← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

كما تقول: الأسدَ الأسدَ، فعلى هذا معناه: لا يبقى في الأرض مسلمٌ يُحذِّرُ الناس. * * * ٤٢٧٢ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَضْطَرِبَ أَلَياتُ نِساءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذي الخَلَصَةِ - وذو الخلَصَةِ: طاغِيَةُ دَوْسٍ التي كانوا يَعْبُدونَ في الجاهِليَّةِ -". قوله: "حتى تضطربَ ألياتِ نساءِ دوسٍ حولَ ذي الخَلَصةِ"، (الإليات): جمع أَلْية؛ بفتح الهمزة، وهي اللحمة المشرفة على الظهر والفخذ. و (الدوس): قبيلة، قال محمد بن إسحاق: (ذو الخَلَصة): بيتٌ كان فيه صنمٌ كان يقال له: (الخلصة) لدوس. وقال غيره: (الخَلَصة): هي الكعبة اليمانية، أنفذَ إليها رسولُ الله ﷺ جريرَ بن عبد الله ﵁ فخرَّبها. أراد: حتى ترجع دوسٌ عن الإسلام، فتطوف نساؤهم بذي الخلصة، وتضطربَ ألياتها، كذلك فعلهم في الجاهلية، ذكره في "الغريبين". * * * ٤٢٧٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَذْهَبُ اللَّيلُ والنَّهارُ حتَّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى"، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حينَ أنزلَ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أنَّ ذلكَ تامٌ، قال: "إِنَّهُ سَيَكونُ مِنْ ذلكَ ما شاءَ الله، ثُمَّ يَبعَثُ الله ريحًا طَيبةً، فتَوَفَّى كُلَّ مَنْ كانَ في قَلْبه مِثقالُ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فيَبقَى مَنْ لا خيرَ فيهِ، فيَرجِعونَ إلى دينِ آبائهِمْ".

стр. 2592

قوله: "ولا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تُعبَدُ اللاتُ والعُزَّى"، و (اللات): صنم كان لثقيف، و (العزى): لسليم وغطفان، ذكره في "معالم التنزيل". يعني: لا تقوم الساعة حتى يُعبَد هذان الصنمان. قوله: "إنْ كنتُ لأظنُّ"، (إن) خفيفة من الثقيلة، وشرط (إن) المكسورة إذا خُفَّفت أن تدخل على الأفعال الداخلة على المبتدأ أو الخبر، وهي كان وأخواتها، وأفعال القلوب، ويلزمها اللام الفارقة في خبرها؛ لتفرِّقَ بينها وبين (إن) الشرطية والنافية، تقديره: إنه كنت لأظن؛ يعني: إن الشأنَ والحديثَ كنتُ لأظن. * * * ٤٢٧٤ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فيَمكُثُ أَرْبعينَ - لا أدرِي أربعينَ يَوْمًا أو شَهْرًا أو عَامًا -، فيبعثُ الله عيسَى بن مريمَ ﵉ كأنَّهُ عُرْوَةُ بن مَسْعودٍ ﵁ فيَطلُبُه فيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنينَ ليسَ بينَ اثنين عَداوةٌ، ثمَّ يُرسِلُ الله رِيْحًا بارِدَةً منْ قِبَلِ الشَّامِ، فلا يَبقَى على وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ في قَلْبهِ مِثقالُ ذرَّةٍ منْ خَيْرٍ أو إيمانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لوْ أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبدِ جَبَلٍ لدخلَتْهُ عليهِ حتى تقبضَهُ". قال: "فيبقَى شِرارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيرِ وأَحْلامِ السِّباعِ، لا يعرِفونَ مَعْروفًا ولا يُنْكِرُونَ مُنكَرًا، فيَتمثَّلُ لهُمُ الشَّيطانُ فيقولُ: ألا تستحيُونَ؟ فيقولونَ: فما تأْمُرُنا؟ فيأمُرُهُمْ بِعبادَةِ الأَوْثْانِ، وهُمْ في ذلك دارٌّ رِزقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثمَّ يُنفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أصغَى لِيتًا ورَفعَ لِيتًا". وقال: "وأوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلوطُ حَوْضَ إبلهِ، فيَصْعَقُ ويَصْعَقُ النَّاسُ، ثمّ يُرسِلُ الله مَطَرًا كأنَّهُ الطَّلُّ فيَنبُتُ منهُ أَجْسادُ النَّاسِ، ثمَّ يُنفَخُ فيهِ أُخرَى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ثمَّ يُقالُ: يا أيُّها النَّاسُ! هَلُمَّ إلى ربكُمْ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾،

стр. 2593

ثمَّ يُقالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فيُقالُ: مِنْ كَمْ؟ فيُقالُ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وتِسعَةً وتِسعينَ، قال: فذاكَ يومَ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، وذلكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ". قوله: "يخرجُ الدجالُ، فيمكثُ أربعينَ لا أدري": قال الإمام التُّورِبشتي: قلت: (لا أدري) إلى قوله: (فيبعث الله عيسى ﵇ من قول الصحابي؛ أي: لم يزدني على أربعين شيئًا؛ أي: المراد منها: فلا أدري أيًا أراد من هذه الثلاثة. قوله: "يا أيُّها الناسُ! هلمَّ إلى ربكم"؛ يعني: تعالوا، وارجعوا إلى ربكم. قال في "الصحاح": قال الخليل: أصله: (لمَّ) من قولهم: لمَّ الله شعثه؛ أي: جمعه، كأنه أراد: لُمَّ نفسَك إلينا؛ أي: اقْرُبْ إلينا، و (ها) للتنبيه، وإنما حُذِفت ألفها؛ لكثرة استعمالها، وجُعِلا اسمًا واحدًا يستوي فيه الواحد والجمع في لغة أهل الحجاز. وقيل: أصله: (ها الْمُم) نقل حركة الميم إلى اللام، واستغنى عن همزة الوصل، فاجتمع ساكنان في الآخِر، فأدغم، فبقي (ها لُمَّ)، فحُذِف الألف؛ لالتقاء الساكنين؛ الألف وسكون اللام في التقدير، وقيل: أو ليركَّبا فيصيرا كـ (حضرموت). قوله: " ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ "؛ أي: احبسوهم وأوقفوهم. قوله: "فيقال: أخرجوا بعثَ النارِ": إما خطابٌ للملائكة، أو لآدم في تقسيم ذريتهم؛ يعني: إعلام الخلق أنه يُوجَّه الأكثرُ إلى النار، والأقل إلى الجنة، والسببُ في تكثير العصاة وتقليل المطيعين: أنه لا يصلحُ لخدمته إلا من هو في غاية الاصطفاء، ومثل هذا قليلُ الوجود في البشر المركبين من الشهوات والنهمات.

стр. 2594

قال الغزالي - رحمة الله عليه - في كتاب "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة": وليس المعنيُّ به: أنهم كفار مخلَّدون في النار، بل يدخلون النار ويعرضون عليها، ويتركون فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبهم ومعاصيهم، والمعصومُ من المعاصي لا يكون من ألف إلا واحدًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]. ثم (بعث النار) عبارةٌ عمن استوجب النار بذنوبه، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة، كما وردت به الأخبارُ الكثيرةُ الدالةُ على سعة الرحمة، وهي أكثر من أن تُحصَى. وأما قوله: "بعث النار": فالبعث: جماعةٌ يُبعَثون لأمرٍ إلى موضع، وفي حديث آخر: أن رسولَ الله ﷺ في يوم العيد إذا أراد أن يبعثَ بعثًا ... والمراد: المبعوثون إلى النار؛ يعني: أهل النار. قوله: "من كَمْ كَمْ؟ ": تقديره: من أيِّ عدَّةٍ أيُّ عددٍ؟ فهو استفهام عن مقدارِ المُخرَج منه ومقدارِ المُخرَج كلاهما، وتقديره: العدد (١) المعدود المبعوث أيُّ عددٍ من أيِّ عدد؟ فالمبتدأ محذوف، وقوله: (من أي عدد) صفة للخبر، كما تقول: المبعوث عشرة من مئة. وقيل: (من كم) جار ومجرور خبر مقدم، و (كم) الأخير مبتدأ، كأنه قال: كم المبعوثون من كم؟ أي: من كم عددٍ يخرجُ منه هؤلاء بعث النار، ويبقى الباقي؟ قوله: "فذاك يوم ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ "، (الشيب): جمع أشيب، كـ (بيض) جمع: أبيض، فأُبدِلت ضمة الفاء كسرةً؛ لتصح التاء. يعني: يوم القيامة يصيرُ الأطفال شيبًا من أهواله وشدائده.

