الأشياء ولم ينقص على ما عاهد الله فقد استحقَّ الأجر، وأجرُه على الله لا عليَّ، يعني طاعتي طاعةُ الله، فمَن أطاعني فليطلب الثواب من الله، ومن عمل عملًا صالحًا ليَعْمَل خالصًا لله ولْيَرْجُ الثواب من الله الكريم.
قوله: "أصاب"؛ أي: وصل ووجد "من ذلك": من هذه الأشياء المذكورة "عوقب" فعل ماضٍ مجهول، من عاقب معاقبةً: إذا أوصل وألحق عقوبةً وعذابًا إلى أحد، والمراد بالعقوبة في الدنيا: إقامةُ الحد عليه.
"الكفَّارة": الخصلةُ التي تكفِّر الذنب؛ أي: تستره وتغسله عن الرَّجل يعني: مَن فعل فعلًا قبيحًا وأقيم عليه حدُّ ذلك الفعل في الدنيا لم يكن له عقوبةٌ لأجل ذلك الفعلِ يوم القيامة.
ومثله عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﵇ قال: "من أصاب حدًا فعجِّل عقوبتَه في الدنيا فالله أعدلُ من أن يثنِّي على عبده العقوبةَ في الآخرة"
قوله: "ثم ستره الله"؛ يعني: مَن فعل شيئًا من ذلك - أي: مما بايع النبيَّ عليه - ثم يستره الله تعالى، ولم يهتك ستره بين الناس في الدنيا، ولم يُقَم عليه حدُّ ذلك الفعل، "فهو إلى الله"؛ أي: فهو راجعٌ وصائر إلى الله يوم القيامة.
"إن شاء الله عفا عنه" وغفر له، "وإن شاء عذبه": بقَدْر ذنبه، عفا يعفو عفوًا: إذا ترك العقوبة على الذنب.
واعلم أنه لا يجوز أن يُشهد بالجنة بلا عذابٍ لأحدٍ بعينه إلا مَن ثبت كونُهُ من أهل الجنة بالنص، كأصحاب الشجرة الذين نزل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وهم أبو بكر، وعمر, وعثمان، وعلي، وطلحة، وزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وهؤلاء أصحاب الشجرة رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 142
وكذلك مَن شهد النبيُّ له بالجنة نحن نشهد له أيضًا بالجنة، وأما غيرهم من المسلمين فلا نشهد لواحدٍ بعينه أنه من أهل الجنة بلا عذابٍ، بل نقول: المسلمون من أهل الجنة على الإطلاق، ولكن لا نعيِّن واحدًا، بل أمرُ كلِّ واحدٍ في مشيئة الله تعالى: إن شاء أدخله الجنة بشفاعة الشفيع بلا عذاب، وإن شاء غفر له بلا شفاعةِ شفيعٍ، وإن شاء عذَّبه بقَدْرِ ذنوبه، وعاقبةُ كل واحدٍ من المسلمين الجنة، ولم يخلَّد مسلم في النار وإن كان له ذنبٌ عظيم، ولم يخلَّد في النار إلا بسبب الكفر.
قوله: "فبايعناه على ذلك"؛ يعني: لمَّا قال لنا رسول الله ﵇ من قوله: (بايعوني) إلى ها هنا بايعناه إلى ما قال، وقبلنا منه هذه الأشياء.
وجَدُّ (عبادة بن الصامت) قيس بن أصرم، وعبادةُ أنصاريٌّ.
* * *
١٧ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ أنه قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في أَضْحَى - أو: فِطْرٍ - إلى المُصلَّى، فمرَّ على النِّساءِ فقال: "يا معشرَ النِّساءِ! تصدَّقْنَ، فإني أُريتُكنَّ أكثرَ أهلِ النارِ"، فقُلْنَ: وبمَ يا رسولَ الله؟ قال: "تُكثِرْنَ اللَّعْنَ، وتكفُرْنَ العَشيرَ، ما رأيتُ مِنْ ناقِصاتِ عقلٍ ودِينٍ أذْهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازِم مِنْ إحداكنَّ"، قُلن: وما نُقصانُ دينِنا وعَقْلنَا يا رسولَ الله؟ قال: "أليسَ شهادةُ المرأةِ مثلَ نصْفِ شهادةِ الرجل؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصان عَقْلِها"، قال: "أليسَ إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ، ولم تَصُمْ؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصانِ دينِها".
قوله: "في أضحى أو فطر ... " إلى آخره، (أو) ها هنا للشك، يعني شكَّ الراوي أن رسول الله ﵇ خرج في عيد الأضحى أو في عيد الفطر.
стр. 143
"إلى المصلى فمر على النساء"، (مر) يقدَّر بعلى وبالباء، يقال: مررتُ عليه، ومررتُ به.
يعني صلى رسول الله ﵇ صلاة العيد وخلفه الرجال، والنساءُ واقفاتٌ في البعد، فلما فرغ رسول الله ﵇ من الصلاة خطب الرجال ووعظهم، ولم تسمع النساء خطبة رسول الله ﵇ لبُعدهن من موضع رسول الله ﵇، فلما فرغ رسول الله ﵇ من خطبة الرجال أتى النساء ووقف عندهن ووعظهنَّ، ومِن وعظه إياهن قولُه ﵇: "يا معشر النساء تصدقن فإني أُريتكن أكثر أهل النار"، (المعشر): الجماعة، (تصدقن): أمُر مخاطبةِ جماعةٍ من النساء، مِنْ تَصدَّق: إذا أعطى الصدقة.
(أريتكن)، (أُري): إذا أُعلم وأُخبر، وله ثلاثةُ مفاعيل، و (النساء) في (أُريتُ) هو المفعولُ الأول أُقيم مُقامَ الفاعل، و (كنَّ) المفعولُ الثاني، و (أكثرَ أهل النار) هو المفعول الثالث يعني: أُخبرت وأُعلمت بأنكنَّ أكثر أهل النار، يعني: النساء أكثر دخولاً في النار من الرجال، ويأتي بعد هذا علَّةُ كثرة دخولهن في النار.
واعلم أن قوله ﵇: (أريتكن أكثر أهل النار) يريد أنه أراه الله تعالى جهنم ليلة أُسري به، ورأى أكثر أهلها النساءَ، فقال بعض أصحابه: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنْتَ إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قط".
"فقلن: وبم يا رسول الله؟ "، (وبم) أصله: وبما، (ما) للاستفهام، وإذا دخل حرف الجر على الاستفهام يجوز حذفُ ألفها فحذف ألفها ها هنا، والباء باء السببية؛ يعني: قالت النساء: بأيَّ سببٍ نكون أكثر أهل النار؟
стр. 144
فقال رسول الله ﵇: "تُكثرن اللعن" وأصل اللعن: الإبعاد من الخير، ويستعمل في الشتم والكلامِ القبيح لأحد، يعني: عادتُكنَّ كثرةُ الشتم وإيذاء الناس باللسان.
قوله: "وتكفرن العشير"، كفر يكفر كفرانًا: إذا جحد وأنكر النعمة وتَرَكَ أداءَ شكرها.
(العشير): المُعاشر، وهو المخالط، والعشرة: اسم من المعاشرة، وهي المخالطة، والمراد بـ (العشير) هنا: الزوج؛ يعني: تكفرن حقَّ أزواجكن ولا تؤدِّينَ حقَّ إنعامهم عليكن، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومن لم يشكر الله تعالى يستحقُّ العذاب.
قوله: "أذهبَ لِلُبَّ الرجل الحازم"، (أذهبَ): أفعلُ التفضيل من (ذَهَب)، ولكن معناه: أذهبَ؛ لأنه صار متعدِّيًا باللام في قوله: (لِلُب): فمعناه حينئذ: أكثر إذهابًا.
(اللب): العقل.
(الحازم): اسمُ فاعلٍ من حَزَم يَحْزِم - بفتح العين في الماضي وكسرِها في الغابر - حزمًا: إذا شدَّ الشيء وضبط أمره واحتاط فيه، ويستعمل في كامل العقل وصاحب الاحتياط في الأمر.
يعني: كلُّ واحدةٍ منكن عقلُها ناقصٌ وتزيلُ عقل الرجل الكاملِ العقلِ، وإذهابُهن عقولَ الرجال بأن يعشق الرجل بامرأةٍ ويغلب عليه عشقُها حتى ينقص عقلُه، وربما يزول عقله ويصير مجنونًا، وربما تُغضبه بالتماسِ شيءٍ منه أو بترك الأدب أو بمنازعةٍ، حتى يزول أو يقلَّ عقلُه من الغضب.
"وما نقصان ديننا وعقلنا" اعلم أن العقل في الشرع عبارةٌ عن معنًى في الشخص يعقله؛ أي: يمنعه عن الهلاك والخسران في الآخرة، فمَن كان ذا
стр. 145
تجربةٍ في أمور الدنيا واحتياطٍ فيها، ويعرف النفع والضرَّ ودقائقَ الحساب وما أشبه ذلك، ولم ينته عمَّا هو سببُ هلاكه وخسرانه في الآخرة، فليس بعاقلٍ في الحقيقة؛ لأن الاحتراز عمَّا هو سبب الهلاك في الدنيا بالنسبة إلى ما هو سببُ الهلاك في الآخرة شيءٌ قليل، فمَن احترز عن هلاك الدنيا ولم يحترز عن هلاك الآخرة فهو كمَن يحترز عن أن يقع في حفرةٍ قعرُها قَدْرَ ذراعٍ مثلًا، ولا يحترز عن أن يلقي نفسه في بئرٍ قعرُه ألفُ ذراعٍ، فلا يَحكُم بكون هذا الرجل عاقلًا أحدٌ.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالعقل في هذا الحديث هو العقلُ الديني؛ لأنه ﵇ علَّل نقصان عقلهن بجعل امرأتين في الشهادة كرجلٍ واحد، والشهادةُ شيءٌ شرعيٌّ وهي عبادةٌ؛ يعني: مَن كان عقله الدينيُّ أكثرَ تكون تقواه أكثر، وإذا كان تقواه أكثر يكون أحفظَ وأوعى للشهادة؛ لأنَّ شهادة الزور تكون سبب الهلاك والخسران في الآخرة، ويحترزُ العاقل عن مثل هذا، ولمَّا كان عقل النساء أقلَّ جعل الشرع امرأتين بمنزلة رجلٍ في الشهادة.
ويحتمل أن تكون علةُ جعل امرأتين بمنزلة رجلٍ واحدٍ في الشهادة؛ لأن النسيان عليهن أكثر من الرجال، وإلى هذا أشار قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] (ممَّن ترضون)؛ أي: من العدول والصُّلحاء (أن تضل)؛ أي: أن تنسى إحداهما الشهادة، فتذكرها المرأة الأخرى الشهادة.
