← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الله تعالى فيهم هذه الآية؛ يعني: قلتم كلمة الشهادة ولم توافق قلوبُكم ألسنتَكم، فقد بيَّن أن الإيمان تصديقُ القلب ولم يكن لهم هذا، وبيَّن أن الإسلام الإقرارُ باللسان بكلمتي الشهادة. والمختار هذا القول، كما أجاب رسول الله ﵇ جبريلَ ﵇ في أول هذا الباب، فذكر أن الإيمان تصديقُ القلب واعترافهُ بالإيمان بالله تعالى وملائكتِه ... إلى آخر الكلمات، وذكر أن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة ... إلى آخر الكلمات، وقد مر بحثُ الإيمان والإسلام في ذلك الحديث على الاستقصاء. قوله: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله تعالى" يعني: المجاهد ليس مَن قاتل الكفار فقط، بل المجاهدُ مَن حارب نفسه وحملها وأكرهها على طاعة الله تعالى؛ لأن نفس الرجل أشدُّ عداوةً معه من الكفار؛ لأن الكفار أعداؤه ونفسَه عدوُّه، ولكن الكفار أبعد منه ولا يتفق تلاحُقُهم وتَقَابلهم به إلا حينًا بعد حين، وأما نفسُه أبدًا تلازمه وتقاتله وتمنعُه عن الخير والطاعة، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلازم الرجل أهمُّ من القتال مع العدوِّ الذي هو بعيدٌ منه، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، و (يلونكم): أصله: يليونكم: من (ولي) نُقلت ضمة الياء إلى اللام وحذفت الياء لسكونها وسكون واو الجمع، ومعنى (يلونكم): يقربونكم؛ يعني: ابدؤوا بقتالِ مَن كان بلده أقربَ منكم من الكفار، فإذا فرغتم من الأقرب فقاتلوا الأبعد. و (فضالة) بفتح الفاء: اسم جد نافذ بن قيس بن صهيب، وكنيةُ فضالة: أبو محمد، وهو الأنصاري. * * *

стр. 177

٣٢ - وعن أنس ﵁ قال: قلَّما خَطَبنا رسولُ الله ﷺ إلَاّ قال: "لا إيمانَ لمنْ لا أَمانةَ له، ولا دينَ لمنْ لا عَهْدَ لهُ". قوله: "قلما"، (ما) في (قلما) مصدرية؛ أي: قلَّ خطبةُ رسول الله ﷺ إيانا، ومعنى الخطبة: الوعظ والتذكير. قوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له"؛ أي: لا إيمان كاملًا لمَن لم يكن له أمانةٌ؛ يعني: من كان في نفسه خيانةٌ يخون في مال أحدٍ أو نفسه أو أهله إيمانهُ ناقص، وكذلك السارق والغاصب وأصحاب المعاصي. كذلك تأويل: "لا دين لمن لا عهد له" أي: لا دينَ كاملَ لمَن لا عهد له؛ يعني: مَن جرى بينه وبين أحدٍ عهدٌ وميثاقٌ، ثم غدر ونقض العهد من غير عذر شرعيٍّ، فدينه ناقص، فإن كان له عذرٌ شرعيٌّ في نقض العهد، مثل أن عهد الإمام مع أهل الحرب من الكفار، ثم رأى المصلحة في نقض العهد، جاز أن ينقض العهد. وأنس بن مالك جدُّه: النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام. * * * ٢ - باب الكبائر وعلامات النِّفاق (باب الكبائر وعلامات النفاق) الكبائر: جمع كبيرة، وهي السيئة العظيمة التي إثمها كبير وعقوبة فاعلها عظيمةٌ بالنسبة إلى ذنبٍ ليس بكبيرة، ويأتي بحثُ الكبائر في أثناء هذا الباب إن شاء الله تعالى.

стр. 178

٣٣ - قال عبد الله بن مَسْعود ﵁: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! أيُّ الذنبِ أكبرُ عند الله؟ قال: "أنْ تدعُوَ لله ندًّا وهو خلَقكَ"، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: "ثم أنْ تقتُلَ ولدكَ خشيةَ أنْ يَطعمَ معكَ"، قال: ثم أيٌّ؟ قال: "ثم أنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ"، فأنْزلَ الله تَصْدِيقَها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية. قوله: "أي الذنب أكبر؟ "، (الذنب): الفعل الذي يستحق فاعلهُ المَلامةَ والتعذيب، ويطلق على الكفر وعلى غير الكفر من المعاصي؛ لأن فاعل الكفر والعصيان يستحقُّ التعذيب، و (أي) في (أي الذنب أكبر) للاستفهام. قوله ﵇: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك"، (الند): المِثْل، والواو في (وهو خلقك) للحال؛ يعني: أكبر الذنب الشركُ بالله، وهو أن تعدل لله شريكًا وتعبد أحدًا غير الله مع علمك بأنه لم يخلقك أحدٌ غير الله ولم يقدر أحد على أن يخلق شيئًا، ولم يرزقك ولم يدفع عنك المرض والسوء والفقر والجوع والعطش غير الله، ولم يعطك الأعضاء الصحيحة والمال والقوة وغير ذلك من أنواع النعم غير الله، بل لله الإنعامُ عليك ما لا تقدر على عدِّه من النعم، وليس لصنمٍ ووثنٍ نعمةٌ، فلا شك أن عبادة أحدٍ مع الله تعالى - مع أنه لا يستحقُّ الألوهية - وعبادةَ غيرِ الله كفرٌ، والكفر أكبر الذنوب؛ لأنه لا يخلِّص صاحبه من النار أبدًا، وصاحبُ المعاصي غيرِ الكفر يخلص من النار وإن طال مكثه في النار. قوله: "ثم أيٌّ": التنوين في (أي) عوضٌ عن المضاف إليه، وأصله: ثم أيُّ شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر؟ فقال رسول الله ﵇: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" يعني: لا خلاف في أن أكبر الذنوب بعد الكفر قتلُ نفسٍ مسلمةٍ بغير الحق.

стр. 179

قوله: خشية أن يطعم معك؛ يعني: قتلُ الولد أكبرُ من سائر الذنوب، وقتلُه من خوف أن يطعم طعامك أيضًا ذنبٌ؛ لأنك لا ترى الرزق من الله تعالى؛ لأنك لو رأيت أن الرازق هو الله يرزق كلَّ واحد، لم تقتل ولدك. "ثم أي"؛ أي: قال الرجل: ثم أيُّ الذنب أكبر بعد القتل؟ قال رسول الله ﵇: "أن تزاني حليلة جارك". (الحليلة): المرأة، يعني: الزنا ذنبٌ كبيرٌ وخاصةً مع مَن سكن جوارك والتجأ بأمانتك وثبت بينك وبينه حق الجوار، وقد قال رسول الله ﵇ في حديث آخر: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه" فالزنا بزوجة جاره يكون زنًا، وإبطالُ حق الجوار والخيانةُ معه يكون أقبحَ، وإذا كان الذنب أقبحَ يكون الإثم أعظم. قوله: "فأنزل الله تصديقها" - الضمير راجع إلى هذه المسألة، أو الأحكام، أو الواقعة وما أشبه ذلك، (التصديق): جعلُ أحدٍ صادقًا، أو جعلُ حديثٍ صادقًا - قولَه تعالى: " ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ": الواو في (والذين) للعطف على قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ومعنى (لا يدعون): لا يعبدون إلهًا غير الله، وهذه الآية نزلت عند سؤال هذا الرجل رسولَ الله ﵇ عن هذا الحديث. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ تصديقُ قول رسول الله ﵇ في جواب الرجل: (أن تدعو لله ندًا)، قوله: " ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ "، (النفس التي حرم الله): نفس المسلم والذمي والمعاهد، وقوله: (إلا بالحق) يعني: إلا أن يأذن الله في قتله، ومَن أذن الله في قتلهم أربعة: أحدهم: غير الذمي والمعاهد من الكفار.

стр. 180

والثاني: الزاني المحصن. والثالث: مَن قتل مَن يَحْرمُ قتله، فيجب عليه القصاص. والرابع: قطاع الطريق، فيطلبهم الإمام ويحاربهم، فإن لم يقدر على أخذهم وإبعادهم إلا بالقتل فيقتلهم، جاز وإن لم يقتلوا أحدًا ولم يأخذوا المال، أما إذا أخذهم فانظر فإن كانوا أخذوا المال ولم يقتلوا أحدًا قُطعتْ من كلِّ واحدٍ اليد اليمنى والرجلُ اليسرى، وإن أخذوا المال وقتلوا أحدًا قُتلوا وصُلِّبوا، وإن قتلوا أحدًا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يصلَّبوا، وإن لم يأخذوا المال ولم يقتلوا أحدًا عزِّروا، وكذلك مَن قصد أحدًا أن يأخذ ماله أو ليقتله أو ليمد اليد على زوجته وعوراته، جاز له أن يدفعه وليبدأ في الدفع بالأسهل، فإن لم يُدفع إلا بالقتل فقتله لا شيء عليه. قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾: تصديقٌ لقوله ﵇: "أن تقتل ولدك". قوله: " ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ " هذا تصديقُ قوله ﵇: "أن تزاني". قوله "الآية" هذا قول المصنف، وتمام الآية: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، (ذلك) إشارةٌ إلى ما تقدم من الكفر والقتل والزنا، (يلق أثامًا) أصله: يَلْقىَ، فسقطت الياء للجزم لأنه جواب الشرط، و (الأثام) بفتح الهمزة: جزاء (الإثم) بكسر الهمزة؛ يعني: من يفعل هذه الذنوب يرى جزاءها يوم القيامة. وقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ أي: يزاد له العذاب على عذاب الدنيا، أو على عذابِ ذنبِ غيرِ هذه الذنوب أكبر. وذكر في أكثر التفاسير أن معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ أي: لا ينقطع عنهم العذاب لحظة.

