٤٢٣٤ - عن أنس، عن رسولِ الله ﷺ قال: "يَتْبعُ الدَّجَّالَ منْ يَهودِ أَصْبَهانَ سَبْعونَ ألفًا عليهِمُ الطَّيَالِسَةُ".
قوله: "يتبع الدجال من اليهود أصفهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة ... " إلى آخره.
(الطيالسة): جمع الطيلسان.
* * *
٤٢٣٥ - وقالَ: "يأتي الدَّجَّالُ، وهوَ مُحَرَّمٌ عليهِ أنْ يَدخُلَ نِقابَ المَدينةِ، فينزِلُ بَعْضَ السِّباخِ التي تَلي المَدينَةَ، فيخرُجُ إليهِ رَجُلٌ، وهو خَيْرُ النَّاسِ، أو منْ خِيارِ النَّاسِ، فيقولُ: أَشْهدُ أنَّكَ الدَّجَّالُ الذي حَدَّثَنا رسولُ الله ﷺ حَديثَهُ، فيقولُ الدَّجَّالُ: أرأَيْتُمْ إنْ قَتلتُ هذا ثمَّ أَحْيَيْتُهُ هلْ تَشُكُّونَ في الأَمْرِ؟ فيقولونَ: لا، فيقتُلُهُ ثمَّ يُحْييهِ، فيقولُ: والله ما كُنْتُ فيكَ أَشَدَّ بَصيرةً منِّي اليَوْمَ، فيُريدُ الدَّجَّالُ أنْ يقتُلَهُ فلا يُسلَّطُ عليهِ".
"النِّقاب": جمع نقب، وهو الطريق بين الجبلين، ذكره في "الغريبين".
* * *
٤٢٣٦ - عن أبي هريرةَ عن رسولِ الله ﷺ قال: "يأتي المَسيحُ منْ قِبَلِ المَشْرِقِ هِمَّتُهُ المَدينةُ، حتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثمَّ تَصْرِفُ الملائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وهُنالِكَ يَهلِكُ".
قوله: "حتى ينزل دبر أحد ... " إلى آخره.
الدُّبُرُ والدُّبْرُ: الظَّهرُ، قاله في "منتخب الصحاح".
يعني: ينزل الدجالُ خلفَ جبل أحد، ثم تصرفُ الملائكةُ وجهه نحوَ الشام.
* * *
стр. 2557
٤٢٣٧ - وعن أبي بَكرَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لا يَدخُلُ المَدينَةَ رُعْبَ المَسيحِ الدَّجَّالِ، لها يَوْمَئِذٍ سَبعةُ أبوابٍ عَلَى كلِّ بابٍ مَلَكانِ".
قوله: "رعبَ المسيح"؛ أي: خوفه.
* * *
٤٢٣٨ - عن فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ قالت: سَمِعْتُ مُنادِيَ رسولِ الله ﷺ يُنادِي: الصَّلاةَ جامِعَةً، فخَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ جَلَسَ عَلَى المِنبرِ وهوَ يَضْحَكُ فقال: "لِيَلزَم كلُّ إنْسانٍ مُصَلاهُ"، ثُمَّ قال: "هلْ تَدرونَ لِمَ جَمعتُكُمْ؟ " قالوا: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: "إِنَّي والله ما جَمَعْتُكُم لرَغْبةٍ ولا لرَهْبَةٍ، ولكنْ جَمَعتُكُمْ لأَنَّ تَميمًا الدَّارِيَّ كانَ رَجُلاً نَصْرانِيًّا، فجاءَ وأَسْلَمَ، وحَدَّثَني حَديثًا وافَقَ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم بهِ عنِ المَسيحِ الدَّجَّالِ، حدَّثَني أنَّهُ ركِبَ في سَفينةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثلاثينَ رَجُلًا منْ لَخْمٍ وجُذامَ، فلَعِبَ بهم المَوْجُ شَهْرًا في البَحْرِ، فَأَرْفَؤُوا إلى جَزيرةٍ حينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، فجَلَسُوا في أَقْرُبِ السَّفينةِ فدخَلُوا الجزيرةَ، فلقِيَتهُمْ دابَّةٌ أَهْلَبُ كثيرُ الشَّعَرِ، لا يَدْرونَ ما قُبُلُهُ منْ دُبُرِهِ منْ كثرةِ الشَّعَرِ، قالوا: ويلَكِ ما أنتِ؟ قالت: أنا الجَسَّاسَةُ، انطلِقُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ فإنَّهُ إلى خَبَرِكُمْ بالأشْواقِ، قال: لمَّا سَمَّتْ لنا رجلًا فَرِقْنا منها أنْ تكونَ شَيطانةً، قال: فانطلَقْنا سِراعًا حتَّى دخَلْنا الدَّيْرَ، فإذا فيهِ أَعْظَمُ إِنْسانٍ ما رأيناهُ قطُّ خَلْقًا، وأشدُّهُ وِثاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ ما بينَ رُكبَتِهِ إلى كَعْبهِ بالحَديدِ، قُلنا: وَيْلَكَ ما أنتَ؟ قال: قدْ قَدَرْتُمْ علَى خَبرِي فأخبروني ما أنتُمْ؟ قالوا: نَحْنُ أُناسٌ مِنَ العَرَبِ ركِبنا في سَفينَةٍ بَحْريَّةٍ فلَعِبَ بنا البَحرُ شَهْرًا فدَخَلْنا الجزيرةَ، فلَقِيَتْنا دابَّةٌ أهْلَبُ فقالت: أنا الجَسَّاسَةُ، اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجلِ في الدَّيْرِ، فأقبَلْنا إليكَ سِرَاعًا، فقال: أَخْبروني عنْ نَخْلِ بَيْسانَ هلْ تُثمِرُ؟ قُلْنا: نَعَم، ثُمَّ قال: أَما إنَّها يُوشِكُ أنْ
стр. 2558
لا تُثْمِرَ، قال: أَخْبروني عنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ هلْ فيها ماءٌ؟ قلنا: هيَ كثيرةُ الماءِ، قال: أَما إنَّ ماءَها يُوشِكُ أنْ يذهَبَ، قال: أَخْبروني عنْ عَيْنِ زُغَرَ هلْ في العينِ ماءٌ؟ وهلْ يَزْرَعُ أهلُها بماءِ العَيْنِ؟ قلنا: نعمْ، هيَ كثيرةُ الماءِ، وأهلُها يزرَعونَ مِنْ مائِها، قال: أَخْبروني عنْ نَبيَّ الأُمِّيينَ ما فعلَ؟ قالوا: قد خرجَ من مكةَ ونزلَ يثربَ، قال: أقاتَله العربُ؟ قلنا نعم، قال: كيفَ صَنَعَ بهمْ؟ فأخبرناهُ أنَّهُ قدْ ظَهَرَ علَى مَنْ يَليهِ مِنَ العَرَبِ وأطاعوهُ، قال: أَمَا إنَّ ذلكَ خَيْرٌ لهمْ أنْ يُطيعوهُ، وإنَّي مُخبرُكُم عنَّي، إنَّي أنا المَسِيحُ، وإني أُوشِكُ أنْ يُؤْذَنَ لي في الخُروجِ فأَخْرُجَ فأَسيرَ في الأَرْضِ فلا أَدَعَ قريةً إلَّا هَبَطْتُها في أربعينَ ليلةً غيرَ مكَّةَ وطَيْبَةَ، هُما مُحَرَّمَتانِ عليَّ كِلتاهُما، كُلَّما أَردْتُ أنْ أَدْخُلَ واحِدَةً مِنهُما استقبَلَني مَلَكٌ بيدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عنها، وإنَّ على كلَّ نَقْبٍ منها ملائِكَةً يَحرُسونَها"، قالَ رسولُ الله ﷺ ، وطَعَنَ بمِخْصَرتِهِ في المِنْبَرِ: "هذِه طَيْبَةُ، هذِه طَيْبَةُ، هذه طيبةُ"، يَعني: المَدينَةَ، "ألا هلْ كنتُ حَدَّثْتُكُمْ؟ " فقالَ النَّاسُ: نعمْ، قال: "ألا إِنَّهُ في بَحْرِ الشَّامِ أوْ بحْرِ اليَمَنِ، لا بَلْ منْ قِبَلِ المَشرِقِ ما هُوَ"، وأَوْمَأَ بيدِه إلى المَشرِقِ.
قولها: "ينادي: الصلاة جامعة": في إعرابهما أربعُ صور: رفعهما؛ لكونهما مبتدأ وخبرًا، ونصبهما على تقدير: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة، ورفع الأول ونصب الثاني على تقدير: هذه الصلاة في حال كونها جامعة، ونصب الأول ورفع الثاني على تقدير: احضروا الصلاة وهي جامعة، وعلى التقديرات الأربع محلُّ الجملة نصب؛ لكونها مفعول يُنادي، ومفعوله حكاية؛ لأن فيه معنى القول.
قوله: "لَخْمٍ وجُذامٍ": قبيلتان.
قال الخطابي في "معالمه": "فأرْفَؤوا إلى جزيرة" معناه: أنهم قرَّبوا السفينة إليها، يقال: أرفأت السفينة: إذا قربتها من الساحل، وهذا مرفأ السفن.
стр. 2559
و"أَقْرُب السفينة": يريد بها القوارب، وهي سفنٌ صغارٌ تكون مع السفن البحرية، كالجنائب لها، تتخذ لحوائجهم، واحدها: قارب، فأما (الأَقْرُب)؛ فإنه جمعٌ على غير قياس.
و"الجسَّاسة": يقال: إنها تجسِّسُ الأخبارَ للدجَّال، وبه سُمِّيت جسَّاسة.
و"الأهْلَب": الكثير الهلب، والهلب: الشعر، هذا كله لفظ الخطابي.
(الأهلب): الفرسُ الكثير الشعر. ذكره في "منتخب الصحاح".
"بيسان" بالباء المنقوطة تحتها بنقطة، وبعدها ياء منقوطة تحتها بنقطتين: موضعٌ ينسب إليه الخمر.
و"الزُّغَز" بالزاي والغين المعجمة: موضعٌ قليل النبات.
وقيل: (زُغَز) لا ينصرف، فإن كان كما زعم الكلبي: أنه اسم امرأة؛ للتعريف والتأنيث، فهو كامرأة سَمَّيتها بسفر، وإن كان (زُغَر) اسمَ رجلٍ ونُقِلَ غيرَ منصرف، فوجهه أنه كـ (عمر)، أصله: زاغر، لا ينصرفُ للعلمية والعدل.
وقيل: علم للبقعة، واشتقاقه من (زغرَ الماء) بمعنى: زخر؛ إما أصلٌ، وإما بدلٌ من الخاء؛ لأن الغين والخاء من حروف الحلق، وبينهما تناسُبٌ.
قوله: "بيده السيفُ صُلتًا"، (أصلَتَ السيفَ): إذا جرَّده من غمده، (صلتًا)؛ أي: مصلتًا، وهو مسلول.
