Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وقال طرفة:
على مَوطِنٍ يَخْشَى الفتى عندَه الرَّدَى
وحقُّ الكلام أن يقال: هذه الثلاثةُ المَواطن، بالتأنيث؛ لأن واحدَ (المواطن) مذكر، وهو الموطن، إلا أن يراد بـ (المواطن): البقاع، وهذا التأويلُ شائعُ الاستعمال في العربية.
يعني: حمل المذكَّر على المؤنَّث، وبالعكس.
* * *
٤٣٣٩ - عن المُغِيرةِ بن شُعْبةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "شِعَارُ المُؤْمنينَ يومَ القِيامَةِ على الصِّراطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ"، غريب.
قوله: "شِعَارُ المؤمنين"، و (الشِّعار) بكسر الشين: العلامة.
قال في "الصحاح": وشِعَارُ القومِ في الحرب: علامتُهم؛ ليَعرفَ بعضُهم بعضًا، والشِّعار: ما يلي الجسدَ من الثياب، والشَّعار - بالفتح -: الشجر، يقال: أرضٌ كثيرةُ الشَّعارِ.
* * *
٤٣٤٤ - عن أبي سعيدٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّ مِنْ أُمَّتي مَنْ يَشْفَعُ للفِئامِ، ومنهُم مَنْ يَشْفَعُ للقَبيلَةِ، ومنهُم مَنْ يَشْفَعُ للعَصَبَةِ، ومنهُم مَنْ يَشْفعُ للرَّجُلِ حتَّى يَدْخُلَ الجَنَّة".
قوله: "مَن يَشْفَع للفِئام ... " إلى آخره.
قال في "الصحاح": الفئام: الجماعة من الناس، لا واحدَ له من لفظه، والعامة تقول: فيام - بلا همز -.
стр. 2662
و"العُصبة من الرجال": ما بين العشرة إلى أربعين.
* * *
٤٣٤٦ - عن أَنَسٍ ﵁ قالَ: "يُصَفُّ أَهْلُ النَّارِ، فَيَمُرُّ بهِم الرَّجَلُ منْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فيقُولُ الرَّجُلُ منهم: يا فُلانُ! أما تَعرِفُني؟ أنا الذي سَقَيْتُكَ شَرْبةً، وقال بَعْضُهُمْ: أنا الذي وَهَبْتُ لكَ وَضُوءًا، فيشفَعُ لهُ فيُدْخِلُهُ الجنَّةَ".
قوله: "يا فلانُ! أما تَعرفُني؟ أنا الذي سقيتُك شَربةً ... "، الحديث.
هذا تحريضٌ على الإحسان إلى المسلمين، سيما العلماءِ والصلحاءِ، والمجالسة معهم ومحبتهم؛ فإن محبتَهم زينٌ لمحبيهم في الدنيا، ونورٌ في الآخرة.
"الوَضوء" بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأ منه.
* * *
٤٣٤٨ - عن ابن مَسْعودٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَرِدُ النَّاسُ النار ثُمَّ يَصْدُرُونَ منها بأَعْمالِهِمْ، فأَوَّلُهُمْ كلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُّمَ كحُضْرِ الفَرَسِ، ثُمَّ كالرَّاكِبِ في رَحْلِهِ، ثمّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كمَشْيهِ".
قوله: "يَرِدُ الناسُ النارَ، ثم يَصدُرون منها بأعمالهم"، الحديث.
قال في "الصحاح": وَرَد فلانٌ يَرِدُ ورودًا: إذا حضرَ، وأورده غيرُه، وصَدَر يَصدُر صدورًا: إذا رجعَ.
و"الحُضر" بضم: العَدْوُ، ويقال: أَحْضَرَ الفَرَسُ إحضارًا واحتضر؛ أي: عَدَا، و"الشَّدُّ": العَدْوُ، قد شَدَّ؛ أي: عَدا.
وقيل: المراد بـ (الورود) ها هنا: الجواز على الصراط، ويدل عليه ما بعده، وهو قوله: "فأولُهم كلمح البرق، ثم كالريح ... " إلى آخره.
стр. 2663
وإنما يُسمى الجواز ورودًا؛ لأنهم إذا مرُّوا على الصراط يشاهدون النارَ ويحضرونها، تقول: وَرَدتُ بلدَ كذا: إذا حضرتُه، ولو لم تدخل فيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]، ولم يدخله.
قال الشيخ شهاب الدين التُّورِبشتي - رحمة الله عليه - في "شرحه": معنى قوله: (يصدرون منها): ينصرفون عنها، فإن الصَّدَرَ إذا عُدِّي بـ (عن) اقتضى الانصراف، وعلى هذا الاتساع معناه: النجاة منها بأعمالهم، إذ ليس هناك الانصرافُ، وإنما هو المراد: عليها، فوضع الصَّدَرَ موضعَ النجاة للمناسبة التي بين الصدور والورود، هذا كله لفظ الشيخ.
وقد قيل: (الورود) بمعنى: الدخول، واستدل بقوله تعالى حكايةً عن فرعون وقومه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، وقوله حكايةً عن الأصنام وعابدِيها: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٨، ٩٩].
قال الإمام الربَّاني أبو الفتوح العجلي - قدَّس الله روحه - في تفسيره المرسوم بـ "الموجز" في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢]: رُوي عن أبي سمية قال: اختلفنا بالبصرة في الورود؛ فقال قوم: لا يدخلها مؤمنٌ، وقال آخرون: يدخلونها جميعًا، ولقيتُ جابرَ بن عبد الله ﵁، فقلت له: إنما اختلفنا فيه بالبصرة؛ فقال قوم: لا يدخلها مؤمنٌ، وقال آخرون: يدخلونها جميعًا ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، فأهوى باصبعَيه إلى أذنيه - أي: أشارَ، قال الأصمعي: أَهويتُ بالشيء: إذا أَوَمأت به، ذكره في "الصحاح" - وقال: صُمَّتَا إن لم أكن سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الورودُ الدخولُ، لا يبقى بَرٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلَها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم ﵇، حتى إن للنار - أو قال: إن لجهنم - ضجيجًا من بردهم".
° ° °
стр. 2664
المفاتيح في شرح المصابيح
تأليف
العلامة مظهر الدين الزيداني الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المظهري الكوفي
المتوفى سنة ٧٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد السادس]
стр. 2665
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2666
المَفَاتِيْحُ فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ
[٦]
стр. 2667
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
стр. 2668
٥ - باب صِفَةِ الجَنَّةِ وأَهْلِها
(باب صفة أهل الجنة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣٤٩ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : قالَ الله تعالى: أَعْدَدتُ لِعباديَ الصَّالحينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، واقرأوا إِنْ شِئْتُم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
قوله: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رَأَتْ"، الحديث.
(أعددت له)؛ أي: هيَّأت له.
"من قُرَّة أعين": مما تَقَرُّ به أعينُهم.
قال في "شرح السُّنَّة": يقال: أقرَّ الله عينَيه، معناه: أبرد الله دمعتَه؛ لأن دمعةَ الفرحِ باردةٌ، حكاه الأصمعي.
وقال غيره: معناه: بلَّغَك الله أمنيتَك حتى ترضَى به نفسُك وتقرَّ عينُك، فلا تستشرف إلى غيره.
* * *
стр. 2669
٤٣٥٠ - وقال رَسولُ الله ﷺ : "مَوْضعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ منَ الدُّنْيَا وما فيها. ولو أَنَّ امرأةً منْ نِساءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعتْ إلى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضاءَتْ ما بينهَمُا ولَملأَتْ ما بينَهما رِيحًا، ولَنَصِيْفُها على رأْسِها خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها".
٤٣٥١ - وقالَ: "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مِئَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها. ولَقابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلعَتْ عليهِ الشَّمْسُ أو تَغْرُبُ".
قوله: "موضعُ سَوطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها"؛ يعني: موضعُ سَوطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها سوى كلام الله تعالى وصفاتِه وجميعِ أنبيائه، وإنما قال هذا؛ لأن الجنةَ مع نعيمها باقيةٌ، والدنيا فانيةٌ، وكلُّ ما هو باقٍ لا يوازيه ما هو في معرض الفناء.
قال الإمام التُّورِبشتي - رحمة الله عليه - في "شرحه": قلنا: إنما خَصَّ السَّوطَ بالذِّكر؛ لأن مِن شأنِ الراكبِ إذا أراد النزولَ في منزلٍ أن يُلقيَ سَوطَه قبل أن ينزلَ، معلِّمًا بذلك المكانَ الذي يريده؛ كيلا يَسبقَ إليه أحدٌ، وفي معناه: قوله ﷺ في الحديث الذي يتلوه من رواية أبي سعيد الخدري ﵁:
"وَلَقابُ قوسِ أحدكم"، و (القاب): ما بين المَقْبض والسِّيَةِ، ولكل قوسٍ قابانِ، والراجل يبادر إلى تعيين المكان بوضع قوسه، كما أن الراكبَ يبادر إليه برمي سَوطِه.
قوله: "ولَنَصيفُها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها"، قال في "الصحاح": (النَّصيف): الخِمَار، قال النابغة:
سَقَطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ... فَتَنَاوَلَتْه واتَّقتْنا باليدِ
أي: أمسكته بيدها.
стр. 2670
قوله: "إن في الجنة شجرةً يسير الراكبُ في ظلِّها مئةَ عامٍ لا يقطعها": وهذه الشجرة هي شجرة الطُّوبى؛ يعني: هي شجرةٌ كبيرةٌ كثيرةُ الأغصانِ، بحيث لو كان يسير الراكبُ في ظلِّها بالليل والنهار مئةَ سنَةٍ لم يقطع مسافتَها.