стр. 181

وقوله: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ الخلود في حق الكافر متحقِّقٌ، وأما في حق المسلم لا يتحقق خلوده في النار لسبب الذنوب، بل معنى الخلود في حقه: اللبثُ الطويل، وقوله: (فيه) الضمير راجع إلى (العذاب). وقوله: ﴿مُهَانًا﴾ منصوب على الحال، والمهان: الذليل. وكنية عبد الله بن مسعود ﵁: أبو عبد الرحمن، واسم جده: عاقل بن حبيب، وقيل: الحارث بن شمخ. * * * ٣٤ - وقال رسول الله ﷺ : "الكبائرُ: الإِشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدَيْنِ، وقتْلُ النَّفْسِ، واليمينُ الغَمُوسُ"، رواه عبد الله بن عمرو ﵁. وفي رواية أنَسٍ: "وشَهادةُ الزُّورِ" بدل: "اليَمينُ الغَمُوسُ". قوله: "الكبائر: الإشراك بالله"، و (الإشراك): جعلُ أحدٍ شريكًا بأحد، والمراد ها هنا: اتخاذ إلهٍ غيرِ الله. "العقوق": مخالفة مَن حقُّه واجبٌ، "الوالدين": الأب والأم، و"عقوق الوالدين": عصيان أمرهما وتركُ خدمتهما، فكلُّ أمرٍ يأمر به الأب أو الأم الولدَ واجبٌ على الولد الإتيانُ بذلك الأمر إن لم يكن فيه إثمٌ، مثل أن يأمر الأب أو الأم الولد بالسرقة أو قتلِ أحدٍ أو شتمه وما أشبه ذلك، فلا يجوز الإتيان بهذا الأمر؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ويجب على الولد خدمةُ الوالدين بقَدْر ما يُطيق، ويجب عليه نفقتهما وكسوتهما إن كانا فقيرين، إن كان يقدر على نفقتهما وكسوتهما. "واليمين الغموس": هو أن يحلف الرجل على الماضي متعمِّدًا بالكذب، بان يقول: والله ما فعلت كذا، وهو يعلم أنه فعله، أو يقول: والله فعلت كذا وهو يعلم أنه ما فعله.

стр. 182

وقيل: (اليمين الغموس): أن يحلف الرجل كاذبًا ليذهب بمال أحدٍ يدَّعي عليه صاحبه. والكفارة واجبةٌ على حالفها عند الشافعي، وفي رواية عن أحمد بن حنبل، ولا كفارة عليه عند أبي حنيفة ومالكٍ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وسمَّى هذا اليمين غموسًا؛ لأنه يغمس صاحبه في النار، أو في الكفارة، أو في الإثم، ومعنى (يغمس): يُدْخل. فإن قيل: قوله ﵇: "الكبائر: الإشراك" يدل على أن الكبائر منحصرةٌ في هذه الأربعة؛ لأنَّ الألف واللام للاستغراق في هذا الكلام، وجاءت الكبائر أكثر من هذه في الحديث؟ قلت: بيان الكبائر كبيان سائر أحكام الشرع، وبيانُ أحكام الشرع لم تكن مذكورةً في حديثٍ ولا آيةٍ واحدة من القرآن، بل جاءت متفرقةً كي لا يَثقُلَ على الناس حفظُها والعملُ بها، فكذلك الذنوب والمحرَّمات، وقد جاء بيانُها من رسول الله ﵇ أو من القرآن متعاقبًا متفرِّقًا على حسب السؤال والحاجة. وأما الألف واللام لا يلزم أن يكون لاستغراق الجنس، وقد جاء لمعانٍ كثيرة. واختلف في الكبائر في أنه: كم عددها؟ روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: كلُّ ذنبٍ يأتي بعده في جزائه لعنةٌ أو غضب أو عذاب أو نارٌ فهي كبيرةٌ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣]، (يرمون)؛ أي: يقذفون المحصنات العفائف الغافلات عمَّا قُذفن به من الزنا، والقذفُ كبيرةٌ؛ لأنه ذكر في جزائه اللعنة، وكذلك كلُّ ذنبٍ يأتي بعده تهديد. وقيل: الكبائر سبعٌ، وهي المذكورة في الحديث الذي يأتي بعد هذا.

стр. 183

وقال ابن عباس ﵄: لأَنْ تكون الكبائر سبع مئةٍ أقربُ من أن تكون سبعةً، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإصرار. وقال بعض الفقهاء: الكبائر ثمانية عشر ذنبًا هي: الشرك، والقتل المحرَّم، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور، والسَّحر، وأكلُ مال اليتيم، وأكل الربا، وقذفُ المحصنات، والفرارُ من الزحف؛ أي: من الكفار، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، والمقامرة - يعني اللعب بالنرد وما أشبه ذلك من أنواع القمار -، وقطع الرَّحِم، والأمن من عذاب الله تعالى، واليأس من رحمة الله تعالى، وإيذاء المسلمين بأخذ أموالهم، والشتم، والغيبة، وغير ذلك، واختلف في الكبائر اختلافٌ كثير يطول ذكره. وقوله في هذا الحديث: في رواية أنس ﵁: "وشهادة الزور" بدلَ "اليمين الغموس" - وهو نصبٌ على الظرف - يعني: روى أنس هذا الحديث كما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، إلا أن حديث عبد الله: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس"، وحديثَ أنس: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور". * * * ٣٥ - وقال: "اجتنِبُوا السَّبْعَ المُوبقات: الشِّركُ بالله، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ التي حَرَّمَ الله إلَاّ بالحقّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتَّولِّي يومَ الزَّحفِ، وقذْفُ المُحصناتِ المُؤمناتِ الغافِلاتِ"، رواه أبو هريرة. قوله: "اجتنبوا"؛ أي: احترزوا وابعُدوا عن فعل ذنوبٍ سبعة؛ لأنها مهلكةٌ لفاعلها ومدخلةٌ له النار. و"الموبقات": جمع موبقة وهي المهلكة، من (أوبق): إذا أهلك، و (وبق)

стр. 184

بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر و (بوقًا): إذا هلك. قوله: "والتولي يوم الزحف"، (التولي): الإعراض عن الحرب والفرار منه. (الزحف): الجيش الذين يزحفون إلى العدو؛ أي: يمشون. يعني: الفرارُ من الكفار إذا كان بإزاء كلِّ مسلمٍ كافران من الكبائر، وإن كان بإزاء كلِّ مسلمٍ أكثر من كافرين يجوز الفرار. قوله: "قذف المحصنات الغافلات المؤمنات"، (القذف): نسبة أحد إلى الزنا، (المحصنات): جمع محصَنةٍ، و (المحصنة) بفتح الصاد وكسرها كلاهما جائز، وكلاهما من (أَحْصَنَ): إذا حفظ، فالمحصَنة - بفتح الصاد - مفعولة؛ أي: التي أحصنها الله تعالى؛ أي: حفظها الله من الزنا، والمحصِنة: - بكسر الصاد - اسم فاعِلة؛ أي: التي أَحصَنت - أي: حفظت - فرجها من الزنا. أراد بـ (الغافلات): اللاتي يغفلن ويبعدن عما قُذفن به من الزنا. قوله: "المؤمنات": احترازٌ عن قذف الكافرات، فإن قذف الكافرات ليس من الكبائر، فإن كانت الكافرة ذميةً فلا يجوز قذفها، ولكن يكون قذفها من الصغائر؛ لأنه ليس موجبًا للحدِّ. يعني: قذف البريات من الزنا من الكبائر. والفرق بين الحرة والأمة ثابت في الحد، فإن الواجب في قذف الحرة المسلمة الحدُّ، وهو ثمانون جلدةً إن كان القاذف حرًا أو حرةً، وأربعون إن كان القاذف عبدًا أو أمةً، وفي قذف الأمة المسلمة التعزيرُ دون الحد، والتعزير يتعلق باجتهاد الإمام ولا يبلغ عشرين جلدةً. وإذا كان المقذوف رجلًا يكون القذف أيضًا من الكبائر ويجب الحد أيضًا.

стр. 185

والفرق بين الحر والعبد كالفرق بين الحرة والأمة. * * * ٣٦ - وقال: "لا يَزني الزَّاني حينَ يَزني وهو مُؤمنٌ، ولا يَشْربُ الخَمرَ حينَ يشربُ وهو مؤمنٌ، ولا يَسرِقُ حينَ يَسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا ينتهبُ نُهبةً يَرفعُ الناسُ إليهِ فيها أبصارَهم حينَ يَنتهبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَغُلُّ أحدُكُمْ حينَ يَغُلُّ وهو مؤمنٌ، فإياكُمْ وإياكُمْ"، رواه أبو هريرة ﵁. قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" هذا وأشباهه لنفي الكمال؛ أي: لا يكون كاملًا في الإيمان حالةَ كونه زانيًا، والواو في (وهو مؤمن) للحال. ويحتمل أن يكون اللفظ لفظَ الخبر ومعناه النهي، وقد اختار هذا التأويلَ - أعني التأويل الذي يكون بمعنى النهي - بعضُ العلماء، والتأويل الأول أولى؛ لأنَّا لو قلنا: إن معناه النهي، يبقى قوله: (حين يزني) بلا فائدةٍ، وكذلك قوله: (وهو مؤمن) يبقى على هذا التأويل بلا فائدة؛ لأن الزنا منهيٌّ عنه في جميع الأديان وليس مختصًا بالمؤمنين. قوله: "ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن". انتَهَب ونَهَب - بفتح العين في الماضي والغابر - نَهْبًا: إذا غار على أحد وأخذ ماله قهرًا. (النَّهبة) بفتح النون: المصدر، نحو: خربة، و (النُّهبة) بضم النون: المال الذي انتهبه الجيش. (يرفع الناس إليه)؛ أي: إلى الرجل الذي ينتهب، (فيها)؛ أي: في تلك النهبة، (أبصارهم) مفعول (يرفع الناس).

