كما قال ﵇: "إن لله مئةَ رحمةٍ، أَنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوامِّ، بها يَتَعاطفون، وبها يَتَراحمون، وبها تعطف الوحشُ على ولدها، وأخَّرَ تسعةً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده"، (التعاطُف): جريان العطف بين الاثنين، و (العطف): الشفقة والرحمة.
* * *
٥ - باب الاعتِصام بالكتاب والسُّنَّة
(باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رَدٌّ".
قوله: "أحدث": إذا أتى بشيءٍ جديدٍ "في أمرنا"؛ أي: في دِيننا "هذا"؛ أي: هذا الدِّين الذي بُعِثْتُ به "ما ليس فيه"؛ أي: ما ليس نحن أَمَرْنا به أو فَعَلْنا، وما ليس في القرآن "فهو رَدٌّ"؛ أي: فهو مردودٌ؛ يعني: مَن فعلَ فعلًا أو قالَ قولًا في الدِّين، وليس ذلك في القرآن ولا في أحاديث رسول الله ﵇، لا يجوز قَبولُه، ويُسمى ذلك الفعلُ أو القولُ: بدعةً.
واعلم أن البدعةَ نوعانِ: سيئ وحسن؛ فالسيئُ كالزيادة على أركان الصلاة عمدًا وأداء الصلوات النوافل على الدوام بالجماعة وغير ذلك.
والحَسَنُ كالمَنَارة وتكثير درجات المِنبر لزيادة إعلام الأذان، وكزيادة الأذان الأول يومَ الجمعة قبل الأذان الذي يكون بعد صعودِ الخطيبِ المِنبرَ؛ فإن أميرَ المؤمنين عثمانَ ﵁ وضعَه، وغير ذلك مما لم يَرَ فيه علماء السُّنَّة إثمًا، بل
стр. 282
رَأَوا فيه مصلحةً فلا بأس به، ولا تجوز البدعةُ السيئة.
* * *
١٠٢ - وعن جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أمَّا بعدُ، فإنَّ خَيْرَ الحديث كتابُ الله، وخَيْرُ الهُدي هَدْي محمدٍ، وشرُّ الأُمورِ مُحدثاتُها، وكلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعةٌ، وكلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ".
قوله: "أما بعدُ": هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل الخطاب، وأكثر استعمالها بعد تقدُّم قصةٍ أو حمدٍ لله تعالى وصلاةٍ على النبي ﵇، وكأن الأصل أن يقال: أما بعد حمدِ الله تعالى، و (بعد) إذا كان له مضافٌ إليه ولم يكن قبله حرفُ جر فهو منصوبٌ على الظرفية، وإذا قُطِعَ عنه المضافُ إليه بقي على الضم كما ها هنا، والمفهوم من هذَين اللفظَين أن النبي ﵇ قال هذا الحديثَ في أثناء خطبته ووعظه (١).
قوله: "فإن خيرَ الحديثِ كتابُ الله تعالى"، الفاء جواب لـ (أما)؛ لأن فيه معنى الشرط، و (الحديث): الكلام، ولا شك أن كلامَ الله تعالى خيرٌ من كلام المخلوقين.
قوله: "وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمَّدٍ" ﵇، و (خيرَ) منصوبٌ؛ لأنه معطوف على اسم (إن)، (الهَدْي): السيرة والطريقة، وهو مصدر يقع على الواحد والتثنية والجمع، فـ (الهَدْي) الأول بمعنى الجمع، والثاني بمعنى الواحد؛ يعني: خيرُ الطُّرُقِ والسَّيَرِ طريقُ محمَّدٍ ﵇ وسيرتهُ ودِينُه.
(المُحدَثات) بفتح الدال جمع مُحدَثة، وهي مفعول من أُحدِثَ، والمراد
стр. 283
بـ (المُحدَثات): البِدَع والضلالات من الأفعال والأقوال.
"وكلُّ مُحدَثة"؛ أي: كلُّ خصلةٍ مُحدَثةٍ "بدعةٌ"؛ أي: فهي بدعةٌ، ومعنى (المُحدَثة) و (البدعة) في اللغة واحدٌ.
ولكن المراد بالبدعة في الحديث: المُخالِفة للسُّنَّة (١)؛ يعني: كلُّ خصلةٍ أتى بها جديدًا لم يقلْها النبيُّ ﵇ فهي مخالفةٌ للسُّنة، ومخالفةُ السُّنةِ ضلالةٌ، والضلالةُ: تركُ الطريق المستقيم والذهابُ إلى غير الطريق، والطريق المستقيم: هو الشريعة، ومَن مالَ عن الشريعة فقد ضلَّ عن طريق الحق.
* * *
١٠٣ - وقال رسول الله ﷺ : "أبغَضُ النَّاسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنَّةَ الجاهلية، ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ بغير حقًّ ليُهريقَ دمَه"، رواه ابن عباس ﵄.
قوله: "مُلْحِدٌ في الحَرَم"، أَلْحَدَ: إذا مالَ عن الحق، ومُلْحِد في الحَرَم؛ أي: مائلٌ عن الحق في الحَرَم؛ يعني: مَن لم يُعظِّم حُرمة الحَرَم ويفعل فيه معصيةً فالمعصيةُ قبيحةٌ، وفي الموضع الشريف أقبحُ.
قوله: "ومُبْتَغٍ في الاسلام سُنَّةَ الجاهلية"، ابتغى: إذا طلبَ؛ يعني: من دخل في الإسلام وطلب وتمنَّى ما هو عادة الجاهلية، كالمَيْسِر وقتل الأولاد وغير ذلك.
قوله: "ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ مسلمٍ بغير حق ليُهريقَ دمَه"، و (مُطَّلِب) بتشديد الطاء: اسم فاعل من (اطَّلَبَ)، وأصله: اطتلب، فقُلبت التاءُ طاءً
стр. 284
وأُدغمت (الطاء) في الطاء، ومعناه: طَلَبَ ليهريق، هذا اللفظ من أَرَاقَ يُرِيقُ إراقةً: إذا صبَّ الماءَ وغيرَه، فقُلبت الهمزةُ هاءً، فقيل: هَرَاقَ يُهَرِيقُ: بفتح الهاء؛ لأن أصلَ يُريق: يُؤَرِيقُ بفتح الهمزة، فحُذفت الهمزةُ كيلا تجتمع همزتان في الإخبار عن نفس المتكلم، نحو قولك: (أُريق)؛ فإن اجتماعَ الهمزتَين ثقيلٌ، فلمَّا قُلبت الهمزةُ هاءً زال عنه الثقل، فلم يُحذَف في المستقبل وغيره، فقيل: يُهَراق.
وقيل: بل الهاءُ ساكنةٌ زائدةٌ في الماضي وغيره، تقول في الماضي: أَهْرَاقَ بسكون الهاء، وفي المستقبل: يُهَرِيقُ، وأصله: يُؤَهْرِيق بفتح الهمزة وبقيت الهاءُ ساكنةً.
واعلم أن (الناس) في قوله: "أبغض الناس" ليس المراد به: جميع الناس؛ لأن المراد من المذكورين في هذا الحديث: مسلمون، فكيف يكون المسلمون أبغضَ إلى الله من الكفار، بل يراد به: المُذنِبون؛ يعني: أبغضُ المسلمين المُذنبِين إلى الله تعالى هذه الثلاثةُ؛ لأن هذه الذنوبَ الثلاثةَ المذكورةَ في هذا الحديث أشدُّ الذنوب.
* * *
١٠٤ - وقال: "كلُّ أُمتي يَدخلونَ الجنَّة إلَاّ مَنْ أَبى"، قالوا: ومَنْ يأْبى يا رسول الله؟ قال: "مَنْ أَطاعني دخلَ الجنَّةَ، ومَنْ عصاني فقد أَبى"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "إلا مَن أَبَى"؛ أي: امتَنع عن قَبول الشرع أو عن العمل بالشرع، فمَن امتنعَ عن قَبول الشرع جاحدًا واستخفافًا للشرع فهو كافرٌ لا يدخل الجنةَ، ومَن ترك شيئًا من الشرع غيرَ جاحدٍ، بل من الكسل فهو مسلمٌ مُذنِبٌ وهو يدخل الجنةَ؛ إلا أنه يدخل الجنةَ بعد أن يعذَّبَ بقَدْر ذَنْبه، أو قبل أن عُذب، فهذا في
стр. 285
مشيئة الله تعالى.
قوله: "ومَن عصاني فقد أَبَى": هذا يدل على أن مَن عَصَى رسولَ الله لا يدخل الجنةَ؛ لأنه قال: (كلُّ أمتي يدخلون الجنةَ إلَاّ مَنْ أَبَى)؛ أي: مَنْ أَبَى لا يدخل الجنةَ فإن كان مَن عصاه كافرًا فلا شك أنه لا يدخلُ الجنةَ، وإن كان مسلمًا فهذا يكون للزجر والتهديد.
* * *
١٠٥ - وعن جابر ﵁ قال: جاءتْ ملائكةٌ إلى النبيِّ ﷺ وهو نائمٌ فقالوا: إنَّ لصاحبِكُم هذا مثَلاً فاضرِبُوا له مثَلاً، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العيْنَ نائمةٌ والقلبَ يَقْظانُ، فقالوا: مثَلُهُ كمثَلِ رجل بنى داراً، وجعل فيها مَأدُبةً، وبعثَ داعيًا، فمَنْ أجابَ الداعيَ دخلَ الدَّارَ وأَكلَ من المَأْدُبة، ومَنْ لمْ يُجبِ الداعيَ لمْ يدخُلِ الدَّارَ ولمْ يأْكلْ مِنَ المأدُبة، فقالوا: أوِّلُوها لهُ يَفْقَهْها، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العينَ نائمةٌ والقلْبَ يَقْظانُ، فقال بعضهم: الدارُ الجنَّةُ، والدَّاعي محمدٌ، فمَنْ أطاعَ محمدًا فقد أطاعَ الله، ومَنْ عصى محمدًا فقدْ عصَى الله، ومحمدٌ فرق بينَ الناس.
قوله: "جاءت ملائكة"؛ أي: جاءت جماعةٌ من الملائكة "إلى النبي ﷺ "؛ ليضربوا له مَثَلاً ليحفظَه ويخبرَ به أُمتَه، "فقالوا: إن لصاحبكم هذا مَثَلاً"؛ أي: فقال بعضُ أولئك الملائكة لبعض: (إن لصاحبكم)؛ أي: لمحمدٍ هذا، و (هذا): إشارةٌ إلى محمد ﵇.