قوله: "ولَقَابُ قوسِ أحدكم في الجنة خيرٌ مما طلعت عليه الشمسُ أو
غربت": قال في "الصحاح": قَابُ قَوسٍ، وقَادُ قَوسٍ، وقِيدُ قَوسٍ؛ أي: قَدْرُ
قَوسٍ، والقاب: ما بين المَقْبض والسِّيَة، ولكل قوسٍ قابانِ، وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]، قال: أراد قابَي قوسٍ، فعليه يعني، قَدْرُ قَوسِ أحدِكم خيرٌ مما مضى عليه طلوع الشمس، أو مما تغرب عنه الشمس إلى يوم القيامة؛ يعني: خيرٌ من الدنيا وما فيها جميعًا، كما ذُكر قُبيلَ هذا.
وقيل: قَدْرُ ما بين السِّيَة والمَقْبض.
* * *
٤٣٥٢ - وقال: "إنَّ للمُؤْمِنِ في الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤلُؤةٍ واحِدَة مُجَوَّفةٍ طُولُها سِتُّونَ مِيْلًا، في كُلِّ زاويَةٍ منها للمُؤْمِنِ أَهْلٌ لا يراهمُ الآخَرون، يَطُوفُ عَلَيهمُ المُؤْمِنونَ، وجَنَّتانِ من فِضَّةٍ آنيتُهما وما فيهما، وجنَّتانِ من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بَيْنَ القَوْمِ وبينَ أنْ يَنظُروا إلى ربهمْ إلا رِداءَ الكبرياءِ على وَجْههِ في جَنَّةِ عَدْنٍ".
قوله: "ستون مِيلًا في كل زاوية منها للمؤمن"، أصل (الميِل): ثُلث فَرسخ، و (الزاوية): هي ناحية البيت، الضمير في (منها) يعود إلى (الخيمة).
قوله: "وما بين القوم وما بين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكِبرياء على وجهه في جنة عَدْن"، يريد صفة الكبرياء وعظمته، وقوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: العظمة والمُلك، وهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه
стр. 2671
أحدٌ من خلقه حتى يأذنَ لهم في دخول جنَّة عَدن، فيرَونه فيها.
و (جنة عَدن)؛ أي: جنةُ إقامةٍ، يقال: عَدَنَ بالمكان يَعْدِن عُدونًا؛ أي: أقام، ذكره في "شرح السُّنَّة".
* * *
٤٣٥٣ - وقالَ: "إنَّ في الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، ما بينَ كُلَّ دَرَجتَيْنِ كما بينَ السَّماءِ والأَرْضِ، والفِرْدَوْسُ أَعْلاها دَرَجَةً، منها تُفجَّرُ أَنْهارُ الجَنَّةِ الأَرْبعةُ، ومنْ فَوْقِها يكُونُ العَرْشُ، فإذا سَأَلتُمُ الله فاسأَلوهُ الفِردَوْسَ".
قوله: "في الجنة مئة درجةٍ، ما بين درجتَين كما بين السماء والأرض": العلم بتخصيص هذا العدد وغيره من المبهمات للنبي ﷺ ، إلا أنه يمكن أن يقال: يريد بـ (المئة): الكثرة، ولا يريد به نفس المئة، بل إنما ذكر المئة؛ لتفهيمنا أن درجاتِ الجنة متناهيةٌ؛ لأنها مخلوقةٌ حادثةٌ، لكنها باقيةٌ لا تنقطع، وتفاوُتُ الدرجاتِ إن رجع إلى الصورة يريد أن أحدَها أرفعُ من الآخر كطبقات السماء، وإن رجع إلى المعنى فيكون التفاوُتُ في القربة إلى الله تعالى وإيراد الإنعام منه عليه ورودًا متفاوتًا؛ فالزائدُ هو الرفيعُ، وما دونَه هو المُنحطُّ عنه.
* * *
٤٣٥٥ - وقالَ: "إنَّ أوَّلَ زُمرةٍ يَدْخُلونَ الجَنَّةَ على صُورَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّماءِ إضاءَةً، قُلوبُهُمْ على قَلْبِ رَجُلٍ، لا اخْتِلافَ بينَهم ولا تَبَاغُضَ، لكُلِّ امرئٍ منهُمْ زَوْجَتانِ مِنَ الحُورِ العِيْنِ يُرَى مُخُّ سُوقِهنَّ مِنْ وَراءَ العَظْم واللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، يُسبحُونَ الله بُكْرَةً وعَشِيًّا، لا يَسْقَمُونَ، ولا يَبُولُونَ، ولا يتغوَّطُونَ، ولا يَتْفِلُونَ، ولا يَمْتَخِطُونَ، آنيتُهُمُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وأَمْشاطُهُمُ الذَّهبُ ووَقُودُ مجامِرِهِمْ الألُوَّةُ ورَشْحُهُمُ المِسْكُ،
стр. 2672
على خُلُقِ رَجُلٍ واحِدٍ، على صُورةِ أبيهم آدَمَ سِتُّونَ ذِراعًا في السَّماءِ".
قوله: "إن أولَ زُمرةٍ يدخلون الجنةَ على صورة القمر ليلةَ البدر"، الحديث.
(الزُّمرة): الجماعة؛ يعني: أولُ زمرةٍ يدخلون الجنةَ يكونون حِسَانَ الوجوه، بحيث تكون وجوههم كالبدر التام، فنورُ وجوههِم أتمُّ وأكملُ من نور وجوه الذين يدخلون بعدهم، لكونهم أنبياء وأولياء، فهم غيرُ محتاجين إلى شفاعة شافع، بل الناسُ يحتاجون إلى شفاعتهم؛ لأنهم هم الكاملون في أنفسهم المكمِّلون لغيرهم، فلهذا كان نورُ وجوههم نورَ البدر التام في نفسه، ثم الزمرة الثانية يدخلون الجنةَ ووجوههم مثل كواكبَ دُرِّيَّةٍ شديدةِ الإضاءةِ، هذا معنى قوله: "ثم الذين يلونهم على أشدِّ كوكبٍ دُرِّيٍّ في السماء إضاءةً".
قال في "شرح السُّنَّة": الكوكب الدُّرِّيُّ: الشديد الإنارة، نسبة إلى الدُرِّ، ويُشبَّه صفاؤُه بصفائِه.
هذا ما قاله الشيخ إذا كان مضمومَ الدال غيرَ مهموز؛ وهو مراد الحديث، فإن هُمِزَ أو كُسِرَ أولُه كان مأخوذًا من الدَّرْء، وهو الدفع، وإنما سمي دريًّا؛ لكونها دافعةً للشياطين عن استراق السمع.
قوله: "ووَقود مَجَامرهم الأُلُوَّة، ورَشْحُهم المِسْكُ"، (الوَقود) بفتح الواو: ما تُوقَد به النار، و (المَجَامر) جمع: مجْمَرة، وهي ما يُوضَع فيه الجمر، ويُحرَق فيه العود للتبخير، هذا إذا كان مفتوحَ الميم، وأما إذا كان مكسورَ الميم فهو الآلة.
و (الأُلُوَّة) قال الأصمعي: هي العود الذي يُتبخَّر به، وأراها كلمةً فارسيةً معرَّبةً.
قال أبو عبيد: فيها لغتان: الألُوَّة - بفتح الألف وضمِّها -.
стр. 2673
و (الرَّشْح): العَرَق؛ يعني: مرشوحُهم فيه رائحةٌ كرائحة المِسْك.
قوله: "ستون ذراعًا في السماء"؛ يعني: طولُهم ستون ذراعًا.
* * *
٤٣٥٦ - وقالَ: "إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يأكُلونَ فيها ويَشْربونَ، ولا يَتْفِلُونَ ولا يَبُولونَ، ولا يَتَغَوَّطُونَ، ولا يَمْتَخِطُونَ". قالوا: فما بَالُ الطَّعامِ؟ قال: "جُشَاءٌ ورَشْحٌ كرَشْحِ المِسْكِ، يُلْهَمونَ التَّسْبيحَ والتَّحْميدَ كما تُلهَمُونَ النَّفَسَ".
قوله: "يُلهَمُون التسبيح والتهليلَ كما تُلهَمُون النفَس"؛ يعني: تسبيحُهم لله سبحانه وتهليلُهم إياه كتنفُّسهم في الدنيا؛ يعني: كما أنهم لا يتعبون في تنفُّسهم، ولا يشغلهم شيءٌ عن التنفس، فلهذا لا يتعبون في التسبيح والتهليل وجميع الأذكار، ولا يشغلهم شيءٌ عن ذلك كالملائكة، ويجوز أن يريد أنه يصير صفةً لازمة لا ينفكُّون عنها، كالتنفُّس اللازم للحيوان.
* * *
٤٣٥٧ - وقال: "مَنْ يَدْخُل الجَنَّةَ يَنْعَمُ ولا يَبْأَسُ، ولا تَبْلَى ثِيابُهُ، ولا يَفْنَى شَبابُهُ".
قوله: "مَن يدخل الجنةَ يَنْعَم لا يَبْأَس": قال في "الصحاح": بَئِسَ الرجلُ يَبْأَسُ بُؤسًا وبَأسًا: اشتدت حاجتهُ، فهو بائس؛ يعني: طِيبُ الجنةِ ونعيمُها هنئٌ بحيث لا تعبَ فيه ولا انقطاعَ.
* * *
٤٣٥٩ - وقالَ: "إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَراءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ منْ فَوْقِهم كما تتَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ في الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ
стр. 2674
ما بَيْنَهمْ". قالوا: يا رسُولَ الله! تِلْكَ منازِلُ الأنبياءِ لا يبلُغُها غيرُهُمْ، قال: "بَلَى والذي نَفْسي بيدِه، رجالٌ آمَنُوا بالله وصَدَّقُوا المُرْسَلِين".
