذِّكرِ؛ لَصَافَحَتْكُمْ الملائكةُ على فُرُشِكُم

стр. 1201

وفي طُرقِكُم، ولكن! يا حنظلةُ ساعةً وساعةً" ثلاثَ مرَّاتٍ. قوله: "نافق حنظلة"؛ أي: صار منافقًا. و (المنافق): من يظهرُ الإسلامَ، وفي قلبه شيء آخر. قوله ﵇: "وما ذاك؟ "؛ أي: وأي شيء قولك؟ يعني: لأي سبب تقول: نافق حنظلة؟ قوله: "كأنا رأيَ عين"، (رأي عين): مصدرٌ أُقيم مقام أسماء الفاعلين، والمصدر يقام مقام اسم الفاعل والمفعول والواحد والتثنية والجمع؛ أي: كأنا رائين الجنة والنار وأهوال القبر والقيامة بالعين. قوله: "عافسنا الأزواجَ والأولادَ"؛ أي: خالطناهم. يعني: إذا كنتُ عندكَ كنتُ على غاية الحضور والخوف من الله وصفاء القلب، وإذا خرجت من عندك أكون على غير حضور، وهذا الفعل كفعل المنافقين. (الضَّيْعاتُ): الأراضي والبساتين، والحِرَفُ أيضًا. قوله: "لو تدومونَ على ما تكونون عندي وفي الذِّكرِ"؛ يعني: لو كنتم في غيبتي مثل ما كنتُم عندي من صفاء القلب والدوام على الذكرِ والخوفِ من الله تعالى، "لصافحتكم الملائكة"؛ يعني: لزارتكم الملائكة، ولعله ﵇ أراد بمصافحة الملائكة إياهم علانية؛ لأن الملائكةَ يصافحون أهلَ الذكر. قوله: "ساعة وساعة"؛ يعني: لا يكون الرجل منافقًا بأن يكون في وقتٍ على غاية الحضور وصفاء القلب وفي الذكر، وفي وقتٍ لا يكون بهذه الصفة، بل لا بأسَ في وقت بأن يكون ساعة في الذكر، وساعة في الاستراحة والنوم

стр. 1202

والزراعة ومعاشرة النساء والأولاد، وغير ذلك من المُباحاتِ. * * * مِنَ الحِسَان: ١٦٢٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "أَلَا أُنَبئُكم بخيرِ أعمالِكم، وأَزكَاها عندَ مَلِيكِكُم، وأَرْفَعِها في دَرجاتِكُم، وخيرٍ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فتضْرِبُوا أعناقَهُم ويَضْرِبُوا أعناقَكُم؟ "، قالوا: بلى، قالَ: "ذِكْرُ الله". قوله: "وأزكاها"؛ أي: أطهرها وأتمها. "المليك": الملك، والمراد به ها هنا: هو الله تعالى. قوله: "من أن تلقوا عدوكم"؛ يعني: من الجهاد مع الكفار. روى هذا الحديث أبو الدَّرداءِ. * * * ١٦٢٥ - وعن عبد الله بن بُسْرٍ قال: جاءَ أعرابيٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟، فقال: "طُوبَى لمَنْ طالَ عمرُه وحَسُنَ عَمَلُه"، قال: يا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟، قال: "أنْ تُفَارِقَ الدُّنيا ولِسانُكَ رطْبٌ مِن ذكرِ الله". قوله ﵇ في جواب الأعرابي: "طُوبى لمن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ"؛ يعني: خير الناس من طال عمره وحسن عمله. قوله: "ولسانُكَ رطْبٌ من ذكر الله"؛ أي: ولسانك متحرِّكٌ بذكر الله. و (رطب اللسان): عبارة عن جريان اللسان بالكلام، و (جف اللسان):

стр. 1203

عبارة عن السكوت. * * * ١٦٢٦ - وقال: "إذا مَرَرْتُم برياضِ الجنَّةِ فارتَعُوا"، قالوا: وما رياضُ الجنةِ؟، قال: "حِلَقُ الذكرِ". قوله: "إذا مررتُمْ برياضِ الجنةِ فارتعوا ... " إلى آخره. (الحَلَق) بفتح الحاء واللام: جمع حَلَقَة. يعني: إذا مررتم بجماعةٍ يذكرون الله، فاذكروا الله أنتم أيضًا موافقةً لهم، فإنهم في رياضِ الجنة، وأيُّ خصلةٍ توصلُ العبد إلى الجنة، فهي روضةٌ من رياض الجنة. روى هذا الحديث أبو هريرة. * * * ١٦٢٧ - وقال: "مَنِ اضطَجعَ مَضْجَعَاً لم يَذْكُرِ الله فيه؛ كانَ عليهِ تِرَةً يومَ القيامَةِ، ومَنْ قَعَدَ مَقْعدًا لم يَذْكرِ الله فيه كانَ عليه تِرَةً يومَ القيامَةِ". قوله: "ومن اضطجعَ مضجعًا لم يذكرِ الله فيه كانَ عليه تِرَةً يومَ القيامة"، (الترة): النقصان، من وتر يتر وَتْرًا وتِرة: إذا نقص، والمراد بها ها هنا، وفي الحديث الذي بعده: التَّبعة، وهي الماخذة بجُرْم، وحقيقة هذا: أن شكر الله على نعمه واجبٌ، والمضطجعُ والمجلسُ أيضًا عليه من نِعمِ الله تعالى؛ لقوله تعالى مِنَّة على العباد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] وقال أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]؛ أي: لينة بحيثُ يمكنكم الاستقرارُ والترددُ والزراعةُ فيها، فإذا كان الزمان والمكان لله تعالى، فمن استوفى حظَّه من مكان

стр. 1204

بأن جلسَ فيه واضطجعَ، يجبُ عليه قضاء شكره على الحقيقة بأن يذكر الله ويصلِّي على نبيه فيه، وهذا كمن جلس في دار واحد، وجبَ عليه الاستحلالُ والأجرةُ. والوجوب الذي قلناه هنا من وجوب شكر الله هو بمعنى الحَقِّيَّة، لا بمعنى الوجوب الذي لو تركه العبد يكون عاصيًا. روى هذا الحديث والذي بعده أبو هريرةَ. * * * ١٦٣٠ - وقال: "كُلُّ كلامِ ابن آدمَ عليه لا لَهُ إلَاّ أَمْرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن مُنْكَرٍ، أو ذِكرًا للهِ"، غريب. قوله: "كلُّ كلامِ ابن آدم عليه لا لهُ"؛ يعني: كل كلام ابن آدم يكون وَبالاً عليه، ويُؤاخذُ به يوم القيامة. (لا له)؛ يعني: ليس له نفعٌ. "إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكرًا لله"، والمراد بذكر الله هنا: ليس التسبيح والتهليل وما أشبه ذلك من الكلمات فقط، بل ما فيه رضا الله من كلامٍ، كتلاوة القرآن، والصلاة على النبي ﵇، والدعاء للمؤمنين، وما أشبه ذلك. وقد يكون بعض الكلام لا عليه ولا له؛ لأن الكلام ثلاثة أقسام: ما هو شرٌّ، وما هو خيرٌ، وما هو مباحٌ؛ لا شرٌّ ولا خيرٌ، كما يقول أحد لأحد: تعال، أو قم، أو ما أكلتَ؟ أو ما صنعتَ؟ وما أشبه ذلك، ففي الشرِّ إثمٌ، وفي الخير أجرٌ، وفي المباح عفوٌ؛ لا إثمٌ فيه ولا أجر.