قوله: "أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم"؛ أي: أليس الحكم أن المرأة تترك الصلاة في أيام حيضها ونفاسها، والرجلُ لا يترك الصلاة، ومَن يترك الصلاة في بعض الأيام يكون دينه أنقصَ من الذي لا يترك الصلاة.
واعلم أن الدِّين عبارةٌ عن جميع خصال الخير والانتهاءِ عن جميع المناهي،
стр. 146
فمَن كان خيره أكثر يكون دينه أكمل، ومَن كان خيره أقلَّ يكون دينه أنقص، ولم يختلف أحد أن الدين يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
بل اختلف الشافعي وأبو حنيفة رحمة الله عليهما في أنَّ الإيمان: هل يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، أم لا؟.
فقال الشافعي: يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وإنما قال هذا لأن الإيمان عنده عبارةٌ عن جميع شعب البضع والسبعين المذكورة.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يزيد الإيمان بالطاعة ولا ينقص بالمعصية، وإنما قال هذا لأن الإيمان عنده عبارةٌ عن التصديق بالجَنان والإقرارِ باللسان، وأما الشعبُ فهي من حقوق الإيمان عنده لا من الإيمان.
قوله ﵇: "فذلك من نقصان عقلها" والكاف في (ذلك) ها هنا ليس للخطاب؛ لأنه لو كان للخطاب لقال: فذلكنَّ، لأن المخاطَبات في هذا الحديث جماعة، والكافُ في (ذاك) و (ذلك) قد تكون للخطاب وقد تكون لغير الخطاب؛ لأن الرجل إذا أراد أن يشير إلى غائبٍ من غير أن يخاطب أحدًا فلا يمكنه الإشارة إلى الغائب بدون الكاف في (ذاك وذلك) وأشباهِهما من (تيك وتلك وأولئك)، وهذا الكافُ ليس كالكاف في (رأيتك) في الخطاب؛ لأنك تقدر أن تقلب الكاف في (رأيتك) هاءً فينقلب (١) الكلام من المخاطبة إلى المغايبة، فتقول: رأيته، ولا تقدر أن تقول: ذاه أو ذاها، بدل: ذاك، فقد عُلم أن هذا اللفظ وضع مع الكاف؛ لأنك لا تقدر أن تشير إلى غائب بدون الكاف، فـ (ذلك) في هذا الحديث إشارةٌ إلى الحكم؛ أي: الحكم الذي شهادةُ المرأة جُعلت مثلَ نصفِ شهادة الرجل لأجل نقصان عقلها.
стр. 147
واسم أبي سعيد: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الله بن ثعلبة الخُدْريُّ الأنصاري.
* * *
١٨ - وقال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: كذَّبني ابن آدمَ، ولم يكنْ له ذلك، وشَتمني، ولمْ يكنْ له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيَّايَ فقوله: لن يُعبدَني كما بدأَني، وليسَ أولُ الخلق بأهونَ عليَّ من إعادتهِ، وأما شَتْمُهُ إيايَ فقوله: اتَّخذَ الله ولدًا، وأنا الأَحدُ الصَّمدُ، لم ألِدْ ولم أُولَد، ولم يَكُنْ لي كُفُوًا أحدٌ".
وفي رواية: "فسُبحاني أن أتَّخذَ صاحبةً أو ولدًا"، رواه ابن عباس ﵄.
قوله: "كذبني ابن آدم ... " إلخ؛ أي: خالفَ في القول والاعتقاد ما قلت وأرسلتُ به رسلي من الأخبار بإحياء الخلق بعد الموت للحساب والجزاء.
"ولم يكن له ذلك"؛ أي: ولم يكن ذلك التكذيب حقًا وصدقًا وصوابًا له، بل كان خطأً وعصيانًا منه؛ لأن الله تعالى أنعم أنواع الأنعام والفضل على العباد، فتكذيبُ العباد ربهَّم وخالقهم ووليَّ نعمِهم وحافظَهم من الآفات يكون على غاية القبح، بل لو خالف عبدٌ سيدَه من المخلوقات أو خادمٌ مخدومَه يكون ذلك قبيحًا على غاية القبح عند الناس، فكيف لا تكون مخالفةُ العبد الرب قبيحًا.
"الشتم" رمي أحدٍ أحدًا بكلام قبيح.
قوله: "لن يعيدني"؛ يعني: مَن قال: لن يُحييني بعد موتي كما خلقني.
وقوله: "وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته"، (الخلق) ها هنا بمعنى المخلوق، والتقدير: ليس أولُ خَلْقِ الخلق؛ أي: خَلْقِ المخلوق، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقامه، فالخلق الأول المحذوفُ مصدرٌ، والثاني
стр. 148
بمعنى المخلوق، والباء في (بأهون) زائدةٌ للتأكيد، ومعنى (أهون) أسهل، من (هان يهون هونًا): إذا سهل الأمر.
و (الإعادة) مصدرُ أعاد يُعيد: إذا ردَّ شيئًا إلى أوله، والضمير في (إعادته) يرجع إلى (الخلق)؛ يعني: ليس أولُ الخلق أسهلَ من إعادته، بل الإعادةُ أسهل من أول الخلق، فإذا كنتُ قادرًا على خَلْقِ الخَلْقِ من غيرِ أن كان منهم أثرٌ ومثالٌ، فكيف لا أكون قادرًا على خلقهم بعد أن يكون منهم أثرٌ من العظام أو اللحم أو ترابهم، فقال تعالى حجة عليهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [الحج: ٥] الآية.
والمراد بـ (أهون): هين، أو أراد: أهون عندكم وفيما بينكم.
قوله: "اتخذ الله ولدًا": أراد به ما قالت اليهود والنصارى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقول بعض الكفار: الملائكة بناتُ الله، وقولِ بعضهم: الأصنام بناتُ الله.
والمراد بقوله: "كذبني ابن آدم وشتمني" هم الكفار؛ لأن المسلمين لا يقولون مثلَ هذا.
والواو في قوله: "وأنا الأحد الصمد" واوُ الحال.
(الأحد): هو المتفرَّدُ بالصفات؛ يعني: صفة القِدَم، والبقاءِ، والتنزُّهِ عن المكان والزمان والاحتياجِ إلى الزوج والشريك والعونِ، وغير ذلك من صفاتِ الله تعالى، هو تعالى متفردٌ بها، ولم يكن لغيره شيءٌ من هذه الصفات.
(الصمد): هو السيد الذي ليس فوقه أحد بحيث يَصْمُدُه كلُّ أحدٍ؛ أي: يقصده لقضاء الحوائج.
يعني: المخلوقاتُ يحتاجون إليه ويقصدونه للتعبُّد وقضاءِ حوائجهم، وهو لا يحتاج إلى أحدكم.
стр. 149
قوله: "لم ألد" أصله: أَوْلِد؛ من وَلَد يَلِد، فحُذفت الواو؛ يعني: لم ألد ولدًا قط لأني منزَّهٌ ومقدَّسٌ عن الاحتياج إلى الزوج والولد.
"ولم أولد" الهمزة لنفس المتكلَّم، وهو مضارعٌ مجهولٌ؛ يعني: ليس لي أبٌ ولا أم؛ لأنه لو كان لي أبٌ وأمٌّ لكنت خَلْقًا مثلكم، وإذا كنت خلقًا مثلكم لم يكن لي قدرةٌ على الخلق، والإيجادِ والإفناء، وإيصالِ الرزق إلى كلِّ مرزوق، والعلمِ بالسرِّ والعلانية، وغيرِ ذلك من صفاتي.
"الكفؤ": الشَّبْه والمِثْل، والتقدير: ولم يكن أحدٌ كفوًا لي؛ أي: ليس لي شبهٌ ومثلٌ، فقال تعالى حجة عليهم: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٠١]. "وفي رواية ... " إلى آخره، يعني: روَىَ هذا الحديثَ بعض الرواة وقال بعد قوله: (فقوله: اتخذ الله ولدًا): "فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا"، (فسبحاني)؛ أي: تنزيهًا وتطهيرًا وتعظيمًا لي عن صفات المخلوقات، ولفظة (سبحان الله) اسمٌ أقيم مقام المصدر، ويكون أبدًا منصوبًا، وهو مضاف، تقول: سبحان الله، وسبحانك يا الله، وسبحانه وتعالى، وما أشبه ذلك، وتقدير (سبحان الله): نسبح الله تسبيحًا، ثم حُذف الفعل والمصدر وأُقيم (سبحان) مقام المصدر وأضيف إلى الله تعالى، فقالوا: سبحان الله، وكذلك التقدير في: سبحانك، وسبحانهُ وتعالى.
والتقدير في (سبحاني): أنزَّه وأُبْعِدُ نفسي عن صفات المخلوقات، ومعنى التنزيه: الإبعاد والتطهير.
(الصاحبة): الزوجة.
فإن قيل: هذه الأحاديثُ وغيرها مما حكاه النبي ﵇ عن الله تعالى ينبغي أن يكون كلامَ الله، وإذا كان كلام الله فأيُّ فرق بينه وبين القرآن؟.
стр. 150
قلنا: القرآن هو اللفظ الذي أنزله جبريل ﵇ عن الله تعالى إلى نبيِّنا ﵇، وأمره أن يقرأه على هذا اللفظ ويَحْفَظَ ويعلِّمَ أمته، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] يعني: إذا أنزلنا عليك القرآن وقرأه جبريل عليك فاحفظ لفظه واقرأه وعلِّمه الناس واعمل بأحكامه، والقرآن هو الذي يُعجز جميع المخلوقات عن أن يأتوا بشيء مثله، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. (الظهير): العون.
وأما الأحاديث التي حكاها النبي ﵇ عن الله تعالى فليست بألفاظٍ أمر الله تعالى نبيه أن يحفظها ويقرأها، بل يحتمل أن يخبره الله تعالى بهذه المعاني ليلةَ المعراج، أو في المنام، أو بطريق الإلهام وغير ذلك، فأخبر النبيُّ ﵇ أمته بهذه المعاني بعبارةِ نفسه وألفاظه ﵇.
ألا ترى أن حكم ألفاظ هذه الأحاديث ليست بمعجزةٍ، بل تشبه ألفاظُها ألفاظَ سائر أحاديث النبي ﵇، فإذا كان كذلك فحكمُ هذه الأحاديث حكمُ سائر الأحاديث لرسول الله ﵇.
فإن قيل: إذا كانت هذه الأحاديثَ أيضًا أحاديث رسول الله ﵇، وكلُّ أحاديثه ﵇ من قِبَلِ الله تعالى وإلهامِه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] يعني لم يتلفَّظ بلفظٍ من القرآن أو الحديث من تلقاء نفسه بل من عنده تعالى، فإذا كان كذلك فِبمَ يُعرف الفرقُ بين الأحاديث التي يرويها عن الله تعالى وبين غيرها من أحاديثه؟.