قوله: "إن أهلَ الجنة يَتَرَاءَون أهل الغُرَف من فوقهم"، الحديث.
قال في "شرح السُّنَّة" (يتراءَون)؛ أي: ينظرون، يقال: تراءَيتَ الهلالَ: إذا نظرتُه، و (الغُرَف) جمع: غرفة، وهي البيت الذي يُبنى فوق الدار، والمراد بـ (الغُرَف) ها هنا: القصور العالية في الجنة.
قوله: "الغابر في الأفق من المغرب والمشرق"، (الغابر): بالباء هو الرواية الصحيحة، معناه: الباقي في الأفق بعدما انتشر ضوءُ الصبح، وإنما قال الغابر؛ لأن الكوكبَ المضيءَ إذا كان باقيًا في الأفق يكون نورُه أكثرَ.
ورواية: "الغائر" - بالهمز - من: الغَور، قيل: تصحيف الغابر؛ لأن معناه غيرُ مستقيمٍ من جانب المشرق.
* * *
٤٣٦٠ - وقالَ: "يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَقْوامٌ أَفئِدَتُهُمْ مِثْلُ أفئِدَةِ الطَّيْرِ".
قوله: "أقوامٌ أفئدتُهم مثلُ أفئدة الطير"، قيل: هم أقوامٌ قلوبُهم لينةٌ ذاتُ رقةٍ وصفاءٍ، وإنما شبَّهها بقلوب الطير؛ لأنها خاليةٌ عن الغِل والحسد، كقلوب الطير.
* * *
٤٣٦١ - وقالَ: "إنَّ الله تعالى يقولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: يا أَهْلَ الجَنَّةِ، فيقولونَ: لبَّيْكَ ربنا وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فيقولُ: هلْ رَضيتُمْ؟ فيقولونَ: وما لنا لا نرضَى يا رَبِّ وقد أُعْطَيْتَنا ما لمْ تُعطِ أَحَدًا منْ خَلقِكَ،
стр. 2675
فيقولُ: ألا أُعطِيكُمْ أَفْضَلَ منْ ذلكَ؟ فيقولونَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ منْ ذلكَ؟ فيقولُ: أُحِلُّ عليكُمْ رِضْواني، فلا أَسْخَطُ عليكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا".
قوله: "لبَّيك وسَعْدَيك والخيرُ في يديك"، وحكى أبو عبيد أن أصل التلبية: الإقامة بالمكان، يقال: أَلْبَبْتُ بالمكان ولَبَّبْتُ بالمكان، لغتان: إذا أقمتُ به، قال: ثم قلبوا الباءَ الثانيةَ إلى الياء استثقالًا، كما قالوا: تظَّنيت، وإنما أصلها: تظنَّنت، ذكره في "الصحاح".
فعلى هذا معناه: دُمتُ على طاعتك دوامًا بعد دوامٍ من غير غايةٍ ولا نهايةٍ، فيكون معنى التلبية التكريرَ والمبالغةَ، ويكون منصوبًا على مصدرٍ حُذف فعلُه وجوبًا، ويجعل نفس التلبية نائبةً عن الفعل، وكذلك كل ما جاء مثنًّى من المصادر.
و (سَعْدَيك) أصله: سَعْدَين، فحذفت النون بالإضافة، والسَّعد بمعنى: السعادة؛ أي: نطلب منك سعاداتٍ كثيرةً.
وقال في "شرح السُّنَّة"؛ أي: ساعدت بطاعتك يا ربِ مساعدةً بعدَ مساعدةٍ، وإنما قال: (والخيرُ في يديك)، ولم يقل: الخيرُ والشرُّ، مع أن كلاهما جارٍ بإرادته القديمة تعالى؛ لأنه لا يُنسَب إليه الشرُّ أدبًا.
* * *
٤٣٦٣ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "سَيْحَانُ وجَيْحانُ والفُرَاتُ والنَّيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهارِ الجَنَّةِ".
قوله: "سَيْحَان وجَيْحَان والفراتُ والنيلُ كلٌّ من أنهار الجنة"، قال في "الصحاح": سيحان: نهرٌ بالشام، وجيحان: كذلك نهرٌ بالشام، والفرات: نهرُ الكوفة، والنيل: نهرُ مصر، وإنما قال: كلُّ واحدٍ من الأنهار الأربعة من الجنة؛ نظرًا إلى عذوبته وسوغه في الحلق، وهضمه للطعام، وكثرة منافعه الأُخَر من
стр. 2676
غير تعب ومُؤْنة، فإذا كان كذلك فكأنها منها، لكن الأَولى أن يُجرَى هذا وأمثالُه على ظاهره؛ لأنه لا ضرورةَ في صرف الكلام عن الظاهر.
* * *
٤٣٦٤ - عن عُتْبةَ بن غَزْوانَ قال: ذُكِرَ لنا أنَّ الحَجَرَ يُلقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فيَهْوِي فيها سَبْعينَ خَرِيفًا لا يُدرِكُ لها قَعْرًا، والله لَتُمْلأَنَّ. ولقدْ ذكرَ لنا أنَّ ما بينَ مِصْراعَيْنِ منْ مَصارِيعِ الجنَّةِ مَسيرةُ أربعينَ سنةً، ولَيأْتيَنَّ عليها يَوْمٌ وهو كَظيظٌ مِنَ الزِّحامِ.
قوله: "يُلقَى من شفة جهنم، فيهوي فيها"، الحديث.
(الإلقاء): الإسقاط، الشفة والشفا والشفير: ثلاثتها واحدة.
(يهوي)؛ أي: يسقط، و (الخريف): السَّنة، (كظيظ): فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مملوء مُفيضٌ ضيقٌ من الزحام.
قال في "الغريبين": كظيظ؛ أي: ممتلئ، يقال: كظَّ الغيطُ: إذا ملأ صدرَه، فهو كظيظ، والكظيظ: الزحام، يقال: رأيت على بابه كظيظًا.
* * *
من الحِسانِ:
٤٣٦٥ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: "قُلتُ: يا رسُولَ الله! مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟ قال: مِنَ الماءِ، قُلنا: الجَنَّةُ ما بناؤُها؟ قالَ: لَبنةٌ مِنْ فِضَّةٍ ولَبنةٌ مِنْ ذَهَبٍ، ومِلاطُها المِسْكُ الأَذْفَرُ، وحَصْباؤُها اللُّؤْلؤُ والياقُوتُ، وتُرْبتُها الزَّعْفَرانُ، مَنْ يَدْخُلْها يَنْعُمُ ولا يَبْأَسْ، ويَخْلُدُ ولا يَمُوتُ، ولا تَبْلَى ثيابُهُمْ ولا يَفْنَى شَبابُهُمْ".
قوله: "مِمَّ خُلِقَ الخلقُ؟ قال: من الماء"، يريد بـ (الماء): النُّطفة.
стр. 2677
قوله: "ومِلاطُها المِسْك الأذْفَر"، (المِلاط): الطين الذي يُجعَل بين مسافتي البناء، يُملَط به الحائط، (الذَّفَر) بالتحريك: كلُّ رِيحٍ ذَكيةٍ من طِيب، يقال: مِسْك أذفَر بينُ الذَّفَر، والضمير في (ملاطها) يعود إلى الجنة.
قوله: "لا تَبْلَى ثيابُهم، ولا يَفْنَى شبابُهم"، بَلِيَ الثوبُ يَبْلَى بلاء: إذا خَلُقَ واندرس؛ يعني: أهل الجنة لا تصير ثيابُهم مندرسةً باليةً، ولا يزول شبابُهم في الجنة، بل يدوم شبابُهم بحيث لا يتطرق عليه الشيبُ أصلًا.
وتبقى ثيابُهم الجُدُدُ التي كانت عليهم بحيث لا تندرس أبدًا، وإنما كان كذلك؛ لأن الآخرةَ دارُ البقاء، فلا انقطاعَ ولا تغيُّرَ فيهما البتةَ، بخلاف الدنيا وما فيها؛ فإنها للفناء.
* * *
٤٣٦٩ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : "في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: اِرتفاعُها لكَما بينَ السَّماءِ والأَرْضِ مَسيرَةَ خَمْسِ مِئَةِ سَنةٍ"، غريب.
قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾: قال في "شرح السُّنَّة": قيل: أراد بـ (الفُرُش) نساء أهل الجنة ذوات الفُرش، يقال لامرأة الرجل: هي فِراشُه وإزارُه ولِحافُه.
قوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾؛ أي رُفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا، وكلُّ فاضلٍ رفيعٌ.
وقيل: ليس المرادُ من ارتفاع الفُرش: النساء، بل ارتفاعُ الدرجات.
يعني: ما بين كل درجتين قَدْرُ ما بين السماء والأرض.
* * *
стр. 2678
٤٣٧٠ - وقالَ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرةٍ يَدْخُلونَ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، والزُّمْرةُ الثَّانيةُ عَلَى مِثْلِ أَحْسنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّماءِ، لكُلِّ رَجُلٍ منهُمْ زَوْجَتانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجةٍ سبعُونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها منْ ورائِها".
قوله: "يُرَى مخُّ ساقها من ورائها"، (المخ): ما هو في جوف العظم من الدسومة.
(وراء)؛ أي: خلف، وقد يكون بمعنى: قُدَّام، وهو من الأضداد، يعني: يُرَى ما في عظم ساقيها من المخ من غاية اللطافة والنعومة تحت حُلَلها السبعين وعظم ساقها ولحومها، وإنما كان كذلك؛ لأنها روحانيةٌ قدسيةٌ في غاية اللطف والصفاء.