стр. 2595

ويحتمل أن يقال: المراد به: عظم أهوال يوم القيامة، لا حقيقة التصيُّر، كما تقول: هذا أمر يشيبُ فيه الوليدُ: إذا كان عظيمًا هائلًا. يعني: لو أن وليدًا شابَ من واقعةٍ عظيمة؛ لشابوا في ذلك اليوم، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ [الحشر: ٢١]، فكم تقرأ القرآن على جبل ولا يخشع ولا ينشق، معناه: لو كان الجبل يخشع، ويكون له روح، وينشق من هول واقعة؛ لانشق إذا تُلِي عليه القرآن. قوله: "وذاك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ": قال الخطابي: هذا ممَّا نهيت القول فيه شيوخنا، وأجْرَوه على ظاهر لفظه، ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقُّفِ عن تفسير كلِّ ما لا يحيطُ العلمُ بكنهه من هذا الباب. أما من تأوله فقال: ذلك اليوم يكشف عن شدة عظيمة وأمر فظيع. قال الإمام أبو الفتوح العجلي ﵀ في "تفسيره": قيل: معناه: عن أمر شديد فظيع، وهو إقبالُ الآخرة وظهورُها، وذهابُ الدنيا. ويُقال للأمر إذا اشتد وتفاقم، فظهر، وزال خفاؤه: كشف عن ساقه، وهذا جائزٌ في اللغة وإن لم يكن للأمر ساقٌ، وهو كما يقال: أسفرَ وجهُ الأمر، واستقام صدرُ الرأي. قال الشاعر يصفُ حربًا: كَشَفَتْ لهم عن سَاقِها ... وبدا من الشرِّ الصُّراحُ وقيل: معناه: أن يرفع الستر من الدنيا والآخرة، وقيل: [هو] المراد بقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]. وقيل: عن ساق؛ أي: عن ساق العرش، وقيل: عن نور عظيم. قال ابن قتيبة: تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى

стр. 2596

الجد، ومقاساة الشدة: شَمَّر عن ساقه. ويقال: إذا اشتدَّ الأمرُ في الحرب: كشفت الحربُ عن ساقٍ. قال في "شرح السنة": وقال ابن عباس: يوم كرب وشدة. وقال: هي أشد ساعة في القيامة. فعلى هذا القول معناه: المبالغة في التجلي والظهور عن ذاته؛ لأنه في اللغة عبارةٌ عن الجد في الأمر، أو لأن الساقَ يكون مستورًا غالبًا، فكشفُهُ مبالغةٌ في هذا الوجه أيضًا. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٢٧٥ - عن مُعاوِيَةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، ولا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ منْ مَغْرِبها". قوله: "لا تنقطع الهجرة": من المعاصي إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الإيمان. "حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"؛ يعني: لا تنقطعُ الهجرةُ من المعاصي إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الإيمان، حتى تنقطعَ التوبة، وزمان انقطاع التوبة إما عند اليأس من الحياة، وهو حين رأى الشخص ملك الموت، فإذا تاب في ذلك الوقت لا تُقبَلُ توبته، وكذا لو آمن لا يُقبَلُ إيمانه، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. وإما عن طلوع الشمس من مغربها، وطلوعُ الشمس من المغرب من أشراط الساعة، كما ذكر في (باب أشراط الساعة)، ومر. * * *

стр. 2597

١ - باب النَّفْخِ في الصُّورِ (باب النفخ في الصور) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٢٧٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "ما بينَ النَّفْختَيْنِ أَرْبعون"، قالوا: يا أبا هُريرةَ! أَرْبعونَ يَوْمًا؟ قال: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ شَهْرًا؟ قالَ: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ سَنَةً؟ قال: أبَيْتُ، "ثمَّ يُنزِلُ الله منَ السَّماءِ ماءً فيَنبُتونَ كما ينبُتُ البَقْلُ" قالَ: "وليسَ مِنَ الإِنسانِ شَيْءٌ لا يَبْلَى إلا عَظْمًا واحِدًا، وهوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، ومنهُ يُركَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ". وفي رِوايةٍ: "كُلُّ ابن آدمَ يَأْكُلُهُ التُّرابُ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، منهُ خُلِقَ وفيه يُركَّبُ". قوله: "ما بينَ النفختينِ أربعون، قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يومًا؟ قال: أبَيتُ" الحديث. يعني: امتنعتُ عن الجواب، فإني لا أدري، فإذا قلت: أربعون يومًا أو شهرًا أو غير ذلك، فأكذب على النبي ﷺ ، وأبيتُ الكذبَ عليه. قوله: "وليس من الإنسان شيءٌ إلا يَبلَى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذنب"، (العجب): العظم الذي في أسفل الصُّلب، وهو العَسِيب، ذكره في "شرح السنة". قال في "الصحاح": (العَسِيب): منبت الذنب، فالمراد: طول بقائه، لا أنه لا يبلى أصلًا، فإنه خلاف المحسوس.

стр. 2598

وجاء في حديث آخر: "أنه أول ما يُخَلق، وآخر ما يَبلَى"، ومعنى الحديث واحد. والحكمة فيه: أنه قاعدةُ بدنِ الإنسان وأُسُّه الذي يُبنى عليه، فبالحريِّ أن يكون أصلبَ من الجميع كقاعدة الجدار، وإذا كان أصلب كان أطول بقاء. وأما إعرابه: فقوله: (إلا عظمًا) فهو منصوب؛ لأنه استثناء من موجب؛ لأن قوله: "ليس شيء من الإنسان لا يبلى" نفيُ النفيِ، ونفيُ النفي إثباتٌ، فيكون تقديره: كلُّ شيء منه يبلى إلا عظمًا واحدًا. * * * ٤٢٧٨ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَطوِي الله السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجبَّارونَ؟ أينَ المُتكَبرُونَ؟ ثمَّ يَطْوِي الأَرْضينَ بشِمالِه - وفي رِوايةٍ: ثُمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه الأُخْرىَ - ثمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجَبَّارونَ؟ أينَ المُتكبرونَ؟ ". قوله: "يطوي الله السماوات يوم القيامة يأخذهن بيده اليمنى" الحديث. اعلم بأنَّ الله منزَّهٌ عن سِمةِ الحدوث، وصفةِ الأجسام، وكلُّ ما ورد في القرآن والأحاديث في صفاته ممَّا ينبئ عن الجهة والفوقية، والاستقرار والإتيان، والنزول، فلا نخوض في تأويله، بل نؤمن بما هو مدلولُ تلك الألفاظ على المعنى الذي أراده سبحانه مع التنزيه عما يُوهِمُ الجسمية والجهة، كما يُروى عن مالك - رحمة الله عليه - لما سُئِل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، وسؤالك عنه بدعة. وهو مذهب السلف الصالح ﵃.

стр. 2599

أما المتكلمون من أهل السنة والمعتزلة: فقد أوَّلوا جميع الألفاظ الواردة في هذا الباب على ما يليقُ بذاته سبحانه. وهؤلاء يقفون في قراءة قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] على قوله: ﴿فِي الْعِلْمِ﴾. والفرقة الأولى - وهم السلف الصالح ﵃ يقفون على قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. فإذا تقرَّر هذا؛ فالمراد من اليد واليمين والشمال: القدرة، والمراد من الطيِّ: التسخير التام والقهر الكامل، وهو كذلك الآنَ أيضًا، ولكن في القيامة أظهر؛ لأنه لا يبقى أحدٌ يدَّعي الملكَ المجازي، كما هو في الدنيا. قوله: "ثم يطوي الأرضين بشماله": وإنما قال: بشماله، ولم يقل: بيمينه؛ بيانًا لشرف العُلويات على السُّفليات، والعادةُ جرت على أن الشريف يباشر ما فيه شرف، لا أنه ثبت له شمالٌ؛ لقوله ﷺ : "كلتا يديه يمين"، وإنما قال: كلتا يديه يمين؛ لأن الشمال بالإضافة إلى اليمين ناقصٌ في القوة، والنقصانُ لا يتطرَّقُ على ذاته سبحانه. قال الإمام التُّورِبشتي: يحتمل أن هذا غلطٌ من الراوي، أو ظنٌّ منه على أن إحداهما سدَّ مسدَّ الأخرى، والأولى أن لا يُغلَّط الراوي، ويُجمَع بين الحديثين - يعني: بين هذا الحديث، وبين قوله: "كلتا يديه يمين" - ونقول: التوفيقُ بينهما، والعلمُ عندَ الله سبحانه: أنا إذا جعلنا اليدَ عبارةٌ عن القدرة، وهو مطابقٌ لقوله: "كلتا يديه يمين"؛ لأن هذا أيضًا إشارةٌ إلى تنزيهه عن الجوارح والأجسام، فإنه لو كان جسمانيًا؛ لاستحال أن تكون كلتاهما يمينًا، والفرقُ بين اليمين والشمال: أن الأخذ باليمين عبارة عن أنَّ التسخير الأول أتم وأكمل من التسخير الثاني المعبر عنه بالأخذ بالشمال؛ لأن السماء السابعة مثلًا أكبرُ الأجسام، فيكون تسخيره أقوى من تسخير ما تحته من السماوات.

стр. 2600

فإذا ثبت هذا؛ فتسخيرُ السماوات أقوى من تسخير الأرض، فإنه معلومٌ أن تسخيرَ ما هو علويٌّ أقوى من تسخير ما هو سفلي، والله أعلم بالأسرار الإلهية والحكم النبوية. * * * ٤٢٨٠ - عن عائشة ﵂ قالت: سَأَلْتُ رسولَ الله ﷺ عنْ قولِه : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾: فأَينَ يكونُ النّاسُ يومئذٍ؟ قالَ: "علَى الصِّراطِ". قوله: " ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ "، قال في "شرح السنة": يُقالُ: (التبديلُ): تغيير الشيء عن حاله، والإبدالُ: جعل الشيء مكان الآخر. قال الأزهري: تبديل الأرض: تسيير جبالها، وتفجير أنهارها، وكونها مستوية لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وتبديل السماوات بانتشارِ كواكبها، وانفطارِها، وتكويرِ شمسها، وخسوفِ قمرها. * * * ٤٢٨١ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكوَّرانِ يَوْمَ القِيامَةِ". قوله: "الشمس والقمر مُكوَّران يوم القيامة"، (مكوران)؛ أي: مجموعان وملفوفان. قال في "شرح السنة": مُكوَّران: من قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]؛ أي: جُمِعت ولُفَّت، ومنه قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]؛ أي: يدخل هذا هذا، وتكوير العمامة: لفُّها، وقيل: من (كوَّره)؛ أي: ألقاه. قال في "الصحاح": يقال: طعنه فكوَّره؛ أي: ألقاه مجتمعًا، وأنشد