قلنا: أما الأحاديث التي أضافها إلى الله تعالى مثلَ قوله: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم"، وقوله: "قال الله: يؤذيني ابن آدم"، وما أشبهَ ذلك، فهي الأحاديث التي رواها عن الله تعالى.
стр. 151
وأما الأحاديث التي لم يُضفها إلى الله (١) تعالى كسائر أحاديثه، فليس يرويه عن الله تعالى، وإن كان من عند الله تعالى وحُكْمَ الله تعالى.
* * *
١٩ - وقال: "قال الله تعالى: يُؤْذيني ابن آدمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهرُ، أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "وقال: قال الله تعالى"؛ أي: قال رسول الله: قال الله تعالى: "يؤذني ابن آدم"، (الإيذاء): إيصالُ شيء يكرهه من القول أو الفعل سواءٌ أثَّر فيه أو لم يؤثِّر فيه، وإيذاء بني آدم ربَّهم تعالى لم يؤثِّر فيه ولم يضره بل يضرُّ القائلين، فإذا كان كذلك يكون معنى (يؤذيني ابن آدم): يقول لي ابن آدم ما أكرهه وأُبغضه، ولا يليقُ بحضرتي.
"يسب الدهر" يروى: "بسبِّ الدهرِ" بالباء الجارَّة وبعدها المصدرُ المجرور بالباء، ويُروى: "يسب الدهرَ" على أنه فعلٌ مضارع، و (الدهرَ) منصوبٌ على أنه مفعوله.
و (السب): الشتم، وذُكر معناه في الحديث الذي قبل هذا.
و (الدهر): هو الزمان من أول خَلْقِ الله تعالى العالمَ إلى آخر الدنيا، ويقال: بعض الزمان دهرٌ أيضًا.
"وأنا الدهر" يروى برفع الراء ونصبها:
فإن نُصب يكون ظرفًا مقدَّمًا على الفعل، فيكون التقدير: وأنا أقلب الليل والنهار في الدهر.
وان رُفع يكون (الدهر) مضافًا إليه أُقيم مقام المضاف، والتقدير: وأنا خالق
стр. 152
الدهر، أو مصرَّف الدهر - فحذف (خالق) أو (مصرف) وما أشبه ذلك، وأقيم (الدهر) مقامه - يؤذيني ابن آدم بشتمه الدهر بسبب فقرٍ وقحطٍ ومرضٍ وما أشبه ذلك من مكروهاتٍ تصيبه، وأنا خالقُ الدهر ومقلِّبُ الليلِ والنهار، فما أصابه أصاب مني لا من الدهر؛ لأن الدهر مخلوقٌ ومسخَّرٌ لا يقدر على إيصال نفعٍ وضر، بل النفعُ والضرُّ والغنى والفقر والصحة والمرض والحياة والممات كلُّها بقضائي وقدري، فمَن شتم الدهر فقد شتمني؛ لأنَّ مَن عاب مصنوعًا عاب صانعه.
فإن قيل: هذه الأحاديث تدل على أنه لا يحدث فعلٌ ولا قولٌ ولا نفعٌ ولا ضرٌّ ولا غيرُ ذلك مما يحدث إلا بقضاء الله تعالى وقَدَرِه، وإذا كان كذلك فلمَ يَعيبون الكفار على كفرهم والعصاةَ على عصيانهم؟
قلنا: ليس الأمر كما يُظن، بل ما يجري في العالم قسمان:
أحدهما: ما يجري على شيءٍ ليس له اختيارٌ فيما يصدرُ منه، كمرور الليل والنهار، ونزول المطر، والنفع والضر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والخسران والبرودة، والريح الطيبة وغير الطيبة، وتحرك الشجر، وغير ذلك مما لا اختيار له، فلا يجوز أن يعيب أحدٌ شيئًا من هذه الأشياء.
والقسم الثاني: ما يصدر ممن له اختيارٌ وكسبٌ، كالجن والإنس وغيرِهم ممَّن له اختيارٌ، فهؤلاء مثابون بخيرٍ يصدر منهم ويعاقبون بشرٍّ يصدر منهم؛ لأن لهم اختيارًا واكتسابًا، فيجوز أن يعيب أحدَ هؤلاء أحدٌ على فعلهم القبيح ومخالفتهم الأنبياء والكتب، إلا أن القضاء والقدر من الله تعالى والفعل من العباد ولهم اختيارٌ، وبحث هذه المسألة طويلٌ ليس هذا موضعه.
* * *
٢٠ - وقال: "قال الله تعالى: أَنا أغنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّرْكِ، مَنْ عمِلَ عَملًا أشركَ فيه معِي غيْري؛ تركتُهُ وشِرْكَهُ"، رواه أبو هُريرة ﵁.
стр. 153
قوله: "أنا أغنى الشركاء"، (أغنى): أفعل التفضيل.
الشرك والشركة والمشاركة: أن يكون الشيء ملكًا أو حقًا لاثنين أو أكثر، ويقال لكل واحد من المالكين: شريك، وللجمع: شركاء.
يعني: أنا أكثر الشركاء استغناءً، لا حاجة لي إلى شريك، فأفعل التفضيل قد يضاف إلى جمعٍ يكون في المضاف إليهم الشيءُ الذي يكون في المضاف، ولكن يكون في المضاف أكثر، مثل أن تقول: زيدٌ أفضلُ القوم؛ يعني: الفضل في زيدٍ وفي القوم موجودٌ ولكنْ في زيد أكثر، وقد يضاف ولا يكون في المضاف إليهم شيءٌ مما يكون في المضاف، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أنه لا خيريةَ ولا حُسنَ لأصحاب النار.
يعني: قد يكون بعض الناس غنيًا عن الشريك، ولكن لم يكن استغناؤه عن الشريك في جميع الأوقات، وقد يكون مستغنيًا في بعض الأوقات ومحتاجًا في بعضها، وأنا غنيٌّ عن الشركاء والضِّدِّ والند والظهير أبدًا؛ لأن الحاجة والعجز والفقر وغيرها من أوصاف المخلوقات لا سبيل لشيء منها إليَّ، فمَن عَمِلَ عملًا لا يكون خالصًا لي - بل عملُه للرياء والسمعة - لا أقبلُ ذلك العمل منه.
قوله: "تركته وشركه": الضمير راجعٌ إلى الذي يعمل، والمراد بـ (شركه): عمله الذي أشرك فيه غيرَ الله تعالى؛ يعني: أجعلُ ذلك الشخصَ وعملَه مردودًا من حضرتي ما دام في الشرك والرياء، وإذا ترك الشرك والرياء وأخلص لي (١) العمل قبِلتُه.
* * *
٢١ - وقال: "قال الله تعالى: الكِبرياءُ ردائي، والعظَمةُ إزاري، فمنْ
стр. 154
نازَعَني واحدًا منهما أدخلتُهُ النَّار"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "الكبرياء ردائي"، (الكبرياء): غاية العظمة والترفُّع عن أن ينقاد أحدًا أو يحتاج إلى أحد أو إلى شيء بوجهٍ من الوجوه، وهذه الصفات لا تكون إلا لله تعالى.
(الرداء والإزار) متشابهان، إلا أن الرداء ما يلبس به الرجل رأسه وكتفه وأسفل من ذلك، والإزار: ما يلبس به الرجل من وسطه إلى قدميه.
و (الكبرياء والعظمة) صفتان لله تعالى لا يجوز أن يُوصف مخلوقٌ بواحدٍ منهما، بخلاف الرحيم والكريم، فإنه يقال: فلانٌ كريم ورحيم، وقد قال رسول الله ﵇: "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈".
ومعنى هذا الحديث أن الكبرياء والعظمة لا يستحقُهما غيري، بل هما صفتان مختصتان بي لا يشاركُني فيهما غيري كما لا يشارك أحدٌ الرجلَ في ردائه وإزاره اللَّذَين هما لباسان له.
قوله: "فمن نازعني واحدًا منهما أدخلته النار"، (نازع): إذا جذب أحدٌ شيئًا من واحد وجذب ذلك الواحدُ من صاحبه ذلك الشيء، ويقول كل واحد منهما: هذا ملكي وحقِّي.
يعني: قال الله تعالى: الكبرياء والعظمة حقي، ولا يستحق واحدًا منهما غيري، فمَن ادَّعى الكبرياء أو العظمة فقد خاصمني، ومن خاصمني صار كافرًا، ومن صار كافرًا، أدخلْته النار.
واعلم أن التكبُّر على نوعين:
أحدهما: التكبر على الله تعالى.
стр. 155
والثاني: التكبر على الخلق.
فالتكبُّر على الله كفرٌ، وهو أن لا يطيعه ولا يقبلَ أمره، فمَن ترك أمرًا من أوامره أو أتى منهيًا من مناهيه على اعتقادِ الاستخفاف بالله تعالى وجحودِ أمره فهو كافرٌ، وأما مَن ترك أمرًا لا على سبيل الجحود، بل اعتقد كونه حقًا، فهو عاصٍ وليس بكافرٍ.
وأما التكبر على الخلق، وهو أن يكون الخلق في خاطره حقيرًا ويعتقدَ فضلًا لنفسه على الناس، فهذا أيضًا عصيانٌ وليس بكفرٍ إن لم يكن فيه استخفافٌ للشرع، فإن كان فيه استخفاف للشرع، مثل أن يَحْقِرَ نبيًا من الأنبياء أو مَلَكًا من الملائكة، أو حقر العلماء عن اعتقادِ عدمِ عزة العلم وحُرمته، فهو كافر.
* * *
٢٢ - وقال رسول الله ﷺ : "ما أَحَدٌ أصبَرُ على أذًى يسمعه مِنَ الله تعالى، يَدَّعونَ له الولَد، ثم يُعافيهم ويرزُقهم"، رواه أبو موسى الأشعري ﵁.
قوله: "ما أحدٌ أصبرَ على أذى ... " إلى آخره، (أصبر): أفعل التفضيل من الصبر، وهو حبسُ النفس ومنعُها عمَّا تشتهيه وإمساكُ النفس وحبسها عن الجزع.
والصبر في صفة الله تعالى معناه: تأخير إرسال العذاب على مستحقِّي العذاب على أذًى يسمعه؛ أي: على كلام الكفار القبيح.