المِثْل والمَثَل والشِّبْه والشَّبَه واحد، وأكثر استعمال (المَثَل) في شيءٍ يُشبَّه به شيءٌ آخرُ تقول: زيدٌ مَثَلٌ في الجُود؛ أي: له جودٌ كثيرٌ يُشبَّه الأسخياءُ به.
стр. 286
قوله: "قال بعضهم: إنه نائم"؛ يعني: قال بعضهم: لا يفيد ضربُ المَثَل في هذه الساعة؛ لأنه نائمٌ، والنائمُ لا يَفهَم ولا يَعلَم ما يقولون، وقال بعضهم: هو تنام عينُه ولا ينامُ قلبُه، فإذا كان كذلك يَفهَم ويَعلَم ما يقولون.
(اليقظان): نعت مذكر، من يَقِظَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - يقظانًا، وهو ضد نام.
"المَأدُبة" بضم الدال: الطعام الذي يُصنعَ للأضياف.
قوله: "وبعث داعيًا"؛ يعني: أَرسلَ باني الدار أحدًا يدعو الناسَ إلى تلك الدارِ والمأدُبةِ التي صنعَ فيها.
قوله: "فقالوا: أَوَّلُوها له يَفْقَهْها"، (فقالوا)؛ أي: فقال بعضُهم لبعضٍ (أَوَّلُوها)؛ أي: فَسَّروا هذه الحكايةَ أو هذه الدارَ والمأدُبةَ، (التأويل): التفسير، (له)؛ أي: لمحمد ﵇.
(يفقهها) أصله: يَفْقَهْ بسكون الهاء؛ لأنه مجزوم بجواب الأمر، وهو من فَقِهَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - فقهًا: إذا أَدرَكَ وفَهِمَ شيئًا، فأُدغمت هاء يفقه في الهاء التي بعدها؛ لأن كلَّ حرفَين متماثلَين أولهما ساكنٌ فإدغامُ الأول في الثاني لازمٌ.
قوله: "قال بعضهم: إنه نائم"؛ يعني: قال بعض الملائكة: إنه نائمٌ، وإذا كان نائمًا كيف يفقه ما نقول من تفسير المَثَل؟ وقال بعضهم: يفقه؛ لأن قلبَه ليس بنائمٍ.
قوله: قولهم: "فالدارُ الجنةُ، والداعي محمَّدٌ" رسول الله، ذَكَرَ في المَثَل أربعةَ أشياءَ: أحدها الدار، والثاني بانيها، والثالث المأدبة، والرابع الداعي.
стр. 287
وذَكَرَ في التفسير شيئَين: الجنة والداعي، ولم يذكر الباقيين؛ لتقدُّم ذكرهما؛ يعني: الدار الجنة، والباني: هو الله تعالى، والمأدُبة: طعام الجنة، والداعي: محمد رسول الله، فمَن أطاعَ محمدًا ﵇ يدخل الجنةَ ويأكل طعامَ الجنة ويرضى الله تعالى عنه.
"ومن عَصَى محمدًا" رسولَ الله يكون بخلاف ذلك.
قوله: "محمدٌ فَرَقَ بين الناس"، (فرَقَ): فعلٌ ماضٍ؛ يعني: محمدٌ ميَّز وفصَل بين الحق والباطل، والكفر والإسلام، والحلال والحرام، وفي بعض النسخ: "فَرْقٌ بين الناس" بسكون الراء وضم القاف، وهو مصدر بمعنى: الفارق.
* * *
١٠٦ - وعن أنَسٍ ﵁ قال: جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى أَزْواجِ النبيِّ ﷺ يسأَلونَ عن عِبادةِ النبيِّ ﷺ ، فلمَّا أُخبِرُوا كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أينَ نحنُ مِنَ النبيِّ ﷺ ، وقد غفَرَ الله لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّر؟ فقال أحدُهم: أمَّا أنا فأُصلِّي الليلَ أبدًا، وقال الآخر: أنا أصومُ النهارَ ولا أُفطِرْ، وقال الآخر: أنا أَعتزلُ النِّساءَ فلا أَتزوَّجُ أبدًا، فجاءَ النبيُّ ﷺ إليهم فقال: "أنتمُ الذين قُلْتمْ كذا وكذا؟ أما والله إنَّي لأَخشاكم للهِ وأَتْقاكُم له، لكنَّي أَصُومُ وأُفطِرْ، وأُصلِّي وأَرقُدْ، وأتزوَّجُ النَّساءَ، فمَنْ رغبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي".
قوله: "جاء ثلاثة رَهْط"، (الرهط): الجماعة ما دون العشرة، (ثلاثة رهط)؛ أي: ثلاثة أَنْفُس، قيل: هم علي وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة، جاؤوا "إلى أزواج النبي ﵇ يسألونهن عن" قَدْرِ "عبادة النبي ﵇"، وعن وظائفه من العبادات في كل يوم وليلة؛ حتى يفعلوا مثلَ ما يفعل
стр. 288
النبي ﵇.
قوله: "فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها"، الضمير في (تقالُّوها) يرجع إلى (العبادة)، و (التقالُّ): وجدان الشيء قليلاً، (تقالُّوها)؛ أي: وجدوا تلك العبادةَ قليلةً، وقد ظنوا أن وظائفَ رسولِ الله ﵇ من العبادات كثيرةٌ.
قولهم: "أين نحن من النبي"؛ أي: بيننا وبين النبي بُعْدٌ بعيدٌ؛ لأنَّا مُذنِبون، وهو مغفورٌ ذنُوبه، وهو أعزُّ المخلوقات إلى الله تعالى، فإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى عبادةٍ كثيرةٍ.
فإن لم يفعل عبادةً كثيرةً لم يكن له بذلك عيبٌ ونقصانٌ، لكنَا نحن مُذنِبون وليس لنا عند الله تعالى قَدْرٌ مِثْل قَدْرِه، فإذا كان كذلك نحتاج إلى عبادةٍ كثيرةٍ؛ فَلْيَزِدْ كلُّ واحدٍ منا على عبادة الرسول عبادةً كثيرةً، وقد حفظوا الأدبَ ولم يَعِيبوا رسولَ الله ﵇ بقلة عبادته، بل أظهروا عذرَه ولاموا أنفسَهم في مقابلتِهم أنفسَهم بالنبي ﵇، وعلموا أن مقابلتَهم أنفسَهم بالنبي ﵇ كان خطأ؛ فَلْيتعلَّمِ المُريدون والتلامذةُ مجالسةَ المشايخ والأستاذِين من هؤلاء، ولا ينبغي للمُريد أن ينظرَ إلى الشيخ بعين الاحتقار وإن رأى عبادتَه قليلةً، بل لِيُظهِرْ عذرَه وَلْيَلمْ نفسَه إن جرى في خاطره إنكارُ شيخه؛ لأن مَن اعتَرَضَ على شيخه لن يُفلِحَ.
واعلم أن قلةَ وظائف النبي ﵇ من العبادات إنما كانت رحمةً على أُمته؛ لأنه لو عمل عباداتٍ كثيرةً تجتهد أُمته أن يعملوا مثلَ عمله، وحينئذٍ يلحقهم ضررٌ ومشقةٌ، فلأجل هذا لم يعمل عباداتٍ كثيرةً.
واعلم أنه اختُلف في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا
стр. 289
تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ قيل: ما كان قبل النبوة وما كان بعدها، وقيل: قبل الفتح وبعده.
وقيل فيه أقوالٌ كثيرةٌ يطول ذكرها.
"فقال أحدهم: أمَّا أنا فأُصلِّي الليلَ أبدًا"؛ يعني: أُصلي اللياليَ فلا أَرقد.
"وقال الآخر: أنا أصومُ النهارَ ولا أُفطر"؛ أي: ولا أفطر في النهار، و (الإفطار): الأكل بعد الصوم.
"وقال الآخر: أنا أَعتزلُ النساءَ فلا أتزوَّج"، (الاعتزال): الاجتناب والتباعد؛ يعني: أَتباعَدُ من النساء فلا أنكحُهن أبدًا.
قوله ﵇: "أنتم الذين قلتُم كذا وكذا؟ " يعني: أنتم الذين وضع كلُّ واحدٍ منكم على نفسه شيئًا من العبادات على مخالفتي، ولم أكن أمرتُ بها ولم أَفعلْها أنا؟
قوله: "أَمَا والله إني لأَخشاكم لله وأتقاكم له"، (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم معناه: اعلَمْ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والتثنية والجمع؛ أي: أشدُّكم خشيةً لله وأتقاكم؛ أي: أشدُّكم تقوًى، و (التقوى): الحذر والاجتناب من معصية الله تعالى؛ يعني: إن وضعتُم هذه العباداتِ على أنفسكم من شدة خشيتكم وتقواكم لله تعالى فإن خشيتي وتقواي أشدُّ، ومع هذا ما وضعتُ على نفسي شيئًا مما وضعتُم على أنفسكم، فلِمَ فعلتُم شيئًا لم يأمركم به الله ولا رسولُه؟! فلا تفعلوا هذا؛ فإن لأنفسكم عليكم حقًّا، وإن لأزواجكم عليكم حقًّا، ويأتي ذكر هذا مستقصًى في حديثٍ آخرَ إن شاء الله تعالى.
قوله: "لكني أَصوم وأُفطر"؛ يعني: أنا لا أفعل كما فعلتم، بل أَصوم وقتًا وأُفطر وقتًا، "وأصلي"، في بعض الليل "وأرقد"؛ أي: أنام في بعضٍ،
стр. 290
"وأتزوَّج النساءَ"؛ لأن الله تعالى خلقَ النساءَ للرجال وركَّب في الرجال والنساء الشهوةَ، كما خلقَ فيهم الاحتياجَ إلى الطعام، فكما أنه لا بد من الطعام فكذلك لا بد للرجال من النساء، والتزوُّجُ مُباحٌ، وهو سبب العبادات؛ لأنه يحصل به دفعُ الزَّنا من الرجال والنساء، ويُؤجَر الرجلُ بما يعطي زوجتَه من النفقة والكسوة، ويُؤجَر أيضًا بمكالمته ومجالسته إياها وتحصيل الأولاد.
