قوله: "وفي يده كتابانِ": الواو للحال؛ أي: في حالِ أنْ أخذَ كتابًا في يده اليمنى وكتابًا في يده اليسرى، وإنما أَخذَ كتابَين في يديه لضربِ المَثَل وتفهيمِ الحاضرين كلامَه وتقريرَه.
قوله: "هذا كتابٌ من ربِّ العالمين"؛ يعني: افرِضُوا وقدِّرُوا أن هذا الكتابَ كتابٌ مُنزلٌ من ربِّ العالمين، وليس مرادهُ أن ذلك الكتابَ مُنزلٌ من ربَّ العالمين على الحقيقة؛ لأنه لو كان من ربِّ العالمين على الحقيقة لم يَنبِذْه، وقد ذَكر بعد هذا أنه ﵇ نبذَهما، بل كان أَخذَ قطعةً من قرطاسٍ بيده اليمنى وقطعةً بيده اليسرى؛ ليراهما المُخاطَبون؛ ليكونَ ذلك أقربَ إلى التفهيم، ويحتمل ألا يكون بيد رسول الله ﵇ كتابٌ ظاهرٌ بحيث يراه الحاضرون، قال هذا لضرب المَثَل؛ يعني: قدِّرُوا أن في يده اليمنى كتابًا فيه أسماءُ أهلِ الجنة، وفي يده اليسرى كتابًا فيه أسماءُ أهلِ النار، ومِثْلُ هذا المجازِ كثيرٌ بين الناس.
قوله: "ثم أُجمل على آخرهم"، (الإجمال): خلاف التفصيل، وهو جعلُ الحسابِ مُجمَلاً بعد أن كان مُفصَّلًا، مثل أن يكتب المُحاسِب: حصل من المزرعة الفلانية كذا جريب، ومن المزرعة الثانية كذا، إلى أن يعدَّ جميعَ مزارع القرية التي يُحاسب دخلَها، ثم يكتب في آخر ذلك الحساب: والجملة كذا، والمراد ها هنا: أنه كُتِبَ في ذلك الكتاب أن زيدَ بن عمرٍو الذي هو من قبيلة فلان أو من القرية الفلانية أو المعروفَ بفلانٍ من أهل الجنة، وكذلك اسمُ كلِّ واحدٍ على هذه الصفة مكتوبٌ فيه، حتى يكون جميعُ أسماءِ أهلِ الجنة مكتوبًا بهذه الصفة، ثم كُتِبَ في آخر ذلك الكتاب أن جميعَ المذكورين في هذا الكتاب من أهل الجنة.
وقوله: جميع هؤلاء المذكورين في هذا الكتاب من أهل الجنة، هو الإجمالُ، فإذا كُتِبَ وقُدِّرَ مَن هو من أهل الجنة فلا شك أن لا يزيدَ ولا ينقصَ؛
стр. 247
لأن حُكمَ الله تعالى لا يتغيَّر، وكذلك بحث قوله: "ثم قال للذي في شماله ... " إلى آخره.
قوله "ثم قالَ بيده فنَبَذَهما"؛ معنى (قال بيده): أشار بيده، يقال: قالَ فلانٌ برأسه: أشار برأسه؛ يعني: فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله ﵇ عما قالَ أشارَ بيده ونبذَهما خلفَ ظهره، والغرضُ من الإشارةِ بيدِه خلفَ ظهره ونبذِ الكتابَين: تنبيهُ الحاضرين على أن الله تعالى قدَّر ما قدَّر، فجعلَ عبادَه فريقَين؛ فريقًا للجنة، وفريقًا للنار، فلا يتغير تقديرُه أبدًا.
فإن قيل: قد قلتُم: إن حكمَ الله تعالى لا يتغير، فما تقولون في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]؟
قلنا: اختلف في هذا أقوالُ العلماء؛ قيل: المرادُ من قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ المنسوخُ من الأحكام، ومن قوله: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ الناسخُ، وقيل: يمحو السيئاتِ من التائب، ويُثبت مكانَها الحسناتِ، وقيل: يمحو من كتاب الحَفَظَة ما كتبوه من المباحات مما لا يتعلق به عقابٌ ولا ثوابٌ، ويثبت ما هو متعلق به الثواب والعقاب؛ أي: يتركه مكتوبًا في كتابهم ولا يمحوه، وقيل: يمحو مَن قد جاء أَجَلُه، ويثبت مَن لم يأتِ أَجَلُه، وقيل: يغفر ذنوبَ مَن يشاء ويترك ذنوبَ مَن لم يُغفَر له، وقيل: يمحو الله الدنيا ويثبتُ الآخرةَ، وقد قيل غير هذه الأقوالِ أقوالٌ كثيرةٌ، وهذه الأقوالُ على المختار؛ لأنه ليس فيها تغييرُ حكمِ الله تعالى وتقديرِه في الأزل؛ لأنه قَدَّرَ في الأزل كلَّ شيءٍ على حسب ما يقع ويحصل، ولكن لم يطلَّع أحدٌ على ما قُدِّرَ في الأزل، ولأجل أن الناسَ لم يعلموا ما هو المقدَّر في الأزل وكيفيتَه تحيَّروا في كيفية حدوث الأشياء، واختلف أحوالهم في معاني هذه الآيات والأحاديث التي تتعلق بالقَدَر، والصواب من الأقوال: ما لم يكن فيها الحُكمُ والقولُ بتغييرِ تقديرِ الله تعالى.
* * *
стр. 248
٧٦ - عن أبي خِزامَةَ، عنْ أبيه قال: "قلت: يا رسول الله! أرأيتَ رُقًى نَسترقيهَا، ودواءً نتَداوَى بهِ، وتُقاةً نتَّقيها، هلْ تَرُدُّ مِنْ قدَرِ الله شيئًا؟ قال: هيَ مِنْ قَدَرِ الله".
قوله: "أرأيت رُقًى"، (رُقى) بضم الراء وبفتح القاف، جمع: رُقية، وأصل "رقى" على وزن ظُلْمَة وظُلَم، فقُلبت الياءُ ألفًا وحُذفت لسكونها وسكون التنوين، والرُّقية: ما يُقرأ من الدعاء وآيات القرآن لطلب الشفاء، والاسترقاء: طلب الرُّقية.
"نَستَرقِيها"؛ أي: نَطلب تلك الرُّقى أن يَقرأَها علينا أحدٌ لطلب الشفاء.
(التداوي): استعمال الدواء في الأعضاء.
(التُّقاة) أصله: الوُقاة، فقُلبت الواوُ تاءً، وهو الشيء الذي التجأ إليه الناسُ ليُحفَظوا من الأعداء، مثل القلعة والجبل وغيرهما، وهو من وَقَى يَقِي وقايةً: إذا حفظَ.
قوله: "نتَّقيها"؛ أي: نَلتجِئ بها ونحذر بسببها من شر الأعداء، ويجوز أن تكون (تقاة) هنا مصدرًا بمعنى: الاتقاء، فعلى هذا قوله: (نتقيها) يكون معناه: نتَّقي تُقاةً، بمعنى: نتقي اتقاءً؛ يعني: هذه الأسباب التي نستعملها "هل تَرُدُّ من قَدَرِ الله شيئاً؟ " يعني إنْ قُدَّرَ بلاءٌ علينا هل نخلصُ من الهلاك باستعمال شيء من هذه الأسباب أم لا؟
قوله ﵇: "هي مِن قَدَرِ الله تعالى أيضًا"؛ أي: هذه الأسباب من قَدَر الله أيضًا؛ يعني: كما أن الله تعالى قدَّر الداءَ قدَّر زوالَ الداء بالدواء أو بالرقية، وكما أنه تعالى خَلَقَ في العدوِّ قصدَ عدوِّه بالإيذاء خَلَقَ في الذي يقصده العدُّو أن يَلتجِئَ إلى قلعةٍ، وأنْ يدفعَه بشيءٍ من الأسباب، فكلُّ من أصابه داءٌ، فتَدَاوَى وبَرِئ فاعلم أنه قدَّر هذا الدواءَ نافعًا في ذلك الداء، ومَن تَدَاوَى ولم يَبْرَأ فاعلم أنه لم يُقدَّر أن يكونَ التداوي نافعًا في ذلك الدواء، وإذا لم يُقدِّر لداءٍ
стр. 249
أن يُنفع بالتداوي لم تنفع مداواةُ جميع أطباء العالم، وعلى هذا فقِسْ جميعَ الأسباب.
وروى هذا الحديثَ "أبو خِزامة"، بخاء معجمة مكسورة وبزاي معجمة، واسم أبيه مَعمَر، وقيل أبو خِزامة أحدُ بني الحارث بن سعد، وقيل: راوي الحديث ابن أبي خِزامة، وذُكر أن اسمه الحارث بن أبي خِزامة، وهذا غيرُ مشهورٍ بين أصحاب الحديث.
* * *
٧٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ علينا ونحنُ نتنازعُ في القَدَرِ، فغضِبَ حتَّى احمرَّ وجهُهُ، فقال: "أبهذا أُمِرتُمْ، أَمْ بهذا أُرْسِلْتُ إليكُمْ، إنَّما هلكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حينَ تنازَعُوا في هذا الأمرِ، عَزَمْتُ عليكُمْ أنْ لا تتنازَعُوا فيهِ"، غريب.
قوله: "نتنازع"؛ أي: نتخاصم ونتناظر "في القَدَر"، والتنازُع في القَدَر: أن يقول أحد: إذا كان جميع ما يجري في العالم بقَدَر الله تعالى فلِمَ يُعذَّب المذنبون؛ ولم يَنسِبِ الفعلَ إلى العباد وإلى الشيطان، فقال: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١] وقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]، وغير ذلك؟ ويقول آخر: فما الحكمةُ في تقدير بعض العباد للجنة وبعضهم للنار؟ وما أشبه ذلك، فغضبَ رسولُ الله ﵇ عليهم حتى احمرَّ وجهه من الغضب، ولم يرضَ منهم التنازُعَ في القَدَر؛ لأن القَدَرَ سرٌّ من أسرار الله تعالى، وطلبُ سر الله مَنهيٌّ عنه، وكذلك مَن بَحَثَ في القَدَرِ لم يُؤمَنْ أن يَصيرَ جَبْريًا أو قَدَريًا؛ بل العبادُ مأمورون بقَبول ما أمرَهم الشرع من غير أن يطلبوا سرَّ ما لا يجوز طلبُ سرِّه.
قوله: "أبهذا أُمرتم؟ "؛ يعني: لم يأمركم الله تعالى ورسوله بالتنازع في
стр. 250
القَدَر، فإذا لم يأمركم الله ورسولهُ ﵇ بهذا فلمَ تتنازعون في القَدَر؟
قوله: "إنما هلك مَن كان قبلكم"؛ يعني: هلكت اليهودُ والنصارى وغيرُهم حينَ تنازعوا في شيءٍ لم يأمرهم الله تعالى ورسوله به، من البحث في القَدَر وتفضيل بعض الرسل على بعض من تلقاء أنفسهم.
قوله: "عَزمتُ عليكم"؛ أي: أَقسمتُ عليكم، وكان أصله: عزمت بإلقاء اليمين وإلزام اليمين عليكم ألا تبحثوا ولا تنازعوا في القَدَر بعد هذا.
* * *
٧٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله تعالى خلقَ آدمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جميعِ الأرضِ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، منهمُ الأحمرُ، والأبيض، والأسودُ، وبَيْنَ ذلكَ، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخَبيثُ، والطَّيِّبُ".
قوله: (القبضة): ملْء الكفِّ من كل شيء، والمراد ها هنا: من التراب.