قوله: "يدَّعون له الولد": هذا شرحُ (أذًى)؛ يعني: يقول لي الكفار: إن لله الولد، ومَن قال مثلَ هذا فهو يستحق أن يعجَّل له العذاب في الدنيا، فالله تعالى لا يعجَّل تعذيبه بل يرزقه العافية من العذاب في الدنيا ويرزقُه المالَ وأنواع النعم، وهذه الصفةُ ليست لأحد من المخلوقات؛ لأن المخلوق إذا آذاه أحد
стр. 156
لا يعطيه العطاءَ بل يُوْصِلُ بقَدْرِ ما يقدِرُ عليه من أنواع العذاب والضرر.
(عافاه الله تعالى)؛ أي: أعطاه الله العافية، وهي أن يدفع الله عنه ما يكره، ومعنى (يعافيهم) هنا: أنه تعالى يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا.
* * *
٢٣ - وعن مُعاذ ﵁ قال: كنت رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حمارٍ، ليس بيني وبينه إلَاّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فقال: "يا معاذُ! هلْ تدري ما حقُّ الله على عبادِه؟ وما حقُّ العِبادِ على الله؟ "، قلتُ: الله ورسولهُ أعلم، قال: "فإنَّ حَقَّ الله على العباد أنْ يعبُدُوهُ، ولا يُشْرِكُوا به شيئًا، وحقُّ العبادِ على الله أنْ لا يُعذِّبَ مَنْ لا يُشركُ بهِ شيئًا"، فقلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ به الناسَ؟ قال: "لا، فَيتَّكِلُوا".
قوله: "كنت ردت النبي ﵇"، (الردف): بكسر الراء وسكون الدال: إذا ركب خلف الراكب من الفرس وغيره، وكلُّ شيء يتبع شيئًا فهو رِدْفُه؛ يعني: كنت راكبًا خلف رسول الله ﵇ "على حمار".
وقوله: (كنت ردف النبي ﵇ على حمار) يدل على أشياء:
أحدها: جواز ركوب اثنين على دابةٍ واحدة، وقد جاء في الحديث أنه ركب اثنان مع النبي على بعيرٍ واحد.
والثاني: أن ركوب الحمار سنةٌ؛ لموافقة رسول الله ﵇، ولأنه أقرب إلى التواضع.
والثالث: أن عرق الحمار طاهرٌ، وما على ظهره من الغبار معفوٌّ عنه؛ لأن الغالب وصولُ بعض أعضاء رسول الله ﵇ ومعاذ أو بعضِ ثيابهما إلى الحمار.
والرابع: أن صدر ظهر الدابة أولى بالأشرف والأفضل؛ لأن النبي عليه
стр. 157
السلام كان جالسًا على صدر ظهر ذلك الحمار ومعاذ خلفه.
والخامس: بيان منزلة معاذ وعزَّته عند النبي ﵇.
وفي بعض الروايات بعد قوله: (على حمار): وليس بيني وبينه إلا مُؤْخرةُ الرحل، وكذلك في بعض نسخ "المصابيح".
"المؤخرة": بسكون الهمزة بعد الميم: آخر الرحل، وهي الخشباتُ التي تكون على آخر الرحل ليستند ويتكأ عليها الراكب.
"الحق": نقيض الباطل، و (الحق): الموافقة، و (الحق): النصيب والملك، يقال: هذا الفرس حقي؛ أي: مِلكي، و (الحقُّ)، الواجب، يقال: في ذمتي حقُّ الله تعالى؛ أي: في ذمتي لازمُ فريضة الله تعالى، و (الحق): الجدير واللائق، والحقيق مثلُه.
والمراد ها هنا بقوله: "ما حق الله تعالى على عباده"؛ أي: ما يجب لله على عباده؟ و (ما) استفهامية.
وقوله: "وما حق العباد على الله"؛ أي: أيُّ شيء حقيقٌ وجديرٌ ولائقٌ أن يفعل الله تعالى بعباده إذا أطاعوه ولم يشركوا به شيئًا؟
قوله: "فإن حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه ... " إلى آخره، يعني: الواجبُ لله تعالى على عباده أن يعبدوه وحده من غير أن يعبدوا غيره، ومن غير أن تكون عبادتهم للرياء؛ لأن الله تعالى هو الخالق الرزاق النافع الدافع عن عباده الآفاتِ والمؤذياتِ، ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانيةً، وهو يشفيهم إذا مرضوا، ويسقيهم إذا عطشوا، ويُطعمهم إذا جاعوا، ويكسوهم إذا صاروا عُراةً، وله تعالى عليهم أنواعُ النعم الجسيمةِ والألطافِ العميمة، فإذا كان كذلك وجب عليهم أن يوحِّدوه ويُخْلِصوا له الطاعةَ، هذا حقُ الله تعالى على عباده.
وأما حق العباد على الله: فاعلم أن أهل السنة اتفقوا على أنه لا يجب
стр. 158
على الله شيء، بل ما يعطي عباده من الرزق والثواب على الطاعة تفضُّلٌ منه، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] معناه: ألزم على نفسه تفضُّلًا ولطفًا أنه لا يُضيع أجر المحسنين، ويقبلُ طاعة المطيعين، ويقبل توبةَ العاصين، وكلُّ إنعامٍ وفضلٍ منه على عباده تفضُّلٌ ورحمةٌ منه عليهم، فإن الكريم إذا كان عادتُهُ الإنعامَ والفضل على مَن ليس يخدمه، فإذا خدمه أحدٌ يرى جزاءَ عمله كالواجب عليه.
فإذا علمت هذا فاعلم أن معنى "حق العباد على الله تعالى أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا": بشرط الإتيان بأوامره والانتهاءِ عن مناهيه، فإنَّ كل ذلك من عبادته، ولا ينبغي أن يعتقد أحد أن مَن قال: لا إله إلا الله، ولم يتخذ إلهًا سواه، فقد وجبت له الجنة وخرج عن أن يستحق العذاب، فإن هذا الاعتقاد ناقضٌ لكثيرٍ من آيات القرآن وللأحاديث الواردة في تهديد الظالمين والعصاة، ويتضمَّن هذا الاعتقاد إراقةَ دماءِ المسلمين وإذهابَ أموالهم، ومدَّ الأيدي على النساء الأجنبيات، والشتم والغيبة والبهتان في حق المسلمين، ولأنه إذا اعتقد أنه نجا من العذاب بقول: لا إله إلا الله، فلا يخاف ولا يحترز عن هذه الأشياء، ولا يدل هذا الحديث على هذا؛ لأنه قال ﵇: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).
قوله ﵇: (وحق العباد على الله أن لا يعذِّب مَن لا يشرك به) تقديره: أن لا يعذَّب مَن يعبده ولا يشركُ به، فقد قيَّد ترك العذاب بالعبادة.
والعبادة: الإتيانُ بالأوامر والانتهاءُ عن المناهي (١).
"فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس قال: لا فيتكلوا"، (التبشير): إيصالُ خبرٍ وحديث إلى أحدٍ يظهر أثرٌ من ذلك الخبر على بشرته، وقد يكون
стр. 159
سرورًا، وقد يكون حزنًا، وقد جاء القرآن بهما في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] الآية فهذه بشارةٌ فيها السرور، وقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] فهذه بشارةٌ فيها الحزن.
(يتكل) أصله: يَوْتَكِل؛ لأنه مضارعٌ من الافتعال، من وَكَل يَكِلُ: إذا فوَّض الأمر إلى أحد، واتكل: إذا اعتمد واتكأ بأحد أو بشيء، واتكل أصله: اوتكل، قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء.
يعني: قال معاذ: يا رسول الله! أفتأذنُ لي أن أخبر الناس بأن لهم حقًّا على الله تعالى، وأن لا يعذب الله من لا يشرك به شيئًا؟ قال: لا, فإنهم لو سمعوا هذه البشارة لاعتمدوا عليها وتركوا الاجتهاد في العبادة.
فإن قيل: إذا لم يأذن رسول الله ﵇ لمعاذٍ أن يخبر الناس بهذا الحديث، فكيف أخبر به الناس؟
قلنا: علمُ معاذٍ ﵁ أن النبي ﵇ نهاه عن الإخبار بهذا الحديث لأجل أن لا يعتمد بعضُ الناس على هذا الحديث، ويتركوا العمل، وهذا يكون في بدء الإسلام، أما إذا صار الرجل صاحبَ ذوقٍ من الإسلام، وغَلَبَ على قلبه حقيقةُ الإيمان، وعلم أن عبادة الله تعالى تزيد له من الله تعالى قربًا، فكيف يترك مثلُ هذا الرجل العبادةَ بمثل ذلك الحديث؟ فإذًا علم معاذُ بن جبل أن الإسلام قوي، وحرص الصحابة على العبادة أشد، فحينئذٍ أخبرهم.
وجدُّ معاذٍ: عمرو بن أوس بن عائذ، وكنية معاذ: أبو عبد الرحمن، وهو أنصاري.
* * *
٢٤ - وقال: "ما مِنْ أحدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله،
стр. 160
صِدْقًا مِنْ قلبهِ، إلَاّ حرَّمهُ الله على النَّارِ"، رواه مُعاذٌ.
قوله: "إلا حرَّمه الله على النار": اعلم أن رسول الله قال هذا الحديث في أول الإسلام، في وقتٍ لم يجب شيءٌ من الأركان، ومَن قال في ذلك الوقت كلمتي الشهادة ومات في ذلك الوقت حرَّمه الله تعالى على النار؛ لأنه أتى بما وجب عليه ولم يترك شيئًا من الأركان؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت شيءٌ من الأركان واجبًا، وأما بعد وجوب الأركان من الصلاة وغيرها لم يكن قوله كلمتي الشهادة كافيًا في الخلاص من النار، بل يجب عليه الإتيان بجميع الواجبات، والانتهاءُ عن جميع المناهي.
ويحتمل أن يريد رسول الله ﵇ بهذا الحديث أن كل كافر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ومات عن قريبٍ قبل أن يتمكن من الإتيان بفرضٍ آخر، حرَّمه الله تعالى على النار؛ لأنه مات في الحال قبل أن يقدر على أداء فرضٍ آخر، وإذا قلنا: المراد هذا بهذا الحديث، فيكون في جميع الأوقات والأزمان هكذا الحكم، ولم يكن مخصوصًا بأول الإسلام على هذا الاحتمال.
وقوله: "صدقًا من قلبه": احترازٌ عن النفاق؛ لأن كلمتي الشهادة لا تنفعان المنافق يوم القيامة؛ لأنه لم يقلهما صدقًا من قلبه.
واعلم أنه حيث جاء في الحديث اسمُ معاذٍ مطلقًا من غير أن يذكر اسمُ أبيه فهو معاذ بن جبل ﵁.