* * *
٤٣٧١ - عن أنسٍ ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "يُعْطَى المُؤْمِنُ في الجَنَّةِ قُوَّةَ كذا وكذا مِنَ الجماعِ"، قِيلَ: يا رسُولَ الله! أوَ يُطيقُ ذلك؟ قال: "يُعْطَى قُوَّةَ مِئَةٍ".
قوله: "أَوَ يطيق ذلك؟ "، الهمزة: للاستفهام، والواو: للعطف، وذلك إشارة إلى مضمون "كذا وكذا من الجماع"؛ يعني: وهل يطيق رجلٌ من أهل الجنة ذلك المقدارَ من الجماع؟ قال ﷺ : "يُعطَى قوةَ مئةٍ" أي: مئةِ رجلٍ.
* * *
٤٣٧٢ - وعن سَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قَال: "لوْ أنَّ ما يُقِلُّ ظُفُرٌ مِمَّا في الجَنَّةِ بَدا لتَزَخْرَفَتْ لهُ ما بينَ خَوافِقِ السَّماواتِ والأَرْضِ، ولوْ أنَّ رَجُلًا مِنْ أهلِ الجَنَّةِ اطَّلعَ فبَدا أَساوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ كما تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجومِ"، غريب.
стр. 2679
قوله: "لو أن ما يُقِلُّ ظفرٌ مما في الجنة"، قال في "شرح السُّنَّة": يُقِلُّ؛ أي: يحمل، قال الله تعالى: ﴿إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ﴾ [الأعراف: ٥٧] أي: حملت الرياحُ سحابًا ثقالًا.
قوله: "لَتزخرفت"؛ أي: لَتزيَّنت، والتزخرُف: كمالُ حُسن الشيء، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] أي: تزيَّنت بألوان النبات.
قوله: "ما بين خوافق السماوات والأرض"؛ أي: أطرافها، وقيل: منتهاها، وقيل: المشرق والمغرب؛ لأن المغربَ خافقٌ؛ أي: غائبٌ، من (خَفَقتِ النجومُ): إذا غابت، فذكر المحل وأراد به الحال، فغلَّبوه على المشرق.
و (خوافق السماء): التي يخرج منها الرياح الأربع؛ أي: الشمال والجنوب والدَّبور والقَبول.
و (ما) في (ما بين): موصول، معناه: التي، و (بين): صلته، والموصول مع صلته فاعل لـ (تزخرفت)، يعني: لو أن ما يحمله ظفرٌ من نعيم الجنة لو ظهر في الدنيا لأَنارَ ما بين المشرق والمغرب، وزيَّنه بحيث لا يبقى نور الشمس عند كمال نوره؛ لأنه خُلق للبقاء.
قوله: "فبدا أساورُه لَطمَسَ نورُه"، (بدا يبدو): إذا ظهر، (الأساور) جمع: أسورة، وهي ما تلبَسه المرأة من الحليِّ، و (الطَّمْس): المَحْو.
* * *
٤٣٧٣ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَهْلُ الجَنُّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ لا يفنَى شبابُهُمْ ولا تبلَى ثيابُهُمْ".
стр. 2680
قوله: "جُرْد مُرْد كَحْلَى"، (الجُرْد) جمع: أجرد، يقال: رجلٌ أجردُ بينُ الجَرَدِ: لا شَعرَ عليه، و (المُرْد): جمع أمرد، وهو غلام لا شَعرَ على ذقنه، وقيل: إنْ حُمل (جُرْد) على ما سوى الذقن، وجاء (مُرْد) مبينًا الذقن كان تغيير الوضع الجرد، وإن حُمل على العموم كان (مُرْد) صفةً لـ (جُرْد)؛ لأن الجُرْدَ قد تناوله بعمومه، فلا حاجةَ إليه.
قيل: فالوجه أن ينوي به التقديم؛ أي: مُرْد جُرْد، فيحمل (المُرْد) على المعهود، و (الجُرْد) على سائر الأعضاء سوى الرأس.
(كَحْلَى) جمع: كحيل، وهو بمعنى مكحول، وهو الذي عينه في أصل الخلقة مكحلة.
* * *
٤٣٧٥ - عن أسماءَ بنتِ أبي بَكرٍ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ وذُكِرَ لَهُ سِدْرَةُ المُنْتهَى قالَ: "يسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّ الفَنَنِ منها مِائةَ سَنَةٍ، أو يَسْتظِلُّ بظلِّها مِئَةُ راكبٍ - شَكَّ الرَّاوي - فيها فَراشُ الذَّهبِ كأنَّ ثِمارَها القِلالُ"، غَريب.
قوله: "في ظل الفَنَن"، (الفَنَن) واحد: الأفنان، وهي الأغصان.
قوله: "فَراش الذهب، كأن ثمرَها القِلالُ"، (الفَراش) واحدها: فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السِّراج، وفي المثل: فلانٌ أطيشُ من فراشة، ذكره في "الصحاح".
قال الإمام أبو الفتوح في "تفسيره": ولعل أراد: الملائكة تتلألأ أجنحتُها تلألُؤَ أجنحة الفراش، كأنها مذهَّبة، أراد بـ (القِلال): قِلال هَجَر، وهي جمع: قُلَّة، وهي الجَرَّة الكبيرة تأخذ قربتين وشيئًا. هكذا مَحكيٌّ عن ابن جُريج، سُميت القُلَّةُ قُلَّةً؛ لأنها تُقَلُّ؛ أي: تُرفَع.
стр. 2681
"وسِدْرة المُنْتَهى"، (السِّدرة): شجرة معروفة ثمرها، والمراد بها ها هنا: ما قاله في "معالم التنزيل": وهي شجرةٌ تَحمل الحليَّ والحُلَلَ والثمارَ من جميع الألوان، لو أن ورقةً وُضعت منها في الأرض لأَضاءت لأهل الأرض، وهي شجرة طُوبى.
و (المنتهى): موضع الانتهاء، وإنما سُميت سِدْرَةُ المنتهى؛ لأنها في أصل العَرش، وإليها ينتهي علمُ الخلائق، وما خلفَها غيبٌ لا يعلمه إلا الله تعالى.
* * *
٤٣٧٩ - عن سالمٍ، عن أبيه ﵄ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "بابُ أُمّتي الذي يَدْخُلونَ مِنْهُ الجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسيرَةُ الرَّاكِبِ المُجَوَّدِ ثلاثًا، ثُمَّ إنَّهمْ ليُضْغَطونَ عليهِ حتَّى تكادُ مناكبُهُمْ تَزُولُ"، ضعيفٌ مُنْكرٌ.
قوله: "عَرضُه مسيرةُ الراكب المُجوِّد": اسم فاعل من (جوَّد): إذا أجاد شيئًا؛ أي: جعله جيدًا، يعني: عَرضُ ذلك الباب مسيرةُ الراكب الذي يُجوَّد ركضَ الفَرَسِ ثلاثَ ليالٍ.
قوله: "ثم إنهم ليُضغَطون عليه حتى تكاد مناكبُهم تزول"، ضغطه يضغطه ضغطًا: زحمَه إلى حائطٍ ونحوه، ومنه: ضَغْطَةُ القبر، (الضُّغطة) بالضم: الشِّدة والمشقة، ذكره في "الصحاح".
يعني: أن الداخلين لَيزدحمون على ذلك الباب في حال دخولهم، بحيث يَقرُب أن تزولَ مناكبُهم من شدة الازدحام.
* * *
٤٣٨٠ - عن عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ في الجَنَّةِ لَسُوقًا
стр. 2682
ما فيها شِراءٌ ولا بَيعٌ إلَّا الصُّوَرَ منَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فإذا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فيها"، غريب.
قوله: "إن في الجنة لسوقًا ما فيها شراءٌ ولا بيعٌ إلا الصُّوَرَ من الرجال والنساء"، الحديث.
الضمير في (فيها) الأول يعود إلى (السوق)؛ لأنه مؤنث سماعي، والضمير في (فيها) الثاني يعود إلى (الصُّوَرَ).
يحتمل أن يريد بـ (الصُّوَر): الجمال للشكل بالصُّوَر الحسنة، لو كان من الأعراض، كوزن الأعمال في الميزان، وكلاهما ليس بمُستبعَدٍ من قدرته تعالى.
فالحاصل: أن ما هو من أمور الآخرة العقلُ قد لا يهتدي إليه، والنقلُ مُتَّبعٌ، فإذا ثبت هذا فقد عُرض على المؤمن في تلك السوق الصورُ المستحسنة، فإذا اشتهى أن تكون صورتُه مثل صورةٍ من تلكَ الصُّوَر، صيَّره الله تعالى على تلك الصورة المشتهاة بقدرته القديمة تعالى.
وقيل: يريد بـ (الصور): الزينة التي تعطي الجمالَ مَن يتزيَّن بها، وتلك عبارة عن الثياب النفيسة والتيجان المكلَّلة، وغير ذلك مما يتزيَّن الشخص به، وعلى هذا المراد بـ (الدخول): التزيُّن بها.
* * *
٤٣٨١ - عن سعيدِ بن المُسَيبِ ﵄: أنَّهُ لَقِيَ أبا هُريرَةَ ﵁، فقالَ أبو هُريرة: أَسْألُ الله أنْ يَجْمَعَ بينِي وبينَكَ في سُوقِ الجَنَّةِ، فقالَ سعيدٌ: أَفِيْها سُوْقٌ؟ قالَ: نَعَم، أَخْبَرَنِي رسولُ الله ﷺ أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها نزلُوا فيها بفَضْلِ أَعْمالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ في مِقْدارِ يَوْمِ الجُمُعةِ منْ أيَّامِ الدُّنيا فيَزورُونَ رَبَّهم، وُيبْرِزُ لهُمْ عَرْشَهُ، ويَتَبَدَّى لهُمْ في رَوْضَةٍ منْ رِياضِ الجَنَّةِ، فيُوضَعُ لهُمْ منابرُ
стр. 2683
من نورٍ ومنابرُ من لؤلؤٍ ومنابرُ من ياقوتٍ ومنابرُ من زبرجدٍ ومنابرُ منْ ذهَبٍ ومَنابرُ منْ فِضّةٍ، ويَجْلِسُ أَدْناهُمْ، وما فيهم دَنيءٌ، على كُثبانِ المِسْكِ والكافورِ، وما يُرَوْنَ أَنَّ أَصْحابَ الكَراسِيِّ بأَفْضَلَ منهمْ مَجْلِسًا. قالَ أبو هُريرةَ ﵁: قلتُ: يا رسولَ الله! وهل نرَى رَبنا؟ قال: "نعم، هلْ تَتَمارَوْنَ في رُؤيةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ليلةَ البَدْرِ؟ " قلنا: لا. قال: "كذلكَ لا تَتَمارَوْنَ في رُؤيةِ ربكُمْ، ولا يَبقى في ذلكَ المَجْلسِ رَجُلٌ إلّا حاضَرَهُ الله مُحاضَرَةً، حتَّى يقولَ للرَّجُلِ منهُمْ: يا فلانُ بن فُلانٍ أَتَذْكُرَ يومَ قُلْتَ كذا وكذا؟ فَيُذَكِّرُهُ ببَعْضِ غَدراتِهِ في الدُّنيا، فيقولُ: أَفَلَمْ تغفِرْ لي؟ فيقولُ: بلَى، فبسَعَةِ مَغْفِرتي بَلَغْتَ منزلتَكَ هذِهِ. فَبَينَما همْ علَى ذلكَ غَشِيَتُهُمْ سَحابَةٌ منْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرتْ عليهمْ طِيبًا لمْ يَجدوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قطُّ، ويقولُ ربنا: قُومُوا إلى ما أَعْدَدْتُ لكُمْ منَ الكرامَةِ فخُذوا ما اشْتَهَيْتُمْ. فنأتي سُوْقًا قدْ حَفَّتْ بهِ الملائكةُ ما لَمْ تَنْظُرِ العُيونُ إلى مثلِهِ، ولم تسمع الآذانُ ولم يَخْطُرْ على القُلوبِ، فيُحْمَلُ لنا ما اشتهَيْنا، ليسَ يُباعُ فيها ولا يُشْترَى، وفي ذلكَ السُّوقِ يَلقَى أهلُ الجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قال: فيُقبلُ الرَّجُلُ ذُو المَنزِلةِ المُرْتَفِعَةِ فيَلْقَى مَنْ هو دُونَهُ، وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ فَيَرُوعُهُ ما يَرى عليهِ منَ اللِّباسِ، فما ينقضي آخِرُ حدَيثِهِ حتَّى يتخيَّلَ عليهِ ما هو أَحْسَنُ منهُ، وذلكَ أنَّهُ لا يَنبَغي لأَحدٍ أنْ يَحْزَنَ فيها، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إلى منازِلِنا فيتلقَّانا أَزْواجُنا فيقُلْنَ: مرحبًا وأهلًا لقدْ جِئْتَ وإنَّ بكَ منَ الجَمالِ أَفْضَلَ مِمَّا فارقْتَنا عليهِ، فيقولُ: إنَّا جَالَسْنا اليَوْمَ ربنا الجَبَّارَ ويَحِقُّنا أنْ نَنْقَلِبَ بمِثْلِ ما انقلَبنا"، غريب.
قوله: "يُبرز لهم عَرْشَه"، (يُبرز)؛ أي: يُظهر.
قوله: "ويتبدَّى لهم في روضة"، تبدّى الرجل: أقام بالبادية، وتبدَّى الشيء؛ أي: ظهر؛ أي: يظهر لهم ربُّهم؛ أي: لطفُ ربهم ورحمتُه.
стр. 2684
"المنابر" جمع: مِنْبَر، وهو مِفْعَل من: نبَرتُ الشيءَ أَنْبره نبَرًا: رفعتُه.
"الزبرجد": جوهر معروف.
قوله: "ويجلس أدناهم - وما فيهم دنيءٍ - على كثبان المِسك"، (الأدنى): ضد الأعلى، والمراد به ها هنا: مَن هو أقلُّ منزلةً من أهل الجنة؛ لأنه ليس في أهل الجنة دنيءٌ؛ أي: دونٌ وخسيسٌ.
(الكثبان): تلال الرمل، واحدها: كثيب، من (كَثبتُ الشيءَ)، جمعتُه، وانكثب الرملُ؛ أي: اجتمع، ذكره في "الصحاح".
التماري في الشيء: الشك فيه.
قوله: "ولا يبقى في ذلك المجلس رجلٌ إلا حاضَرَه الله محاضرةً"، (المحاضرة) بالحاء المهملة وبالضاد المعجمة: عبارة عن جريان الحضور والمكالمة بين اثنين، يعني: كلَّمه الله سبحانه من غير حجابٍ ولا ترجمان بكلامٍ لا يسمعُه غيرُه.
قال الشيخ الإمام شهاب الدين التُّورِبشتي في "شرحه": مَن روى هذَين اللفظَين بالخاء المعجمة وبالصاد المهملة فقد صحَّفه فيهما.
قوله: "ما أعددت لكم من الكرامة"؛ أي: ما هيَّأت لكم.
قوله: "قد حفَّت به الملائكة"، يقال: حفَّ الشيءُ به؛ أي: أَحْدَقَ وأَطافَ به.
الضمير في (به) يعود إلى (السوق)، و (السوق) يُذكر ويُؤنث، يعني: الملائكة أطافوا وأحدقوا بجوانب ذلك السوق.
قوله: "ما لم تنظر العيون إلى مثله"، (ما): موصولة، و (لم تنظر): صلته، والموصول وصلته يحتمل أن يكون منصوبًا بدلًا من الضمير المنصوب في قوله: (ما أعددت لكم ما لم تنظر العيون).
стр. 2685
ويحتمل أن يكون مرفوعًا؛ لكونه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: المُعَدُّ لكم ما لم تنظر العيون ... ، إلى آخر المعطوف.
قوله: "فَيرُوعُه"؛ أي: يُعجبه.
قوله: "فما ينقضي آخرُ حديثه حتى يتخيَّل عليه ما هو أحسنُ منه"، انقضى الشيء؛ أي: انقطع؛ يعني: لا ينقطع آخرُ الحديث حتى يظهرَ على بدنه لباسٌ آخرُ أحسنُ من لباس صاحبه.
يقال: تخيَّلَتِ الأرضُ كذا: أَخرجَتْ زهراتِ نباتها.
قوله: "فيتلقَّانا أزواجنا"، (التلقِّي): الاستقبال، (الأزواج) جمع: زوج وهو المرأة هنا؛ أي: استقبلتْنا زوجاتُنا.
قوله: "مرحبًا وأهلًا، لقد جئتَ وإن بك من الجمال أفضلَ مما فارَقْتَنا عليه"، (مرحبًا وأهلًا): نصب على المصدر، تقديره: رَحبتَ مرحبًا وتأهَّلت أهلًا، واللام في (لقد): جواب قَسَم مقدَّر، تقديره: والله لقد جئتَ، والواو في (وإن) للحال من الضمير في (جئت)، يعني: والله لقد جئتَنا في حالِ كونِك أحسنَ وجهًا وأتمَّ حالًا مما كنتَ عليه حين فارقتَنا.
قوله: "فيقول: إنَّا جالَسْنَا اليومَ ربنا الجبَّارَ، ويَحِقُّنا أن ننقلبَ بمثل ما انقلبنا"، حقَّ الشيءُ يحِقُّ - بالكسر -؛ أي: وَجَبَ؛ يعني: وجبَ لنا أن نرجعَ إلى مِثْلِ ما رجعنا من الجمال التام، فإنَّا قد جالَسْنَا لطفَ ربنا تعالى في هذا اليوم، فأعطانا خِلْعَة الجمال وحُلَّةَ الكمال.
* * *
٤٣٨٢ - عن أبي سعيدٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أدنَى أَهْلِ الجَنَّةِ الذي لهُ ثمانونَ ألفَ خادِمٍ، واثنتانِ وسَبْعونَ زوجةً، ويُنْصَبُ لهُ قُبَّةٌ منْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ وياقوتٍ كما بينَ الجابيَةِ إلى صَنْعاءَ".
стр. 2686
وبه قالَ: "مَنْ ماتَ منْ أَهْلِ الجَنَّةِ منْ صَغيرٍ أو كبيرٍ يُرَدُّونَ بني ثلاثينَ في الجَنَّةِ، لا يزيدونَ علَيها أَبَدًا، وكذلكَ أَهْلُ النَّارِ".
وبه قالَ: "إِنَّ عليهمُ التِّيْجَانَ، أَدْنىَ لُؤْلُؤةٍ مِنْها لَتُضيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ"، غريب.
قوله: "بين الجابية إلى صنعاء"، (الجابية): مدينة بالشام، و (صنعاء) ممدود: قصبة اليمن، ذكره في "الصحاح".
وقيل: أولُ بلدٍ بنيت بعد طوفان نوح ﵇، ذكره في "شرح المقامات".
قوله: "وبه قال: إن عليهم التيجانَ" "وبه قال"، الضمير في (به) الأول والثاني يعود إلى الإسناد؛ يعني: وبالإسناد، ولو لم يوجد لفظة الإسناد في "المصابيح"؛ لأنه صّرح في "شرح السُّنَّة" وقال في كلا الموضعين: وبالإسناد.
* * *
٤٣٨٤ - عن عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ في الجَنَّة لمُجْتَمَعًا للحُورِ العِينِ، يَرْفَعْنَ بأَصْواتٍ لمْ يَسمَع الخَلائِقُ مِثْلَها، يقُلْنَ: نَحْنُ الخالِداتُ فلا نبَيدُ، ونحنُ النَّاعِمَاتُ فلا نَبْأَسُ، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نسخَطُ، طُوْبىَ لِمَنْ كانَ لنا وكُنَّا لهُ".
قوله: "فلا نَبيدُ"؛ أي: فلا نهَلكُ، بادَ: إذا هلكَ.
"نحن الناعمات"؛ أي: المتنعِّمات.
"فلا نبأس"؛ أي: فلا نَصير فقراء محتاجين.
"طُوبى": فُعْلى من: الطِّيب.
* * *
стр. 2687
٤٣٨٥ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ في الجَنَّةِ بَحْرَ الماءِ، وبَحْرَ العَسَلِ، وبَحْرَ اللَّبن، وبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تُشَقَّقُ الأَنْهارُ بَعْدُ".
قوله: "ثم تشقَّق الأنهارُ بعدُ"؛ أي: ثم تجري من الأَبْحُرِ الأربعةِ الأنهارُ بعدَ دخول أهل الجنة، بحيث يجري من تلك الأَبْحُر أنهارٌ أربعةٌ إلى مكانِ كلِّ واحدٍ من أهل الجنة.
* * *
٦ - باب رُؤْيَةِ الله تَعالى
(باب الرؤية)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣٨٦ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ ربَّكُمْ عِيانًا".
قوله: "إنكم ستَرَون ربَّكم عِيانًا"؛ أي: ستُبصرون ربَّكم معاينةً جِهَارًا، و (ربَّكم): منصوب؛ لكونه مفعول (ستَرَون)، و (عيانًا): مصدر في موضع الحال من (ربكم)، ويحتمل أن يكون من الضمير في (ستَرَون ربكم).
ومعنى المعاينة: رفع الحجاب بين الرائي والمَرْئِي، ويجوز أن يكون مشتقًا من: العَين؛ أي: تُبصرون بأعينكم المحسوسة لا الباطنة.
* * *
٤٣٨٧ - وقال جَريرُ بن عبدِ الله: كُنّا جُلوسًا عِنْدَ رسُولِ الله ﷺ فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فقالَ: "إنَّكمْ سَتَرَوْنَ ربكُّمْ كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُونَ في رُؤْيتِهِ، فإن استَطَعتُمْ أن لا تُغْلبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُروبها
стр. 2688
فافْعَلوا. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ".
قوله: "كنا جلوسًا"، (الجلوس) جمع: جالس؛ أي: كنا جالسين.
قوله: "إنكم ستَرَون ربَّكم كما تَرَون هذا القمرَ لا تُضامون في رؤيته"، قال الخطابي: هو الانضمام، يريد: إنكم لا تختلفون في رؤيته حتى تجمعوا للنظر، وينضم بعضكم إلى بعض، فيقول واحد: هو ذاك، ويقول آخر: ليس بذاك، على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أولَ ليلة من الشهر، ووزنه: تَفَاعَلُون، وأصله: تَتَضامون، حُذفت منه إحدى التاءين.
وقد رواه بعضهم: "لا تُضامُون" بضم التاء وتخفيف الميم، فيكون معناه على هذه الرواية: أنه لا يلحقكم ضَيمٌ ولا مشقةٌ في رؤيته، وقد يُخيَّل إلى بعض السامعين أن الكاف في قوله: (كما ترون) كاف التشبيه للمَرْئي، وإنما كان التشبيه للرؤية، وهو فعل الرائي، ومعناه: تَرَون ربَّكم رؤيةً ينزاح معها الشكُّ وتنتفي معها المِريةُ، كرؤيتكم القمرَ ليلةَ البدر، لا ترتابون ولا تمترون فيه.
قوله: "فإن استطعتُم أن لا تُغلَبوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها فافعلوا"؛ يعني: إن قدرتُم على ألا تكونوا مغلوبين في صلاة الصبح وصلاة العصر فافعلوا؛ يعني: مَن داوَمَ على هاتَين الصلاتَين فكأنه ممن رُزِقَ لقاءَ الله سبحانه، فإذا كان كذلك فمداومتُه على هاتَين الصلاتَين كأنه عنوانٌ على حسن خاتمته.
قال الخطابي: هذا يدل على أن الرؤيةَ قد يُرجَى نيلُها بالمحافظة على هاتَين الصلاتَين، ووقوعُ الاختصاص لهاتَين الصلاتَين بالذِّكر - وإن كانتا كسائر الصلوات في محل الفرضية - كاختصاصهما بلَقَبِ التوسُّط بين الصلوات الخمس، وإن كان كلُّ واحدةٍ من الخَمس مستحقةٌ لهذه الصفة في وضع الحساب، والله أعلم.
стр. 2689
وقيل: إنما خُصصتا بالذِّكر دون ما عداهما، مع أن الكلِّ واحدٌ في الوجوب؛ لكونهما واقعتَين في زمان الغفلة.
أما صلاةُ الصبح، فلأن زمانَها زمانُ استراحةِ النوم، وصلاةُ العصر زمانُها زمانُ الاشتغال بالتجارات والأكساب، فقطعُ لذةِ النومِ ولذةِ تحصيل الأموال موجبٌ لهذا العزِّ الأبديِّ.
* * *
٤٣٨٨ - وعن صَهَيْبٍ عن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يقُولُ الله ﵎: تُريدُونَ شَيئًا أَزيدُكُمْ؟ فيقولونَ: ألَمْ تُبيضْ وُجُوهَنا؟ ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنجِّنا منَ النَّارِ؟ قالَ: بلى. فيُرْفَعُ الحِجَابُ فيَنظُرونَ إلى وَجْهِ الله، فما أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبهمْ. ثُمَّ تلا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ".
قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]؛ أي: للذين أحسنوا العملَ في الدنيا ﴿الْحُسْنَى﴾، وهي الجنة، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصدِّيق وحذيفة وأبو موسى وعبادة بن الصامت ﵃، وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحَّاك والسدِّي ذكره في "معالم التنزيل".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٣٨٩ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةً لَمَنْ ينظُرُ إلى جِنانِهِ وأَزْواجِهِ ونَعيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسيرةَ ألْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمَهُمْ على الله مَنْ ينظُرُ إلى وَجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً. ثمّ قَرأَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
стр. 2690
نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ".
قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، قال في "شرح السُّنَّة": قوله ﴿نَاضِرَةٌ﴾؛ أي: ناعمة بالنظر إلى ربها.
* * *
٤٣٩٠ - عن أبي رَزينٍ العُقَيْليِّ قالَ: قلتُ يا رسُولَ الله! أَكُلُّنا يَرى ربَّهُ مُخْلِيًا بهِ يومَ القِيامَةِ؟ وما آيةُ ذلكَ في خَلْقِهِ؟ قالَ: "يا أبا رَزِينٍ أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرى القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ مُخْلِيًا بهِ؟ " قالَ: بلى، قالَ: "فإنَّما هو خَلْقٌ منْ خَلْقِ الله، والله أجَلُّ وأَعْظَمُ".
قوله: "يرى ربَّه مُخْلِيًا به يومَ القيامة"، (مُخْلِيًا)؛ أي: خاليًا؛ يعني: يرى ربَّه يومَ القيامة بحيث لا يزاحمُه في الرُّؤية أحدٌ.
* * *
٧ - باب صِفَةِ النَّار وأهلِها
(باب صفة النار)
مِنَ الصِّحَاحَ:
٤٣٩١ - عن أبي هُريرَةَ ﵁: أَنَّ رَسولَ الله ﷺ قالَ: "نارُكُمْ جُزْءٌ منْ سَبْعينَ جُزءًا منْ نارِ جَهَنَّمَ". قيلَ: يا رسولَ الله! إنْ كانتْ لكَافِيةً، قالَ: "فإنَّها فُضلَتْ عَلَيْهِنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزءًا، كلُّهنَّ مثلُ حَرِّها".
قوله: "إن كانت" النارُ "لكافيةً"، (إنْ): هي الخفيفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة لا النافية، وتقدير الكلام: إن هذه النارَ التي تراها في الدنيا كانت
стр. 2691
كافيةً في الإحراق والتعذيب.
قال: "فُضلَتْ" نارُ جهنم؛ أي: زِيدَتْ على نيران الدنيا.
* * *
٤٣٩٢ - وقالَ: "اِشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبها فقالت: رَبِّ أَكلَ بعضي بَعْضًا، فأَذِنَ لها بنفَسَيْنِ: نفَسٍ في الشِّتاءِ، ونفَسٍ في الصَّيفِ، أَشَدُّ ما تَجِدُونَ منَ الحَرِّ، وأَشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الزَّمْهَريرِ".
قوله: "فأَذِنَ لها بنفَسَين: نَفسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف"، الحديث.
الضمير في (لها) عائد إلى (النار)، يجوز النصب في "أشد" والرفع من حيث الإعراب؛ فالرفع على تقدير: هو أشدُّ؛ أي: تنفُّسها هو أشدُّ الحر وأشدُّ البرد، والنصب على تقدير الظرفية, لأنه خبر عن الحَدَث؛ أي: التنفُّسُ كائنٌ في أشدِّ زمان الحَرِّ والبرد.
فالحرارةُ في الصيف والبرودةُ في الشتاء إنما يكونانِ من ذَيْنك النَّفَسَين، لكنهما لا يجيئان في وقتيهما مرةً واحدةً؛ لأنهما لو كانا يجيئانِ في وقتيهما بمرةٍ واحدةٍ لأَهلَكَتَا الخلائقَ، وإنما تجيء كلُّ واحدةٍ منهما في وقته بدفعاتٍ كما هو محسوسٌ، رحمةً من الله على عباده، ومزيدًا لإنعامه عليهم؛ ليكونوا سالمين من ذلك.
* * *
٤٣٩٤ - وقالَ: "إنَّ أهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذابًا مَنْ لهُ نَعْلانِ وشِرَاكَانِ مِنْ نارٍ يَغْلي منهُما دِماغُهُ كما يَغْلي المِرْجَلُ، ما يَرى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ منهُ عَذابًا، وإنّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذابًا".
قوله "كما يغلي المِرْجَل"، قال في "الفائق": المِرجل: كلُّ قِدْرٍ يُطبَخ فيه
стр. 2692
من حجارة أو حديدة أو خزف.
وقيل: إنما سُمي به؛ لأنه إذا نُصِبَ فكأنه أُقيم على رجلٍ.
* * *
٤٣٩٥ - وقالَ: "أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذابًا أبو طَالِبٍ، وهو مُنْتَعِلٌ بنعْلَيْنِ يَغْلي مِنْهُما دِماغُه".
قوله: "وهو مُنتعِل بنعْلَين" (المُنتعِل): المُحْتَذِي، وهو لابسُ الحِذَاء، وهو النعل، و (النعل): مؤنثة سماعية، تصغيرها: نُعَيلة، فُعَيلة.
* * *
٤٣٩٦ - وقالَ: "يُؤْتَى بأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنيا منْ أَهْلِ النَّارِ يومَ القِيامةِ فيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابن آدَم! هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قطُّ؟ فيقولُ: لا والله يا رَبِّ، ويُؤتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنيا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فيُصبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ فيقالُ لهُ: يا ابن آدمَ! هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قطُّ؟ فيقولُ: لا والله يا رَبِّ، ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ".
قوله: "يُؤتَى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يومَ القيامة، فيُصبَغ في النار صبغةً"، الحديث.
الباء في بـ (أنعم): للتعدية، و (أنعم): أفعل التفضيل من: النعمة، وهي الطِّيب.
و"قَطُّ": معناها الزمان، يقال: ما رأيتُه قطُّ، قال الكِسائي: كانت (قَطُطُ)، فلما سُكِّن الحرفُ الثاثي للإدغام جُعل الآخرُ متحركًا إلى إعرابه، ذكره في "الصحاح".
стр. 2693
وقيل: المراد بالصَّبغ هنا: الغَمس, لأن الصبغَ لا يكون غالبًا إلا بالغَمس، فيكون مجازًا من نوع إطلاق اسم الملزوم على اللازم.
"البؤس": الشدة والمشقة؛ يعني: يُجاء يومَ القيامة من له أنعمُ عيشًا، أو أطيبُ حالًا في الدنيا من أهل النار، فإذا أُدخل النارَ فيُسأل عما مضى عليه في الدنيا من طيب عيشه، فيقال له: هل رأيتَ خيرًا وسرورًا فيها قطُّ؟ وهل وجدتَ فيها نعمةً؟ فشدةُ العذاب تُنسيه ما مضى عليه من نعيم الدنيا، فيقول: ما وجدتُ شيئًا قطُّ من نعيمها وزبرجدها، وكذا يُجاء يوم القيامة من له أشدُّ حالًا وأسوءُ عيشًا في الدنيا من أهل الجنة، فإذا أُدخل الجنةَ بفضله فيُسأل عما كان عليه من تعب الدنيا وشدتها، فنعيمُ الجنة يُنسيه ما مضى فيها من سوء الحال وضيق البال.
* * *
٤٣٩٧ - عن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "يقولُ الله تعالى لأِهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذابًا يَوْمَ القِيامةِ: لوْ أنَّ لكَ مَا في الأَرْضِ منْ شَيءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بهِ؟ فيقولُ: نَعَم، فيقولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هذا وأنتَ في صُلْبِ آدَمَ، أنْ لا تُشرِكَ بي شَيْئًا فأبَيْتَ إلا أنْ تُشرِكَ بي".
وقوله "يقول الله لأهونِ أهل النار عذابًا يومَ القيامة: لو أن لك ما في الأرض" الحديث.
(أهون): أفعل التفضيل، من: هانَ الشيءُ عليه يَهُون هَونًا: إذا خفَّ وسَهُلَ.
(لو أن لك ما في الأرض) تقديره: لو ثبتَ أن لك؛ لأن (لو) يقتضي الفعل الماضي، وإذا وقعت (أن) المفتوحة بعد (لو) كان حذف الفعل واجبًا, لأن ما في (أن) من معنى التحقيق والثبات ينزل بمنزلة ذلك الفعل المحذوف.
стр. 2694
الهمزة في "أكنت": للاستفهام بمعنى التوبيخ، و"الافتداء": إعطاء الفِداء، و"نعم": جواب للاستفهام والخبر تصديقًا لِمَا قبلَه نفيًا كان أو إثباتًا؛ يعني: يقول الله سبحانه لمَن له تخفيفٌ في العذاب يومَ القيامة: لو حصل لك ما في الأرض جميعًا هل كنت تفتدي بها لخلاص نفسك عن النار؟ فيقول: نعم يا ربِ.
"فيقول" الله تعالى: "أردتُ منك أهونَ من هذا"؛ أي: أمرتُك بأسهلَ من هذا وأخفَّ عليك، وهو الإيمان والتصديق بي وبجميع كتبي ورسلي وما هو في الآخرة من الغيب، وأنتَ في صلب آدم، فأَبيتَ إلا أن تُشركَ بي؛ أي: فامتنعتَ عن الإيمان والإسلام وأشركتَ بي، والإرادة ها هنا بمعنى: الأمر، والفرق بين الأمر والإرادة: أن ما يجري في العالَم لا محالَة كائنٌ بإرادته ومشيئته، وأما الأمرُ فقد يكون مخالفًا لإرادته ومشيئته.
* * *
٤٣٩٨ - وعن سَمُرةَ بن جُنْدَبٍ: أنَّ نَبيَّ الله ﷺ قال: "منهُمْ مَنْ تأخُذُهُ النَّارُ إلى كَعْبَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلى رُكبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ تأخُذُهُ النَّارُ إلى حُجْزَتِهِ، ومنهُم مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلى تَرْقُوَتِهِ".
قوله: "مَن تأخذه النارُ إلى حُجْزَتِه": (الحُجْزَة): مَعقِد الإزار.
* * *
٤٤٠٠ - وقالَ: "ضرْسُ الكافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وغِلَظُ جِلْدِهِ مَسيرَةُ ثَلاثٍ".
مِنَ الحِسَان:
٤٤٠٢ - وقالَ ﷺ : "ضرْسُ الكافِرِ يَوْمَ القِيامةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وفخِذُهُ مِثْلُ البَيْضاءِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مَسيرةُ ثلاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ".
стр. 2695
قوله: "ضرْسُ الكافر مِثْلُ أُحُد"، (الضرْس): السِّنُّ.
و (أُحُد): جبل بالمدينة.
و (مسيرة ثلاثٍ)، يعني: ثلاث ليالٍ، وكبَّر جثةَ الكافر وغلَّظ جِلدَه، ليثقلَ عليه العذاب ويشتدَّ.
وقيل: (البيضاء): اسم جبل, لأنه وُجد في غير هذا الحديث مقرونًا في الذِّكر بوَرْقان وأُحد، وهما من جبال المدينة.
ويقوِّيه حديثُ أبي ذَرٍّ: أنه خرج في لَقاح رسول الله ﷺ ، وكانت تَرعَى: البيضاءَ، فأجدب ما هنالك، فقرَّبوها إلى الغابة.
وقيل: إن الترمذي ذكر في كتابه بعد رواية الحديث: أن البيضاءَ جبلٌ.
وقال في "المغيث": في ديار العرب مواضع تُسمى: البيضاء.
قوله: "مِثْلُ الرَّبَذة".
قيل: يريد ما بين المدينة والرَّبَذة، وهي قريب من ذات عِرْق، وهي ثلاث مراحل.
وقيل: قرية من قرى مكة.
* * *
٤٤٠٤ - عن ابن عُمَرَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ الكافِرَ لَيُسْحَبُ لِسانُهُ الفَرْسَخَ والفَرْسَخَيْنِ يتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ"، غريب.
قوله "يتوطَّؤُه الناسُ"؛ أي: يمشي الناسُ على لسانه الممتد الفَرسخَين أو الفَرسخ.
* * *
стр. 2696
٤٤٠٥ - عن أبي سعيدٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الصَّعُودُ جَبَلٌ منْ نارٍ يَتَصَعَّدُ فيهِ سَبْعينَ خَرِيفًا، ويَهوي بهِ كذلكَ فيه أَبَدًا".
قوله: "يتصعَّد فيه سبعين خريفًا"؛ أي: يُكلَّف الكافرُ ارتقاءَه مدةَ سبعين سَنةً، وكذلك يُكلَّف سقوطَه من ذلك الجبل في النار مدةَ سبعين سَنةً، وتكليفُه صعودَ ذلك الجبلِ وهبوطَه لا ينقطع، كما أشار إليه بقوله: "ويهوي به كذلك فيه أبدًا"، فـ (كذلك) خبر مبتدأ مقدَّر، تقديره: كذلك عادتُه في الصعود والهبوط المذكورَين أبدًا، فحينئذٍ ذَكرَ السبعين وأراد به الدوامَ.