قوله: "من جميع الأرض"؛ أي: من جميع ما قدَّر الله تعالى إلى أن يسكنَه بنو آدم من الأرض، وليس مراده: من جميع الأرض؛ لأن مِن الأرض ما لم يصل إليه قدم آدمي؛ يعني: أَمرَ الله عزرائيلَ ﵇ بأن يأخذ قبضةً من وجه الأرض، وخلقَ منها آدمَ ﵇، وقدَّر أن يسكنَ بنو آدم الأرضَ التي خُلِقُوا من ترابها.
"فجاء بنو آدم على قَدْرِ الأرض"؛ أي: على لون الأرض وطبعها، وكلُّ موضعٍ ترابُها أحمرُ كان أهلُ ذلك الموضع ألوانُهم أحمر، وكذلك الأسود والأبيض.
قوله: "وبين ذلك"؛ أي: بين الأحمر والأسود والأبيض.
стр. 251
قوله: "والسَّهْل والحَزْن"، (الحزن): الغليظ والخَشِن، و (السهل): الليَّن؛ يعني: كلُّ موضعٍ كان ليَّنًا كان أهلُ ذلك الموضع طباعهم ليَّنةً، وكلُّ موضعٍ كان خَشِنًا كان أهلهُ طباعُهم خَشِنةً، وكذلك الخبيث والطيب، ومعنى "الخبيث": خبيث الخِصَال والأخلاق، ومعنى"الطيِّب" كذلك، وكلُّ ذلك بتقدير الله تعالى؛ قدَّر لكل شخص لونًا وطبعًا وخلقًا ومسكنًا كما شاء، لا مَرَدَّ لقضائه، ولا مانعَ لحكمه.
* * *
٧٩ - وعن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ الله تعالى خلَقَ خلقَهُ في ظُلْمَةٍ، فألقَى عليهِمْ مِنْ نُورِهِ، فمَنْ أصابَهُ مِن ذلكَ النُّورِ اهتَدَى، ومَنْ أخطأهُ ضَلَّ، فلذلكَ أقولُ: جفَّ القلمُ على عِلمِ الله".
"إن الله خلق خلقه في ظُلمةٍ"، والمراد بـ (خلقه) هنا: الجنُّ والإنسُ؛ لأن الملائكةَ لم يُخلَقوا في الظلمة، بل خُلِقُوا في النور.
قوله: "في ظلمة"؛ أي: كائنين في ظلمة، والظلمة ها هنا: ما كان في الشخص من الصفات النفسانية كالشهوة والتكبُّر والحرص، وغير ذلك مما يُبعد الشخصَ عن الله تعالى.
قوله: "من نوره"؛ أي: من تقدير الإيمان والطاعات، فمَن قدر له نورَ الإيمان وتوفيق الطاعات وقَبول الشريعة يكون مَهدِيًّا مهتديًا إلى طريق الحق، ويخرج من ظلمة الهواء النفسانية، ومَن لم يُقدَّر له الإيمانَ وتوفيقَ الطاعاتِ يبقى في ظلمة الأهواء النفسانية والجهل والتكبُّر وغير ذلك من الخصال المذمومة ولم يهتدِ إلى الحق.
قوله: "ومَن أخطأه ضَلَّ"، (أخطأه)؛ أي: جاوزَه ولم يَصِلْ إليه؛ يعني: مَن لم يجد نورَ الإيمان المقدَّر في الأزل لم يهتدِ، بل يَضِلُّ.
قوله ﵇: "فلذلك أقولُ: جفَّ القلمُ على علم الله تعالى"؛
стр. 252
يعني: من أجل أن تقديرَ الإيمان والكفر والطاعة والعصيان قد جرى في الأزل.
أقول: لا يتغير تقدير الله تعالى؛ فمَن كان في الأزل قدَّر له الإيمانَ يكون مؤمنًا، ومَن قدَّر له الكفرَ يكون كافرًا، و (جفاف القلم): عبارة عن عدم تغير ما جرى تقديره في الأزل.
* * *
٨٠ - قال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يُكثرُ أنْ يقول: "يا مُقلِّبَ القُلوبِ! ثَبِّتْ قلبي على دينِكَ"، فقلتُ: يا نبيَّ الله! آمنَّا بِكَ، وبما جئتَ بهِ، فهلْ تخاف علينا؟ قال: "نعمْ، إنَّ القُلوبَ بين أَصْبُعَيْنِ مِنْ أصابعِ الله يُقَلَّبُهَا كيفَ يشاءُ".
قوله: "يا نبي الله آمنا بك ... " إلى آخره؛ يعني: يا رسولَ الله! ليس قولُك: ثبَّت قلبي على دينك لأجل نفسك؛ لأنك معصومٌ عن الخطأ والزَّلَّة، خصوصًا عن تقلُّب قلبك عن الدين، وإنما تقول هذا ومرادُك أمَّتُك؛ لتعلم أمَّتُك هذا الدعاءَ، ولا يَأمَنُوا من زوال نعمة الإيمان، "فهل تخاف علينا" من أن نَرتدَّ عن الدين بعد أن آمنَّا بك وبما جئت به من الدين؟ فقال ﵇: "نعم"؛ يعني: أخاف عليكم؛ فإن القلوبَ بمشيئة الله تعالى يقلبها كيف يشاء من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الطاعة إلى العصيان، ومن العصيان إلى الطاعة؛ فلا ينبغي لأحدٍ أن يَأمَنَ زوالَ نعمة الله التي أنعمها عليه، بل ينبغي أن يخافَ ويتضرَّعَ ويسألَ إثباتَ نعمة الإيمان والإسلام والطاعة، وغير ذلك من نِعَمِ الله عليه.
* * *
٨١ - وقال: "مَثَلُ القلْبِ كرِيشةٍ بأرضٍ فَلاةٍ تُقَلَّبُها الرياحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ"،
стр. 253
رواه أبو موسى الأَشْعَري ﵁.
قوله: "مَثَلُ القلب كريشةٍ"، (الرَّيشة): رِيش الطير، والرِّيش جمع، واحدتها: ريشة.
(الفلاة): المَفَازة الخالية من النبات والشجر، و"فلاة" هنا صفة "أرض"، وكلتاهما مكسورتين مُنوَّنتَين.
قوله: "ظهرًا لبطنٍ": اللام هنا بمعنى (إلى)، كقوله تعالى: ﴿مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]؛ أي: إلى الإيمان؛ أي: تُقلب الرياحُ تلك الريشةَ ظهرًا إلى بطنٍ، و (ظهرًا) بدل عن الضمير في (يقلبها)، وهو بدل البعض؛ يعني كما أن الريشةَ الساقطةَ في مفازةٍ تقلبها الرياح ظهرًا لبطنٍ وبطنًا لظهرٍ كلَّ ساعةٍ تقلبها على صفةٍ؛ فكذلك القلوبُ تنقلبُ ساعةً من الخير إلى الشر، وساعةً من الشر إلى الخير، فإذا كان كذلك فاسألوا الله ثباتَ القلوب على الدين والطاعة، وتعوَّذوا بالله تعالى من أن تنقلبَ من الخير إلى الشر.
* * *
٨٢ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُؤمنُ عبدٌ حتَّى يُؤمنَ بأربعٍ: يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَاّ الله، وأنِّي رسولُ الله بعثَني بالحقَّ، ويؤمنَ بالموتِ، وبالبعْثِ بعدَ الموتِ، ويؤمنَ بالقَدَرِ".
قوله: "ولا يؤمن عبد": هذا نفي أصل الإيمان، لا نفي الكمال؛ فمَن لم يؤمن بواحدٍ من هذه الأربعة لم يكن مؤمنًا
أحدها: الإقرار بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، بعثَه بالحق على كافة الإنس والجن.
والثاني: أن يؤمنَ بالموت؛ يعني: يعتقد أن الدنيا وأهلَها تَفنَى، كما
стр. 254
قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] و ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨]، وهذا احترازٌ عن مذهب الدَّهْرِية؛ فإنه تقول: العالمُ قديمٌ باقٍ.
ويحتمل أن يريد بالإيمان بالموت: أن يعتقدَ الرجلُ أن الموتَ يحصل بأمر الله تعالى لا بالطبيعة، وخلافًا للطبيعي؛ فإنه يقول: يحصل الموتُ بفساد المزاج.
الثالث: أن يؤمنَ بالبعث بعد الموت؛ يعني: يعتقد أن الله يَحشُرُ الناسَ بعد الموت، ويجعلهم في العَرَصات للحساب.
والرابع: أن يؤمنَ بالقَدَر؛ يعني: يعتقد أن جميعَ ما يجري في العالم بقضاء الله تعالى وقدرته، كما ذُكر قبلَ هذا.
فإن قيل: هذا الحديث يدل على أن القَدَريَّ ليس بمؤمنٍ فما تقولون في القَدَري؟
قلنا: إن كان القَدَريُّ يعتقد أنه ليس شيءٌ من الأفعال والأقوال بقَدَر الله تعالى، بل العبادُ يخلقون أفعالَهم، فإن قال هذا أو اعتقد هذا لنسبة عجزٍ إلى الله تعالى فهو كافرٌ، وإن قال هذا واعتقد هذا لتنزيه الله تعالى عن أفعال العباد القبيحة، وفي قلبه تعظيمُ الله تعالى في هذا الاعتقاد فليس بكافرٍ، بل هو مُبتدِعٌ.
* * *
٨٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتي ليسَ لهما في الإِسلامِ نَصيبٌ: المُرْجِئَةُ والقَدَرِيَّةُ"، غريب.
قوله: "صِنفانِ من أُمتي"، (الصَّنف): النوع.
"المرجئة": يجوز بالهمزة وبالياء، وأصله الهمز، ومعنى الإرجاء: التأخير، والتاء في (المرجئة) للتأنيث؛ أي: الطائفة المرجئة، واختُلف في المرجئة؛ قيل:
стр. 255
هم الذين يقولون: الإيمانُ الإقرارُ باللسان من غير عملٍ، سُمُّوا بذلك لأنهم يُؤخِّرون ويُبْعدون الأعمالَ من الإيمان ويقولون: الأعمالُ ليست من الإيمان كما قال الشافعي ﵀، ولا من حقوق الإيمان كما قال أبو حنيفة رحمة الله عليه.
وقيل: المرجئة هم الجَبْرية، وهم الذين يقولون: الأفعالُ والأقوالُ كلُّها بتقدير الله تعالى، وليس للعباد فيها اختيارٌ؛ والأصحُّ أن المرجئةَ هم الجَبريةُ، وذُكر بحث الجَبْرية والقَدَرية في بحث شرح الحديث الخامس من أول هذا الباب.
والقَدَر والتقدير واحد، نُسبت هذه الطائفة إلي القَدَر؛ لأنهم يقولون: الأشياءُ بتقدير الله تعالى، بل لأنهم يبحثون في القَدَر كثيرًا، ويقولون: كلُّ شخصٍ خالقُ أفعالِه، ويجوز (جَبرية) بسكون الباء وفتحها، و (القَدَرية) بسكون الدال وفتحها.
قوله: "وليس لهما في الإسلام نصيب": ولم يقل النبيُّ ﵇ هذا لنفي أصل الإيمان عنهم؛ لأنه ﵇ أضافهم إلى نفسه وقال: (صنفان من أمتي)، وإنما قال: (ليس لهما في الإسلام نصيب) لقلة نصيبهم في الإسلام، كما يقال: ليس للبخيل حظٌّ من ماله؛ أي: ليس له حظٌّ كاملٌ.