والأولادُ عبادُ الله، وأُمَّةُ محمدٍ ﵇، ولا شك أن تكثيرَ عبادِ الله تعالى وأُمةِ النبي ﵇ عبادةٌ، فإذا كان كذلك فلا ينبغي لمَن يحتاج إلى النكاح ويقدر على تحصيل الكسوة والنفقة أن يتركَ التزوُّجَ.
قوله ﵇: "فمَن رَغبَ عن سُنتي فليس مني"، رغب عن الشيء: إذا تركَه وأعرضَ عنه؛ يعني: مَن تركَ ما أَمرتُ به من أحكام الدين فرضًا كان أو سُنةً عن الاستخفاف بي وعدم الالتفات إليَّ فليس مني؛ لأنه كافرٌ، وأما مَن تركَ لا عن الاستخفافِ وعدم الالتفات، بل عن الكسلِ لم يكن كافرًا، وعلى هذا قوله: (فليس مني) تكون للزجر والوعيد، ويكون معناه: فليس من المُقتَدِين والعاملين بسُنَّتي.
* * *
١٠٧ - وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهُونَ عنِ الشيءِ أصنَعُهُ، فوالله إنَّي لأَعلَمهُمْ بالله، وأشدُّهُم له خَشْيةً".
قوله: "ما بالُ أقوامٍ"؛ أي: ما حالُ أقوامٍ، (ما): للاستفهام بمعنى التوبيخ والإنكار.
стр. 291
(يتنزَّهون)؛ أي: يتباعدون، فيحترزون "عن الشيء": الذي أفعله، الصُّنع: الفعل، "أَصنعُه"؛ أي: أَفعلُه.
قوله: "إني لأَعلمُهم بالله"؛ أي: بعذاب الله وغضبه وعظمته؛ يعني: أنا أفعلُ شيئًا من المباحات مثل النوم والأكل في النهار والتزوج، وقومٌ يحترزون عنه؛ فإن احترزوا عنه لخوف عذاب الله تعالى فإني أعلمُ بقَدْر عذاب الله تعالى، فأنا أَولى أن أَحترِزَ عنه؛ فإذا لم أحترز عنه فاعلموا أنه لا يحصل به عذابُ الله تعالى؛ لأن العذابَ لا يحصل بفعل المباح، وإنما يتعلق بفعل المعصية.
* * *
١٠٨ - وقال رافِع بن خَدِيْج: قال رسول الله ﷺ : "أنتم أَعلَمُ بأمرِ دُنياكُم، إذا أُمرتُكُم بشيءٍ منْ أَمرِ دينِكُمْ فخُذوا بهِ".
قوله: "أنتم أعلمُ بأمر دنياكم"، سببه: أن رافعَ بن خَديج بن رافعِ بن عدي، وكنية "رافع": أبو عبد الله، قال: لمَّا قدمَ رسولُ الله ﵇ المدينةَ رأى أهلَ المدينة يُؤبِّرون النخلَ، قال: "ما تصنعون؟ " قالوا: كنا نصنع هكذا أبدًا، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، فتركوا التأبير، فنقصت ثمارُهم، فذكروا لرسول الله ﵇ أنَّا تركْنا التأبيرَ، ففسد الثمار، فقال رسولُ الله ﵇ هذا الحديثَ؛ يعني: أنتم أعلمُ بالأمور الدنيوية وأنا أعلم بأمور الدَّين؛ إذا أمرتُكم بشيء من أمور الدين فاقبلوه.
* * *
стр. 292
١٠٩ - عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّما مَثَلي ومَثَلُ ما بَعَثني الله بهِ كمثلِ رجُلٍ أتى قومًا فقال: يا قوم! إنَّي رأيتُ الجيشَ بعَينَيَّ، وإنَّي أنا النَّذيرُ العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَهُ طائفةٌ مِنْ قومهِ فأدلَجوا، فانطلَقُوا على مَهَلِهِمْ، فَنَجَوا، وكذَّبتْ طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانَهُمْ فصبَّحَهُمُ الجيشُ فأهلكَهُمْ واجتاحَهُمْ، فذلك مثَلُ من أطاعَني فاتَّبعَ ما جئتُ بِهِ مِنَ الحقِّ، ومَثَلُ مَنْ عصاني وكذَّب بما جئت بهِ مِنَ الحقِّ".
قوله: "إنما مَثَلي ... " إلى آخره؛ يعني: أنا مبعوث لأُخوَّفَ الناسَ وأُعلِّمَهم بأن عذابَ الله تعالى نازلٌ على مَن لا يؤمن بي كـ "النذير العُريان"، وهو الذي يرى جيشًا يقصدون قومَه وقَرُبُوا منهم، ويخاف الرجلُ إن أتاهم ليخبرَهم يأتيهم الجيشُ قبلَه، فيقف عن بعيدٍ وينزع ثوبه ويشير إليهم بثوبه، ويناديهم: إن جيشًا قصدوكم وقربوا منكم ففِرُّوا، (النذير) بمعنى: المُنذِر، وهو المُعلِّم مع التخويف.
"فالنَّجاءَ" مصدر بمعنى: الإسراع، ويجوز أن يكون مقصورًا وممدودًا، وتقديره: انجوا نجاءً؛ أي: أسرِعوا الإسراعَ في الفرار، وفي بعض النسخ: "فالنَّجا" مرتين، وفي بعضها مرة واحدة، وفي "شرح السُّنة" وأكثرِ الروايات مرة واحدة.
قوله: "فأطاعه طائفة"؛ أي: فأطاعَ النذيرَ العُريانَ طائفةٌ "من قومه"، فصدَّقوه مرةً واحدةً، ففرُّوا من العدو ونَجَوا، وكذَّبه طائفةٌ فلم يفرُّوا وأقاموا بمكانهم، فأتاهم الجيشُ فأهلكَهم، فكذلك مَن صدَّق النبيَّ ﵇ وآمَنَ بما يأمر به، فينجو مِن عذاب الله تعالى، ومَن كذَّبه يُخلَّد في نار جهنم.
(الإدلاج): المشي في أول الليل، و (المَهَل) بفتح الميم والهاء: السكون والتأنَّي.
стр. 293
"فأَدلَجُوا على مَهَلهم"؛ أي: فذهبوا في أول الليل على الرِّفق والسكون، "فأصبحوا مكانَهم"؛ أي: دخلوا في وقت الصباح في ذلك المكان، وأقاموا بذلك المكان حتى ظهر الصبح، (الإصباح): الدخول في وقت الصباح.
"فصبَّحهم الجيش" بتشديد الباء؛ أي: أتاهم الجيشُ في وقت الصبح؛ لأن عادةَ الجيش أن يُغِيرُوا في وقت الصبح، (التصبيح): الذهاب في وقت الصباح والدخول في وقت الصباح.
"واجتاحهم"؛ أي: استَأصَلَهم وأَهلَكَهم بالكُلِّية، وهو افتعل؛ من جاحَ يَجُوحُ جَوحًا: إذا قَلَعَ الشجرَ من الأصل.
قوله: "فذلك مَثَلُ مَن أطاعني"؛ أي: مَثَلُ مَن أطاعني كمَثَلِ مَن صدَّقَ النذيرَ العُريانَ، ومَن عصاني كمَن كذَّب النذيرَ العُريانَ.
* * *
١١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلي كمثَلِ رجلٍ استوقدَ نارًا، فلمَّا أضاءتْ ما حولها جعلَ الفَراشُ وهذهِ الدوابُّ التي تقعُ في النَّارِ يقعنَ فيها، وجعلَ يحجُزُهُنَّ، ويغلِبنهُ فيقتَحمنَ فيها، قال: فذلكَ مَثَلي ومَثَلُكم، أنا آخذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هلُمَّ عنِ النارِ، هلمَّ عنِ النارِ، فتغلِبونني فتقحَّمُون فيها".
قوله: "استَوقَد"؛ أي: أَشعلَ وأَضرَمَ "ما حولها"؛ أي: جوانب تلك النار.
"جعل"؛ أي: طَفِقَ "الفراشُ": شيءٌ يشبه الذبابَ، وعادته أن يُلقي نفسَه في النار إذا رأى ضوءَ النار.
قوله: "وهذه الدوابُّ التي تقع في النار"؛ يعني: الفراش وغيره من
стр. 294
الدوابِّ التي عادتُها إلقاؤُها أنفسَها في النار.
"يَقَعْنَ فيها"، النون ضمير جماعة الإناث، وهي الفراش والدواب التي تقع في النار، والضمير في (فيها) يرجع إلى النار.
قوله: "وجعل يَحجُزُهنَّ"، (وجعل)؛ أي: طَفِقَ ذلك الرجلُ الذي استوقدَ النارَ (يَحجُزُهن)؛ أي: يَمنعُهنَّ ويُبعدهن عن النار حتى لا يَقَعْنَ فيها.
"ويَغْلِبنه"؛ أي: لا يَقْدِرُ ذلك الرجلُ أن يدفعَهن عن النار.
"فيتقحمن"؛ أي: يُلقينَ أنفسَهن بالعنف في النار.
قوله ﷺ : "فذلك مثلي ومثلكم"؛ يعني: أمنعكم من وصول نار جهنم بأن آمركم بالخيرات وأنهاكم عن المعاصي فلا تقبلون قولي، وتلقون أنفسكم في نار جهنم بمخالفتكم إياي.
قوله: "أنا آخذ بحجزكم عن النار"، الحُجَز بفتح الجيم: جمع حجزة، وهو ما يدخل فيه التِّكَّة من الإزار، ومن أراد أن يأخذ أحدًا بقوة ويبعده عن شيء، يأخذ بحجزته ويجره حتى يبعده عن ذلك الشيء؛ يعني أنا أجرُّكم حتى أبعدكم عن النار.
قوله: "هلم عن النار"، (هلم): له معنيان؛ أحدهما: ائت وتعال، والثاني: ائت به، فالمعنى الأول لازم، والثاني متعد، وهو أمر مخاطب، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والتثنية والجمع، هذا هو الأصح (١).
وقيل: بل يتصرف كما يتصرف، أخرج وغيره من أمر المخاطب، وهو ها هنا لازم؛ أي: أقول لكم: تعالوا وابعدوا عن النار.
قوله: "تقحمون" أصله: (تتقحمون) فحذفت التاء الأولى للتخفيف؛
стр. 295
يعني: تلقون أنفسكم في نار جهنم بفعل المعاصي.
* * *
١١١ - وقال ﷺ : "مثلُ ما بعثَني الله بهِ منَ الهُدَى والعِلْمِ كمثلِ الغَيْثِ الكثيرِ، أصابَ أرضًا، فكانتْ منها طائفةٌ طيِّبةٌ قَبِلتِ الماءَ، فأَنبتتِ الكلأَ والعُشْبَ الكثيرَ، وكانتْ منها أَجادِبُ أَمسكتِ الماءَ، فنفعَ الله بها الناسَ، فشرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعوا، وأصابَ منها طائفةً أُخرى إنَّما هيَ قِيعانٌ لا تُمسكُ ماءً ولا تُنبتُ كلأً، فذلكَ مثَلُ مَنْ فَقهَ في دينِ الله ونفعَهُ ما بعثني الله بهِ فعَلِمَ وعَلَّم، ومثَلُ مَنْ لمْ يرفعْ بذلكَ رأْسًا ولم يقبَلْ هُدَى الله الذي أُرسِلْتُ بهِ"، رواه أبو مُوسَى الأَشْعَري ﵁.
قوله: "كمثل الغيث الكثير"، (الغيث): المطر.
قوله: "فكانت منها طائفة" (من) في (منها) للتبعيض، ومعنى (الطائفة) البعض والجماعة؛ يعني: الأرض إذا أصابها المطر تكون على ثلاثة أقسام:
أحدها: أرض "طيبة" لينة "قبلت الماء"؛ أي: دخل الماء فيها "فأنبتت الكلأ والعشب" وهما الحشيش الرطب، فكذلك أنبتت الرياحين والزرع وغير ذلك مما ينتفع به الناس.
القسم الثاني: الأجادب، وهي جمع: (أجْدَب) بالجيم والدال غير المعجمة، وهي الأرض الصلبة التي تقبل الماء بقدر ما تروى، ثم بعد ريِّها يقف على وجهها الماء.
قوله: "فينفع الله تعالى بها الناس" الضمير في (بها) يرجع إلى (أجادب)؛ يعني: ينتفع الناس من الماء الواقف على وجه تلك الأرض، "فشربوا" منه "وسقوا" دوابهم وزروعهم وأشجارهم، فهذان القسمان من الأرض ينتفع بهما.
стр. 296
وأما الثالث: لا خير، فيه وهو القيعان، والقيعان: جمع قاع، وهي الأرض المستوية التي لا يقف على وجهها الماء، بل يدخل فيها، ولا ينبت منها شيء لكونها سبخة.
قوله: "فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى"، (فقه) بضم العين في الماضي والغابر، وبكسرها في الماضي، وفتحها في الغابر: إذا فهم وأدرك الكلام.
اعلم أنه ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس في قبول العلم قسمين:
أحدهما: (من فقه في دين الله تعالى ... " إلى آخره.
والثاني: "من لم يرفع بذلك رأسًا"؛ يعني: تكبر "ولم يقبل" الدين، يقال: لم يرفع فلان رأسه بهذا؛ أي: لم يلتفت إليه من غاية تكبره، وإنما ذكر ذلك؛ لأن القسم الأول والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث أنهما ينتفع بهما الناس.
فالحاصل: أن الأرض إذا جاءها المطر قسمان: أحدهما: ينتفع به، والثاني: لا ينتفع به، وكذلك الناس قسمان: أحدهما: من يقبل العلم وأحكام الدين، والثاني: لا يقبلهما، هذا بحث جعل الناس في الحديث قسمين:
أحدهما: ينتفع به والثاني: لا ينتفع به.
وأما في الحقيقة: الناس على ثلاثة أقسام؛ فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به ولم يبلغ درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس، فهو القسم الأول، ومنهم من يقبل من علم بقدر ما يعمل به ويبلغ أيضًا درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس، فهو القسم الثاني، ومنهم من لا يقبل العلم، فهو القسم الثالث.
وإنما شبه العلم والهدى بالمطر؛ لأن المطر سبب إحياء الأرض، والعلم
стр. 297
والهدى سببان لإحياء القلوب.
* * *
١١٢ - وقالتْ عائشةُ ﵂: تلا رسولُ الله ﷺ : " ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ "، قالت: قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيتِ الذينَ يَتَّبعون ما تشابهَ منه، فأولئكَ الذينَ سمَّى الله، فاحذَروهم".
قوله: "وقالت عائشة ﵂: تلا رسول الله ﵇".
"تلا"؛ أي: قرأ: ﴿هُوَ الَّذِي﴾ الضمير راجع إلى ما قبله، وهو قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].
قوله: " ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ": (من) للتبعيض؛ أي: بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه.
" ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ "، الأم: الأصل؛ أي: الآيات المحكمات أصل الكتاب؛ لأن المحكم هو الذي يعمل به، والمتشابه لا يعمل به، ولكن يؤمن به, فالمحكم يؤمن به ويعمل به، والمتشابه يؤمن به ولا يعمل به، فالذي يؤمن به ويعمل به أصل، والذي يؤمن به فقط فرع له.
قوله: " ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ "؛ أي: وآيات أخر متشابهات، و (أُخرَ): جمع أخرى، و (أخرى) تأنيث (آخر) بفتح الخاء.
واختلف العلماء في المحكم والمتشابه، قال مجاهد: المحكم ما يُعلم معناه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، والمتشابه: ما لا يعلم معناه، بل اشتبه معناه علينا، بل لا يعلمه إلا الله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، وما أشبه ذلك.
стр. 298
وقد قيل في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، وهذا القول أقربها وأشبهها بهذا الحديث.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾؛ أي: ميل عن الحق إلى الباطل، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾؛ يعني: يبحثون في الآيات المتشابهات ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾؛ أي: لابتغاء الفتنة، والابتغاء: الطلب؛ أي: لطلب إيقاع الشك والخصومة بين المسلمين ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: ولابتغاء تأويله، والتأويل ما يؤل إليه المعنى؛ أي: يرجع إليه؛ أي: يبحثون فيه لاستنباط معانيه وكيفيته وحكمه.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال محيي السنة وهو مؤلف "المصابيح": إن أهل السنة يقفون على قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ , ثم يبتدؤون بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، هذا تفسير الآية.
قوله: "فإذا رأيت الذين": هذا خطاب لعائشة، والمراد: عائشة وجميع المسلمين "فأولئك الذين سمى الله"، (سمى) يقتضي مفعولين، وكلا المفعولين هنا محذوف، وتقديره: فأولئك الذين سماهم الله أهل الزيغ، "فاحذروهم" أيها المسلمون ولا تجالسوهم ولا تكالموهم؛ فإنهم أهل البدعة والضلالة والزيغ.
* * *
١١٣ - وقال عبد الله بن عمْرو ﵄: هجَّرْتُ إلى رسولِ الله ﷺ يومًا، فسمعَ صوتَ رَجلينِ اختلفا في آيةٍ، فخرجَ يُعرفُ في وجههِ الغضَبُ، فقال: "إنما هلكَ مَنْ كانَ قبلكُمْ باختلافِهِمْ في الكتابِ".
قوله: "وقال عبد الله بن عمرو: هجَّرت إلى رسول الله ﵇" (التهجير): المشي في وقت الهاجرة، وهي نصف النهار ومدة وقت غاية
стр. 299
الحرارة، (هجرت إلى رسول الله)؛ يعني: مشيت قبل الزوال إلى باب رسول الله ﵇، أو إلى مسجد رسول الله ﵇، وإنما مشى عبد الله في هذا الوقت إلى النبي ﷺ ليكون حاضرًا في المسجد أو في بابه قبل خروجه حتى إذا خرج عليه لا يفوته شيء مما يصدر عنه من الأفعال والأقوال، وفي فعل عبد الله تحريض الناس على تحمل الحرارة والمشقة والإسراع إلى المسجد وفي طلب العلم.
قوله: "فسمع صوت رجلين"؛ أي: فسمع رسول الله ﵇ من حجرته صوت رجلين في المسجد، أو في موضع قريب من حجرته.
"اختلفا في آية": أي: تنازعا وتخاصما في آية، واختلافهما في الآية يحتمل أن يكون في آية متشابهة؛ يبحث أحدهما في معناه وينهاه الآخر عنه، ويحتمل أن يختلفا في ألفالظها؛ فيقول أحدهما: لفظها هكذا، ويقول الآخر: بل هكذا، فخرج إليهم رسول الله غضبان، ونهاهم عن الاختلاف في القرآن؛ لأن الاختلاف إن كان في معنى آية متشابهة فلا يجوز؛ لأن الآية المتشابهة يجب الإيمان بها ولا يتعرض لمعناها، وإن كان الاختلاف في ألفاظ القرآن لا يجوز أيضًا؛ لأنه إذا أشكل على قوم لفظ من ألفاظ القرآن أنه كيف هذا اللفظ، وأنه من القرآن أم لا، فلا يجوز التكلم به من تلقاء أنفسهم، بل ليسألوا أهل القرآن عن ذلك اللفظ، فما ثبت عند القراء أنه جاء عن النبي ﵇ يجب قبوله ولا يجوز الاختلاف فيه، وما لم يثبت أنه جاء عن رسول الله ﵇ لا يجوز قبوله.
قوله: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب"؛ يعني: هلك اليهود والنصارى وخابوا وخسروا حين اختلفوا في التوراة والإنجيل، وقال كل واحد منهم مَن شاء مِن تلقاء نفسه من غير علم، ومن غير أن يسأل العلماء عن ذلك.
* * *
стр. 300
١١٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ذَرُوني ما تركتُكُمْ، فإنَّما هلكَ مَنْ كان قبلَكُمْ بكثْرةِ سُؤالهمْ واختلافِهِمْ على أنبيائهِمْ، فإذا أمرتُكُمْ بشيءٍ فأْتُوا منهُ ما استطعتُمْ، وإذا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شيءٍ فَدَعُوه"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وقال رسول الله ﵇: ذروني".
قوله: "ذروني"؛ أي: اتركوني ولا تسألوني.
"ما تركتكم"؛ أي: ما دمتُ أترككم ولا آمركم بشيء.