стр. 1205

روت هذا الحديث أمُّ حبيبة. * * * ١٦٣١ - وقال: "لا تُكْثِرُوا الكلامَ لغيرِ ذِكْرِ الله، فإن كَثْرَةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله قَسْوةٌ للقَلْبِ، وإن أَبْعَدَ الناسِ مِنَ الله القلْبُ القاسي". قوله: "فإن كثرةَ الكلامِ بغير ذكر الله قسوةٌ للقلب"، (القسوة): شدة القلب، وشدة القلب: عبارة عن عدم قَبولِ ذكر الله والخوف والرجاء وغير ذلك من الخصال الحميدة. يعني: كثرة: الكلام فيما ليس له فيه رضا الله تعالى تجعلُ القلب قاسيًا على الشرح الذي ذكرناه في قسوة القلب، لا شك أنه يكون بعيدًا من نظر الله؛ فإنَّ الله ينظرُ بنظر الرحمة إلى قلبٍ فيه الخصالُ المرضيةُ لله تعالى. قوله: "وإن أبعدَ الناس من الله تعالى القلبُ القاسي": هذا الكلامُ يحتاج إلى إضمارٍ وتقديرٍ، فتقديره: إن أبعدَ قلوبِ الناسِ من الله القلبُ القاسي، فحُذِف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون تقديره: وإن أبعد الناس من الله من له القلب القاسي. روى هذا الحديث ابن عمرَ. * * * ١٦٣٢ - عن ثَوْبان قال: لما نزلتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ في بعضِ أَسْفَارِهِ، فقالَ بعضُ أصحابهِ: لو علمنَا أيُّ المالِ خيرٌ فَنتَّخِذَهُ؟، فقال: "أَفْضَلُه لسانٌ ذَاكِرٌ، وقلبٌ شاكِرٌ، وزوجةٌ مؤمِنَةٌ تُعِينُهُ على إيمانِهِ". قوله: "أفضلُهُ لسانٌ ذاكرٌ ... " إلى آخره.

стр. 1206

الضمير في (أفضله) يعود إلى (المال)؛ فإن قيل: قد قالت الصحابة: لو علمنا أيُّ المال خيرٌ فنتخذه؟ فأجابهم رسول الله ﵇: بأن أفضل المال لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكر، وزوجة مؤمنة، وهذه الأشياءُ ليست من المال، فإن المال في عرف الناس: الذهب والفضة والعقار والنعم والأقمشة وغير ذلك من متاع الدنيا. قلنا: المال هو ما ينفعُ مالكه، ولا شيءَ أنفع للرجل من ذكر الله تعالى، ومن شكر القلب، ومن الزوجة المؤمنة التي تعينُ الرجلَ على دينه بأن تذكِّره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات إذا نسي أو غفل، وتمنعه من الزنا، وهذه الأشياء موجبة لرضا الله تعالى، [وهو]، موجبٌ للجنة، ولا أنفع للرجل من خلودِهِ في الجنةِ. * * * ٣ - باب أَسْماءِ الله تعالى (باب أسماء الله تعالى) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٦٣٣ - قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا مائةً إلَاّ واحِدًا، مَنْ أَحصاهَا دخلَ الجنَّة" وفي رواية: "وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ". روى هذا الحديث والذي بعده أبو هريرة. قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا"، لا يدلُّ هذا الحديثُ على أنه ليس لله اسم غيرُ هذه التسعة والتسعين يقبله ولا ينكره، والضابط: أن أسماءَ الله تعالى

стр. 1207

وصفاته قديمة أزلية أبدية، لا طريقَ للمخلوقات إلى معرفة أسماء الله تعالى وصفاته إلا بتعريف الله عبادَه؛ إما بالقرآن أو بألفاظ رسول الله ﵇، ولا يجوزُ لأحد أن يذكرَ الله باسم أو صفة لم يكن مذكورًا في القرآن، ولا في الحديث. قوله: "هو وِتْر يحبُّ الوترَ"؛ يعني: إنما كان أسماء الله تعالى وِتْرًا، وليس بشفع؛ لأنه تعالى وِتْرٌ؛ أي: فرد ليس له زوجٌ ولا شريكٌ، فيجب أن يكون عدد أسمائه وِترًا. * * * مِنَ الحِسَان: ١٦٣٤ - قال: "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحصاها دَخلَ الجنَّة: هوَ اللهُ الذي لا إله إلَّا هوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمُقِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الْوَالِي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ، الرَّؤُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ،

стр. 1208

الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ"، غريب. قوله: "من أحصاها دخل الجنة"، قال الخطابي: فيه أربعُ احتمالات: أحدها: أن يكون معناه العَدُّ والحفظ؛ يعني: من قرأها وحفظها لفظًا من أولها إلى آخرها دخلَ الجنة. الاحتمال الثاني: أن يكون معنى الإحصاء: الطاقة؛ يعني: من طاق أن يَعمَلَ ويعتقِدَ بموجب كلِّ لفظ. مثاله: إذا قال: الرحمن الرحيم، اعتقد أنه رحمن رحيم، يرجو رحمته، ولا يقنط من رحمته، وإذا قال: القهار، يعلم قهره ويخاف منه، وإذا قال: الرزاق، يعلم أنه لا رازقَ سواه، فلا يخافُ من عدم الرزق، ولا يغتمُّ لأجل الرزق، وكذلك جميع هذه الكلمات؛ يتأملُ في معنى كل واحد، ويعملُ بموجبه. الاحتمال الثالث: أن يكون معنى الإحصاء: العقل والمعرفة؛ يعني: من عرف وعقل معانيها. الاحتمال الرابع: أن يكون معنى الإحصاء: القراءة؛ يعني: من قرأها في القرآن؛ أي: من ختم القرآن من أوَّله إلى آخره حتَّى تلفَّظَ بجميع هذه الأشياء في أثناء القرآن، فإن جميعَ هذه الأسماء موجودةٌ في القرآن. قال أبو عبد الله الزبيري رحمة الله عليه: طلبتُ أسماءَ الله المذكورة في القرآن، فوجدتها مئة وثلاثة عشر، ولكن بعضها مكرَّرٌ، مثل: الغافر والغفور، والعليم والعالم، والقدير والقادر، فلمَّا حذفتُ منها المتكرر بقي تسعة وتسعون اسمًا، كما جاء في الحديث. فإذا عرفت هذا فالمختارُ هو الوجه الأول والثاني، وعلى الوجه الثاني يحتاجُ قارئُها إلى معرفة معانيها؛ ليعتقدها ويعمل بموجبها، ونحن نذكرُ معنى