* * *
٤٤٠٦ - وقالَ في قَوْلِه: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أي كعَكَرِ الزَّيْتِ، فإذا قُرِّبَ إلى وَجْهِهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فيهِ".
قوله: "أي كعَكَرِ الزيت"؛ أي: دُرْدِيُّه.
أورد في "شرح السُّنَّة": (المُهل): الرصاص المُذَاب والصفر والفضة، وكلُّ ما أُذيب من هذه الأشياء فهو مُهْلٌ.
وقيل: المُهْل: الصديد الذي يسيل من جلود أهل النار.
وقيل: المُهْل: دُرْدِيُّ الزيت، وهو معنى (عَكَر الزيت).
قوله: "سقطت فَروةُ وجهه فيه"، الضمير في (فيه) يعود إلى (العَكَر)، و (الفَروة): الجِلدة، (فَروة وجهه) يريد: جلدته، ويُروى: "قَرْقَرَة وجهه"؛ أي: جلدة وجهه.
و (القَرْقَرَة): من لباس النساء، شُبهَتْ بشرةُ الوجه بها، ذكر في "شرح السُّنَّة".
* * *
стр. 2697
٤٤٠٧ - وقالَ: "إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُؤُوسهِمْ فيَنْفُذُ الحَمِيمُ حتَّى يَخلُصَ إلى جَوْفِهِ، فيَسْلُتُ ما في جَوْفِهِ حتَّى يَمْرُقَ منْ قَدَمَيْهِ، وهو الصَّهْرُ، ثمَّ يُعادُ كما كانَ".
قوله "إن الحميمَ لَيُصَبُّ على رؤوسهم": الحميم والحميمة: الماء الحارُّ.
و (الصَّبُّ): إراقة الماء، يقال: صَبَبتُ الماءَ فانصبَّ؛ أي: سكبتُه فانسَكَبَ.
و (ينفذ)؛ أي: يمضي، يقال: نَفَذَ السهمُ من الرَّمِيَّة نفاذًا ونفوذًا: إذا مضى.
وخَلَصَ إليه الشيءُ: وصلَ.
قوله: "فيَسلُتُ ما في جوفه حتى يَمرُقَ من قدَميه"، (يَسلُت)؛ أي: يمسح، من سَلَتَ القصعةَ: إذا مسحَها من الطعام، وسَلَتَتِ المرأةُ خضابَها عن يدها: إذا مسحتْه، وألقتْه عنها، وسَلَتَ بالسيف أنفَه؛ أي: جَدَعَه.
و (المُروق): الخروج، من: مَرَقَ السهمُ من الرَّمِيَّةِ مروقًا؛ أي: خرجَ من الجانب الآخر، ومنه سُميت الخوارجُ مارقةً؛ لمُروقهم عن مذهب أهل السُّنَّة.
و (الصَّهْرُ): الإذابة، يقال: صَهرتُ الشيءَ فانصَهَرَ؛ أي: أَذبتُه فذَابَ، فهو صهير.
* * *
٤٤٠٨ - عن أبي أُمامَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ في قوله ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: "يُقرَّبُ إلى فيهِ فَيَكْرهُهُ، فإذا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رأْسِهِ، فإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعاءَهُ حتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يقولُ الله تعالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ويقولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ".
قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾، وصديد الجرح: ماؤه الرقيق
стр. 2698
الخليط بالدم قبل أن تغلظ المِدَّة، ذكره في "الصحاح".
(يتجرَّعه)؛ أي: يتحسَّاه ويشربه، لا بمرةٍ واحدةٍ، بل جرعةً جرعةً؛ لمرارته وحرارته.
* * *
٤٤٠٩ - وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لِسُرْادِقِ النّارِ أَرْبَعةُ جُدُرٍ، كِثَفُ كُلِّ جِدارٍ مَسيرةُ أَرْبعينَ سَنَةً".
وقوله: "لِسُرَادِقِ النارِ أربعةُ جُدُرٍ"، قال في "شرح السُّنَّة": السُّرادق: كل ما أحاط بشيءٍ، نحو المضرب والخِبَاء، يقال للحائط المشتمل على الشيء: السُّرادق، قال الله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
و (الجُدُر) جمع: جدار، و"كِثَفُ كلِّ جدارٍ"؛ أي: غِلَظُه.
* * *
٤٤١٠ - وبه قالَ: "لوْ أنَّ دَلْوًا منْ غَسَّاقٍ يُهْراقُ في الدُّنيا لأَنْتَن أَهْلُ الدُّنيا".
قوله: "لو أن دَلْوًا من غَسَّاقٍ يُهراقُ في الدنيا لأَنْتَنَ أهلُ الدنيا"، وهراقَ الماء يُهَريق - بفتح الهاء - هِرَاقةً إذا صبَّه، وأصله: أَراقَ يُرِيقُ إراقةً، وفيه لغة أخرى: أَهْرَقَ الماءَ - بسكون الهاء - يُهْرِقُه إهراقًا، على أَفْعَلَ يُفْعِلُ.
قال سيبويه: قد أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم ألزمت، فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أُدخلت الألف بعدُ [على] الهاء وتُركت الهاء عوضًا من حذفهم [حركةَ] العين؛ لأن أصل أَهْرَقَ: أَرْيَقَ.
و (الغَسَّاق): البارد المُنْتِن، يُخفَّف ويُشدَّد، ذكره في "الصحاح".
стр. 2699
قال ابن الأنباري: الغَسَّاق: باردٌ مُحرِق لا يُقدَر على شربه مِن بردِه، كما لا يُقدَر على شرب الحميم لحرارته.
قال السُّدَّي: هو ما يسيل من أعينهم من الدموع، يُسْقَونه مع الحميم، يقال: غَسَقَتْ عينُه: إذا سالت، تَغْسِق.
وقال غيره: هو ما يَغْسَقُ من جلود أهل النار من الصديد.
قال الإمام شهاب الدين التُّورِبشتي في "شرحه": وجدت في كتابِ جمعٍ من حُفَّاظ الحديث: "أهلَ الدنيا" مُقيدًا لامَه بالنصب، وليس ذلك بصوابٍ فإن (أنتن) لازم، يقال: نَتَنَ الشيءُ وأَنْتَنَ: إذا تغيَّر، وإنما الصواب: (أهلُ) بالرفع، ولو كان الفعل متعديًا كان المعنى أتمَّ وأوجهَ، فيحتمل أن الأصل فيه: (انتنَّ) بالتشديد، فلم يعرف بعضُ الرواة الفرقَ بين الكلمتين، فرواه: (أنتن)، هذا كلُّه منقولٌ من "شرحه".
يعني: لو صُبَّ دَلْوٌ من صديد أهل النار في أهل الدنيا لم يكن لأهلها قرارٌ ولا سكونٌ من نَتَنِه، فكيف حالُ من هذا طعامُه؟! أعاذنا الله منه بفضله.
* * *
٤٤١١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَرَأَ هذهِ الآيَة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قالَ رسولُ الله ﷺ : "لوْ أنَّ قَطْرةً منَ الزَّقُّومِ قَطَرتْ في دارِ الدُّنيا لأَفْسَدَتْ على أَهْلِ الأَرْضِ مَعَايشَهُمْ، فكَيْفَ بِمَنْ يكونُ طعامُهُ؟ "، صحيح.
قوله: "لو أن قطرةً من الزَّقُّوم قَطَرت في دار الدنيا"، الحديث.
(الزَّقُّوم): شجرة خبيثة، ثمره كريهة الطعم، يُكرَه أهلُ النار على تناوله، فهم يتزقَّمونه على أشد كراهية منهم، ومنه قوله: تَزَقَّمَ الطعامَ: إذا تناوَلَه على
стр. 2700
كرهٍ ومشقةٍ، ذكره في "معالم التنزيل".
قوله: "فكيف بمن يكون طعامه؟! " الفاء في (فكيف): جواب شرط مقدَّر، فكأنه قال: إذا عرفتَ ذلك فكيف يفعل مَن يكون طعامُه ذلك؟! أي: الزَّقُّوم؛ يعني: كيف حالُ مَن طعامُه الزَّقُّوم في النار؟!
* * *
٤٤١٢ - عن أبي سَعيدٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: " ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قالَ: تَشْويهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُليا حتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وتَسْترخِيَ شَفتهُ السُّفلَى حتَّى تَضْرِبَ سُرَّتهُ".
قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ وما قبله ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، يعني: تحرق النارُ وجوهَ الذين خسروا أنفسَهم، أعني الكَفَرة، وهم في النار عابسون.
قوله: "فتَقَلَّصُ شَفَتُه العليا"، (تَقَلَّصُ) أصله: تتقلَّص، فحُذفت إحدى التاءين تخفيفًا، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ﴾ [هود: ١٠٥] الآية، وأصله: لا تتكلم، ومعناه: تنقبض، و (العليا) تأنيث: الأعلى.
و"وَسطَ رأسِه" بسكون السين: ظرف، وبفتحها: نعت.
و"تسترخي"؛ أي: تَستَرسل وتَتدلَّى، و (السُّفلى) تأنيث: الأسفل.
* * *
٤٤١٣ - عن أنسٍ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قالَ: "يا أيُّها النَّاسُ ابْكُوا، فإنْ لمْ تَسْتَطيعوا فتباكَوْا، فإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكونَ في النَّارِ حتَّى تسيلَ دُمُوعُهُمْ في وُجُوهِهِمْ كأَنَّها جَداوِلُ، حتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فتسيلُ الدِّماءُ فتقَرَّحُ العُيونُ، فلوْ أنَّ سُفُنًا أُرْخِيَتْ فيها لجَرَتْ".
следующие страницы →