قوله: "وطعن بمِخْصَرتهِ في المنبر"، (المِخْصَرة): كالسوط، وكلُّ ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه من عصا ونحوها، ذكره في "منتخب الصحاح".
سُمِّيت المدينة "طيبة"؛ لأنها طاهرة من الخبث والنفاق، كما قال ﷺ في المدينة: "المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها"، ذكره في "شرح السنة".
قوله: "ألا إنَّه في بحرِ الشامِ، أو بحرِ اليمنِ، لا بل مِنْ قِبَلِ المشرقِ
стр. 2560
ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق": يحتملُ أن يكونَ لتردده ﷺ في ذلك الزمان؛ لأنه ما كان نزل عليه في ذلك وحيٌ مصرِّحٌ بمحله، بل على الاحتمال كما في علم الساعة.
ويحتمل أن يكون لتنقُّلِ الدجَّال في هذه المواضع الثلاثة بمعنى: أنه لا يتجاوزُ هذه المواضع الثلاث، بل كل وقت يتنقلُ من هذه الأمكنة بعضها إلى بعض، فيكون في الأخبار نظير (أو) الإباحاة في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ أي: لا تتجاوزهما.
و (ما) في (ما هو) بمعنى الذي؛ أي: الجانب الذي هو فيه.
(أومأ)؛ أي: أشار.
* * *
٤٢٣٩ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "رأيتُني الليلَةَ عِنْدَ الكعبةِ، فرأيتُ رَجُلًا آدمَ كأَحْسَنِ ما أنتَ راءٍ منْ أُدْمِ الرِّجالِ، لهُ لِمَّةٌ كأَحْسَنِ ما أنتَ راءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قد رجَّلَها فهيَ تقطُرُ ماءً، مُتَّكِئًا على عَواتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بالبيتِ، فسألتُ مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا المَسيحُ ابن مريمَ"، قال: ثمَّ إذا أنا برجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أعوَرِ العَيْنِ اليُمنَى، كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيةٌ، كأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بابن قَطَنٍ، واضعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطوفُ بالبيتِ، فسألتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا المَسِيحُ الدَّجَّالُ".
وفي رِوايةٍ: قالَ في الدَّجَّال: "رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسيمٌ، جَعدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَينهِ اليُمنَى، أقرَبُ النَّاسِ بهِ شَبَهًا ابن قَطَنٍ".
قوله: "رأيتني الليلة": اعلم أنه لا يجوزُ اجتماعُ ضمير الفاعل والمفعول في شخص واحد؛ يعني: لا يجوز أن تقول: ضربتُني؛ التاء التي هي الفاعل، والياء في لفظة (ني) هي للمفعول، كلاهما ضمير نفسك في اللفظ والمعنى.
стр. 2561
أما أفعال القلوب فيجوزُ فيها اجتماعُ ضمير الفاعل والمفعول لشخص واحد، كقولك: ظننتُني منطلقًا، والتاء في لفظة (ظننت) فاعل، والتاء في لفظة (ني) مفعول في اللفظ دون المعنى؛ لأن ظنك واقعٌ على انطلاقك، لا على ذاتك؛ لأنه لا شكَّ لك في ذاتك، فإذا كان كذلك، لم يجتمعْ ضميرُ الفاعل والمفعول في الحقيقة؛ لأن المفعول الثاني هو الحقيقي، إذ هو المظنون وغيره المحقق.
وأما (رأيتني) فهو بمعنى: علمتني، والياء مفعوله الأول، و (عند الكعبة) هو الثاني، تقديره: وعلمت نفسي حاصلًا عند الكعبة.
قوله: "له لِمَّةٌ كأحسنِ ما أنت راءٍ من اللِّمَم": (اللِّمة): الشعر الذي تجاوزَ شحمةَ الأذن، (لمم): جمعها.
و"قد رجَّلها"؛ أي: قد سرَّحها وامتشطها.
"العواتق": جمع عاتق، وهو موضع الرداء من الكتف.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٤٠ - عن فاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ في حديثِ تَميمٍ الدَّارِيِّ قال: فإذا أنا بامرأةٍ تجُرُّ شَعْرَها، قال: ما أَنْتِ؟ قالت: أنا الجَسَّاسَةُ، اذهَبْ إلى ذلكَ القَصْرِ، فأتيتُهُ، فإذا رَجُلٌ يجُرُّ شَعْرَهُ، مُسَلْسَلٌ في الأَغْلالِ، يَنْزُو فيما بينَ السَّماءِ والأَرْضِ، فقُلت: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا الدَّجَّالُ.
قولها في حديث تميم الداري: "فإذا أنا بامرأةٍ تجرُّ شعرَها": (إذا) للمفاجأة، وهي ظرف مكان يقع خبرًا عن الجثة، وبعده مبتدأ خبره جائزُ الحذفِ.
стр. 2562
(أنا): مبتدأ، و (بامرأة): خبره، و (تجر شعرها): صفة للمرأة.
وقيل: (إذا) خبرُهُ يجبُ تقديمُه، ولا حاجةَ إلى إضمار خبر آخر، وجعل (إذا) متعلقًا بذلك المحذوف؛ لأن هذا الكلام مفيدٌ، فلا حاجةَ إلى الإضمار، تقول: خرجت فإذا زيد؛ أي: هناك زيد، أو بالحضرة زيد، والعامل في (إذا) استقراره؛ يعني: الفعل المقدر الذي هو متعلقه، والعامل في (بامرأة)؛ إما هو الاستقرار، أو نائبه، وهو (إذا).
يعني: قال تميم الداري: رأيتُ فجأةً في بعض أسفاري امرأة كثيرة الشعر، فقلت لها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، ومعنى الجساسة ذُكِرَ قبيل هذا.
وفي هذا الحديث رُوِي: أن الجساسة امرأة، وفي الحديث المتقدم رُوِي: أن الجساسة دابة، ويحتمل أن الجمعَ بين الحديثين: أن للدجال جاسوسين دابة وامرأة؛ ففي الحديث المتقدم قد رُئيت الدابة، وفي هذا الحديث قد رُئيت المرأة.
ويحتمل أن كلاهما شيطان واحد، إلا أن في الحديث الأول: أنه قد رُئي على صورة دابة، وفي هذا الحديث: على صورة امرأة، والشيطانُ يتصوَّرُ على أية صورة شاء.
قوله: "فإذا رجل يجرُّ شعرَهُ مسلسلٌ في الأغلال ... " إلى آخره.
(مُسلسل): اسم مفعول من (سلسل) مضاعف فعلل، وهو بمعنى: علق.
"يَنْزُو"؛ أي: يتحرَّك ويثب مع القيد؛ يعني: فأتيت ذلك القصر، فرأيت رجلًا كثيرَ الشعر مقيدًا بالسلاسل والأغلال معلقًا بين السماء والأرض، ومع ذلك القيدِ والغلِّ كان مضطربًا بلا قرارٍ.
* * *
стр. 2563
٤٢٤١ - عن عُبادَة بن الصَّامِت، عن رَسولِ الله ﷺ قال: "إنِّي حَدَّثتُكُمْ عنِ الدَّجَّالِ حتَّى خَشِيْتُ أنْ لا تَعْقِلوا، إنَّ المَسيحَ الدَّجَّالَ رَجُلٌ قَصيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أعوَرُ، مَطْموسُ العينِ، ليستْ بناتِئَةٍ ولا حَجْراءَ، فإنْ أُلْبسَ عليكُمْ فاعلَمُوا أنَّ ربَّكُمْ ليسَ بأَعوَرَ".
قوله: "حتى خشيتُ أن لا تعقِلوا"؛ يعني: خشيت أن لا تفهموا ما حدثتكم في شأن الدجال، أو تنسوه من كثرة ما قلتُ من وصفه: "إن المسيحَ الدجال" مكسور الهمز؛ لأنه مفتتح الكلام.
"الفَحَج": تباعدُ ما بين الساقين في الإنسان والدابة.
"مطموسُ العين"؛ أي: ذاهب أثرها من غير محق، من (طمس): إذا ذهب أثرُ الشيء وانمحى.
قوله: "ولا حَجْراء"؛ أي: عينه ليست بمنخفضة ولا مرتفعة.
و (الجَحْراء) بتقديم الجيم: العين التي قد انخسفت، فبقي مكانها غائرًا كالجحر.
قوله: "فإن أُلبسَ عليكم فاعلموا أنَّ ربَّكم ليس بأعورَ"، (الإلباس): الخلط والاشتباه؛ أي: إن اشتبهَ عليكم دعواه الكاذبة في الهيئة، فاعلموا أن هذا ليس بإله لنقصانه، وهو العور، وربكم ليس بأعور؛ يعني: فاعلموا أنه تعالى منَّزهٌ عن سمة الحدوث، فضلًا عن النقائص والعيوب، وفيه دليلٌ على جواز إثبات ذاته تعالى وصفاته القديمة بالمعقول؛ إذ كلُّ ما في الوجود من الحوادث لا بدَّ لها من أن تنتهي إلى شيء يقوم بنفسه، ولا يحتاج إلى مُوجِد، وذلك المُنتهى إليه الدالُّ عليه البرهانُ العقلي هو واجبٌ بنفسه، مُستغنٍ عن غيره، وهو المعبودُ الحقُّ الذي يُسمَّى إلهًا.
والوهمُ لكثرة ما يُشاهِدَ القائم بغيره يُشكك، ويقول: كيف يقوم شيء
стр. 2564
بنفسه؟ فيغفل عن الدلالة العقلية، إذ لو لم ينتهِ إلى واجب الوجود بذاته؛ لزم منه الدور أو التسلسل، وكلاهما محالٌ، فجاء البرهان العقلي، فقطع الوهم عن أصله، وأثبت واجبَ الوجود بنفسه.
* * *
٤٢٤٢ - عن أبي عُبَيْدةَ بن الجَرَّاحِ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّهُ لمْ يكُنْ نبيٌّ بعدَ نُوحٍ إلَّا قدْ أنذَرَ الدَّجَّالَ قومَهُ، وإنِّي أُنْذِرُكُموهُ"، فَوَصَفَهُ لنا فقالَ: "لعلَّهُ سيُدْرِكُهُ بعضُ مَنْ رآني أو سمِعَ كلامي"، قالوا: يا رسولَ الله! فكيفَ قُلوبنا يَوْمَئِذٍ؟ قال: "مِثْلُها - يعني: اليومَ - أو خَيْرٌ".
قوله: "بعضُ من رآني أو سمع كلامي": والمراد بمن سمع كلامَهُ: مَن وصل إليه الأحاديث، وإن كان بعدَ طول زمان.
* * *
٤٢٤٤ - عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عنهُ، فوالله إنَّ الرَّجُلَ لَيأْتِيهِ وهو يَحسِبُ أنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بهِ مِنَ الشُّبُهاتِ".
قوله: "من سمع بالدجَّال فلينْأَ منه"؛ أي: من سمعَ بخروج الدجَّال، فليبعدْ منه.