стр. 2601

أبو عُبيدٍ: ضَرَبناهُ أمَّ الرأسِ والنقعُ ساطعٌ ... فخرَّ صريعًا لليدينِ مُكوَّرا يعني: تلقى الشمس والقمر من فلكيهما. قال الإمام التُّورِبشتي رحمة الله عليه: هذا التفسيرُ أشبهُ بنسق الحديث؛ لما في بعض طرقه: "يكوران في النار"، ويكون تكويرهما فيها؛ ليعذب بهما أهل النار، لا سيما عبَّاد الأنواء، لا ليُعذَبا في النار، فإنهما بمعزل (١) عن التكليف. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٢٨٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ أَنْعَمُ وصاحِبُ الصُّورِ قدِ التَقَمَهُ، وأصْغَى سَمْعَهُ، وحنَى جَبْهَتَهُ متَى يُؤمَرُ بالنَّفْخِ؟ ". فقالوا: يا رسولَ الله! وما تَأْمُرُنا؟ قال: "قُولُوا: حَسْبنا الله ونِعْمَ الوَكيلُ". قوله: "كيف أنعم"؛ أي: كيف أنتعم؟ وقيل: كيف أفرح؟ والنعمة: المسرة، قاله في "شرح السنة". يعني: كيف يطيب عيشي، وقد قَرُب أمرُ الساعة؟ وكأنه خاف على أمته قربها، وقد علم أنها لا تكون إلا على شِرارِ الناس، أو تنبيهٌ على حثِّ أصحابه على الوصية لمن بعدهم على التهيؤ لها. "الصور": القرن، قال الراجز:

стр. 2602

نحن نطحناهُم (١) غداةَ الجَمْعينِ نَطْحًا شَديدًا لا كنطحِ الصُّورينِ ويقال: هي جمع (صُورَة)، مثل: (بُسْرَة) و (بُسْر)؛ أي: ينفخ الأرواح في صور الموتى، وقرأ الحسن: (يوم ينفخ في الصور)، ذكره في "الصحاح". قوله: "قد التقمه": ابتلعه، يقال: التقمت اللقمة؛ أي: ابتلعتها. "أصغَى سمعَهُ"؛ أي: أمال أذنه، يقال: أصغيت الإناء: إذا أملته. أي: كيف يكون عيشي طيبًا وصاحب الصور قد ابتلع الصور؟ يعني: وضع الصور في فمه، وينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ قوله: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل"؛ أي: قولوا: الله سبحانه مُحسِبنا وكافينا، من (أحسبه الشيء): إذا كفاه، والدليلُ على أن (حسبك) بمعنى: مُحسِبك: وقوعه صفة للنكرة، كأن تقول: هو رجل حسبك، فلو لم يكن اسم فاعل، وإضافته في تقدير الانفصال، لما وقع صفةً للنكرة إذا كان مضافًا إلى معرفة. و (الوكيل): فعيل بمعنى المفعول؛ أي: نعم الموكول إليه الله تعالى. و (الله) مبتدأ، و (حسبنا) خبر مقدم، و (نعم) فعل المدح، و (الوكيل) فاعله، والمخصوص بالمدح محذوف. * * *

стр. 2603

٢ - باب الحَشْرِ (باب الحشر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٢٨٤ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامةِ على أَرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليسَ فيها عَلَمٌ لأَحَدٍ". قوله: "يحشرُ الناسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاءَ عَفْراءَ"؛ أي: يحشر الناس على أرض بيضاء ليس بالشديد البياض. قال في "الصحاح": الأعفر: الأبيض، وليس بالشديد البياض، وشاة عفراء: يعلو بياضَها حمرةٌ. قوله: "كقُرصةِ النَّقي": قال في "شرح السنة": يعني: نقي الحُواري - بضم الحاء -؛ لنقائه من القشر والنخالة. "العلم": العلامة، يريد: أن تلك الأرض مستوية ليس فيها حدبٌ يردُّ البصر، ولا بناءٌ يستر ما وراءه. * * * ٤٢٨٥ - وقالَ: "تكونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً، يتكَفَّؤُها الجَبَّارُ بيدِه، نُزُلًا لأَهْلِ الجَنَّةِ". قوله: "تكون الأرضُ يوم القيامة خبزةً واحدةً يتكفَّؤها الجبارُ"، (يتكفؤها): يقلبها، من (كفأت الإناء): إذا قلبتها؛ يعني: يقلبها الله سبحانه خبزة واحدة يهيأها ويرزقها نزلًا لأهل الجنة.

стр. 2604

و (النُّزل) بضم الزاي وسكونها: ما يُهيأ للنزيل، وهو الضيف. قال الإمام التُّورِبشتي: (يتكفؤها) من رواية البخاري، وروي في "كتاب مسلم": (يَكْفَؤها)، وهو الصواب على ما نعرفه من رواية الحفاظ، وهو المستقيمُ على اللغة العربية، والمعنى: يقلبُها. ونرى الحديث مشكلًا جدًا غيرَ منكرين شيئًا من صنع الله وعجائب فطرته، بل لعدم التوقف الذي يكون موجبًا للعلم في قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى الطبع المطعوم والمأكول، مع ما ورد من الآثار المنقولة: أن هذه الأرضَ برَّها وبحرَها تمتلئ نارًا في النشأة الثانية، وتنضمُّ إلى جهنم. فنرى الوجه فيه: أن تقول: معنى قوله: "خبزة واحدة"؛ أي: كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا، وهو مثل ما في حديث سهل بن سعد: "كقرصة النقي"، وإنما ضربَ المثل بقرصة النقي؛ لاستدارتها وبياضها على ما ذكرنا، هذا كلُّه كلامُ الشيخ التوربشتي. ما ذكره الشيخ - رحمة الله عليه - مستقيمٌ جدًا إلى قوله ﷺ : "نزلًا لأهل الجنة"، فحينئذ التنزيل يرُّد ذلك التأويل، ثم لا يبقى لـ (يكفأها) فائدة، وإن أريد تصحيحه؛ فالوجه أنه تعالى يكفأها؛ أي: قادر على قلبها، ليس كحال الأرض في الدنيا في قرارها وثباتها. وقوله: "نزلًا"؛ أي: كخبزة تُخلَق نُزُلًا لأهل الجنة، فتقع النسبة في المجموع، لا في الخبزة نفسها، فإذا فُتِحَ بابُ القدرة الإلهية وظهورها ذلك اليوم، استغنيت عن التأويل الذي ذكره هو وغيرُهُ. * * * ٤٢٨٦ - وقال: "يُحْشَرُ النَّاسُ على ثلاثِ طرائِقَ: راغِبينَ راهِبينَ، واثنانِ

стр. 2605

على بعيرٍ، وثلاثةٌ على بَعيرٍ، وأَرْبَعةٌ على بَعيرٍ، وعَشَرةٌ على بَعيرٍ، وتَحْشُرُ بقيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقيلُ مَعَهُمْ حيثُ قالُوا، وتَبيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ باتُوا، وتُصْبحُ مَعَهُمْ حيثُ أَصْبَحُوا، وتُمْسِي مَعَهُمْ حيثُ أَمْسَوْا". قوله: "يحشر الناس على ثلاثِ طرائقَ"، قال في "شرح السنة": هذا الحشرُ قبل قيام الساعة، وإنما يكونُ ذلك إلى الشامِ أحياءً، فأما الحشرُ بعد البعث من القبور على خلاف هذه الصفة من ركوب الإبل، والمعاقبة عليها، إنما هو كما أخبر: أنهم يبعثون حفاة عراة. وقيل: هذا في البعث دون الحشر. يعني: أهل العَرَصاتِ ثلاثة أصناف: "راغبين": وهم الذين لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون. و"راهبين": وهم الذين يخافون، ولكن ينجون. والثالث: يُحشَرُون إلى النار، وهم المعني بقوله: "وتحشر بقيتهم النار". والتنزيل نطق به، قال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ إلى قوله ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤ - ٨٩]. ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾: حال تقديره: كنتم أزواجًا ثلاثة حال انقسامكم إلى مراتب مختلفة؛ محسن، وأحسن منه، ومتوسط بينهما. شرحُ مشكلات ما في الآية من اللُّغات: ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ﴾: حُرِّكت وزلزلت، قيل: إن الله تعالى إذا أوحى إليها اضطربت فَرَقًا. ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾؛ أي: فتَّت فتًا كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. (الهباء المنبث)؛ أي: الغبار المتفرق.

стр. 2606

و (ما) في ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ و ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾؛ للاستفهام. قوله: "واثنان على بعير": الصوابُ من حيث المعنى: اثنان بغير واو، وكأنه قال: راغبين راهبين راكبين وغير راكبين، معقبين في الركوب والمشي؛ يعني: يركبون ويمشون بالعُقبةِ، فيكون الواو زائدًا، ويحتمل أن تكون الواوُ واوَ الحال؛ أي: الحال أن بعضَهم يركبُ، وبعضَهم يمشي راجلًا، على سبيل العُقبةِ، وهي النوبة. قال في "شرح السنة": يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضهم ويمشي الباقون عُقَبًا، (العُقَب): جمع عقبة. قوله: "تقيل معهم حيث قالوا ... " إلى آخره. (تقيل) و (قالوا) من (القيلولة)، وهي: النوم نصف النهار، الضمير في (تقيل) للنار، وفي (قالوا) للمحشورين إليها، وهم الكفرة؛ يعني: تلزمهم النار أبدًا بحيث لا تفارقهم، ولا يفارقونها؛ يعني: هم فيها مخلَّدون. * * * ٤٢٨٧ - وقالَ: "إنَّكم مَحْشورونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، "وأَوَّلُ منْ يُكْسَى بومَ القِيامةِ إبراهيمُ، وإنَّ ناسًا منْ أَصْحابي يُؤْخَذُ بهمْ ذاتَ الشِّمالِ فأقولُ: أَصْحابي، أَصْحابي، فيقولُ: إنَّهُمْ لنْ يَزالوا مُرْتَدِّين على أَعْقابهم مُذْ فارَقْتَهُمْ، فأقولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ , إلى قوله: ﴿العَزيزُ الحَكيمُ﴾. قوله: "حُفاة عُراة غُرلًا"، (الحفاة): جمع الحافي، وهو الذي ليس في رجله خفٌّ ولا نعلٌ.

стр. 2607

و (العراة): جمع العاري، وهو الذي ليس ببدنه ثوبٌ. (الغُرْل): جمع الأغرل، وهو الذي لم يُختَنْ. والفائدةُ في خلق الجلدة المقطوعة من المختنين، والعلم عند الله سبحانه: التنبيهُ على إحكام خِلْقَتِهِ، وأنه خُلِقَ للأبد، لا للفناء؛ إذ لم ينقصْ من أعضائه، بل الناقص أُعيدَ كاملًا، أو لأنه التزم عَودَهُ كما كان، ووقت كونه كان غُرلًا، فأُعيدَ كما كان. (حفاة) (عراة) (غرلًا) ثلاثتها منصوبة على الحال من الضمير في (محشورون). قوله: "ثم: قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ": الكاف متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه (نعيده)، تقديره: نعيد الخلق إعادةً مثل الخلق الأول؛ يعني: بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلًا، كذلك نعيدهم يوم القيامة نظيرها. ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ إعادته، (وعدًا) بالنصب على المصدر من غير لفظ الفعل؛ لأن الإعادةَ وعدٌ، كأنه قال: وعدناه وعدًا، ويجوز أن يكون (علينا) صفة الوعد؛ أي: وعدًا واجبًا علينا بإيجابنا. ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾؛ أي: الإعادة والبعث. وبيان إيجابه تعالى على نفسه حشرَ الأجساد كرمًا: أنه وعد حشر الأجساد المتضمن للثواب والعقاب في كلامه القديم في غير موضع، فإذا وعد به وجب إنجازه صدقًا لوعده؛ لقوله سبحانه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، ولأنه لما أخبر بوقوعه، فإن لم يقع لزم تطرُّقُ الخُلْفِ إلى كلامه، وذلك نقصٌ، وهو سبحانه منزَّهٌ عن ذلك، فإذا ثبت هذا، فالمعاد الجسماني إنما أوجبه إخبارُ الصادق المعصوم، لا القضيةُ العقلية؛ لأنها مختلف فيها، ولأن

стр. 2608

العقلَ لا يتكلم في مثل هذا، بل ربما يجاوز فلا يصدق كقول الفلسفي والمعطَّل. قوله: "وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيمُ" ﵊. إن قيل: إن نبينا ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم، فكيف يكون إبراهيم مقدمًا عليه بهذه الفضيلة؟ قيل: يحتمل أن الحديثَ مخصوصٌ بالنبي صلوات الله عليه، والتخصيصُ من فصاحةِ كلام العرب. ويحتمل أنه ﷺ [كان] مُشرَّفًا باللباس، فحينئذ الحديثُ لا يحتاج إلى التأويل. ويحتمل أن يقال: إن تقدمه في اللباس لا لأجل الفضيلة على نبينا، بل إنما يُكسى أولًا؛ لكونه أباه، وتقدمه في اللباس لعزة الأبوة، لا للفضيلة، بل إنما شرف به وبغيره؛ لكونه أباه، والله أعلم. قوله: "أُصَيْحَابي"، (الأُصَيحاب): تصغير أصحاب، فُتِحَ الحاء لأجل الألف، كـ (أجيمال) تصغير (إجمال). قال في "شرح السنة": إنما صغَّر؛ ليدلَّ على قلة عددهم. إن قيل: (أصحاب) جمع قلة، والقليلُ لا يُقلَّل، إنما يقلل الكثير. قيل: ما من قليل الأقل منه يمكن، فلهذا جاء قليلان. ويمكن أن يقال: إنما حقَّرهم؛ لاحتقارِ أوصافهم، إذا كانوا أصحابَ سوء حين أساءوا العملَ بعدما وصل النبي ﷺ إلى دار البقاء، وضيَّعوا صحبته، استحقوا النار، لا للكفر والارتداد، بل للمعاصي، وسياق الحديث دليلٌ عليه، وهو قوله: "لن يزالوا مرتدين على أعقابهم".

стр. 2609

قال في "شرح السنة": لم يرد به الردةَ عن الإسلام، وإنما معناه: التخلفُ عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها، ولذلك قُيدَ بقوله: (على أعقابهم)، ولم يرتدَّ بحمد الله تعالى أحدٌ من أصحاب النبي ﷺ ، إنما ارتد قومٌ من جُفاةِ العرب. قوله: "فأقول كما قال العبدُ الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ " الآية، (العبد الصالح)؛ يعني: عيسى صلوات الله عليه. * * * ٤٢٨٩ - عن أنس ﵁: أنَّ رَجُلًا قالَ: يا نبيَّ الله! يُحْشَرُ الكافِرُ على وَجْههِ يومَ القِيامَةِ؟ قال: "أَلَيْسَ الذِي أمْشاهُ على الرِّجلَيْنِ في الدُّنيا قادِرٌ على أنْ يُمْشِيَه على وَجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ ". قوله: "أمْشَاهُ على الرجلين"، (أمشى): إذا جعل أحدًا ماشيًا. * * * ٤٢٩٠ - عن أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "يَلقَى إبراهيمُ أباهُ يومَ القِيامَةِ وعلى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فيقولُ لهُ إبراهيمُ: أَلَمْ أقُلْ لكَ: لا تَعْصِني؟ فيَقولُ لهُ أبوهُ: فاليَوْمَ لا أَعصِيكَ، فيقُولُ إبراهيمُ: يا ربِّ! إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخزِيَني يَوْمَ يُبعَثونَ، فأيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أبي الأَبْعَدِ؟ فيقولُ الله : إنَّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ على الكافِرينَ، ثُمَّ يُقالُ لإبراهيمَ: ما تحتَ رِجلَيْكَ؟ فينظُرُ فإذا هوَ بذِيخٍ مُتَلطَّخٍ، فيُؤخَذُ بقَوائِمِهِ فيُلقَى في النَّارِ". قوله: "وعلى وجه آزر قترة وغبرة"، (الغَبَرة): الغبار، و (القَتَرة): الغبرة التي معها سواد.

стр. 2610

قال في "معالم التنزيل": قال ابن زيد: الفرق بين (الغَبَرة) و (القَتَرة): أن (القَتَرة): ما ارتفع من الغبار، فلحق بالسماء، و (الغَبَرة): ما كان أسفل في الأرض. قوله: "فأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ ". قوله: "من أبي الأبعد": لم يردْ منه الأبعدَ في النسب، إذ الأبُ أصل الولد، فكيف يسمى أبعد؟ وإنما أراد الأبعد مني في المرتبة والالتحاق بأهل النار. يعني: إدخال والدي في النار إهانة لي، وفي الإهانة جلبُ الخزي العظيم، وقد وعدتني أن لا تخزيني؟ فأجيب بأنَّ تعذيبَ الكافر واجبٌ، وفعل الوجوب لا يُسمَّى خزيًا، فالحقيقةُ أنه وعده أن لا يخزيه في نفسه، وفي حقَّ من لا يستحقُّ الخزيَ، وأما الخزيُ المطلق، فلم يمنعه، فإذا علم أن أباه مات على الكفر تبرأ منه؛ لعلمه: أن الجنة محرمةٌ على الكفرة. يقول (١) : ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قوله: "ما تحت رجليك؟ "، (ما): استفهام مبتدأ، و (تحت) خبره، ويحتمل أن يكون بمعنى: الذي؛ أي: انظر إلى الذي تحتَ رجليك. قوله: "فإذا هو بذِيخٍ": (الذيخ): الذكر من الضباع. قوله: "فيُؤخذُ بقوائمه"، (القوائم): جمع قائمة، وهي ما تقوم به الدواب، فهي من الدواب بمثابة الأرجل من الإنسان؛ أي: يُجرُّ بقوائمه فيُلقى في النار. * * *

стр. 2611

٤٢٩٢ - وقال ﷺ "تُدْنىَ الشَّمْسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ حتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كمِقْدارِ مِيلٍ، فَيكونُ النَّاسُ على قَدْرِ أَعْمالهِمْ في العَرَقِ، فمِنْهُمْ مَنْ يكونُ إلى كَعْبَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى رُكبتَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجامًا". وأَشَارَ رسولُ الله ﷺ بيدِه إلى فيهِ. قوله: "حَقْوَيه": (الحقو): الخصرُ ومشدُّ الإزار، ذكره في "الصحاح". قوله: "كمقدار ميل": قال سليم: لا أدري أيَّ الميلين يعني: مسافة الأرض، أو الميل الذي تكحل به العين؟ ذكره في "شرح السنة". * * * ٤٢٩٣ - عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقولُ الله تعالَى: يا آدمُ! فيقُولُ: لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يدَيْكَ، قال: أخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وتسْعَة وتِسْعونَ، فعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ "، قالوا: يا رسولَ الله! وأيُّنا ذلكَ الوَاحِدُ؟ قال: "أَبْشِرُوا، فإنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، ومِنْ يأْجُوجَ ومأجوجَ ألفٌ"، ثُمَّ قال: "والذِي نَفْسِي بيدِه، إنَّي أَرْجُو أنْ تكونوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فكَبَّرنا، فقال: "أرجُو أنْ تكونُوا ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ"، فكبَّرنا، فقال: "أرجُو أنْ تكونوا نِصفَ أهلِ الجَنَّةِ"، فكبَّرنا، قال: "ما أنتُم في النَّاسِ إلَّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أو كشَعرَةٍ بيضاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ". قوله: "ما أنتم في الناسِ إلا كالشعرةِ السوداءِ في جلد ثورٍ أبيض، أو كشعرة بيضاءَ في جلد ثورٍ أسود"؛ يعني: أنتم قليلون بالإضافة إلى الأمم السالفة، والكفارِ مطلقًا. * * *