стр. 1209

كلِّ لفظ مشكل. "هو الله": (هو) مبتدأ، و (الله) خبره، "الذي لا إله إلا هو" صفة (الله)، و (الرحمن الرحيم) خبر بعد خبر، وكذلك إلى آخرها. واختلف في لفظ (الله) تعالى؛ قال بعضهم: هو لفظ غيرُ مشتق، وقيل: بل مشتق من (أله): إذا فزع إلى أحد وعبَدَ، وكان أصل (الله) على هذا القول (إله)، فأُدخِل عليه الألف واللام الأصلية للتعريف، وحُذِفت الهمزة الأصلية، وأُدغِمت لام التعريف في اللام الأصلية، فقيل: (الله)، ومعناه: المعبود والملجَأُ الذي يَفزَع ويَلجَأ إليه العبادُ، وغُلِّظَ اللام منه عند التلفظِ به تعظيمًا لهذا الاسم، وليكون فرقٌ بينه وبين التلفظ باللات؛ التي هي اسم صنم؛ لأن (اللات) عند الوقف يصير: (اللاه)، فيشبه لفظة (الله)، ففُخَّم وغُلِّظ لفظ (الله) للفرق، وتغليظه إنما يكون إذا كان قبله حرفٌ مفتوح نحو: أنَّ الله، أو مضموم نحو: رسلُ الله، وأما إذا كان قبله حرف مكسور، يرقَّقُ عند التلفظ نحو: بالله، ولله، وإنما يُرقَّقُ ها هنا؛ لأن الترقيق أقربُ إلى الكسر في التجانس، والتغليظُ بعد الكسر ثقيلٌ. "الرحمن الرحيم": هما اسمان مشتقان من (الرحمة)، وفيهما مبالغة؛ أي: كثير الرحمة، والمبالغةُ في (الرحمن) أكثر، ولهذا يقال عند الدعاء: يا رحمن الدنيا! ويا رحيم الآخرة! يعني: رحمته في الدنيا تعمُّ المسلم والكافر وجميع الحيوانات بأن يرزقهم، وفي الآخرة رحمتُهُ خاصةٌ للمسلمين. "القدوس": الطاهرُ والمنزَّهُ عن الشركاء، وعن صفاتِ المُحدَثات. "السلام": ذو السلامة من كل عيبٍ وآفةٍ ونقصٍ. "المؤمن": الذي أمَّنَ عبادَهُ من الظلم؛ لا يظلمهم، بل ما فعل بهم؛ إما فضل وإما عدل.

стр. 1210

"المهيمن": الشاهد الصادق؛ يعني: الله تعالى شاهدٌ على عباده؛ أي: عالم بما يفعلون ويقولون. "العزيز": الغالب على المخلوقات، وهم عاجزون تحت أمره وتقديره. "الجبار": الذي جَبَرَ الخلق؛ أي: جعلهم مُسخَّرين تحت أمره، ويحتمل أن يكون من (جبر): إذا أصلحَ حال أحد؛ أي: يصلح حال العباد بأن يرزقهم ويحفظهم من الآفات. "المتكبر": المتعالي عن أن تدركَهُ العقولُ والأوهام، والمتكبر أيضًا: المتفرد بالعظمة. "البارئ" بالهمز بعد الراء: اسم فاعل من برأ: إذا خلق. "المصور": الذي أظهرَ ويظهرُ صورَ الحيوانات على وجهٍ يتميَّز كلُّ واحد عن الباقي. "الفتاح": الحاكم بالحقِّ بين عباده. "القابض الباسط"؛ يعني: هو الذي يقبضُ الرزق عمَّن يشاء، ويبسطُ على من يشاء، كما تقتضيه الحكمة. "الخافض الرافع"، (الخفض): ضد الرفعة؛ يعني: هو الذي يوقع الجبابرة على التراب، ويرفع المؤمنين والمطيعين بأن يقرِّبهم من رحمته، ويرفع درجاتهم. "الحكم": الحاكم؛ يعني: هو الذي يحكم بين عباده. "العدل": معناه: العادل في الحكم، لا يظلم أحدًا. "اللطيف": البَرُّ بعباده، يُحْسِنُ إليهم ويرزقهم من حيث لا يحتسبون. "الخبير": العالم بحقيقة الأشياء.

стр. 1211

"الحليم": الذي لا يعجِّل عقوبةَ المذنبين، بل يؤخِّر عقوبتهم لعلهم يتوبون إليه. "الشَّكور": هو الذي يقبل القليل من الطاعة، ويُثيب عليه الثوابَ الكثير. "العلي": العالي فوق خلقه بالقدرة والقوَّة، لا بالمكان والجهة. "الحفيظ": الحافظ الذي يحفظ السماواتِ والأرضَ وما فيهنَّ. "المُقيت": القادر ومعطي قوت الحيوانات. "الحَسيب": الكافي لخلقه؛ يعني: هو حَسْبُهم، ولا يحتاجون إلى غيره. و (الحسيب): المحاسب أيضًا؛ يعني: يحاسب عباده يومَ القيامة بما فعلوا. "الجليل": العظيم. "الكريم": المُكْرِم؛ أي: المُحْسِن على خلقه. "الرقيب": الذي لا يغيب عن علمه شيء. "المجيب": هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. "الواسع": الذي وُسِّعَ رزقُه على جميع خلقه. "الحكيم": هو المُحْكِم لخلقه - بكسر الكاف في المُحْكِم -؛ يعني: الذي أحسن تدبير المخلوقات؛ يعني: خلق كل شيء على وجه الحكمة جَلَّ وعلا. "الودود": الذي يَوَدُّ؛ أي: يحب المطيعين. "المجيد": الواسع العطاء. "الباعث": الذي يبعث الخلق؛ أي: يُحييهم بعد الموت. "الشهيد": الذي لا يغيب عن علمه شيء.