* * *
٢٥ - وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: أَتيتُ النبيَّ ﷺ وعليه ثوبٌ أبيضُ وهو نائمٌ، ثم أتيتهُ وقد استيقظَ، فقال: "ما مِنْ عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثمَّ ماتَ على ذلك، إلَاّ دخلَ الجنَّة"، قلتُ: وإنْ زَنى، وإن سَرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ
стр. 161
سَرق"، قلت: وإنْ زَنى وإن سَرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق"، قلت: وإنْ زَنى وإن سرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق، على رَغْم أنْفِ أبي ذر"، وكان أبو ذر إذا حدَّث بهذا الحديث قال: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذَرٍّ.
قوله: "وعليه ثوبٌ أبيض" فائدته: أنَّ لبس الثوب الأبيض سنَّةٌ؛ لأنه لبسه رسول الله ﵇، وأيضًا فيه إثباتُ حصول علم أبي ذر ﵁ على كون النبي نائمًا؛ يعني لم يقل أبو ذر ﵁ هذا عن ظنًّ أو قول أحدٍ بل رآه بعينه.
وقوله: "ثم أتيته وقد استيقظ"؛ أي: فلمَّا رأيته نائمًا رجعتُ، ثم أتيته بعد زمان وقد استيقظ؛ أي: فلما أتيته ثانيًا وجدتُه منتهيًا من النوم.
وقوله ﵇: "ما من عبد قال لا إله إلا الله" تقديره: قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأن قول لا إله إلا الله بلا إقرارٍ بمحمدٍ رسول الله لا ينفع بعد أن يبعث الله تعالى محمدًا رسول الله بالرسالة على الخلق.
قوله: "ثم مات على ذلك": إشارةٌ إلى الثبات على الإيمان إلى الموت، احترازًا عمَّن يرتد عن دينه ومات على الارتداد، فإنه إذا مات على الارتداد لا ينفعه إيمانه في الزمان الماضي.
وقوله: "دخل الجنة": إشارة إلى أن عاقبته دخولُ الجنة وإن كان له ذنوبٌ كثيرة أو ترك من الأركان شيئًا، إلا أنَّ مَن كان هذه صفته فأمرُه إلى الله: إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بلا عذاب، وإن شاء عذَّبه بقَدْرِ ذنوبه ثم أدخله الجنة بفضله.
وقول أبي ذر ﵁: "وإن زنى، وإن سرق؟ " تسمَّى هذه الواوُ: واوَ المبالغة، وتعجب أبي ذر من هذا الحديث إنما كان لأجل أن الزنى والسرقة وغيرهما من الذنوب موجبةٌ للعقوبة، فكيف يدخل الجنة مع استحقاق العقوبة؟ ولم يَدْرِ أن المذنب تكون عاقبته الجنةَ - إمَّا قبل العذاب بأن عفا الله عنه، وإما
стр. 162
بعد العذاب - حتى بيَّن له رسول الله ﵇ بقوله: "وإن زنى وإن سرق".
وتكرار أبي ذر لفظةَ: (وإن زنا وإن سرق؟) ليس عنادًا وإنكارًا منه قولَ رسول الله ﵇، بل ظنَّ أنه لو كرر لأجابه رسول الله ﵇ بجوابٍ آخر فيجد فائدةً أخرى، فلمَّا كرَّر ثلاثَ مرات فلم يتغير جوابُ النبي ﵇، سكت واستسلم.
وقوله ﵇: "وإن رغِم أنف أبي ذر"، (رَغِم) بكسر الغين في الماضي وفتحِها في الغابر (رَغْمًا ورُغْمًا): إذا وصل الأنفُ إلى التراب، وهو عبارةٌ عن الإذلال، يقال: فعلتُ هذا على رغمِ فلان؛ أي: على خلاف مراده، ولأجل مَذلَّته، والمراد ها هنا: وإن كره أبو ذرٍّ ذلك؛ يعني: أتبخل يا أبا ذر برحمة الله تعالى؟ فرحمةُ الله واسعةٌ على خلقه وإن كرهْتَ يا أبا ذر، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٥٣].
ففرح أبو ذر بهذا، وعدَّ قول النبي ﵇ له: (وإن رغِم أنف أبي ذر) شرفًا وكرامةً، فكان إذا حدَّث بهذا الحديث قال تفاخرًا: (وإن رغم أنف أبي ذر).
واسم أبي ذر: جُنْدُب بن السَّكَن، وقيل: جندب بن جُنَادةَ الغفاري.
* * *
٢٦ - وعن عُبادة بن الصَّامت ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "من شهدَ أنْ لا إله إلَاّ الله وحدهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه وابن أمَتِه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، والجنةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ = أدخلَهُ الله الجنةَ على ما كانَ منَ العمل".
قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله": احترازٌ عمَّا قالت النصارى: إن عيسى
стр. 163
ابن الله، وقال بعضهم: إن عيسى شريكُ الله، وقال بعضهم: الله هو عيسى ظهر في هذه الصورة، وكلُّ ذلك كفرٌ، بل ليعتقد الناس أن عيسى عبد الله ورسوله.
"وابن أمته"؛ أي: أمُّ عيسى ابن مريم أَمَةُ الله تعالى كسائر النساء، إلا أن لها شرفًا وفضلًا على سائر النساء.
وقوله: "وكلمته": سمِّي عيسى كلمةَ الله؛ لأنه حَصَلَ من كلمةٍ واحدةٍ وهو أمره تعالى: (كن)، فلما أمر الله لصورة عيسى: (كن)، فكان من غيرِ واسطةِ أبٍ، والتقدير: عيسى الموجود بكلمةٍ.
وقيل: سمَّي كلمةَ الله لأنه كان يتكلم في المهد، وزمانُ المهد ليس زمانًا يتكلم فيه الصبي، فإذا تكلَّم يكون ذلك معجزةً وإنطاقًا من الله تعالى إياه بما تكلم.
وقيل غيرُ هذا ويطولُ ذكره.
"ألقاها إلى مريم"؛ أي: ألقى الكلمة - يعني صورة عيسى ﵇ في رحم مريم من غير أبٍ.
"وروح منه": (الروح) عيسى ﵇، و (منه): أي: من الله؛ يعني: عيسى روحٌ مخلوقٌ كسائر المخلوقات، إلا أن له شرفَ النبوة، وإنما قال: (روح منه)؛ لأنه حصل بأمر من الله لا بواسطةِ أبٍ.
وقيل: سمِّي عيسى روحًا؛ لأنه تحصلُ الروحُ في الأجساد الميتة بدعائه.
واعلم أن الله تعالى لمَّا أخذ من ظهر آدم ﵇ ذريته أخرجهم من ظهره مثلَ الذر، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فلمَّا أقروا بكون الله تعالى ربَّهم واعترفوا بأنهم عباد الله، ردَّهم إلى ظهر آدم ﵇ كما كانوا، إلا روحَ عيسى فإنه ما ردَّه في ظهره بل حفظه إلى أن قدَّر الله تعالى أن تحمل مريم، فأرسل جبريل بروح عيسى ﵇ إلى مريم، فأخذ جبريل
стр. 164
جيبَ قميص مريم ونفخ فيه بروح عيسى، فحملت مريم بعيسى ﵇ بأمر الله تعالى هكذا ذكر في "تفسير الوسيط"، و"اللباب" وغيرهما.
وقد قيل فيه أقوالٌ غيرُ هذا، ولكن يطول ذكرها.
قوله "على ما كان من العمل"؛ أي: على أيَّ عملٍ كان ذلك الرجل من الذنوب؛ يعني: إذا كان اعتقاد الرجل صحيحًا حتى يموت، أدخله الجنة وإن كان له ذنوبٌ كثيرة، ولكن قبل العذاب أو بعده، هذا في مشيئة الله تعالى كما قلنا في مواضع كثيرة.
* * *
٢٧ - وقال عمرو بن العاص ﵁: أَتيتُ النبيَّ ﷺ ، فقلت له: ابسُطْ يمينكَ فلأَبايعْكَ، فبسطَ يمينَهُ، فقبضْتُ يدي، فقال: "ما لَكَ يا عمرو؟ "، قلت: أردتُ أنْ أشترطَ، قال: "تشترطُ ماذا؟ "، قلت: أنْ يُغفرَ لي، قال: "أما علمتَ يا عمرو! أنَّ الإِسلامَ يهدِمُ ما كانَ قبلَهُ، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كانَ قبلَها، وأنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبلَهُ؟ "، فبايعتُه.
قوله: "ابسط يمينك فلأبايعك"؛ أي: امدد يدك اليمنى حتى أضع يدي على يدك وأبايعك على الإسلام.
"فبسط يمينه فقبضت يدي"؛ يعني: فلمَّا بسط يده رسول الله ﵇ قبضت يدي إلى نفسي ولم أضع يدي على يده ﵇، فقال: "ما لك يا عمرو؟ " يعني: قال لي رسول الله: ما لك يا عمرو؟ و (ما) للاستفهام، ومعناه: أيُّ شيء ظهر في خاطرك حتى امتنعت وندمت عن وضع يدك على يدي، وعن المبايعة؟
"قلت: أردت أن أشترط": يعني: أردتُ شرطًا، فإن قبلتَ شرطي
стр. 165
ووفيت بشرطي أسلمت.
"قال: تشترط ماذا؟ ": أي: أيَّ شيء تشترط، (تشترط) فعلٌ مضارع مرفوعٌ فاعلُه فيه مضمرٌ، و (ماذا) مفعولُه، وحقُّ (ماذا) أن يكون مقدَّمًا على (تشترط) لأنه استفهامٌ، إلا أنه حُذف (ماذا) قبل (تشترط) وأُعيد بعده تفسيرًا للمحذوف.
"قلت: أشترط أن يغفر لي ربي" يعني قلت: أشترط أن يغفر لي ذنوبي وكفري إن أسلمت.
"قال: أما علمت يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ "، (الهدم): تخريبُ البناء؛ يعني: أمَا علمت وأمَا سمعتَ أن الإسلام يزيل ويمحو الكفر والذنوب من الرجل، سواءٌ كان الذنوبُ مظلمةَ إنسانٍ من الدم والمال والقذف والغيبة وغير ذلك، أو كان شيئًا يكون بين العبد وبين الله تعالى من الزنى وشرب الخمر وغير ذلك من كبائر الذنوب، فمَن أسلم فكأنه وُلد من أمه في ذلك الوقت؟؛ يعني: كما أنه لا ذنبَ لطفلٍ صغيرٍ فكذلك لا ذنب لكافرٍ وقتَ إسلامه، هذا بحث الإسلام.
وأما الهجرةُ من مكة إلى المدينة لله تعالى ورسوله قبل فتح مكة، والحجُّ، لا يزيلان ويمحوان حقوق العباد، بل تبقى المَظْلمة في ذمة الرجل وإن هاجر وحجَّ حتى يؤديها إلى أصحابها، أو يستحلَّ منهم.