стр. 186

يعني: أخذُ الرجل مال قومٍ قهرًا وظلمًا وهم ينظرون إليه ويتضرعون ويبكون ولا يقدرون على دفعه فهذا ظلمٌ عظيمٌ لا يليق بحال المؤمن، وتأويل قوله: (وهو مؤمن) أي: وهو مؤمنٌ كاملٌ، وقد ذكرناه "غل" - بفتح العين في الماضي وضمِّها في الغابر - غلولًا: إذا سرق شيئًا من الغنيمة أو خان في أمانة. (إياك): كلمة التحذير، إياك وأن تفعل كذا؛ أي: أحذِّرك وأنهاك أن تفعل كذا، ومفعول قوله: (فإياكم) محذوف؛ أي: فإياكم فعلَ هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث؛ يعني: أحذركم وأنهاكم عن فعل هذه الأشياء. قوله: "وإياكم" تكرار للتأكيد والمبالغة في التحذير والتخويف. * * * ٣٧ - وفي رواية ابن عبَّاس ﵄: "ولا يقتُلُ حينَ يقتُلُ وهو مؤمنٌ". وفي رواية ابن عباس: "ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن" يعني: يروي هذا الحديثَ ابن عباس كما يرويه أبو هريرة، إلا أن ابن عباس يزيد قوله: (ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن) يعني: ولا يقتل أحدٌ أحدًا ظلمًا حين يقتل وهو مؤمن. * * * ٣٨ - وقال: "آيةُ المُنافق ثلاثٌ وإنْ صامَ وصلَّى وزعمَ أنَّهُ مسلمٌ: إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ"، رواه أبو هريرة ﵁. قوله: "آية المنافق ثلاث"، (الآية): العلامة، (المنافق): الذي يُظهر الإسلام ويخفي الكفر. ومَن أظهر الأعمال الصالحة بين الناس ويفعل في الخلوة الأفعال القبيحة، أو

стр. 187

يُظهر محبةً باللسان ويكون في قلبه في الخلوة على خلاف محبته، سمي ذلك الشخص منافقًا وكان مسلمًا، ولكن الفرق بين هذا المنافق وبين الذي تقدم ذكره ظاهرٌ؛ لأن هذا المنافق مذنبٌ عاصٍ وذلك المنافق كافرٌ. والواو في "وإن صام" للمبالغة. "زعم": أي: ادَّعى؛ يعني مَن به هذه الخصال الثلاث فهو منافق وإن كان يصوم ويصلي ويدعي "أنه مسلم"، فإن كانت هذه الخصال في منافق يُظهر الإسلام ويعتقد الكفر فهو منافقٌ خالص لا شك فيه، ويخلد في النار، ولا ينفعه صومُه ولا صلاته يوم القيامة. وإن كانت هذه الخصال في مسلم: فإن كان يعتقد استحلالَها، فهو كافرٌ ما دام على هذه الاعتقاد، وأما إذا اعتقد تحريم هذه الخصائل ويفعلُها، فهو مسلمٌ مذنبٌ، وهو في الفعل منافق لا في الاعتقاد والإيمان، وعلَّةُ تشبيهه بالمنافق: أنَّا قد قلنا أن المنافق هو الذي يُظهر بخلاف ما يُبطن ويُسِرُّ، وهذا المسلم يعتقد الإيمان وحقيقةَ الإسلام، وهو يفعلُ أفعال المسلمين من الصوم والصلاة وغيرها من العبادات عن الاعتقاد والإيمان، ولكن يفعل في بعض الأزمان ما يخالف أمر الشرع، فمِن أجل هذه المخالفة سمِّي منافقًا، وشبِّه بالمنافقين في الفعل لا في الاعتقاد والإيمان. قوله: "وإذا اؤتمن خان": على بناء ماضٍ مجهولٍ، إذا جُعل أمينًا ووُضع عنده أمانة. * * * ٣٩ - وقال: "أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كان مُنافِقًا خالصًا، ومَنْ كانتْ فيهِ خَصْلةٌ مِنهنَّ كانتْ فيهِ خَصلة مِنَ النفاقِ حتى يدَعَها: إذا ائتُمِنَ خانَ، وإذا حدَّثَ كذبَ، وإذا عاهدَ غدرَ، وإذا خاصم فجَرَ"، رواه عبد الله بن عمْرو ﵄ -

стр. 188

قوله: "أربع من كن فيه"؛ أي: أربعُ خصالٍ مَن اجتمعت هذه الخصال فيه "كان منافقًا خالصًا"؛ يعني: مَن كان فيه هذه الخصال عن اعتقادِ استحلالها فهو منافقٌ كالمنافق الذي يُظهر الإسلام ويخفي الكفر في قلبه، ومَن كانت هذه الخصال أو بعضُها لا عن اعتقادِ استحلالها بل يعتقد تحريمها، فلا يكون منافقًا كالمنافق الذي يخفي الكفر، بل يكون مسلمًا مذنبًا، ولكنه يشبَّه بالمنافقين في الأفعال، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل لأنَّا علمنا من أصول الدين أن المؤمن لا يصير كافرًا بفعل الذنوبُ وبالمُداومة على فعل الذنوب إذا اعتقد تحريمها، وإن اجتمعت فيه جميع الذنوب، وإن دام على الذنوب في جميع عمره. "حتى يدعها": أي: حتى يتركها، وَدَعَ يَدَعُ وَدْعًا: إذا ترك. قوله: "وإذا عاهد غدر"؛ أي: إذا جرى بينه وبين أحد عهدٌ وأمانٌ وميثاقٌ نقَضَ ذلك العهد. غدر - بفتح العين في الماضي، وكسرها في الغابر - غدرًا: إذا ترك الوفاء بالعهد. قوله: "وإذا خاصم فجر"؛ أي: إذا كان بينه وبين أحدٍ مخاصمةٌ وعداوةٌ يشتمه ويقذفه بالكلام القبيح. وفجر - بفتح العين في الماضي وضمَّها في الغابر - فجورًا: إذا فسق وكذب، وأصل الفجور: الميل من الحق إلى الباطل، والفاجر: المائل. * * * ٤٠ - وقال: "مَثَلُ المنافِقِ كمثَلِ الشَّاةِ العائرةِ بينَ الغَنميْنِ، تَعِيرُ إلى هذه مرَّةً، وإلى هذه مرَّةً"، رواه ابن عمر ﵄ قوله: "مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين": (الشاة) والغنم كلاهما اسم الجنس للمَعْز والضَّأْن، ويستعمل في الواحد والتثنية والجمع؛ لأن ما هو

стр. 189

اسم الجنس يتناول الواحد والأكثر، والمراد بـ (الشاة) ها هنا الواحد، والمراد بـ (الغنمين): الجماعتان والقطيعتان من الضأن أو المعز. (العائرة): اسم فاعلة من عار يعير عيرًا: إذا نفر وشرد الغنم وغيره، يعني: المنافق لا يستقر بالمسلمين بالكلية ولا بالكافرين، يجيء إلى الكافرين ويقول: إنا منكم، ويجيء إلى المسلمين ويقول: إنا منكم، كما قال الله تعالى في صفتهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، (لقوا) أصله: لَقِيوا - بكسر القاف - فنقلت ضمة الياء إلى القاف وحُذفت؛ أي: إذا أبصروا المؤمنين قالوا: نحن المؤمنون، وإذا أبصروا الكفار قالوا: إنا معكم في الحقيقة ولكن نستهزئ بالمؤمنين بقولنا لهم: إنا مؤمنون لندفع عنَّا سيوفهم، والمراد بشياطينهم: رؤساؤهم وكبراؤهم. وهذا المَثَلُ كمَثَلِ شاةٍ ترى قطيعتين من الغنم، تسير إلى هذه القطيعة تارةً، وإلى الأخرى تارةً، ولا تسكن بواحدة منهما؛ لأنها غريبة ليست منهما. * * * من الحسان: ٤١ - عن صَفوان بن عسَّالٍ ﵁ قال: قال يهوديٌ لصاحبِهِ: اذْهَبْ بنا إلى هذا النبيِّ، فقال له صاحبهُ: لا تقُل: نبيٌّ، إنَّه لو سمعكَ لكان له أربعة أعيُنٍ، فأَتَيا رسولَ الله ﷺ ، فسألاه عن تِسْعِ آياتٍ بيِّناتٍ، فقال لهما رسولُ الله ﷺ : "لا تُشرِكُوا بالله شيئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حرَّمَ الله إلَاّ بالحقَّ، ولا تمشُوا ببريءٍ إلى ذِي سُلطانٍ ليقتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَأْكُلوا الرِّبَا، ولا تَقْذِفُوا مُحصَنَةً، ولا تَوَلَّوْا للفِرار يومَ الزَّحْفِ، وعليكُمْ خاصَّةً اليهود أنْ: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ "، قال: فقبَّلًا يديْهِ ورِجْلَيْهِ، وقالا: نشهدُ أنَّكَ نَبيٌّ، قال: "فما يمنعُكُمْ أنْ تتَّبعوني؟ "، قالا: إنَّ داودَ دعا ربَّهُ أنْ لا يزالَ من ذُرِّيَّتهِ نبَيٌّ، وإنَّا

стр. 190

نخافُ إنِ تَبِعْناكَ أنْ تَقْتُلَنَا اليهودُ. قوله: "اذهب بنا" الباء في (بنا) بمعنى (مع) والمصاحبة؛ أي: كن رفيقي وصاحبي لنأتي إلى محمد ونسأل عنه المسائل. قوله: "لا تقل نبي"، يعني: لا تقل لمحمد إنه نبي؛ لأنه لو سمع أنَّا نقول له نبيٌّ يفرح باعترافنا بنبوته. قوله: "إنه لو سمعك": تقديره: إنه لو سمعك أنك تقول له نبي. قوله: "كان له أربعة أعين" هذا الكلام عبارة عن شدة الفرح والسرور، فإنَّ مَن فَرِح تزيد قوة بصره ويزيد نور بصره، فيكون في كثرة نور البصر من الفرح كمن له أربعة أعين؛ يعني: لو سمع محمدٌ أنك تقول له نبي يزيد سروره باعترافنا بنبوته. وينبغي أن يكون: كان له أربعُ أعينٍ، بغير هاءٍ لأن العدد من الثلاثة إلى العشرة إذا أضيف إلى مؤنثٍ يكون بغير هاء، والعينُ مؤنثٌ، وهذا اللفظ في "صحيح أبي عيسى" بغير هاء كما هو القياس، وفي نسخ "المصابيح" بالهاء، فلعله سهو من الناسخين. قوله: "فسألاه عن تسع آيات بينات"، (الآية البينة): العلامة الواضحة، وقد تكون مما يُرى بالعين كعلامة الطريق وغيرها، وقد تكون مما يُرى بالقلب والفِكْر والعقل كالحكم الواضح، والمسألة الواضحة، و (البينات): جمع بينة، وهي الظاهرة. يعني: سألوا رسول الله ﵇ عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] أن تلك التسع ما هن؟ اعلم أن (تسع آيات) في قصة موسى ﵇ جاء في القرآن في موضعين:

стр. 191

أحدهما: في سورة (النمل)، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، وهذا بعد قصة عصًا؛ أي اجعل يدك في قميصك لتخرج يدك بيضاء من النور؛ ليكون ذلك معجزةً لك بعد أن جعلنا عصاك حية، وقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: أي لا يكون بياض يدك من البرص بل من النور، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾: أي لتكون العصا واليد من جملة تسع آيات التي بعثناك بها إلى فرعون وقومه، وهذه التسع هي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، والسنون، وهو القحط، ونقص ثمراتهم، وهذه التسع معجزات. والموضع الثاني: في (بني إسرائيل)، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ هي التي سأل اليهوديان رسول الله ﵇ عنها، وهي أحكامٌ بدليلِ أن رسول الله ﵇ أجابهما بتسعٍ من أحكام، وبدليلِ أن أبا عيسى أورد هذا الحديث في "صحيحه" على هذا النمط، ثم قال: وفي رواية: فسألا عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، فلما جاء في بعض الروايات منصوصًا أن اليهوديين سألا رسول الله ﵇ عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وأجابهما رسول الله ﵇ بتسعٍ هنَّ أحكامٌ، علمنا أنهما لم يسألاه عن التسع التي هي معجزات. قوله: "لا تشركوا بالله ... " إلى آخره، فإن قيل: إن اليهوديين سألا عن تسع آيات، والمذكورُ فيما أجابهما رسول الله ﵇ عشر، فكيف يكون هذا؟. قلنا: روى هذا الحديث أبو داود، عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلام، عن صفوان بن عسال، ولم يذكر يحيى: "ولا تقذفوا محصنة"، وذكر أكثر أصحاب شعبة أن شعبة شك في

стр. 192

أنه قال ﵇: "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "ولا تولُّوا الفرار يوم الزحف" يعني لم يقل رسول الله ﵇ كلا اللفظين بل قال أحدهما، وشك شعبة في أنه قال ﵇ أيهما قال، فإذا كان كذلك فلا يعدُّ من هذين اللفظين إلا أحدهما، فإذا عُدَّ من هذين اللفظين واحدٌ يكون الجواب تسعَ خصالٍ لا عشرة، فعلى هذا كأن النسَّاخين (١) تركوا (أو) من قوله: "أو لا تولوا الفرار". وروى هذا الحديث أبو عبد الرحمن النَّسائي، وعدَّ عشرة كما في "المصابيح" من غير (أو) فعلى هذا نقول: أجابهما رسول الله ﵇ بتسعٍ وزاد واحدًا؛ لأن المجيب يجوز له أن يزيد على السؤال شيئًا لزيادة الفائدة، والله أعلم. قوله ﵇: "ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله": الباء في (ببريء) للتعدية، و (السلطان) ها هنا السلطنة والقدرة. (إلى ذي سلطان)؛ أي: إلى مَن له حكمٌ وسلطنة، يعني: لا تقولوا سوءَ مَن ليس له ذنبٌ عند السلطان، ولا تنسبونه إلى ذنبٍ كي لا يقتله أو يؤذيه. قوله: "ولا تولوا الفرار يوم الزحف"، (تولوا) بضم التاء: مضارعٌ من (ولى تولية): إذا أدبر وأعرض، (الفرار): نصبٌ على أنه مفعول له؛ أي: للفرار، (يوم الزحف)؛ أي: يوم الحرب مع الأعداء. قوله ﵇: "وعليكم خاصةً اليهودَ أن لا تعتدوا في السبت"، (عليكم) كلمة الإغراء؛ أي: الزموا أو احفظوا هذا الحكم، وهو تركُ الاعتداء في السبت. و (خاصةً): نصبٌ منوَّنٌ على أنه حال، والخاصة ضدُّ العامة، يعني: ما مضى

стр. 193

من الأحكام مشترِكٌ فيها جميع الناس، وأما هذا الأخير فخطابٌ لليهود خاصة. (اليهود): نصبٌ على التفسير؛ أي: أعني اليهود، وجاء في بعض الروايات: يهودُ بالرفع من غير تنوين، ومن غير الألف واللام، وتقديره: يا يهود، فحذف حرف النداء، والمعنى وفرض عليكم يا يهود. (الاعتداء): مجاوزةُ الحد، و (أن لا تعتدوا) مفعولُ (عليكم)، والمراد بقوله: (لا تعتدوا في السبت): لا تصيدوا السمك في يوم السبت، ولا تُجاوِزوا أمر الله تعالى فيه. قوله: "فقبلا يديه ورجليه"؛ أي قال الراوي: فقبل اليهوديان يدي رسول الله ﵇ ورجليه لمَّا أجابهما بما سألاه. قوله ﵇: "فما يمنعكم أن تتبعوني"؛ يعني: أيُّ شيء يمنعكم يا معشر اليهود عن الإسلام، واتِّباعي في هذا الدين؟ "قالا: إن داود دعا ربه أن لا يزال من ذريته"؛ أي: دعا داود النبيُّ ﵇ أن لا تنقطع النبوة في ذريته إلى يوم القيامة، وإذا دعا داود يكون دعاؤه مستجابًا البتة؛ لأنه لا يردُّ الله تعالى دعاء نبي، فإذا كان كذلك فسيكون نبيٌّ من ذريته وتتبعه اليهود، وربما يكون لهم الغلبة والشوكة، فإن تركنا دينهم واتبعناك تقتلنا اليهود إذا ظهر لهم نبي وقوة. هذا معنى قولهم: (إن داود دعا ربه)، وهذا كذبٌ منهم، وافتراءٌ على داود ﵇؛ لأن داود ﵇ لم يَدْعُ بهذا الدعاء، ولا يجوز لأحد أن يعتقد في داود هذا الدعاء؛ لأن داود قرأ في التوراة والزبور نَعْتَ محمد رسول الله ﵇ أنه خاتم النبيين، وأنه ينسخ جميع الأديان والكتب، فإذا أخبر الله تعالى داود بنعت رسول الله ﵇ على هذه الصفة فكيف يدعو على خلافِ ما أخبره الله تعالى من شأن محمد ﵇؟

стр. 194

ولم يَصِرِ اليهوديان مسلمين بقولهما: "نشهد أنك نبي" لأنهما لم يقولا هذا اللفظ عن الاعتقاد أنه نبيٌّ إلى كافة الخلق، بل اعتقدا أنه نبي العرب فقط، والدليل على أنهما لم يعتقداه نبيَّ كافة الخلق أنهما لم يتَّبعاه في أحكام الإسلام، بدليل قوله ﵇: (فما يمنعكم أن تتبعوني)، وهذا الخطاب لهما ولغيرهما من اليهود، وكذلك قولهما: "وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود" يدلُّ على أنهما لم يتَّبعا رسول الله ﵇ في أحكام الإسلام. واسم جدِّ صفوان: ربض بن زاهر المرادي. * * * ٤٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من أصلِ الإيمانِ: الكفُّ عمَّنْ قال: لا إله إلَاّ الله، لا تُكفِّرْهُ بذنبٍ، ولا تُخرجْه من الإسلامِ بعمَلٍ، والجهادُ ماضٍ مُذْ بعثَني الله إلى أن يُقاتِلَ آخرُ أُمتي الدجَّالَ، لا يُبطلهُ جوْرُ جائرٍ، ولا عَدلُ عادلٍ، والإِيمانُ بالأَقْدارِ". قوله: "ثلاثٌ من أصل الإيمان"؛ أي: ثلاثُ خصال من أصل الإيمان، أحدها: "الكف عمن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله" لا يجوز إيذاؤه بالقتل وأخذِ المال وغيرِ ذلك؛ لأنه مسلم. قوله: "لا تكفره" فيه روايتان: التاء وجزمُ الراء، والنونُ ورفعُ الراء، ومعنى التكفير: نسبةُ أحدٍ إلى الكفر، وكذلك: "تخرجه" جاء بالتاء والجزم، وبالنون والرفع، يعني: لا يصير كافرًا بعد الإقرار بكلمتي الشهادة بأن يذنب ذنوبًا سوى الكفر. قوله: "والجهاد ماض"؛ يعني: الخصلة الثانية: اعتقاد كون الجهاد ماضيًا؛ أي: باقيًا، والتقدير [في] قوله: "مذ بعثني الله": مذ فرض الجهاد وأُمرت بالجهاد إلى خروج الدجال يكون الجهاد باقيًا، وبعد قتل الدجال

стр. 195

لا يكون الجهاد باقيًا، لأن بعد الدجال يكون خروج يأجوج ومأجوج ولا يقدر أحد أن يقاتلهم، وبعد هلاكهم لم يبق في الدنيا كافر ما دام عيسى ﵇ في الأرض حيًا، فإذا مات يكفر بعض المسلمين، وحينئذ لا يقدر أحد على القتال، بل يموت المسلمون كلُّهم عن قريب بريح طيبة وبقي الكفار. قوله: "لا يبطله جور جائر"؛ يعني لا يجوز ترك الجهاد بأن يكون الإمام ظالمًا، بل يجب على الناس موافقة الإمام في الجهاد وإن كان ظالمًا؛ لقوله ﵇: "الجهاد واجب عليكم مع كلِّ أميرٍ بَرًا كان أو فاجرًا". قوله: "ولا عدل عادل"؛ يعني: لو كان الإمام عادلًا بحيث يحصل سكون المؤمنين وتَقْوِيْتهم وغناؤهم ولم يفتقروا إلى الغنيمة، فلا يجوز مع هذا ترك الجهاد. قوله: "والإيمان بالأقدار"؛ يعني: الخصلة الثالثة الإيمان بأن كلَّ ما يجري في العالم فهو بقضاء الله تعالى وقدره. * * * ٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا زنى العبدُ خرج منه الإيمانُ، فكان فوقَ رأسِهِ كالظُّلَّةِ، فإذا خرج منْ ذلكَ العمَلِ رجعَ إليهَ الإِيمانُ". قوله: "كالظلة"، (الظلة): أول سحابةٍ تظهر ويكون لها ظل، قيل في شرح هذا الحديث: إن هذا زجرٌ ووعيدٌ للزاني وتقبيحُ فعله، يعني: الزنا من فعل الكفار، فإذا فعله المسلم فقد شابَهَ الكفار في هذا الفعل، ولم يُرِدْ به حقيقة خروج الإيمان منه، بدليل أنه لو قتله أحدٌ في تلك الحالة يجب عليه القصاص، ولو كان الإيمان منه خارجًا في وقت الزنا لَمَا وجب على قاتله القصاص، وبدليل أنه لو مات في تلك الحالة صلِّي عليه، ولو خرج منه الإيمان لم يصلَّ