قوله: "فوالله إن الرجلَ ليأتيه وهو يحسبُ أنه مؤمنٌ، فيَّتبعُهُ مما يُبعَثُ به من الشُّبهات"؛ يعني: أن الرجل الذي يحسب أنه مؤمنٌ يأتي الدجالَ، فيتبعه من أجل ما يبعث به - أي: يثيره - من الشبهات؛ يعني: السحر، أو إحياء الأموات، وغير ذلك.
стр. 2565
فإذا أكَّد رسولُ الله ﷺ إتباعَ بعض أمته الدجَّالَ باليمين بالله سبحانه، فينبغي لمن سمع خروجه أن لا يأمنَ من فتنته، ويبعدَ منه بُعدَ المشرقين، حتى لا يقعَ في تلك الفتنة، فإنها عظيمة، بل أعظمُ الفتن، وتُهلِك مَنْ تهلك، والمعصومُ من عصمه الله .
* * *
٤٢٤٥ - عن أسماءَ بنتِ يَزيدَ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَمْكُثُ الدَّجَّالُ في الأَرْضِ أَرْبعينَ سَنَةً، السَّنَةُ كالشَّهْرِ، والشَّهْرُ كالجُمُعةِ، والجُمُعةُ كاليَوْمِ، واليَوْمُ كاضْطِرامِ السَّعَفَةِ في النَّارِ".
قوله: "كاضطرام السَّعَفَةِ في النار"، (الاضطرام): افتعال من (الضرام)، وهو اشتعال النار، وأصله: اضترام، قُلبت التاء طاء؛ لتجانس الطاء والضاد؛ لأنهما من حروف الإطباق.
(السَّعَفة) بفتح العين: واحدة السَّعف، وهو غصن النخيل، قاله في "الصحاح".
يعني: كسرعة التهاب النار بورق النخل.
* * *
٤٢٤٦ - عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ منْ أُمَّتي سَبعونَ ألفًا عليهِمُ السِّيجانُ".
"السِّيجان": جمع الساج، وهو الطيلسان الأخضر.
* * *
٤٢٤٧ - عن أَسْماءَ بنتِ يَزيدَ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ في بَيتي، فذكرَ
стр. 2566
الدَّجَّالَ فقال: "إنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ثلاثَ سِنينَ: سنةٌ تُمْسِكُ السَّماءُ فيها ثُلُثَ قَطْرِها والأَرْضُ ثُلُثَ نبَاتِها، والثَّانِيةُ تُمْسِكُ السَّماءُ ثلُثَيْ قَطْرِها والأَرْضُ ثلُثَيْ نبَاتِها، والثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّماءُ قَطْرَها كُلَّهُ والأَرْضُ نبَاتَها كُلَّهُ، فلا يبقَى ذاتُ ظِلْفٍ ولا ذَاتُ ضرْسٍ مِنَ البَهائِمِ إلَّا هلكَ، وإنَّ أَشَدَّ فِتنَتِهِ أنَّهُ يأتي الأَعْرابيَّ فيقولُ: أرأَيْتَ إنْ أحيَيْتُ لكَ إبلَكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أنِّي رَبُّكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيُمثَّلُ لهُ نحوَ إبلِهِ كأَحْسَنِ ما يكونُ ضُرُوعًا وأَعْظَمِهِ أَسْنِمَةً" قال: "ويأتي الرَّجُلَ قدْ ماتَ أَخُوهُ، وماتَ أبوهُ، فيقولُ: أرأيتَ إنْ أَحْيَيْتُ لكَ أباكَ وأخاكَ ألسْتَ تَعْلَمُ أنِّي ربُّكَ؟ فيقولُ: بَلَى، فيُمَثَّلَ لهُ الشَّياطِينُ نحوَ أبيهِ ونَحْوَ أخيهِ"، قالت: ثُمَّ خَرَجَ رسولُ الله ﷺ وسلم لحاجَتِهِ، ثمَّ رَجَعَ والقَومُ في اهتِمامٍ وغَمٍّ ممَّا حدَّثهُمْ، قالت: فأخذَ بِلُجْمتَي البابِ فقالَ: "مَهْيَمْ أسماءُ؟ " قلتُ: يا رسولَ الله! لقدْ خَلَعْتَ أفئِدَتَنَا بذِكرِ الدَّجَّالِ، قال: "إنْ يَخْرُجْ وأنا حَيٌّ فأنا حَجِيجُهُ، وإلَّا فإنَّ ربي خَليفَتي على كُلِّ مُؤمنٍ"، فقُلتُ: يا رسولَ الله! والله إنَّا لَنَعْجنُ عَجينَنا، فما نَخْبزُهُ حتَّى نَجُوعَ، فكيفَ بالمُؤْمنينَ يَوْمَئِذٍ؟ قال: "يَجْزِيهِمْ ما يُجْزِي أهلَ السَّماءِ مِنَ التَّسبيح والتَّقْديسِ".
قوله: "فلا يبقى ذات ظِلْفٍ، ولا ذات ضرسٍ من البهائم"، (ذات الظلف): عبارة عن البقر والشاء والظبي، و (ذات الضرس): عبارة عن السباع.
قوله: "أرأيت إن أحييت"، (أرأيت)؛ أي: أخبرني.
(أرأيت) معناه: أعلمت، أو شاهدت؟ فإذا كان كذلك فمعناه: أخبرني عما شاهدت، فلما كان الرؤية والعلم سببين لحصول العلم، جاز أن يطلبَ منه أن يخبره بذلك.
قوله: "بلُحْمَتَي البابِ"؛ أي: بعضادتيه وعضديه.
стр. 2567
قوله: "مَهْيَمْ"، (مهيم): كلمة يمانية معناه: ما لك؟ وما شأنك؟ و (أسماء) منادى مفرد معرفة، وحُذِفَ منه حرف النداء تخفيفًا، تقديره: يا أسماء.
قوله: "والله إنا لنعجِنُ عجينَنا فما نقدرُ أن نخبزَهُ حتى نجوعَ" الحديث.
يعني: إنا لنعجن الدقيقَ ونهيئه للخبز، فما نقدر أن نخبزه لأجل هَمٍّ عظيم خلعَ أفئدتنا، وحيَّر عقولَنا بذكر الدجال، فكيف حال من ابتلى بزمانه؟ فقال رسول الله ﷺ : "يُجزِئهم ما يُجزِئ أهلَ السماءِ من التسبيح والتقديس".
يعني: يكفيهم ما يكفي الملأ الأعلى من التسبيح والتقديس؛ يعني: من ابتلي بزمانه في ذلك اليوم لا يحتاجُ إلى الأكل والشرب، كما لا يحتاجُ الملأ الأعلى إليهما.
* * *
٥ - باب قِصَّةِ ابن الصَّيَّادِ
(باب قصة ابن الصياد)
قيل: ابن صيَّاد ليس بدجَّال، بل هو يهودي وُلِدَ في المدينة، ومعروف أبواه، وقيل: هو دجَّال.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٤٨ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أنَّ عُمرَ بن الخَطَابِ انطلقَ معَ رسولِ الله ﷺ في رَهْطٍ منْ أَصْحابهِ قِبَلَ ابن صيَّادٍ حتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ معَ الصِّبيانِ في أُطُمِ بني مَغالةَ، وقدْ قارَبَ ابن صيَّادٍ يَوْمَئذٍ الحُلُمَ، فَلَمْ يَشعُرْ حتَّى ضَرَبَ رسولُ الله ﷺ ظَهْرَهُ بيدِه ثمَّ قالَ: "أتشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟ " فنظرَ إليهِ فقالَ: أَشْهَدُ أنَّكَ رسولُ الأُمِّيينَ، ثُمَّ قال ابن صيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟
стр. 2568
فَرَضَّهُ النبيُّ ﷺ ، ثُمَّ قالَ: "آمنتُ بالله ورسولِهِ"، ثُمَّ قالَ لابن صيّادٍ: "ماذا تَرَى؟ " قال: يأتِيني صادِقٌ وكاذِبٌ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "خُلِّطَ عَلَيكَ الأمرُ"، قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنِّي خَبأْتُ لكَ خَبيئًا"، وخَبأَ لهُ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، فقالَ: هوَ الدُّخُّ، قالَ: "اخْسَأْ، فلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ"، قال عُمَرُ: يا رسولَ الله! أتأذَنُ لي فيهِ أضْرِبْ عنُقَه؟ قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنْ يَكُنْ هوَ فلا تُسلَّطُ عليهِ، وإنْ لمْ يكُنْ هوَ فلا خيرَ لكَ في قتلِهِ"، قال ابن عمرَ: انطلقَ بعدَ ذلكَ رسولُ الله ﷺ وأُبَيُّ بن كَعْبٍ الأَنْصارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ التي فيها ابن صيَّادٍ، فطَفِقَ رسولُ الله ﷺ يتَّقي بجُذوعِ النَّخْلِ، وهوَ يَخْتِلُ أنْ يسمعَ منْ ابن صيَّادٍ شيئًا قبلَ أنْ يراهُ، وابن صيَّادٍ مُضْطَجِعٌ علَى فِراشِهِ في قَطِيفَةٍ لهُ فيها زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أمُّ ابن صيَّادٍ النَّبيَّ ﷺ وهوَ يتَّقي بجُذوعِ النَّخْلِ فقالت: أيْ صَافِ! وهوَ اسمُه، هذا مُحَمَّدٌ، فَتَنَاهَى ابن صيَّادٍ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "لو تَرَكَتْهُ بيَّنَ"، قالَ عبدُ الله بن عُمَرَ: قامَ رسولُ الله ﷺ في النَّاس فأثنَى على الله بما هوَ أَهْلُهُ، ثمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فقالَ: "إنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وما منْ نبَيٍّ إلا وقدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لقد أنذرَهُ نُوحٌ قومهُ، ولكنِّي سأقولُ لكمْ فيهِ قَوْلًا لمْ يقلْهُ نبيٌّ لقومِهِ: تعلمونَ أنَّهُ أَعْوَرُ، وأنَّ الله ليسَ بأَعْوَرَ".
قوله: "في رهط من أصحابه"، (الرهط): ما دونَ العشرةِ من الرجال، لا يكون فيه امرأةٌ، وهو اسمُ مفرد وُضعَ للجمع.
قوله: "حتى وجدوه يلعب"، (حتى) ها هنا: حرفُ ابتداءٍ يُستأنَفُ بعده الكلام، ويفيدُ انتهاءَ الغاية، و (يلعب) حال من الضمير المنصوب في (وجدوه)، والعامل فيه ما يعمل في ذي الحال، وهو قوله: (وجدوا).
و"الأُطُم": جمع آطام، وهو الحصن.
"رصَّه" بالصاد غير المعجمة؛ أي: ضغطه وضمَّ بعضه إلى بعض، ومنه:
стр. 2569
﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
قال في "شرح السنة": (رضَّه) بالضاد المعجمة؛ أي: كسره.
قال الخطابي: صوابه: أن يكون بالصاد غير المعجمة.