стр. 1212

"الحق": الذي تُحقِّق وتُيقن وجودُه من غير شك. "الوكيل": القائم بمصالح عباده، الكافل بأرزاقهم. "القوي": الشديد القوة الذي لا يلحقه عجزٌ. "المتين": الناصر الذي ينصر المؤمنين. "الحميد": المحمود الذي لا يستحقُّ الحمدَ إلا هو. "المُحْصي": الذي أحصى كلَّ شيء؛ أي: علم جميع الأشياء بحيث لا يغيب عن علمه شيء. "المبدئ": الذي خلق الأشياء من العدم جَلَّ وعلا. "المعيد": الذي يعيدهم من الحياة إلى الممات، ومن الممات إلى الحياة. "المُميت": الذي لم يزل موجودًا ولا يعترضه الموتُ. "القيُّوم": الدائم البقاء. "الواجد": الغني. "الماجد": مثل (المجيد). "الواحد": المتفرد بالبقاء والذات، لا شريك له. "الأحد": هو المتفرد في الصفات لا يشاركه في صفاته أحد. "الصمد": الذي يُصْمَد؛ أي: يُقصد في الحوائج. "المقتدر": مثل (القادر). "المقدِّم": الذي يقدم أولياءه على غيرهم بأن يوفِّقَهم بالطاعة حتى يحصَّلوا قربَه.

стр. 1213

"المؤخِّر": الذي يؤخِّر بعضَ عباده بأن خذلهم ولم يوفِّقْهم حتى اشتغلوا بحظوظ أنفسهم، وتركوا الآخرة. "الأول": الذي ليس قبله شيء. "الآخِر": الذي ليس بعده شيء. "الباقي": بعد فَناء خَلْقِه. "الظاهر": الذي ظهر شواهد وجوده بخلق السماوات والأرض وما بينهما. "الباطن": المحتجب عن أبصار الخلق. "الوالي المتعالي": هو مالك الأشياء. "البَرُّ": المحسن إلى عباده الثواب، قابلُ توبةِ العبيد مرةً بعد أخرى. "المنتقم": المبالغ في العقوبة بعضَ خلقه. "العفو": كثير العفو. "الرءوف": كثير الرحمة والشفقة على عباده. "ذو الجلال والإكرام": أي: هو أهلٌ أن يُجِلَّه ويُكْرِمَه عبادُه بأن يطيعوه، وقيل معناه: هو الذي يُجِلُّ ويُكْرِم عبادَه المؤمنين. "المُقْسط": العادل في الحكم. "الجامع": الذي يجمع الخلق يوم القيامة. "المغني": الذي جَبَر (١) حالَ عبادِه بأن يرزقَهم ويقضي حوائجهم؛ بحيث لم يفتقروا إلى أحد سوى الله تعالى. "المانع": الذي يمنع ويدفع عن أوليائه مَنْ قصدَهم بسوء.

стр. 1214

"الضار النافع": الذي يضر من يشاء وينفع من يشاء. "النور": هو الذي ينوِّر السماوات والأرض، وينور قلوب المؤمنين بنور الإيمان. "البديع": أي: المُبدع، وهو أبدع الأشياء؛ أي: أوجدها من العَدَم. "الباقي": الذي لا يجوز عليه الزوال. "الوارث": الذي يرث الأرض ومَنْ عليها؛ أي: يُميت أهلَها، ويبقى مُلْكُه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]. "الرشيد": الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم. "الصَّبور": الذي لا يُعاجل عقوبةَ المذنبين. اعلم أنه قد جاء في بعض الروايات عن أبي هريرة عن رسول الله ﵇ أسماء من أسماء الله تعالى غير ما ذكروا وهو: الربُّ، المَنَّان، البارئ، الكافي، الدائم، المولى، النصير، الجميل، الصادق، المُحيط, المُبين، القريب، الفاطر، العلَاّم، المَليك، الأكرم، المدبر، الوِتر، ذو المعارج، ذو الطَّول، ذو الفَضْل. (المنان): الذي يكثر المَنَّ على عباده، وهو النعمة. (البادئ): بمعنى المُبدئ، وقد ذُكر. (المحيط): الذي أحاط علمُه بجميع الأشياء بحيث لا يَعْزُبُ عن علمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. (المبين): له معنيان؛ أحدهما: يعني: الظاهر، وقد ذُكر. الثاني: بمعنى المبين؛ أي: مُوجد الأشياء من العدم، ومبين طريقَ الرُّشْد عن الغَيِّ للعباد.

стр. 1215

(القريب): أي القريب بالعلم. (الفاطر)؛ أي: الخالق. (المليك)؛ أي: المالك. (الأكرم): يريد به: أنه أكرم الأكرَمِين. و (المدبر): هو الذي يعرف تدبير ملكه ويُصَرِّفه على وجه الحكمة. (ذو المعارج): المعارج جمع مَعْرَج، وهو موضع العُروج، وهو الصعود؛ أي: هو الذي عُرِج إليه بأعمال عباده وبأرواحهم بأمره. (الطَّول): الفضل. * * * ١٦٣٦ - وعن أَنسٍ ﵁ قال: كنتُ جالسًا معَ النبي ﷺ في المَسجدِ، ورجلٌ يُصلي، فقال: اللهمَّ إني أسألُكَ بأنَّ لكَ الحَمْد، لا إلهَ إلَاّ أنتَ الحنَّانُ المنَّانُ، بديعُ السَّماواتَ والأرضَ، يا ذا الجَلالِ والإكرامِ، يا حيُّ يا قَيُّومُ أسأَلُكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "دَعَا الله باسمِهِ الأعظم الذي إذا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وإذا سُئِلَ به أَعطَى". قوله في حديث أنس: "الحنَّان المنان": ذُكر المنان، وأما الحنَّان: فهو كثير الحنان بعباده، والحَنَان: الرحمة والشفقة. قوله: "دعا الله باسمه الأعظم": قيل: الأعظم هنا بمعنى: العظيم، وليس أفعل التفضيل؛ لأن جميع أسمائه عظيم، وليس بعضها أعظم من بعض. وقيل: بل هو أفعل التفضيل؛ لأن بعض أسمائه تعالى أعظم من بعض، فكلُّ اسم أكثر تعظيمًا لله فهو أعظم من اسم فيه أقل تعظيمًا له، فـ (الرحمن)