стр. 196

عليه كالمرتد، ولم يرثه ورثتُه المسلمون كما لا يرثون من المرتد، فقد ثبت بهذه الأدلة أنه لم يخرج منه أصل الإيمان، بل خرج كمال الإيمان، ولم يفارقه كمالُ الإيمان أيضًا بالكلية بل وقف فوق رأسه حتى يعود إليه بعد فراغه من ذلك الفعل القبيح، وهذا مثل قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ومثله قوله: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا"، ومثلُ هذا كثير. * * * فصل في الوَسْوَسةِ (فصل في الوسوسة) مِنَ الصَّحَاحِ: ٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله تَجاوَزَ عنْ أُمَّتي ما وَسوستْ به صُدورُهَا ما لمْ تعمَلْ به أو تتكلَّم". قوله: "تجاوز": أي عفا وغفر "عن أمتي": احترازٌ عن غير أمته ﵇ من الأمم. وسوس يوسوس وسوسة: إذا خطر وظهر في القلب خاطر قبيح، فما يظهر بالقلب من الخواطر الدنيَّة المذمومة يسمَّى وسوسة، وما كان من الخواطر المَرْضِية الحسنة يسمى إلهامًا. الضمير في "صدورها" راجعٌ إلى (أمتي)، "ما لم تعمل"، (ما) للدوام. يعني: ما جرى في خاطر الإنسان من قصد المعاصي لا يؤاخذه الله تعالى به إن لم يفعله ولم يقله، فإذا فعله أو تلفظ به أُخذ به. اعلم أن الوسوسة ضروريةٌ واختيارية:

стр. 197

فالضرورية: ما يجري في القلب من الخواطر ابتداءً من غير أن يقدر الإنسان على دفعه، فهذا معفوٌّ عن أمة محمد ﵇ وعن جميع الأمم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، (الوسع): الطاقة والقدرة. والاختيارية: الدوام والإصرار على ما يجري في الخاطر بأن يردِّد ما يجري في القلب من الخواطر، ويقصد أن يعمل به ويتلذَّذ منه، بأن يجري في قلبه حب امرأة ويدوم على ذلك الحب، ويقصد الوصول إلى تلك المرأة، أو يجري في قلبه قتل مَن يحرم قتله، أو يعزم على سرقةٍ أو شربِ خمر، وما أشبه ذلك من المعاصي، فهذا النوع اختياريٌّ، لأن الإصرار بما يجري في الخاطر والعزمَ على العمل به باختياره فهذا النوع هو الذي عفا الله عنه من هذه الأمة دون سائر الأمم، تشريفًا وتكريمًا لنبينا ﵇ وأمته. اعلم أن اعتقاد الكفر والبدعة والشرك وظن السوء في حق المسلمين، فإذا ظهر في قلبه شيء من هذه الأشياء وتركه وندم عليه لم يؤخذ به، وإن أصر على شيء من هذه الأشياء يكون مأخوذًا به. * * * ٤٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ ناسٌ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ فسألُوه: إنَّا نجدُ في أنفُسِنَا ما يتعاظَمُ أحدُنَا أنْ يتكلَّمَ بِهِ، قال: "أَوَقَدْ وجدتُمُوهُ؟ "، قالوا: نعم، قال: "ذاكَ صريحُ الإِيمانِ". قوله: "جاء أناس"؛ أي: جماعة فسألوه: "إنا نجد في أنفسنا"؛ أي: إنَّا نجد في قلوبنا أشياء قبيحةً دنية؛ أي: يجري في قلوبنا: من خلق الله؟ وكيف هو؟ ومِن أيِّ شيء هو؟ وما أشبه ذلك ممَّا نعلم أنه قبيحٌ لا يليق بنا أن نعتقده؛ لأنَّا نعلم أن الله قديم خالق الأشياء، وليس بمخلوقٍ وليس بجوهرٍ ولا عَرَضٍ

стр. 198

حتى يكون من شيء، أو يصفه ويعلم كيفيته أحدٌ، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟ تعاظَمَ زيدًا هذا الأمر؛ أي: عَظُمَ وشقَّ عليه، فـ (زيدًا) مفعول، و (هذا الأمر) فاعلٌ، وتعاظم زيدٌ عَمرًا؛ أي: وجده عظيمًا، وكلا المعنيين ها هنا حسنٌ، وإذا قرأتَ "أحدنا" برفع الدال، يكون (أحدنا) هو الفاعل، و"أن يتكلم به" هو المفعول؛ أي: يجد أحدُنا التكلُّم به عظيمًا؛ أي: ذنبًا عظيمًا، وإذا قرأتَ (أحدَنا) بنصب الدال يكون (أحدنا) مفعولًا، و (أن يتكلم) به فاعل؛ أي: يعظم ويشقُّ التكلُّم به على أحدنا من غاية قبحه ورداءته، هذا جائزٌ من حيث المعنى، ولكن المسموع والمرويَّ: (أحدُنا) برفع الدال. "قال: أوقد وجدتموه؟ ": أي: قال لهم رسول الله ﵇: أوقد وجدتم ذلك الخاطر قبيحًا، وعلمتم أنه مذمومٌ وأنه غير مَرْضيٍّ لله تعالى؟ الهمزة في (أوقد) للاستفهام. قوله ﵇: "ذلك صريح الإيمان"، (ذلك) إشارةٌ إلى مصدرٍ مقدرٍ، وهو: وجدان قبح ذلك الخاطر، ويحتمل أن يكون المصدر المقدَّر هو التعاظم؛ أي: تعاظُمُكم التكلُّمَ بذلك الخاطرِ من غاية قبحه هو صريحُ الإيمان. (الصريح): الخالص. يعني: مَن جرى في قلبه خاطرٌ قبيحٌ وعلم قبحَه، وترك ذلك الخاطر وأنكره، لا إثم عليه؛ لأن إنكاره ذلك الخاطر وعِلْمَه أنه قبيحٌ لا يكون إلا من إيمانٍ خالص، لأن الكافر يصر على ما في قلبه من تشبيه الله تعالى بالمخلوقات ويعتقدُه حسنًا.

стр. 199

٤٦ - وقال: قال رسول الله ﷺ : "يأْتي الشَّيطانُ أحدَكُمْ فيقول: مَنْ خلقَ كذا؟ من خلَق كذا؟ حتى يقول: مَنْ خلَقَ رَبَّك؟ فإذا بلغَهُ فليَسْتَعِذْ بالله، وَلْيَنْتَهِ". قوله: "يأتي الشيطان أحدكم"؛ أي: يوسوس في قلبه، ويقول له: مَن خلق السماء؟ ومَن خلق الأرض؟ ومَن خلق الإنس؟ وعلى هذا يسأله حتى يبلغ إلى أن يقول: من خلق الله، وغرضُه أن يوقع الرجل في الغلط والكفر، لأن الرجل لو فكَّر في كون الله تعالى مخلوقًا، ويعتقده، يكفر به، ولو فكَّر فيه ولم يعتقد كونَه مخلوقًا فلا يكفر، ولكن ربما يحصل في قلبه شكٌّ وتعجُّبٌ في كيفية كونه تعالى غير مخلوق، فيتسلط عليه الشيطان ويوسوس في قلبه إلى أن يوقعه في الكفر، والطريق أن يَسُدَّ الرجل ويغلقَ باب الوسوسة في هذا على وجه قلبه، ويطرد الشيطان بالتعوُّذ بالله من الشيطان الرجيم. قوله: "فإذا بلغه": الضمير راجع إلى مصدرٍ مقدر، والتقدير: فإذا بلغ، قوله: "من خلق ربك" فليستعذ بالله، "ولينته"، (الانتهاء): ترك الشيء، يعني فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليترك التفكُّر والشروع في هذه الوسوسة، وإن لم يقدر أن يزيل التفكر في هذه الوسوسة بالتعوذ فليَقُمْ عن مجلسه ذلك، وليشتغل بشيءٍ آخر، من تلاوة القرآن والحكايات وغير ذلك. * * * ٤٧ - وقال: "لا يزالُ الناسُ يتَساءَلونَ حتى يُقالَ: هذا خَلَقَ الله الخلْقَ، فمَنْ خلَقَ الله؟ فمنْ وجدَ مِنْ ذلكَ شيئًا فليقُلْ: آمنتُ بالله ورُسُلِهِ"، رواهما أبو هريرة ﵁. قوله: "لا يزال الناس يتساءلون": التساؤل: جريان السؤال بين اثنين أو

стр. 200

أكثر، يعني: أبدًا يسأل بعض الناس بعضًا، ويجري بينهما السؤال في كلِّ نوعٍ، حتى يبلغ سؤالهم إلى أن يقال. وقوله: "هذا خلق الله الخلق" يحتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون (هذا) مفعولًا، وعطفُ بيانه محذوفٌ وهو: القول، والتقدير: حتى يقال هذا القولَ: (خلق الله الخلق، فمَن خلق الله؟) فـ (هذا) القول مفعولُ (حتى يقال) أُقيم مقام الفاعل، و (خلق الله الخلق) مفعول (هذا القول). والوجه الثاني: أن (هذا) مبتدأ، وما هو عطفُ بيانه محذوفٌ؛ أي: هذا الشيءُ أو هذا القولُ الذي أنه (خَلَق الله الخلق) معلومٌ مشهور، فـ (خلق الله الخلق) خبرُ (أنه)، و (أنه) مع خبره صلة (الذي)، و (الذي) مع صلته صفة (القول)، و (القول) مع صفته عطفُ بيانِ (هذا)، و (هذا) مع عطف بيانه مبتدأٌ وخبره (معلوم أو مشهور)، يعني: حتى يقول الناس: معلومٌ مشهورٌ عندنا أن الله خلق الأشياء، ولكن لا نعلم مَن خلق الله، فيسأل بعضهم بعضًا أن يخبره: "فمن خلق الله". قوله: "فمن وجد من ذلك شيئًا"؛ يعني: فمَن سمع هذا السؤال من أحدٍ فليعلم أن سائل هذا السؤال شيطان، فليدفعه عن نفسه بالزجر والتعوذ، وبأيِّ طريقٍ يقدر عليه، وإن وجد هذا السؤال في قلبه فليعلم أنه وسوسة الشيطان فليخرجْه عن قلبه. قوله: "فليقل آمنت بالله ورسله"؛ يعني: آمنت بما قال الله تعالى ورسله، وصدَّقت الله ورسله بما قالوا، وقد قال الله تعالى في وصف (١) نفسه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا

стр. 201

أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] والنصُّ واردٌ بأن الله تعالى خالق الأشياء غيرُ مخلوقٍ، وهو قديمٌ أبدي ليس له شريكٌ ولا نظير، وغيرُ ذلك من الأوصاف التي تفرَّد بها الله تعالى وأُورد في القرآن والأحاديث، فآمنت بما قال الله تعالى ورسولُهُ، ولم أقل: إن الله خلقه أحدٌ، أو موصوفٌ بصفةٍ من أوصاف المخلوقات، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. * * * ٤٨ - وقال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ إلَاّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قرينُهُ مِنَ الجِنَّ"، قالوا: وإيَّاكَ يا رسولَ الله! قال: "وإيَّايَ، إلَاّ أنَّ الله أَعَانَنِي عليه فأَسْلَم، فلا يأْمُرُني إلَاّ بخيْرٍ"، رواه ابن مسعود. قوله: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه"، (القرين): الصاحب. "الجن": اسمٌ لمن يستتر ويختفي عن عيون الناس من الجن المعروف والشياطين والملائكة، والمراد بالجن ها هنا الشياطين، وهم أولاد إبليس، ولم يُولد ولدٌ من بني آدم إلا وُلد له ولدٌ يوكله على ذلك المولود من بني آدم، هكذا ذكر في التفسير. وذكر في بعض التفاسير في قوله: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ أن أولاد إبليس تخرج من دبره. يعني: كلُّ إنسان يصحبه شيطانٌ يوسوسه ويأمره بالشر، ويشترك في هذا جميع البشر من الأنبياء وغيرهم حتى سيد الرسل محمد ﵇. قوله: "أعانني عليه فأسلم": روي (فأسلم) برفع الميم وفتحها، فالرفع على أنه فعلٌ مضارع، والهمزة للمتكلَّم، من سَلِمَ يَسْلَمُ سلامةً: إذا خلص من المكروه، يعني: أعانني الله تعالى فغلبتُ عليه وصار مقهورًا عاجزًا، فسَلِمْتُ من شره.

стр. 202

واختار قومٌ هذه الرواية؛ لأن (أسلمَ) بفتح الميم، يكون ماضيًا من الإسلام، والشيطان لا يقبل الإسلام؛ لأن الشياطين كلها مجبولةٌ على الكفر فلا يقبلون الإسلام. وقولُ هؤلاء ليس بقويٍّ؛ لأن قوله: "فلا يأمرني إلا بخير" يدل على إسلامه؛ لأنه لو لم يُسْلِمْ فكيف يأمره بالخير؟ بل المختار والأصح روايةُ مَن يرويه: (أسلمَ) بفتح الميم، وإذا كان مفتوح الميم فله معنيان: أحدهما: (أَسلَمَ) الذي هو ضد كفر، والثاني (أسلمَ) بمعنى: انقاد وأطاع، وكِلَا المعنيين مستقيمٌ هنا؛ لأن الله تعالى قادر على أن يرزق هذا الشيطان الإسلام ببركة نبينا ﵇، فإنه نبي الرحمة، والهادي من الضلالة. وإن قلنا: معنى (أسلم): انقادَ، فمستقيمٌ أيضًا؛ لأنه لا عجب أن يصير شيطانه منقادًا أو مطيعًا له وعاجزًا عن أن يأمره بشرٍّ، فإن الله تعالى قد أعطاه من المعجزة والكرامة ما لا يُحصى، فيكون هذا كرامةً له، كما أخبر ﵇ في حديثٍ آخر أنه أخذ (١) شيطانًا وأراد أن يربطه على عمود من عُمُد المسجد، ثم ذكَّره دعوة أخيه سليمان ﵇ فخلَاّه، ويأتي شرحُ هذا الحديث في موضعه إن شاء الله تعالى. * * * ٤٩ - وقال: "إنَّ الشَّيطانَ يجري مِنَ الإِنسانِ مَجْرَى الدَّمِ". "وقال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم"، (مجرى): مصدرٌ ميميٌّ أو مكانٌ، من جرى يجري جريانًا، يعني: إن كيد الشيطان ووساوسه

стр. 203

تجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم، يعني في جميع عروقه وظواهره وبواطنه، هذا إذا كان معنى (مجرى الدم): مكانَ الدم، وأما إذا كان معناه المصدر، فيكون معناه: إن كيد الشيطان ووساوسه تجري في الإنسان جريانًا مثل جريان الدم فيه، يعني: كما يجري الدم في أعضاء الإنسان وليس له إحساسٌ بجريانه، فكذلك يجري وسواس الشيطان في أعضاء الإنسان، وليس له إحساسٌ وعلمٌ بذلك، وجريانُ الشيطان في الإنسان شيءٌ (١) أعطاه الله تعالى الشيطان لشيئين: أحدهما: لجزائه على الطاعات التي كان عَمِلَها، فأعطاه أجر عمله في الدنيا بتحصيل مطلوبه، وهو وسوسة الإنسان. والثاني: لإظهار رحمته وقدرته ومغفرته وغضبه بإدخال الشيطان ومَن يتبعه النار وإدخالِ مَن خالفه الجنة، وإظهارِ رحمته بأن يعفو ويغفر لمَن تبع الشيطان ثم تاب واستغفر الله روت هذا الحديث أمُّ المؤمنين صفيةُ ﵂. * * * ٥٠ - وقال: "ما مِنْ بني آدَمَ [مِنْ] مَوْلُودٍ إلَاّ يَمسُّهُ الشيطانُ حين يولد، فيَستهلُّ صارخًا من مسَّ الشيطانِ، غيرَ مريمَ وابنها"، رواه أبو هريرة. قوله: "ما من بني آدم مولود" تقديره: ما مولود من بني آدم "يمسه الشيطان"؛ أي: يوسوسُه، ويوقعُ في صدره الغفلةَ وحبَّ الأشياء، وغيرَ ذلك مما يكون من اتِّباع الشيطان، ويريد أن يجعله مطيعًا منقادًا لنفسه، فيجد الطفل من تلك الوسوسة شيئًا لم يأنس به، ولم يكن معتادًا له قبل ذلك، فيتأذى منه

стр. 204

كما يتأذى الإنسان من الضرب وغيره، فيصيح ويرفع صوته بالبكاء، وليس معنى المسِّ هنا مسَّ البشرة بالضرب، ومسَّ اليد وغير ذلك؛ لأن الشيطان لا يمسُّ بشرة الكبير بالضرب وغيره، بل ليس له سبيل إلى الإنسان سوى الوسوسة، فكذلك الصغير. "استهل": إذا بكى الصبي، "صارخًا" نصبٌ على الحال؛ أي: في حال كونه صارخًا؛ أي: رافعًا صوته، وصرخ - بفتح العين في الماضي وضمِّها في الغابر - صراخًا: إذا رفع صوته. قوله: "غير مريم وابنها": يعني يمسُّ الشيطان كلَّ مولودِ وقتَ ولادته من الأنبياء وغيرهم، إلا مريم وعيسى ﵉، فإن الله تعالى حفظهما من مسِّ الشيطان؛ لقبول دعاء حَنَّةَ أمِّ مريم حيث قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] (١)، ولبيانِ كذب ما قالت اليهود في حق مريم من نسبتها إلى الزنا، لأن الله تعالى لمَّا حفظها من مسِّ الشيطان وقتَ الولادة - مع أنه لم يَخلص منه أحدٌ - فكيف لم يحفظها من الزنا؟ فإن قيل: ينبغي من هذا أن يكون عيسى أفضل من نبينا ﵉ لأنه لم يمسَّه الشيطان حين ولد، وقد مسَّ نبيَّنا ﵇ حين ولد - بمفهوم الحديث؛ لأنه لم يستثن من بني آدم غير مريم وابنها. قلنا: تفرُّدُ عيسى بهذه الفضيلة لا يدل على كونه أفضل من نبينا ﵇؛ لأن لنبينا فضائلَ ومعجزاتٍ كثيرةً لم تكن لعيسى ولا لغيره من الأنبياء، فلا يلزم أن يكون في الفاضل جميعَ خصال المفضول، بل يجوز أن يكون في

стр. 205

المفضول شيءٌ لم يكن في الفاضل، ألا ترى أنه كان لعيسى ﵇ معجزةَ إحياء الموتى وخَلْقِ هيئة الطير من الطين، وينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ولم يكن ذلك لنبيٍّ غيره، وكان لموسى ﵇ العصاة واليدُ البيضاء، وفَلْقُ البحر، وغيرُ ذلك من المعجزات، وكذلك كلُّ نبيًّ اختص بصفةٍ أو معجزة، وهذا لا يدلُّ على التفضيل، بل لا يجوز التفضيل بين الأنبياء ﵈ إلا بإذن الشرع، وقد اجتمعت الأمة على فضل نبينا ﵇ على غيره؛ للآيات والمعجزات الدالة على كونه أفضل من غيره. * * * ٥١ - وقال: "صِياحُ المولودِ حينَ يقَعُ نَزْغةٌ مِنَ الشَّيطانِ"، رواه أبو هريرة. قوله: "صياح المولود"، (الصياح): الصيحة، وهي التصويت ورفع الصوت. "يقع"؛ أي: يسقط وينفصل من أمه، و (يقع) أصله: يَوْقَعُ، فحذفت الواو. "نزغة"؛ أي: وسوسة. ومعنى هذا الحديث كمعنى الحديث الذي قبله. * * * ٥٢ - وقال: "إنَّ إبْلِيْسَ يضَعُ عرْشَهُ على الماءَ، ثم يبعثُ سَراياهُ يفتِنُونَ النَّاسَ، فأَدناهُمْ منه منزلةً أعظمُهُمْ فِتْنةً، يجيءُ أحدُهُمْ فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعْتَ شيئًا، قال: ثم يجيءُ أحدُهُمْ فيقولُ: ما تركتُهُ حتى فرَّقْتُ بينَهُ وبينَ امرأَتِهِ، فيُدْنِيهِ منه ويقولُ: نِعْمَ أنتَ؟ "، قال الأعمشُ:

стр. 206

أُراهُ قال: "فيلتزِمُهُ". قوله: "يضع عرشه على الماء"، (العرش): سرير الملك. "السرايا": جمع سرية، وهي الجيش. "يفتنون الناس"؛ أي: يُضلُّون الناسَ ويأمرونهم بالمعاصي. "فأدناهم": أي: أقربهم "منه"؛ أي: من إبليس "منزلةً"؛ أي: قربةً ودرجةً وعزةً، وهو منصوبٌ على التمييز. يعني: يضع إبليس سريره على وجه ماء البحر، ويبعث الشياطين ويأمرهم بإضلال الناس وحَمْلِهم على المعاصي، فمَن كان منهم أشدَّ إضلالًا للناس فهو عند إبليس أعز وأكرم، ووضعُ العرش على الماء إشارة إلى العظمة والقدرة على الماء؛ يعني: يشير إلى أن لي القدرة على البحر والبر، فيذهب كل شيطان إلى أمرٍ من المعاصي، فيأمر أحدهم الناس بشرب الخمر، ويأمر أحدهم الناس بالسرقة، والآخر بالزنا، والآخر يُوقِع الخصومة والعداوة بين الزوج والزوجة حتى يطلِّقها، وكذلك جميع المعاصي. "فيجيء" إليه أحدهم ويقول: أمرتُ الناس بشرب الخمر، فيقول له: ما فعلت شيئًا، يعني: أريد ذنبًا عظيمًا، وكذلك يجيء كلُّ واحد ويقول: أنا أمرت الناس بكذا وكذا من المعاصي، فيقول: ليس لهذا عندي قَدْرٌ، حتى يجيء أحدهم فيقول: أوقعت بين الزوج والزوجة الفتنةَ والخصومة والعداوة حتى طلَّقها. "فيدنيه"؛ أي: يقرِّبه إبليس إلى نفسه "ويقول: نعم أنت" وما قصَّرتَ في أمري. "قال الأعمش" وهو من أصحاب الحديث "أراه"؛ أي: أظن أن رسول الله ﵇ قال: "فيلتزمه" ذلك الشيطان؛ أي: يعانقه ويعزِّزه من غاية حبه

стр. 207

التفريق بين الزوج والزوجة، وإنما يحبُّ التفريق بينهما لأن النكاح شيءٌ عقده الشرع، فيحب هو حَلَّ ما عقده الشرع وإزالتَه؛ لمخالفة الشرع، ولحبه الزنا وحصول أولاد الزنا. * * * ٥٣ - وقال ﷺ : "إنَّ الشَّيطانَ قد أَيِسَ من أنْ يعبُدَهُ المُصلُّونَ في جزيرةِ العَرَبِ، ولكنْ في التَّحريشِ بينهُم"، رواهما جابرٌ ﵁. قوله: "المصلون"؛ أي: المسلمون. "الجزيرة": اسم كلِّ أرضٍ حولها الماء، وهي فَعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: أرض جزر عنها الماء؛ أي: ذهب ونقص حتى بقيت يابسةً بلا ماء، وسِّميت جزيرة العرب بهذا الاسم لأنها أرضٌ أكثر جوانبها البحر، وأضيفت إلى العرب لأنها مسكن العرب. وقال أبو عبيدة: جزيرة العرب هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول، وفي العرض ما بين رمل تَبْرِين إلى منقطع السَّماوة، والسماوةُ اسمُ باديةِ في طريق الشام. وقيل: ما وقع في جوانبه بحر نحو البصرة والدجلة والفرات وعُمان وعدن، وبحر الشام، والنيل، والعراق وبحرين، وجانب آخر منها متصلٌ بالبرية التي فيها الرمال بحيث لا تكون فيها عمارةٌ ولا يسكنها أحد. قوله: "في التحريش بينهم"، (التحريش): الإغراء بين الناس أو الكلاب، يعني أَيِسَ إبليس من أن يرتدَّ أهل جزيرة العرب بعد الإسلام إلى الكفر، وليس له سبيل إلى ردهم إلى الكفر؛ لأن الإسلام قد ثبت في قلوبهم، ولكنْ أبدًا يوقع الفتنة والعداوة بينهم، ويأمرهم بالخصومة وقتل بعضهم بعضًا.

стр. 208

فإن قيل: قد ارتد جماعةٌ من جزيرة العرب إلى الكفر، فكيف يكون وجه استقامة هذا الحديث؟. قلنا: لم يقل رسول الله ﵇ إنهم لم يرتدوا إلى الكفر، بل قد أيس الشيطان أن يرتد أهل جزيرة العرب إلى الكفر، فيجوز أن ييأس إبليس عن ارتدادهم، ويرتد بعضهم بعد ذلك؛ لأن إبليس لا يعلم ما يحدث في المستقبل، ويحتمل أن يريد رسول الله ﵇ بهذا الحديث حكمَ أكثر؛ لأن مَن ارتد منهم قليلٌ، والحكم للكثير، ويحتمل أن يريد بالمصلين: الدائمين على الصلاة عن اعتقادٍ صادقٍ ونيةٍ خالصة، ومَن ارتد من أهل جزيرة العرب لم يكن بهذه الصفة. فإن قيل: لمَ خَصَّ رسول الله ﵇ جزيرة العرب بأنَّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون، مع أن المسلمين الثابتين على الإسلام المخلصين في الطاعات كثيرةٌ في سائر البلاد؟ قلنا: لأن الإسلام لم يصل في زمن رسول الله ﵇ إلى بلدٍ آخر غيرِ جزيرة العرب. و"جابر" اسم أبيه: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي. * * * من الحِسَان: ٥٤ - عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ جاءَهُ رجلٌ فقال: إنَّي أُحَدِّثُ نفْسي بالشيء، لأَنْ أكون حُمَمَةً أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتكلَّمَ بِهِ، قال: "الحمدُ لله الذي رَدَّ أمرَهُ إلى الوَسْوَسة". قوله: "أحدِّثُ نفسي"، (أحدث): فعلٌ فاعلُه فيه مضمرٌ؛ أي: أنا،

стр. 209

و (نفسي) مفعوله. "الحممة" بضم الحاء: الفحم، يعني يجري في قلبي من الأشياء لأَن احترقت وصرت فحمًا أحبُّ إليَّ من أن أتلفظ بما يجري في قلبي من الوسواس، من غاية قبحه، وهذا مِثْلُ ما تقدم من الأحاديث، نحو قوله: مَن خلق الله؟ ونحو وسوسة الشيطان في القلب بأن يطلب الرجلُ معرفةَ كيفية الله، وأنه محتاجٌ إلى المكان أو الطعام، وغير ذلك، فهذا الوسواس من فعل الشيطان، فكان هذا الرجل يجري في خاطره شيءٌ من هذا الوسواس من فعل الشيطان، فخاف أن يكون له بذلك إثم، فقال له رسول الله ﵇: "الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة"، الضمير في (أمره) راجعٌ إلى الشيطان، يعني: كان الشيطان يأمر الناس بالكفر قبل هذا أو عبادةِ الأوثان، وأما الآن لا يقدر أن يأمر المسلمين بالكفر، فلا سبيل له إليهم سوى الوسوسة، ولا باس بالوسوسة إذا علم الرجل أنه قبيح، ويندم عليه ويتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم. * * * ٥٥ - وقال: "إنَّ للشيطان لَمَّةً بابن آدمَ، وللملَك لَمَّةً، فأمَّا لَمَّةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لَمَّةُ الملَكِ فإِيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ، فمنْ وجدَ ذلك فلْيَعْلَمْ أنَّه مِنَ الله، فليحمَدِ الله، ومَنْ وجدَ الأُخرى فليتعوذْ بالله من الشَّيطان"، ثم قرأ: " ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ "، غريب. قوله: "إن للشيطان لمة"، (اللمة): نزولُ الوسوسة في القلب، وهي من (ألمَّ): إذا نزل. "إن للشيطان لمة بابن آدم"؛ أي: نزولًا في قلبه ووسوسةً. "وللملك لمة"؛ أي: وإن للملك نزولًا في قلب بني آدم أيضًا وإلهامًا.

стр. 210

قوله: "فأما لمة الشيطان فإيعادٌ بالشر وتكذيب بالحق"، (فإيعاد) في كلا الموضعين بهمزةٍ مكسورة بعدها ياءٌ منقوطةٌ تحتها بنقطتين، وهو مصدرُ (أوعد): إذا وَعَدَ أحدًا وَعْدَ شرٍّ، ووَعَد وَعْدًا وعِدَةً: إذا وَعَد وَعْدَ خيرٍ. وفي أصل اللغة: الوعد يستعمل في الخير والشر، إلا أن المستعمل في الوعد في الخير، وفي الإيعاد في الشر، والوعيد أيضًا يستعمل في وَعْد الشر. يعني: نزولُ الشيطان في القلب لا يكون إلا ليأمر الرجلَ بالشر، مثل الكفر واعتقاد السوء والفسق، وليامر الرجلَ أن يكذَّب ما هو حقٌّ، ككتب الله تعالى ورسله ﵈، وأحوالِ القبر والحشر، وأحوال القيامة. "وأما لمة الملك": تكون على عكس ذلك؛ لأن الملك يأمر الرجل بما هو خيرٌ كفعل الصلاة والصوم وأداء الزكاة والصدقات، وغيرِ ذلك من الخيرات، ويأمره بأن يصدق كتب الله ورسله وأحوال القبر والقيامة. قوله: "فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله تعالى"؛ يعني: فمَن وجد في نفسه لمةَ الملك، فليعلم أن ذلك فضلٌ من الله عليه، فليحمد الله تعالى على هذه النعمة، فإن لله عليه رحمةً وفضلًا، وإرادة الخير بأن أرسل عليه ملكًا يأمره بالخير ويهديه إلى الحق. قوله: "ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله تعالى"؛ يعني: فمَن وجد في نفسه لمَّةَ الشيطان، فليتعوذ من وسوسة الشيطان، وليخالفه فيما يأمره من فعل السوء. قوله: "ثم قرأ"؛ أي: قرأ رسول الله ﵇ هذه الآية استشهادًا لِمَا قال: " ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ "؛ يعني: الشيطانُ يقول لكم: لا تنفقوا أموالكم في الزكاة والصدقات، فإنكم تصيرون فقراء، " ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ "؛ أي: بالبخل وسائر المعاصي " ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ "؛ يعني: والله