قوله: "ماذا ترى؟ قال: يأتيني صادقٌ وكاذبٌ"؛ يعني: قال له رسولُ الله ﷺ : يأتيك ما يقول لك؟ قال: يحدثني بشيء قد يكون صادقًا، وقد يكون كاذبًا، فقال له رسول الله ﷺ : "خُلِّط عليك الأمرُ"؛ يعني: هو شيطان يغويك، فيخلط عليك الكذب بالصدق.
(خَبَأ): أضمر.
"الدُّخُّ": الدخان.
قال الشاعر:
عندَ رواقِ البيتِ يغشَى الدُّخَّا
أي: تلقي الدخان عنده.
قوله: "اخسَأْ فلنْ تعدوَ قدرَك": (اخسأ): كلمة زجر للكلب، استعمله فيه حقارة له؛ يعني: أبعِدْ عن الإخبار بالمغيبات، أين أنت عن هذا؟
(فإنك لن تعدو قدرك)؛ يعني: لن تقدر على الإخبار عن الغيب، فإنك لست بنبي، ولا الذي يأتيك ملك، بل شيطان أو جني، فإذا كان كذلك، فلا يحصل لك علمُ الغيب لا محالة.
قوله: "إن يكنْ هوَ لا تُسلَّط عليه": (هو) ضمير الدجال؛ يعني: إن يكن الدجَّال ابن صياد، فلا تقدر أن تقتله؛ لأن قاتله يكون عيسى ﷺ .
قال الخطابي في "المعالم": وقد اختلف الناسُ في أمر ابن الصياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره حتى قيل فيه كلُّ قول.
стр. 2570
وقد يسأل عن هذا فيقال: كيف بقَّى رسولُ الله ﷺ رجلًا يدَّعي النبوة كاذبًا، ويتركه بالمدينة يساكنه في داره، ويجاوره فيها؟ وما معنى ذلك؟ وما وجُه امتحانه إياه بما خبأ له من آية الدخان؟ وقوله بعد ذلك: "اخسأ فلن تعدو قدرك"؟
قلت: والذي عندي: أن هذه القصة إنما جرت معه أيامَ مهادنة رسول الله ﷺ اليهودَ وحلفاءَهم، وذلك أنه بعد مقدمه المدينةَ: كتب بينه وبين اليهود كتابًا صالحهم فيه على أن لا يُهاجوا، وأن يُتركوا على أمرهم، وكان ابن الصياد منهم، أو دخيلًا في جملتهم، وكان يبلغ رسول الله ﷺ خبرُهُ، وما يدَّعيه من الكهانة، ويتعاطاه من الغيب، فامتحنه ﷺ بذلك؛ ليرُوزَ به أمرَهُ، ويَخبرَ شأنَهُ، فلمَّا كلَّمه علم أنه مبطل، وأنه من جملة السحرة والكهنة، أو ممن يأتيه رِئيٌّ من الجن، أو يتعاهده شيطان، فيلقي على لسانه بعض ما يتكلم به، فلما سمع منه قول: الدخ، زَبَرَهُ وقال: "اخسأ فلن تعدوَ قدرك" يريد: أن ذلك شيء اطَّلعَ عليه الشيطان، فألقاه إليه، فأجراه على لسانه، وليس ذلك من قبل الوحي السمائي، إذ لم يكن له قدرُ الأنبياء الذين يُوحَى إليهم علم الغيب، ولا درجةُ الأولياء الذين يقيمون العلم، ويصيبون بنور قلوبهم، وإنما كانت له تاراتٌ يصيب في بعضها، ويخطئ في بعض، وذلك معنى قوله: (يأتيني صادق وكاذب)، فقال له عند ذلك: "قد خلط عليك".
فالجملةُ من أمره: أنه كان فتنة قد امتحنَ الله به عباده المؤمنين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة، وقد امتُحِنَ قومُ موسى ﵇ في زمانه بالعجل، فافتتن به قوم وهلكوا، ونجا من هداه الله، وعصمه منهم. هذا كله لفظ الخطابي.
قوله: "وهو يختل"؛ يعني: يريد رسول الله ﷺ أن يسترقَ السمع من ابن الصياد على غفلةٍ منه؛ ليعلم أنه على الحق، أو على الباطل.
стр. 2571
قال في "شرح السنة": ومنه: ختلُ الصيدِ، وهو أن يؤتى من حيثُ لا يشعر، فيُصاد.
قوله: "له فيها زمزمة": أورد في "شرح السنة": وقال يونس، عن الزهري: (زمزمة) بالزاي.
وقال: عقيل عن الزهري: (رمرمة) بالراء.
وقال معمر عن الزهري: (رَمْزَة) أو (زَمْرَة).
قال الشيخ: هذه الألفاظ معانيها متقاربة؛ (الرمرمة) تكون بمعنى الحركة؛ يعني: إذا كانت بالراءين المهملتين، و (الزمزمة) بالزاي: الصوت، يقال: زَمْزَمَ يزمزِمُ زمزمةً: صوَّت.
وقيل في شأن زمزم: سميت به؛ لصوتٍ كان من جبريل ﵇ عندها يشبه الزمزمة.
وقيل: لأن هاجر زمَّت الماء؛ لتحجر عليه، وأصلها: زمهم.
ومن قال: (رمزة) فمن الرمز، وهو الإشارة، وقد تكون بالعينين والحاجبين والشفتين، وأصله: الحركة. هذه اللفظة مروية في "شرح السنة" على سبيل الترديد.
"قال: زمزمةٌ، أو رمرمةٌ"؛ يعني: وردت هذه اللفظة؛ إما بالزايين المعجمتين، أو بالراءين المهملتين.
قال الإمام شهاب الدين التُّوِرِبشتي في "شرحه": ورواه بعضهم بالراء المهملة، وهو تصحيف.
"أيْ صافِ"؛ يعني: يا صاف!
"فتناهى"؛ أي: سكت وترك الكلام.
стр. 2572
قوله: "لو تركته بيَّن"؛ يعني: لو تركته أمُّه بحاله، ولم تخبره بمجيئي، لبيَّن ما في نفسه، وكنت أسمعُ ما يقول وأعرفه.
* * *
٤٢٤٩ - عن أبي سعيدٍ الخدْرِيِّ قال: لقِيَهُ رسولُ الله ﷺ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ في بَعْضِ طُرُقِ المَدينةِ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "أتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟ " فقال هو: تَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "آمنتُ بالله وملائِكتِهِ وكُتُبهِ ورُسُلِهِ، ما تَرَى؟ " قال: أَرَى عَرْشًا على الماءِ, فقالَ رسولُ الله ﷺ : "تَرَى عَرْشَ إِبْليسَ على البَحْرِ، وما تَرَى؟ " قالَ: أَرَى صادِقَيْنِ وكاذِبًا، أو كاذِبَيْنِ وصَادِقًا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لُبسَ عليهِ فَدَعوهُ".
قوله: "أرى صادقين وكاذبًا أو كاذبين وصادقًا"؛ يعني: يأتيني شخصان يخبران بما هو صدق، وشخص يخبرني بما هو كذب، أو بالعكس.
والشكُّ من ابن الصياد في عدد الصادق والكاذب دليلٌ على اختلافه وافترائه؛ لأن مَنْ كان مؤيدًا بالتأييد الرباني والوحي السماوي لا يُخلَّى هو وجهله.
قوله: "لُبسَ عليه فدعوه"، (التلبيس): التخليط.
(فدعوه)؛ أي: اتركوه؛ يعني: أعرضوا عنه، فإنه قد خلط عليه أمره، فحينئذ لا يُعوَّل على قوله وفعله، وهذا دليلٌ على أن مَن زلَّ قدمه عن المنهج القويم والصراط المستقيم، وما أفاق عن نيَّة ضلالته وغوايته بعد أن لاحتْ له البراهينُ الساطعة، والدلائل اللائحة، فينبغي أن نُعرِضَ عنه.
* * *
٤٢٥٠ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ ابن صَيَّادٍ سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عنْ تُربةِ
стр. 2573
الجنَّةِ، فقال: "دَرْمَكَةٌ بَيْضاءُ مِسْكٌ خالِصٌ".
قوله: "دَرْمَكَةٌ بيضاء"، (الدرمكة): الدقيقُ الحواريُّ الأبيض، فإذا كان كذلك فقوله: (بيضاء) للتأكيد، كما تقول: أبيضُ يَقَقٌ، وإنما شبَّه تربةَ الجنة بالدرمكة لبياضها، وبالمسك لطيبها.
* * *
٤٢٥١ - عن نافعٍ قال: لقيَ ابن عُمرَ ابن صَيَّادٍ في بَعْضِ طُرُقِ المدينةِ، فقالَ لهُ قولًا أَغْضَبَهُ، فانتَفَخَ حتَّى مَلأَ السِّكَّةَ، فدخلَ ابن عُمرَ على حَفْصَةَ وقدْ بَلَغَها، فقالتْ لهُ: رَحِمَكَ الله، ما أَرَدْتَ منْ ابن صَيَّادٍ؟ أما علِمْتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّما يَخْرُجُ منْ غَضْبَةٍ يغضَبُها".
قوله: "فانتفخ"؛ أي: صار ذا نفخٍ؛ يعني: صار بدنه منتفخًا ذا ريحٍ من الضبِ "حتى ملأ تلك السِّكةً" من بدنه.
قوله: "قد بلغها"؛ أي: بلَّغَ ابن عمر تلك القصة التي جرت بينه وبين ابن الصياد إلى حفصة زوج النبي ﷺ فقالت له:
"رحمكَ الله ما أردت من ابن صياد؟ " (ما) في (ما أردت) للاستفهام، محله نصب؛ لكونه مفعول (أردت) مقدَّمًا عليه؛ أي: أيَّ شيء أردتَ منه، و (من) مفعول ثانٍ لها، تقول: أردتُ من زيد الخيرَ.
قوله: "إنما يخرجُ من غضبةٍ يغضبها"؛ يعني: إنما يخرج الدجَّال حين يغضب.
* * *
٤٢٥٢ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: صَحِبْتُ ابن صَيَّادٍ إلى مَكَّةَ، فقالَ
стр. 2574
لي: ما لقيتُ من النَّاسِ؟ يَزْعُمونَ أنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إِنَّهُ لا يُولَدُ لهُ؟ وقدْ وُلِدَ لي، أوَ ليسَ قدْ قالَ: هو كافِرٌ؟ وأنا مُسْلِمٌ، أَوَلَيْسَ قدْ قالَ: لا يَدْخلُ المدينةَ ولا مَكَّةَ؟ وقدْ أَقْبَلْتُ منَ المدينةِ وأنا أُريدُ مَكَّةَ، ثمّ قال لي في آخِر قولهِ: أَمَا والله إنَّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ ومكانَهُ وأيْنَ هوَ، وأعرفُ أباهُ وأُمَّهُ، قال: فَلَبَسَنِي، قال: قلتُ لهُ: تبًّا لكَ سائِرَ اليَوْمِ. قال، وقيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أنَّكَ ذاكَ الرَّجُلُ؟ قال: فقالَ: لوْ عُرِضَ عليَّ ما كَرِهْتُ.