واختلف أهلُ السُّنة في الحكم بكفر أهل البدعة؛ فبعضُهم يقول: جميعُ المُبتدِعين كفَّارٌ، وبعضُهم يقول: جميعُ المُبتدِعين مسلمون، وبعضهم يقول: إنْ ظهرَ منهم قول يكون كفرًا يُحكَم بكفرهم، وإن لم يكن منهم كفرٌ لم يُحكَم بكفرهم، بل نقول: إنهم مُبتدِعون لا كفَّارٌ؛ وهذا القولُ هو المختارُ.
* * *
٨٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يكونُ في أُمَّتي خَسْفٌ ومَسْخٌ، وذلكَ في المكذِّبينَ بالقَدَرِ".
قوله: "في أُمتي خَسْفٌ"، (الخَسف): أن يُدخل الله أحدًا في الأرض
стр. 256
كافرًا، و (المَسخ): أن يُغير الله تعالى صورةَ إنسانٍ فيجعلَه صورةَ غيرِ صورةِ الإنسانِ، كما فعل بقومٍ من بني إسرائيل، فجعلهم قردةً وخنازيرَ.
"وذلك في المكذِّبين بالقَدَر"؛ أي: يكون ذلك الخَسفُ والمَسخُ في قومٍ يقولون: ليس ما يجري في العالم بتقدير الله، تعالى بل يقولون كلُّ شخصٍ خالقُ أفعالِه.
وجاء في حديث: "أنه يكون بالبصرة خَسفٌ وقَذفٌ ورَجفٌ، وقومٌ يَبِيتُونَ ويُصبِحُون قِرَدةً وخنازيرَ"؛ وإنما تكون هذه الأشياء في البصرة لأن أكثرَ أهلِها قَدَريةٌ.
(القَذْف): الرمي بالحجارة من السماء، (الرجف): الزلزلة وتحرُّك الأرض بحيث تخرب الديار منها.
* * *
٨٥ - وعنه، عن رسول الله ﷺ قال: "القَدَرِيَّة مَجُوسُ هذهِ الأُمَّة، إِنْ مَرِضُوا فلا تعودُوهم، وإنْ ماتُوا فلا تشهدُوهم".
قوله: "وعنه"؛ أي: وعن ابن عمر ﵄، قال الخطابي ﵀: سُميت "القَدَرية مجوس هذه الأُمة"؛ لأن قولَهم يشبه قولَ المجوس؛ لأن المجوسَ يقولون: الخيرُ من فعل النور، والشرُّ من فعل الظُّلمة، وكذلك القَدَرية تقول: الخيرُ من الله، والشر من الشيطان أو من النفس، هذا قول بعض القَدَرية، وبعضهم يقولون: جميع ما نعمل من الخير والشر يخلقه الشخص.
قوله: "إن مَرِضُوا فلا تَعُودُهم"، عادَ يَعُودُ عيادة: إذا أتى الرجلَ المريضَ وسأله كيف هو في مرضه؛ يعني: لا تُجالسوهم في حالة الصحة، ولا تعودوهم في حال المرض؛ فإنه ظهر بينكم وبينهم عداوة ومخالفةٌ
стр. 257
في الاعتقاد، ومَن كان اعتقادُه مخالفًا لِمَا عليه رسولُ الله ﵇ وأصحابُه ﵃ فلا يجوز مقاربتُه ومجالستُه، والصلاة عليهم مَبنيَّةٌ على أقوال تكفيرهم، فَمَن حَكَمَ بكفرهم لم يُجوِّز الصلاةَ عليهم، ومَن لم يحكم عليهم بكفرهم يُجوِّز الصلاةَ عليهم، بل تكون الصلاة عليهم - على قوله - فرضًا على الكفاية.
وتأويل قوله: "فلا تشهدوهم": أن هذا لقبيح اعتقادهم وزجرهم عن هذا الاعتقاد، وليس لنهي الصلاة عليهم، بل الصلاةُ عليهم كالصلاة على الفُسَّاق.
(فلا تشهدوهم)، شهدَ: إذا حضرَ؛ أي: فلا تحضروا جنائزَهم للصلاة.
* * *
٨٦ - وعن عمر ﵁، عن النبيَّ ﷺ قال: "لا تُجالسوا أهلَ القدَرِ، ولا تفاتحوهم".
قوله: "لا تفاتحوهم"؛ أي: لا تبتدئوهم بالكلام ولا تُناظروهم، ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد؛ فإنهم يوقعونكم في الشك ويُشوِّشون عليكم مذهبَكم في الاعتقاد.
* * *
٨٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ستةٌ لعنتُهُمْ، لعنَهُمُ الله، وكلُّ نبيًّ مُجابٍ: الزائدُ في كتابِ الله، والمكذَّبُ بقدَرِ الله، والمُتسلِّطُ بالجَبَروتِ ليُعزَّ مَنْ أَذَلَّ الله ويُذلَّ مَنْ أَعَزَّ الله، والمستحِلُّ لحُرَمِ الله، والمستحِلُّ منْ عِترتي ما حرَّمَ الله، والتاركُ لسُنَّتي".
قوله: "ستةٌ لعنتُهم"، (ستة)؛ أي: ستةُ أشخاصٍ لعنتُهم؛ أي: دعوتُ عليهم بدعاءِ سوءٍ، ولعن - بفتح العين في الماضي والغابر - لعنًا: إذا دعا
стр. 258
على أحدٍ بسوءٍ، فقوله: "لعنَهم الله" هذا إخبارٌ وليس بدعاءٍ؛ يعني: إذا لعنتُهم لعنَهم الله.
قوله "كلُّ نبيًّ يُجاب"، فـ (كل): مبتدأ، و (يجاب): فعل مضارع لم يُسمَّ فاعلهُ، وهو خبر المبتدأ، والواو واو الابتداء.
وفي بعض النسخ: "وكلُّ نبيًّ مُجَابٌ" بالميم، فـ (كل) مبتدأ أيضًا، و (مجاب) خبره، والرواية الأولى هي الأصح؛ يعني: كلُّ نبيًّ مجابُ الدعوة فإذا كان كلُّ نبيًّ مُجابَ الدعوة فدعائي البتةَ مقبولٌ، وإذا كان دعائي مقبولاً تكون اللعنةُ على هؤلاء الستة واقعةً، ولا يجوز (مُجابِ الدعوة) بالجر على أن يكون صفةً لـ (كل نبي)؛ لأنه لو كان (مجاب) صفةً ليبقى يكون بعضُ الأنبياء مجابَ الدعوة، وبعضُهم غيرَ مجاب الدعوة، وهذا خطأ؛ بل كلُّهم مجابُ الدعوة، ولا يجوز أن يُعطف و (كل نبي) على التاء في (لعنتهم)؛ لأنه حينَئذٍ يكون معناه: لعنتُهم أنا وكلُّ نبي، فحينَئذٍ يكون (يجاب) أو (مجاب) صفةً لـ (كل نبي)، فقد قلنا: إنه لا يجوز أن تكون صفةً.
أحد الستة: "الزائد في كتاب الله تعالى"؛ يعني: الذي يزيد في القرآن في لفظه أو في حكمه، وكذلك في التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله تعالى، فمَن زاد في لفظها أو حكمها فهو كافرٌ؛ لأنه كان متعمدًا عالمًا بأنه لم يأمر الله تعالى به.
الثاني: "المكذِّب بقَدَر الله تعالى"؛ وقد مر ذكره.
الثالث: "المتسلِّط بالجَبَرُوت"، (المتسلط): المستولي والغالب، والحاكمُ (بالجَبَرُوت)؛ أي: بالتكبُّر والعظمة ليعزَّ؛ أي: لأجل أن يعزَّ؛ يعني: مَن هو قائمٌ ومُستولٍ على الناس؛ لإعزاز مَن أذلَّه الله تعالى كالكفار، وإذلالِ مَن أعزَّه الله كالمسلمين، فمَن كانت هذه صفتُه فهو ملعونٌ.
стр. 259
الرابع: "المُستحِلُّ لحَرَمِ الله تعالى" بفتح الحاء والراء، والمراد بـ (حَرَم الله تعالى): حَرَم مكة؛ يعني: مَن فعلَ في حَرَم مكة ما لا يجوز فعلُه؛ فإن اعتقدَ تحليلَه فهو كافرٌ، وإن اعتقد تحريمَه فليس بكافرٍ، ولكن ذنبَه يكون أعظمَ من ذنبه في غير الحَرَم؛ لأن الموضعَ إذا كان أكثرَ شرفًا وتعظيمًا يكون الذنبُ فيه أعظمَ، والأشياءُ التي تختص بحَرَم مكة: تحريم الاصطياد، وقطع الشجر، وتحريم دخولها إلا بالإحرام، ولو قَتَلَ فيه مسلمًا أُغلظ عليه الديةُ، ولو وَجدَ فيه لقطةً لم يملكها بعد التعريف، ولا يدخله مُشرِك، ولا يجب دمُ التمتُّع على مَن كان دارُه في الحَرَم، أو كان مَن دارُه إلى مكة دونَ مسافة القصر، ولا يجوز نحرُ الهَدْي إلا فيه، ولو نذر المشيَ إليه لزمَه، ولا يتحلل من الإحرام إلا فيه؛ إلا أن يكون مُحصرًا.
الخامس: "المُستحِلُّ من عِتْرَتِي ما حرَّم الله تعالى"، (العِتْرة) بكسر العين: القرابة القريبة؛ يعني: مَن فَعَلَ بأقاربِ رسول الله ﵇ ما لا يجوز فعلهُ، من إيذائهم وترك تعظيمهم.
فإن قيل: مَن استحلَّ ما حرَّم الله تعالى فهو كافرٌ، ومَن فعل مُحرَّمًا - وهو يعلم تحريمَه - فهو مذنبٌ، سواءٌ في حَرَمِ الله وعِتْرَةِ رسول الله ﵇ وغير حَرَم الله تعالى وعِتْرَةِ رسولِ الله، فأيُّ فائدةٍ في تخصيص حَرَم الله وعِتْرَة رسوله؟
قلنا: حَرَمُ الله تعالى صار مُشرَّفًا مُعظَّمًا بإضافته إلى الله تعالى، وعِتْرَةُ رسولِ الله ﵇ صار مُشرَّفًا مُعظَّمًا لإضافته إلى رسول الله، ولم يكن لعيرهما هذا الشرفُ، ولأجل هذا أكَّد حقَّهما وعظَّم قَدْرَهما؛ بأن لَعَنَ مَن هتكَ حرمتَهما، ونقصَ حقَّهما، وترك تعظيمَهما.
السادس: "التارك لسُنَّتي"؛ يعني: مَن ترك شيئًا مما بيَّنتُه من أحكام
стр. 260
الدَّين، فمَن تركَ من الفرائض شيئًا على اعتقاد أنه ليس بفرضٍ، أو تركَ سُنةً عن استخفافٍ بالنبي ﵇ وعدمِ تعظيمه فهو كافرٌ، وإن تركَ فرضًا وهو يعتقد فرضيتَه فهو عاصٍ، ومن تركَ سُنةً لا عن استخفافٍ بالنبي ﵇ فلا إثمَ عليه، لكن لا ينبغي أن يتركَ سُنةً مؤكدةً على الدوام؛ فإنَّ تَرْكَ السُّنةِ المؤكدةِ على الدوام يدل على قلة صلاح الرجل، واستخفافه بالشرع.
فإن قيل: قد ذكر في هذا الحديث مَن هو مسلمٌ، فكيف تجوز اللعنةُ على المسلم؟
قلنا: اللعنةُ الإبعادُ عن الخير والرحمة، ولا شك أن الرجلَ ما دام في المعصية يكون مُبعَدًا عن الخير والرحمة وإن كان مسلمًا، فإذا رجع عن المعصية وتابَ تابَ الله عليه، وخرج مِن أن يكون مُبعَدًا عن الرحمة.