و (ذَرْ)؛ أي: اترك، وأصل هذا: وَذَرَ يَذَرُ مثل: وَسَعَ يَسَعُ، والمستعمل منه المستقبل والأمر والنهي، ولا يستعمل منه الماضي والفاعل والمفعول.
قوله: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم" وإنما كثرةُ سؤالهم الأنبياء كان سبب الهلاك؛ لأن الأنبياءَ مبعوثون من الله تعالى على الحق، ولا يبعثُ الله أحدًا بالرسالة على الخلق إلا إذا كان أمينًا بمراعاة مصالح أمته، وتعليمهم ما هم محتاجون إليه، ونهيهم عما يضرهم في الدنيا والآخرة، فإذا كان النبيُّ بهذه الصفة فلا تحتاج الأمة أن يكثروا السؤال بين يديه، فإن كثرةَ السؤال من النبي علامةُ سوء ظن الرجل في كون النبي ﵇ تاركًا لتعليم ما به نجاته، ونهيه عما يضره، فلا شكَّ أن سوء الظن بالنبي ﵇ مهلك الرجل، بل من شأن الأمة التسليم بين يدي النبي وتقبل ما يأمره النبي عن اعتقاد عظيم فيه، وتسكُتُ إذا سكَتَ النبي ﵇، ولْيُعتَقَدُ سكوته وتكلمه عينُ المصلحة.
وكذلك المريد بين يدي الشيخ، فان المشايخ قالوا: مَنْ قال لشيخه: لِمَ؟ لن يفلح؛ لأنه من قال لشيخه: لِمَ قلت هذا؟ أو لم فعلت هذا؟ لن يفلح لأنه ضعيف الاعتقاد في الشيخ، فإذا كان الاعتراضُ على الشيخ سببَ حرمان الرجل
стр. 301
الإفلاح (١)، فما بال مَن اعترض على نبيِّه.
قوله: "واختلافهم على أنبيائهم" معنى (الاختلاف) هنا: الاعتراض؛ أي: واعتراضُهم على أنبيائهم، والشكُّ في أقوالهم.
قوله: "فأتوا منه ما استطعتم"؛ يعني: لا تتركوا أمري عن الجحود، ولكن إذا كان لكم عذر وتركتموه عن العذر، لا يكون عليكم حرج مثل: ترك الصوم بعذر المرض أو السفر ليقضيه بعد زوال العذر، وإذا لم يقدروا على الصلاة، عن القيام فصلوا عن القعود، وإن عجزتم عن القعود فصلوا مضطجعين.
"فدعوه"؛ أي: فاتركوه.
* * *
١١٥ - وقال: "إنَّ أعظمَ المُسلمينَ في المُسلمينَ جُرْمًا مَنْ سألَ عَنْ شيءٍ لمْ يُحرَّمْ، فَحُرِّمَ من أجلِ مسألتِه"، رواه سعد بن أبي وقَّاص ﵁.
قوله: (إن أعظم المسلمين ... من سأل عن شيء)؛ يعني: من سأل نبيه عن شيء غير محرم، هل هو محرم أو لا؟ فحرم ذلك الشيء لأجل سؤاله.
وكان ذنب هذا السائل أعظم من غيره من المسلمين؛ لأنه كان سببًا لحرمان جميع المسلمين من ذلك الشيء؛ لأنه لو لم يسأل عنه لم يحرم، ولو لم يحرم لانتفع به المسلمون، فكأنه منع المسلمين عن ذلك الشيء، ولا شك أن مَنْ فعل فعلاً يلحق ضرره جميع المسلمين أعظم ذنبًا من الذي فعل فعلاً يلحق
стр. 302
ضرره واحدًا أو جماعة قليلة كالقتل وغيره، وهذا زجر عن كثرة سؤال الأمم النبيين؛ لأنا قد قلنا: إن سؤال الأمم النبيين معصية.
والمنع والزجر عن السؤال مخصوص بزمان نزول القرآن، وأما بعد وفاة النبي ﵇، فلا بأس بالسؤال؛ لأنه لا يحرِّمُ حلالاً ولا يحل حرامًا بعد النبي ﵇.
وكنية "سعد": أبو إسحاق، واسم أبيه: مالك بن أُهَيْبِ [بن عبد مناف] ابن زُهْرَةَ بن كلاب القرشي، وكنية مالك: أبو وقاص.
* * *
١١٦ - وقال: "يكونُ في آخرِ الزَّمانِ دجَّالونَ كذَّابونَ، يأْتُونكُمْ مِنَ الأحاديثِ بما لمْ تسمعُوا أنتمْ ولا آباؤُكم، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ، لا يُضلُّونكمْ، ولا يفتِنُونَكُمْ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "يكون في آخر الزمان دَجَّالون"، (دجَّالون) جمع دَجَّال، وهو كثير المَكْرِ والتَلبيس، و (الدجَلُ): التَلبيس؛ يعني: ستكون جماعة يقولون للناس: نحن علماء ومشايخ ندعوكم إلى الدين، وهم كاذبون في ذلك.
"يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم"؛ يعني: يتحدثون بالأحاديث الكاذبة، ويبتدعون أحكامًا باطلة، ويعلمون الناس اعتقادات فاسدة، كالروافض والمعتزلة والجبرية وغيرهم من أهل البدع.
قوله: "فإياكم وإياهم"؛ يعني: فإياكم بأن تحذروهم، وعليكم أن تحترزوا عنهم ولا تقربوهم؛ كيلا يضلوكم ولا يوقعوكم في الفتنة.
* * *
١١٧ - وقال: "لا تُصدِّقُوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
стр. 303
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم"؛ يعني: إن تحدث اليهود بشيء من التوراة، أو النصارى بشيء من الإنجيل، وقالوا: في التوراة كذا، وفي الإنجيل كذا = (لا تصدقوهم)؛ يعني: لا تقولوا: إنه حق؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، (ولا تكذبوهم)؛ أي: لا تقولوا: إنه كذب؛ لأنه يحتمل أن يكون صدقًا، بل إذا سمعتم منهم شيئًا من هذا فقولوا: " ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ".
(الأسباط) جمع سِبْط، يُقال لجماعة ولدوا مِنْ ولدِ من أولاد يعقوب ﵈: سبط، كما يقال لجماعة ولدوا مِنْ ولد مِنْ أولاد إسماعيل ﵇: قبيلة.
يعني بهذه الآية في هذا الحديث: أن ما يقول اليهود والنصارى إن كان حقًا آمنّا، لأنا آمنا بجميع الرسل وما أنزل إليهم من الله تعالى، وإن لم يكن حقًا فلا نؤمن به ولا نصدقه أبدًا.
* * *
١١٨ - وقال: "كفَى بالمَرءِ كَذِبًا أَنْ يُحدِّثَ بكلَّ ما سَمِعَ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"، (كذبًا) منصوب على التمييز، (أن يحدث) فاعل (كفى)، و (بالمرء) مفعوله.
يعني: لو لم يكن للرجل كذبٌ إلا تحدثه بكل ما سمع من غبر تبيُّنِهِ أنه صدق أم كذب = يكفيه وحسبه من الكذب؛ لأن الرجل إذا تحدث بكل ما سمع
стр. 304
لم يخلص من الكذب؛ لأن جميع ما يسمع الرجل لا يكون صدقًا بل يكون بعضه كذبًا، وهذا زجر عن التحدث بشيء لم يعلم صدقه، بل يلزم على الرجل أن يبحث في كلِّ ما سمع من الحكايات والأخبار وخاصة من أحاديث النبيِّ ﷺ , فإن علم صدقه يتحدث، وإلا فلا يتحدث به.
* * *
١١٩ - وقال: "ما مِن نبيٍّ بعثَهُ الله في أُمَّتهِ قبْلي إلَاّ كان لهُ مِن أُمّتهِ حوارِيُّونَ وأصحابٌ يأخذونَ بسنَّتهِ ويقتدُونَ بأمرهِ، ثمَّ إنَّها تخلُفُ منْ بعدِهم خُلوفٌ يقولونَ ما لا يفعلون، ويفعلونَ ما لا يُؤمَرُون، فمنْ جاهدَهُمْ بيدِه فهوَ مؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بلسانهِ فهوَ مُؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بقلبهِ فهوَ مُؤمنٌ، ليسَ وراءَ ذلكَ منَ الإِيمانِ حبَّة خَرْدَلٍ"، رواه ابن مَسْعود ﵁.
وقال: "ما من نبي بعثه الله في أمته".
قوله "في أمته" روي: "في أمة" من غير هاء، وروي: "في أمته" بالهاء، وهذا هو الأصح.
و (الحواريون) جمع حواري، وهو خليل الرجل، وصاحب سره.
"ويقتدُونَ" أصله: يقتدْيُونَ، فنقلت ضمة الياء إلى الدال؛ لسكونها ولسكون الواو، ومعناه: يتَّبِعون.
(خَلَفَ) - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - خِلافةً: إذا قام أحد مقام أحد وحفظ أمره، "من بعدهم"؛ أي: من بعد الحواريين والمقتدين لسنة الأنبياء ﵈.
(الخُلُوف) بضم الخاء: جمع خَلْف، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الخليفة السيء، والولد السيء أيضًا.
стр. 305
يعني: لكل نبي أصحاب مختارون صديقون يعملون بفعله وقوله ولا يخالفونه، ثم ذهب أولئك الأصحاب، وأتى بعدهم قوم سوء، وأصحاب شر وفساد، خالفوا وعصوا ذلك النبي، يفعلون ما لا يأمرهم نبيهم، و (يقولون) باللسان مدح أنفسهم، ويقولون: نحن صالحون ومتبعون (١) النبي ﵇، ولا يفعلون بما يقولون، بل يفعلون الفساد.
"فمن جاهدهم"، أي: حاربهم وآذاهم "بيده فهو مؤمن" وإن لم يقدر أن يحاربهم بيده فليحاربهم ويؤذيهم "بلسانه" ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فإن لم يقدر أن يؤذيهم بلسانه مخافة أن يقتلوه أو يؤذوه إيذاءً شديدًا فليحاربهم "بقلبه"؛ أي: فلينكرهم بقلبه، ولكن في قلبه غضب وتحرك من فعلهم القبيح ويقول: لو قدرت لحاربتهم.
قوله: "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"، (وراء ذلك)؛ أي: غير ذلك، و (ذلك) إشارة إلى جهادهم بالقلب.
يعني: من لم ينكرهم بقلبه بعد العجز عن جهادهم بيده ولسانه، فلم يكن حبة خردل من الإيمان؛ لأن المؤمن ينكر الكفر والعصيان، فمن لم ينكرهما فقد رضي بهما، والرضى بالكفر كفر.
والمراد بهذا الحديث: أنه كما كان لكل نبي حواريون ثم جاء من بعدهم قوم يخالفون ذلك النبي، فكذلك يكون في آخر الزمان من أمتي من يرتد عن الدين، ومن يضع البدعة والضلالة، فإذا وجدتموهم فحاربوهم بما قدرتم من اليد واللسان وإنكارهم بالقلب.
* * *
стр. 306
١٢٠ - وقال: "لا يَزالُ من أُمَّتي أُمةٌ قائمةٌ بأمرِ الله لا يضرُّهم مَنْ خذلَهُمْ ولا مَنْ خالَفَهُمْ حتى يأْتي أمرُ الله وهم على ذلك"، رواه مُعاوية ﵁.
قوله: "لا يزال"؛ أي: أبدًا يكون "في (١) أمتي": طائفة قائمون على الدين، ثابتون على أوامر الله تعالى، متباعدون عن المعاصي، آمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، وحافظون أمور الشريعة.
قوله: "لا يضرهم من خذلَهُم ولا مَنْ خالَفَهُم"، (خذل): إذا ترك أحدًا عن المعاونة؛ يعني: لا يتفاوت عندهم إن ترك الناس معاونتهم ولا أن يحاربوهم، بل لو اجتمع أهل الأرض على أن يمنعوهم عن دين الله تعالى، لم يقدروا؛ لأن الله تعالى حافظهم وناصرهم، وهذا إشارة إلى أن وجه الأرض لا يخلو من الصلحاء.
قوله: "حتى يأتي أمر الله"؛ أي: حتى يأتي يوم القيامة.
"معاوية" هنا: معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مَنَافٍ الأموي، القرشي، وحيث جاء اسم معاوية مطلقًا؛ فاعلم أنه: معاوية بن أبي سفيان.
* * *
١٢١ - وقال: "لا تزالُ طائفةٌ مِنْ أُمّتِي يُقاتِلُونَ على الحقِّ ظاهرينَ إلى يومِ القيامةِ"، رواه جابر ﵁.
قوله: وقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين"؛ أي: غالبين؛ يعني: أبدًا يكون الجهاد موجودًا، ويكون الثابتون على الحق والمظهرون لدين الله تعالى موجودين "إلى يوم القيامة"، فإن لم يكونوا في بلد يكونوا في بلد أخرى.
* * *
стр. 307
١٢٢ - وقال: "مَنْ دعا إلى هُدًى كان لهُ مِنَ الأجرِ مثلُ أُجورِ منْ تَبِعَهُ، لا ينقُصُ ذلكَ مِنْ أُجورِهِمْ شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالةٍ كان عليهِ مِنَ الإِثْمِ مثلُ آثامِ مَنْ تبعهُ، ولا ينقصُ ذلكَ مِنْ آثامهِمْ شيئًا".
قوله: "من دعا إلى هدى"، (الهدى): الصراط المستقيم، يعني: من دل جماعة على خير أو عمل صالح، فعمل أولئك الجمع على ذلك الخير، أو عملوا بذلك العمل الصالح = يحصل للذي دلَّهم على الخير من الأجر والثواب مثل ما حصل لكل واحد منهم؛ لأنه كان سبب حصول ذلك الخير منهم، ولولا هو لم يحصل ذلك الخير منهم.
"ولا ينقص من أجرهم شيء" بسبب أن حصل له مثل أجورهم جميعًا؛ لأنه لا يؤخذ من أجورهم ما حصل له، بل أعطاهم الله تعالى وإياه من خزانةِ كَرَمه.
قوله: (لا ينقص) فعل متعد، و (ذلك) فاعله، و (شيئًا) مفعوله، و (ذلك) إشارة إلى حصول الأجر له؛ يعني: حصول الأجر له وإعطاء الله تعالى إياه الأجر لا ينقص من أجورهم شيئًا، وكذلك البحث في دعاء أحد إلى ضلالة.
روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
١٢٣ - وقال: "بدَأَ الإِسلامُ غريبًا، وسَيعودُ غَريبًا كما بدأَ، فطُوبَى للغُرباءِ".
قوله: "بدأ الإسلام غريبًا" بَدَا يَبْدُو بَدْوَاً: إذا ظهر الغريب البعيد من وطنه وأقاربه، وانتصاب (غريبًا) على الحال؛ يعني: الإسلام حين بَدَا في أول الأمر كان غريبًا ليس من يقبله ويعزه إلا قليلًا.
стр. 308
ويحتمل أن يريد بقوله: (بدأ أهل الإسلام)؛ أي: كان أهل الإسلام في أول الأمر قليلاً، يؤذيهم أقاربهم وغيرهم كالغريب، ثم صار الإسلام قويًا وأهله كثيرًا "وسيعود": الإسلام في آخر الزمان ضعيفًا "غريبًا": كما كان في أول الأمر.
قوله: "فطوبى للغرباء"؛ أي: أعطى الله الطيب والراحة والعزة للغرباء في الآخرة؛ يعني: كون الإسلام وأهله غريبًا، ليس عليهم منقصة بذلك، بل هو سبب عزتهم.
رواه أبو هريرة ﵁.
* * *
١٢٤ - وقال: "إنَّ الإِيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينةِ كما تَأْرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِها".
روى هذه الأحاديث الثلاثة أبو هُريرة ﵁.
قوله: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة"، من أَرَزَ: - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - أُرُوْزًا: إذا انقبض والتجأ إلى أحد.
يعني: أن الإيمان والدين إذا لم يعزه أحدٌ في سائر البلاد، يلتجئ ويَفِرُّ إلى المدينة، لأنه وطنه، لأن الإسلام ظهر وقوي في المدينة؛ يعني: لو لم يبقَ الإيمان في غير المدينة من البلاد لبقي في المدينة.
قوله: "كما تأرز الحيَّة إلى جُحْرها"؛ يعني: كما تفرُّ الحَيَّة إلى ثُقْبَتِها حين يقصدها (١) أحد بالقتل، (الجُحْرُ): الثُقْبَة.
* * *
стр. 309
مِنَ الحِسَان:
١٢٥ - عن رَبيعةَ الجُرَشيِّ ﵁ قال: أُتيَ نبيُّ الله ﷺ فقيل له: لِتنَمْ عينُك، ولْتسمَعْ أذُنُك، ولْيَعقِلْ قلْبُك، قال: "فنامتْ عَيْني، وسمعَتْ أُذُني، وَعقَلَ قلْبي، قال: فقيل لي: سيِّدٌ بنى دارًا، فصنَعَ فيها مَأْدُبةً، وأرسلَ داعيًا، فمنْ أجابَ الدَّاعيَ دخلَ الدارَ، وأكلَ من المَأْدُبة، ورضيَ عنهُ السيِّدُ، ومَنْ لمْ يُجبْ الدَّاعيَ لمْ يدخلِ الدَّارَ، ولمْ يأْكل من المأدُبة، وسخِطَ عليه السيِّد، قال: فالله السيِّدُ، ومحمدٌ الداعي، والدارُ الإِسلامُ، والمَأْدبةُ الجنَّة".
قوله: "أُتِيَ نبيُّ الله ﷺ " - بضم الهمزة وكسر التاء وفتح الياء - يقال: أَتَيْتُ زيدًا وأُتِيَ زيدٌ؛ أي: أَتَىَ أحدٌ إلى زيدٍ، ومعناه هنا: أتى مَلَكٌ إلى رسول الله ﵇، وقال له: "لِتَنَمْ"؛ يعني لتكن عينُكَ وأذنك وقلبك حاضرة، لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تُصْغِ بأذنك إلى شيء، ولا تُخْطِرْ شيئًا في قلبك؛ يعني: كن حاضرًا حضورًا تامًا؛ لتفهم هذا المثل.
فأجابه رسول الله ﵇: بأني قد فعلت ما تأمرني، (قال)؛ أي: قال رسول الله ﵇: (فقيل لي)؛ أي: قال لي ذلك المَلَكُ، وباقي الحديث معناه ظاهر.
و"ربيعة" اسم أبيه: عمرو الجُرَشي، وهو من أصحاب الشام، وكان يُفَقِّهُ الناس.
* * *
١٢٦ - وعن أبي رافِعٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا أُلفِيَنَّ أحدَكُمْ متَّكِئًا على أَريكتِه، يأْتيه الأمرُ مِنْ أمري مما أَمَرتُ بهِ أو نَهَيتُ عنه، فيقول: لا أَدري، ما وجدنا في كتابِ الله اتَّبعناه".
стр. 310
قوله: "لا ألفِيَنَّ"؛ أي: لا أجِدَنَّ، الإلفاء: الوِجْدَان.
قوله: "متكئًا على أريكته"، (الأريكة): السرير المزين، والمراد من (متكئًا على أريكته): التكبر والسلطنة.
"مما أمرت به" بدل من "أمري" بتكرير العامل.
قوله: "لا أدري"؛ يعني: يقول: لا أدري غير القرآن، ولا أَتَّبِعُ غير القرآن، "فما وجدنا في القرآن اتبعناه".
يعني: لا يجوز لأحد أن يتكبر ويعرض عن أحاديثي، ولا يقبلها، ولا يعمل بها، فمن لم يقبل قولي، فكأنه لم يقبل القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، فطاعة الرسول فرضٌ، ومن عصاهُ فقد عصى الله.
و"أبو رافع" مولى النبي ﵇، اختلف في اسمه، فقيل: إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، وكان قبطيًا.
* * *
١٢٧ - عن المِقْدام بن مَعْدِيْ كَرِب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا إِنِّي أُوتيتُ القرآنَ ومثْلَهُ معهُ، لا يُوشكُ رجلٌ شَبْعانُ على أريكتِه يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه مِنْ حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجدتُمْ فيهِ مِنْ حرامٍ فحرِّمُوه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله ﷺ كما حرَّم الله، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطَةُ مُعاهِدٍ إلَاّ أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومَنْ نزلَ بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوه، فإنْ لم يَقْرُوه فله أنْ يُعقِبَهُمْ بمثْلِ قِراه".
стр. 311
قوله: "أوتيت القرآن ومثله معه"؛ يعني: آتاني الله القرآنَ، ومِثلَ القرآن مع القرآن، ومعنى (مثل القرآن) في وجوب القَبول والعمل به.
يعني: كما يجب العمل بالقرآن، فكذلك يجب بأحاديثي؛ لأني لا أتكلم من تلقاء نفسي، بل مما أتاني الله وأمرني به، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
واعلم أن ما آتى الله رسولَه غير القرآن على أنواع:
أحدها: ما آتاه ليلة المعراج من غير واسطة مَلَكٍ.
والثاني: ما ألهمه.
والثالث: ما رآه في المنام.
والرابع: ما ينفثُ جبريل ﵇ في رُوْعِه.
والنَّفْثُ: النَّفْخُ، الرُّوع: القلب، كما قال ﵇: "إنَّ جبريلَ نَفَثَ في رُوعي".
ويحتمل أن يريد بقوله: و (مثله معه) القَدْر؛ يعني: أوتيتُ القرآن، وأتيتُ أيضًا بقَدْرِ القرآن.
قوله: إلا يُوْشِكُ رجلٌ شبعانٌ ... " إلى آخره، أوشَكَ يُوشِكُ: إذا قَرُبَ، (شبعان) عبارةٌ عن السَّلطنة والبطر والتكبر.
يعني: سيحدث رجال متكبرون معرضون عن أحاديثي، يقولون لأصحابهم: عليكم بهذا القرآن؛ يعني: الزموا القرآن، واعملوا به، ولا تعملوا بغير القرآن، وهذا كفر؛ لأن تركَ أمْرِ رسول الله ﵇ كترْكِ أمر الله.
قوله: "وإنما حرَّم رسول الله ﵇ كما حرَّم الله تعالى"؛ يعني: حرم رسول الله ﵇ في غير القرآن بأمر الله كما حرم الله تعالى في القرآن.
стр. 312
قوله: "ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهلي"، (الحمار الأهلي): الحمار الذي يكون في البلد، وهذا احتراز عن الحمار البرِّي، فإنه حلال.
يعني: وإنَّ مما حرَّمَ رسولُ الله ﵇ وليس في القرآن تحريمَ الحمار الأهلي.
ومنه تحريمُهُ ﵇ "كلِّ ذي نَابٍ من السِّباع"، (الناب): السِّن؛ يعني: لا يحلُّ كلُّ سبْعٍ يصطاد ويتقوى بسنِّه في الاصطياد، كالأسد والذئب والفهد وغيرها.
قوله: "ولا لُقَطَةُ معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها".
اللَّقْطُ (١): ما يُلتقط من الأرض، واللُّقَطَةُ: ما يوجد في الأرض من مال سَقَطَ وضَاع من صاحبه.
(المعاهد): الكافر الذي جرى بين المسلمين وبينه عهد من ذمِّي أو كافر حربي دخل في دار الإسلام بأَمَان في تجارة أو رسالة، لا يحلُّ مالُ واحدٍ منهم، ولو وُجِدَ مال لواحد منهم في صحراء أو طريق أو بموضع آخر لا يجوزُ أكلُه إلا بعد التعريف سنة، فإذا لم يأتِ صاحبها بعد التعريفِ سنة، فحينئذ يجوز أكله.
قوله: "إلا أن يستغني عنها صاحبها"؛ يعني: أن تكون اللقطة شيئًا حقيرًا لا يلتفت إليه صاحبه، ولا يطلبه، كمسواك وعصا وغيرهما.
قوله: "ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه"، قَرى يَقْرِي: إذا أضاف أحدًا، و (يَقْرُوه) أصله: يَقْريُوه، فنقلت ضمة الياء إلى الراء وحذفت لسكونها وسكون واو الجمع.
وكلمة (على) للوجوب، وهذا كان في بُدُوِّ الإسلام، كان رسول الله عليه
стр. 313
السلام يبعثُ الجيوش إلى الغزو، وكانوا يمرون في طريقهم بأحياء العرب، وليس هناك سوقٌ يشترون الطعام، وربما لا يكون معهم زاد، فَغَلَّظَ النبي ﷺ ضيافَتهم على أحياء العرب، وأوجب عليهم ضيافتهم، لأنه لو لم يوجب عليهم ضيافتهم، ربما لا يضيفونهم، ولو لم يضيفوهم، لم يقدروا على الغزو، فلأجل أن لا ينقطعَ الغزوُ أوجبَ الضيافة على الذين يمرُّ عليهم الجيش، فلما قَوِيَ الإسلامُ وغلب على المسلمين الشفقة والرحمة لمن يمرُّ بهم بإطعامهم الطعام، والإحسان عليهم من تطوع أنفسهم، فَنُسِخَ وجوبُ الضيافة.
وقيل: قوله: "ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه" هذا (١) في حقِّ المضطر، وهو الذي لا يقدر على الذهاب من غاية الجوع، ولو لم يقروه يموت من الجوع أو يلحقه ضرر شديد، فإطعامهم إياه من الطعام بِقَدْرِ ما يسدُّ به الرَّمَق واجب عليهم، فعلى هذا لا يكون هذا الحكم منسوخًا.
قوله: "فله أن يُعَقِّبَهُمْ بمثلِ قَراه" أَعْقَبَ يُعْقِبُ: إذا جازى أحدًا بفعله.
(القِرى) بكسر القاف وبالقصر: الضيافة؛ يعني: للضيف أن يأخذ من الذين نزل بهم بقدر ضيافته قهرًا أو بالخفية، وبأي وجه يُقدر فهذا الحكم منسوخ على التأويل الأول، وليس بمنسوخ على التأويل الثاني.
وجَدُّ "المِقدام": عبد الله بن عمرو بن عُصْم.
* * *
١٢٨ - عن العِرْباض بن سَاريَة ﵁ قال: قام رسولُ الله ﷺ فقال: "أيحسِبُ أحدُكُمْ مُتكئًا على أريكتِه يظنُّ أنَّ الله لمْ يُحرِّمْ شيئًا إلَاّ ما في هذا القرآن، ألا وإنِّي والله قد أَمَرْتُ، ووعَظتُ، ونَهيتُ عن أشياءَ، إنَّها لمثْلُ القرآنِ
стр. 314
أو أكثر، وإنَّ الله لم يُحِلَّ لكم أنْ تدخلُوا بُيوتَ أهلِ الكتابِ إلا بإذنٍ، ولا ضَرْبَ نسائهمْ، ولا أَكْلَ ثمارهمْ إذا أعطَوكُمُ الذي عليهم".
قوله: "قام رسول الله ﵇"؛ أي: خطب رسول الله.
"أيحسب"؛ أي: يظن "أحدكم".
قوله: "إنها لمثل القرآن"؛ أي: بقَدر القرآن "أو أكثر"، فإن قيل: (أو) للشكِّ، وكيف يكون الشك لرسول الله ﵇؟
قلنا: كان رسول الله ﵇ يزيد علمه وإلهامه من قبل الله تعالى ومكاشفاته لحظة فلحظة، فإذا كان كذلك كان ﵇ كوشف أن ما آتاه الله من الأحكام غير القرآن أنها بقدر القرآن، ثم آتاه الله تعالى الزيادة متصلًا بها قبله.
قوله: "وأن الله لا يحلُّ لكم"؛ يعني: وإن مما آتاني الله وليس في القرآن أنه لا يحل لكم "أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن"؛ يعني: إلا أن يأذنوا لكم بالطوع والرغبة، كما لا يحل لكم أن تدخلوا بيوت المسلمين بغير إذنهم، والمراد بأهل الكتاب هنا: أهل الذمة، وهم الذين قبلوا الجزية.
قوله: "ولا ضرب نسائهم" يحتمل أن يريد بالضرب هنا: هو الضرب المعروف بالخشب؛ يعني: لا يجوز أن تضربوا نسائهم، وتأخذوا منهم طعامًا أو غيره من الأموال بالقهر.
ويحتمل أن يريد بالضرب: المجامعة؛ يعني: لا تظنوا أن نساء أهل الذمة محللات لكم كنساء أهل الحرب، بل نساء أهل الذمة محرمات عليكم.
قوله: "إذا أعطوكم الذي عليهم"؛ يعني: إذا أعطوكم الجزية لا يحل لكم أن تدخلوا بيوتهم، ولا يحل ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، أما إذا لم يعطوكم الجزية وأبوا عنها بطلت ذمتهم وحل دمهم ومالهم، وصاروا كأهل
стр. 315
الحرب في قولٍ، وفي قولٍ: إذا أبوا عن الجزية أُخرجوا من دار السَّلام إلى دار الحرب، ثم يغزوهم المسلمون كأهل الحرب.
كنية "العِرْبَاض": أبو نَجِيح السُّلَمِي، وهو من أهل الصفة.
* * *
١٢٩ - وعن العِرْباض بن سَارِيَة قال: وعظَنا رسولُ الله ﷺ موعظةً بليغةً ذرفتْ منها العُيونُ، ووجِلَتْ منها القُلُوبُ، فقالَ قائلٌ: يا رسول الله!؛ كأنَّ هذه مَوعظةُ مُودِّعٍ فأوصِنا، فقال: "أُوصيكُم بتقوَى الله والسَّمْعِ والطاعةِ وإنْ كان عبدًا حبَشيًا، فإنهُ مَنْ يعِشْ منكُمْ بعدي فسَيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُمْ ومُحدَثاتِ الأُمورِ، فإن كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ".
قوله: "وعظنا رسول الله ﵇ موعظة بليغة"؛ أي: تامة "ذرفت منها العيون"، ذَرَفَ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - ذَرْفَاً وتَذْرَافًا: إذا جرى الدمع من عيون الحاضرين من خوف تلك الموعظة.
"وَجِلَتْ"؛ أي: خافت.
قوله: "كأنها موعظة مودع"، (المودع) اسم فاعل من التوديع؛ يعني: وعظتنا موعظةً تامَّة كأَّنك تودعنا، "فأوصنا"؛ أي: فَمُرْنَا بما فيه رشادنا وصلاحنا بعد وفاتك.
"بتقوى الله"؛ أي: بمخافة الله تعالى والحذر من عصيانه.