قوله: "ما لقيتُ من الناس؟ ": (ما) في (ما لقيت) استفهامٌ بمعنى الإنكار، منصوب تقديره: أيَّ شيءٍ لقيت؟ و (من) في (من الناس) بيان موضع اللقيان؛ أي: اللقيانُ صَدَرَ من الناس لا من غيرهم، أو لابتداء الغاية؛ يعني: ابتداء اللقاء من الناس، ولم يُخبر عن المنتهى؛ يعني: اقتصر على اللقيان منهم دون غيرهم.
قوله: "لأعلم مولده ومكانه وأين هو": (لأعلم)؛ أي: لأعرف.
(مولده)؛ أي: زمان ولادته.
و (مكانه)؛ أي: مكان ولادته.
والواو في (وأين) لعطف جملة على جملة؛ أي: وأعلم مكانه الذي الآن فيه؛ إذ الإنسانُ قد لا يلزم المولد.
فإن قيل: (أعلم) بمعنى: أعرف، و (أين هو) معلق، والتعليقُ يكون في أفعال القلوب المتعدية إلى المفعولين، وهنا متعد إلى واحد؟!
قيل: يجوز في الواحد أيضًا، تقول: عرفت متى تخرج؛ أي: زمان خروجك، فترى [أنه] قد عُلِّق، وكذا هنا، ويجوز في المعطوف ما لا يجوزُ في المعطوف عليه، كقول العرب: ربَّ رجل وأخيه، ولا يقال: ربَّ أخيه، ويقال:
стр. 2575
لا رجلَ في الدار وأخاه، ولا يجوز: لا أخاه.
قوله: "فلبَّسني" يحتمل معانٍ:
الأول: أنه ﷺ لم يُعينْ مولده ومكانه، بل تركه مُلتبسًا، فصار مُلْتَبسًا على الصحابي.
الثاني: أنه أوقعني في الشكِّ بقوله: قد وُلِدَ لي، وبدخوله مكة والمدينة، وقد يكون يظن الصحابي: أنه الدجَّال، فلمَّا خلط فيما قال، التبسَ عليه.
والثالث: أنه حين ادَّعى نفيَ صفات الدجال عنه، وادعى رسالة محمد ﷺ ، توهَّمَ الصحابي أنه مسلم، وبعد ذلك لمَّا ادعى علم الغيب باعترافه: أنه يعرف الدجَّال وموضعه وخروجه وأوانه، فقد ادَّعى علمَ الغيب، ومن ادعى علم الغيب كفرَ، فالتبس على الصحابي إسلامُهُ وكفرُهُ، فلهذا قال: لبسني.
فإن قيل: (لَبَسْتَ) يتعدَّى، تقول: لَبَسْتَ الأمرَ على فلان، فإذا ضُوعِف تعدَّى إلى اثنين، فأين الثاني هنا؟
قيل: يكون محذوفًا؛ أي: لَبَّسني حالَهُ؛ أي: جعلَ حالَهُ يلتبسُ عليَّ، أو نسبني إلى اللبس، فتوهَّمَ أنه يلتبسُ عليَّ، كما تقول: فسَّقته؛ أي: نسبته إلى الفسق.
قوله: "تبًا لك سائر اليوم"؛ أي: خُسرانًا لك جميع اليوم، أو باقي اليوم؛ يعني: ما تقدم من اليوم قد خسرت فيه، فكذا في باقيه، ونصب (سائر) على الظرف، اكتسب الظرفية من المضاف إليه، كما تقول: جميع اليوم، وبعض اليوم.
و (تبًا): من المصادر الواجب إضمارُ عاملها؛ لأنه صار بدلًا من اللفظِ بالفعل، وحاصلُهُ عُلِم بانتصابه على المفعولية، ومعناه معنى الفعل، فاستغنى عن الفعل.
стр. 2576
قوله: "لو عُرِض عليَّ ما كرهت"؛ يعني: لو عرض عليَّ ما جعل في الدجال من الإغواء والخديعة والتلبيس وغير ذلك؛ لما كرهت، بل قبلت، هذا دليلٌ واضح على كفره.
* * *
٤٢٥٣ - وقالَ ابن عُمَرَ: لقِيتُهُ وقد نَفَرَتْ عَيْنُه، فَقُلْتُ: متَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ ما أَرَى؟ قال: لا أَدْرِي، قلتُ: لا تَدرِي وهيَ في رَأْسِكَ؟ قال: إنْ شاءَ الله خلَقَها في عَصاكَ، قال: فنخَر كأشَدِّ نَخِيرِ حِمارٍ سَمِعْتُ.
قوله: "لقيتُهُ وقد نَفَرَتْ عينُهُ": الضمير المنصوب في (لقيته) لابن الصياد.
قال في "الغريبين": (نَفَرت)؛ أي: وَرِمت، وهو مأخوذ من (نفار الشيء عن الشيء) وهو: تجافيه عنه، (وقد نفرت عينه) جملة وقعت حالًا من الضمير المنصوب في (لقيته)، والماضي إذا وقع حالًا لا بد من (قد) ظاهرة أو مقدرة؛ لأن (قد) ظاهرة أو مقدرة تقرِّبُ الماضي من زمن الحال.
قوله: "فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ " (متى): موضوع للسؤال عن الزمان، و (ما) في (ما أرى) موصول تقديره: ما أراه، والضميرُ العائدُ من الصلة إلى الموصول إذا كان منصوبًا حذفُهُ حسنٌ.
ومعناه: متى فعلت عينُكَ الألمَ الذي أراه بك وتشويهَ الخِلقَةِ؟ أراد: متى فعلت العينُ بنفسها هذا الورمَ القبيحَ؟ أو أراد نسب الفعل إلى العين مجازًا، والمراد غيره، وكأنه لبَّس على ابن صياد، فنسبَ الفعلَ إلى العين يمتحنه، هل يوافق أم يخالف؟
قوله: "إن شاء الله خلقها في عصاك": قال الإمام التُّورِبِشتي في "شرحه":
стр. 2577
يريد أن كون العين في رأي لا يقتضي أن أكونَ منها على خبر، فإن الله قادر أن يخلق مثلها في عصاك، والعصا لا تكون منها على خبر، وكأنه ادعى بذلك الاستغراقَ وعدم الإحساس، هذا كله لفظه.
والتحقيقُ: أن ابن الصياد كان رجلًا ناقصَ العقل، ويدلُّ عليه قوله مع رسول الله ﷺ : يأتيني صادق وكاذبان، فيدلُّ على أن الغالبَ عليه إلقاءُ الجن الكذب في قلبه، فلا اعتبار بكلامه، وإنما نقل ما سَمِعَ منه؛ ليُعلَمَ أنه كان مخبط العقل، وإن تُكُلِّفَ له تأويلٌ فيمكنُ أن يقال: إن ابن عمر استبعدَ منه كونه غافلًا عن نفور عينه متى كان، فقال ابن الصياد: إن الله سبحانه قادر على أن يجعل العضوَ المتصل بالإنسان غيرَ مشعور به كالمخلوق في غيره، وهو قوله: إن شاء الله خلقها في عصاك.
قوله: "فنخرَ كأشدِّ نخيرِ حمارٍ سمعت"، (النخير): صوت بالأنف، تقول منه: نخر ينخر نخيرًا، و (النُّخَرَة) مثل (الهُمَزة): مقدم أنف الفرس والحمار والخنزير، ذكره في "الصحاح".
يعني: مَدَّ النَّفَسَ في الخيشوم بحيث سمعتُ منه صوتًا منكرًا.
* * *
٤٢٥٤ - عن مُحَمَّدِ بن المُنْكَدِر ﵁ قال: رَأَيتُ جابرَ بن عبدِ الله يَحْلِفُ بالله أنَّ ابن الصَيَّادَ الدَّجَّالُ، قلتُ: تَحلِفُ بالله؟ قال: إنِّي سَمِعْتُ عُمرَ يَحلِفُ على ذلكَ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فلمْ يُنكِرْهُ النَّبيُّ ﷺ .
قوله: "يحلفُ على ذلك عندَ النبيَّ ﷺ ، فلمْ ينكرُهُ النبيُّ ﷺ "، (ذلك) إشارةٌ إلى قول جابر: إن ابن الصياد هو الدجال، ووجهُ حلفِ عمرَ ﵁ بحضرة النبي ﷺ في أن ابن الصياد هو الدجال، ولم ينكر عليه: أن الدجال معناه:
стр. 2578
الدجالي؛ يعني: فيه صفة الدجال، فإن النبي ﷺ قال: "يكون ثلاثون دجَّالًا"، معناه: سيظهر دجالون كذابون يزعمون النبوة، ويضلون الناس، ويفتتونهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٥٦ - وعن جابر ﵁ قالَ: "فُقِدَ ابن صيّادٍ يومَ الحَرَّةِ".
"يوم الحَرَّةِ": يومٌ مشهورٌ بين العرب.
* * *
٤٢٥٧ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَمْكُثُ أبَوا الدَّجَّالِ ثلاثينَ عامًا لا يُولَدُ لهما ولَدٌ، ثمَّ يُولَدُ لهُما غُلامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ، وأقلُّهُ مَنْفَعَةً، تنامُ عَيْناهُ ولا يَنامُ قلبُهُ"، ثمَّ نَعَتَ لنا رسولُ الله ﷺ أَبَوَيْهِ فقالَ: "أبوه طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ، كأنَّ أنفَهُ مِنْقارٌ، وأُمُّهُ امرأَةٌ فِرضَاخِيَّةٌ طَويلةُ اليدَيْنِ"، فقالَ أبو بَكْرَةَ ﵁: فَسَمِعْنا بمَولودٍ في اليهودِ بالمدينةِ، فذهبتُ أنا والزُّبَيْرُ بن العَوّامِ حتَّى دخَلْنَا على أبَوَيْهِ، فإذا نَعْتُ رسولِ الله ﷺ فِيهما، فقُلْنا: هلْ لكُما وَلَدٌ؟ فقالا: مَكَثْنا ثلاثينَ عامًا لا يُولَدُ لنا وَلَدٌ، ثمَّ وُلِدَ لنا غُلامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ وأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تنامُ عَيْناهُ ولا ينَامُ قلبُهُ، قال: فَخَرَجْنا منْ عِنْدِهِما فإذا هو مُنْجَدِلٌ في الشَّمْسِ في قَطيفَةٍ ولهُ هَمْهَمَةٌ، فكَشَفَ عنْ رأسِهِ فقالَ: ما قُلتُما؟ قُلْنا: وهلْ سَمِعْتَ ما قُلناه؟ قال: "نَعَمْ، تنامُ عَيْنايَ ولا ينَامُ قلبي".
قوله: "تنامُ عيناهُ، ولا ينامُ قلبُهُ"؛ يعني: لا يسكنُ قلبه، بل يطيشُ ويضطربُ، وإنما كان كذلك؛ لأنَّ ما جُبلَ فيه مثلَ نارٍ ذات لهب، فحينئذ تزعجُهُ عن التؤدة والقرار، فذلك الاضطرابُ موجبٌ لعدم الهدوء في النوم، فإذا ثبت هذا وتقرر، كأن طائرَ الفؤاد منزعجَ القلب.
