Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
٤٤٠٥ - عن أبي سعيدٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الصَّعُودُ جَبَلٌ منْ نارٍ يَتَصَعَّدُ فيهِ سَبْعينَ خَرِيفًا، ويَهوي بهِ كذلكَ فيه أَبَدًا".
قوله: "يتصعَّد فيه سبعين خريفًا"؛ أي: يُكلَّف الكافرُ ارتقاءَه مدةَ سبعين سَنةً، وكذلك يُكلَّف سقوطَه من ذلك الجبل في النار مدةَ سبعين سَنةً، وتكليفُه صعودَ ذلك الجبلِ وهبوطَه لا ينقطع، كما أشار إليه بقوله: "ويهوي به كذلك فيه أبدًا"، فـ (كذلك) خبر مبتدأ مقدَّر، تقديره: كذلك عادتُه في الصعود والهبوط المذكورَين أبدًا، فحينئذٍ ذَكرَ السبعين وأراد به الدوامَ.
* * *
٤٤٠٦ - وقالَ في قَوْلِه: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أي كعَكَرِ الزَّيْتِ، فإذا قُرِّبَ إلى وَجْهِهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فيهِ".
قوله: "أي كعَكَرِ الزيت"؛ أي: دُرْدِيُّه.
أورد في "شرح السُّنَّة": (المُهل): الرصاص المُذَاب والصفر والفضة، وكلُّ ما أُذيب من هذه الأشياء فهو مُهْلٌ.
وقيل: المُهْل: الصديد الذي يسيل من جلود أهل النار.
وقيل: المُهْل: دُرْدِيُّ الزيت، وهو معنى (عَكَر الزيت).
قوله: "سقطت فَروةُ وجهه فيه"، الضمير في (فيه) يعود إلى (العَكَر)، و (الفَروة): الجِلدة، (فَروة وجهه) يريد: جلدته، ويُروى: "قَرْقَرَة وجهه"؛ أي: جلدة وجهه.
و (القَرْقَرَة): من لباس النساء، شُبهَتْ بشرةُ الوجه بها، ذكر في "شرح السُّنَّة".
* * *
стр. 2697
٤٤٠٧ - وقالَ: "إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُؤُوسهِمْ فيَنْفُذُ الحَمِيمُ حتَّى يَخلُصَ إلى جَوْفِهِ، فيَسْلُتُ ما في جَوْفِهِ حتَّى يَمْرُقَ منْ قَدَمَيْهِ، وهو الصَّهْرُ، ثمَّ يُعادُ كما كانَ".
قوله "إن الحميمَ لَيُصَبُّ على رؤوسهم": الحميم والحميمة: الماء الحارُّ.
و (الصَّبُّ): إراقة الماء، يقال: صَبَبتُ الماءَ فانصبَّ؛ أي: سكبتُه فانسَكَبَ.
و (ينفذ)؛ أي: يمضي، يقال: نَفَذَ السهمُ من الرَّمِيَّة نفاذًا ونفوذًا: إذا مضى.
وخَلَصَ إليه الشيءُ: وصلَ.
قوله: "فيَسلُتُ ما في جوفه حتى يَمرُقَ من قدَميه"، (يَسلُت)؛ أي: يمسح، من سَلَتَ القصعةَ: إذا مسحَها من الطعام، وسَلَتَتِ المرأةُ خضابَها عن يدها: إذا مسحتْه، وألقتْه عنها، وسَلَتَ بالسيف أنفَه؛ أي: جَدَعَه.
و (المُروق): الخروج، من: مَرَقَ السهمُ من الرَّمِيَّةِ مروقًا؛ أي: خرجَ من الجانب الآخر، ومنه سُميت الخوارجُ مارقةً؛ لمُروقهم عن مذهب أهل السُّنَّة.
و (الصَّهْرُ): الإذابة، يقال: صَهرتُ الشيءَ فانصَهَرَ؛ أي: أَذبتُه فذَابَ، فهو صهير.
* * *
٤٤٠٨ - عن أبي أُمامَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ في قوله ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: "يُقرَّبُ إلى فيهِ فَيَكْرهُهُ، فإذا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رأْسِهِ، فإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعاءَهُ حتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يقولُ الله تعالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ويقولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ".
قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾، وصديد الجرح: ماؤه الرقيق
стр. 2698
الخليط بالدم قبل أن تغلظ المِدَّة، ذكره في "الصحاح".
(يتجرَّعه)؛ أي: يتحسَّاه ويشربه، لا بمرةٍ واحدةٍ، بل جرعةً جرعةً؛ لمرارته وحرارته.
* * *
٤٤٠٩ - وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لِسُرْادِقِ النّارِ أَرْبَعةُ جُدُرٍ، كِثَفُ كُلِّ جِدارٍ مَسيرةُ أَرْبعينَ سَنَةً".
وقوله: "لِسُرَادِقِ النارِ أربعةُ جُدُرٍ"، قال في "شرح السُّنَّة": السُّرادق: كل ما أحاط بشيءٍ، نحو المضرب والخِبَاء، يقال للحائط المشتمل على الشيء: السُّرادق، قال الله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
و (الجُدُر) جمع: جدار، و"كِثَفُ كلِّ جدارٍ"؛ أي: غِلَظُه.
* * *
٤٤١٠ - وبه قالَ: "لوْ أنَّ دَلْوًا منْ غَسَّاقٍ يُهْراقُ في الدُّنيا لأَنْتَن أَهْلُ الدُّنيا".
قوله: "لو أن دَلْوًا من غَسَّاقٍ يُهراقُ في الدنيا لأَنْتَنَ أهلُ الدنيا"، وهراقَ الماء يُهَريق - بفتح الهاء - هِرَاقةً إذا صبَّه، وأصله: أَراقَ يُرِيقُ إراقةً، وفيه لغة أخرى: أَهْرَقَ الماءَ - بسكون الهاء - يُهْرِقُه إهراقًا، على أَفْعَلَ يُفْعِلُ.
قال سيبويه: قد أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم ألزمت، فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أُدخلت الألف بعدُ [على] الهاء وتُركت الهاء عوضًا من حذفهم [حركةَ] العين؛ لأن أصل أَهْرَقَ: أَرْيَقَ.
و (الغَسَّاق): البارد المُنْتِن، يُخفَّف ويُشدَّد، ذكره في "الصحاح".
стр. 2699
قال ابن الأنباري: الغَسَّاق: باردٌ مُحرِق لا يُقدَر على شربه مِن بردِه، كما لا يُقدَر على شرب الحميم لحرارته.
قال السُّدَّي: هو ما يسيل من أعينهم من الدموع، يُسْقَونه مع الحميم، يقال: غَسَقَتْ عينُه: إذا سالت، تَغْسِق.
وقال غيره: هو ما يَغْسَقُ من جلود أهل النار من الصديد.
قال الإمام شهاب الدين التُّورِبشتي في "شرحه": وجدت في كتابِ جمعٍ من حُفَّاظ الحديث: "أهلَ الدنيا" مُقيدًا لامَه بالنصب، وليس ذلك بصوابٍ فإن (أنتن) لازم، يقال: نَتَنَ الشيءُ وأَنْتَنَ: إذا تغيَّر، وإنما الصواب: (أهلُ) بالرفع، ولو كان الفعل متعديًا كان المعنى أتمَّ وأوجهَ، فيحتمل أن الأصل فيه: (انتنَّ) بالتشديد، فلم يعرف بعضُ الرواة الفرقَ بين الكلمتين، فرواه: (أنتن)، هذا كلُّه منقولٌ من "شرحه".
يعني: لو صُبَّ دَلْوٌ من صديد أهل النار في أهل الدنيا لم يكن لأهلها قرارٌ ولا سكونٌ من نَتَنِه، فكيف حالُ من هذا طعامُه؟! أعاذنا الله منه بفضله.
* * *
٤٤١١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَرَأَ هذهِ الآيَة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قالَ رسولُ الله ﷺ : "لوْ أنَّ قَطْرةً منَ الزَّقُّومِ قَطَرتْ في دارِ الدُّنيا لأَفْسَدَتْ على أَهْلِ الأَرْضِ مَعَايشَهُمْ، فكَيْفَ بِمَنْ يكونُ طعامُهُ؟ "، صحيح.
قوله: "لو أن قطرةً من الزَّقُّوم قَطَرت في دار الدنيا"، الحديث.
(الزَّقُّوم): شجرة خبيثة، ثمره كريهة الطعم، يُكرَه أهلُ النار على تناوله، فهم يتزقَّمونه على أشد كراهية منهم، ومنه قوله: تَزَقَّمَ الطعامَ: إذا تناوَلَه على
стр. 2700
كرهٍ ومشقةٍ، ذكره في "معالم التنزيل".
قوله: "فكيف بمن يكون طعامه؟! " الفاء في (فكيف): جواب شرط مقدَّر، فكأنه قال: إذا عرفتَ ذلك فكيف يفعل مَن يكون طعامُه ذلك؟! أي: الزَّقُّوم؛ يعني: كيف حالُ مَن طعامُه الزَّقُّوم في النار؟!
* * *
٤٤١٢ - عن أبي سَعيدٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: " ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قالَ: تَشْويهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُليا حتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وتَسْترخِيَ شَفتهُ السُّفلَى حتَّى تَضْرِبَ سُرَّتهُ".
قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ وما قبله ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، يعني: تحرق النارُ وجوهَ الذين خسروا أنفسَهم، أعني الكَفَرة، وهم في النار عابسون.
قوله: "فتَقَلَّصُ شَفَتُه العليا"، (تَقَلَّصُ) أصله: تتقلَّص، فحُذفت إحدى التاءين تخفيفًا، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ﴾ [هود: ١٠٥] الآية، وأصله: لا تتكلم، ومعناه: تنقبض، و (العليا) تأنيث: الأعلى.
و"وَسطَ رأسِه" بسكون السين: ظرف، وبفتحها: نعت.
و"تسترخي"؛ أي: تَستَرسل وتَتدلَّى، و (السُّفلى) تأنيث: الأسفل.
* * *
٤٤١٣ - عن أنسٍ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قالَ: "يا أيُّها النَّاسُ ابْكُوا، فإنْ لمْ تَسْتَطيعوا فتباكَوْا، فإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكونَ في النَّارِ حتَّى تسيلَ دُمُوعُهُمْ في وُجُوهِهِمْ كأَنَّها جَداوِلُ، حتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فتسيلُ الدِّماءُ فتقَرَّحُ العُيونُ، فلوْ أنَّ سُفُنًا أُرْخِيَتْ فيها لجَرَتْ".
стр. 2701
قوله: "فإن لم تستطيعوا فتَباكَوا"، (التباكي): إظهار البكاء عن نفسه من غير أن يَبكيَ؛ أي: تكلَّف عن نفسه البكاء.
و (تباكوا) أصله: تباكَيُوا، على زنة تَفَاعَلَ، وقُلبت الياءُ ألفًا لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلها، وحُذفت لالتقاء الساكنين.
ويجوز أن يقال: أُسكنت الياء لثقل الضمة، فحُذفت لالتقاء الساكنين؛ يعني: إن لم تقدروا على البكاء فأَظهِرُوا البكاءَ عن أنفسكم، فإنه مقدمةُ البكاء.
وفي الحديث: دليلٌ على أن تواجُدَ الصوفية لظهور الوَجْد جائزٌ.
قوله: "كأنها جداول": الضمير عائد إلى (الدموع).
(الجداول) جمع: جَدْوَل، وهو النهر الصغير.
قوله: "فلو أن سُفُنًا أُزجِيَتْ فيها لَجَرَتْ"، (السُّفُن) جمع: سفينة.
(الإزجاء): السَّوق، يقال: أَزجيتُ الإبلَ؛ أي: سُقتُها، الضمير في (فيها): يعود إلى (الدموع)، والفاء في (فلو أن): جواب شرط مقدَّر، يعني: إذا عرفتَ هذا فاعرِفْ أن دموعَ الكَفَرة في النار لو أُجريت فيها السفنُ لَجَرَتْ؛ لكثرتها، وهذا لا يستحيل؛ لأن الكافرَ إذا كان سِنٌّ من أسنانه مثلَ أُحد، وغِلَظُ جلده مسيرةَ ثلاثة أيام، ومَقعدُه من النار قَدْرَ ما بين مكة والمدينة، وهو مئة فرسخ كما ذُكر قبل هذا، فإذا كان كذلك فهو غير مُستبعَدٍ؛ لأنه من الممكنات، والله سبحانه قادرٌ عليها.
* * *
٤٤١٤ - عن أبي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يُلقَى على أَهْلِ النَّارِ الجُوعُ فَيَعْدِلُ ما هُمْ فيهِ منَ العَذابِ، فَيَسْتَغيثونَ، فيُغاثونَ بطَعامٍ ﴿مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾، فيسَتَغيثونَ بالطَّعامِ، فيُغاثونَ بطَعامٍ ذي ﴿غُصَّةٍ﴾ فَيذكُرونَ
стр. 2702
﴿غُصَّةٍ﴾ فَيذكُرونَ أنَّهمْ كانوا يُجيزونَ الغُصَصَ في الدُّنيا بالشَّرابِ، فيسَتَغيثونَ بالشَّرابِ، فيُرفَعُ إليهِمُ ﴿الْحَمِيمِ﴾ بكلاليبِ الحَديدِ، فإذا دنَتْ منْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ، فإذا دَخَلتْ بُطونَهُمْ قَطَّعَتْ ما في بُطُونِهِمْ، فيقَولونَ: ادْعُوا خَزَنَة جَهَنَّمَ، فيقولون: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] قالَ: فيقولون: ادْعُوا مالِكًا، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فيُجِيبُهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] "؟
قال الأَعْمَشُ: نُبئْتُ أنَّ بَيْنَ دُعائهِمْ وإجابَةِ مالِكٍ إيّاهُمْ ألفَ عامٍ.
قالَ: "فيقولون: ادْعُوا ربَّكُمْ فلا أَحَدَ خَيْرٌ منْ ربكُمْ، فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧] قال: فيُجيبُهُمْ ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قال: فعندَ ذلكَ يَئِسوا مِنْ كُلِّ خير، وعِنْدَ ذلكَ يأخُذونَ في الزَّفيرِ والحَسْرةِ والوَيْلِ".
ويُروَى هذا مَوْقُوفًا على أبي الدَّرْداءِ.
قوله: "يُلقَى على أهل النار الجوع، فيَعدِل ما هم فيه من العذاب"، الحديث.
(فيَعدِل) من: العِدْل، والعِدل بالكسر: المِثْل، تقول: عندي عِدْلُ غلامِك وعِدْلُ شاتك: إذا كان غلامًا أو شاةً يعدل غلامًا أو شاةً، وإذا أردت قيمتَه من غير جنسه نصبتَ العينَ، ذكره في "الصحاح".
يعني: يصير أهلُ النار يومَ القيامة جائعين، بحيث يكون ألمُ جوعِهم عِدْلَ ألمِ ما يكون عليهم من العذاب.
(الضَّرع) و (الضَّرِيع): يَبيسُ الشِّبْرِق، وهو نبتٌ، ذكره في "الصحاح".
و (الضَّريع) في الآخرة: شَوكٌ من نارٍ أمرُّ من الصَّبرِ، وأنتنُ من الجِيفة،
стр. 2703
وأشدُّ حرًّا من النار.
قال المفسرون: فلما نزلت: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] قال المشركون: إن إبلَنا لتَسمَنُ على الضريع، فكذبوا؛ فإن الإبلَ إنما ترعاه ما دام رطبًا، فإذا يبس فلا تأكلُه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي﴾ [الغاشية: ٧]، ذكره الإمام أبو الفتوح العجلي في "تفسيره".
"الغُصَّة" واحدة: الغُصَص، وهي الشَّجَى، وهو ما يَنشَب في الحلق من العظم وغيره.
"الحميم": الماء الحارُّ.
و"الخَزَنة" جمع: خازن، كـ (ضَرَبَة) جمع: ضارب، وهم الملائكة الموكَّلون على النار.
قوله: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾؛ أي: لِيُمِتْنا ربُّك لنَستريحَ، قَضَى عليه: إذا ماتَ.
قال في "الغريبين"؛ أي: لِيقضِ علينا الموتَ؛ لنَستريحَ، وهو مثل قوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]؛ أي: لا يُقضى عليهم الموتُ فيموتوا، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]؛ أي: قتلَه.
قوله: "فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ "، قيل: (الشَّقاوة) بفتح الشين و (الشِّقوة) بكسرها: ما كُتِبَ على الشخص في اللوح المحفوظ.
وقيل: الشِّقوة: الهوى، وقيل: عبارة عن السيئات التي أَوجبت له الشقاوةَ.
﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾؛ أي: إلى الكفر والكذب والتكذيب.
﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾؛ أي: لأنفسنا.
"الخَسْء": البُعد؛ أي: ابعُدُوا فيها أذلَّاء، كما يقال للكلب إذا طُرِدَ: اِخْسَأْ.
стр. 2704
﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]؛ أي: في رفع العذاب، فإني لا أرفعُه عنكم، فانقطع رجاؤهم، "وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل".
و (الزفير): اغتراقُ النَّفَس للشدة، وأولُ صوت الحمار.
و (الويل): وادٍ في جهنم، يقال: أخذ فلان في الشيء الفلاني: إذا شرع فيه.
يعني: بعدما يُجابون بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] يصيرون آيسينَ من رحمته تعالى، ثم لا يتكلمون بعدها إلا بالشَّهيق والزَّفير.
يعني: لا يقدرون على أن يتكلموا بعد ذلك، بل يَشْرَعون في الزَّفير والشَّهيق والويل والثُّبور، ويصير لهم عواءً كعواء الكلب، بحيث لا يَفْهَمون ولا يُفْهَمون.
* * *
٤٤١٧ - عن عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاصِ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لوْ أنَّ رَضْرَاضَةً مِثْلَ هذِهِ، وأَشارَ إلى مِثْلِ الجُمْجُمَةِ، أُرسِلتْ منَ السَّماءِ إلى الأَرْضِ في مَسيرةِ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَبَلَغتِ الأَرْضَ قبلَ اللَّيلِ، ولوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِنْ رأْسِ السِّلِسلَةِ لسارتْ أَرْبعينَ خَريفًا اللَّيلَ والنَّهارَ قبل أنْ تبلُغَ أَصْلَها أَوْ قَعْرَها".
قوله: "لو أن رَضْرَاضَةً مثلَ هذا"، الحديث.
(الرَّضْرَاض): ما دقَّ من الحصا، و (الرَّضْرَاضة): واحدةٌ منه.
(الخمخمة) بالخاءَين المعجمتَين: حَبَّة صغيرة صفراء، يقال لها بالفارسية: شفترك.
وقيل: هي (الجمجمة) بالجيمَين، وهي عَظم الرأس المشتمل على الدماغ، والقَدَح من خشب.
стр. 2705
وقيل: الأول أصح، وقد أورد الترمذي في "كتابه": "لو أن رضاضةً مثلَ هذه" بدل (رضراضة).
والرضاضة: قطعة من الرَّضَاض.
قال الإمام التُّورِبشتي: وفي سائر نسخ "المصابيح": (رضراضة) مكان (رضاضة)، وهو غلطٌ لم يوجد في غير كتاب "المصابيح".
وهذا الحديث من جملة أحاديث "كتاب الترمذي"، ومن كتابه نقلَ المؤلفُ، ولعل الغلطَ وقعَ من غيره.
* * *
٤٤١٥ - عن النُّعمانِ بن بَشيرٍ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أَنْذَرْتُكُم النَّارَ، أَنْذَرْتُكُم النَّارَ، فما زالَ يقولُها حتَّى لوْ كانَ في مَقامِي هذا سَمِعَهُ أَهْلُ السُّوقِ، وحتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَةٌ كانتْ عَلَيهِ عِنْدَ رِجْلَيهِ".
قوله: "لو كان في مكاني هذا سمعَه أهلُ السُّوق"، (المكان): المنزل؛ يعني: لو كان رسولُ الله ﷺ في منزلي هذا لَسمعَ صوتَه أهلُ السوق؛ لأنه بالَغَ في الإنذار ورفعَ صوتَه فيه.
* * *
٤٤١٦ - عن أبي بُرْدَةَ عن أَبيهِ ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُقالُ لهُ: هَبْهَبُ، يَسكُنُه كُلُّ جَبَّارٍ".
قوله: "ويَسكنُه كلُّ جبَّار"؛ يعني: يسكن فيه، هذا من جملة ما يُقدَّر فيه معنى (في) اتساعًا؛ إجراء للظرف مَجْرَى المفعول به.
* * *
стр. 2706
٨ - باب خَلْقِ الجَنَّةِ والنَّارِ
(باب خلق الجنة والنار)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٤١٨ - عن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ".
قوله: "حُفَّتِ الجنةُ بالمَكَاره، وحُفَّتِ النارُ بالشهوات"، (حُفَّ به): طاف به واستدارَ وأَحْدَقَ.
(المَكَاره) جمع: كَرْه، وهو المشقة والشدة، جمع على غير قياس، كـ (محاسن) جمع حسن؛ يعني: الجنةُ مُحدَقة بأنواع الشدائد والمشقات، وهي عبارة عن التكاليف الشرعية من الصوم والصلاة والحج والزكاة، فإنها ثقيلةٌ على الأنفس، سيما الزكاةِ؛ فإنها ماليةٌ، فالثقلُ فيها أشدُّ؛ لأن البخلَ مركوزٌ في الطبيعة.
فحينَئذٍ مَن امتثلَ أوامر الشرع فقد قطعَ مفاوزَ المشقات العظيمة من التكاليف، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يحصلَ له الجنةُ الباقيةُ؛ جزاءً لذلك الاحتمال العظيم في التكاليف رزقنا الله سبحانه إياها بفضله.
وكذا النارُ مُحدَقة بالشهوات، وهي عبارة عن الدنيا ومستلذاتها ومرادات النفس، كشرب الخمر والزنا وغير ذلك من المحرَّمات الشرعية، فإن النفوسَ مائلةٌ إليها طبعًا، والشيطانُ مساعدٌ لها طوعًا، أعاذنا الله تعالى منها برحمته.
* * *
стр. 2707
٤٤١٩ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمُتَكبرينَ والمُتَجبرينَ، وقالت الَجنَّةُ: فما لي لا يدخُلني إلَّا ضُعفاءُ النَّاسِ وسَقَطُهُم وغِرَّتُهُمْ؟ فقالَ الله للجَنَّةِ: إنَّما أَنْتِ رَحْمَتي أرحَمُ بكِ مَنْ أشاءُ مِنْ عِبادِي، وقال للنَّارِ: إنَّما أَنْتِ عَذابي أُعذِّبُ بكِ مَنْ أشاءُ مِنْ عِبادِي، ولكُلِّ واحدَةٍ مِنْكُما مِلْؤُها، فأمَّا النَّارُ فلا تَمْتَلِئُ حتَّى يَضَعَ الله رِجْلَهُ فيها، وتَقُول: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنالِكَ تَمْتَلِئُ ويُزْوَى بَعْضُها إلى بَعْضٍ فلا يَظْلِمُ الله مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وأمَّا الجَنَّةُ فإِنَّ الله يُنشِئُ لها خَلْقًا".
وقوله: "تحاجَّت الجنةُ والنارُ"، الحديث.
(تحاجَّ)؛ أي: تخاصَمَ، وفاعلُه أكثرُ من واحد، كما يقال: تخاصَمَ زيدٌ وعمروٌ.
"آثَرَ"؛ أي: اختارَ.
"أُوثِرت"؛ أي: اخترت.
"فما لي لا يدخلني إلا ضعفاءُ الناس وسَفَلتُهم وغِرَّتُهم"، (السَّفَلة): السُّقَّاط من الناس.
الغِرُّ: الذي لم يجرب الأمور، و (غرَّتهم)؛ أي: ذوي غِرَّتهم.
(فما لي؟) أي: فما وقعَ لي؟ أي؛ أيُّ شيءٍ وقع لي، لا يدخلني إلا ضعفاءُ الناس وأراذلُهم ومَن لا مبالاةَ بهم ولا تجربةَ لهم في الأمور الدنيوية؟
يعني: الذين ليس لهم اهتمامٌ بالدنيا، بل راغبون عنها ومائلون إلى الآخرة، بحيث لو أبصرَهم أهلُ الدنيا لَوجدوهم البُلْهَ والحَمْقَى - باعتقادهم - في الأمور الدنيوية، ولهذا قال ﷺ : "أكثرُ أهلِ الجنة البُلْهُ"؛ أي: في أمور الدنيا.
قول الجنة مجازًا: فمالي لا يدخل فيَّ إلا ضعيفٌ أو سقط، يُنظر في الأنبياء والأولياء الداخلين إليها في أنهم من أيَّ قَبيلٍ هم؟ معاذَ الله أن يكونوا من
стр. 2708
الثاني، ووصفهم بالضعف ضد التكبُّر والتجبُّر، أو لأنهم استَضعفوا أنفسَهم متواضعين، كطلبهم على المسكنة والحياء فيها، كما قال ﷺ : "أَحيني مسكينًا، وأَمِتْني مسكينًا".
قال في "شرح السُّنَّة": قوله: "إنما أنتِ رحمتي" سمَّى الجنةَ رحمةً؛ لأن بها تظهر رحمةُ الله على خلقه، كما قال: "أرحمُ بكِ مَن أشاء"، وإلا فرحمةُ الله تعالى صفةٌ من صفاته التي لم يزل بها موصوفًا، ليس لله صفةً حادثةً، والاسمُ حادثٌ، فهو قديمٌ بجميع أسمائه وصفاته، ﷻ وتقدَّست أسماؤه وتعالى جَدَّه.
وقال أيضًا في "شرح السُّنَّة": القَدَم والرِّجل المذكورتانِ في الحديث من صفات الله تعالى المنزَّه عن التشبيه والتكييف، وكذلك كلُّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السُّنَّة، كاليد والإصبع والعين والمجيء والإتيان والنزول؛ فالإيمانُ بها فرضٌ، والامتناعُ من الخوض فيها واجبٌ، والمهتدِي مَن سلك فيها طريقَ التسليم، والخائضُ زائغٌ، والمُنكِرُ مُعطِّلٌ، والمُكيفُ مُشبهٌ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
وقيل: وضعُ القَدَم والرِّجل من باب المجاز والاتساع، ولم يُرِدْ بهما أعيانَهما، بل أراد بذلك ما يَدفع شدتَها ويُسكِّن سورتَها ويقطع مسألتَها.
"قَطْ": بفتح القاف وسكون الطاء، معناه: حَسْبُ.
قوله: "ويُزوَى بعضُها إلى بعض"؛ أي: يجتمع بعضُ النار إلى بعض، من زَويتُ الشيءَ: إذا جمعتُه وقبضتُه؛ يعني: ينضم بعضُها إلى بعض من غاية الامتلاء، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
قوله "فلا يَظلِم الله مِن خلقِه أحدًا"؛ يعني: كلُّ واحدٍ من الناس مَجزيٌّ
стр. 2709
بعمله، إنْ خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ، فحينَئذٍ لا ظلمَ على أحدٍ، قال الله : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧].
فإن قيل: كيف يُتصوَّر الظلمُ في جناب عظمة مَن لا اعتراضَ في أمره ولا كيفَ في حُكمِه، وهو الفاعلُ المختارُ بما نطق به القرآن العظيم، يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]؟
قيل: دفعًا لوهمِ مَن يقيس الغائبَ على الشاهد.
قوله: "وأما الجنةُ فإن الله يُنشئ لها خلقًا"، (ينشئ)؛ أي: يُظهِر ويَخلُق؛ يعني: أن الله يَخلُق يومَ القيامة خلقًا؛ لتَمتلئَ الجنةُ بهم، بعدما دخل فيها الأنبياءُ والأولياء والمؤمنون؛ تصديقًا لقوله: "ولكلِّ واحدةٍ منكما ملؤُها".
* * *
٤٤٢٠ - وعن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لا تزالُ جَهَنَّمُ يُلقَى فيها وتَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قدَمَهُ، فيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتقولُ: قَطْ قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ، ولا يزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حتَّى يُنْشِئَ الله لها خَلْقًا فيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ".
قوله: "فيُسكنهم فضلَ الجنة"؛ يعني بـ (فضل الجنة): اتساع المساكن عن ساكنيها، كما يسكن جماعةٌ قليلةٌ في بلدٍ كبيرةٍ فتخلو أكثرُ المَسَاكن.
وفي الحديث: سِرُّ أنَّه أيضًا خَلَقَ في النار هذا الاتساعَ، ولكن يأمرُها بالانزواء والانضمام، تغليظًا على المعذَّبين، والجنةُ موضعُ رحمةٍ؛ فالانضمامُ ينافي إطلاقَ ساكنيها فيها، فيدع الفضلَ بسعته وتمكينه مما يشاء، شيءٌ لا يهتدي العقلُ إليه، قال الله تعالى: ﴿وَيَخلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
* * *
стр. 2710
٩ - باب بدءِ الخَلقِ، وذكرِ الأَنبياءِ ﵈
(باب بدء الخلق)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٤٢٢ - عن عِمرانَ بن حُصَينٍ ﵁: أنَّه قال: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إذْ جاءَهُ قَوْمٌ منْ بني تَميمٍ، فقالَ: "اقبَلُوا البُشْرَى يَا بني تميمٍ". قالوا: بَشَّرتَنا فأَعِطِنا، فَدَخَلَ ناسٌ منْ أهلِ اليَمَنِ، فقالَ: "اقبَلُوا البُشْرَى يا أَهْلَ اليمنِ إذْ لم يَقْبَلْها بنو تميمٍ". قالوا: قبلْنا، جِئْناك لنتَفَقَّهَ في الدِّينِ، ولنَسْأَلكَ عنْ أَوَّلِ هذا الأَمْرِ ما كان؟ قالَ: كانَ الله ولَمْ يكنْ شَيْءٌ قبلَهُ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ". ثُمَّ أتاني رَجُلٌ فقالَ: يا عِمرانُ! أدْرِكْ ناقَتَكَ فقدْ ذَهَبَتْ، فانطلَقْتُ أَطلُبُها، وايْمُ الله لودِدْتُ أنَّها قد ذَهبَتْ ولمْ أقُمْ".
قوله: "جئناك لنتفقَّه في الدِّين ولنسألَك عن أول هذا الأمر ما كان":
(التفقُّه): طلب الفقه، و (هذا الأمر)؛ أي: هذا الخلق؛ يعني: جئناك لنُحصِّلَ الفقهَ، حتى نصيرَ فقهاء وعلماء في الدِّين، ولنسألَك عما خُلق أولًا قبل خلق السماوات والأرضين.
قال النبي ﷺ في جوابهم: "كان الله، ولم يكن شيءٌ قبلَه، وكان عَرشُه على الماء"؛ يعني: كان الله في الأزل، ولا شيءَ معه ولا قبلَه، فالعالَمُ صَدَرَ عن تعلُّق اختياره القديم بصدوره من غير مادةٍ ولا عدةٍ ولا مدةٍ، فحينَئذٍ فالله فاعلٌ مختارٌ يفعل ما يشاء ويختار، فالعَرشُ والماءُ خُلِقا قبلَ خلق السماوات والأرضين.
стр. 2711
وأشار ﷺ إلى هذا بقوله: (وكان عَرشُه على الماء)؛ يعني: أنهما كانا مخلوقَين قبل السماوات والأرض، فالعَرشُ على الماء، والماءُ على متن الريح، والريحُ قائمةٌ بقدرته القديمة.
قوله: "وكَتَبَ في الذِّكر كلَّ شيء":
(الذَّكر): عبارة عن اللوح المحفوظ؛ يعني: أَثبتَ الكائناتِ بأسرها في اللوح المحفوظ.
قوله: "فانطلقتُ أَطلبُها"، (انطلقت)؛ أي: طَفِقتُ.
"وايمُ الله"؛ أي: والله.
"لَوددتُ"؛ أي: تمنَّيتُ واشتَهيتُ.
* * *
٤٤٢٣ - عن عُمَرَ ﵁ قالَ: قامَ فينا رَسُولُ الله ﷺ مَقامًا، فأخْبَرَنا عنْ بِدْءِ الخَلْقِ حتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ منازِلَهُمْ، وأهلُ النَّارِ منازِلَهُمْ، حَفِظَ ذلكَ مَنْ حَفِظَهُ، ونسِيَهُ مَنْ نسِيَه".
قوله: "قام فينا النبيُّ ﷺ مقامًا، فأخبَرَنا عن بدء الخلق"، الحديث.
"قام فينا"؛ أي: خَطَبنا.
"مقامًا"؛ أي: قيامًا.
"فأَخبَرَنا عن بدء الخلق"؛ أي: فأخبرنا عن بدء خلقه تعالى، ويحتمل أن يكون الخلق باقيًا على العموم، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بأُمته، فإذا بقي على عمومه فمعناه: أنه بيَّن أحوالَ أُمته ﷺ وأحوالَ جميع الأمم كلِّهم؛ يعني: بيَّن لنا ما جرى على الأمم السالفة، وما يجري على أُمته من الخير والشر إلى أن يدخل أهلُ الجنةِ منهم الجنةَ وأهلُ النارِ منهم النارَ، فحفظَ تلك الأخبارَ مَن
стр. 2712
حفظَها، ونسيَ ذلك مَن نسيَه، وإذا كان مخصوصًا بالله فظاهرٌ، فهذه المرتبةُ العظيمةُ التي هي إخبارهُ إيانا من المغيبات التي أخبرها الله سبحانه إياه ﷺ مختصةٌ به، فإنها غيرُ مَرويةٍ عن غيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
* * *
٤٤٢٤ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ الله تعالى كتبَ كِتابًا قبلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبي، فهو مَكْتوبٌ عِندَهُ فَوْقَ العَرْشِ".
قوله: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يَخلُقَ الخلقَ: إن رحمتي سبقتْ غضبي"، (كتبَ)؛ أي: أثبتَ، الرحمة من الله تعالى: إرادتُه الخيرَ لعباده، والغضب منه سبحانه: إرادتُه العقوبةَ لهم.
ومعنى سبقِ رحمتِه غضبَه: أنه لا يعجل في عقوبة الكفَّار والعُصَاة من المسلمين، بل يرزقهم ويعافيهم ويحفظهم عن الآفات، ويُمهلهم إلى يوم القيامة، فإنه لو لم يكن كذلك أُهلكوا حين خرجوا عن طاعته تعالى، ولو لم يَهِلكوا لَسدَّ عليهم أبوابَ الرزق، وفتحَ عليهم أبوابَ الشدائد، وإذ تابوا عن الكفر والمعصية لم يَقبَل الله توبتَهم، ولم يضمحل كفرُهم ومعاصيهم التي ارتكبوها سنينَ كثيرةً، والأمر بالعكس؛ لقوله ﷺ : "الإسلامُ يَهدِم ما كان قبلَه"، و"التائبُ مِن الذنب كمَن لا ذنبَ له".
فإذا تقرَّر هذا عَلِمْنا بالمعقول والمنقول أن رحمتَه سبقَتْ غضبَه تعالى، وكيف لا وما وجب على جناب كبريائه وعظمته شيءٌ، بل ما أَنعَم على عباده من الإيمان والعلم والمعرفة لا يكون إلا مِن نتاجِ فضلِه ورحمتِه العامةِ، وكذلك المغفرةُ واللقاءُ والبقاءُ من ذلك الفضل العميم، لا بجزاء العمل الصالح؛ فإنه
стр. 2713
يستحق العبادةَ لذاته تعالى.
* * *
٤٤٢٥ - وعن عائِشَةَ ﵂: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مِمَّا وُصِفَ لكُم".
قوله: " ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] " (الجانَّ): أبو الجِنِّ.
قال في "الغريبين": سُمِّي الجِنُّ جانًا؛ لأنهم مُوارَون، وبه سمي الجنين؛ لأنه موارًى في بطنِ أمه، (المارج): اللهب المختلِطُ بسواد النار.
وقال الفراء: المارج: نارٌ دون الحجاب، ومنها هذه الصواعقُ، ويرى جلد السماء منها، ذكره في "الغريبين".
* * *
٤٤٢٦ - وعن أنسٍ ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لمَّا صَوَّرَ الله آدمَ في الجَنَّةِ تَرَكَهُ ما شاءَ الله أنْ يترُكَهُ، فجَعَلَ إِبْليسُ يُطيفُ بهِ يَنْظُرُ ما هوَ، فلَمَّا رآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمالَكُ".
قوله: "فجعل إبليسُ يُطيفُ به ينظر ما هو" الحديث، الفاء في (فجعل) عطف على قوله (تركه)، و (جعل) بمعنى طَفِقَ؛ أي: يتفكَّرُ في عاقبة أمره وماذا يظهرُ منه، وكأنه أحسَّ شقاوةَ نفسِه من جهته، وخاف أن يستعيذَ ويُمتحن، فوقع فيما حذر، فلهذا أَشِرَ وبطر، وقال في نفسه: إن أُمِرْتُ بالانقيادِ له تأبَّيتُ.
قوله: "فلما رآه أجوفَ عرفَ أنَّه خَلَقَ خَلْقًا لا يتمالَكُ"، (رأى) إذا كان من رؤية البصر، فالضمير البارز مفعوله، و (أجوف) نصب على الحال، وإذا كان
стр. 2714
بمعنى (علم)، فالضمير البارز مفعوله الأول، و (أجوف) مفعوله الثاني و (عرف) جواب (لما).
و (الأجوف): الذي له جوفٌ، (لا يتمالَكُ)؛ أي: لا يملِكُ بعضه بعضًا؛ لأنه ذو أبعاض مختلفة، فيصدرُ منه ما يوجبُ تغيُّرَ الأحوال عليه، وعدم الاستمرار على الطاعة، فيكون محتاجًا إلى الطعام والشراب والنكاح، فإن مُنِعَ فلا يَصْبر، أو يريد: سوف يكون فانيًا لاختلاف أحواله، فإذا غلبَ نوعٌ أفسدَ الباقيَ لغلبته، كما هو حال أولاد آدم.
* * *
٤٤٢٧ - عن أنسٍ ﵁: قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا خَيْرَ البرِيَّةِ، فقالَ: "ذاكَ إِبْراهِيْمُ".
قوله: "فقال: يا خيرَ البرية، فقال: ذاك إبراهيم"، (البرَّيةُ): فعيلة، متروكة الهمزة في الاستعمال مِن (بَرَأَ) إذا خَلَقَ.
(ذاك): إشارة إلى خير البرية.
ولا يخفى أنه ﷺ أفضلُ مَن في السماواتِ والأَرَضين بدلائلَ كثيرةٍ، لكنه تواضعَ، إما لتعظيم الأبوة، وإما لأنَّ هذه الصفة تعني الأفضلية مختصَّةً به.
فحينئذٍ يجوزُ له أن يعطيَها أحدٌ من الأنبياء صلوات الله عليهم، سيما إبراهيم ﷺ ، كما أن الصلاةَ المخصوصةَ به كان له أن يصليَ على واحدٍ من الذين كانوا يُعْطُون الزكاة حالةَ الأداء، كما قال: "اللهم صلِّ على آلِ أبي أوفى"، بخلاف غيره ﷺ ، فإنه لا يجوزُ أن يصلِّيَ على المعطي عَقِبَ الأداء، بل يدعو له.
* * *
стр. 2715
٤٤٢٨ - وعن أبي هُريرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "اِخْتَتَنَ إبْراهيمُ النَّبيُّ ﷺ وهوَ ابن ثَمانينَ سَنَةً بالقَدُومِ".
قوله "اختتن إبراهيمُ النبيُّ وهو ابن ثمانينَ سنةً بالقَدُوم"، (اخْتَتَنَ وخَتَنَ): إذا أزالَ الجِلْدَة التي فوق المُخْتَتَن، وهو الحَشَفَة، القدوم مقيل لإبراهيم ﷺ .
وقيل: هي قرية بالشام، ذكره في "الغريبين".
والباء في (بالقدوم) بمعنى: (في)؛ يعني: اختتنَ ﷺ في ذلك الموضع.
وقيل: أراد (بالقَدُوم) القَدُومَ الذي يُنْحَتُ به، فإن صحَّ هذا فالباء فيه بالآلة، والخِتَانُ واجبٌ عند الشافعي، سنةٌ عند أبي حنيفة رحمة الله عليهما، وكشفُ العورة عند الخاتِن دليلٌ على وجوبه؛ لأن كَشْفَها محرَّمٌ، والخِتَانُ لا بد له من الكَشْفِ، وتَرْكُ الواجب للسنة غيرُ جائزٍ، فإذا كان كذلك فلا يكون إلا واجبًا.
* * *
٤٤٢٩ - وعن أَبي هُريرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لمْ يَكْذِبْ إبْراهيمُ إلَّا ثلاثَ كَذَباتٍ: ثِنتَيْنِ مِنْهُنَّ في كتابِ الله تعالَى: قولهُ: ﴿إِنِّى سَقِيمٌ﴾، وقولهُ: ﴿بل فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾.
وقالَ: بَينا هُوَ ذاتَ يومٍ وسارَةُ إذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبابرَةِ، فقيلَ لهُ: إنَّ ها هُنا رَجُلًا مَعَهُ امرأةٌ منْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فأَرْسَلَ إليهِ فَسَألَهُ عنها: مَنْ هذِهِ؟ قال: أُخْتي. فأتَى سارَةَ فقالَ لها: إنَّ هذا الجَبَّارَ إنْ يَعْلَمْ أنَّكِ امرأتي يغلِبني عليكِ، فإنْ سَأَلكِ فأخبريهِ أنَّكِ أُخْتي، فإنَّك أُخْتِي في الإِسلامِ، ليسَ علَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْري وغَيْرُكِ. فأَرْسَلَ إليها فأُتِيَ بها، وقامَ إبْراهيمُ يُصَلَّي،
стр. 2716
فلَمَّا دخَلَتْ عليهِ ذَهَبَ يتناوَلُها بيدِهِ فأُخِذَ - ويُروَى فغُطَّ حتَّى رَكَضَ برِجْلِه - فقالَ: ادعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ الله فأُطلِقَ، ثُمَّ تناوَلَها الثَّانِيَةَ فأُخِذَ مِثْلَها أو أَشَدَّ، فقال: ادعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ الله فأُطلِقَ، فدَعا بعض حجَبتِهِ فقالَ: إنَّكَ لمْ تأتِني بإنسانٍ إنَّما أتيتَني بشَيْطانٍ، فأخْدَمَها هاجَرَ، فأتَتْهُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فأَوْمَأ بيدِهِ مَهْيَمْ؟ قالت: رَدَّ الله كَيْدَ الكافرِ في نَحْرِهِ وأَخْدَمَ هاجَر".
قال أبو هُريرَةَ ﵁: تِلْكَ أُمُّكُم يا بني ماءِ السَّماءِ.
قوله: "ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلُهُ كَبِيُرهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] ": الحديث.
يعني: ثِنتان من الكذبات الثلاث مشتملتان على تنزيهِ الله سبحانه عما كان قومه مُكِبين عليه من الإشراك في الربوبية والدعوى الباطلة.
إحداهما: قولُه سبحانه حكايةً عن قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وما قبلَه يدلُّ على أنَّه نَزَّهَ ذاته عما يقولُه الكفرةُ له من عبادة الأصنام، وهو قولُه تعالى حكايةً عنه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٩] فسَبَبُ نَظَره في علم النجوم وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أنهم طلبوا منه ﵇ أن يخرجَ معهم إلى عيدٍ لهم من الأعياد، فأراد أن يتخلَّفَ عن الأمر الذي هم به، ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩]؛ أي: خارجٌ مزاجي عن حد الاعتدال، وقلَّ من يخلو عنه.
والثانية: قولُه سبحانه حكايةً عن قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وما قبلَه أيضًا يدلُّ على تنزيه ذاتهِ تعالى عما يقولُ قومُه من الضلال، وهو قولُه تعالى حكايةً عنه ﵇: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٦ - ٦٣]
стр. 2717
والثالثة: قوله: سارة أختي، وهي كانت زوجتَه؛ يعني حين سأله المَلَك القاصِدُ سارَة عن حالها، قال: أختي، خلاصًا لها عن شَرِّه.
فالحاصل: أن هذه الكذبات الثلاث كان إبراهيم ﵇ يناضلُ بها عن دينه، وكلُّ واحدة منهن تَقبلُ تأويلًا مبرِّئًا لساحة عصمته عن غبار الكذب.
أما تأويلُ الأولى التي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أنَّ كل واحدٍ من الناس - وإن كان معافًى - لا بد له من تغيير المزاج والموت، فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: سأسقم، أو أنَّه إذا خُلِقَ للموت فهو سقيم دائمًا، أو أنه إذا نظر في النجومِ استدلَّ بها على سُقْمٍ في بدنه، وكان علم النجوم حقًا ومن النبوة، ثم نُسِخ.
وتأويل الثانية التي هي قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ أنه ﵇ قاله إلزامًا للحُجَّةِ عليهم، على معنى أنه يجب أن يفعلَه كبيرُهم لو كان معبودًا؛ لئلَّا يُعْبَدَ معه غيرُه، أو على تقدير الشرط، كأنه قال: إنْ كانوا ينطقون فقد فعلَه كبيرُهم، وتأويلُ الثالثة التي هي قوله: سارة أختي، أنه أراد ﵇ هي أختي في الدين.
فإن قيل: لم عَدَلَ الخليلُ ﵇ عن الزوجية إلى النسبية؟.
قيل: لأن دينَ الملكِ القاصِدِ لها لا يُحِلُّ له التزوُّجَ، ولا التمتُّعَ بقرابات الأنبياء ﵈، فلهذا عَدَلَ إلى النسبة.
واختلفَ الأئمة في جواز الصغائر على الأنبياء ﵈، فطائفة يجوِّزون ذلك سهوًا من غير تأويل، وهم أهلُ السنة، وطائفةٌ يجوِّزون كل ذلك عَمْدًا وسهوًا بتأويل، وهم أكثرُ المعتزلة، هذا على رأي الأصوليين، أما المفسرون فقد اتفقوا في التأويل.
قوله: "فلمَّا دخلتْ عليه"؛ أي: على الجبار.
"ذهب"؛ أي: طفق.
стр. 2718
قوله: "فغُطَّ حتَّى رَكَضَ برجله"؛ أي: فضُغِطَ، والرَّكْضُ بالرجل: الضَّرْبُ بها.
"الحَجَبَة"، جمع حاجب.
قوله: "فأَخْدَمَها هاجَرَ"؛ يعني: إذا عرف الملكُ عنها الكرامةَ والقُرْبَة عند الله سبحانه خلَّى عن سبيلها طاهرةً عن دَنَسِ جِوارِه، وأَخْدَمَها هاجر؛ أي: جعلَها خادمةً لها، وهاجر أمُّ إسماعيل ﵇.
قوله: "فأوَمَأ بيده مَهْيَم": أومأ؛ أي: أشار، مَهْيَم: ما الخبر؟
قوله: "ردَّ الله كيدَ الكافرِ في نَحْرِه"؛ أي: ردَّ الله كيدَه في صَدْره، وإنما خَصَّتِ الكيدَ في النحر على عادة العرب، ومعنى ردَّ الكيد: ما تمَّ على الجَبَّار من الضَّغْط والغَلَبة مع كونه قاهرًا غالبًا.
قوله: "تلك أمُّكم يا بني ماء السماء"، تلك إشارةٌ إلى هاجر، والكاف والميم خطاب إلى العرب.
قيل: والمراد ببني ماء السماء بنو إبراهيم ﵇، ونسبتُهم إلى ماء السماء لطهارة موالدهم ونقاءِ نُطَفهم.
قال الخَطَّابي: يريد بماء السماء العرب، وذلك أنهم يعيشون بماء السماء، ويتبعون مواقعَ القَطْر في بواديهم.
ويقال: إنه أراد ماءَ زمزم، أنبطها الله تعالى لهاجر، فعاشُوا بها فصاروا كأنهم أولادها.
* * *
٤٤٣٠ - وعن أبي هُريرَةَ ﵁ قالَ: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قال: "أكرَمُهُمْ عِنْدَ الله أتقاهُمْ" قالوا: لَيْسَ عنْ هذا نَسْألُكَ، قالَ: "فأَكْرَمُ
стр. 2719
النَّاسِ يوسُفُ نبَيُّ الله ابن نبَيِّ الله ابن نبيِّ الله ابن خليلِ الله". قالوا: ليسَ عنْ هذا نَسْألُكَ، قال: "فعَنْ معادِنِ العَرَبِ تسألُونني؟ " قالوا: نَعَم، قالَ: "فخِيارُكُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيارُكُمْ في الإِسلامِ إذا فَقِهُوا".
قوله: "فأَكْرمُ الناسِ يوسفُ نبيُّ الله ابن نبيِّ الله ابن نبيِّ الله ابن خليلِ الله".
(الفاء) في (فأَكْرمُ) جواب شرطٍ مقدَّر؛ يعني: إذا لم تسألوا عن هذا، فأكْرَمُ الناس يوسفُ نبي الله، فنبيُّ الله الأول صفة ليوسف، والثاني: يريد به يعقوب، والثالث: يريد به إسحاق؛ يعني: يوسف نبيُّ الله بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ صلوات الله عليهم أجمعين كانَ أكرمَ الناسِ في زمانه.
* * *
٤٤٣٢ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ مِنْ إبراهيمَ إذْ قالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ويَرْحَمُ الله لُوْطًا لقدْ كانَ يأْوِي إلى رُكْنٍ شَديدٍ، ولوْ لبثْتُ في السِّجنِ طُولَ ما لَبثَ يوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِي".
* * *
قوله: "نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم"، قال الخَطَّابي: نفى النبيُّ ﷺ الشكَّ عن نفسه، وعن إبراهيم صلوات الله عليهما، فقال على سبيل التواضع: "نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيمَ"؛ أي: نحن لا نشكُّ البتَّةَ، فكيف يَشُكُّ إبراهيم وهو أرفَعُ درجة منا؟، وهذا ثناءٌ على إبراهيم ﵇.
وتلخيصُ المعنى: أن النبي ﷺ أراد بذلك تعظيمَ شأنِ إبراهيمَ ﵇، وبيانِ أنه ما سألَ عن ذلك لأجلِ مَلَلٍ في نفسه، بل إنما سألَ عن ذلك من قِبَلِ زيادةِ العِلْمِ بالمشاهدة، فإن المشاهدةَ تفيدُ من المعرفة والطمأنينة
стр. 2720
ما لا يُفيدُه الاستدلالُ.
قيل: لما نَزَلَت هذه الآيةُ قيل: شكَّ إبراهيمُ ولم يَشُكَّ نبيُّنا، فقال ﷺ : (نحن أحقُّ بالشَّكِّ منه)، قاله تواضعًا وتقديمًا لإبراهيم ﵇؛ أي: أنا دونَه ولم أشُكَّ، فكيف يشكُّ إبراهيم؟.
قوله: "ويرحمُ الله لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ"؛ يعني: أنَّ لوطًا ﵇ حين قصدَ قومُه أضيافَه بسوء، ظانَّين أنهم غلمانٌ، وكان يناظِرُهم من وراءِ الباب مغلَقًا، ما تكلَّم بهذا إلا ساهيًا ناظرًا إلى ضَعْف البشرية، عاجزًا عن مقاومتهم، وهو قوله تعالى حكايةً عنه ﷺ : ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] يعني: لو أنَّ لي بدفعكم قوةَ البدن، أو أنضمُّ إلى عشيرةٍ منيعة لدفعناكم، وما صدَرَ منه ﵇ هذا القولُ إلا حينما صَعُبَ عليه الأمر، وضاقَ الصدر، فدعا له النبيُّ ﷺ بالمغفرة؛ لعِظَمِ ما جَرى على لسانِه غيرَ راضٍ به قلبُه، ناسيًا ملاذَ كلِّ مخلوق بما دَهمه من قومه، إذ لا ركنَ أعظمُ وأشدُّ منه.
ويحتمل أن يقال: هذا من قَبيل ما قيلَ: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المُقَرَّبين، فلهذا عدَّه النبيُّ ﷺ نادرةً، ودعا له بالمغفرة.
قوله: "ولو لبثتُ في السجن ما لبثَ يوسفُ لأجبتُ الداعيَ"؛ يعني: لأجبت داعيَ الملك حين قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ ولم أقلْ لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، وتركتُ التفتيشَ عن شأنهنَّ، وإنما قاله ﷺ تواضعًا.
وقيل: أشار النبيُّ ﷺ بقوله: (لأجبت الداعيَ) إلى مقام التفويض، وهو أنه كلُّ ما يأتي إليه يتلقَّاه بالقَبُول، ويتركُ الوسائط، ولا يتلقَّى الفَرَجَ قبلَ مجيئه؛ يعني: لو كُنْتُ مكانهَ لتلقَّيتُ دعوةَ الداعي مستعينًا بالله سبحانه، ومفوِّضًا إليه أمري.
* * *
стр. 2721
٤٤٣٣ - وقالَ: "إنَّ مُوْسى صلواتُ الله عليه كانَ رَجُلًا حَييًّا سِتِّيرًا لا يُرَى منْ جِلْدِهِ شَيءٌ استِحْياءً، فآذاهُ مَنْ آذاهُ منْ بني إِسْرائيلَ فقالوا: ما يَتَسَتَّرُ هذا التَّستُّرَ إلا مِنْ عَيْبٍ بجلدِهِ: إمَّا بَرَصٍ أو أُدْرَةٍ، وإنَّ الله أرادَ أنْ يُبَرِّئهُ، فَخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ لِيَغْتَسِلَ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بثَوْبهِ، فجَمَحَ مُوْسى في إثْرِهِ يقولُ: ثَوْبي يا حَجَرُ، ثَوْبي يا حجرُ، حتَّى انتهَى إلى مَلإٍ منْ بني إسْرائيلَ فرأَوْهُ عُرْيانًا أَحْسَنَ ما خَلَقَ الله، وقالوا: والله ما بِمُوسى منْ بَأْسٍ، وأَخَذَ ثوبَهُ وطَفَقِ بالحَجَرِ ضَرْبًا، فوالله إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَبًا منْ أثرِ ضربهِ" ثلاثًا أو أَرْبَعًا أو خَمْسًا.
قوله: "كان رجلًا حَييًّا سِتِّيرًا لا يُرَى من جِلْدِه شيءٌ"، الحديث.
(الحَييُّ): المستحي، (السِّتِّيرُ): المستور؛ يعني كان من شأنه؛ أي: يسترُ جميعَ بدنهِ في الاغتسال بحيثُ لا يُرَى من بشرته شيءٌ استحياءً.
"فآذاه مَن آذاه"؛ يعني: إذا كان له هذه العادةُ، وكان بنو إسرائيل يُؤْذُونه بأن يَنْسِبُوا إليه العيوبَ كالبَرَصِ والجُذَام والأُدْرَةِ وغير ذلك، وفي قوله: (مَن آذاه) مبالغة في المعنى؛ أي: آذاه كثيرٌ من بني إسرائيل.
قوله: "إما بَرَص أو أُدْرَة"، (البَرَصُ): بياضٌ يَظْهَرُ في البَشَرة، يخالف لون البشرة، قيل: إنه من اليُبُوسة، و (الأُدْرَة): نَفْخَةٌ في الخِصْيَة.
قوله: "فجمحَ موسى في إِثره، يقول: ثوبي يا حجرُ، ثوبي يا حجرُ"، (جَمَحَ): أسرعَ، الضمير في (إثر) يعود إلى الحجر.
(ثوبي): نصب بفعل مقَّدر؛ أي: أعطِ ثوبي.
قوله: "حتى انتهى إلى ملِأ من بني إسرائيل"، انتهى؛ أي: وصَلَ.
(الملأ): الجماعة الأشراف الذين ليس على شرفهم مَزِيدٌ، واشتقاقُه من (ملأت)؛ أي: يملؤون القلوبَ جلالةً ومَهابةً، ذكره في "لُبَاب التفسير".
стр. 2722
قوله: "والله ما بموسى من بأس"، (البَأْس) هنا: بمعنى العيب.
قوله: "إنَّ بالحجر لَنَدبًا من أثرِ ضَرْبه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا" (النَّدَبُ): بفتح الدال: أثر الجُرْح، إذا لم يرتفعْ من الجلد، ذكره في "الغريبين".
و (أو): للترديد والشكِّ، والشكُّ ها هنا من الراوي.
* * *
٤٤٣٤ - وقالَ: "بَيْنا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ منْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوبهِ، فناداه ربُّه: يا أيُّوبُ أَلَمْ أكُنْ أغنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولَكنْ لا غِنى بِيْ عَنْ بَرَكَتِك".
قوله: "فخرَّ عليه جَرَادٌ من ذهب، فجعلَ أيوبُ يحتثي في ثوبه".
(خرَّ): سقط، الضميرُ في (عليه) يعود إلى أيوب ﵇.
(جعل أيوبُ)؛ أي: طَفِقَ.
(احتثى يحتثي): إذا جمعَ شيئًا في ذيله، وضم طرفَ الذَّيْلِ إلى نفسه.
"أغنيتك"؛ أي: جعلتُك ذا غِنًى؛ يعني حينما يغتسلُ أيوب ﵇ كان يسقطُ عليه جَرَادٌ من ذهب، فطفِقَ يجمعُ ذلك الجرادَ في ذيله.
فقال له ربه تعالى: ألم أجعلك غنيًا بأنواع النعم الكثيرة؟ قال: بلى، ولكن مالي استغناءٌ عن بركتك وإنعامك السابغِ عليَّ.
* * *
٤٤٣٥ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهودِ، فَقَالَ المُسلمُ: والَّذي اصطَفَى مُحمَّدًا على العَالَمِيْنَ، فقالَ اليَهُودِيُّ: والذي اصْطَفَى مُوسَى علَى العَالَمِينَ، فَرَفعَ المُسْلمُ يدَهُ عندَ ذلكَ
стр. 2723
فلطَمَ وَجْهَ اليَهُوديِّ، فَذَهبَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَهُ بِمَا كانَ منْ أَمْرِهِ وأَمْرِ المُسلِمِ، فدَعا النَّبيُّ ﷺ المُسلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذلكَ، فأخبَرَه، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لا تُخيروني على موسَى، فإن النَّاسَ يَصْعَقُونَ يومَ القِيامَةِ فَأُصْعَقُ مَعَهُم فأكون أوَّلَ من يُفيقُ، فإذَا موسَى باطِشٌ بجانِبِ العَرشِ، فلا أَدْرِي كانَ فيمَنْ صَعِقَ فأفاقَ قَبْلِي، أوْ كَانَ مِمَّنْ استَثْنَى الله".
وفي رِوَايَةٍ: "فَلَا أَدْرِي أحُوسِبَ بصَعقةِ يَومِ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي، ولا أَقُولُ إنَّ أَحَدًا أَفضَلُ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى".
وفي رِوَايَةٍ: "لا تُخيروا بينَ الأَنبياءِ".
وفي رواية: "لا تُفضلُوا بَيْنَ أَنْبياءِ الله".
قوله: "استبَّ رجلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود"، (استبَّ): افتعل مِن (سَبَّ)، إذا جرى الشتمُ بين اثنين فصاعدًا، وفاعل (افتعل) متعدِّدٌ؛ أي: أكثرُ من واحد، يقول: اشترك زيدٌ وعمرو.
قوله: "لا تخيرُوني على موسى" إلى قوله: "فأصعق معهم".
(التخيير): التفضيل.
(صعِق - بكسر العين - يصعَق - بفتحها - صعقة): إذا غُشِيَ عليه.
يعني: لا تفضلُوني على موسى، فإن الناس يصيرون مَغْشِيًّا عليهم يوم القيامة، وأكون أيضًا في الغَشْيَةِ معهم، لكني أولُ أحدٍ أَفيقُ.
"فإذا موسى باطِشٌ بجانب العرش"؛ أي: متعلِّقٌ به بقوَّة، فلا أدري أنَّه ﷺ حين شاهدَ الإصعاق استوثقَ من إمساكِ العرش لينجوَ من الإصعاق، أو كان فيمن صار مغشيًا عليه معنا، فأفاقَ قبلي، أو كان من الذين استثناهم الله تعالى في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
стр. 2724
أو كان عوفي وحُفِظَ من الصَّعْق العامِّ يومَ القيامة بدلًا من الصَّعْقِ الذي أصابه في الطُّور، قال الله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
قوله: "لا تُخَيرُوا بين الأنبياء"، وفي رواية: "لا تفضلُوا بين أنبياء الله"، قال في "شرح السنة": ليس معنى النفي عن التخيير أن يعتقدَ التسويةَ بينهم في درجاتهم، بل معناه تركُ التخيير على وجه الإِزْراء ببعضهم، فإنه يكون سببًا لفساد الاعتقاد في بعضهم، وذلك كفر.
الإزراء: العيب.
وتلخيص المعنى: أن تفضيلَ الأنبياء - صلوات الله عليهم - بعضَهم على بعض لا شكَّ فيه، كقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الْرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله تعالى على سبيل العموم: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وفي حديث المعراج: أنه رأى بعضَ الأنبياء في السماء الثانية، وبعضَهم في الرابعة، وبعضَهم في السادسة.
والمراد رفعةُ الدرجات، وحيث قال: "لا تفضلُوني على يونس بن متَّى" وهو هضْمٌ لنفسه، وتواضُعٌ لها.
قوله: "لا تفضلوا بعضَ الأنبياء على بعض"، حيث رأى في ذلك مجادلةً بين أصحابه، وثورانَ فِتنة، فمنعَهم من ذلك لأجل الفساد، وأيضًا إنما منعَهم من التخيير؛ لأن المخِّيرَ لا بدَّ أن يكونَ عالمًا بدرجات التخيير، وأما كيفيةُ التَفْضيل فبأن يَفْهَمَ معنى النبوة.
ومعناها - والله أعلم -: الكمالُ في نفسه، وتكميلُ الناقِصين, وأصولُ الكمال أربعةٌ: العلمُ والفقه والشجاعةُ ببذل النفس والمال.
فإن السخاءَ قِسْمٌ من الشجاعة، والعدالة في هذه الأخلاق، فإن الوسطَ محبوسٌ بطرفين، هما ذيلان، وهذه الأربع يتشَّعبُ كلُّ واحدةٍ منها إلى شُعَبٍ
стр. 2725
كثيرة، كانشعاب العِلْم إلى سائر العلوم النقلية والعقلية، وكذا الأخلاق الباقية.
وأما التكميل فحَمْلُ الناسِ لُطْفًا وعُنْفًا، وحثُّهم على تحصيل الكمالات المذكورة، وكلُّ نبيٍّ كان في الكمال والتكميل أزيدَ من غيره كان أفضلَ منه، ولمَّا كان نبيُّنا - صلوات الله عليه - في جميع أنواع المَعْنَيَيْنِ - أعني الكمالَ والتكميلَ - بالغًا إلى حدٍّ لم يبلغْه غيرُه من الأنبياء كان أفضلَ الأنبياء، وسيدَ الرسل صلوات الله عليهم.
فإنَّ نوحًا ﵇ لم يؤمن به من قومِه إلا نفرٌ قليلٌ، تَسَعُهم سفينته، قيل: كانوا ثمانين، ولمَّا هبطَ من السفينة هلكُوا جميعًا، ولم يبقَ إلا هو وأولادُه وتناسَلُوا، ولهذا سُمِّيَ آدمَ الثاني.
وأما موسى ﵇ فلم تتجاوزْ دعوتُه بني إسرائيلَ إلى غيرهم.
وأما عيسى ﵇ فالمُحِقُّونَ من قومه كانوا نفرًا قليلًا، والباقون في ضلالةِ التثليث والولادة، تعالى الله عن ذلك.
وأما محمدٌ ﷺ فلمَّا جاء كان العالمُ كلُّه مشحونًا بكفر عَبَدَة الأصنام والكواكبِ، وتشبيهِ اليهود وتثليثِ النصارى، وهو - صلوات الله عليه - دعا جميع الخلائق إلى الواحد الحقِّ بالحكمة والموعظة الحسنة والجِدال بالتي هي أحسنُ، فآمن به خَلْقٌ كثير.
والباقون الذين يؤمنوا به إما عنادًا أو حسدًا كاليهود والنصارى، وإما جهلًا لم ينفع دعوته صلوات الله وسلامه عليه، فنزلت فريضةُ الجهادِ واستعمالُ السيف، ومع ذلك كان يؤلِّفُ قلوبَهم باللُّطْف وبذْلِ الأموال، حتى ملأ العالمَ شرقًا وغربًا من القَبُول والعمل الحق.
فمن أنصفَ ونظر إلى المَعْنَيَينِ فيه، وفي غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم، أنَّ المعنيين فيهم بالنسبة إليهما فيه = عَلِمَ أنهم في الفضيلة بالنسبة إليه
стр. 2726
كالقَطْرَةِ بالنسبة إلى البحر المحيطِ الأعظم.
* * *
٤٤٣٨ - وعَنْ أُبَيِّ بن كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الغُلامَ الَّذي قَتَلَهُ الخَضرُ طُبعَ كَافِرًا، ولوْ عَاشَ لأَرهَقَ أبويهِ طُغيانًا وكُفرًا".
قوله: "إنَّ الغلامَ الَّذي قتلَه الخَضرُ طُبعَ كَافرًا، ولو عاش لأرهقَ طغيانًا وكفرًا".
(طُبعَ)؛ أي: خُلِقَ، (رَهِقَه): غشيه، (أَرْهَقَه طغيانًا): أغشاه؛ يعني: لو عاش الغلامُ المقتولُ لظهر منه الكُفْرُ والطغيان طَبْعًا، لأنه كان مَجْبولًا على الكفر.
أما اعتراض موسى على الخَضر ﵉ بعد القتل، بقوله ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾؛ أي: طاهرة معصومةً على ظاهرِ الأمر، ﴿بِغَيْرِ نَفسٍ﴾ [الكهف: ٧٤]؛ أي: إنْ قَتَلَ نفسًا فاقتصَّ فسائغٌ من حيث الظاهر، بل واجبٌ على الأنبياء ألَّا يتجاوزوا عن ظاهرِ الشرع، ولا يصبرُوا على الأشياء المنكَرة، وَكان ظاهرُ الحال يَحْكُمُ بعصمته.
فلهذا قال سبحانه حكايةً عن الخَضر مخاطبًا لموسى ﵉: ﴿كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبُرًا﴾ [الكهف: ٦٨]؛ أي: عِلْمًا، تمهيدًا لعذره في ترك الصبر، لأن فِعْلَه قد عدلَ عن الظاهر، لكنْ من حيثُ الحقيقةُ كان الخَضرُ غيرَ مُلامٍ بقتله، لأنه قد كُشِفَ له من عند الله سبحانه أنه مستحِقٌّ القَتْلَ، وقد ظهرَ له ذلك بنور القلب.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَدُّنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]؛ أي: علمَ الباطن، إن قيل: ما الحكمة أن الخَضرَ ﵇ اطَّلَعَ على هذا الغيب ولم يطَّلِعْ عليه
стр. 2727
موسى صلوات الله عليه، مع أنه نبيٌّ مرسَلٌ باتفاق، وفي نبوة الخَضر خلافٌ؟.
قيل: لأن علمَ الغيبِ اختصَّ بالله سبحانه ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمْهَا إلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فلا يطَّلِعُ عليه أحدٌ إلا بإطلاعِ الله إياه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فحينئذ لو اطَّلع المفضولُ على شيءٍ من المغيَّبات دون الأفضل جاز؛ لأنه لم يطَّلِعْ عليه إلا بإطلاع الله إياه.
والأفضلُ لا يلزمُ أن يكونَ له الاطلاع على سائر المغيَّبات، لأنه رِزْقٌ يسوقُه الله إلى مَن يشاء من عباده، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]
* * *
٤٤٣٩ - وعَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّما سُمِّيَ الخَضرَ لأنَّهُ جَلَس على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فإِذَا هِيَ تَهْتزُّ منْ خَلْفِهِ خَضراءَ".
قوله: "على فروة بيضاء"، قال الخَطَّابي: (الفَرْوَةُ): جلدةُ وجْهِ الأرض، وصارت خضراءَ بعد أن كانت جَرْداءَ؛ أي: لا نباتَ فيها.
ويقال: بل أراد الهَشِيمَ من نباتٍ اخْضَرَّ بعد تَيَبُّسِه وبياضه.
قيل: اسم الخَضر: بلياء، قيل: كان من بني إسرائيل، وقيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهَّدُوا في الدنيا.
* * *
٤٤٤٠ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى فَقَالَ لهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ موسَى عينَ مَلَكِ الموتِ فَفَقأَهَا، قال: فرَجَعَ
стр. 2728
المَلَكُ إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ: إنَّكَ أَرْسَلْتَني إلى عَبدٍ لكَ لا يُريدُ المَوتَ وقَدْ فقأَ عَيْني، قَالَ: فردَّ الله إلَيْهِ عَيْنَهُ وقَالَ: ارجِعْ إِلَى عَبدِي فَقُل: الحَيَاةَ تَريدُ؟ فإنْ كنْتَ تُريْدُ الحَياةَ، فضَعْ يدَكَ علَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا وارَتْ يدُكَ منْ شَعْرةٍ فإنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ! أَدْنِني مِنَ الأَرْضِ المُقدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجرٍ. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "والله لوْ أنِّي عِندهُ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَنْبِ الطَّريقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ".
قوله: "فلطمَ موسى عينَ ملكِ المَوْت ففَقَأَها"، الحديث.
(اللَّطْمُ): الضَّرْبُ على الوجه بباطنِ الكفِّ، و (الفَقءُ): الشَّقُّ، فَقَأْتُ عينَه؛ أي: شَقَقْتُها؛ أي: أَعْمَيْتُها.
قيل: الملائكة يَتَصَوَّرُون تصُّورَ الإنسان، وتلك الصُّوَر بالنسبة إليهم كالملابس بالنسبة إلى الإنسان.
واللَّطْمَةُ أَثَّرَتْ في العين الصُّورِيَّة لا في العين المَلَكية، فإنها غير متأثِّرةٍ باللَّطْمة وغيرها، وإنما لطَمَها موسى - صلوات الله عليه - من حيث إنَّ الأنبياءَ - صلوات الله عليهم - كانوا مخيَّرين من عند الله سبحانه آخرَ الأمر بأحد الشيئين، إما الحياة وإما الوفاة، فأقدمَ مَلَكُ الموتِ على قَبْضِ روحهِ - صلوات الله عليهما - قبل التخيير؛ فلهذا سبقتْ منه هذه اللَّطْمَة.
وقيل: كرهَ الموتَ كراهيةً شديدةً بحيث لو أمكَنه لَطْمُه وفَقْء عينه لفعل؛ لأن إجراءَه على الظاهر وهو في صورته المَلَكية لا يمكن، وعلى صورته المتشكِّلِ هو بها لا يجيزه النبيُّ المعصوم.
إن قيل: ما الحكمة في أنَّ موسى ﵇ أعمى عينَ مَلَك الموت، ولم يَعُدَّه ذنبًا، مع أنَّه مرسَلٌ من عندِه تعالى، والله سبحانه ما عاتبَ عليه، بل قال: "ارجعْ إلى عبدي" الحديث، تمهيدًا لعذره، وإذا قتل قبطيًا كافرًا ندم على
стр. 2729
ذلك وتاب، وقال: "تبت يا رب، إني ظلمتُ نفسي"؟.
قيل: لأنه قتل القبطيَّ قبل أن يشرَّف بتشريف الرسالة والمكالمة، وأما إعماءُ عينِ مَلَكِ الموت بعد أن شُرِّفَ بخِلْعَةِ الرسألة والمكالمة والكرامة، فلهذا ما عوتِبَ بل عُذِر، ولأن عينَه الصورية حكمُها حُكْمُ لباسِه، كما ذُكِرَ قَبْلُ، فما صار مُلِيمًا بفقئها.
* * *
٤٤٤١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَرَرْتُ على مُوسَى لَيْلةَ أُسرِيَ بي عِندَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وهُوَ قائِمٌ يُصلِّي في قبرِهِ".
قوله: "ليلة أسري بي"، (ليلة): منصوبة على الظرف، والعاملُ فيه (مررت)، و (أُسْرِيَ) فعل ما لم يسمَّ فاعله، والباء في (بي) للتعدية، وأُسْرِيَ وسُرِّي بمعنًى واحد.
والجملة يعني: (أسري بي)، في محل الجر بإضافة (ليلة) إليها.
و"الكثيب": مجتمَعٌ من الرمل، مِن (كَثَبَ) إذا جمع.
و (الواو) في "وهو قائم" للحال.
"ويصلي" نصب في موضع الحال من الضمير في (قائم)؛ يعني: مررتُ على موسى ﵉ في الليلة التي أُسْرِيَ بي؛ يعني: في ليلة المِعْراج عند الكثيب الأحمر، قائمًا مصلِّيًا في قبره، وصلوات الأنبياء ﵈ في قبورهم عبارةٌ عن زيادة دَرَجَاتِهم بعد الموت.
فإن الصلاة والسجدة فيها خاصَّةُ قُرْبٍ من الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال النبيُّ ﷺ : "وقرة عيني في الصلاة".
ولا شك أن درجاتِ القربِ من الله سبحانه غيرُ متناهية، فهو المراد من
стр. 2730
الصلاة، والله أعلم.
* * *
٤٤٤٢ - وعَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "عُرِضَ عليَّ الأنبياءُ، فإذا مُوسَى ضَرْبٌ من الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَة، ورَأَيتُ عِيْسَى بن مَرْيمَ فإِذَا أَقْربُ مَنْ رَأَيتُ بهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بن مَسْعُودٍ، ورَأيتُ إبْراهيْمَ فإذا أَقْربُ مَنْ رَأَيتُ بهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي: نَفسَهُ -، ورَأَيْتُ جِبْرِيْلَ فإذا أَقْربُ مَنْ رَأَيتُ بهِ شَبَهًا دِحْيَّةُ بن خَليفةَ".
قوله: "عُرِضَ علي الأنبياءُ صلوات الله عليهم، فإذا موسى ضَرْبٌ من الرِّجال" الحديث.
أي: عُرِضَ عليَّ أرواحُ الأنبياء - صلوات الله عليهم - مشكَّلِين بتلك الصور التي كانوا عليها في الدنيا مع الأجساد، وأيضًا أرواحُ الأنبياء كأرواحِ الملائكة، فكما أنَّ لهم أنْ يتشكَّلُوا بصورة الإنسان، فكذا أرواحُ الأنبياء.
(الضَّرْبُ): الرجلُ الخفيفُ من اللَّحْم، والخفيفُ من المَنْظَر، ذكره في "منتخب الصحاح".
وقيل: اللَّبن القليل، والإسراعُ، ذكره الحافظ أبو موسى في "المغيث".
(إذا) في (فإذا موسى) للمفاجأة.
(أَزْدُ شَنُوَءة): قبيلة؛ يعني: كان موسى ﵇ يشابه واحدًا من رجال هذه القبيلة.
"فإذا أَقْربُ": (إذا) للمفاجأة، و (أَقْرَبُ) مبتدأ، و"مَنْ" موصول، و"شَبَهًا" مفعول رأيت، والباء صفة لقوله شبهًا، والجملةُ صلة (مَن)، والموصول والصلة في موضعِ الجرِّ بإضافة الأقرب إليه، و"عروة" خبرُه، أو إذا يعني: رأيت عيسى
стр. 2731
عليه السلام، فكان أقرب إليه في الشبه عروة بن مسعود الثقفي.
* * *
٤٤٤٣ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيتُ لَيْلةَ أُسرِيَ بي موسَى رَجُلًا آدمَ طُوَالًا جَعْدًا كأنَّهُ منْ رِجَالِ شَنوءَةَ، ورَأَيتُ عيسَى رَجُلًا مَربوعَ الخَلْقِ إلى الحُمرَةِ والبَيَاضِ سَبطَ الرَّأسِ، ورَأَيتُ مالِكًا خَازِنَ النَّارِ، والدَّجالَ في آياتٍ أَرَاهُنَّ الله إيَّاهُ ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ".
قوله: "رجلًا آدم طُوَالًا جَعْدًا"، الحديث.
(آدم): نعتٌ من الأُدْمة، وهي السُّمْرة.
و (الطُّوالُ) - بضم الطاء -: الطويلُ، لكنه وُضعَ للمبالغة في الطُّول، نحو كُبَار.
جَعُدَ الشعر فهو (جَعْدٌ)، (المربوعُ): لا طويلٌ ولا قصيرٌ، والرَّبْعَةُ مثلُه.
"إلى الحمرِة والبياض"؛ يعني: كان يضربُ لونُه إلى الحمرة والبياض؛ يعني: ما كان أحمرَ قانيًا ولا أبيضَ نقيًا، بل كان لونُه بين اللَّونين.
"سَبَطَ الرأسَ"؛ أي: مسترسِلَ شعرِ رأسِه، يقال: سَبطَ فهو سَبَطٌ.
"والدجَّالَ في آيات أراهُنَّ الله إياه": (الآياتُ): جمع آية، وهي العلامة، و (أراهُنَّ) صفةُ (آيات)؛ يعني: أراه الدجالَ أيضًا مع آياتٍ أُخَرَ ما حكاها، فإذا كان خروجُه موعودًا ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] و (اللِّقاء): الرؤيةُ، و (لا تَكُنْ) خطابٌ لمن سَمعَ هذا الحديثَ إلى يومِ القيامة.
* * *
٤٤٤٤ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي
стр. 2732
لَقِيتُ موسَى - فَنَعَتَهُ -، فإذا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الشَّعرِ، كأنَّهُ منْ رِجالِ شَنُوءَةَ، ولَقيْتُ عيسَى رَبْعَةٌ أَحمَرُ، كأنَّما خرجَ منْ دِيْمَاسٍ - يعني: الحَمَّام - ورأيتُ إِبْراهِيمَ صلَواتُ الله عَلَيْهِ، وأنا أشبَهُ ولدِهِ بهِ، قَالَ: وأُتِيتُ بإِنَاءَيْنِ أحدُهُما لَبن والآخَرُ فيهِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبن فشرِبْتُهُ، فَقِيْلَ لي: هُدِيتَ الفِطْرةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ".
قوله: "وأُتِيتُ بإناءَين؛ أحدُهما: لبن، والآخرُ فيه خَمْر"، الحديث.
كان قياسُ العربية في قوله ﷺ : (أحدُهما فيه لَبن) كما قال: (فيه خمرٌ)، لكنه عدَلَ عن القياس، لأنه ﷺ أراد تكثيرَ اللبن، فلما كَثُرَ صار كأنَّ الإناءَ انقلبَ لَبنًا، فجعلَه لبنًا كلَّه، تكثيرًا لِمَا يختارُه.
ولمَّا كان الخمرُ منهيًّا عنه قَلَّلَه؛ أي: إناءٌ فيه خمرٌ قَليلٌ، والظاهر: أنه أراد باللبن الحليبَ لا الرائبَ، إذ ذاك عند العرب غالبًا، وإنما عُرِضَ عليه كلاهما؛ ليَظْهَرَ للملائكة تفضيلهُ واختيارهُ ما هو الصواب، والمأتيُّ بهما كان اختراعًا إلهيًا في الحال، لا مأخوذًا من الدنيا، إذ لم يكن المأتيُّ بهما في عالم الكون والفساد، بل في عالم الملكوت.
قوله: "أمَا إنَّكَ لو أخذتَ الخمرَ غَوَتْ أمتُك"، (أَما): كلمةُ تنبيه؛ أي: لو اخترتَ الخمرَ بدلَ اللبن لضلَّتْ أمتُك.
* * *
٤٤٤٥ - عَنِ ابن عبَّاسِ قَالَ: سِرْنا معَ رسُولِ الله ﷺ بيْنَ مكَّةَ والمَدِينَةِ، فَمَرَرْنا بِوادٍ فَقَالَ: "أيُّ وادٍ هَذَا؟ " فَقَالوا وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: "كأنِّي أنظُرُ إلى موسَى، فذكَرَ منْ لونِهِ وشَعْرِهِ شَيْئًا، واضعًا أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤارٌ إلى الله بالتَّلبيَةِ مارًّا بهذا الوَادِي"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنا حتَّى أَتَيْنا عَلَى ثَنِيَّةٍ فَقَال: "أيُّ ثَنِيَّةٍ هذهِ؟ " قالوا: هَرْشَى أو: لِفْتٌ، فَقَال: "كَأنِّي أنظُرُ إلَى يُونُسَ عَلَى ناقَةٍ حَمْراءَ,
стр. 2733
عليهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطامُ ناقَتِهِ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذا الوَادِي مُلبيًا".
قوله: "كأني أنظرُ إلى موسى، فَذكَرَ مِنْ لونهِ وشَعْرهِ شيئًا، واضعًا إصبعيه في أذنيه"، الحديث.
(واضعًا): نصب على الحال، و (إصبعيه) مفعوله.
"الجُؤَارُ": الصياح، يقال: فلان جأَرَ إلى الله ؛ أي: تضرَّع.
و"التلبية": مصدرُ (لبَّى) إذا قال: لَبّيك، وأصل لَبَّى: لَبَّبَ، فقُلِبت الباءُ الآخرة ياءً للخِفَّة، فصار: لَبَّى تَلْبيةً، فَأُجْرِيَ مُجْرى: وصَّى توصيةً؛ يعني: أن النبي ﷺ في الوادي الأزرق الذي بين مكة والمدينة حينما كُشِفَ له من عالَم الغيب حالاتُ موسى ويونس ﵉ في الإحرام والتلبية ممَّا جرى عليهما في الحجِّ وغير ذلك، من حِلْيةِ موسى، ولباسِ يونسَ، ووصفِ ناقته وذكر أن "خِطَامَ ناقتهِ خُلْبَةٌ"؛ أي: زمامُ ناقتِه ليفةُ نَخْل = أخبر عن ذلك كلِّه.
"مارًا" و"ملبيًا": نصب على الحال مِن يونس.
"هَرْشَى": ثنية في طريق مكة، "وَلفت" أيضًا: موضعٌ في طريق مكة.
هذا دليلٌ على أنَّ لأرباب القلوب أن يُخبروا عما كُشِفَ لهم من المغيَّبات.
* * *
٤٤٤٦ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "خُفِّفَ عَلَى دَاودَ القُرآنُ، فكَانَ يأمرُ بدوابهِ فتُسرَجُ، فَيقْرَأُ القُرآنَ قبلَ أنْ تُسرَجَ دَوابُّهُ، ولا يأكُلُ إلَّا مِنْ عَمِلِ يَدِهِ".
قوله: "خُفِّفَ على داود القرآنُ"، الحديث.
(القرآنُ) ها هنا بمعنى القراءة.
стр. 2734
قال في "الغريبين": (القرآن): سُمِّيَ به لأنه جُمعَ فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد، وكلُّ شيء جمعتَه فقد قَرَأْتَه.
"الدواب": جمع دابة، وهي التي تُرْكَبُ، والمراد بها ها هنا الفَرَس.
"فتُسْرَجُ"؛ أي: فتُجْعَلُ الدوابُّ ذاتَ سُرُوج؛ يعني: خُفِّفَ على داود ﵇ قراءةُ الزَّبُور، بحيث لو أمرَ بِسَرْجِ دابته مبتدئًا في قراءته لفرغ من قراءته "قبل أن تُسْرَجَ"، وهذا من جملة معجزاته ﵇، وكثيرًا ما نُقِلَ هذا وأمثالُه من أولياءِ أمةِ نبينا محمد ﷺ من طَيِّ الأرض وغيرِ ذلك؛ لقطع مسافات بعيدةٍ طَرْفَة عين، وينبغي أن يُعتقَد أن كراماتِ الأولياء حقٌّ، وهي تتمةُ معجزاتِ الأنبياء صلوات الله عليهم.
* * *
٤٤٤٧ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كَانتْ اِمْرأتَانِ مَعَهُما ابناهُما، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابن إِحْدَاهُما، فَقَالتْ صَاحِبَتُها: إنَّما ذَهبَ بِابنكِ، وقَالَتِ: الأُخرى: إنَّما ذَهَبَ بابنكِ، فتَحَاكمَتا إِلى دَاوْدَ، فَقَضَى بهِ لِلْكُبرى، فخَرجَتَا عَلَى سُلَيْمانَ بن داودَ، فَأخْبَرتَاهُ فَقَال: ائْتُوني بالسِّكَينِ أشقُّهُ بَيْنَكُما، فَقَالتْ الصُّغرَى، لَا تَفعَلْ، يَرحَمُكَ الله، هُوَ ابنها، فَقَضَى بهِ للصُّغرَى".
قوله: "فتحاكمَتا إلى داودَ، فقضى به للكُبْرى"، الحديث.
(التحاكُم): الترافُع، وهو أن يرفعَ كلُّ واحدٍ من الخَصْمين شرحَ حاله إلى الحاكم.
"فقضى"؛ أي: حكمَ "به"؛ أي: بالابن "للكبرى"، تأنيثُ الأكبر، و"الصغرى"، تأنيثُ الأَصْغَر.
"فخرجَتَا على سليمان"؛ أي: خرجتا من عند داودَ، ودخلَتا على سليمانَ
стр. 2735
عليهما السلام، فأخبرتَاه بما حكَمَ داود ﵇ بذلك، فألهمه الله سبحانه ما كان محرِّكًا للرحمة والأمومية والمحَّبة والبُغْض، وهو قوله: "ائتوني بالسِّكِّين أَشُقُّه بينكما"، فقالت أمه التي هي الصغرى خوفًا على ذهاب روحه:
"لا تفعلِ" الشقَّ يا نبي الله، "فإنه ابنها"، فحكمَ به للصغرى؛ لوجودِ هذه القوينة المعينة لها، وهي الرَّأْفةُ والشَّفقةُ، واعلم أن قضاءهما حقٌّ وصدق؛ لكونهما مجتهِدَين، وكلُّ مجتهدٍ مصيبٌ.
ومستندُ قضائهما في هذه القضية نفسُ القرينة، لكنَّ القرينةَ التي حكمَ بها سليمان ﵇ كانت أقوى من حيث الظاهرُ، فقد غلبَ على ظنه بذلك أنه ابن للصغرى، فحكمَ لها بالابن.
قال بعض الشارحين: ويحتمل أن قرائنَ الأحوالِ كانت في شرعهم بمثابة البَينة، فلهذا حكمُوا بها.
* * *
٤٤٤٨ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "قالَ سُلَيْمانُ صَلَواتُ الله عليهِ: لأَطوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَى تِسعِيْنَ امرأةً - وفي رِوَايَةٍ: على مِئَةِ امرأةٍ - كُلُّهنَّ تَأتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبيلِ الله، فَقَالَ لهُ المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلمْ يقُلْ ونَسِيَ، فَطَافَ عليهِنَّ، فلمْ تحمِلْ منهُنَّ إلَّا امْرأةٌ واحِدةٌ جَاءَتْ بشِقِّ رَجُلٍ، وايْمُ الَّذي نَفْسُ محمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ الله، لَجَاهَدُوا في سَبيْلِ الله فُرسَانًا أَجْمَعُونَ".
قوله "لأطوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً - وفي رواية بمئة امرأة - كلُّهن تأتي بفارسٍ يجاهد"، الحديث.
(اللامُ) في (لأطوفنَّ) جوابُ قَسَمٍ مقدَّر، تقديرُه: والله لأَطُوفَنَّ، و (الطوافُ)
следующие страницы →