стр. 1216

أعظم من (الرحيم)؛ لأن الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم، والخالق أعظم من المهيمن؛ لأنه لا شريك له في وصفه بالخالقيَّة. وأما في وصفه بالمهيمن؛ له شريك بالمخلوقات؛ لأن معنى المهيمن: هو الشاهد الصادق، والشاهد الصادق كثير من الناس؛ مثل الأنبياء والأولياء وغيرهم، والملائكة كلُّهم صادقون، وعلى هذا فقِسْ أسماءَ الله تعالى؛ فإذا تأمَّلْتَ تعرفْ أنَّ لفظة (الله) أعظم من لفظة (الرب)؛ فإنه لا شريك في تسميته بالله، لا بالإضافة ولا بدون الإضافة، وأما (الرب) فإنه يقال للمخلوقات بالإضافة كما يقال: فلان ربُّ البيت، وربُّ المال. * * * ١٦٣٨ - قال: "دَعْوةُ ذي النُّونِ إذ دَعَا وهُوَ في بطْنِ الحُوتَ: لا إلهَ إلَاّ أنتَ سُبحانَكَ إنِّي كنتُ من الظَّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ إلَاّ استجابَ لهُ". قوله: "دعوة ذي النون": أراد بذي النون: يونس صلوات الله عليه. قوله: "إني كنت من الظالمين"، وقصة هذا: أن الله بعث يونس ﵇ إلى أهل نَيْنَوى من أرض المَوْصِل فدعاهم إلى الإيمان فلم يؤمنوا، فأوحى الله إليه: أن أخبرْهم أن العذاب يأتيهم بعد ثلاثة أيام، فخرج يونسُ مِنْ بينهم، فظهر سحابٌ أسودُ ودَنَا حتى وقف فوق بلدهم وظهر منه دخان، فلما أيقنوا أنه سينزل عليهم العذاب خرجوا مع أزواجهم وأولادهم ودوابهم إلى الصحراء، وفَرَّقوا بين الأولاد والأمهات من الإنسان والدواب، ورفعوا أصواتَهم بالتضرُّع والبكاء، وآمنوا وتابوا عن الكفر والعصيان، وقالوا: يا حي حين

стр. 1217

لا حي! يا حي محيي الموتى! يا حي! لا إله إلا أنت، فأذْهَبَ الله عنهم العذابَ، فدنا يونسُ يومًا من بلدهم بعد ثلاثة أيام ليعْلَمَ كيف حالهم هل بقي منهم أحدٌ أم أُهلكوا جميعًا بالعذاب، فرأى من البعد أن البلد معمور كما كان وأهله أحياء فاستحيا وقال: قد قلت لهم إن العذاب ينزل عليكم بعد ثلاثة أيام، وقد مضى ثلاثة أيام ولم ينزل عليهم العذاب، فذهب ولم يعلم أنه نزل عليهم العذاب ودُفِعَ عنهم، فسار حتى أتى سفينة وركبها، فلما ركبها وقفت السفينةُ، فبالغوا في إجرائها فلم تَجْرِ. فقال الملَاّحون: ها هنا عبد آبق حتى وقفت السفينة - فإن عادة السفينة الوقوف إذا كان فيها عبد آبق - فأقرعوا بين أهل السفينة فخرجت القُرعة على يونس، فقال يونس ﵇: أنا الآبق، فألقى نفسَه في البحر فالتقمه حوتٌ بأمر الله تعالى. وإنما قال: أنا الآبق؛ لأنه خرج من بين قومه بغير أمر الله تعالى، فصار بمنزلة العبد الآبق، فأمر الله تعالى ذلك الحوتَ أن يحفظَه، فلبث في بطنه أربعين يومًا، وسار به إلى النيل، ثم إلى بحر فارس، ثم إلى دِجلة، ودعا يونسُ ﵇ ربَّه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: أنا من الظالمين بخروجي من بين قومي قبل أن تأذَن لي بالخروج من بينهم، فاستجاب الله له، فأمر الحوتَ بإلقائه إلى أرض نَصِيبين، وهو اسمُ بلدٍ من الشام. روى هذا الحديثَ ودعوةَ ذي النون سعدُ بن أبي وقاصٍ ﵁، والله أعلم. * * *

стр. 1218

٤ - باب ثواب التَسبيح والتَحميد والتَهليل (باب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٦٣٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ". وفي روايةٍ: "أَحَبُّ الكلامِ إلى الله أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، لا يَضُرُّكَ بأيهِنَّ بَدَأْتَ". "لا يضرك بأيهن بدأت"؛ يعني: إن بدأت بـ (سبحان الله) جاز، وإن بدأت بـ (الحمد لله) جاز، وكذلك إن بدأت بـ (لا إله إلا الله) أو بـ (الله أكبر) جاز. روى هذا الحديث سَمُرة بن جُنْدُب. * * * ١٦٤٠ - وقال: "لأَنْ أقولَ: سُبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَاّ الله، والله أكبرُ أَحَبُّ إليَّ مما طَلَعَتْ عليهِ الشمسُ". قوله: "مما طلعت عليه الشمس"؛ أي: من الدنيا وما فيها من الأموال. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٤١ - وقال: "مَنْ قالَ: سُبحانَ الله وبحمدِهِ في يومٍ مائةَ مرةٍ حُطَّتْ

стр. 1219

خطاياهُ وإنْ كانتْ مثلَ زَبَدِ البحرِ". قوله: "حطَّت خطاياه": أي: أُسقطت وأُزيلت عنه خطاياه. روى هذا الحديثَ والذي بعده أبو هريرة. * * * ١٦٤٤ - وقال: "أيعْجِزُ أحدُكُم أنْ يَكسِبَ كلَّ يوْمٍ ألفَ حسنةٍ، يُسَبحُ مائةَ تسبيحةٍ، فيُكتَبَ لهُ ألفُ حسَنةٍ، أو يُحَطُّ عنهُ ألفُ خَطيئةٍ". قوله: "يسبح مئة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة"؛ يعني: الحسنة بعشر أمثالها، فإذا سَبَّح مئة مرة يكتب ألف حسنة. "أو يحط عنه ألف خطيئة"؛ يعني: إن شاء الله يَكتب ألفَ حسنة، وإن شاء يَحُطُّ عنه ألفَ خَطيئة، وذلك بمشيئة الله تعالى. روى هذا الحديثَ سعدُ بن أبي وقَّاص. * * * ١٦٤٥ - وسُئلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ الكلامِ أفضلُ؟ قال: "ما اصطَفَى الله لملائكَتِهِ: سبحانَ الله وبحمدِهِ". قوله: "ما اصطفى الله الملائكة"؛ أي: اختار؛ يعني: ما اختار الله من الذِّكر لملائكته وأمرَهم بقوله، والدوامِ عليه، من غاية فضيلته. روى هذا الحديثَ أبو ذر. * * * ١٦٤٦ - وعن جُوَيرية: أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ مِن عندِها بُكْرةً حينَ صلَّى

стр. 1220

الصُّبحَ وهي في مَسجِدِها، ثم رجعَ بعدَ أنْ أَضْحَى وهي جالسةٌ، فقال: "مازلتِ على الحالِ التي فارقتُكِ عليها؟ "، قالت: نعَمْ، قال النبيُّ ﷺ : "لقَدْ قُلتُ بعدَكِ أربعُ كلماتٍ ثلاثَ مرَّاتٍ، لو وُزنَتْ بما قلتِ منذُ اليومِ لَوَزنَتْهُنَّ: سُبحانَ الله وبحمدِهِ عددَ خلقِهِ، ورِضَا نفْسِهِ، وَزنَةَ عرشِهِ، ومِدَادَ كلماتِهِ". قوله: "وعن جُويرية: أن النبي ﵇ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها"؛ يعني: خرج رسول الله ﵇ من عندها إلى المسجد حين أراد أن يصلِّي الصبح. "وهي في مسجدها"؛ أي: في موضع صلاتها، أي: في موضعٍ هَيَّأتْهُ للصلاة. "بعد أن أضحى"؛ أي: بعد أن صلى صلاةَ الضحى. قوله: "بعدك"؛ أي بعد أن خَرَجَتْ مِنْ عندكَ. قوله: "بما قلت هذا اليوم"؛ أي: بجميع ما قلت من الذَّكر في هذا اليوم. قوله: "لوزنتهن"؛ أي: لغلَبت عليهنَّ، ولزادت عليهن. "سبحان الله وبحمده عدد خلقه": (سبحان الله وبحمده)؛ أي: بحمده أحمَدُه وأسبحه. (عدد خلقه): منصوب على المصدر؛ أي: أعُدُّ تسبيحه وتحميده عدد خلقه؛ أي: بعدد كلِّ واحد من مخلوقاته. "ورضا نفسه"؛ أي: أقول التسبيح والتحميد له بقدر ما يرضى، وكما يرضاه، خالصًا مُخْلِصًا له. "وزنة عرشه"؛ أي: أسبحه وأحمده بثقل عرشه وبمقدار عرشه.

стр. 1221

"ومداد كلماته": المداد: مثل المَدَد، وهو الزيادة والكثرة. قال الفَرَّاء: المداد جمع مد - بضم الميم - وهو مكيال يسع رطلًا وثلث رطل. والمراد بكلا الوجهين: المقدار؛ يعني: أسبحه وأحمده بمقدار كلماته، والمراد بكلماته: كتبه وصُحُفه المنزلة على أنبيائه، وكلماته أيضًا: جميع أمره بأن يقول لشيء كُن فيكون، وأمرُه بإيجاد الأشياء لا نهايةَ له. روى هذا الحديثَ ابن عباس عن جُويريةَ زوجةِ النبيَّ ﵇، واسم أبيها: الحارث بن أبي ضرار. * * * ١٦٤٧ - وقال: "مَن قال: لا إلهَ إلَاّ الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولهُ الحَمْدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، في يومِ مائةَ مَرَّةٍ؛ كانَتْ لهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَتْ لهُ مائةُ حَسَنةٍ، ومُحِيَتْ عنهُ مائةُ سَيِّئةٍ، وكانَ لهُ حِرزًا مِنَ الشيْطانِ يومَهُ ذلكَ حتى يُمسيَ، ولَمْ يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا رجلٌ عملَ أكثرَ منه". قوله: "عدل عشر رقاب"، (العَدْل): المِثْل؛ أي: له من الثواب مِثْلُ عِتقِ عشر رقاب. قوله: "ومُحيت"؛ أي: أُزيلت. "كانت له حِرزًا من الشيطان"؛ أي: كانت هذه الكلمة أو هذه التهليلة حِرزًا؛ أي: حفظًا أو مَنَعًا من الشيطان. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * *

стр. 1222

١٦٤٨ - وقال: "لا حول ولا قوةَ إلَاّ بالله العَليِّ العظيم كَنْزٌ من كُنوزِ الجنَّةِ". قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة". (الحول) قيل: الحِيلة، وقيل: الحركة؛ يعني: لا حركةَ ولا استطاعة إلا بتوفيق الله، وقيل: لا دفعَ للمكروهات ولا إعطاءَ للعطيَّات إلا بتوفيق الله ودفعِه وإعطائه. وإنما قال: (كنز من كنوز الجنة)؛ لأن الكنز المال الذي يحفظه الرجلُ لوقتٍ يَحتاج إليه، وقولُه هذه الكلمات خير الكنوز؛ لأنها تحصل الجنةُ لقائلها، ولا شك أن الجنة خيرُ الكنوز. روى هذا الحديثَ أبو ذر. * * * مِنَ الحِسَان: ١٦٤٩ - قال: "مَن قالَ: سُبحانَ الله العَظيم وبحمدِهِ؛ غُرِسَت لهُ نخلةٌ في الجنَّةِ". قوله: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده"؛ يعني "غرست له نخلة في الجنة" بكل مرَّة قالها، وإنما خَصَّ النخل من الأشجار؛ لأنها أنفعُ الأشجار وأطيبُها. روى هذا الحديثَ جابر. * * * ١٦٥٠ - وقال: "ما مِن صباحٍ يُصْبحُ العِبادُ إلَاّ منادٍ يُنادي: سَبحُوا

стр. 1223

الملِكَ القُدُّوس". قوله: "سبحوا الملك القدوس"؛ أي قولوا: سبحانَ الملك القدُّوس، أو قولوا: سبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكة والرُّوح. (القدوس): الطَّاهر عن أوصاف المخلوقات. روى هذا الحديثَ الزبيرُ بن العوَّام. * * * ١٦٥١ - وقال: "أفضلُ الذِّكر: لا إلهَ إلَّا الله، وأفْضَل الدُّعاءِ: الحَمْدُ لله". قوله: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"، وإنما كان (لا إله إلا الله) أفضل الذكر؛ لأن في هذه الكلمة إثباتُ الأُلوهية لله ونفيُها عن غيره، وليس هذا المعنى في ذِكرٍ سوى (لا إله إلا الله)، ولا يصح الإيمان إلا بهذا اللفظ أو ما يؤدِّي معناه. وإنما سمى قول (الحمد لله) أفضل الدعاء؛ لأن الدعاء عبارة عن أن يذكر العبدُ ربَّه ويطلبَ منه شيئًا، وكلا المعنيين موجودٌ في قول الرجل: (الحمد لله)، فإنَّ من قال: (الحمد لله) فقد دعا الله وطلب منه الزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. روى هذا الحديثَ جابر. * * * ١٦٥٢ - وقال: "الحَمْدُ للهِ رأْسُ الشُّكرِ، ما شَكَرَ الله عبدٌ لا يَحْمَدُهُ". قوله: "الحمد لله رأس الشكر، ما شكر الله عبدٌ لا يحمَدُه".

стр. 1224

(الحمد): الثناء على الله بصفاته وبإنعامه على العباد؛ كقول الرجل: الحمد لله على علمه وقدرته وفضله وإنعامه عليَّ، والشكر لا يكون إلَاّ في الإنعام، فلا يقال: شكرتُ الله على علمه وقدرته، بل يقال: شكرت الله على فضله وإنعامه عليَّ. وإذا كان الحمدُ أعمَّ، فلا بد أن يكون أفضلَ من الشكر. وقيل: (الحمد): الرضا بقضاء الله وقدره. و (الشكر) ثلاثة: الشكر بالقلب: وهو أن يعتقد الرجل أن النعمة من الله. وشكر باللسان: وهو أن يتحدث بما أنعم الله عليه لا على سبيل التفاخر؛ مثل أن يقول: قد أعطاني الله كذا من المال والولد والعلم والشُّهرة، وله الحمد على ما أنعم عليَّ. وشكر بالعمل: وهو أن يؤدَّي الزكاة، ويُحسن إلى الناس، ويعلِّم الناس العلم إن كان عالمًا، أو يُعين الناس إن كان صاحبَ قدرة ومنصب، ويستعمل أعضاءه على وجه يرضاه الله. روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عَمرو. * * * ١٦٥٣ - وقال: "أوَّلُ مَن يُدعَى إلى الجنَّةِ يومَ القيامةِ: الذينَ يحمَدُونَ الله في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ". قوله: "أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله في السراء والضراء". (السراء): الغنى، و (الضراء): الفقر، وقيل: السراء: الراحة والفرح، والضراء: المشقة والغَم.

стр. 1225

يعني: أول من يدعى إلى الجنة الذين يرضون عن الله بما أجرى عليهم من الحُكْم غنى كان أو فقرًا، مشقة كانت أو راحة، هذا هو الكمال في العبودية. روى هذا الحديثَ ابن عباس. * * * ١٦٥٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "وقال مُوسَى: يا ربِّ، علِّمني شيئًا أَذْكُرُكَ بهِ، قال قُل: لا إلهَ إلَاّ الله، لو أنَّ السَّماواتِ السَّبع وعامِرَهُنَّ غيرِي، والأَرَضيْنَ السَّبعَ وُضعْنَ في كِفَّةٍ، ولا إلهَ إلَاّ الله في كِفةٍ لَمَالَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَاّ الله". قوله: "وعامرهن غيري"، أراد بالعامر: الساكن. وعامر المكان: مَنْ عمل عمارة وصلاح ذلك المكان؛ إما بالسكون فيه، أو بإصلاحه؛ يعني: لو أن جميع السماوات ومَنْ فيهن مما سوى ذكر الله، وكذلك الأراضي ومن فيهن مما سوى ذكر الله وُضعْن في إحدى رأس الميزان، ووضعت كلمة لا إله إلا الله في الرأس الآخر "لمالت"؛ أي؛ لرَجَحت (لا إله إلا الله). قوله: "غيري": هذا مشكل على تأويل العامر بالساكن؛ فإن الله ليس بساكن السماوات والأرض، بل لا مكان له أصلاً، وطريق دفع هذا الإشكال بأن يقول: معنى العامر: المصلح، فإن الله تعالى مصلح السماوات والأرض ومَنْ فيهن، والملائكة في السماوات هم مصلحو السماوات بسكونهم فيهنَّ، وأهل الأرض مصلحو الأرض، فإذا كان أهل السماوات والأرض مصلحي السماوات والأرض بهذا التأويل، صحَّ قولُه: (وعامرهنَّ غيري). ويحتمل أن يكون تأويله: وما فيهن غير كلامي وذكري، فحذف المضاف وهو الكلام والذكر.

стр. 1226

روى هذا الحديثَ أبو سعيد. * * * ١٦٥٥ - وعن أبي سَعيد الخُدْري، وأبي هُريرة ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قَالَ: لا إلهَ إلَاّ الله والله أكبرُ؛ صَدَّقَهُ ربُّه، قالَ: لا إلهَ إلَاّ أنا، وأنا أكَبَرُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَاّ الله وحدَهُ لا شريكَ له، يقولُ الله: لا إلهَ إلَاّ أَنا وحدِي لا شَريكَ لي، وإذا قالَ: لا إلهَ إلا الله لهُ الملكُ وله الحمدُ، قال: لا إلهَ إلَاّ أنا، ليَ الملكُ، وليَ الحمدُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَاّ الله، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله، قالَ: لا إلهَ إلا أنا، لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَاّ بيَ"، وكانَ يقولُ: "مَن قالَها في مرَضهِ، ثم ماتَ لم تَطْعَمْهُ النارُ". قوله: "وكان يقول"؛ أي: وكان رسول الله ﵇ يقول: "من قالها"؛ أي: من قال هذه الكلمة. * * * ١٦٥٦ - وعن سَعْد بن أبي وقَّاص ﵁: أنه دخلَ معَ النبيِّ ﷺ على امرأةٍ وبينَ يَدَيْهَا نَوًى، أو حَصًى تُسَبحُ به، فقالَ: "ألا أخبرُكِ بما هوَ أَيْسَرُ عليكِ مِن هذا وأفْضَل؟، سُبحانَ الله عدَدَ ما خلقَ في السَّماءِ وسبحانَ الله عددَ ما خلقَ في الأَرضِ، وسبحانَ الله عددَ ما بينَ ذلكَ، وسبحانَ الله عددَ ما هوَ خالِقٌ، والله أكبرُ مثْلَ ذلكَ، والحَمْدُ للهِ مثلَ ذلكَ، ولا إله إلَاّ الله مثلَ ذلكَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله مثلَ ذلكَ"، غريب. قوله: "وبين يديها نوى أو حصا تسبح به". (النوى): جمع نواة، وهي: عظمة التمر.

стр. 1227

و (الحصا): جمع حَصَاة، وهي: الحجرة الصغيرة. (تسبح به)؛ أي: تقول: سبحان الله، أو ذكرًا آخر بعدد كلِّ نَواة أو حَصَاة مرةً. قوله: "أو أفضل" شك الراوي أن رسول الله ﵇ قال: "أيسر عليك، أو قال: أفضل". قوله: "سبحان الله عدد ما خلق في السماء"؛ يعني: إذا قال هذه الألفاظ فكأنه قال: سبحان الله بعدد كل نفس، أو كل شيء في السماوات والأرض من المخلوقات مرة، فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى عَدِّ التسبيح بالنَّوى والحصا. * * * ١٦٥٧ - وقال: "مَن سَبَّحَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي كانَ كَمَنْ حَجَّ مائةَ حَجَّةٍ، ومَنْ حَمِدَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائة بالعَشِيِّ كانَ كَمَنْ حمَلَ على مائةِ فرَسٍ في سَبيلِ الله، ومَنْ هَلَّلَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي كانَ كَمَنْ أعتقَ مائةَ رقبةٍ مِن وَلَدِ إسماعيلَ، ومَن كبَّرَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي لم يأْتِ في ذلكَ اليومِ أحدٌ بأكْثرَ ممَّا أتَى به إلَاّ مَن قالَ مثلَ ذلكَ، أو زادَ على ما قالَ"، غريب. قوله: "ومن هلل الله"؛ أي: من قال لا إله إلا الله. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمر ﵄. * * * ١٦٥٨ - وقال: "التَّسبيحُ نِصْفُ الميزانِ، والحَمْدُ للهِ يَمْلَؤُهُ، ولا إلهَ إلَاّ الله ليسَ لها حجابٌ دونَ الله حتَّى تَخْلُصَ إليهِ"، غريب.

стр. 1228

قوله: "سبحان الله نصف الميزان"؛ يعني: ثواب قول الرجل: (سبحان الله) يملأ إحدى كِفَّتي الميزان، و (الحمد لله) يملأ الكِفة الأخرى. قوله: "حتى تخلص"؛ أي: حتى تصل. روى هذا الحديثَ عبد الله بن عمرو. * * * ١٦٥٩ - وقال: "ما قال عَبْدٌ: لا إلهَ إلَاّ الله مُخلِصًا قطُّ إلَاّ فُتِحَتْ له أبوابُ السَّماءَ حتَّى تُفضيَ إلى العَرشِ ما اجتَنَب الكَبَائرِ"، غريب. قوله: "حتى يفضي إلى العرش"؛ أي: حتى يصل إلى العرش، والحديث المتقدم يدل على أنه يجاوز من العرش حتى يصل إلى الله تعالى، والمراد بهذا وأمثاله: سرعة القبول وكثرة الثواب. قوله: "ما اجتنب الكبائر": قيَّدَ سرعة القَبول وكمال الثواب باجتناب الكبائر لأجل الثواب، فإن الثواب يحصل للقائل سواء اجتنب الكبائر أو لم يجتنب، ولكن ثواب من يجتنب الكبائر أكمل ممن لم يجتنب، فإن السيئة لا تُحْبط الحسنة، بل تحبط الحسنةُ السيئةَ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. روى هذا الحديثَ أبو هريرة. * * * ١٦٦٠ - وقال: "لَقِيْتُ إبراهيمَ صلوات الله عليهما ليلةَ أُسريَ بي، فقال: يا محمدُ، أَقرِئْ أُمَّتَكَ مني السَّلامَ، وأَخبرْهم: أنَّ الجنَّةَ طَيبةُ التُّربةِ، عَذْبةُ الماءِ، وأنَّها قِيْعانٌ، وأنَّ غِراسَها: سُبحانَ الله، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَاّ الله، والله أكبرُ"، غريب.

стр. 1229

قوله: "ليلة أسري بي"؛ أي: ليلة المعراج. "أقرأ أمتك مني السلام"؛ أي: أوصل. "طيبة التربة": التراب؛ أي: ترابها طيب. "عذبة الماء"؛ أي: ماؤها حُلْو طيب. "وأنها قيعان"، (القيعان): جمع القاع، وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر؛ يعني: الجنة طيبة ينبغي لكل أحد أن يرغَب فيها، وأشجارها وقصورها وجميع نعيمها يحصل بالعمل الصالح، فمن كان عمله الصالح أكثر يكون ملكه أكثر، ونعيمه في الجنة أكثر. روى هذا الحديثَ ابن مسعود. * * * ١٦٦١ - عن يُسَيْرةَ - كَانت مِنَ المُهاجِرَاتِ - قالت: قالَ لنا رسولُ الله ﷺ : "عليكنَّ بالتسبيح، والتَّهليل، والتقديسِ، واعْقِدْنَ بالأَنامِلِ، فإنَّهُنَّ مَسْؤُولاتٍ مُستَنْطَقَاتٌ، ولا تَغْفُلْنَ، فتُنْسَينَ الرَّحمَة". قوله: "عليكن" هذه كلمة التحريض والإغراء؛ يعني: الْزَمْنَ. "التسبيح والتهليل والتقديس". (التقديس): قول الرجل: سبُّوح قدوس رب الملائكة والروح. وليس المراد تحريضهن على هذه الألفاظ الثلاثة فقط، بل المراد منه جنس الذَّكر أيَّ لفظٍ كانَ. قوله: "واعقدن بالأنامل"؛ يعني: اعدُدن عددَ مرات التسبيح بأصابعكنَّ. "فإنهن مسؤولات"؛ أي: فإن الأصابع بل جميع الأعضاء المكتسبة يُسأل عنها يوم القيامة بأي شيء استُعملت، وهذا تحريض على استعمال الرجل

стр. 1230

أعضاءه في الخيرات وحفظِها عن السيئات. قوله: "مستنطقات"؛ أي: يخلق الله في الأعضاء النطق حتى تشهد بما عملت؛ كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]، والمراد بالجلود هنا: الفُروج، وقال في آية أخرى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. قوله: "ولا تغفلن فتنسين الرحمة"؛ يعني: ولا تتركن الذَّكر، فإنَّكنَّ إنْ تركتنَّ الذكر حرمتنَّ ثوابَ الذكر، فإن الله تعالى قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. * * * ٥ - باب الاستِغفار والتَّوبة (باب الاستغفار والتوبة) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٦٦٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "والله إِنِّي لأَستغفِرُ الله وأتوبُ إليهِ في اليومِ أكثرَ من سَبْعينَ مرَّةً". قوله ﵇: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار، فإنه ﵇ مع كونه معصومًا، وكونه خيرَ المخلوقات يستغفر ويتوب إلى ربه في كل يوم أكثرَ من سبعين مرة، فكيف بالمذنبين؟ واستغفاره ﵇ ليس من الذَّنْب، بل من اعتقاده أن نفسه قاصرةٌ
следующие страницы →