وأما الذنوب التي تكون بين الرجل وبين الله تعالى، فما كان من الصغائر يزولُ ويعفى بالهجرة والحج قطعًا، وما كان من الكبائر فهو في مشيئة الله تعالى، ولا يجوز القطع بأنها تزولُ وتعفى بالهجرة والحج، بل ترجو أن تعفى بالهجرة والحج ولكن لا تقطع به.
فهذه الأشياء التي قلناها في بحث الإسلام والهجرة والحج متفِقٌ عليها
стр. 166
جميعُ أهل السنة، ومن قال بخلافه فهو إما جاهلٌ أو مبتدع، والله أعلم.
وجدُّ عمرو بن العاص: الوائل بن هاشم بن سُعَيْدَ بن سهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٨ - عن مُعاذ ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أخبِرني بعملٍ يُدخلُني الجنَّة، ويُباعدُني من النار، قال: "لقد سأَلتَ عن عظيمٍ، وإنَّه ليسيرٌ على مَنْ يسَّره الله عليه: تعبُدُ الله ولا تشركُ بهِ شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ"، ثم قال: "ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخير؟ الصَّومُ جُنَّة، والصَّدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجلِ في جوفِ الليلِ"، ثمَّ تلا: " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ "، ثم قال: "ألا أُخبرك برأْسِ الأمرِ وعَمودِهِ وذِرْوةِ سَنامِهِ؟ "، قلتُ: بلى يا رسولَ الله! قال: "رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعَمودُهُ الصلاةُ، وذِرْوةُ سَنامِهِ الجهادُ"، ثم قال: "ألا أُخبركَ بمِلاكِ ذلك كلِّه؟ "، قلت: بلى يا نبيَّ الله! فأخذَ بلِسانِه وقال: "كُفَّ عليكَ هذا"، فقلتُ: يا نبيَّ الله! إنَّا لَمُؤاخذون بما نتكلَّمُ به؟ قال: "ثكلتْكَ أُمُّك يا مُعاذُ! وهلْ يَكُبُّ الناسَ في النارِ على وجُوهِهِمْ - أو: على مَنَاخِرِهم - إلَاّ حصائدُ أَلْسنتهِمِ؟ ".
قوله: "يدخلني": هذا فعلٌ مضارع مرفوعٌ وفاعلُه فيه مضمَرٌ، وهو ضمير "عملٍ"، والفعل والفاعل والمفعول محلُّها جر؛ لأنها صفةُ "عملٍ"، "ويباعدني من النار"؛ كذلك؛ لأنه معطوفٌ على (يدخلني)، ولا يجوز الجزمُ فيه لأنه لم يُرْوَ، ولأنه لم يستقم معناه؛ لأنه لو جزم يكون جوابًا لأمر، وحينئذ يبقى قوله: (بعمل) غيرَ موصوفِ، والنكرة غيرُ الموصوفة لا تفيد.
стр. 167
"قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسيرٌ على مَن يسر الله تعالى عليه" يعني: قال رسول الله ﵇ لمعاذ: لقد سألت عن شيءٍ عظيم مُشْكِلٍ فيتعسَّرُ الجواب، ولكنه "يسير"؛ أي: سهل "على من يسره الله تعالى عليه" الجواب؛ أي: سهَّل الله تعالى عليه الجواب.
وإنما قال رسول الله ﵇: (سألت عن عظيم) لأن معرفة العمل الذي يدخل الرجلَ الجنةَ مِن عِلْم الغيب، وعلمُ الغيب لا يعلمه أحدٌ إلا الله تعالى ومَن علَّمه الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
قوله: "تعبد الله" يتناول الإتيانَ بجميع أوامر الله تعالى، والانتهاءَ عن جميع مناهيه؛ لأن العبادة معناها: الطاعة والإتيانُ بجميع الأوامر، وكذا الانتهاءُ عن جميع المناهي، والمقصود ها هنا بقوله: (تعبد الله): توحيد الله تعالى والإقرارُ بكون الله واحدًا لا شريك له في ملكه وألوهيته، وكل مَن سواه وسوى أسمائه وصفاته مخلوقٌ؛ يعني: الإتيان بهذه الأركان الخمسة - أعني الإقرار بوحدانية الله تعالى وإقام الصلاة وما بعده - هو العمل الذي يدخل الرجل الجنة، وقد ذكرنا قبل هذا عفو الذنوب بمشيئة الله تعالى.
قوله: "ألا أدلك" الهمزة في (ألا) للاستفهام، و (لا) للنفي، وتقديره: ثم قال: ألا أدلك "على أبواب الخير؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، فلعله كان: قلت بلى، موجودًا هنا فنسيه الرواة؛ لأنه قال معاذٌ بعد هذا في هذا الحديث موضعين: قلت: بلى يا رسول الله.
وقوله ﵇ في تفسير أبواب الخير: الصوم والصدقة والصلاة في جوف الليل، جَعَل هذه الأشياءَ أبوابَ الخير؛ لأن الصوم شديدٌ على النفس، وكذا إخراج المال في الصدقة، وكذا الصلاة في جوف الليل، فمَن اعتاد هذه
стр. 168
العبادات يسهُل عليه كلُّ خير، ويأتي منه كلُّ خير؛ لأن المشقة في دخول الدار يكون بفتح الباب المغلق، فإذا فتح الرجل الباب يسهل دخول الدار، فكذلك هذه العبادات الثلاث متعسِّرة شديدةٌ على النفس، فإذا اعتادت النفس بها اعتادت بجمع العبادات.
وقوله: "الصوم جنة" بضم الجيم وتشديد النون: الشيء الذي يجنُّ؛ أي: يَستر الرجلَ عن سهام العدو، وسمِّي الصومُ جنةً؛ لأن الصوم مانعٌ للرجل عن الأكل والشرب وقضاء الشهوة والشتم والغيبة والكذب والبهتان، وهذه الأشياء من حظوظ النفس، ومنعُ حظوظ النفس منع النار عنه؛ يعني: كما أن الصوم مَنَعَ الرجل عن حظوظ نفسه مَنَعَ النار عنه أيضًا يوم القيامة؛ لتكون راحةُ دفع النار في مقابَلةِ ما فات عنه من راحة الأكل والشرب في الدنيا بسبب الصوم.
قوله: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار"، (الصدقة) ها هنا هي صدقةُ التطوع لا الصدقة التي بمعنى الزكاة؛ لأن الزكاة قد ذكرت قبل هذا.
(الخطيئة): الذنب؛ يعني: الصدقة تمحو وتُزيل الذنوب كما تطفئ الماء النار، وهذا مثل قوله ﵇ لأبي ذر ﵁: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها"، ومثلُ هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
(الإطفاء): إخماد النار.
فإن قيل: كيف تزيل الحسنة السيئةَ؟.
قلنا: لا تخلو السيئة: إما أن تكون بين العبد وبين الله تعالى، أو بين العبد وبين إنسان كالمظلمة:
فإن كانت بين الرجل وبين الله تعالى فإن الرجل إذا عمل سيئةً يَغضب الربُّ عليه، وإذا عمل حسنةً يرضى عنه الربُّ ﷻ ، والرضا والغضبُ لا يجتمعان في قضية واحدة، بل إذا رضي الله تعالى عن العبد يترك غضبه ويعفو عن سيئاته؛
стр. 169
لأن رحمته تعالى سبقت غضبه.
وإن كانت السيئة بين العبد وبين الإنسان فإنه إذا عمل حسنةً تَدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضًا من مظلمةٍ يومَ القيامة، وتسقط المظلمةُ عن رقبته، فإذا كان كذلك فقد أزالت الحسنة مظلمة خصمه عنه.
"وصلاة الرجل في جوف الليل" - أي: في وسط الليل - لها فضيلةٌ كثيرةٌ يأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: "ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ " يعني قال معاذ: قرأ رسول الله ﵇: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] يعني: للمصلِّين فضيلةٌ ودرجةٌ رفيعة، ومن جملتها أنهم استحقُّوا بسبب صلاة الليل أن يمدحهم الله تعالى في كتابه القديم في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ الآية.
﴿تَتَجَافَى﴾: فعلٌ مضارعٌ، ومعناه: تتباعد وتتفارق جنوبهم عن مواضع نومهم وفُرشهم، ويتركون لذة النوم، ويقومون ويتوضؤون ويصلون في جوف الليل ويَدْعون ربَّهم ويتضرعون إليه من خوف عذابه والطمع في مرضاته ولقائه وحبه.
﴿الْمَضَاجِعِ﴾: جمع مَضْجَع بفتح الجيم، وهو موضع الضجع وهو النوم.
قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: يعني لا يبخلون بما آتيناهم من الأموال، بل يؤتون الزكاة ويعطون الصدقة ويضيفون الأضياف.
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ (أخفي): فعل ماضٍ مجهول، من أخفى إخفاء: إذا ستر شيئًا.
﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (القرة): التفريجُ والإنعام، و (الأعين): جمع العين، و (قرة العين) معناه: جَعْلُ العين بصيرًا، والمراد به حيث استعمل هذا اللفظ إيصالُ
стр. 170
الفرح إلى أحدٍ والإنعامُ عليه.
يعني قال الله تعالى: أعددت وهيَّأْت لعبادي الصالحين في الجنة من الحُور والقصور والغلمان وأنواع الثمار والأطعمة ما لم يعلم قَدْرَه أحدٌ ولا يَقْدِرُ على وصفه لسان.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: جعلتُ هذه الأشياء إليهم للجزاء بما كانوا يعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة.
قوله: "وذروة سنامه"، (الذروة) بكسر الذال وضمها: أعلى الشيء، وذروة الجبل: أعلاه.
(السنام) بفتح السين: ما ارتفع من ظهر الجمل والبعير، وهو من سَنِم - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - سَنَمًا: إذا ارتفع الشيء.
والمراد بـ (الإسلام) في قوله: "رأس الأمر الإسلام": كلمتا الشهادة، وأراد بـ (الأمر) ها هنا؛ أمر الدين؛ يعني ما لم يُقرَّ العبد بكلمتي الشهادة لم يكن له من الدين شيءٌ أصلًا، وإذا أقرَّ بكلمتي الشهادة حصل له أصلُ الدين، إلا أنه ليس له قوةٌ وكمال، كالبيت الذي ليس له عمود، فإذا صلَّى وداوم على الصلاة قَوِيَ دينُه، ولكن لم تكن له رفعةٌ وكمال، فإذا جاهد حصل لدينه الرفعة.
فإن قيل: لمَ لمْ يذكر الزكاة والصوم والحج مع أن النبي ﵇ حدَّث بهذا الحديث؟.
قلنا: له جوابان:
أحدهما: أنه ﵇ ذكر الأركان الخمسة في أول هذا الحديث، وأعاد ها هنا ذكرَ ما هو الأقوى منها وهي الشهادةُ والصلاةُ تعظيمًا لشأنهما؛ لأنهما مكرَّران في كل يومٍ وليلة مرارًا كثيرة، بخلاف الزكاة والصوم فإنهما واجبان في كلِّ سنةٍ مرةً واحدة، وبخلاف الحج فإنه واجبٌ في جميع عمر
стр. 171
الرجل مرةً واحدة، وزاد الجهادَ وبيَّن أن به رفعةُ الدين؛ لتكون هذه الفضيلة في بعض الأحوال محرِّضًا للناس على الجهاد.
والجواب الثاني: أن المجاهد قلما يترك الزكاة والصوم والحج؛ لأن الجهاد فضيلةٌ في بعض الأحوال وفرضُ كفاية في بعض الأحوال، ومَن أتى بالجهاد الذي هو فضيلة أو فرضُ كفاية فكيف يترك الزكاة والصوم والحج مع أن كلَّ واحد من هذه الأشياء فرضُ عينٍ؟ ولأن الجهاد أشقُّ على النفس من هذه الأشياء، ومَن أتى بما هو الأشق فكيف يترك بما هو الأخف والأيسر على النفس؟
قوله: "بملاك ذلك"، (الملاك) بكسر الميم: ما به إحكامُ الشيء وتقوِيَتهُ وإكماله، من مَلَك - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - مَلْكًا بفتح الميم: إذا أَحسن عَجْنَ الدقيق وبالغ فيه، وذلك إشارةٌ إلى ما ذكر من أول الحديث إلى ها هنا من العبادات، يعني: أُخبرك بشيء يَكْمُل ويتمُّ به لك ثوابُ هذه العبادات.
قوله: "فأخذ بلسانه" الباء زائدة، والضمير راجعٌ إلى النبي ﵇؛ يعني: أخذ رسول الله ﵇ لسانَ نفسه وقال لمعاذ: "كفَّ عليك هذا" بضمِّ الكاف وفتح الفاء أمر مخاطب، مِن (كفَّ) بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر (كفًا): إذا منع.
قوله: "عليك هذا" (هذا): إشارة إلى اللسان، والتقدير: كُفَّ اللسان عليك؛ أي: احفظ لسانك من أن يوقع عليك ضررًا وهلاكًا وخسارًا في الدنيا أو في الآخرة؛ يعني: لا تتكلم بكلام يكون لك به إثمٌ.
قوله: "إنا لمؤاخذون بما نتكلم به"، (المؤاخذة): أن يأخذ أحدٌ أحدًا بذنبٍ، والفعل منه (آخَذَ يؤاخِذُ) واسم الفاعل: (مؤاخِذ) بكسر الخاء، والمفعول: (مؤاخَذ) بفتح الخاء، وقوله: (لمؤاخذون) مفعولٌ منه، يعني: هل
стр. 172
يؤاخذنا ربنا تعالى (بما نتكلم به) من الكلام.
قوله: "ثكلتك أمك يا معاذ"، (ثكل) بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر (ثكلًا): إذا فقدت المرأة ولدها؛ أي: فَقَدتْكَ أمك وعَدِمتْك بأن تموت يا معاذ، و (ثكلتك أمك) دعاءٌ على أحدٍ من غير أن يراد وقوعُهُ، بل يقال لتأديب الرجل وتنبيهه من الغفلة وتيقُّظه في الأمر، ومثله كثيرٌ: قاتله الله وما أشبه ذلك.
قوله: "هل يكب الناس"، كب - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - كبًا: إذا ألقَى فأسقط أحدًا على وجهه، هذا متعدٍّ، وإذا نقلته إلى باب أَفْعَلَ وقلت: أَكَبَّ زيدٌ، صار لازمًا، ومعناه: سقط على وجهه، وهذا من نوادر اللغة؛ لأن الغالب أن ينقل الفعل اللازم الثلاثيُّ إلى (أَفْعَلَ) حتى يصير متعدِّيًا، نحو: خرج وأخرج.
و (أو) ها هنا للشك، يعني شكَّ في أن رسول الله ﵇ قال: "على وجوههم، أو" قال: "على مناخرهم".
(المناخر): جمع مَنْخِرٍ بفتح الميم وكسر الخاء، ويجوز فتح الخاء، وهو ثقبة الأنف.
(الحصائد): جمعُ حصيدة، وهي فعيلةٌ بمعنى مفعولة، من (حصد): إذا قطع الزرع، وهذا إضافة اسم المفعول إلى فاعله، كقولك: هذا مضروبُ زيدٍ؛ أي: الذي ضربه زيدٌ، وها هنا (اللسان) فاعلٌ و (الحصائد) بمعنى المحصود؛ أي: محصود اللسان، يعني الكلام الذي تكلم به اللسان، شبَّه ما تكلم به اللسان بالزرع المحصود، أو بالحشيش المقطوع بالمنجل، فكما أن المنجل يقطع الحشيش ولا يتميز بين الرطب واليابس، والجيد والرديء، فكذلك لسانُ بعض الناس يتكلَّم بكلِّ نوعٍ من الكلام القبيح والحسن.
стр. 173
(يكب) بفتح الياء: فعل مضارع معروفٌ، و (الناس) مفعوله، و (الحصائد) فاعلُه؛ يعني: لا يُلقي أحدًا في النار إلا ما يجري على لسانه من الكلام القبيح، من الكفر والقذف والشتم والغيبة والبهتان، والحديث مع المرأة الأجنبية بالشهوة وغيرِ الشهوة.
فإن قيل: قوله ﵇: "هل يكب الناس؟ " استفهامٌ بعده كلمةُ (إلا)، والاستفهام إذا كان بعده لفظة (إلا) يكون بمعنى النفي، فيكون معنى هذا الكلام نفيُ دخول النار عمَّن حفظ لسانه عمَّا به إثم، فما تقولون فيمَن حفظ لسانه عن السوء وترك ركنًا من الأركان، أو فعل فعلًا قبيحًا، من غير أن يتكلم باللسان شيئًا قبيحًا، فهل يدخل النار أم لا؟.
قلنا: لم يقل النبي ﵇ هذا الكلام لنفي دخول النار عمَّن حفظ لسانه عن السوء وإثباتِ دخول النار لمن لم يحفظ لسانه عن السوء ونفي دخول الجنة عنه، بل إنما قال رسول الله ﵇ هذا الكلام؛ لأن أكثر الناس دخولًا النار يكون بسبب اللسان، وإذا فكرت وجربت الناس لم تجد أحدًا حفظ لسانه عن السوء ويصدر منه شيء يوجب دخوله النار إلا نادرًا، فإذا كان كذلك فيكون حكم رسول الله بهذا الحكم على الأغلب والأكثر.
* * *
٢٩ - وقال ﷺ : "مَنْ أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكملَ الإِيمانَ"، رواه أبو أُمامة ﵁.
قوله: "فقد استكمل الإيمان"، (استكمل) بمعنى: كمل، يعني: "من أحب" أحدًا يحبه "لله" لا لحظَّ نفسه، "و" من "أبغض": أحدًا يبغضه "لله" بأن يكون فيه كفر أو معصية وهو لا يقبل النصيحة، ولا يبغض أحدًا لأجل نفسه بأن يؤذيه ذلك الأحد، "وأعطى لله"؛ يعني: يعطي ما يعطيها لرضا الله وطلبِ ثوابه،
стр. 174
ولا يعطي لميل نفسه والرياء، "ومنع لله"؛ يعني: لو منع إعطاء المال إلى أحدٍ، ينبغي أن يمنعه بأمر الله تعالى، بأن يكون ذلك الشخص ممَّن لم يأمر الله تعالى بإعطاء المال إياه، مثل أن لا يجوز صرف الزكاة إلى كافرٍ لخسَّته، ولا إلى بني هاشم وبني عبد المطلب لعزَّتهم، ولا يجوز الوقف على المرتدِّين وقطاع الطريق والكفار المحاربين، ويحرم بيع السلاح من هؤلاء، ويحرم بيع العنب ممن يتخذ الخمر، فإن باع فالبيعُ صحيح.
وبحث هذا الحديث طويلٌ، وبناء التصوُّف على هذا الحديث؛ يعني: مَن حصل فيه هذه الأربعةُ فقد زالت منه الخصال النفسانية، وظهرت فيه الخصال الرحمانية؛ أي: المُرْضيةُ للرحمن، فمن كان بهذه فقد أكمل إيمانه.
واسم أبي أمامة: صُدَي بن عجلان بن وهب الباهلي.
* * *
٣٠ - وقال: "أَفْضَلُ الأَعمالِ الحُبُّ في الله، والبُغضُ في الله"، رواه أبو ذَرٍّ.
وقال: "أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله" رواه أبو ذر.
بحثُ هذا الحديث ما ذكر في الحديث المتقدم، والتقدير: أفضل الأعمال الحبُّ في طريق الله؛ يعني: حب أوامره وعباده لرضاه.
* * *
٣١ - وقال: "المُسلمُ من سَلِمَ المُسلمونَ من لِسانِه ويَدِه، والمُؤمن من أَمِنَه الناسُ على دِمائهم وأَموالهم، والمُجاهد من جاهد نفسَه في طاعة الله، والمُهاجر من هجَر الخَطايا والذنوب"، رواه فَضالة بن عُبيد ﵁.
وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه
стр. 175
الناس على دمائهم وأموالهم، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله تعالى، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب" رواه فَضَالة بن عبيد.
وبحث هذا الحديث مضى في الحديث الرابع من أول هذا الكتاب، إلا أنه ثَمَّ لفظ الحديث: "والمهاجر مَن هَجر ما نهى الله تعالى عنه"، وهنا "من هجر الخطايا والذنوب" ومعناهما واحد.
وأما معنى قوله ﵇: "والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم" يقال: أمنتُ زيدًا على هذا الأمر وائتمنته؛ أي: جعلته أمينًا، والأمين: حافظُ الأمانة؛ أي: تارك الخيانة، يعني: المؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته وعدالته وصدقه بحيث لا يخاف منه الناس بإذهاب مالهم وقتلهم ومدِّ اليد على نسائهم، ومن لم يكن بهذه الصفة فهو مؤمنٌ ناقص.
واختلف العلماء في المسلم والمؤمن، فقال بعضهم: المسلم والمؤمن واحدٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، (فيها) راجع إلى قرى قوم لوط؛ يعني: أخرجنا وأنجينا في قرى قوم لوط لوطًا ومن آمن، به فما وجدنا في تلك القرى غير بيتٍ من المسلمين، و (المسلمين) و (المؤمنين) هنا واحد لأن المراد باللفظين لوطٌ ﵇ ومَن آمن به، وإنما قال: (من المسلمين) ولم يقل: من المؤمنين، كي لا يتكرر لفظُ المؤمنين.
وقال الآخرون: المؤمن غير المسلم لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] أنزلت هذه الآية في أعرابٍ من بني أسد ابن خزيمة؛ جاؤوا إلى النبي ﵇ في سنة قحطٍ وأظهروا الشهادة، وقالوا: آمنا بك بالطوع والرغبة ولم نقاتلك كما قاتلك قبيلة فلان فأعطنا من الصدقة، قالوا هذا القولَ ولم يكن في قلوبهم الإيمان بل كانوا منافقين، فأنزل
стр. 176
الله تعالى فيهم هذه الآية؛ يعني: قلتم كلمة الشهادة ولم توافق قلوبُكم ألسنتَكم، فقد بيَّن أن الإيمان تصديقُ القلب ولم يكن لهم هذا، وبيَّن أن الإسلام الإقرارُ باللسان بكلمتي الشهادة.
والمختار هذا القول، كما أجاب رسول الله ﵇ جبريلَ ﵇ في أول هذا الباب، فذكر أن الإيمان تصديقُ القلب واعترافهُ بالإيمان بالله تعالى وملائكتِه ... إلى آخر الكلمات، وذكر أن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة ... إلى آخر الكلمات، وقد مر بحثُ الإيمان والإسلام في ذلك الحديث على الاستقصاء.
قوله: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله تعالى" يعني: المجاهد ليس مَن قاتل الكفار فقط، بل المجاهدُ مَن حارب نفسه وحملها وأكرهها على طاعة الله تعالى؛ لأن نفس الرجل أشدُّ عداوةً معه من الكفار؛ لأن الكفار أعداؤه ونفسَه عدوُّه، ولكن الكفار أبعد منه ولا يتفق تلاحُقُهم وتَقَابلهم به إلا حينًا بعد حين، وأما نفسُه أبدًا تلازمه وتقاتله وتمنعُه عن الخير والطاعة، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلازم الرجل أهمُّ من القتال مع العدوِّ الذي هو بعيدٌ منه، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، و (يلونكم): أصله: يليونكم: من (ولي) نُقلت ضمة الياء إلى اللام وحذفت الياء لسكونها وسكون واو الجمع، ومعنى (يلونكم): يقربونكم؛ يعني: ابدؤوا بقتالِ مَن كان بلده أقربَ منكم من الكفار، فإذا فرغتم من الأقرب فقاتلوا الأبعد.
و (فضالة) بفتح الفاء: اسم جد نافذ بن قيس بن صهيب، وكنيةُ فضالة: أبو محمد، وهو الأنصاري.
* * *
стр. 177
٣٢ - وعن أنس ﵁ قال: قلَّما خَطَبنا رسولُ الله ﷺ إلَاّ قال: "لا إيمانَ لمنْ لا أَمانةَ له، ولا دينَ لمنْ لا عَهْدَ لهُ".
قوله: "قلما"، (ما) في (قلما) مصدرية؛ أي: قلَّ خطبةُ رسول الله ﷺ إيانا، ومعنى الخطبة: الوعظ والتذكير.
قوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له"؛ أي: لا إيمان كاملًا لمَن لم يكن له أمانةٌ؛ يعني: من كان في نفسه خيانةٌ يخون في مال أحدٍ أو نفسه أو أهله إيمانهُ ناقص، وكذلك السارق والغاصب وأصحاب المعاصي.
كذلك تأويل: "لا دين لمن لا عهد له" أي: لا دينَ كاملَ لمَن لا عهد له؛ يعني: مَن جرى بينه وبين أحدٍ عهدٌ وميثاقٌ، ثم غدر ونقض العهد من غير عذر شرعيٍّ، فدينه ناقص، فإن كان له عذرٌ شرعيٌّ في نقض العهد، مثل أن عهد الإمام مع أهل الحرب من الكفار، ثم رأى المصلحة في نقض العهد، جاز أن ينقض العهد.
وأنس بن مالك جدُّه: النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام.
* * *
٢ - باب الكبائر وعلامات النِّفاق
(باب الكبائر وعلامات النفاق)
الكبائر: جمع كبيرة، وهي السيئة العظيمة التي إثمها كبير وعقوبة فاعلها عظيمةٌ بالنسبة إلى ذنبٍ ليس بكبيرة، ويأتي بحثُ الكبائر في أثناء هذا الباب إن شاء الله تعالى.
стр. 178
٣٣ - قال عبد الله بن مَسْعود ﵁: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! أيُّ الذنبِ أكبرُ عند الله؟ قال: "أنْ تدعُوَ لله ندًّا وهو خلَقكَ"، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: "ثم أنْ تقتُلَ ولدكَ خشيةَ أنْ يَطعمَ معكَ"، قال: ثم أيٌّ؟ قال: "ثم أنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ"، فأنْزلَ الله تَصْدِيقَها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية.
قوله: "أي الذنب أكبر؟ "، (الذنب): الفعل الذي يستحق فاعلهُ المَلامةَ والتعذيب، ويطلق على الكفر وعلى غير الكفر من المعاصي؛ لأن فاعل الكفر والعصيان يستحقُّ التعذيب، و (أي) في (أي الذنب أكبر) للاستفهام.
قوله ﵇: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك"، (الند): المِثْل، والواو في (وهو خلقك) للحال؛ يعني: أكبر الذنب الشركُ بالله، وهو أن تعدل لله شريكًا وتعبد أحدًا غير الله مع علمك بأنه لم يخلقك أحدٌ غير الله ولم يقدر أحد على أن يخلق شيئًا، ولم يرزقك ولم يدفع عنك المرض والسوء والفقر والجوع والعطش غير الله، ولم يعطك الأعضاء الصحيحة والمال والقوة وغير ذلك من أنواع النعم غير الله، بل لله الإنعامُ عليك ما لا تقدر على عدِّه من النعم، وليس لصنمٍ ووثنٍ نعمةٌ، فلا شك أن عبادة أحدٍ مع الله تعالى - مع أنه لا يستحقُّ الألوهية - وعبادةَ غيرِ الله كفرٌ، والكفر أكبر الذنوب؛ لأنه لا يخلِّص صاحبه من النار أبدًا، وصاحبُ المعاصي غيرِ الكفر يخلص من النار وإن طال مكثه في النار.
قوله: "ثم أيٌّ": التنوين في (أي) عوضٌ عن المضاف إليه، وأصله: ثم أيُّ شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر؟ فقال رسول الله ﵇: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" يعني: لا خلاف في أن أكبر الذنوب بعد الكفر قتلُ نفسٍ مسلمةٍ بغير الحق.
стр. 179
قوله: خشية أن يطعم معك؛ يعني: قتلُ الولد أكبرُ من سائر الذنوب، وقتلُه من خوف أن يطعم طعامك أيضًا ذنبٌ؛ لأنك لا ترى الرزق من الله تعالى؛ لأنك لو رأيت أن الرازق هو الله يرزق كلَّ واحد، لم تقتل ولدك.
"ثم أي"؛ أي: قال الرجل: ثم أيُّ الذنب أكبر بعد القتل؟ قال رسول الله ﵇: "أن تزاني حليلة جارك".
(الحليلة): المرأة، يعني: الزنا ذنبٌ كبيرٌ وخاصةً مع مَن سكن جوارك والتجأ بأمانتك وثبت بينك وبينه حق الجوار، وقد قال رسول الله ﵇ في حديث آخر: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه" فالزنا بزوجة جاره يكون زنًا، وإبطالُ حق الجوار والخيانةُ معه يكون أقبحَ، وإذا كان الذنب أقبحَ يكون الإثم أعظم.
قوله: "فأنزل الله تصديقها" - الضمير راجع إلى هذه المسألة، أو الأحكام، أو الواقعة وما أشبه ذلك، (التصديق): جعلُ أحدٍ صادقًا، أو جعلُ حديثٍ صادقًا - قولَه تعالى: " ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ": الواو في (والذين) للعطف على قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ومعنى (لا يدعون): لا يعبدون إلهًا غير الله، وهذه الآية نزلت عند سؤال هذا الرجل رسولَ الله ﵇ عن هذا الحديث.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ تصديقُ قول رسول الله ﵇ في جواب الرجل: (أن تدعو لله ندًا)،
قوله: " ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ "، (النفس التي حرم الله): نفس المسلم والذمي والمعاهد، وقوله: (إلا بالحق) يعني: إلا أن يأذن الله في قتله، ومَن أذن الله في قتلهم أربعة:
أحدهم: غير الذمي والمعاهد من الكفار.
стр. 180
والثاني: الزاني المحصن.
والثالث: مَن قتل مَن يَحْرمُ قتله، فيجب عليه القصاص.
والرابع: قطاع الطريق، فيطلبهم الإمام ويحاربهم، فإن لم يقدر على أخذهم وإبعادهم إلا بالقتل فيقتلهم، جاز وإن لم يقتلوا أحدًا ولم يأخذوا المال، أما إذا أخذهم فانظر فإن كانوا أخذوا المال ولم يقتلوا أحدًا قُطعتْ من كلِّ واحدٍ اليد اليمنى والرجلُ اليسرى، وإن أخذوا المال وقتلوا أحدًا قُتلوا وصُلِّبوا، وإن قتلوا أحدًا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يصلَّبوا، وإن لم يأخذوا المال ولم يقتلوا أحدًا عزِّروا، وكذلك مَن قصد أحدًا أن يأخذ ماله أو ليقتله أو ليمد اليد على زوجته وعوراته، جاز له أن يدفعه وليبدأ في الدفع بالأسهل، فإن لم يُدفع إلا بالقتل فقتله لا شيء عليه.
قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾: تصديقٌ لقوله ﵇: "أن تقتل ولدك".
قوله: " ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ " هذا تصديقُ قوله ﵇: "أن تزاني".
قوله "الآية" هذا قول المصنف، وتمام الآية: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، (ذلك) إشارةٌ إلى ما تقدم من الكفر والقتل والزنا، (يلق أثامًا) أصله: يَلْقىَ، فسقطت الياء للجزم لأنه جواب الشرط، و (الأثام) بفتح الهمزة: جزاء (الإثم) بكسر الهمزة؛ يعني: من يفعل هذه الذنوب يرى جزاءها يوم القيامة.
وقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ أي: يزاد له العذاب على عذاب الدنيا، أو على عذابِ ذنبِ غيرِ هذه الذنوب أكبر.
وذكر في أكثر التفاسير أن معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ أي: لا ينقطع عنهم العذاب لحظة.