стр. 211

يقول لكم: أنفقوا أموالكم أُعطكم أضعافَ ما تنفقون في الدنيا، وأُعطكم بالآخرة كلَّ حسنةٍ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ، " ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ "؛ أي: كثير الفضل والرحمة عليكم في الدنيا والآخرة " ﴿عَلِيمٌ﴾ ": بما تنفقون وتعملون من الخير، فلا يُضيع أعمالكم. واعلم أن في بعض النسخ "فاتِّعاد بالشر" بالتاء، وكذلك "فاتِّعاد بالخير" وهو افتعالٌ من (وَعَد)، والاتِّعاد يُستعمل في الشر، يقال: اتَّعد القوم؛ أي: وعد بعضهم بعضًا شرًا، والتواعُدُ يستعمل في الخير، يقال: تَواعَدَ القوم: إذا وعد بعضُهم بعضًا خيرًا، (اتَّعد) أيضًا إذا قبل الوعد. فمَن قرأ: (فإتِّعاد بالشر) في هذا الحديث: أو (فاتِّعاد بالخير)، فقد قرأ: شيئًا لم يكن مرويًا، ولم يكن له معنًى في هذا الموضع؛ لأن (اتَّعد) يكون من اثنين فصاعدًا، لا يقال: اتَّعد زيدٌ عَمْرًا، بل يقال: اتَّعد القومُ، أو: اتَّعد الرجلان؛ أي: وعد بعضهم بعضًا شرًا، وهنا ليس بين اثنين، بل إنما يكَون وعد الشيطان الرجلَ، وليس وعدُ الرجلِ الشيطان، وكذلك وعدُ الملكِ الرجلَ، وليس وعدُ الرجل الملك. فقد ثبت بما قلنا أنه يتعيَّن هنا: (فإيعاد بالشر) بالياء المنقوطة من تحتها بنقطتين، وكذلك: (فإيعاد بالخير). فإن قيل: قد قلتم: إن الإيعاد لا يكون إلا بالشر، فينبغي أن لا يكون في لمة الملك إيعادٌ لأن الإيعاد هنا ليس بشر. قلنا: الإيعاد إذا لم يكن بعده تفسيره يكون بالشر، أما إذا كان بعده تفسيره وهو قوله: (فإيعاد بالخير)، فلا بأس بلفظ الإيعاد، بل الفصاحةُ أن يتلفظ بالإيعاد لازدواج الكلام، فقد تقدم بحثه في الحديث الرابع من هذا. * * * ٥٦ - وعن أبي هُريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يزال الناسُ

стр. 212

يتَساءَلون حتَّى يُقال: هذا خَلَقَ الله الخلْقَ، فمَنْ خَلَقَ الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ثمَّ ليَتفُلَ عنْ يسارِهِ ثلاثًا، وليستَعِذْ بالله من الشَّيطان". قوله: "فقولوا: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "؛ يعني: قولوا عند هذه الوسوسةِ: الله تعالى ليس مخلوقًا بل هو أحدٌ، و (الأحد) هو الذي لا ثاني له ولا مِثْلَ له في الذات والصفة، والله تعالى لا ثاني له ولا مثلَ له لا في الذات ولا في الصفات. وسبب نزول هذه السورة في قول قتادة ومقاتلٍ والضحاك أن أناسًا من اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﵇ فقالوا: صِفْ لنا ربك فأخبرنا من أي شيء هو، ومن أي جنس: أمِن ذهبٍ هو أم من نحاسٍ أم من فضة؟ وما يأكل وما يشرب؟ فأنزل الله هذه السورة؛ يعني: قل لهم يا محمد: الله تعالى ليس بجوهرٍ ولا جسمٍ ولا عَرَضٍ، ليس له مكانٌ، ولا حاجةَ له، إلى شيءٍ ولا إلى أحدٍ، بل يحتاج إليه المخلوقاتُ، ولم يلد أحدًا ولم يولد من أحدٍ، ولم يكن له مثلٌ وشبهٌ. قوله ﵇: "ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا"، (التفل): إسقاطُ البزاق من الفم، يعني: ليُلْقِ البزاق من فمه ثلاثَ مرات، وإلقاءُ البزاق عبارةٌ عن كراهية الرجل الشيء وتقذُّرُه ونفورُ طبعه عنه، كمن وجد جيفةً منتنةً كره ريحها وتفل من نتنها، يعني: ليتفل هذا الرجلُ ثلاثَ مراتٍ ليعلم الشيطانُ أنه كره هذه الوسوسة، ووجده قبيحًا؛ ليفرَّ الشيطان منه، ويعلمَ أنه ليس بمطيعٍ له. "وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم"؛ أي: ليطلب المعاونة من الله الكريم على دفع الشيطان الرجيم. * * *

стр. 213

٥٧ - عن عَمْرو بن الأَحْوَص ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول في حَجَّة الودَاع: "ألا لا يجني جانٍ على نفسِهِ، ألا لا يجني جانٍ على ولدهِ، ولا مَولودٌ على والِدهِ، ألا إنَّ الشيطانَ قَدْ أيسَ أنْ يُعبَدَ في بلادِكُمْ هذِهِ أبدًا، ولكنْ ستكونُ له طاعةٌ فيما تحتَقِرُونَ مِنْ أعمالكُمْ، فسيرضى بهِ". قوله: "سمعت رسول الله ﵇ في حجة الوداع" سُمِّي الحج الذي قال فيه رسول الله ﵇ هذا الحديث بحجة الوداع لأن رسول الله ﵇ لمَّا خطب الناس في هذه الحجة طفق يودِّع الناس، ويقول للناس: "لعلكم لا تروني بعد عامكم هذا"، فقالت الصحابة حينئذ: هذه حجة الوداع. قوله: "ألا لا يجني جان على نفسه"، ألا؛ أي: اعلم، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحدُ والتثنية والجمع. (لا يجني) لفظه النفي، ومعناه النهي؛ يعني: لا يجوز أن يجني أحدٌ على نفسه بأن يقتل نفسَه، أو يقطع عضوَ نفسه، ويحتمل أن يكون معناه: أنه لا يقتلْ أحدٌ أحدًا ليُقتل بالقصاص، فيكون حينئذ كمَن قتل نفسَه. وجاء في بعض الروايات: "ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه"، فمعناه على هذه الرواية أنه لا يؤخَذ ولا يُقتل أحدٌ بفعل أحدٍ. قوله: "ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولودٌ على والده"؛ يعني: كان عادةُ العرب إذا قتل أحدٌ أحدًا يقتلون مَن وجدوا مِن أقارب القاتل، فقال رسول الله ﵇: لا يجوز هذا، بل لا يُقتل والدٌ بأن يَقتل ولده أحدًا، ولا يقتل الولدُ أيضًا بأن يقتل والدُه أحدًا، وإنما ذكر الوالد والمولود ولم يذكر سائر الأقارب؛ لأنه إذا لم يقتل الوالد بجناية الولد على أحد، ولا الولدُ بجناية الوالد على أحد، مع شدة اتحادهما، فأنْ لا يقتل غيرهما بجناية واحدة على أحد - مع

стр. 214

أنه ليس بينهما هذا الاتحاد - أَوْلَى. قوله: (لا يجني جان على ولده) معناه: لا يؤخذ ولا يقتل ولده بفعله؛ لأنه لو قتل ولده بفعله فكأنه لم يَقتل ولدَه إلا هو. ويحتمل أن يريد بقوله: (لا يجني جان على ولده، ولا مولودٌ على والده) أنه لا يجوز للوالد أن يقتل أو يجرح ولده، ولا للولد أن يقتل أو يجرح والده ولا يجوز لأحد أن يقول: لي الحكم في ولدي فيجوز لي أن أفعل به ما أشاء، بل هذا الظن خطأٌ؛ لأن الإنسان عباد الله تعالى، فمَن قتل أو جرح أو آذى أحدًا فقد عصى الله تعالى؛ لأنه تصرَّف في ملكه بغير إذنه، ألا ترى: أن مَن قتل مسلمًا بغير حق، فإن كان القتل عمدًا وجب عليه القصاص، وإن كان خطأً وجبت عليه الدية لحق المقتول، ووجبت عليه الكفارة بتحرير رقبة لحق الله تعالى؛ لأنه أزال الروح ممن يعبد الله تعالى، فأمر الله تعالى بتحرير رقبةٍ مؤمنة ليقوم مقام المقتول في عبادة الله تعالى. ويجيء بحثُ الاقتصاص من الولد بقتل الوالد، وعدم القصاص بقتل الوالد الولد، ووجوب الدية، في (كتاب القصاص). قوله: "ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد" مضى شرحه في الحديث الذي قبل حسان هذا الفصل. قوله: "ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به"؛ يعني: لا تطيعونه في الكفر، ولكن تطيعونه في الصغائر من الذنوب، فسيرضى بها الشيطان، ويوسوسكم فيها، ويأمركمُ بها ولا يأمركم بالكفر؛ لأنه يعلم أنكم لا تطيعونه في الكفر. وأراد بقوله: (فيما تحتقرون)؛ أي: فيما لا تطيعون ولا تعظِّمون قَدْرَه من الذنوب. فإن قيل: قوله: (فيما تحتقرون) يدل على الصغائر، ونحن نعلم أن

стр. 215

الكبائر قد صدرت من بعض الصحابة، مثل الزنا وشرب الخمر والسرقة، فإذا حصل منهم الصغائر والكبائر فلِمَ اختصَّ الصغائر بالذكر، ولم يقل: مطلق الذنوب حتى، يدخل فيه الصغائر والكبائر؟. قلنا: صدور الكبائر من الصحابة نادر، وإن كان ممكنًا وواقعًا، فإذا كان صدور الكبائر من الصحابة وغيرهم من المؤمنين قليلًا بالإضافة إلى الصغائر فتسمية الصغائر التي هي أكثر أولى وأليقُ، خصوصًا برسول الله ﵇ فإنه لا ينسب أحدًا إلى كبيرة. واسم جد "عمرو بن الأحوص": جعفر بن كلاب الجُشَمي الكلابي. * * * ٣ - باب الإِيمان بالقَدَرِ (باب الإيمان بالقدر) مِنَ الصَّحَاحِ: ٥٨ - عن عبد الله بن عَمْرو بن العاصِ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كتَبَ الله مَقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلُقَ السَّماواتِ والأَرضَ بخمسينَ ألْفَ سَنَةٍ، قال: وكان عرشُهُ على الماءِ". قوله: "مقادير الخلائق"، (المقادير): جمع مقدار، والمقدار: الشيء الذي يعرف به قَدْرُ شيء كالميزان، وهو الآلة التي يعرف بها وزن الشيء، وكذا المكيال: الآلة التي يعرف بها قَدْرُ ما يكال، ويُستعمل المقدار بمعنى القدر. اعلم أن جميع ما كان وما يكون من الكليات والجزئيات حاصل في علم الله تعالى، وهو يعلمه بعلمه القديم الأزلي الأبدي لا يزيد شيء في علمه
следующие страницы →