стр. 2579
أما قوله ﷺ : "فنامت عيني، وسمعت أذناني، وعقل قلبي" فهو عبارة عن طمأنينة قلبه ﷺ ، واهتدائه إلى المعارف الإلهية، والحقائق الربانية، والعقائد الحقة، وكذا قلوب جميع الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، فإنها قُدُّوسيةٌ مَلَكوتية مجبولةٌ على الطُّهر والقدس، فحينئذ كيف يجري النومُ فيها، فإنه من آثار السُّفليات، ولأن قلوبهم مهابطُ للوحي، فما كان مهبطًا للوحي لا يكون محلًا للنوم.
قوله: "أبوه طُوال ضَرْبَ اللحمِ": (الطُّوال) - بضم الطاء - من بناء المبالغة؛ يعني: كان طويلًا غايةَ الطولِ مثل: كبير وكُبار.
و (ضَرْب اللحم): عبارة عن خفيف اللحم.
قوله: "كأن أنفه منقار"؛ يعني: في أنفه طولٌ بحيث يشبه منقارَ طائر. "الفِرضاخيَّة": الضخمة العظيمة، ذكره في "الغريبين".
قوله: "فذهبتُ أنا والزبير"، و (الزبير) عطف على ضمير المتكلم في (ذهبت)، و (أنا) تأكيدٌ لذلك الضمير؛ لأنه يُشترَط في العطف على الضمير المرفوع أن يكونَ مؤكَّدًا، كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
قوله: "فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما"، (إذا) للمفاجأة، و (النعت) مبتدأ، و (إذا) خبرٌ مقدم، و (فيهما) يجوزُ أن يكون حالًا من الضمير الكائن في (إذا)، وهو ضمير (النعت)، أو في متعلقه، والعامل في (فيهما) يجوز أن يكونَ هو الاستقرار، ويجوز أن يكون نائبه، فتقديره: النعتُ ثَمَّ كائنًا فيهما، ويجوزُ أن يكون (فيهما) خبر المبتدأ، و (إذا) ظرف، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، ويجوز أن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ، ويجوز أن يكون هو مبتدأ، وخبره محذوفٌ.
يعني: إذا دخلنا على أبويه فاجأنا ما وصفَ لنا رسول الله ﷺ في أبويه؛
стр. 2580
يعني: وجدنا فيهما جميع الصفات التي سمعناها من رسول الله ﷺ .
قوله: "فإذا هو مُنجدَلٌ في الشمس"، (منجدل)؛ أي: ساقط.
قال في "الصحاح": (انجدل): إذا سقط.
قوله: "وله هَمْهَمةٌ": (الهمهمة): ترديدُ الصوت في الصدر، يقال: همهمت المرأة في رأس الصبي، وذلك إذا نوَّمته بصوت رقيق، ترقِّقه له، ذكره في "الصحاح".
وهي ها هنا عبارةٌ عن كلام خفي غير مفهوم.
* * *
٤٢٥٨ - وعن جابرٍ ﵁: أنَّ امرأةً منَ اليهودِ بالمَدينةِ ولَدَتْ غُلامًا مَمْسُوحَةً عَيْنُهُ طالعَةٌ نابُهُ، فأَشْفَقَ رسولُ الله ﷺ أنْ يكونَ الدَّجَّالَ، فَوَجَدَهُ تَحْتَ قَطيفَةٍ يُهَمْهِمُ، فآذنَتْهُ أُمّهُ فقالت: يا عبدَ الله! هذا أبو القاسِم، فَخَرَجَ منَ القَطِيْفَةِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما لها؟ قاتَلَها الله، لو تَرَكتْهُ لبَيَّنَ"، فَذَكَرَ مِثلَ مَعْنَى حديثِ ابن عُمَرَ، فقالَ عُمرُ بن الخَطَّابِ ﵁: ائذَنْ لي يا رسولَ الله! فأقتُلَهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنْ يكُنْ هُوَ فَلَسْتَ صاحبَهُ، وإنَّما صاحِبُهُ عيسَى ابن مَرْيَمَ ﵇، وإلا يكُنْ هوَ فَلَيسَ لكَ أنْ تقتُلَ رَجُلًا منْ أَهْلِ العَهْدِ"، فلمْ يزَلْ رسولُ الله ﷺ مُشْفِقًا أنَّهُ الدَّجَّالُ.
"فأشفق"؛ أي: خاف.
"فآذنته أمُّهُ"؛ أي: أعلمته أمه.
قوله: "ما لها": (ما) للاستفهام مبتدأ، و (لها) خبره.
قوله: "إن يكن هو فلستَ صاحبَهُ": كان قياسه: إيَّاه، فيجوز أن يكون أوقع ضمير المرفوع موقعَ المنصوب تأكيدًا، ويجوز أن يكون (هو) مبتدأٌ خبرُهُ
стр. 2581
محذوف، والجملة خبر لـ (يكن) المرفوع؛ يعني: إن يكن ابن الصياد الدجال.
(فلست صاحبه)؛ أي: فلست قاتله.
قوله: "إنما صاحبُهُ عيسى ابن مريم"؛ يعني: إنما قاتله عيسى ابن مريم، و (إنما) تفيد الحصر؛ يعني: لا يقدرُ أحدٌ على قتله إلا عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.
قوله: "وإلا يكن هو ... " إلى آخره.
يعني: إن لم يكن ابن الصياد الدجَّالُ، فلا يجوز لك أن تقتل أحدًا من أهل العهد.
قال في "شرح السنة": فيه دليلٌ على أنه كان من أهل العهد، ولذلك منعَ النبيُّ ﷺ عن قتله.
"مُشفِقًا"؛ أي: خائفًا.
* * *
٦ - باب نزولِ عيسى ﵇
(باب نزول عيسى ﵇
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٥٩ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "والذِي نفسِي بيدِه، ليُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فيكُمُ ابن مَرْيمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّليبَ، ويقتُلَ الخِنزيرَ، ويَضَعَ الجِزيةَ، ويَفِيضَ المالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حتَّى تكونَ السَّجْدَةُ الواحِدةُ خيرًا منَ الدُّنيا وما فيها"، ثُمَّ يقولُ أبو هُريرةَ ﵁: واقرَؤوا إنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية.
стр. 2582
قوله: "ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابن مريمَ حكمًا عدلًا"، (أوشك): إذا أسرع، واللام مبتدأ للقسم، والنون للتأكيد؛ يعني: والله ليسرعن وليقربن نزولُ عيسى ﵇.
(فيكم)؛ أي: في أهل دينكم حاكمًا عادلًا.
(الحَكَم) بالتحريك: الحاكم، و (العَدْل): العادل، وكلاهما منصوبٌ على الحال.
قوله: "فيكسرَ الصليبَ ويقتلَ الخنزير": الصليب في اصطلاح النصارى: خشبةٌ مثلثة يدَّعون أن عيسى ﵇ صُلِب على خشبة على تلك الصورة، وقد يكون فيه صورة المسيح، وقد لا يكون.
قال في "شرح السنة": يريد إبطالَ النصرانية، والحكمَ بشرع الإسلام.
ومعنى قتل الخنزير: تحريم اقتنائه وأكله، وإباحة قتله، وفيه بيانُ أن أعيانَها نجسةٌ؛ لأن عيسى ﵇ إنما يقتلها على حكم شرع الإسلام، والشيءُ الطاهرُ المنتفعُ به لا يُباحُ إتلافه.
وقوله: "ويضعُ الجِزيةَ": معناه: أنه يضعها عن أهل الكتاب، ويحملهم على الإسلام، ولا يقبلُ منهم غيرَ دينِ الحق.
فقد رُوِي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في نزول عيسى: "وتَهلِكُ في زمانه المللُ كلُّها إلا الإسلام، ويَهلِكُ الدجَّالُ، فيمكثُ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم يُتوفَّى، فيصلي عليه المسلمون".
وقيل: معنى وضع الجزية: أن المالَ يكثر حتى لا يوجدَ محتاج ممن تُوضَعُ فيهم الجزية، يدلُّ عليه قوله ﷺ : "فيفيض المال حتى لا يقبله أحد"، هذا كله منقولٌ من "شرح السنة".
فاض الماء فيضًا وفيضوضة: كثر حتى سال على ضفة الوادي، ذكره في
стр. 2583
"منتخب الصحاح".
(الضفَّة) بالكسر: الجانب.
"فيفيض المال"؛ أي: يكثر ويتسع بحيث لا يُوجَد فقيرٌ في ذلك الزمان البتة.
وتلخيص المعنى: أنه عبارة عن كثرة الأيادي والنعم في أيدي جميع الناس، وسعة أرزاقهم بحيث لا ضيقَ لأحد، ولا حرصَ فيهم، بل قطعَ كلُّ واحد منهم النظرَ عما في أيدي صاحبه، وذلك فضل ورحمة من الله.
قوله: "حتى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها"؛ يعني: يشتغل الناس في ذلك الوقت بالطاعة، ويزهدون في الدنيا بحيث لو وُفِّقَ لأحد منهم سجدة؛ لكانت أحبَّ إليه من وجدانه جميع أموال الدنيا.
إن قيل: العبادة في نفس الأمر خيرٌ في جميع الأوقات، فلمَ خُصَّت الخيرية في الطاعة بذلك الزمان؟
قيل: لأن في ذلك الزمان الرغبة في الطاعة أكثر، والخضوع فيها أتم وأبلغ، فلهذا خُصَّت خيريتها به.
* * *
٤٢٦٠ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "والله لَيَنْزِلنَّ ابن مرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّليبَ، ولَيقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجزيَةَ، ولَيترُكَنَّ القِلَاصَ ولا يَسعَى عَلَيها، ولَتَذْهَبن الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فلا يقبَلُهُ أَحَدٌ".
قوله: "ولتتركَنَّ القِلاصُ فلا يسعَى عليها"، (القلاص): جمع قلوص، وهي الشابة من النوق.
стр. 2584
سَعَى ها هنا: بمعنى عمل.
قال في "الصحاح": وكلُّ من وَلِيَ شيئًا على قوم فهو ساعٍ عليهم، وأكثر ما يقال ذلك في ولاة الصدقة.
يقال: سعى عليها؛ أي: عمل عليها، وهم السعاة.
يعني: والله ليتركن عيسى إبلَ الصدقة، فلا يأمر بأحد أن يسعى على أخذها وتحصيلها، وإنما يترك الصدقة، ولا يرسل أحدًا إلى أخذها؛ لعدم من يقبلها.
و"الشحناء": العداوة.
"والتباغُض": جريانُ البغضِ بين اثنين.
"والتحاسُد": جريان الحسد بين اثنين.