قوله: "والسمع والطاعة"؛ يعني: أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم، "وإن كان عبدًا حبشيًا" لا يجوزُ أن يكونَ الخليفةُ عَبدًا، ولكن المراد من العبد هنا: مَنْ جعلَهُ الخليفةُ حاكمًا على قوم في كل بلد.
стр. 316
يعني: اقبلوا قولَ الخليفة ونوابه وأطيعوهم، وإن كان من جعل الخليفة واليًا عليكم عبدًا حبشيًا؛ لأن طاعة نائب الخليفة كطاعة الخليفة، وطاعة الخليفة طاعة الرسول، وطاعة الرسول طاعة الله تعالى.
قوله: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا"، (مَنْ يَعِشْ) أصله: يَعِيْش، فنقلت كسرة الياء إلى العين وحذفت لسكونها وسكون الشين؛ يعني: ستظهر الفتن بعدي واختلاف الملل، كل طائفة تدعي اعتقادًا غير اعتقاد أهل السنة، وستظهر محاربةٌ كثيرة بين الناس، فكونوا مطيعين للخليفة ونوَّابه، ومتبعين ما عليه جماعة أهل السنة من الاعتقاد.
قوله: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"، (المهدي) مفعول مِن: هَدَى يَهْدِي هِدَايَةً: إذا دلَّهُ على الطريق المستقيم، والمراد بالخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين، وليس مراده ﵇ من هذا الكلام: أنه لا يكون خليفة غير هذه الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد إلى قرب القيامة، وإنما مراده ﵇ بهذا: تفضيل هذه الأربعة على غيرهم، وحسن قيامهم على الدين، وحفظهم سُنَّةَ النبي ﵇.
يعني: تمسكوا بسنتي وسنة هذه الأربعة، وما اجتمع عليه علماء أهل السنة فهو حق وجب قبوله؛ لأنه هو سنة النبي ﵇ والخلفاء الراشدين؛ لأنه لا طريق في زماننا إلى معرفة سنة النبي ﵇ والصحابة إلا بطريق الإجماع، وتتبع كتب الأحاديث الصحيحة.
قوله: "وعضوا عليها بالنواجذ"، (عَضُّوا) أمر مخاطبين من عَضَّ - بكسر العين (١) في الماضي وفتحها في الغابر - عَضَّاً إذا أخذ شيئًا بالسن، والضمير في
стр. 317
(عليها) راجعٌ إلى السنة.
(النواجذ) جمع ناجذ، وهي الضاحك من الأسنان، وقيل: الناب، وقيل: آخر الأسنان.
والمراد من هذا اللفظ هنا: شدة ملازمة السُّنَّة؛ لأن من أراد أن يأخذ شيئًا أخذًا شديدًا يأخذه بأسنانه، والمراد منه: الأخذ باليدين وبالأسنان يكون على غاية الشدة.
قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور"؛ أي: احذروا أن تتبعوا شيئًا لم يقله النبي ﷺ ، ولم يكن عليه إجماع أهل السنة.
* * *
١٣٠ - عن عبد الله بن مَسْعود ﵁ قال: خَطَّ لنا رسولُ الله ﷺ خَطًّا، ثم قال: "هذا سبيلُ الله"، ثمَّ خطَّ خُطوطًا عن يمينهِ وعن شِمالهِ، وقال: "هذه سُبُلٌّ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يَدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية.
عن عبد الله بن مسعود قوله: "هذا سبيل الله" هذا إشارة إلى أن سبيل الله وسط ليس فيه تقصير ولا إسراف، وسبيل أهل البدع مائل إلى جانب؛ يعني: فيه تقصيرٌ أو غلو مثاله مسألة القدر.
يقول الجَبْرِي: كل ما يجري على العباد فهو بتقدير الله تعالى ولا كسب ولا اختيار للعبد فيه، وهذا مائل عن طريق الحق؛ لأنه يفضي إلى إبطال الكتب والرسل؛ لأنه إذا لم يكن للعبد اختيار يكون مجيء الرسل والكتب عبثًا, وكذلك قول المعتزلة مائل عن طريق الحق؛ لأنهم يجعلون الناس خالقة أفعالها (١)، وحينئذ يكون الناس شركاء الله تعالى.
стр. 318
وأما قول أهل السنة فهو الطريق المستقيم؛ لأنهم يقولون كل ما يجري على العباد فهو بقضاء الله وقدره، وبأفعال العباد واختيارهم بخلق الله أفعالهم في الوقت الذي قدر الله تعالى أن يفعلوها، فالخالق هو الله تعالى، والمكتسِب هو العبد.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ منصوب على الحال، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: ولا تتبعوا السبل التي هي من غير صراطي المستقيم، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ الباء للتعدية؛ يعني: تفرقكم وتبعدكم عن سبيله؛ أي: عن سبيل الله.
* * *
١٣١ - عن عبد الله بن عَمْرو ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يؤمنُ أحدُكُمْ حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لِمَا جئتُ بهِ".
عن عبد الله بن عمر قوله: "حتى يكونَ هَواهُ"؛ أي: إرادته، هذا اللفظ يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون معناه: حتى يكون تابعًا مقتديًا "لِمَا جئْتُ به" من الشرع عن الاعتقاد وإرادة النفس، لا عن الإكراه وخوف السيف كالمنافقين، وعلى هذا التأويل يكون قوله: (لا يؤمن أحدكم) نفي أصل الإيمان لا نفي الكَمَال؛ يعني: من كان تابعًا للشرع لا عن إرادة النفس بل لخوف السيف فليس بمؤمن أصلًا.
والأمر الثاني: أن يكون معناه: حتى تكون نفسه مطمئنة بالشرع، ولا تميل نفسه عن أحكام الشرع، وعلى هذا تكون (لا) في (لا يؤمن) لنفي الكمال؛ لا لنفي أصل الإيمان؛ لأن كثيرًا يعتقدون حقيقة الشرع، ويعملون بأحكامه، ولا تطيعهم
стр. 319
أنفسهم، بل يُكْرِهُون أنفسهم على الطاعات، فهؤلاء مؤمنون ولكن ليسوا كاملين، بل الكامل من اطمأنت نفسه بما يأمرها من الطاعات الشديدة، ولا تثقل عليها الطاعات.
* * *
١٣٢ - وقال: "مَنْ أَحيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتي قدْ أُميتَتْ بعدي؛ فإنَّ لهُ منَ الأَجْرِ مثْلُ أُجور مَنْ عملَ بها مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أُجورهِمْ شيئًا، ومنِ ابتدعَ بِدعةَ ضلالةٍ لا يَرضاها الله ورسولُه كان عليهِ من الإِثْمِ مثلُ آثامِ مَنْ عَمِلَ بها لا ينقُصُ ذلكَ منْ أَوزارِهمْ شيئًا"، رواه بلال بن الحارث المُزَنيُّ.
وقال: "مَن أَحيا".
قوله: "قد أُميتَتْ": أي: تُرِكَتْ ولم يُعمل بها؛ يعني: كل سُنَّة من سُنَّتِي خَفيت وتُركت، فمن أظهرها ودعا المسلمين إلى العمل بها فَلَهُ "من الأجر مثل أجور جميع مَنْ عَمِلَ بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا" بل يتمُّ أجور مَنْ عَمِلَ بها من غير أن ينقص، ويُعْطَى الأجر مثل أجورهم.
ومعنى السنة: ما وضعه رسول الله ﵇ من أحكام الدين، قد يكون فرضًا كزكاة الفطر وغيرها، وقد يكون غير فرض كصلاة العيد وغيرها.
(سَنَّ) - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - سَنَاً: إذا وضع وأظهر رسمًا، مثل إحياء السنة: أن يتركَ أهلُ بلد الصلاة بالجماعة، أو صلاة العيد، أو قراءة القرآن وتعلمه وتحصيل العلم وما أشبه ذلك، فيأمرهم أحدٌ بذلك، وينصب بينهم إمامًا، ليقيم بهم صلاة الجماعة، وأستاذًا ليعلمهم القرآن والعلم.
قوله: "ومن ابتدع بدعة ضلالة": هذا إشارة إلى أن البدعة نوعان: بدعة حسن، وبدعة سوء، فبدعة الحسن: ما جوزها أئمة المسلمين مثل المنارة؛ فإنها لم
стр. 320
تكن في زمن النبي وما أشبه ذلك، وبدعة السوء: ما أنكره أئمة المسلمين كالبناء على القبور وتجصيصها؛ فإن النبي ﵇ نهى عن ذلك.
(الآثام): جمع إثم، و (الأوزار): جمع وزر، وهما بمعنى الذنب.
كنية "بلال" أبو عبد الرحمن، واسم جده: عصام بن سعيد بن قرة المزني.
* * *
١٣٣ - وقال: "إنَّ الدِّينَ ليَأْرِزُ إلى الحِجازِ كما تأْرِزُ الحيّةُ إلى جُحْرِها، ولَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ منَ الحجازِ مَعْقِلَ الأُرْوِّيةِ من رأْسِ الجبَلِ، إنَّ الدينَ بدأَ غَريبًا ويرجعُ غَريبًا، فطُوبى للغُرباءِ الذينَ يُصلحونَ ما أفسدَ الناسُ منْ بعدي منْ سُنَّتي"، رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عَوْف بن زيد بن مِلْحَةَ عن أبيه، عن جدِّه.
قوله: "إن الدين ليأرز إلى الحجاز"، (يَأْرِزُ)؛ أي: يلتجئ ويجتمع.
(الحجاز): اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد، سميت هذه البلاد حجازًا لأنها حجزت؛ أي: منعت وفَصَلَتْ بين بلاد نَجْدٍ وبلاد الغَور، والغَوْرُ: المنخفض من الأرض.
(عقل) - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - عقولًا: إذا التجأ إلى أحد أو إلى مكان محفوظ من إيذاء الأعداء.
"الأُرْوِيَّة": الأنثى من المعز الجبلي؛ يعني: إذا ضعف الدين وغلب الكفار على المسلمين يفر الدين من البلاد إلى الحجاز، كما أنه ظهر من الحجاز؛ يعني: يفرُّ أهل الإسلام في آخر الزمان من الكفَّار والدَّجال إلى الحجاز؛ لأنه لا يصل الدَّجال وغلبة الكفار إلى الحجاز، وقد مضى بحث: "بدأ الإسلام غريبًا"، ومثله: "إن الدين بدأ غريبًا".