* * *
٨٨ - عن مَطَرَ بن عُكامِس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضَى الله لِعبْدٍ أنْ يموتَ بأرضٍ جعَلَ لَهُ إليها حاجةً".
قوله: "عن مطر بن عُكَامِس قال: قال رسول الله ﵇: إذا قضى الله لعبد أن يموتَ بأرضٍ جعلَ له إليها حاجةً"؛ يعني: إذا كان الرجلُ في بلدةٍ، وقدَّر أن يموتَ في بلدٍ آخرَ أوقعَ الله تعالى في قلبه ميلاً إلى قصد ذلك البلد، أو أَظهرَ له إليه حاجةً من تجارةٍ أو زيارةٍ أو ما أشبه ذلك؛ ليأتيَ ذلك البلدَ ليموتَ فيه؛ يعني: كل شيء يكون كما قدَّره الله تعالى، لا يقدر أحدٌ أن يغيرَه.
"مطر بن عُكَامِس": المعروف بالسُّلَمي، من بني سُلَيم بن منصور.
* * *
стр. 261
٨٩ - عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ذَرَارِيُّ المؤمنين؟ قال: "مِنْ آبائهم"، فقلتُ: يا رسول الله! بلا عملٍ؟ قال: "الله أعلَم بما كانوا عاملين"، فقلتُ: فذراري المشركين؟ قال: "مِنْ آبائهم"، قلتُ: بلا عمَلٍ؟ قال: "الله أَعلَمُ بما كانوا عامِلين".
قولها: "ذراري المؤمنين"؛ يعني: قلت: يا رسولَ الله! ما حكمُ أطفال المؤمنين؟ فقال رسول الله ﵇:
"مِن آبائهم"؛ أي: هم بعض آبائهم؛ يعني: أتباع لآبائهم، كما أن آباءَهم مسلمون فكذلك هم مسلمون؛ فإذا ماتوا يُصلَّى عليهم، ويثبت الميراثُ بينهم وبين آبائهم، وكذلك أطفالُ المشركين أتباعٌ لآبائهم؛ إذا ماتوا لا يُصلَّى عليهم، ويثبت للمسلمين حكمُ الاسترقاق عليهم كآبائهم، ولا يثبت الإرثُ بين المسلمين وبينهم، كما لا يثبت بين المسلمين وبين آبائهم؛ يعني: إذا كان كافرًا، أو له ابن مسلمٌ وابن كافرٌ، والابن الكافرُ طفلٌ، ومات الطفلُ؛ لا يثبت بين هذا الطفل الميت وبين أخيه المسلم إرثٌ، وكذلك لو ماتَ الأخُ المسلم وترك أخاه الكافرَ وهو طفلٌ لم يثبت بينهما الإرثُ، هذه أحكامهم في الدنيا.
وأما في الآخرة فنقول: أطفالُ المؤمنين من أهل الجنة من غير أن نشيرَ إلى واحدٍ بعينه، وأما أطفالُ الكفار لا نقول: إنهم من أهل الجنة أو من أهل النار، بل هم في مشيئة الله تعالى، ونَكِلُ أمرَهم إلى الله تعالى يفعل بهم ما يشاء، وهذا اعتقادُ أكثرِ أهل السُّنة، وقال بعضهم: من أهل النار تبعًا لآبائهم، وقال بعضهم: من أهل الجنة؛ لأنهم لم يَصدُرْ منهم كفرٌ، وقال بعضهم: يدخلون الجنة، ولكن لخدمة المسلمين، وقال بعضهم: بين الجنة والنار لم يكن لهم لذةٌ ولا عذابٌ.
* * *
стр. 262
٩٠ - عن ابن مَسْعودٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الوائدةُ والمَوؤدةُ في النَّارِ".
قال: "الوائدة والمَوؤدة في النار"، وَأَدَ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - وَأْدًا: إذا جعلَ الولدَ في القبر في حال كونه حيًّا.
وقصة هذا الحديث أن ابني مُلَيْكَةَ أتَيَا رسولَ الله ﵇ وقالا: إنَّ أُمَّنا وأدتْ بنتًا لها، فقال رسول الله ﵇: (الوائدة والموؤدة في النار)؛ يعني: الأُمُّ والبنتُ كلتاهما في النار؛ أما الأمُّ فلأنها كانت كافرةً، وأما البنتُ فيحتمل أنها كانت بالغةً، فيثبت لها حكمُ الكفر، فتكون من أهل النار، ويحتمل أن تكون غيرَ بالغةٍ، ولكن علمَ رسولُ الله ﷺ بالمعجزة كونَها من أهل النار، ولا يجوز الحكمُ على أطفال الكفار بأن يكونوا من أهل النار بهذا الحديث؛ لأن هذه الواقعة كانت في شخصٍ معينٍ، ولا يجوز إجراءُ حكمِ شخصٍ معينٍ على جميع أطفال الكفار، بل حكمُهم موقوفٌ.
ومُلَيكة هذه يقال لها: مُلَيكة بنت مالك.
* * *
٤ - باب إِثْبات عَذَاب القَبْر
(باب إثبات عذاب القبر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩١ - عن البَرَاء بن عازِب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "المُسلم إذا سُئِلَ في القَبْر، يشهدُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فذلكَ قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ".
стр. 263
وفي روايةٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾: نزلَتْ في عذابِ القَبْرِ، إذا قيلَ له: مَنْ رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟؛ فيقول: ربِّيَ الله، وديني الإسلامُ، ونبيَّي محمدٌ ﷺ ".
قوله: "المسلمُ إذا سئل في القبر ... " إلى آخره.
اعلم أن الميتَ إذا وُضع في القبر تُنفَخ فيه الروح، ويُقعد حيًّا كما كان في الدنيا قاعدًا، وأتاه مَلَكانِ من عند الله تعالى، فيَسألانِه عن ربَّه وعن نبيَّه وعن دِينه، فإن كان مسلمًا أزالَ الله تعالى الخوفَ عنه، وأثبتَ لسانَه في جوابهما، فيجيبهما عما يسألانه، وأما الكافرُ فغلبَ عليه الخوفُ، ولا يقدر على جوابهما فيكون مُعذَّبًا في القبر.
قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾؛ أي: يُجري الله تعالى لسانَ المسلمين ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾: وهو كلمة الشهادة، ويديمهم على الحق ما داموا في الدنيا.
قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ يعني: في القبر أيضًا يُجري لسانَهم بكلمة الشهادة ليُجيبوا المَلَكَينِ، وليس المراد من (الآخرة) ها هنا: يوم القيامة؛ لأن قولَ كلمة الشهادة لا ينفع يومَ القيامة، بل المراد منه: القبر.
كنية "البراء": أبو عُمارة، واسم جده: حارثة بن عدي بن جُشَم بن مجدعة، وهو أنصاري.
قوله: "يثبت الله ... " إلى آخره؛ يعني: نَزلت هذه الآيةُ في حق المؤمنين، في جوابِهم المُنكَرَ والنكيرَ في القبر؛ يعني: يسَّرَ الله تعالى عليهم جوابَ المُنكَرِ والنكيرِ في القبر كما يسَّرَ عليهم قولَ كلمتَي الشهادة في الدنيا والعملَ الصالحَ.
* * *
٩٢ - وعن أنسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ العبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِه،
стр. 264
وتولَّى عنه أصحابُهُ، وإنَّه ليسمَعُ قَرْعَ نِعالِهِم= أتاهُ مَلَكانِ، فيُقعدانه، فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ - لمحمدٍ -، فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنَّه عَبدُ الله ورسولهُ، فيقال له: انظُرْ إلى مَقْعدِكَ مِنَ النَّارِ، قد أبدلَكَ الله بهِ مَقْعدًا من الجنَّةِ، فيراهُمَا جميعًا، وأما المُنافِقُ والكافِرُ فيُقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقول:
لا أَدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيُقالُ له: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ويُضربُ بمِطْرقةٍ من حديدٍ ضربةً، فيصيحُ صَيْحةً يسمعُها مَنْ يليهِ غيرَ الثقلَيْنِ".
قوله: "تولَّى"؛ أي: أَدبَرَ وأَعرَضَ.
(القَرع): الدَّقُّ؛ يعني: إذا رجعَ أصحابُه عن المَقبرة وتوجَّهوا إلى أوطانهم دخلَ المَلَكانِ عليه في تلك الساعة قبل أن يمضيَ زمانٌ بعيدٌ، بل يسمع الميتُ صوتَ نعالِ أصحابه في رجوعهم على رأس قبره حين أتاه المَلَكانِ.
"يُقْعِدانه" بضم الياء وكسر العين: مضارع معروف من أَقعَدَ: إذا أَجلَسَ أحدًا عن الاضطجاع.
قوله: "ما كنت تقول" - (ما): للاستفهام - "في هذا الرجل": الذي بُعِثَ عليكم بالنبوَّة، هل كنت اعتقدتَ وأقررتَ بأنه نبي أم لا؟
قوله: "لمحمد": عطفُ بيانٍ للرجل، أو بدل منه.
قوله: "فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار فقد أَبدلَك الله ... " إلى آخره؛ يعني: لكلَّ واحدٍ من المؤمنين والكافرين مَنزلانِ؛ منزلٌ في الجنة ومنزلٌ في النار، أما المؤمنُ فيرى أولاً منزله من النار، فيقال له: هذا منزلُك لو لم تكن مؤمنًا ولم تُجِبِ المُنكَرَ والنكيرَ، فإذا كنتَ مؤمنًا وأجبتَهما فقد بدلَّ الله لك المَنزلَ من النار إلى منزلِ من الجنة، فيراهما جميعًا؛ ليزدادَ فرحُه، ويعرفَ نعمةَ الله عليه بتخليصه من النار وإعطائه الجنةَ، وأما الكافر فيقال له: هذا منزلُك
стр. 265
من الجنة لو كنتَ مسلمًا، فلما كنتَ كافرًا أبدلَك الله تعالى مَنزلَك من الجنة إلى منزلك من النار، فيراهما جميعًا؛ لتزدادَ حسرتُهُ وغَمُّه على فَوت الجنة منه وحصولِ النار له.
قوله: "فيقول: لا أدري"؛ يعني: لا أدري على الحقيقة أنه نبي أم لا، كنتُ أقولُ في الدنيا كما يقولُ الناسُ، هذا قولُ المنافق؛ لأن المنافقَ يقول في الدنيا: محمد رسول الله؛ دفعًا للسيف عنه لا عن الاعتقاد، فيقول هذا اللفظ في القبر، وأما الكافر لا يقول في القبر شيئًا في حق النبي ﵇؛ لأنه لم يقل في الدنيا: محمد رسول الله، ويحتمل أن يقول الكافر أيضًا؛ دفعًا للعذاب عن نفسه في القبر: كنتُ أقولُ في الدنيا كما يقول الناس، والمراد بـ (الناس) ها هنا: المؤمنون.
قوله: "فيقال: لا دَريتَ ولا تَليتَ"، (لا دريت)؛ أي: لا علمتَ ما هو الحق، والصواب: (ولا تليت) أصله: ولا تلوت، من تَلَا يَتلُو: إذا قرأ، فقُلبت الواو ياءً للازدواج، (دريت)؛ يعني: لا تقدر أن تقرأ وتقول ما هو الحق والصواب في القبر؛ لأنك لستَ اتبعتَ الحقَّ في الدنيا، ومَن لم يتبع الحقَّ في الدنيا لم يَجْرِ لسانُه بالحق والصواب، وقد قيل في (ولا تليت): إنه تصحيف، وقيل: مكان هذا ألفاظ أُخَر، وأعرضنا عن ذكرها لأن في أكثر الروايات وفي جميع نسخ "المصابيح": و (لا تليت)، فاختصرنا بهذا.
(المِطْرَقة): الشيء الذي يُضرَب به الحديد، الطَّرق: الضرب، والمِطْرَقة: آلة الضرب.
"فيصيح"؛ أي: يُصوِّت ويرفع صوته بالبكاء من تلك الضربة.
"يسمعها"؛ أي: يسمع تلك الصيحةَ والبكاءَ "مَن يليه"؛ أي: مَن يَقرَبُه من الحيوانات "غيرَ الثقلَينِ"؛ أي: غيرَ الجن والإنس فإنهم لا يسمعون صوتَه؛ لأنهم
стр. 266
مكلَّفون بالإيمان بالغيب، والغيبُ ما لم يَرَوه من أحوال القبر والقيامة، ولو سمعوا صوتَ الميت المعذَّب في القبر لصارَ سماعُهم ذلك الصوتَ بمنزلة المعاينة، وحينئذٍ لم يكن الإيمانُ بعذاب القبر إيمانًا بالغيب، بل يكون إيمانًا بالمَرْئِيِّ والمُشاهَد، والإيمانُ بالمَرْئِيِّ ضروريٌّ، والإيمانُ الضروريُّ ليس مُوجِبًا للثواب، وكذلك الإيمانُ عند طلوع الشمس من المغرب غيرُ مقبولٍ، وكذلك إيمانُ الكفارِ في القبر والقيامة غيرُ مقبولٍ.
* * *
٩٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أحدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عليهِ مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشيِّ، إنْ كان مِنْ أهلِ الجَنَّةِ فمنْ أهلِ الجنَّةِ، وإنْ كان مِنْ أهلِ النَّارِ فمنْ أهلْ النارِ، فيُقالُ: هذا مَقْعدُكَ حتى يبعثَكَ الله يومَ القيامَةِ".
قوله: "إن كان مِن أهل الجنة فمِن أهل الجنة"؛ يعني: إذا كان الميتُ من أهل الجنة فيُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة؛ حتى يفرحَ ويجدَ لذةً منه.
قوله: "فمن أهل الجنة": تقدير هذا الكلام: فيُعرَض عليه مقعدُه من مقاعد أهل الجنة، وان كان من أهل النار فيُعرَض عليه مقعدُه من مقاعد أهل النار بالغداة والعشي؛ ليزدادَ حسرتُه وحزنُه، وليصيبَه حَرُّه وسمومُه.
* * *
٩٤ - وعن عائشة ﵂: أنَّ يهوديةً دخلتْ عليها، فقالت: أعاذكِ الله مِنْ عذابِ القبرِ، فسأَلتْ عائشةُ رسولَ الله ﷺ عنْ عذابِ القَبْرِ، فقال: "نعَمْ، عذابُ القبْرِ حقٌّ"، قالت عائشةُ: فما رأَيتُ رسولَ الله ﷺ بعدُ
стр. 267
صلَّى صلاةً إلَاّ تعوَّذَ مِنْ عذابِ القبرِ.
قولها: "أعاذَكِ الله"؛ أي: حفظَكِ الله من عذاب القبر، وإنما علمت اليهوديةُ كونَ العذاب في القبر؛ لأنها قرأتْ ذلك في التوراة، أو سمعتْ ذلك ممن قرأ في التوراة.
قوله: "فسألت عائشةُ ﵂ رسولَ الله ﵇ عن عذاب القبر"؛ يعني: لم تعلم ولم تسمع عائشةُ أن العذابَ يكون لأحدٍ في القبر، ولم تعلم أن اليهوديةَ هل هي صادقةٌ في ذلك أم لا، فسألتْ رسولَ الله ﵇ عن قول اليهودية ذلك: هل هو حق أم لا؟ ومعنى (الحق) هنا: الصدق.
وقول عائشة ﵂: "فما رأيتُ رسولَ الله ﵇ بعدُ صلَّى صلاةً إلا تعوَّذَ من عذاب القبر"، (بعدُ) بضم الدال، تقديره: بعدما سألتُه عن عذاب القبر، حُذف المضاف إليه وبني (بعد) على الضم؛ يعني: عائشة ﵂ لم تسمع رسولَ الله ﵇ تعوَّذ من عذاب القبر قبل أن سمعتْ عائشة قولَ اليهودية، وبعدما سألتْ رسولَ الله ﵇ تعوَّذَ من عذاب القبر كانت تسمعُ رسولَ الله ﵇ يتعوَّذ من عذاب القبر خلفَ كلِّ صلاةٍ؛ ليثبتَ في قلب عائشة ﵂ وغيرها أن عذابَ القبرِ حقٌّ، وليخبرَ بعضُ الصحابة بذلك بعضًا، وليشتهرَ ذلك بين الأُمَّة، فيحتمل أن النبي ﵇ لم يُوحَ إليه شيءٌ في عذاب القبر قبل أن تسألَه عائشةُ ذلك، فلأجل هذا لم يتعوَّذ من عذاب القبر قبلَ ذلك، فلمَّا سألتْه عائشةُ ذلك أَوحى الله إليه، وأُمر بالتعوُّذ جهرًا ليتعلمَ الناسُ التعوُّذَ من عذاب القبر، ويحتمل أن يكون رسولُ الله ﵇ يتعوَّذ من عذاب القبر قبلَ أن تسألَه عائشة ذلك، ولكن يتعوَّذ سرًّا، وما سمعتْه عائشةُ، فلما سألتْه عائشةُ ذلك كان ﵇ يتعوَّذ من عذاب القبر جهرًا؛ لإعلام الناس ذلك، وهذا الاحتمالُ أصوبُ.
* * *
стр. 268
٩٥ - عن زيد بن ثابت ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لولا أنْ لا تَدافَنُوا لَدَعَوْتُ الله أنْ يُسمِعَكُمْ مِنْ عذابِ القَبْرِ"، ثم قال: "تَعَوَّذوا بالله مِنْ عذابِ النّار"، فقالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ النَّار، ثم قال: "تَعوَّذُوا بالله مِنْ عذابِ القبرِ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ القَبْرِ، قال: "تعوَّذُوا بالله مِنْ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنَ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، قال: "تعوَّذُوا بالله مِنْ فتْنَةِ الدَّجَّالِ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ فتنَةِ الدَّجالِ.
قوله: "لولا أن لا تَدَافَنُوا" أصله: أن لا تتَدَافَنُوا، فحُذفت التاءُ الأولى التي هي حرفُ المضارعة لثقلِ اجتماعِ التاءَين، والتدافُن: أن يدفنَ بعضُ القوم بعضًا.
قوله: "لَدعوتُ الله أن يسمعَكم من عذاب القبر"، (يُسمعكم) بضم الياء وكسر الميم: مضارع معروف؛ من أسمع: إذا حَمَلَ أحدًا على السماع، وأوصل كلامًا في سمع أحد؛ يعني: إن دعوتُ الله أن يُوصلَ إلى آذانكم أصواتَ المعذَّبين في القبر لَخفتُم من أن يصيبَكم من العذاب ما أصاب الميتَ، ودهشتُم حتى لم تقدروا على دفن الميت من غاية الخوف والدهشة، وتَركتُم الميتَ غيرَ مدفونٍ من عدم قدرتكم على الدفن من الخوف؛ يعني: لولا أني أخافُ أن يلحقَكم هذا الخوفُ والدهشةُ لَدعوتُ الله تعالى أن يُسمعَكم أصواتَ المعذَّبين في القبر، ويحتمل أن يكون معناه: إن سمعتُم صوتَ المعذَّب في القبر لم يدفن واحدٌ منكم أقاربَه؛ من خوف أن يسمعَ الناسُ أصواتَ أقاربه المعذَّبين في القبر، فيلحقه عارٌ وخجلٌ وفضيحةٌ، بل يُلقي مَن مات من أقاربه في الصحاري البعيدة من البلاد؛ وكيلا يسمعَ الناسُ صوتَ عذابه، فيصير مستخجلاً، فلولا أني أخافُ أن تفعلوا بموتاكم هذا الفعلَ لَدعوت الله تعالى أن يُسمعَكم أصواتَ المعذَّبين في القبر.
стр. 269
فإن قيل: معناه: لولا أنكم لو سمعتُم صوتَ المعذَّب في القبر لم تدفنوا أحداً، كيلا يلحقه العذاب في القبر، لأن العذابَ يلحق في القبر، فلولا أنكم ظننتُم كونَ العذاب في القبر وتركتُم الدفنَ لَدعوتُ الله تعالى أن يُسمعَكم عذابَ القبر.
قلنا: هذا التأويل خطأٌ عظيمٌ وظنُّ سوءٍ في حق الصحابة؛ لأن الصحابةَ يعلمون أن الله تعالى قادرٌ على أن يُعذَّبَ الميتَ في القبر وفي وجه الأرض، وكذلك لو غرقَ أحدٌ في الماء أو أكلَه سَبُعٌ لَعذَّبَه الله إن كان مُستحقًا للعذاب في جوف البحر وبطن السَّبعُ وهكذا؛ ليعتقدَ كلُّ مسلمٍ ويعلمَ أن عذابَ الميت بعدَ الموت وقبلَ القيامة - سواءٌ كان في القبر أو غيره - يكون لجميع الكفار وبعض العُصَاة من المسلمين تكفيرًا لِذنوبِ مَن عُذَّبَ من المسلمين.
قوله ﵇: "تعوَّذُوا بالله من عذاب النار"، (التعوُّذ): طلب الدفع، (تعوَّذُوا)؛ أي: اطلبوا من الله تعالى أن يدفعَ عنكم عذابَ النار، ويدل هذا على أن لا يجوز لأحدٍ أن يَأمَنَ من عذاب الله، بل يكون كلُّ واحدٍ خائفًا من العذاب باكيًا على الذنوب سائلاً من الله العفوَ والعافيةَ.
قوله: "تعوَّذُوا بالله من الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ"، (الفتن) جمع: فتنة، وهي الامتحان، ويُستعمل في البلاء والمكروه، و (ما ظهر منها وما بطن)؛ أي: الجَهر والسَّرُّ، وقيل: (ما ظهر): ما يجري على ظاهر الإنسان، و (ما بطن): ما يكون في القلب من الشرك والرياء والحسد وغير ذلك من مذمومات الخواطر، و (بطن) ضد (ظهر).
واسم جدِّ "زيد": الضحَّاك بن زيد بن لَوْذان، وهو أنصاري.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا قُبِرَ الميِّتُ أتاهُ
стр. 270
ملَكَانِ أسودانِ أزرقان، يُقالُ لأحدهِما: المُنْكَرُ، وللآخرُ: النَّكيرُ، فيقولانِ: ما كُنْتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: هوَ عبدُ الله ورسولُهُ، أشهدُ أنْ لا إله إلَاّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيقولان: قَدْ كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا، ثمَّ يُفْسَحُ لهُ في قبْرِه سبعونَ ذِراعًا في سَبعين ذِراعًا، ثمّ يُنَوَّرُ لهُ فيهِ، ثمَّ يقال له: نَمْ، فيقول: أَرجِعُ إلى أهلي فأُخْبِرهُمْ؟ فيقولان: نَمْ كنومة العَرُوسِ الذي لا يُوقِظُهُ إلَاّ أحبُّ أهلِهِ إليه، حتى يبعثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك، وإنْ كانَ مُنافِقًا قال: سمعتُ الناسَ يقولونَ فقلتُ مِثْلَهُ، لا أَدري، فيقولان: قَدْ كُنَّا نعلمُ أنَّك تقولُ ذلك، فيقولان للأرض: التئِمي عليه، فتلتئمُ عليه، فتختَلِفُ أَضلاعُهُ، فلا يَزالُ فيها مُعذَّبًا حتى يبعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك".
قوله: "إذا قُبِرَ الميتُ أتاه مَلَكان ... " إلى آخره، (قُبِرَ): ماضٍ مجهول، معناه: وُضِعَ في القبر.
قوله: "أسودانِ أزرقانِ"؛ يعني: لونهما أسود وهما أزرقا العين، ومَن كانت هذه صفتَه يكون خوفُه في قلوب الناس أشدَّ، وإنما يبعثُهما الله تعالى على هذه الصورة ليكونَ خوفُهما على الكفار أشدَّ؛ ليتحيَّروا في الجواب، وأما المؤمنون فلا يخافون منهما مع أن صوتَهما مخوفةٌ، بل يثبت الله ألسنةَ المؤمنين بجوابهما؛ لأن مَن خاف الله تعالى في الدنيا وآمَنَ به وبما أَنزلَ على أنبيائه لم يَخَفْ في القبر منهما.
وهذا الحديث يدل على أنهما بهذه الصورة يأتيانِ الكفارَ والمسلمين والصالحَ والفاسقَ.
"المُنكَر ... والنكير": كلاهما ضد المعروف، تقول لمَن تعرفه: معروف، ولمن لا تعرفه: مُنكَر ونكير؛ سُمَّيَا بهذا الاسم لأن الميتَ لم يَعرِفْهما ولم يَرَ مثلَ صورتهما.
стр. 271
و (النكير) فعيل بمعنى مفعول، من نَكِرَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - نَكَرًا: إذا لم يَعرِف أحدًا، و (المُنكَر) مفعول من (أُنكِر) بمعنى: نكير.
قوله: "في هذا الرجل"؛ أي: في هذا الرجل الذي بُعِثَ عليكم بالنبوَّة.
"قد كنا نعلم أنك تقول هذا"؛ يعني: قد علِمْنا فيك السعادةَ وجوابنا على وجهٍ يحبُّه الله؛ لأنَّا رأينا في وجهك أثرَ السعادة وشعاعَ نور الإيمان.
ويحتمل أن يخبرَهما الله بكونه سعيدًا.
"يُفسَح" بضم الياء وفتح السين؛ أي: يُوسَّع قبرُه، طوله "سبعودن ذراعًا"، وعرضه سبعون ذراعًا.
"ثم يُنوَّر" بضم الياء وفتح الواو؛ أي: يُجعَل في قبره الضياء والنور.
"ثم يُقال: نَمْ"، (نَمْ): أمر مخاطب من: نام ينام نومًا.
قوله: "فيقول: أَرجِعُ إلى أهلي"؛ يعني: فيقول الميت: أُريد أن أرجعَ إلى أهلي و"أخبرهم" بأن حالي طيِّبٌ لا حزنَ لي؛ ليفرحوا بكون عَيشي طيِّبًا.
قوله: "العَرُوس": الزوج والزوجة في أول اجتماعهما، يستوي في لفظة (عروس) الرجل والمرأة، وإنما قال: (كنومة العروس)؛ لأن العَرُوسَ تكون في أطيب العيش ونيل المراد، ويُحبُّه ويُعزِّزُه أقاربُه وأحبَّاؤُه في ذلك الوقت؛ يعني: يقال لذلك الشخص: نَمْ في القبر على أحسنِ حالٍ وأطيبِ عيشٍ؛ فإنه لا رجوعَ من القبر إلى الدنيا.
قوله: "الذي لا يُوقظُه إلا أحبُّ أهله إليه"، أَيقَظَ يُوقِظُ: إذا نبَّه أحدًا من النوم، (الذي): موصول، وما بعده صلته، والموصول والصلة صفة للعروس، والمراد بالعروس ها هنا: الرجل؛ لأنه قال: (الذي لا يُوقِظُه)؛ ولم يقل: التي لا يُوقِظُها.
стр. 272
قوله: (لا يُوقظُه إلا أحبُّ أهله إليه): عبارةٌ عن عزَّته وتعظيمه عند أهله، يأتيه غداةَ ليلةِ زفافهِ أمُّه أو أبوه، ويُوقِظُه من النوم على الرِّفق واللُّطف.
قوله: "حتى يبعثَه الله تعالى من مَضجَعِه ذلك"، (حتى): متعلق بمحذوف؛ يعني: يَنامُ طيبَ العيش حتى يبعثَه الله تعالى يومَ القيامة، (البعث): الإحياء بعد الموت (١).
المَضجَع بفتح الجيم: موضع الضجع، وهو النوم، من ضَجَعَ - بفتح العين في الماضي والغابر -: إذا نامَ.
قول النبي ﵇: "وإن كان منافقًا قال: سمعتُ الناسَ"؛ يعني: إذا سأل المَلَكانِ المنافقَ عن النبي ﵇ قال في جوابهما: (سمعت الناس يقولون)؛ أي: سمعتُ المسلمين يقولون: إنه نبيٌّ، "فقلتُ" مثل قولهم، ولا أعلم أنه نبيٌّ في الحقيقة أم لا.
قوله: "فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك"؛ يعني: يقولان له: إنا رأينا في وجهك أثرَ الشقاوة وظُلمةَ الكفر، فعلمنا أنك لا تجيبنا على وجه الصواب.
قوله: "فيقال للأرض: التَئِمِي عليه"، (التَأمَ): إذا اجتمع، وهو افتعل من (لأَمَ): إذا جمع، والياء في (التئمي) ضمير مؤنث مخاطب؛ لأن (الأرض) مؤنث، (الاختلاف): إدخال شيء في شيء.
(الأضلاع) جمع: ضلع، وهو عظم الجنب؛ يعني: يُؤمَر قبرُه حتى يَقرُبَ كلُّ جانب منه إلى الجانب الآخر ويُضمَّه ويعصرَه، فينضمَّ القبرُ ويعصرَه حتى
стр. 273
يَدخلَ عظمُ جانبه الأيمن في جانبه الأيسر، وعظمُ جانبه الأيسر في جانبه الأيمن.
* * *
٩٧ - ورواه البَراء بن عازِب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "يأتيه مَلَكَانِ فَيُجْلِسانِهِ فيقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دِينُكَ؟ فيقول: دِيني الإِسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يُدريك؟ فيقول: قرأْتُ كتابَ الله، فآمنتُ بهِ وصدَّقْتُ، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ صَدَقَ عبدي، فأفرِشوهُ مِنَ الجنَّةِ، وأَلبِسوهُ مِنَ الجنَّةِ، وافتحُوا له بابًا إلى الجنَّة، قال: فيأْتيه من رَوْحِها وطِيْبها، ويفتح لها فيها مَدَّ بصَرِهِ، وأمَّا الكافرُ"، فذكر موتَه، قال: "ويُعادُ رُوحه في جسَده، ويأْتيه مَلَكَانِ، فيُجلِسانِهِ، فيقولان: من ربُّكَ؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أَدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذَب، فأَفرِشُوه من النَّار، وأَلبِسُوه من النَّار، وافتحوا له بابًا إلى النَّار"، قال: "فيأْتيه من حَرِّها وَسَمُومِها"، قال: "ويُضَيَّقُ عليهِ قبْرُهُ حتَّى تختلفَ فيهِ أضلاعُه، ثُمَّ يُقَيَّضُ لهُ أَعمى أصمُّ، معه مِرْزَبَّةٌ من حديدٍ لو ضُرِبَ بها جبلٌ لصار تُرابًا، فيضربه بها ضَربةً يسمعها ما بين المَشرق والمَغرب إلا الثَّقلَيْنِ، فيَصير تُرابًا، ثم يُعادُ فيه الرُّوح".
قوله: "ورواه"؛ أي: روى هذا الحديثَ المتقدمَ البراءُ كما رواه أبو هريرة، إلا أن ألفاظَهما مختلفةٌ.
стр. 274
قوله: "يأتيه"؛ أي: يأتي المؤمنَ.
"وما يدريك": (ما) للاستفهام.
و (يُدْرِي) بضم الياء وكسر الراء: مضارع معروف، من أَدْرَى: إذا أَعلَمَ؛ يعني: أيُّ شيءٍ أَعلَمَك وأَخبَرَك بما تقول من قولك "ربي الله" ... إلى آخر ما تقول؟
قوله: "قرأت كتاب الله"؛ يعني: قرأتُ القرآنَ و"آمنتُ به" أنه حقٌّ، وصدَّقته على ما فيه، فوجدتُ فيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] و ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢] وغير ذلك من الآيات الدالة على أن ربَّي وربِّ المخلوقات هو الله تعالى.
ووجدتُ أيضًا فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وكذلك: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وكذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]؛ فعلمتُ أنه لا دينَ مَرضيًّا بعد مجيء محمد ﵇ إلا الإسلامُ، فوجدتُ فيه أيضًا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغير ذلك من الآيات الدالة على أن محمدًا رسولُ الله على كافة الخلق، فعلمتُ أن محمدًا رسولُ الله.
فإن قيل: هذا الحديث يدل على أن الرجلَ يَعرف صدقَ الرسول من القرآن، وهذا لا يستقيم؛ لأن الرجلَ ما لم يعرف صدقَ الرسولِ لا يعرف أن القرآنَ كلامُ الله.
الجواب: أن النبي ﵇ يُعرَف صدقُه بالمعجزة، بل لا طريقَ إلى معرفة النبي ﵇ إلا بالمعجزة؛ فإن النبي ﵇ إذا أَظهرَ المعجزةَ عَرفَ الناسُ أنه لو لم يكن نبيًا لم يَقدِر على إظهار المعجزة التي ليست
стр. 275
بمقدورِ البشر؛ لأنه لو كانت في قدرة البشر لَقَدرَ عليها كلُّ مَن كان مثلَ النبي ﵇ في القوة والعقل والفصاحة، فإذا رأى الرجلُ في نفسه ما كان في النبي ﵇ من أوصاف البشرية ولم يَقدِر على مثل ما أتى به النبي ﵇ من المعجزة عَلِمَ أنها ليست إلا من الله تعالى، والقرآن أكبرُ معجزةٍ من معجزات النبي ﵇؛ فإن الرجلَ إذا تفكَّر في القرآن يعلم أنه لا يشبه كلامَ البشر، فيعلم أنه كلامُ الله تعالى، والله تعالى لا يُنزل كلامَه إلا على رسوله، فعَلِمَ الرجلُ أنَّ مَن أُنزِلَ عليه هذا الكلامَ رسولُ الله ﵇.
"فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ "، (فذلك) إشارة إلى جريان لسان المؤمن (١) بجواب المَلَكين؛ يعني: إنما جرى على لسانه الصدقُ والصوابُ في جواب المَلَكينِ؛ لأن الله تعالى أَخبَرَ أنه يُثبِّت المؤمنين بكلمة الشهادة في الدنيا وفي القبر، وكلُّ ما أَخبَرَ به الله تعالى لا يكون إلا كذلك.
قوله: "أنْ صَدَقَ عبدي"؛ يعني إنْ صَدَقَ بما يقول فإنه كان في الدنيا على هذا الاعتقاد عن الإخلاص والصدق لا عن النفاق والرياء، فإذا كان له هذا الاعتقادُ عن الإخلاص فهو مستحقٌّ للإكرام؛ فأَكَرِمُوه.
قوله: "فأَفرِشُوه من الجنة"، (فأَفْرِشُوه): بفتح الهمزة مَرويٌّ، وهذه همزة قطع، وهو أمر مُخاطَبين من أَفْرَشَ: إذا أَمرَ أحدًا أو حَمَلَ أحدًا بفرش بساط، واللام مقدَّر في (فأفرشوه)؛ أي: فأَفرِشُوا له؛ يعني: فأمروا بفَرشِ بساطٍ مِن بُسطِ الجنة.
قوله: "وأَلبِسُوه"، (أَلبِسُوه) بفتح الهمزة وكسر الباء: أمر مُخاطَبين، من (أَلْبَسَ): إذا كَسَا أحدًا لباسًا وأعطاه لباسًا، يقال: لَبِسَ زيدٌ بنفسه وأَلْبَستُه أنا؛ يعني: (أَلْبِسُوه) "من" ثياب "الجنة" والضمير في (أَفرِشُوه) وما بعده للملائكة
стр. 276
أو لخَزَنَة الجنة.
قوله: "مِن رَوحها"؛ أي: من رائحة الجنة ولذتها.
قوله: "ويُفسَح له فيها"؛ أي: في الجنة "مَدَّ بَصَرِه"، (المَدُّ): البَسط والتوسيع، والمراد منه ها هنا: إلى حيث ينتهي إليه بصره.
فإن قيل: قال قبلَ هذا: (يُفتَح له سبعون ذراعًا في سبعين)، وقال ها هنا: (يُفتَح له فيها مَدَّ بَصَرِه)، كيف التوفيقُ بينهما؟
قلنا: (سبعون ذراعًا في سبعين) عبارةٌ عن توسُّع قبره، و (مَدّ البصر) هنا عبارةٌ عن ما يُعرَض عليه من الجنة، فبينهما فرقٌ، ويحتمل أن يكون ذلك لمن درجتُه أقلُّ ممن له هذا؛ لأن مَدَّ البَصَر أكثرُ من سبعين ذراعًا.
قوله: "فذَكرَ موتَه"؛ أي: فذَكَرَ حالَ موته وشدةَ صوتِه، والسؤال منه في القبر، فإن قيل: لِمَ ذكر هنا "ويُعاد روحُه في جسده"، ولم يقل في قصة المؤمن: إنه يُعاد روحُه في جسده؟
قلنا: لأنه ذَكَرَ ثَمَّ ما يدل على أن روحَه يُعاد في جسده، وهو قوله ﵇: "فيُجلِسانه فيقولان له: مَن ربُّك؟ " والإجلاسُ والسؤالُ عنه إنما يكون بعدَ أن يُعادَ روحُه في جسده.
قوله: "هَاهْ هَاهْ" بسكون الهاء بعد الألف، هذه الكلمة يقولها المُتحيَّر في الكلام من الخوف أو من عدم الفصاحة، وليس لها معنًى، ولكن إذا صَدَرَتْ هذه الكلمةُ من شخصٍ عُلِمَ أنه لا يَقدِرُ على جواب السائل، بل هو متحيَّر في جوابه؛ يعني: هذا الكافرُ يتحيَّر في جواب المَلَكَين.
"فينادي منادٍ من السماء: أنْ كَذَبَ"؛ يعني: كَذَبَ أنه لا يدري مَن ربُّه وما دِينهُ ومَن هذا الرجلُ الذي بُعِثَ فيهم؛ لأن الكفارَ يعلمون أن ربَّهم هو الله تعالى، ويعلمون أن دِينَهم هو الإسلامُ وأن نبيَّهم محمد رسولُ الله ﵇،
стр. 277
ولكن لا يؤمنون حسدًا وبغضًا.
فإن قيل: لِمَ قال في قصة المؤمن: (أنْ صَدَقَ عبدي) ولم يقل ها هنا: (عبدي)؟
قلنا: لأن إضافةَ الله تعالى العبدَ إلى نفسِه تشريفٌ له، والمؤمنُ مستحقٌّ التشريفَ، بخلاف الكافر.
قوله: "فيأتيه مِن حَرِّها وسمومِها"، والضميران يرجعان إلى "النار"، و (الحَرُّ) هنا: تأثير النار إليه، و (السموم): الريح الحارَّة؛ يعني: يَلحَقُه أثرُ حَرَّ النار والريح الحارَّة.
قوله: "ثم يُقيَّضُ له أعمى أصمُّ"، (ثم يُقيَّض) بضم الياء الأولى وفتح الثانية وتشديدها؛ أي: يُقدَّر له ويُوَكَّل عليه زبانيةٌ لا عين له؛ حتى لا يرى عجزَه وجريانَ دمعِه؛ كيلا يرحمَ عليه ولا يسمعَ صوتَ بكائه واستغاثته.
قوله: "معه مِرْزَبَّةٌ من حديد"، المسموع في الحديث: (مِرْزَبَّة) بتشديد الباء، ولكن في اللغة: مِرْزَبَة بتخفيف الباء، وهو الشيء الذي يُكسَر به المَدَر، والإرْزَبَّة مثله، ولكن الباء من الإرْزَبَّة مشددة، بخلاف المِرْزَبَة.
* * *
٩٨ - عن عُثمان بن عفَّان ﵁: أنه كان إذا وقفَ على قبرٍ بكى حتَّى يبُلَّ لِحيتَهُ، فقيل له: تذكرُ الجنَّة والنَّار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ القبْرَ أوَّلُ منزلٍ مِنْ منازِلِ الآخرة، فإنْ نجَا منهُ فما بعدَهُ أيسَرُ منهُ، وإنْ لمْ ينجُ منهُ فما بعدَهُ أشدُّ منهُ". قال: وقال رسولُ الله ﷺ : "ما رأَيتُ مَنْظَرًا قط إلا والقبْرُ أفظَعُ منهُ"، غريب.
قوله: "أنه كان"؛ أي: كان عثمانُ "إذا وَقَفَ على قبرٍ"؛ أي: على رأسِ
стр. 278
قبرٍ، أو عندَ قبرٍ "يبكي حتى يبلَّ لحيتَه" من الدمع، "فقيل له: تذكرُ الجنةَ والنارَ ولا تبكي"؛ يعني: تسمع ذكرَ الجنة والنار ولا تبكي من خوف النار واشتياق الجنة، "وتبكي من" خوف القبر؟
قوله: "أولُ منزلٍ من منازل الآخرة"؛ يعني: للآخرة منازلُ، أولُها القبرُ، ومنها عَرْصَةُ القيامة عند العرض، ومنها الوقوفُ عند الميزان، ومنها المرورُ على الصراط، ومنها الجنةُ والنارُ.
"فإن نجا"؛ أي: فإن نجا الرجلُ في القبر من العذاب تكون نجاتُه علامةَ السعادة.
"فما بعده"؛ أي: فما بعدَ القبرِ من أحوال القيامة تكون أيسرَ وأسهلَ عليه.
"وإن لم ينجُ" من العذاب في القبر يكون عذابُه في القبر علامةَ الشقاوة، فيكون ما بعد القبر من أحوال القيامة أشدَّ وأشقَّ عليه؛ يعني: قال عثمان: لأجل هذا أبكي من خوف القبر، فما أدري: أَنْجُو من عذاب القبر حتى يكونَ ما بعدَه أيسرَ عليَّ أم لا أَنْجُو منه حتى يكونَ ما بعدَه أشدَّ عليَّ.
وحيث ذُكِرَ (عثمانُ) مطلقًا فاعلم أنه عثمانُ بن عفَّانَ بن العاص بن أميةَ بن عبدِ شمسِ بن عبدِ مَناف، وكنية "عثمان": أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله؛ والأول أشهر.
"قال: قال رسول الله ﵇: ما رأيتُ منظرًا قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ منه"، الضمير في (قال) لعثمان ﵁، (المنظر): الموضع الذي ينظر إليه، (أفظع): أفعل التفضيل من فَظُعَ - بضم العين في الماضي والغابر - فظاعةً: إذا صار الشيءُ هولاً مُنكَرًا شديدًا؛ يعني: قال عثمان ﵁: قال رسول الله ﵇: ما رأيتُ شيئًا إلا والقبرُ أشدُّ وأفزعُ وأنكرُ منه.
* * *
стр. 279
٩٩ - وعن عُثمان ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا فرَغَ منْ دَفْنِ الميِّتِ وقفَ عليه فقال: "استَغْفِرُوا لأخيكم، ثمَّ سَلُوا له بالتثبيت، فإنه الآنَ يُسْأَل".
قوله: "وقف عليه"؛ أي: وَقَفَ على رأس القبر.
"استَغْفِرُوا لأخيكم"؛ أي: اطلُبُوا المغفرةَ من الله تعالى لهذا الميت، "ثم سَلُوا"؛ أي: اسألوا واطلبوا من الله تعالى أن يُثبَّتَ لسانَه بجواب المُنكَر والنكير؛ فإنهما يَسألانِه في هذه الساعة.
وهذا الحديثُ يدل على أن دعاءَ الحيَّ ينفع الميتَ، وعلى أنه يُستحبُّ للأحياء أن يدعوا للأموات، وعلى أن سائرَ المسلمين بعضُهم أخو بعضٍ.
وهذا الحديث لا يدل على تلقين الميت عند الدفن كما هو عادة الناس؛ لأنه ليس في هذا الحديث لفظٌ يدل عليه (١)، ولم نجد أيضًا حديثًا مشهورًا فيه.
وأورد الغزالي في كتاب "إحياء العلوم" والإمام الطبري في كتابه المُسمَّى بـ "كتاب الأدعية" حديثًا في تلقين الميت عند الدفن؛ ولم يُصحِّحه بعضُ المحدَّثين.
وأما قوله ﵇: "لقَّنُوا أمواتَكم قولَ لا إله إلا الله" فالمراد بهذا قبلَ الموت لا بعد الموت، أما لو لَقَّنَ أحدٌ الميتَ عند الدفن لم يكن فيه حرجٌ؛ لأنه ليس فيه إلا ذكرُ الله تعالى، وعرض الاعتقاد على الميت والحاضرين، والدعاءُ للميت وللمسلمين، ويكون فيه إرغام لمُنكِري الحشر والبعث وأحوال القيامة؛ وكلُّ ذلك حسنٌ.
* * *
стр. 280
١٠٠ - عن درَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُسلَّطُ على الكافرِ في قبْرِه تسعةٌ وتسعون تِنِّينًا تنْهَشُهُ وتَلْدغُه حتى تقومَ الساعةُ، لو أنَّ تِنِّينًا منها نَفَخ في الأَرضِ ما أنبتتْ خَضْراء".
قوله: "يُسلَّط": هذا فعل مضارع مجهول من التسليط، وهو أن يُجعَل أحدٌ مُوكَّلاً على أحدٍ ليعذِّبَه ويُؤذِيَه.
(التنِّين) بتشديد النون الأولى: نوعٌ من الحياتِ كثيرُ السم، (نَهَشَ) و (لَدَغَ) كلاهما بفتح العين في الماضي والغابر، ومعناهما واحد في اللغة، وذِكرُ كلا اللفظَين هنا؛ إما للتأكيد، أو لبيان أنواع العذاب؛ لأنه ربما يكون النَّهشُ أشدَّ ألمًا من اللَّدغ، أو بالعكس.
"حتى تقوم الساعة"؛ أي: حتى يجيءَ يومُ القيامة.
قوله: "لو أن تنِّينًا منها نفخَ في الأرض لَمَا أنبتت خضراءَ": يصف شدةَ سمِّه وحرارةَ فمِه؛ يعني: لو وصلَ ريحُ فمِه وحرارتُه في الأرض ما أنبتت خضراءَ واحترقت الأرضُ من حرارته، بحيث لا ينبت في الأرض نباتٌ أخضرُ، ولم يبقَ في الأرض نباتٌ أو شجرٌ أخضرُ، وتقييد (التنِّين) بـ (تسعة وتسعين) اختُلف فيه؛ فالأصح أنه إنمَّا قيَّد رسولُ الله ﵇ بتسعة وتسعين لحكمةٍ عَلِمَها هو ﵇ بطريق الوحي، ولم يعرفها غيره، وهذا كتقييده ﵇ الاستغفارَ بسبعين مرةً أو بمئةِ مرةٍ وغير ذلك من الأعداد.
وقيل: إنما قيَّده بتسعة وتسعين؛ لأن لله تعالى تسعةً وتسعين اسمًا، كلُّ اسمٍ مأخوذٌ من صفةٍ، كالرحمن والرحيم والملك، ويأتي بحثه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والكافرُ أَنكرَ هذه الأسماءَ وهذه الصفاتِ وأَشركَ بمَن له هذه الأسماءُ، فوُكِّلَ عليه بعدد كل اسم منها تنيَّنٌ، وحصل للمؤمنين بعدد كل اسم منها أقرَّ به رحمةٌ،
стр. 281
كما قال ﵇: "إن لله مئةَ رحمةٍ، أَنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوامِّ، بها يَتَعاطفون، وبها يَتَراحمون، وبها تعطف الوحشُ على ولدها، وأخَّرَ تسعةً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده"، (التعاطُف): جريان العطف بين الاثنين، و (العطف): الشفقة والرحمة.
* * *
٥ - باب الاعتِصام بالكتاب والسُّنَّة
(باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رَدٌّ".
قوله: "أحدث": إذا أتى بشيءٍ جديدٍ "في أمرنا"؛ أي: في دِيننا "هذا"؛ أي: هذا الدِّين الذي بُعِثْتُ به "ما ليس فيه"؛ أي: ما ليس نحن أَمَرْنا به أو فَعَلْنا، وما ليس في القرآن "فهو رَدٌّ"؛ أي: فهو مردودٌ؛ يعني: مَن فعلَ فعلًا أو قالَ قولًا في الدِّين، وليس ذلك في القرآن ولا في أحاديث رسول الله ﵇، لا يجوز قَبولُه، ويُسمى ذلك الفعلُ أو القولُ: بدعةً.
واعلم أن البدعةَ نوعانِ: سيئ وحسن؛ فالسيئُ كالزيادة على أركان الصلاة عمدًا وأداء الصلوات النوافل على الدوام بالجماعة وغير ذلك.
والحَسَنُ كالمَنَارة وتكثير درجات المِنبر لزيادة إعلام الأذان، وكزيادة الأذان الأول يومَ الجمعة قبل الأذان الذي يكون بعد صعودِ الخطيبِ المِنبرَ؛ فإن أميرَ المؤمنين عثمانَ ﵁ وضعَه، وغير ذلك مما لم يَرَ فيه علماء السُّنَّة إثمًا، بل
стр. 282
رَأَوا فيه مصلحةً فلا بأس به، ولا تجوز البدعةُ السيئة.
* * *
١٠٢ - وعن جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أمَّا بعدُ، فإنَّ خَيْرَ الحديث كتابُ الله، وخَيْرُ الهُدي هَدْي محمدٍ، وشرُّ الأُمورِ مُحدثاتُها، وكلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعةٌ، وكلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ".
قوله: "أما بعدُ": هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل الخطاب، وأكثر استعمالها بعد تقدُّم قصةٍ أو حمدٍ لله تعالى وصلاةٍ على النبي ﵇، وكأن الأصل أن يقال: أما بعد حمدِ الله تعالى، و (بعد) إذا كان له مضافٌ إليه ولم يكن قبله حرفُ جر فهو منصوبٌ على الظرفية، وإذا قُطِعَ عنه المضافُ إليه بقي على الضم كما ها هنا، والمفهوم من هذَين اللفظَين أن النبي ﵇ قال هذا الحديثَ في أثناء خطبته ووعظه (١).
قوله: "فإن خيرَ الحديثِ كتابُ الله تعالى"، الفاء جواب لـ (أما)؛ لأن فيه معنى الشرط، و (الحديث): الكلام، ولا شك أن كلامَ الله تعالى خيرٌ من كلام المخلوقين.
قوله: "وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمَّدٍ" ﵇، و (خيرَ) منصوبٌ؛ لأنه معطوف على اسم (إن)، (الهَدْي): السيرة والطريقة، وهو مصدر يقع على الواحد والتثنية والجمع، فـ (الهَدْي) الأول بمعنى الجمع، والثاني بمعنى الواحد؛ يعني: خيرُ الطُّرُقِ والسَّيَرِ طريقُ محمَّدٍ ﵇ وسيرتهُ ودِينُه.
(المُحدَثات) بفتح الدال جمع مُحدَثة، وهي مفعول من أُحدِثَ، والمراد
стр. 283
بـ (المُحدَثات): البِدَع والضلالات من الأفعال والأقوال.
"وكلُّ مُحدَثة"؛ أي: كلُّ خصلةٍ مُحدَثةٍ "بدعةٌ"؛ أي: فهي بدعةٌ، ومعنى (المُحدَثة) و (البدعة) في اللغة واحدٌ.
ولكن المراد بالبدعة في الحديث: المُخالِفة للسُّنَّة (١)؛ يعني: كلُّ خصلةٍ أتى بها جديدًا لم يقلْها النبيُّ ﵇ فهي مخالفةٌ للسُّنة، ومخالفةُ السُّنةِ ضلالةٌ، والضلالةُ: تركُ الطريق المستقيم والذهابُ إلى غير الطريق، والطريق المستقيم: هو الشريعة، ومَن مالَ عن الشريعة فقد ضلَّ عن طريق الحق.
* * *
١٠٣ - وقال رسول الله ﷺ : "أبغَضُ النَّاسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنَّةَ الجاهلية، ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ بغير حقًّ ليُهريقَ دمَه"، رواه ابن عباس ﵄.
قوله: "مُلْحِدٌ في الحَرَم"، أَلْحَدَ: إذا مالَ عن الحق، ومُلْحِد في الحَرَم؛ أي: مائلٌ عن الحق في الحَرَم؛ يعني: مَن لم يُعظِّم حُرمة الحَرَم ويفعل فيه معصيةً فالمعصيةُ قبيحةٌ، وفي الموضع الشريف أقبحُ.
قوله: "ومُبْتَغٍ في الاسلام سُنَّةَ الجاهلية"، ابتغى: إذا طلبَ؛ يعني: من دخل في الإسلام وطلب وتمنَّى ما هو عادة الجاهلية، كالمَيْسِر وقتل الأولاد وغير ذلك.
قوله: "ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ مسلمٍ بغير حق ليُهريقَ دمَه"، و (مُطَّلِب) بتشديد الطاء: اسم فاعل من (اطَّلَبَ)، وأصله: اطتلب، فقُلبت التاءُ طاءً
стр. 284
وأُدغمت (الطاء) في الطاء، ومعناه: طَلَبَ ليهريق، هذا اللفظ من أَرَاقَ يُرِيقُ إراقةً: إذا صبَّ الماءَ وغيرَه، فقُلبت الهمزةُ هاءً، فقيل: هَرَاقَ يُهَرِيقُ: بفتح الهاء؛ لأن أصلَ يُريق: يُؤَرِيقُ بفتح الهمزة، فحُذفت الهمزةُ كيلا تجتمع همزتان في الإخبار عن نفس المتكلم، نحو قولك: (أُريق)؛ فإن اجتماعَ الهمزتَين ثقيلٌ، فلمَّا قُلبت الهمزةُ هاءً زال عنه الثقل، فلم يُحذَف في المستقبل وغيره، فقيل: يُهَراق.
وقيل: بل الهاءُ ساكنةٌ زائدةٌ في الماضي وغيره، تقول في الماضي: أَهْرَاقَ بسكون الهاء، وفي المستقبل: يُهَرِيقُ، وأصله: يُؤَهْرِيق بفتح الهمزة وبقيت الهاءُ ساكنةً.
واعلم أن (الناس) في قوله: "أبغض الناس" ليس المراد به: جميع الناس؛ لأن المراد من المذكورين في هذا الحديث: مسلمون، فكيف يكون المسلمون أبغضَ إلى الله من الكفار، بل يراد به: المُذنِبون؛ يعني: أبغضُ المسلمين المُذنبِين إلى الله تعالى هذه الثلاثةُ؛ لأن هذه الذنوبَ الثلاثةَ المذكورةَ في هذا الحديث أشدُّ الذنوب.
* * *
١٠٤ - وقال: "كلُّ أُمتي يَدخلونَ الجنَّة إلَاّ مَنْ أَبى"، قالوا: ومَنْ يأْبى يا رسول الله؟ قال: "مَنْ أَطاعني دخلَ الجنَّةَ، ومَنْ عصاني فقد أَبى"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "إلا مَن أَبَى"؛ أي: امتَنع عن قَبول الشرع أو عن العمل بالشرع، فمَن امتنعَ عن قَبول الشرع جاحدًا واستخفافًا للشرع فهو كافرٌ لا يدخل الجنةَ، ومَن ترك شيئًا من الشرع غيرَ جاحدٍ، بل من الكسل فهو مسلمٌ مُذنِبٌ وهو يدخل الجنةَ؛ إلا أنه يدخل الجنةَ بعد أن يعذَّبَ بقَدْر ذَنْبه، أو قبل أن عُذب، فهذا في
стр. 285
مشيئة الله تعالى.
قوله: "ومَن عصاني فقد أَبَى": هذا يدل على أن مَن عَصَى رسولَ الله لا يدخل الجنةَ؛ لأنه قال: (كلُّ أمتي يدخلون الجنةَ إلَاّ مَنْ أَبَى)؛ أي: مَنْ أَبَى لا يدخل الجنةَ فإن كان مَن عصاه كافرًا فلا شك أنه لا يدخلُ الجنةَ، وإن كان مسلمًا فهذا يكون للزجر والتهديد.
* * *
١٠٥ - وعن جابر ﵁ قال: جاءتْ ملائكةٌ إلى النبيِّ ﷺ وهو نائمٌ فقالوا: إنَّ لصاحبِكُم هذا مثَلاً فاضرِبُوا له مثَلاً، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العيْنَ نائمةٌ والقلبَ يَقْظانُ، فقالوا: مثَلُهُ كمثَلِ رجل بنى داراً، وجعل فيها مَأدُبةً، وبعثَ داعيًا، فمَنْ أجابَ الداعيَ دخلَ الدَّارَ وأَكلَ من المَأْدُبة، ومَنْ لمْ يُجبِ الداعيَ لمْ يدخُلِ الدَّارَ ولمْ يأْكلْ مِنَ المأدُبة، فقالوا: أوِّلُوها لهُ يَفْقَهْها، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العينَ نائمةٌ والقلْبَ يَقْظانُ، فقال بعضهم: الدارُ الجنَّةُ، والدَّاعي محمدٌ، فمَنْ أطاعَ محمدًا فقد أطاعَ الله، ومَنْ عصى محمدًا فقدْ عصَى الله، ومحمدٌ فرق بينَ الناس.
قوله: "جاءت ملائكة"؛ أي: جاءت جماعةٌ من الملائكة "إلى النبي ﷺ "؛ ليضربوا له مَثَلاً ليحفظَه ويخبرَ به أُمتَه، "فقالوا: إن لصاحبكم هذا مَثَلاً"؛ أي: فقال بعضُ أولئك الملائكة لبعض: (إن لصاحبكم)؛ أي: لمحمدٍ هذا، و (هذا): إشارةٌ إلى محمد ﵇.
المِثْل والمَثَل والشِّبْه والشَّبَه واحد، وأكثر استعمال (المَثَل) في شيءٍ يُشبَّه به شيءٌ آخرُ تقول: زيدٌ مَثَلٌ في الجُود؛ أي: له جودٌ كثيرٌ يُشبَّه الأسخياءُ به.