يعني: يزول عن قلوب جميع الناس في ذلك الوقت البغضُ والعداوةُ والحسدُ وغيرُ ذلك من الأخلاق الذميمة؛ لأنها نتيجة حب الدنيا، فإذا زالت محبةُ الدنيا عن قلوبهم، فقد زال ما يتولَّد منها، وهو الأخلاق الذميمة، ومصداقُ هذا قوله ﷺ : "حبُّ الدنيا رأسُ كلَّ خطيئة".
* * *
٤٢٦١ - وقال: "كَيْفَ أنتُمْ إذا نَزَلَ ابن مَرْيمَ فيكُمْ وإمامُكُمْ منكُمْ؟ ".
قوله: "وإمامُكُم منكم"؛ يعني: إمامُكُم من أهل دينكم، وقيل: من قريش.
قال في "شرح السنة": قال معمر عن الزهري: "وأمكم أو إمامكم منكم". قال ابن شهاب: "فأمكم منكم".
стр. 2585
قال ابن أبي ذُؤيبٍ في معناه: فأمَّكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ .
يعني: يؤمكم في الصلاة من كان من أهل دينكم، ولا يؤمكم عيسى ﵇، بل يكون بمنزلة الخليفة، وفيه دليلٌ على أن عيسى ﵇ لا يكون من أمة محمد ﷺ ، بل يكون مقررًا لدينه، وعونًا على أمته.
* * *
٤٢٦٢ - وقال: "لا تزالُ طائِفَةٌ منْ أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحَقِّ ظاهِرينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ". قال: "فينزِلُ عيسَى بن مَرْيمَ، فيقولُ أميرُهُمْ: تعالَ صَلِّ لنا، فيقولُ: لا، إنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَراءُ، تَكْرِمَةَ الله هذهِ الأمّةَ".
قوله: "تكرمةَ الله هذهِ الأمةَ": نصب (تكرمة) على أنه مفعول له، وهي علةٌ لفعلٍ مقدَّر دلَّ عليه مضمونُ الجملة المقدرة، كأنه قيل له: يا رسول الله! لم جعلَ الله في ذلك الزمان تأميرَ الأمة بعضها على بعض؟ فأجاب بأنه جعل الله ذلك التأمير تكرمةً لهذه الأمة.
أو مفعول مطلق، كأنه قال: كرَّم الله تعالى هذه الأمة تكرمة من قبله سبحانه.
ولو رُوِي بالرفع، كان خبرَ مبتدأ محذوف، كأنه قال: هذه الفعلة تكرمة الله تعالى.
و (هذه) مفعول به للتكرمة، و (الأمة) صفة لـ (هذه).
يعني: جعل الله بعضكم على بعض الأئمة والأمراء؛ لتكرمته تعالى هذه الأمة، وتفضُّله عليهم.
* * *
стр. 2586
٧ - باب قُرْبِ السَّاعَة وأنَّ مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه
(باب قرب الساعة)
قوله: "وأن من مات فقد قامت قيامته".
اعلم أن القيامةَ على ثلاثة أنواع:
القيامة الكبرى: وهي عبارةٌ عن حشر الأجسادِ وسوقهم إلى المحشر للجزاء.
والصغرى: وهي عبارةٌ عن موت كلِّ واحدٍ من الإنسان، وهي بأنه قال: (من مات فقد قامت قيامته).
والوسطى: وهي عبارةٌ عن موتِ جميعِ الخلق.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٦٣ - عن قتَادَةَ عن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والسَّاعةُ كهاتينِ". قال قَتادَةُ في قَصَصِهِ: كفَضْلِ إحْداهُما على الأُخرَى.
قوله: "بُعثْتُ أنا والساعة كهاتين": قال الإمام شهاب الدين التُّورِبشتي في "شرحه": الإعرابُ الذي يُعتمَدُ عليه من طريق الرواية هو الرفعُ، والنصبُ فيه مساغٌ؛ يعني: جواز، وتكون الواو بمعنى (مع)، ولم تبلغنا فيه رواية.
قال في "شرح السنة": يريدُ: ما بيني وبين الساعة من مستقبلِ الزمانِ بالإضافة إلى ما مضى مقدارُ فضل الوسطى على السبابة.
قوله: "كهاتين"؛ يعني: كالسبابة والوسطى، فالكاف صفة مصدر
стр. 2587
محذوف؛ أي: قُربًا كقرب هاتين الإصبعين، شبَّه القُربَ الزماني بالقُربِ المَسافيِّ.
* * *
٤٢٦٤ - عن جابرٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ قبلَ أنْ يَمُوتَ بشَهْرٍ: "تَسْأَلونني عنِ السَّاعةِ؟ وإنَّما عِلْمُها عندَ الله، وأُقسِمُ بالله، ما على الأَرْضِ منْ نَفْسٍ مَنْفوسَةٍ تأتِي عليها مِئَةُ سَنَةٍ".
قوله: "وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة": منفوسة؛ أي: مولودة.
قال في "الغريبين": نَفِست المرأة ونُفِست: إذا ولدت، وإذا حاضَتْ قلتَ: (نَفست) بفتح النون لا غير، ومنه الحديث: قالت أم سلمة: كنتُ معه في الفراش، فحضتُ، فقال: "أنفست؟ "، أراد: حضت.
وفي حديث ابن المسيب: "لا يرثُ المنفوس حتى يستهلَّ صارخًا"؛ يعني: الصبي المولود.
(ما) مشبهة بـ (ليس)، وهو جواب للقسم، و (على الأرض) خبر مقدم، و (من) في (من نفس) زائدة؛ للاستغراق، و (نفس): اسمه، و (منفوسة): صفة للنفس، و (تأتي ...) إلى آخره صفةٌ بعد صفة، ويجوز تقديم خبر (ما) على اسمها إذا كان ظرفًا، كذا ذكره العزيز "شارح اللُّمَع".
والمختار: أن (نفس) مبتدأ، و (على) خبر مقدم؛ لأن (ما) إذا تقدم خبرُهُ بطلَ عمله في الأشهر.
يعني: لا يوجد واحدٌ من هؤلاء الموجودين اليوم من الناس في وجه الأرض بعد مضيِّ مئة سنة.
стр. 2588
فإن قيل: بهذا الحديث ينبغي أن لا يكونَ إلياسٌ والخضرُ ﵈ في الحياة، فهما داخلان تحت عموم الحديث؛ لأن الأصل أن يكون العام باقيًا على عمومه، ويقويه هنا قوله ﷺ : "لو كان الخضرُ حيًا لزارني".
قيل: ظاهرُ الحديث يدلُّ على عدم حياتهما ﵉، إلا أن الإمامَ مُحيي السنةَ ذكر دوام حياتهما ﵉ في "معالم التنزيل" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧].
قيل: أربعةٌ من الأنبياء في الأحياء؛ اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى ﵈، فإذا كان كذلك؛ فالحديثُ مخصوصٌ بهما؛ لأن العامَّ يجوز تخصيصه بقرائن عقلية أو نقلية، وهنا نقلية؛ إذ قد استفاضَ في الأمم كلها حياتهما، فإذا تقرَّرَ هذا، فلا يكون مناقضًا للحديث.
ويحتمل أن يقال: هما ﵉ لم يدخلا في هذه الأمة، فيدخلا تحت العموم؛ لأنهما نبيَّان، ولا يكون نبي أمة نبي آخر، فكأنه أراد هنا: ما من نفس منفوسة من أمتي إلا وبعد انقضاء المئة يأتي عليها الفناءُ؛ إخبارًا عن أعمار أمته.
فالفائدة من هذا الإعلام: تنبيهٌ منه ﷺ على قدرة الله تعالى في إهلاكِ جميع العالم، والإتيانِ بغيرهم جملة عن جملة، ومن كان قادرًا كذا، كان قادرًا على إحياء الكلِّ، كما قدر على إهلاك الكل بعد مئة، وإنشاء أصناف منها، أو الدهورُ الداهرة، والأركانُ الغابرة، تعالى عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
* * *
٤٢٦٦ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ رِجالٌ منَ الأَعْرابِ جُفاةٌ يأتونَ النَّبيَّ ﷺ ويَسأَلونَهُ عن السّاعةِ، فكانَ ينظُرُ إلى أَصْغرِهِمْ فيقولُ: "إنْ يَعِشْ هذا لا يُدرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ عَلَيكُمْ ساعتُكم".
стр. 2589
قوله: "فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: إن يعش هذا ... " إلى آخره.
(هذا) إشارةٌ إلى الأصغر.
"الساعة": جزء من أجزاء الزمان، ويُعبَّر بها عن القيامة.
قال هشام: الساعةُ ها هنا: الموت؛ يعني: إذا مات الرجل يرى جزاءَ ما فعل، وكأنه يرى القيامة.
يعني: قبل أن يصير هذا الصغير هَرِمًا يأتي على بعضكم، أو على جميعكم الموت.
هذا تنبيهٌ منه ﷺ على محذورات الدنيا، وأنها لا تبقى لجميع سكانها، بل تأكلهم مستأصلين، فليحذر الناسُ منها، ويستعدوا لأمر الآخرة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٦٧ - عن المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "بُعِثْثُ في نَفَسِ السَّاعةِ، فسبَقْتُها كما سبقَتْ هذِه هذِه"، وأَشارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَبَّابةِ والوُسْطَى.
قوله: "بُعِثتُ في نفسِ الساعة، فسبقتُها ... " إلى آخره.
(النَفَس) بالتحريك لا غير، ذكره الإمام التُّورِبشتي في "شرحه"، وهو عبارةٌ عن قرب الساعة وأماراتها؛ يعني: بعثت في قريب من أشراط الساعة، وحاصله: [أنه] مجازٌ وتنبيهٌ على الاستعداد لها من زمنِ بعثِهِ ﷺ إلى قيامها.
قوله: "فسبقتُهَا كما سبقت هذه هذه"؛ يعني: فسبقتُ الساعةَ كما سبقت هذه هذه، فـ (هذه) الأولى محلها رفع؛ لأنها فاعل (سبقت)، و (هذه) الثانية محلها نصب؛ لأنها مفعوله، وتقديم الفاعل في هذه الصورةِ واجبٌ.
стр. 2590
يعني: مقدارُ ما بيني وبين الساعة من الزمان مقدار ما فضل الوسطى على السبابة، هذا معنى ما نقل من "شرح السنة" في الحديث المتقدم، وهو: "بعثت أنا والساعة".
* * *
٨ - باب لا تقومُ السَّاعةُ إلا على الشِّرارِ
(باب)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٧٠ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ على أَحَدٍ يَقولُ: الله، الله".
"لا تقومُ الساعةُ على أحدٍ يقول: الله الله"؛ يعني: لا تقوم الساعة ما دام في وجه الأرض موحِّدٌ يذكر الله سبحانه.
هذا دليلٌ على أن بركة العلماء والصلحاء تصلُ إلى مَن في العالم من الجن والإنس وغيرهما من الحيوانات والجمادات.
فإن قيل: ما فائدة تكرير لفظة (الله) سبحانه؟
قيل: إن معناه: الله حسبي، والله هو الإله لا غيره، كما تقول: زيد زيد؛ أي: زيد المشهور المعلوم المستبدُّ بكذا، فالمكرِّرُ الموحِّدُ فقط، وغيرُهُ قد يفردُهُ، ولا يَحصلُ به توحيدٌ.