стр. 2612

٤٢٩٤ - وقالَ: ﷺ "يَكْشِفُ ربنا عنْ ساقِهِ، فيَسْجُدُ لهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ، ويَبقَى مَنْ كانَ يَسْجُدُ في الدُّنيا رِياءً وسُمْعَةً، فيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا". قوله: "الرياء والسمعة"؛ أي: الصَّيتُ والشُّهرة. قوله: "فيعود ظهره طَبَقًا واحدًا"، قال في "الغريبين": (الطبق): فِقارُ الظهر، واحدتها: طبقة؛ يعني: صار كلُّ فقارِهِ واحدةً، فلا يقدرُ على السجود. * * * ٤٢٩٥ - وقالَ ﷺ : "لَيَأْتيَنَّ الرَّجُلُ العَظيمُ السَّمِيْنُ يَوْمَ القيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَناحَ بَعُوضَةٍ"، وقالَ: "اقرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ". قوله: "لا يزنُ جناحَ بعوضة"، (جَناح الطير) مفتوح الجيم (١): يده، وكذا جناح البعوضة. قوله: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، قال في "شرح السنة": قال ابن الأعرابي: تقول العرب: ما لفلان عندنا وزنٌ - أي: قَدْرٌ - لخِسَّته. وقيل: معناه: لا يزن لهم سعيهم عند الله مع كفرهم شيئًا. قال الواحدي في "تفسير الوسيط": ويوصفُ الجاهل بأنه لا وزنَ له؛ لخفته بسرعة طيشه، وقلة تثبُّتِهِ. والمعنى على هذا: أنهم لا يُعتدُّ بهم، ولا يكون لهم عند الله قدرٌ ومنزلة. * * *

стр. 2613

مِنَ الحِسَان: ٤٢٩٧ - وقال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما مِنْ أحَدٍ يَمُوتُ إلا نَدِمَ". قالوا: وما نَدامَتُهُ يا رسولَ الله؟ قالَ: "إنْ كانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أنْ لا يكونَ ازدادَ، وإنْ كانَ مُسِيئًا نَدِمَ أنْ لا يكونَ نَزَعَ". قوله: "ما من أحد يموت" الحديث. (يموت): جملة فعلية صفة لأحد، و (أحد) فيه معنى العموم؛ لأن النكرةَ في سياق النفي تَعمُّ. يعني: من مات محسنًا كان أو مسيئًا، ندم على أنه كان مقصَّرًا في طاعة الله سبحانه؛ أما ندامة المحسن: فلأنه ربما قصَّر في حقيقة العبودية والإخلاص فيها، وأما ندامة المسيء: فلأنه قصَّر في العبودية، والأخلاص فيها، فإذا ماتوا انتبهوا، فظهرت ندامتهم، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. قوله: "ندم أن لا يكون نَزَعَ"، قال في "الصحاح": نَزَعَ عن الأمور نُزُوعًا؛ أي: انتهى عنها؛ يعني: ندم أن لا يكون انتهى عن المعاصي. * * * ٤٢٩٨ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القِيامةِ ثَلاثَةَ أَصْنافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وصِنْفًا رُكبانًا، وصِنْفًا على وجُوهِهمْ"، قيلَ: يا رسولَ الله! وكيفَ يَمْشونَ على وجُوهِهم؟ قال: "إن الذِي أمْشاهُمْ على أَقْدامِهِمْ قادِرٌ على أنْ يُمشِيَهُمْ على وجُوهِهِمْ، أما إنَّهُمْ يَتَّقونَ بِوُجُوهِهمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ". قوله: "أما إنهم يتَّقونَ بوجوهِهم كلَّ حَدَبٍ وشوكٍ"، (أما) كلمة تنبيه؛ يعني: اعلموا أن الكفرة يتقون يوم القيامة أبدانهم بوجوههم.

стр. 2614

(كل حدب وشوك)؛ يعني: وجوههم واقية لأبدانهم من جميع الأذى، وفي الدنيا الأمر على العكس؛ يعني: ما سوى الوجه من الأعضاء يكون واقيًا للوجه، وإنما يكون كذلك؛ لأن الوجهَ الذي هو أعزُّ الأعضاء وأشرفها لم يضعْهُ الكافرُ في الدنيا ساجدًا على أذل الأشياء، وهو التراب، وعَذلَ عن ذلك تكبرًا وتعززًا، فإذا كان كذلك جُعِل أمرُهُ على العكس إهانةً لهم. هذا إشارةٌ إلى سوء أحوال الكفرة في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤]. قال المفسرون؛ يعني: يلقى الكافر مغلولًا في النار، فلا يقدر عن أن يدفعَ عن نفسه النار إلا بوجهه، فحينئذ لا واقيَ له البتةَ. * * * ٤٢٩٩ - عن ابن عُمَر ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ سَرهُ أنْ يَنظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيقرأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ". قوله: "من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأيَ عين" الحديث. (سرَّه)؛ أي: فرَّحه، و (أن ينظر) فاعل (سره). الـ (رأي) فَعْل بمعنى مَفْعول، كأنه قال: مَرئي العين ومبصرها. يعني: من أراد أن ينظر إلى أهوال يوم القيامة رأي العين، فليقرأ هذه السور الثلاث؛ لاشتمالها على ذكر القيامة من انتشار الكواكب، وانفطار السماوات، وغير ذلك من الأهوال. * * *

стр. 2615

٣ - باب الحِسَابِ والقِصَاصِ والمِيْزانِ (باب الحساب والقصاص) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٣٠٠ - عن أبي هُريرةَ ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "يَدْخُلُ منْ أُمَّتي الجَنَّةَ سَبعونَ ألفًا بغيرِ حِسابٍ". "يدخلُ من أمتي الجنةَ سبعون ألفًا بغيرِ حسابِ": اختلف النحاة في أن الدخول لازم أو متعد، فإن كان لازمًا، فـ (الجنة) نصب على الظرف، وإن كان متعديًا فهو مفعول به، فالأصح أنه لازمٌ. ويحتمل أن يُريد بقوله: "سبعون ألفًا" هذا العدد فحسب، ويحتمل أن يُريد به الكثرةَ، كما ذُكِر في مواضعَ، والمرادُ به الكثرة. قال تاج القراء في تفسيره "اللباب والغرائب" في قوله سبحانه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]: روى أبو عمرو وابن الأعرابي عن العرب: سبَّع الله لك الأجرَ؛ أي: أكثر لك؛ أراد التضعيف. وقال الأزهري في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]: جمع السبع الذي يُستعمَل للكثير، ألا ترى أنه لو زاد على السبعين لم يغفر لهم؟ ولهذا جاء في الأخبار: سبع وسبعون وسبع مئة. فإذا كان كذلك فالمراد بالسبعين جمع السبع الذي يُستعمَلُ للكثرة، لا للعدد الذي فوق الستين ودون الثمانين. * * *

стр. 2616

٤٣٠١ - عن عائِشَةَ ﵂: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيامَةِ إلَّا هَلَكَ"، قلتُ: أَوَ ليسَ يقولُ الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقالَ: "إنَّما ذلكَ العَرْضُ، ولكنْ مَنْ نُوقِشَ في الحِسابِ يَهلِكُ". قوله: "من نُوقِش الحسابَ يهلك"، (من) شرطية، و (نوقش) جملة شرطية، و (يهلك) جملة جزائية، يجوز في (يهلك) الجزم وتركه؛ إن جزم فظاهر؛ لأنه فعلٌ مستقبل، وإن لم يجزم فلأن اشرطَ ماضٍ، والجزاءُ يترتب على الشرط، فإذا كان الشرط غير مجزوم، فجزاءُهُ يجوز أن يكون غير مجزوم. قال في "شرح السنة": (المناقشة): الاستقصاءُ في الحساب حتى لا يُترَكَ منه شيء، يقال: انتقشت منه جميعَ حقي، ومنه: نقش الشوكة من الرِّجل، وهو استخراجها منها؛ يعني: من جرى في حسابه مضايقةٌ بالنقير والقطمير، فقد هلك. * * * ٤٣٠٢ - وقالَ ﷺ : "ما مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سيُكلِّمُهُ ربُّه، ليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ ولا حِجابٌ يَحْجُبُهُ، فيَنظُرُ أيْمنَ منهُ فلا يَرى إلَّا ما قدَّمَ منْ عَمَلِهِ، وينظُرُ أشْأمَ منهُ فلا يرَى إلَّا ما قَدَّمَ منْ عَمَلِهِ، ويَنْظُرُ بينَ يدَيْهِ فلا يَرَى إلَّا النَّارَ تِلْقاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بشِقِّ تَمْرَةٍ". قوله: "ليس بينه وبينه ترجمانٌ ولا حِجابٌ"، (ترجم كلامه): إذا فسَّره بلسان آخر، ومنه (التَّرجمان) مثل الزعفران، ويقال: ترجمان، ولك أن تَضُمَّ التاء لضمة الجيم، فتقول: تُرْجُمان مثل: يَسروع ويُسروع، ذكره في "الصحاح". يعني: ليس بين ربه تعالى وبين العبد ترجمان؛ يعني: مفسر، ولا حِجاب. قوله: "فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر أشأم" الحديث.

стр. 2617

(الأيمن): بمعنى اليمين، و (الأشأم): بمعنى الشمال؛ يعني: إذا كلَّم الله سبحانه عبدًا من عباده، فقد تحيَّر في ذلك الموطنِ بحيث لا مهربَ له ولا نصيرَ، فإذا نظر إلى يمينه وشماله، فلا يرى إلا العمل، وإذا نظرَ إلى بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاءَ وجهه. "فاتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ"؛ يعني: فإذا عرفتم ذلك، فاحذروا النارَ، ولو بشيء يسير؛ يعني: لا تجترئوا على المعاصي ولو كانت صغائر، فإن المعاصيَ في معرض المؤاخذة، إلا أن يتوبَ وتصلحَ سريرتُهُ. * * * ٤٣٠٣ - وقالَ ﷺ : "إنَّ الله يُدْني المُؤْمِنَ فيضَعُ عليهِ كَنَفَهُ ويَسْتُرُه فيقولُ: أَتَعْرِفُ ذنْبَ كذا؟ فيقولُ: نَعَمْ، أيْ رَبِّ! حتَّى إذا قرَّرَهُ بذُنوبهِ ورأَى في نَفْسِهِ أنَّهُ هَلَكَ قالَ: ستَرتُها عليكَ في الدُّنيا، وأنا أَغْفِرُها لكَ اليَوْمَ، فيُعْطَى كتابَ حَسناتِهِ، وأمَّا الكُفَّارُ والمُنافِقُونَ فيُنادَى بهِمْ على رؤُوسِ الخَلائقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ". وقوله: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه": (يُدنِي)؛ أي: يقرب. (الكَنَف): الجانب، وجناح الطائر: كنفه، والكنف: الساتر، وحظيرة من شجرة تُجعَل للإبل، ذكره في "الصحاح". أي: يستره ويحفظه، يقال: فلانٌ في كنف الأمير؛ أي: في حفظه ومعاونته، وقيل: يبرُّهُ ويرحمُهُ. * * * ٤٣٠٤ - وقالَ: ﷺ : "إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ دَفَعَ الله إلى كُّلِّ مُسْلِمٍ يَهوديًا أو

стр. 2618

نَصْرانِيًا فيقولُ: هذا فَكاكُكَ مِنَ النَّارِ". قوله: "إذا كان يومُ القيامةِ دفعَ الله" الحديث. (كان) هنا تامة، معناه: أتى أو ظهر. يقال: دفع إلى فلان شيئًا؛ أي: أعطاه شيئًا. فك الرهن وافتكه بمعنى؛ أي: خلَّصه، و (فَكاك الرهن): ما يُفتكُّ به، و (فِكاك الرهن) أيضًا بالكسر: لغةٌ حكاها الكسائي، ذكره في "الصحاح". يعني: إذا جاء يوم القيامة أعطى الله سبحانه كلَّ مسلم يهوديًا أو نصرانيًا؛ ليلقيه في النار فداءً له، تحقيق هذا: أن كل مسلم يوم القيامة يُعطَى ما كان ليهودي أو نصراني من المنزلة والكرامة لو آمنَ بجميع الكتب والرسل خصوصًا بنبينا ﷺ وكتابنا. * * * ٤٣٠٥ - وقالَ: "يُجَاءُ بنوْحٍ يومَ القِيامَةِ فيُقالُ له: هلْ بلَّغْتَ؟ فيقولُ: نعمْ، يا رَبِّ! فتُسأَلُ أمَّتُهُ: هلْ بلَّغَكُمْ؟ فيقولون: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، فيُقالُ: مَنْ شُهودُكَ؟ فيقول: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ"، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "فيُجاءُ بِكُمْ فتَشْهَدونَ أنَّهُ قدْ بَلَّغَ"، ثمَّ قَرأَ رسولُ الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. قوله: "ما جاءنا من نذير"، و (النذير): فعيل بمعنى مفعول، وفعيل قد يكون بمعنى فاعل، كـ (شفيع) بمعنى: شافع، وقد يكون بمعنى مُفاعِل كـ (سمير) بمعنى: مُسامر، وقد يكون بمعنى مُفعَل - بفتح العين - كـ (حكيم) بمعنى: محكَم، وقد يكون بمعنى مفعول كـ (ذبيح) بمعنى: مذبوح، والأخيرُ في صفة المذكر والمؤنث واحد، تقول: رجل جريح، وامرأة جريح.

стр. 2619

قوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾، (الوَسَط) بفتح السين: العدل والخيار، وإنما سمَّى أمة محمد ﷺ وسطًا؛ لأنهم لم يَغْلُوا غلوَّ النصارى، ولا قصَّروا تقصيرَ اليهود في حقوق أنبيائهم بالقتل والصلب، ذكره في "تفسير اللباب". * * * ٤٣٠٦ - عن أنس ﵁ قالَ: كُنَّا عِنْدَ رسولِ الله ﷺ فضَحِكَ، فقالَ: "هلْ تَدْرونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ " قال: قُلنا: الله ورسولُه أَعْلَمُ، قال: "مِنْ مُخَاطَبةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يقولُ: يا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْني مِنَ الظُّلمِ؟ "، قال: "فيقولُ: بَلَى"، قالَ: "فيقولُ: فإنَّي لا أُجيزُ على نَفْسِي إلَّا شاهِدًا مِنِّي"، قال: "فيقولُ: كَفَى بنفْسِكَ اليَوْمَ عليكَ شَهيدًا، وبالكِرامِ الكاتِبينَ شُهودًا"، قال: "فيُختَمُ على فيهِ، فيُقالُ لأَرْكانِهِ: انْطِقي"، قالَ: "فتَنْطِقُ بأَعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بينهُ وبينَ الكلامِ"، قال: "فيقولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ". قوله: "كفى بنفسِكَ اليومَ عليك شهيدًا"، (كفى): يستعمل لازمًا ومتعديًا إلى واحد وإلى اثنين؛ ومتى كان بمعنى: اكتفى، كان لازمًا، كما هو لفظ الحديث. و (شهيدًا) نصب على الحال، و (عليك) معمول (شهيدًا). يعني: اكتفِ بنفسِكَ في حال كونك شهيدًا. (عليك): خبرٌ صورة أمرٌ معنى. ومرة يُستعمَلُ متعديًا إلى واحد، كما قال المتنبي: كَفَى بكَ داءً أن تَرَى الموتَ شَافيا والباء زائدة في المفعول، و (أن ترى) فاعله، و (داء) نصب على التمييز. ومرة يتعدَّى إلى اثنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، و (المؤمنين) و (القتال) مفعولاه.

стр. 2620

قوله: "فيُختَمُ على فيه"؛ أي: على فمِهِ، "فيقال لأركانه"؛ أي: لجوارحه "انطقي" فتنطق بأعماله. يعني: تشهد جوارحُهُ بذنوبه، فتقول يده (١) مثلًا: سرقتَ بي المال الفلاني، وتقول رجله: بي خطوتَ إلى المعاصي، وتقول العين: بي نظرتَ إلى الحرام، وتقول الأذن: بي سمعتَ الغيبة والبُهتان، ومصداقُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. وشهادة - الجوارح وإن كُنَّ جمادات - ليست مستبعدةً؛ لأن البينة ليست شرطًا عند أهل السنة، قال الله تعالى: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. قوله: "ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام"؛ يعني: يُخلَّى العبدُ المجرمُ بينه وبين كلامِهِ، فيقول لجوارحه: "بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا". (بعدًا) و (سحقًا): من المصادر التي وجب حذفُ فعلها، وإنما وجب حذف فعلها؛ لأن كَثُرَ التلفظ بها، وفُهِمَ منها معنى الدعاء والإخبار، كما فُهِم من الفعل، فصارت كأنها بدل من اللفظ بالفعل، فلم يظهر الفعلُ معهنَّ حتى لا يجتمع البدل والمبدل. والضمير المخاطب في (لكنَّ) للجوارح. قوله: "فعنكُنَّ أناضل": قال في "الصحاح": فلان يناضلُ عن فلان: إذا تكلم بُعذرِهِ ودفعَ، وأصلُ المناضلة: المراماةُ بالسهام. والمراد بها ها هنا: المحاجَّة بالكلام؛ يعني: كنت أخاصمُ مع الله سبحانه

стр. 2621

لخلاصكن من النار، وأنتن تلقينَ أنفسكُنَّ في النار. * * * ٤٣٠٧ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: يا رسولَ الله! هلْ نرَى ربنا يومَ القِيامةِ؟ قال: "هلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيةِ الشَّمْسِ في الظَّهيرَةِ ليسَتْ في سَحابَةٍ؟ " قالوا: لا، قالَ: "فهل تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ ليسَ في سَحابَةٍ؟ " قالوا: لا، قالَ: "فوالذي نَفْسِي بيدِه، لا تُضَارُّونَ في رُؤْيةِ ربكُمْ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤْيةِ أَحَدِهما. قال: "فيَلقَى العَبْدَ فيقولُ: أيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ وأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وأُسخِّرْ لكَ الخَيْلَ والإِبلَ وأذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلَى". قالَ: "فيقولُ: أفَظننْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقولُ: لا، فيقولُ: فإنَّي قدْ أَنْساكَ كما نَسِيتَني، ثُمَ يَلقَى الثَّانيَ، فَذَكَرَ مِثْلَه، ثُمَّ يَلقَى الثَّالثَ فيقولُ لهُ مثلَ ذلكَ، فيقولُ: يا رَبِّ! آمَنْتُ بكَ وبكتابكَ وبرُسُلِكَ، وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويُثني بخَيْرٍ ما استَطاعَ، فيقولُ: ها هُنا إذًا، ثُمَّ يُقالُ: الآنَ نَبْعَثُ شاهِدًا علَيكَ، ويتَفَكَّرُ في نفسِهِ: مَنْ ذا الذي يَشْهَدُ عليَّ؟ فيُختَمُ على فيهِ، ويُقالُ لفَخِذِه: انْطِقي، فتنطِقُ فخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامُهُ بعَمَلِهِ، وذلكَ ليُعذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وذلكَ المُنافِقُ وذلك الذي سَخِطَ الله عَلَيهِ". قوله: "هل تُضارُّون في رؤيةِ الشمسِ في الظَّهيرةِ"، (الظهيرة): الهاجرة، وهي شدة الحرارة؛ يعني: نصف النهار. قال في "الغريبين": (تُضارُون) بالتخفيف: من (الضير)، والأصل فيه (تُضْيَرون) على وزن (تُفعَلون) علي بناء ما لم يُسمَّ فاعله، فنُقِلت حركة الياء إلى الضاد، فقُلِبت الياء ألفًا، فصار: يُضارُون. وبالتشديد: من (المضارة)، والمعنى واحد؛ أي: لا يخالفُ بعضكم

стр. 2622

بعضًا، فيكذبه، ولا تنازعون، يقال: ضاررته مضارة: إذا خالفته، يقال: ضاره يضير [هـ]، وأهل العالية [يقولون]: يضوره. يعني: لا ينالكم ضررٌ ولا ضيمٌ في رؤيته تعالى، وإنما بيَّن الرؤية عليه بهذه الكيفية، وأنزلها منزلةَ ما لا خفاءَ في رؤيته؛ يعني: رؤية الشمس في وقت الهاجرة؛ تحقيقًا لرؤيته سبحانه، وهذا التشبيهُ تشبيهُ الرائي بالرائي، لا تشبيه المرئي بالمرئي، تعالى الله عن سِمةِ الحدوث. واعلم أن رؤية الله تعالى واجبة لأهل الحق عندهم، وإنما وجبت؛ لأنه تعالى وعد بمنطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وبمفهوم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فإذا كان كذلك علمنا أن وعده واجب الوقوع لا محالةَ؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. قوله: "ألم أسوَّدْكَ"؛ أي: ألم أجعلك سيدًا. قال في "الصحاح": وقولهم في النداء: (يا فُلْ) مخففًا، وإنما هو محذوفٌ من (يا فلان)، لا على سبيل الترخيم، ولو كان ترخيمًا لقال: يا فُلا، وربما قيل ذلك في غيرِ النداءِ للضرورة، قال أبو النجم: في لَجَّةٍ أمسِكْ فلانًا عنْ فُلِ و (اللجية) بفتح اللام معناها: الاضطراب والحركة، و (فلان): كناية عن اسم إنسان. قوله: "ألم أكرمك وأسودك"؛ أي: ألم أجعلك سيدًا؟ والاستفهام هنا بمعنى التقرير، والواو في (وأذرك) عطف على قوله: (ألم أكرمك). قال في "شرح السنة": ويروى: "تَرأَسُ وتربعُ"، (ترأس)؛ أي: تكون رئيسهم، و (تربع)؛ أي: تأخذ المِرباعَ من أموالهم، وهو الربع من رأس

стр. 2623

ما غنموه إذا غزا بعضُهم بعضًا، كان الرئيسُ في الجاهلية يأخذه خالصة دون أصحابه. ويروى: "تَرْبَع وتَدْسَع"؛ أي: تعطي فتجزل، والعربُ تقول للجواد: هو ضخمُ الدَّسيعة، وهي الجفنة، وقيل: المائدة الكريمة. قوله: "ليُعذِرَ من نفسِهِ": وهو على بناء الفاعل من (الإعذار)، وهو ها هنا بمعنى أن يأتيَ الشخصُ بالعذر الصحيح من نفسه. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٣٠٨ - عن أبي أُمامَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "وَعَدَني ربي أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ منْ أُمَّتي سَبْعينَ ألفًا لا حِسابَ عَلَيهمْ ولا عذابَ، معَ كُلِّ ألفٍ سَبْعونَ أَلْفًا، وثلاثُ حَثَياتٍ منْ حَثَياتِ ربي". قوله: "وثلاث حَثَيات من حَثَياتِ ربي": و (ثلاث): نصب معطوف على قوله: (ألفًا). الحثية في اللغة: فعلة من (حثا يحثو ويحثي): إذا أخذ التراب ونثره على شيء؛ قال: الحُصْنُ أَدْنَى لو تَآيَيْتِهِ ... من حَثِيْكِ التُّرْبَ على الرَّاكبِ قال الأزهري: (الحُصنُ): حصانة المرأة، وتآييته؛ أي: تعمدته وقصدته، تقول امرأةٌ لِبنتها حين حثتِ الترابَ على وجه الراكب. والمراد ها هنا: قبضة من قبضاته؛ أي: عدد غير معلوم، كما أنَّ ما يُؤخَذُ بالكف من التراب أو غيره يكون غير محصور.

стр. 2624

فالمعنى - والله أعلم - أنه يكون مع هذا العدد عددٌ كثير غيرُ معلوم؛ لأن تخصيص الحثية أنها غير معلومة المقدار، كالكفِّ من التراب لا يعلم عدده. والحثيات فوق ثلاث لا يعلمُ عددهن إلا الله سبحانه، وتخصيص الثلاث أنه فردٌ كسبعين؛ لتتطابقا. * * * ٤٣٠٩ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فأَمَّا عَرْضَتانِ فجدالٌ ومَعاذيرُ، وأمَّا العَرْضَةُ الثَّالثةُ فعِنْدَ ذلكَ تَطَايَرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِي فآخِذٌ بيَمينهِ وآخِذٌ بشِمالِهِ"، ضعيف. قوله: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عَرَضاتٍ"؛ أما العرضة الأولى فللجدالِ، وهو عبارةٌ عن دفع العبد الذنوب عن نفسه، وتفصيها منها، ولا سيما الكافر يأبى إبلاع الرسول، ويقول: ما رأيته ولا جاءني، والنبيُّ ﷺ يجادله ويكذبه، ولا ينفصل الحال في ذلك الموقف، بل ينقضي بالجدال والنزاع، كما يطول ذلك في الدنيا بين يدي الحكام. والعرضة الثانية: للمعاذير، وهي جمع (معذور)، أو (معذورة)، والياء للإشباع كـ (مياسير) جمع: ميسرة، وحاصلها: أنه يعترف ويعتذر ويقول: فعلت سهوًا، واضطررت إليه على مذهب من يقول: العبد مجبرٌ على فعله. والعرضة الثالثة: لتطاير الصحف؛ أي: لقطع الخصومات، وإظهار الحق، وتقوية قول الأنبياء، وشهادة الحفظة على صدق العبد أو كذبه، وإنهاء الله العبيد بما قذفوه، وقد نسوا بعضه أو كله، أو افتروا وتقوَّلوا وأرادوا كتمان جرائمهم، ففضحهم الحقُّ على رؤوس الخلائق، وكذَّبهم، وصدَّق المحسن، وتفضل عليهم برحمته؛ لأنه وإن كان محسنًا، لكنه لو عدل معه استحقَّ النار؛ لأنه ما عمل عملًا في عمر قصير يستحقُّ به دخولَ دار السلام، والخلود فيه مدةً

стр. 2625

لا نهايةَ لها، وهذا معنى قوله ﷺ : "ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمته وفضله". ومفهوم قوله ﷺ : "إلا أن يتغمدني الله برحمته": أن نعيم الجنة هو الإنعام العظيم الذي لا توازيه طاعاتُ جميع الخلائق، ولو عُمَّروا ألوفًا، وإذا كان ذلك متناهيًا، ونعيم الجنة لا يتناهى، والمتناهي لا يقابل غيرَ المتناهي، فلا يتساويان، فلا بد من تداركِ الرحمةِ، ولو من كان، وأيضًا فطاعته في الدنيا صدرَتْ منه بتوفيقِ الحقَّ، فقد تقابلا، وزاد إعطاءَ الرزق والسلامة له، وهدايته، فقد تهدَّرت الطاعة في الدنيا، فخرج العبد يوم القيامة مُفِلسًا، والمفلسُ لا يستحقُّ شيئًا على أحد، فكيف يستحق مقعد صدق عند مليك مقتدر؟! فلا بد من تدارك الرحمة. والكافر لم يعمل حسنةً قط، ولا شكر الرزاق، ولا اهتدى، فكان مفلسًا في الدنيا من كلَّ الوجه، فلم يستحقَّ في الآخرة إلا أشد العذاب بما فرَّط من الجنايات العظيمة وكفران الخالق. قوله: "تطاير الصحف": أصله: تتطاير، (تطاير الشيء): تفرق، ذكره في "الصحاح". (الصحف): جمع صحيفة، وهي الكتاب. أما معناه: فإما إيصالُ الأجزية إلى أصحابها، فيُعطَى كلُّ ذي حقًّ حقه؛ إساءةً كانت أو إحسانًا، وإما تعريفُ كلَّ واحد منه ما يستحقه من بشارة أو خزي. قوله: "فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله"؛ يعني: فبعضُهم يأخذ ذلك الكتاب بيمينه، وبعضهم يأخذُ بشماله، أما الذي يأخذه بيمينه بفضله ورحمته، فهو من أهل السعادة، وأما الذي يُجبَرُ أن يأخذَهُ بشماله، فهو من أهل الشقاوة،

стр. 2626

أعاذنا الله من ذلك. * * * ٤٣١٠ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا منْ أُمَّتي على رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ، فيَنْشُرُ عليهِ تِسْعَةً وتسعينَ سِجِلًا، كُلُّ سِجلٍّ مِثلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يقولُ: أتُنْكِرُ مِنْ هذا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتي الحافِظونَ؟ فيقولُ: لا، يا رَبِّ! فيقولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ قالَ: لا، يا رَبِّ! فيقولُ: بَلَى، إنَّ لكَ عِنْدَنا حَسَنةً، وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيكَ اليَوْمَ، فتُخرَجُ بِطاقةٌ فيها: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولُ: احضُرْ وَزْنَكَ، فيقولُ: يا رَبِّ! ما هذهِ البطاقَةُ معَ هذهِ السَّجِلاتُ؟ فيقولُ: إنَّكَ لا تُظلَمُ، قال: فتُوضَعَ السِّجلاتُ في كَفَّةٍ والبطاقَةُ في كَفَّةٍ، فطاشَتِ السِّجلاتُ وثَقُلتِ البطاقَةُ، فلا يَثْقُلُ معَ اسمِ الله شَيْءٌ". قوله: "إن الله يستخلصُ رجلًا من أمتي على رؤوسِ الخلائقِ": (استخلص شيئًا)؛ أي: اختاره لنفسه. قوله: "كلُّ سِجلٍّ مثل مدِّ البصر"، (السِّجل): الكتاب، و (مدُّ البصر): عبارةٌ عما ينتهي إليه بصر الإنسان؛ يعني: كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتدُّ إليه البصر. قوله: "فتخرجُ بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، (البطاقة) بالكسر: رُقَيعةٌ تُوضَعُ في الثوب، فيها رقمُ الثمن بلغة أهل المصر، يقال: سميت بذلك؛ لأنها تُشبهُ بطاقةَ هذا الثوب، ذكره في "الصحاح". قوله: "فتُوضَعُ السجلاتُ في كفةٍ، والبطاقةُ في كفةٍ، فطاشت السجلاتُ، وثقلت البطاقةُ"، (طاشت)؛ أي: خفت، (الطيش): خفة العقل.

стр. 2627

إن قيل: الأعمال أعراضٌ، والأعراضُ لا يمكن وزنُها، إنما توزن الأجسام؟ قيل: إنه يوزن مجال الأعمال التي الأعمالُ مكتوبة فيها، وهي صحائف الأعمال. وقيل: إنه سبحانه يخلق في كفة ميزان السعداء ثقلًا، وفي كفة الأشقياء خفة؛ هي علامة للسعادة والشقاوة. والقولان متفرعان على مذهب من يجري الوزن والميزان على الظاهر، وهو مذهب أهل السنة. وأما مَن يحمله على المعنى فيقول: إن الوزنَ في الأجسام علامةٌ يُعرَف بها الربح والخسران، ففي الأعمال في الآخرة علامةٌ تظهر بها السعادة والشقاوة، نحو بياض الوجوه وسوادها عند مَن يحمله على المعنى، وهو مذهب المعتزلة والفلاسفة. قوله: "ولا يثقل مع اسم الله شيء"؛ أي: مَن كان معه ذِكرُ الله تعالى فلا يقاومه شيءٌ لا من المعاصي، بل يترجَّح الذَّكرُ على سائر المعاصي. * * * ٤٣١١ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها ذَكَرَت النَّارَ فَبَكَتْ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما يُبكيكِ؟ " قالت: ذَكَرْتُ النَّارَ فبَكيتُ، فهلْ تذكُرونَ أَهْليكُمْ يَوْمَ القِيامةِ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أمَّا في ثلاثةِ مَواطِنَ فلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أحدًا: عِنْدَ الميزانِ حتَّى يَعْلَمَ أيَخِفُّ ميزانُه أم يثقُلُ، وعندَ الكتابِ حينَ يُقالُ ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ حتَّى يَعْلَمَ أينَ يقعُ كتابُه أفي يمينهِ أمْ في شِمالِهِ أو منْ وراءِ ظهرِه، وعند الصِّراطِ إذا وُضعَ بينَ ظَهْراني جَهَنَّمَ".

стр. 2628

قوله: "إذا وُضعَ بين ظَهْرَي جهنم"، يقال: هو نازلٌ بين ظَهْرَي فلان؛ أي: بينه؛ يعني: موضعُ جسر أدقُّ من الشَّعر، وأحدُّ من السيف، فيمرُّ عليه الناسُ فيَعْبُره السُّعَداءُ، ويسقط منه الأشقياء في جهنم، أعاذنا الله من ذلك. * * * ٤ - باب الحَوْضِ والشَّفاعَةِ (باب الحوض والشفاعة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٣١٢ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "بَيْنا أنا أَسيرُ في الجنَّةِ إذا أَنا بنهْرٍ حافَّتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جِبْريلُ؟ قال: هذا الكَوثَرُ الذي أَعْطاكَ ربُّكَ، فإذا طِينُه مِسْكٌ أذفَرُ". قوله: "إذا أنا بنهرٍ حافتاه قِبَابُ الدُّرَّ المجوَّف"، (حافتاه)؛ أي: طَرَفا ٤ هـ. قال في "الصِّحاح": القُبَّة - بالضم - من البناء، والجمع: قُبَب وقِبَاب. (المُجَّوف): الشيء الذي له جوفٌ. قوله: "هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّك"، قال ابن عباس: الكَوثر: الخير الكثير، أعطاه الله إياه، وقيل: القرآن والنبوة، ذكره في "شرح السُّنَّة". قوله: "فإذا طِينُه مِسْكٌ أذفر"، (إذا أنا)، و (إذا طينُه): كلاهما للمفاجأة، وما بعده مبتدأ وخبره، ويجوز حذف خبره وإثباته، فـ (طينه): مبتدأ، و (أذفر): خبره، و (إذا): معمول (أذفر)، أو خبر بعد خبر، تقديره: إذا طينُه موجود هناك، ومع كونه موجودًا هو أذفر.

стр. 2629

و (ذَفِر) بكسر الفاء: شديد الرائحة. * * * ٤٣١٣ - وقالَ: "حَوْضي مَسيرةُ شَهْرٍ، وزَواياهُ سَواءٌ، ماؤُهُ أبيضُ مِنَ اللَّبن، وريحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وكِيزانُهُ كنُجومِ السَّماءِ، مَنْ يَشْرَبْ منها فلا يَظمأُ أبدًا". قوله: "حوضي مسيرةُ شهرٍ، وزواياه سواءٌ"، (مسيرة شهر): إضافة المصادر إلى الظروف بمعنى (في)، كـ (ضرب اليوم والليل)؛ أي: ضرب في اليوم والليل، وكذا مسيرة شهر؛ أي: مسيرة في الشهر؛ لأن الشهرَ صار ظرفَ المسير، إذ السيرُ حَدَثٌ، والأحداث إنما تقع في الأزمنة، ويجوز مجازًا أن يكون بمعنى اللام؛ أي: سيرٌ لا بد له من انقضاء شهر، وقد يُخصَّص انقضاءُ الشهر بذلك المسير. (الزوايا) جمع: زاوية، وهي الناحية والجانب؛ يعني: طوله وعَرضُه سواءٌ. قوله: "كِيزَانُه كنجوم السماء"، (الكِيزان) جمع: كوز؛ يعني: كِيزانُ حَوضي في الكثرة كعدد نجوم السماء. قوله: "مَن يَشربْ منها فلا يظمأ أبدًا"، الضمير في (منها) يعود إلى (الكِيزان)، وإنما لا يظمأ أبدًا؛ لأن الغفرانَ سببٌ للشرب منه، ومَن كان مغفورًا فلا يلحق إليه ما فيه ضررٌ، والظمأ مما فيه ضررٌ، فإذًا: لا يصير ظمآنَ. قوله: "أبيض من اللَّبن"؛ أي: أشدُّ بياضًا منه؛ لأن ما هو من العيوب والألوان لا يُبنى من لفظه صيغة أفعل التفضيل والتعجب، ولو كان ثلاثيًا؛ لأنه على تقدير المنشعبة؛ يعني: (بَيضَ) على تقدير: ابيضَّ وابياضَّ، و (عَوِرَ) على

стр. 2630

تقدير: اعورَّ واعوارَّ. * * * ٤٣١٤ - وقال: "إنَّ حَوْضي أَبْعَدُ مِنْ أيْلَةَ مِنْ عَدَنَ، لهوَ أَشَدُّ بَياضًا مِنَ الثَّلْجِ، وأَحْلَى مِنَ العسَلِ باللَّبن، ولآَنيَتُهُ أَكْثَرُ منْ عَدَدِ النُّجومِ، وإنَّي لأَصُدُّ النَّاسَ عنهُ كما يَصُدُّ الرَّجُلُ إبلَ النَّاسِ عنْ حَوْضهِ"، قالوا: يا رسولَ الله! أَتَعْرِفُنَا يومئذٍ؟ قال: "نعمْ، لكُمْ سِيما ليستْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًا مُحَجَّلينَ مِنْ أثَرِ الوُضُوءِ". ويُروَى: "تُرَى فيهِ أبارِيقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ كعَدَدِ نُجومِ السَّماءِ". ويُروَى: "يَغُتُّ فيهِ ميزابانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الجَنَّةِ، أَحَدُهُما مِنْ ذَهَبٍ، والآخَرُ من وَرِقٍ". قوله: "إن حَوضي أبعدُ من أَيْلَة من عَدَن"، قال الإمام التُّورِبشتي في "شرحه": يريد ما بين القُطرَين، و (أَيْلَة) بالياء المجرورة - يعني: الساكنة -: بلدة على الساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحرَ اليمن، و (عَدَن): آخر بلاد اليمن مما يلي بحرَ الهند، وفي حديث ثَوبان: "ما بين عَدَن إلى عمان". وفي حديث أنس: "كما بين أَيْلَة وصنعاء من اليَمَن". وفي حديث ابن عمر: "كما بين جَرْبا وأَذْرُح". وفي حديث حارثة بن وهب: "كما بين صنعاء والمدينة". وحديث عبد الله بن عمرو: "ومسيرة شهر". فإن قيل: إن بين هذه المقاديرَ من التفاوت ما لا يخفى على ذوي المعرفة بها؟ قلنا: إنما أخبر نبيُّ الله عن ذلك على طريق التقريب لا على التحديد،
следующие страницы →