و (الله) الأول المبتدأ، والثاني خبره، والثاني هو محطُّ الفائدة.
أي: الله هو معبودي لا غير، والله كما أثنى على نفسه.
فإن رُوِيا بالنصب؛ لكانا منصوبين على التحذير، تقديره: احذروا الله،
стр. 2591
كما تقول: الأسدَ الأسدَ، فعلى هذا معناه: لا يبقى في الأرض مسلمٌ يُحذِّرُ الناس.
* * *
٤٢٧٢ - وقالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَضْطَرِبَ أَلَياتُ نِساءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذي الخَلَصَةِ - وذو الخلَصَةِ: طاغِيَةُ دَوْسٍ التي كانوا يَعْبُدونَ في الجاهِليَّةِ -".
قوله: "حتى تضطربَ ألياتِ نساءِ دوسٍ حولَ ذي الخَلَصةِ"، (الإليات): جمع أَلْية؛ بفتح الهمزة، وهي اللحمة المشرفة على الظهر والفخذ.
و (الدوس): قبيلة، قال محمد بن إسحاق: (ذو الخَلَصة): بيتٌ كان فيه صنمٌ كان يقال له: (الخلصة) لدوس.
وقال غيره: (الخَلَصة): هي الكعبة اليمانية، أنفذَ إليها رسولُ الله ﷺ جريرَ بن عبد الله ﵁ فخرَّبها.
أراد: حتى ترجع دوسٌ عن الإسلام، فتطوف نساؤهم بذي الخلصة، وتضطربَ ألياتها، كذلك فعلهم في الجاهلية، ذكره في "الغريبين".
* * *
٤٢٧٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَذْهَبُ اللَّيلُ والنَّهارُ حتَّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى"، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حينَ أنزلَ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أنَّ ذلكَ تامٌ، قال: "إِنَّهُ سَيَكونُ مِنْ ذلكَ ما شاءَ الله، ثُمَّ يَبعَثُ الله ريحًا طَيبةً، فتَوَفَّى كُلَّ مَنْ كانَ في قَلْبه مِثقالُ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فيَبقَى مَنْ لا خيرَ فيهِ، فيَرجِعونَ إلى دينِ آبائهِمْ".
стр. 2592
قوله: "ولا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تُعبَدُ اللاتُ والعُزَّى"، و (اللات): صنم كان لثقيف، و (العزى): لسليم وغطفان، ذكره في "معالم التنزيل".
يعني: لا تقوم الساعة حتى يُعبَد هذان الصنمان.
قوله: "إنْ كنتُ لأظنُّ"، (إن) خفيفة من الثقيلة، وشرط (إن) المكسورة إذا خُفَّفت أن تدخل على الأفعال الداخلة على المبتدأ أو الخبر، وهي كان وأخواتها، وأفعال القلوب، ويلزمها اللام الفارقة في خبرها؛ لتفرِّقَ بينها وبين (إن) الشرطية والنافية، تقديره: إنه كنت لأظن؛ يعني: إن الشأنَ والحديثَ كنتُ لأظن.
* * *
٤٢٧٤ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فيَمكُثُ أَرْبعينَ - لا أدرِي أربعينَ يَوْمًا أو شَهْرًا أو عَامًا -، فيبعثُ الله عيسَى بن مريمَ ﵉ كأنَّهُ عُرْوَةُ بن مَسْعودٍ ﵁ فيَطلُبُه فيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنينَ ليسَ بينَ اثنين عَداوةٌ، ثمَّ يُرسِلُ الله رِيْحًا بارِدَةً منْ قِبَلِ الشَّامِ، فلا يَبقَى على وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ في قَلْبهِ مِثقالُ ذرَّةٍ منْ خَيْرٍ أو إيمانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لوْ أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبدِ جَبَلٍ لدخلَتْهُ عليهِ حتى تقبضَهُ". قال: "فيبقَى شِرارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيرِ وأَحْلامِ السِّباعِ، لا يعرِفونَ مَعْروفًا ولا يُنْكِرُونَ مُنكَرًا، فيَتمثَّلُ لهُمُ الشَّيطانُ فيقولُ: ألا تستحيُونَ؟ فيقولونَ: فما تأْمُرُنا؟ فيأمُرُهُمْ بِعبادَةِ الأَوْثْانِ، وهُمْ في ذلك دارٌّ رِزقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثمَّ يُنفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أصغَى لِيتًا ورَفعَ لِيتًا". وقال: "وأوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلوطُ حَوْضَ إبلهِ، فيَصْعَقُ ويَصْعَقُ النَّاسُ، ثمّ يُرسِلُ الله مَطَرًا كأنَّهُ الطَّلُّ فيَنبُتُ منهُ أَجْسادُ النَّاسِ، ثمَّ يُنفَخُ فيهِ أُخرَى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ثمَّ يُقالُ: يا أيُّها النَّاسُ! هَلُمَّ إلى ربكُمْ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾،
стр. 2593
ثمَّ يُقالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فيُقالُ: مِنْ كَمْ؟ فيُقالُ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وتِسعَةً وتِسعينَ، قال: فذاكَ يومَ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، وذلكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ".
قوله: "يخرجُ الدجالُ، فيمكثُ أربعينَ لا أدري": قال الإمام التُّورِبشتي: قلت: (لا أدري) إلى قوله: (فيبعث الله عيسى ﵇ من قول الصحابي؛ أي: لم يزدني على أربعين شيئًا؛ أي: المراد منها: فلا أدري أيًا أراد من هذه الثلاثة.
قوله: "يا أيُّها الناسُ! هلمَّ إلى ربكم"؛ يعني: تعالوا، وارجعوا إلى ربكم.
قال في "الصحاح": قال الخليل: أصله: (لمَّ) من قولهم: لمَّ الله شعثه؛ أي: جمعه، كأنه أراد: لُمَّ نفسَك إلينا؛ أي: اقْرُبْ إلينا، و (ها) للتنبيه، وإنما حُذِفت ألفها؛ لكثرة استعمالها، وجُعِلا اسمًا واحدًا يستوي فيه الواحد والجمع في لغة أهل الحجاز.
وقيل: أصله: (ها الْمُم) نقل حركة الميم إلى اللام، واستغنى عن همزة الوصل، فاجتمع ساكنان في الآخِر، فأدغم، فبقي (ها لُمَّ)، فحُذِف الألف؛ لالتقاء الساكنين؛ الألف وسكون اللام في التقدير، وقيل: أو ليركَّبا فيصيرا كـ (حضرموت).
قوله: " ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ "؛ أي: احبسوهم وأوقفوهم.
قوله: "فيقال: أخرجوا بعثَ النارِ": إما خطابٌ للملائكة، أو لآدم في تقسيم ذريتهم؛ يعني: إعلام الخلق أنه يُوجَّه الأكثرُ إلى النار، والأقل إلى الجنة، والسببُ في تكثير العصاة وتقليل المطيعين: أنه لا يصلحُ لخدمته إلا من هو في غاية الاصطفاء، ومثل هذا قليلُ الوجود في البشر المركبين من الشهوات والنهمات.
стр. 2594
قال الغزالي - رحمة الله عليه - في كتاب "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة": وليس المعنيُّ به: أنهم كفار مخلَّدون في النار، بل يدخلون النار ويعرضون عليها، ويتركون فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبهم ومعاصيهم، والمعصومُ من المعاصي لا يكون من ألف إلا واحدًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١].
ثم (بعث النار) عبارةٌ عمن استوجب النار بذنوبه، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة، كما وردت به الأخبارُ الكثيرةُ الدالةُ على سعة الرحمة، وهي أكثر من أن تُحصَى.
وأما قوله: "بعث النار": فالبعث: جماعةٌ يُبعَثون لأمرٍ إلى موضع، وفي حديث آخر: أن رسولَ الله ﷺ في يوم العيد إذا أراد أن يبعثَ بعثًا ... والمراد: المبعوثون إلى النار؛ يعني: أهل النار.
قوله: "من كَمْ كَمْ؟ ": تقديره: من أيِّ عدَّةٍ أيُّ عددٍ؟ فهو استفهام عن مقدارِ المُخرَج منه ومقدارِ المُخرَج كلاهما، وتقديره: العدد (١) المعدود المبعوث أيُّ عددٍ من أيِّ عدد؟
فالمبتدأ محذوف، وقوله: (من أي عدد) صفة للخبر، كما تقول: المبعوث عشرة من مئة.
وقيل: (من كم) جار ومجرور خبر مقدم، و (كم) الأخير مبتدأ، كأنه قال: كم المبعوثون من كم؟ أي: من كم عددٍ يخرجُ منه هؤلاء بعث النار، ويبقى الباقي؟
قوله: "فذاك يوم ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ "، (الشيب): جمع أشيب، كـ (بيض) جمع: أبيض، فأُبدِلت ضمة الفاء كسرةً؛ لتصح التاء.
يعني: يوم القيامة يصيرُ الأطفال شيبًا من أهواله وشدائده.
стр. 2595
ويحتمل أن يقال: المراد به: عظم أهوال يوم القيامة، لا حقيقة التصيُّر، كما تقول: هذا أمر يشيبُ فيه الوليدُ: إذا كان عظيمًا هائلًا.
يعني: لو أن وليدًا شابَ من واقعةٍ عظيمة؛ لشابوا في ذلك اليوم، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ [الحشر: ٢١]، فكم تقرأ القرآن على جبل ولا يخشع ولا ينشق، معناه: لو كان الجبل يخشع، ويكون له روح، وينشق من هول واقعة؛ لانشق إذا تُلِي عليه القرآن.
قوله: "وذاك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ": قال الخطابي: هذا ممَّا نهيت القول فيه شيوخنا، وأجْرَوه على ظاهر لفظه، ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقُّفِ عن تفسير كلِّ ما لا يحيطُ العلمُ بكنهه من هذا الباب.
أما من تأوله فقال: ذلك اليوم يكشف عن شدة عظيمة وأمر فظيع.
قال الإمام أبو الفتوح العجلي ﵀ في "تفسيره": قيل: معناه: عن أمر شديد فظيع، وهو إقبالُ الآخرة وظهورُها، وذهابُ الدنيا.
ويُقال للأمر إذا اشتد وتفاقم، فظهر، وزال خفاؤه: كشف عن ساقه، وهذا جائزٌ في اللغة وإن لم يكن للأمر ساقٌ، وهو كما يقال: أسفرَ وجهُ الأمر، واستقام صدرُ الرأي.
قال الشاعر يصفُ حربًا:
كَشَفَتْ لهم عن سَاقِها ... وبدا من الشرِّ الصُّراحُ
وقيل: معناه: أن يرفع الستر من الدنيا والآخرة، وقيل: [هو] المراد بقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩].
وقيل: عن ساق؛ أي: عن ساق العرش، وقيل: عن نور عظيم.
قال ابن قتيبة: تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى