← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 3011–3031 · переход к 3016.

стр. 3011

فَدَخلَ على النَّبيِّ ﷺ فأَخْبَرَهُ بذلكَ، فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ وقد عَصَّبَ على رأسِه حاشِيةَ بُرْدٍ، فَصَعَدَ المِنْبرَ ولم يَصْعَدْ بعدَ ذلكَ اليَوْمِ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثم قال: "أوصِيْكُم بالأَنْصارِ، فإنَّهم كَرِشي وعَيْبَتي، وقد قَضَوْا الذي عليهم وبقيَ الذي لهم، فاقبلُوا مِن مُحْسنِهم، وتجاوَزُوا عن مُسِيئِهم". قوله: "أُوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرْشِي وعَيْبتي"، قال في "شرح السنة": كَرْشي؛ أي: جماعتي وأصحابي الذين أَثِقُ بهم، وأعتمدهم في أموري، والكَرْش: الجماعة، وقد يكون الكَرْش عِيالُ الرجل وأهلُه. وقيل: كَرْشي؛ أي: بِطانتي، وضَرَبَ المَثَلَ بالكَرْش؛ لأنه مستَقَرُّ غِذاء الحيوان الذي يكون فيه بقاؤه. قوله: (عيبتي)؛ أي: خاصَّتي وموضعُ سِرِّي، كما أن عَيبة الرجل موضعٌ لحِرْز مَتاعه وثيابه، وفي الحديث: "بيننا عَيبة مَكْفوفة"؛ أي: صدر نقيٌّ من الغِلِّ، والعرب تَكْني عن القَلْب والصَّدْر بالعَيبة، وهذا كما روي في الحديث: "الأنصار شِعار، والناس دِثار"؛ يعني بهم: البطانة والخاصة، فإن الشِّعار: اسم للثوب الذي يَلِي الجسدَ، هذا كلُّه منقول من "شرح السنة". * * * ٤٨٨١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ في مَرَضه الذي ماتَ فيهِ حتَّى جَلَسَ على المِنْبَرِ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثُمَّ قال: "أمَّا بَعْدُ، فإِنَّ النَّاسَ يَكثُرون، ويَقِلُّ الأَنْصارُ حتَّى يكونُوا في النَّاسِ بمَنْزِلةِ المِلْحِ في الطَّعامِ، فمَن وَلِيَ منكم شيئًا يَضُرُّ فيهِ قَوْمًا ويَنْفَعُ فيهِ آخرينَ فليَقبلْ مِن مُحْسِنِهم ويتجاوزْ عن مُسيئهم". قوله: "إنَّ الناس يَكْثُرون، ويَقِلُّ الأنصار"، وإنما قال ذلك؛ لأنهم بَذَلوا

стр. 3012

أنفسَهم وأموالَهم في محبَّته وولائه، فصاروا بِطانةً له ﷺ وخاصَّته، فإذا كان كذلك فمن يُدرك تلك المنزلةَ العظيمة التي كانت لهم؟ فإذا مات واحد منهم مات بلا بَدَل، وَيكْثُر غيرُهم، ويَقِلُّون لذلك. قيل: معنى قلَّة الأنصار كل يوم: انقراض من يَنْقَرِض منهم؛ أي: من الأنصار الذين كانوا في زمانه، وغيرُهم يَكْثُر، يريد: مَنْ يدخل في الدين فوجًا بعد فوج، فقد علم أن رُقْعة الإسلام سوف تتَّسع فيكْثُرون، والأنصار يقلُّون، فلا بدلَ لهم للأنصار أيضًا، بل أولادهم كغيرهم في دخول الإسلام، فتعيَّن التقليل جدًا. * * * ٤٤٨٣ - عن أَبي أُسَيْدٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "خَيرُ دُورِ الأَنْصارِ بنو النَّجَّارِ، ثُمَّ بنو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بنو الحارثِ بن الخَزْرجِ، ثُمَّ بنو ساعِدَةَ، وفي كلِّ دُورِ الأَنْصارِ خيرٌ". قوله: "خيرُ دُور الأنصار بنو النَّجَّار ... " الحديث. وإنما أراد بالدُّور: البُطون، ولكلِّ بطن محلَّة يسكنُها الناس، فتلك المحلة تسمَّى دارًا. * * * ٤٨٨٤ - وقالَ رسولُ الله ﷺ لعُمَرَ في حاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ: "إنَّه شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْريكَ؟ لعلَّ الله قد اطَّلعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعمَلُوا ما شِئْتُم فقد وَجَبَتْ لكم الجَنَّةُ". وفي روايةٍ: "قد غَفرْتُ لكم".

стр. 3013

قوله لعمرَ في حاطبِ بن أبي بَلْتعة: "إنه شهد بدرًا، وما يُدريك لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجَبَتْ لكم الجنة". قوله: "اعملوا ما شئتم" لم يكن ذلك رخصة في ارتكاب المعاصي، بل يكون تنبيهًا على أنهم مغفورون، وقصَّة حاطب مشهورة، وهي: أنَّ عليًا ﵁ قال: بعثني رسولُ الله أنا والزبيرُ والمِقْداد، فقال: "انطلِقوا حتَّى تأتوا رَوضةَ خَاخٍ، فإنَّ بها امرأة معها كتاب، فخذوا منها"، قال: فانطلقنا، حتى أتينا تلك الرَّوضة، فأدركناها، فقلنا لها: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، وحَلَفَت، فلما رأت مِنَّا الجِدَّ البليغَ في طلبه أخرجته من ذُؤَابتها. فأتينا به رسولَ الله ﷺ ، فإذا فيه: مِنْ حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكةَ، إنَّ رسول الله يَقْصِدُكم، فخذوا حِذْرَكم؟ فقال رسولُ الله ﷺ لحاطب: "ما حَمَلَك على هذا؟ ". قال: يا رسول الله! ما نافقْتُ منذ أسلمتُ، ولا خُنْتُكَ منذ آمنت، ولكني حَمَلَني على ذلك أنِّي كنت مُلْصَقًا بقريق، وليس بيني وبينهم قرابة، فأردتُ أن أتَّخِذ عندهم يدًا، يحفَظُون قرابتي، وعلمتُ أن الله تعالى يُطْلِعك عليه. فصدَّقه رسولُ الله؛ لأن الله تعالى خاطبه بالإيمان، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، فقام عمرُ بن الخطاب، فقال: دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق، فقال له رسولُ الله ﷺ : "إنه قد شَهِدَ بدرًا ... " إلى آخر الحديث. قوله: "لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر"، قال الحافظ أبو موسى: ظنَّ بعضُ الجهال أن قوله: "لعل" من جهة الظن والحُسْبان، وليس كذلك، لِمَا روى أبو هريرة عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "اطَّلع الله على أهل بدر ... " إلى آخره،

стр. 3014

وليست في روايته لفظة: "لعلَّ". * * * ٤٨٨٦ - عن حَفْصَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنِّي لأَرْجو أنْ لا يَدْخُلَ النَّارَ إنْ شاءَ الله أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبيةَ"، قلتُ: يا رسولَ الله! أليسَ قد قالَ الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ قال: "أَفلم تَسْمعِيهِ يقولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ". وفي روايةٍ: "لا يَدْخُلُ النَّارَ إنْ شاءَ الله مِن أَصْحابِ الشَّجرةِ أَحَدٌ، الذينَ بايعُوا تحتَها". قوله: "إنِّي لأرجو أن لا يدخلَ النارَ - إن شاء الله - أحدٌ شَهِدَ بدرًا أو الحديبية"، قالت حفصة: "قلت: يا رسول الله! أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال: أفلم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ". عند أهل السنة الورودُ بمعنى الدخول؛ لأن النجاةَ التي بعده تدُلُّ على أنه بمعنى الدخول؛ يعني: الكلُّ يدخلونها، فينجِّي الله تعالى المتَّقين بفضله، ويتركُ الكافرين فيها بِعَدْله. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٨٨٩ - عن حُذَيْفَةَ ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ أَنَّه قال: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِن أصحابي: أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، واهتَدُوا بهَدْيِ عمَّارٍ، وتَمَسَّكُوا بعَهْدِ ابن أمِّ عبدٍ". وفي روايةٍ: "ما حَدَّثكم ابن مَسْعودٍ فَصَدِّقُوه".

стр. 3015

قوله: "تمسَّكُوا بعهدِ ابن أمِّ عبد"، قيل: يريد عَهْدَ عبدِ الله بن مسعود، وهو ما يَعْهَد إليهم ويُوصيهم به، ومِنْ جُملته أمرُ الخلافة، فإنه أولُ من شَهِدَ بصحتها من أَجِلَّة الصحابة، واستدل بأنه ﷺ قدَّم الصديق في صلاتنا، فكيف لا نرضى لدنيانا مَنِ ارتضاه ﷺ لديننا. * * * ٤٨٩٠ - عن عليٍّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لو كُنْتُ مُؤَمِّرًا عن غَيْرِ مَشورَةٍ لأَمَّرتُ عليهم ابن أمِّ عَبْدٍ". قوله: "لو كنتُ مؤمِّرًا عن غير مَشُورة لأمَّرت عليهم ابن أمِّ عبد"، (التأمير): جعل الرجل أميرًا على قوم. اعلم أن هذا الحديث مؤوَّل، وتأويله: أنه أراد ﷺ به تأميرَه على جيش مُعيَّن، أو استخلافه حالَ حياته في أمرٍ خاص، فلا يجوز أن يُحمل على غير ما ذُكر؛ لأنه ليس من قريش، وقد قال النبيُّ ﷺ : "الأئمةُ مِنْ قُريش". * * * ٤٨٩٣ - عن أَنَسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ الجَنَّةَ تَشْتَاقُ إلى ثلاثَةٍ: عَلِيٍّ، وعَمَّارٍ، وسَلْمانَ". قوله: "إن الجنَّةَ لتشتاقُ إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان"، وإنما تشتاق لهؤلاء الثلاثة؛ لأنهم قد شَغَلَهم عنها قربُ الحقِّ سبحانه والمشاهدةُ والكشفُ والمراقبةُ والتجلِّياتُ الإلهية، فلذلك تشتاق إلى دخولهم إيَّاها. * * * ٤٨٩٧ - عن عَبْدِ الله بن عَمْرٍو ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ:

стр. 3016

"ما أَظَلَّتْ الخَضْراءُ ولا أَقَلَّتْ الغَبْراءُ أَصْدَقَ مِن أبي ذَرٍّ". قوله: "ما أظلَّت الخَضْراء ولا أَقَلَّتِ الغَبْراء أصدقَ مِنْ أبي ذر"، يريد بـ (الخضراء): السماء، وبـ (الغبراء): الأرض. قيل: ما ذَكَر هذا ﷺ إلا على سبيل المبالغة والتأكيد، لا على أنه أصدقُ على الإطلاق؛ لأنه لا يجوز أن يقال: أبو ذر أصدقُ من أبي بكر ﵁؛ لأنه صدِّيق الأمة وخيرُهم، وهو ممَّن أظلَّته الخضراءُ وأقلَّتْه الغَبْراء، فإذا ثبت هذا فقد عرفتَ أن الحديثَ عامٌّ يريد به الخاصَّ. * * * ٤٩٠٢ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأَى في بَيْتِ الزُّبَيْرِ مِصْباحًا، فقال: "يا عائِشَةُ! ما أُرَى أَسْماءَ إلا قد نُفِسَت، فلا تُسَمُّوه حتى أُسمِّيَهُ"، فسمَّاهُ: عبدَ الله، وحَنَّكَهُ بتَمْرَةٍ بيدِهِ. قوله: "ما أَرى أسماءَ إلا قد نُفِسَت، فلا تُسَمُّوه حتى أسمِّيَه، وحنكه بتمرة بيده"، أسماء كانت أخت عائشة ﵂، يقال: نُفست المرأة - على صيغة المجهول - أي: ولدت. وفيه دليل على أنَّ شريفَ قومٍ إذا وُلد لواحد من القوم وَلدٌ يَطْلُبُ منه أن يسمِّيَ ذلك الولد، ويحنِّكه بتمر أو غيره من الأشياء الحُلْوة تبرُّكًا وتيمُّنًا، كما سمَّى رسولُ الله ﷺ ولدَ أسماء: عبدَ الله، وحَنَّكه. * * * ٤٩٠٤ - وعن عُقْبَةَ بن عامرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَسْلَمَ النَّاسُ، وآمَنَ عَمْرُو بن العاصِ"، غريب.

стр. 3017

قوله: "أسلمَ الناسُ وآمنَ عمرو بن العاص"، وإنما خصَّصه بالإيمان؛ لأنه وقع إسلامُه في قلبه في الحَبَشة، حين اعترف النجاشيُّ بنبوته والأساقفةُ معه، فعَلِمَ صدقَ نبوَّته، فأقبلَ إلى رسول الله ﷺ مُؤمنًا مِنْ غير أن يدعوَه أحدٌ إليه، فجاء من الحبشة إلى المدينة ساعيًا، فدخل وآمن، وأمَّره في الحال على جماعةٍ فيهم الصِّدِّيق والفاروق ﵄. قيل: لأنه كان مُبالغًا قبل إسلامه في عَدَاوة النبيِّ ﷺ ، وقصد إهلاك أصحابه (١)، فلما آمن أراد أن يُزيل عن قلبه تلك الوحشةَ المتقدمة، حتى يَأْمَنَ من جهته، ولا ييأس من رحمةِ الله سبحانه. * * * ٤٩٠٥ - قالَ جابرٌ ﵁: لقِيَني رسولُ الله ﷺ فقالَ: "يا جابرُ! مالي أَراكَ مُنْكَسِرًا؟ " قلتُ: استُشْهِدَ أبي وتركَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قال: "أَفَلَا أُبشِّرُكَ بما لقيَ الله بهِ أباكَ؟ " قال: قلتُ: بلى يا رسولَ الله! قال: "ما كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ إِلا مِن وَراءِ حِجَابٍ، وأَحْيَا أباكَ فكلَّمَه كِفَاحًا، فقالَ: يا عبدي! تَمَنَّ عليَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ! تُحْييني، فأُقتَلَ فيكَ ثانيةً، قالَ الرَّبُّ تعالى: إِنَّه قد سَبَقَ منِّي: أَنَّهم لا يُرْجَعونَ"، فنزلَتْ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية. قوله: "ما كلَّمَ الله أحدًا قطُّ إلا من وراء حجاب، وأَحْيا أباك، فكلَّمه كِفاحًا". قال في "الصحاح": كَفَحْته كَفْحًا: إذا استقبلته كَفَّة كَفَّة، وفي الحديث

стр. 3018

"إني كَفَحْتُها (١) وأنا صائم"؛ أي: واجهها بالقبلة، وكافَحُوهم: إذا استقبلوهم بوجوههم ليس دونها تُرْس، ومنه المُكافحة والكِفاح، يقال: لقيتُه كِفاحًا. يعني: كلَّم الله سبحانه أباك من غير حجاب دونَه؛ أي: بلا واسطة. إن قيل: قد بيَّن الله سبحانه أنَّ الشهداء أحياء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وإحياء الحي كيف يكون؟ قيل: جعل الله سبحانه تلك الروحَ في جوف طَيرٍ خُضرٍ، فأحيا ذلك الطيرَ بتلك الروح الشَّهيدية، فصحَّ الإحياء حينئذ، أو: أراد أنَّ روحه كان حيًا، لكن لم يكن لتلك الروح من الرتبة ما يشاهد الحق كِفاحًا، فكساها قوةً أعطتها زيادةَ حياة، حتى صَحَّت المكافحة، أو أراد بالإحياء: إبقاء ذِكْرِه في الدنيا، كما هو حيٌّ في الآخرة. * * * ٤٩٠٧ - عن أَنَسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ، لا يُؤْبَهُ لهُ، لو أَقْسَمَ عَلى الله لأَبَرَّه، مِنْهم البَرَاءُ بن مالكٍ" ﵁. قوله: "كم مِن أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرين، لا يُؤْبَه له، لو أقسمَ على الله لأبره"، و (كم): خبرية مبتدأ. و (مِنْ) في (مِنْ أشعث) مبين لها، و (لا يؤبه) فعل له مفعول أقيم مقام الفاعل، يعود إلى (أشعث)، خبره. و (الأشعث): الذي تغيَّر شعرُ رأسه واغبرَّ، (الطمر) الثوب الخَلَق، (لا يؤبه)؛ أي: لا يلتفت إليه، ولا يُبالى به، يقال: فلان بَرٌّ في يمينه؛ أي: صِدْق فيها، وأبَرَّه: إذا صدَّقه. * * *

стр. 3019

٤٩١٠ - عن أَنَسٍ ﵁، عن أبي طَلْحَةَ ﵁ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "أَقْرِئ قومَكَ السَّلامَ، فإنَّهم ما عَلِمْتُ أَعِفَّةٌ صُبُرٌ". قوله: "فإنَّهم ما علِمْتُ أعفَّةٌ صُبُرٌ"، (الأعفة): جمع عفيف، و (الصُّبُر): جمع صابر؛ يعني: هم المتعفِّفون عن السؤال، والصَّابرون عند القتال. * * * ٤٩١٣ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قالَ: ذُكِرَت الأَعاجِمُ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لأَنَا بهم أو ببَعْضهم أَوْثَقُ مِنِّي بكُم أو ببَعْضكُم". قوله: "لأَنَا بهم أو ببعضهم أوثقُ منِّي بكم أو ببعضكم"، يعنى: وثوقي واعتمادي بهم أو ببعضهم أكثر من وثوقي واعتمادي بكم أو ببعضكم. إعرابه: (أنا) مبتدأ، و (أوثق) خبره، و (مِنْ) صلة (أوثق)، والباء في (بهم) مفعوله، و (أو) عطف على (بهم)، والباء في (بكم) مفعول فعل مقدَّر يدل عليه (أوثق)، و (أو) في (أو ببعضكم) عطف على (بكم)، إما متعلِّق أيضًا بـ (أوثق)، إذ هو في قوة الوثوق وزيادة، فكأنه فعلان، فجاز أن يَعمل في مفعولين، أو تأخَّر دلَّ عليه الأول. * * * ١٣ - باب ذِكْرِ اليَمَنِ وَالشَّامِ، وَذِكْرِ أُوَيْسٍ القَرَنِيِّ ﵁ - (بابُ ذِكْرِ اليَمَنِ وَالشَّامِ وَذِكْرِ أُوَيْسٍ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٩١٤ - عن عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ رَجُلًا

стр. 3020

يأتيكُم مِن اليَمَنِ يُقالُ لهُ: أَوَيْسٌ، لا يَدَعُ باليَمَنِ غيرَ أمًّ له، قد كانَ بهِ بياضٌ فدَعَا الله، فأَذْهَبَهُ إلا مَوْضعَ الدِّينارِ أو الدِّرْهَمِ، فمَن لقيَهُ مِنْكم فَلْيَسْتَغْفِرْ لكم". قوله: "فمَنْ لَقِيَه منكم فليستَغْفِرْ لكم"، أمرُ رسولِ الله ﷺ الصحابةَ بالاستغفار من أُويس التابعي - مع أن الصحابةَ أفضل من التابعين بلا خلاف - دليلٌ على أن الفاضل يُستحب له أن يَطْلُبَ الدعاءَ من المفضول. ويحتمل أن يكون تطييبًا لقلبه؛ لأنه كان يُمكنه أن يَصِلَ إلى حضرة النبيِّ ﷺ لكن بِرُّه بأمه قد منعَه ذلك، فلهذا أمرهم بالاستغفار منه، ليندفع توهُّمه أنه مُسِيء في تخلُّفه. * * * ٤٩١٦ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أَتَاكُم أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفئِدَةً وأَلْينُ قُلُوبًا، الإِيْمَانُ يَمَانٍ، والحِكْمَةُ يَمَانيَّةٌ، والفَخْرُ والخُيَلاءُ في أَصْحَابِ الإِبلِ، والسَّكِيْنَةُ والوَقَارُ في أَهْلِ الغَنَم". قوله: "أتاكم أهلُ اليمن، هم أرقُّ أفئدةً وألينُ قلوبًا ... " الحديث. قال في "شرح السنة": قيل: هما قريبان من السَّواء، كرَّرَ ذكرَهما لاختلاف اللفظين تأكيدًا، أو أراد بلين القلب: سرعة خُلُوص الإيمان إلى قلوبهم. ويقال: إن الفؤادَ غِشاءُ القلب، والقلب: حبته وسويداؤه، فإذا رقَّ الغِشاء أسرعَ نفوذُ الشيء إلى ما وراءه. وقيل: قوله: "الإيمان يَمَان"، يراد به أنه مكي؛ لأنه بدأ من مكة، وأضاف إلى اليمن؛ لأن مكة من أرض تِهَامة، وتِهامة من أرض اليمن، فتكون مكةُ على هذا يمانيَّةً.

стр. 3021

وقيل: إن النبيَّ ﷺ قال هذا الكلام، وهو يومئذ بتبوك ناحيةِ الشام، ومكة والمدينة بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحيةِ اليمن، وهو يريد مكةَ والمدينة، يريد: الإيمان من هذه الناحية، كما يقال: سُهيل اليماني؛ لأنه يبدو من ناحية اليمن، وقيل: هم الأنصار؛ لأنهم نَصَروا الإيمان، وهم يمانيَّة، فَنَسَبَ الإيمانَ إليهم. وقيل: قوله "الحكمة يمانية" أراد بها الفقه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. ويروى: "الفِقْه يَمَان"، وهذا ثَنَاء على أهل اليمن لإسراعهم إلى الإيمان وحُسْن قَبولهم إيَّاه، وقيل: الحكمة عبارة عن كل كلمة صالحة تمنع صاحبَها عمَّا يُوقِعُه في الهلاك. * * * ٤٩١٨ - عَنْ أبي مَسْعودٍ الأنصاريِّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مِن هَا هُنَا جَاءَتِ الفِتَنُ، نَحْوَ المَشْرقِ، والجَفَاءُ وغِلَظُ القُلُوبِ في الفَدَّادينَ أَهلِ الوَبَرِ، عندَ أُصْولِ أَذْنَابِ الإِبلِ والبَقَرِ، في رَبيَعَةَ ومُضَرَ". قوله: "والجَفَاء وغِلَظ القلوبِ في الفَدَّادين"، قال أبو عمرو: والفَدَادين - مخففة - واحدها فَدَّان - بالتشديد -، وهي البقرة التي يُحرث عليها، وأهلُها أهلُ جفاء لبُعدهم من الأَمْصار، والأكثرون ذهبوا إلى أنها مشدَّدة. قال أبو العباس: هم الجَمَّالون والبَقَّارون والحَمَّارون. وقال الأصمعي: هم الذين تَعْلُو أصواتُهم في حُروثهم وأموالِهم ومَوَاشيهم، يقال: فَدَّ الرجل يَفِدُّ فَدِيدًا: إذا اشتد صوتُه. وقال أبو عبيدة: الفَدَّادون: هم المُكْثرون من الإبل الذي [يملك] أحدهم

стр. 3022

المئة إلى الألف، وهم جُفاة أهل خيلاء، ومنه الحديث: "أن الأرضَ تقول للميت: ربَّما مَشَيت عليَّ فَدّادًا" أي: ذا مال كثيرٍ وذا خُيلاء. وفي الجملة ذمُ ذلك؛ لأنه يَشْغَل عن أمر الدين، ويُلْهي عن الآخرة، فيكون معها قَساوة القلب، ذكره في "شرح السنة". * * * ٤٩١٧ - وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رأسُ الكُفرِ نَحْوَ المَشْرقِ، والفَخْرُ والخُيَلاءُ في أَهلِ الخَيلِ والإِبلِ والفَدَّادينَ أَهلِ الوَبَرِ، والسَّكيْنَةُ في أَهْلِ الغَنَمِ". قوله: "والفَخْرُ والخُيَلاء في أهل الخَيل والإبل"، (الفخر): عبارة عن المباهات والمنافسة في المال والجاه المُؤدِّي إلى الخيلاء والتكبُّر المانع عن قَبول الإيمان. قوله: "والسكينة في أهل الغنم"، (السكينة)؛ أي: الوَقَار والتأنَّي، قيل: أصحاب الغنمِ لهم سُكون ووقار؛ لأنه لا بُدَّ لهم من مقاربة العُمْرَانات والاختلاطِ بأهلها، فإن الغنمَ لا تصْبرُ عن الماء والعَلَف، ولا تتحمَّل الجَفَاء والبرد. فإذا كان كذلك فوقَارُهم يؤدِّي إلى أنهم لا يخرجون عن الطاعة، وأما أصحاب الإبل والخيل فيقعُدون في البوادي والصَّحاري، فبعدُهم عن العُمْران والخَلْق يحمِلُهم على الطُّغيان ونزعِ اليد عن الطاعة، فلهذا ذمَّ ﷺ أصحابَهما، ومَدَح أصحابَ الغنمِ. وقيل: الراعي خُلُقه على قَدْر ما يرعاه، فالغنمُ راعيه يكون لينَ القلب، لسهولة طبيعة الغنم، ورُعاةُ الإبل تقسُو قلوبُهم كقسَاوة الإبل، ويخشُنُ عيشُهم،

стр. 3023

ويكثُر الشقاء معها، وربما سَكِرَت فقتلت الجَمَّال، ولأنها تنفر وتنهزم فيتعَبُ الجاري معها، فتغلُظ طبيعتُه. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٩٢١ - عن أَنَسٍ ﵁، عن زَيْدِ بن ثابتٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نظرَ قِبَلَ اليَمَنِ فقال: "اللهمَّ! أَقبلْ بقُلوبهم، وبارِكْ لنا في صاعِنَا ومُدِّنا". قوله: "أن النبيَّ ﷺ نظرَ قِبَلَ اليمنِ فقال: اللهمَّ أقبلْ بقلوبهم، بارِكْ لنا في صَاعِنا ومُدِّنا"، (القبل): الجانب؛ يعني: اجعل قلوبَهم مُقبلة إلينا، وإنما سأل ربَّه تعالى إقبالَ قلوبِ أهل اليمن إلى مكة لأن طعام أهلِها كان يأتيهم من اليمن، ولهذا عقَّبه ببركة الصَّاع والمُدِّ لطعام يُجْلَب إليهم من اليمن، فقد استجاب الله دعاءَ رسولِه ﷺ إلى الآن؛ لأن أكثرَ أقواتهم من هناك. * * * ٤٩٢٢ - عن زَيدِ بن ثابتٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "طُوبَى للشَّامِ"، قُلْنا: لأيٍّ ذلكَ يا رسولَ الله؟ قالَ: "لأنَّ ملائِكَةَ الرَّحْمنِ باسِطَةٌ أَجْنِحَتَها عَلَيها". قوله: "طوبى للشَّام"، (طوبى): فَعلى مِنْ طَابَ، وأصله: (طيبى) فقُلبت الياء واوًا لانضمام ما قبلها؛ يعني: أصحابُ الشام خيرٌ وطِيب. * * * ٤٩٢٣ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ستَخْرُجُ نارٌ من نَحْوِ حَضْرَمَوْتَ - أو: مِن حَضْرَمَوْتَ - تَحْشُرُ النَّاسَ"، قُلْنا: يا رسولَ الله! فما تَأْمُرُنا؟ قال: "عليكم بالشامِ".

стр. 3024

قوله: "ستخرُج نارٌ مِنْ نَحْوِ حضرموت أو من حضرموت، تحشُرُ النَّاسَ"، قيل: يحتمل أن تظهر نارٌ على هذه الصفة المذكورة، ويحتمل: أن يريد بالنار: فتنة تظهر منها، وعلى كلا التقديرين يكون قبلَ قيام الساعة، والدليل على هذا قولهم: "فما تأمرنا؟ "؛ يعني: في ذلك الوقت. * * * ٤٩٢٤ - عن عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاصِ ﵁ قالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنها ستَكونُ هِجْرَةٌ بعدَ هجرةٍ، فخِيَار النَّاسِ هِجْرَةً إلى مُهَاجَرِ إبراهيمَ ﵇". وفي روايةٍ: "فخِيارُ أَهْلِ الأَرْضِ ألزمُهم مُهَاجَرَ إبراهيمَ، ويَبقَى في الأَرْضِ شِرارُ أَهْلِها، تَلْفِظُهم أَرَضُوهم، تَقْذَرُهم نَفْسُ الله، تَحْشُرُهم النَّارُ معَ القِرَدةِ والخنازيرِ، تَبيتُ معَهم إذا باتُوا، وتَقِيلُ معَهم إذا قَالُوا". قولها: "إنها ستكونُ هجرةٌ بعد هجرة، فخِيارُ الناسِ إلى مُهَاجر إبراهيمَ ﵇"، قيل: الهجرة الثانية حقُّها أن تكون معرَّفة بلام العهد؛ لأنها هي الهجرةُ الواجبة من مكة إلى المدينة، وإنما أتى بنكرة؛ إما لتوافق الأولى في الرتبة، أو لاعتماد أنَّ السامعين يعرفون أن في الكلام إضمارًا، وهو أن تقديره: بعد هجرة كانت إلى المدينة. (مهاجر إبراهيم)؛ أي: مكان هجرته ﵇، وهو الشام؛ يعني: فخيارُ الناس الذين يقصِدُون في الهجرة إلى الشامِ بعد ظهور الفتن وغلبةِ الكُفر والفَسَاد في الآفاق، فإن الشام مَصُونٌ في ذلك الوقت عن الفتن. قال الخطابي: الهجرة الثانية هي الهجرة إلى الشام، يرغَبُ فيها خيارُ الناس.

стр. 3025

قوله: "تَلْفِظُهم أَرضوهم"، (اللَّفْظ): الرمي والإلقاء، الضمير المنصوب في (تلفِظهم) يعود إلى (الشرار)؛ يعني: تُلقي الأرض شرارَ الناس من ناحية إلى ناحية أخرى. قوله: "تقذُرهم نفسُ الله"، يقال: قذِرت الشيء - بالكسر - وتقذَّرته واستقذرته: إذا كرهته، (نَفْس الله) - بسكون الفاء -: ذاتُه سبحانه. قال في "شرح السنة": تأويله: أن الله يكره خروجَهم إليها ومُقامَهم، ولا يوافقهم لذلك، فصاروا بالرِّدَّة كالشيء تقذُره نفسُ الإنسان، فلا تقبله، وهذا مِثْلُ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]. قوله: "تحشُرهم النارُ مع القِردة والخنازير، تَبيتُ معهم إذا باتوا، وتَقِيل معهم إذا قَالوا"، (النار) ها هنا: عبارة عن الفتنة، (القردة) جمع قِرْد، و (الخنازير) جمع خنزير، بات يَبيت بَيتُوتة: إذا أقام ليلًا، قال يَقِيل قَيلولة: إذا نام نصفَ النهار واستراح. يعني: تحشُرهم نارُ الفتنة - التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة وأقوالهم - مع القردة والخنازير، لكونهم متخلِّقين بأخلاقها، فيظنُّون أن الفتنة لا تكون إلا في بلدانهم، فيختارون جَلاء أوطانهم، ويتركُونها، والفتنة تكون لازمةً لهم، ولا تنفكُّ عنهم حيث يكونون وينزِلون. * * * ٤٩٢٥ - عن ابن حَوَالة قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "سَيصيرُ الأَمْرُ أنْ تكونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً، جُنْدٌ بالشَّامِ، وجُنْدٌ باليَمَنِ، وجُنْدٌ بالعِراقِ"، فقالَ ابن حَوَالة: خِرْ لي يا رسولَ الله! إنْ أَدْركتُ ذلكَ، قال: "عليكَ بالشَّامِ، فإنَّها خِيَرَةُ الله مِن أَرْضهِ، يَجْتبي إليها خِيَرَتُه مِن عبادِه، فأَمَّا إنْ أبَيْتُم فَعَلَيكم بيَمَنِكُم،

стр. 3026

واسقُوا مِن غُدُرِكم، فإنَّ الله تَوَكَّلَ لي بالشَّامِ وأَهْلِهِ". قوله: "سيصِيرُ الأمرُ أن تكونوا جُنودًا مُجَنَّدة؛ جُندٌ بالشام وجندٌ باليمن وجند بالعراق"، (الجنود) جمع جُنْد، وهو مَنْ يقاتل به، جَنَّد يُجَنِّد تَجْنيدًا: إذا جمع العسكر، فهو مُجَنِّد وذلك مُجَنَّد؛ يعني: ستصيرون فِرقًا ثلاثًا؛ فرقة منكم تقصد إلى الشام، وفرقة أخرى تقصِد إلى اليمن، والثالثة تقصِد إلى العراق. فقال الراوي: يا رسول الله! خِرْ لي؛ أي: اختر لي. قوله: "فإنَّها خِيرةُ الله من أرضه"؛ يعني: إن الشام مُختارةُ الله من أرضه؛ يعني: اختارها الله من جميع الأرض للإقامة في آخر الزمان. قوله: "يجتبي إليها خيرتَه من عباده"، (يجتبي)؛ أي: يجتمع؛ يعني: يجتمع إلى الشام الخيارُ من عباده. قوله: "فأمَّا إنْ أَبيتم فعليكُم بيمنِكم، واسْقُوا مِنْ غُدُرِكم، فإنَّ الله توكَّلَ لي بالشام وأهلِه"، (الغُدُر) جمع غدير، وهو حفرة يَقِفُ فيها الماء؛ يعني: إن أبيتم عن القصد إلى الشام فعليكم بيمنكم؛ أي: فالزموا يمنَكُم، وإنما أضاف اليمن إليهم؛ لأن المخاطَبين هم العرب، واليمن من أرضهم. قيل: قوله: "فأمَّا إن أبيتُم فعليكم بيمنكم" اعتراض بين قوله: "عليكم بالشام" وبين قوله: "واسقوا من غُدُركم"، فإذا ثبت هذا فتقدير الكلام: عليكم بالشام واسقوا من غدركم، فإن الله قد توكَّل لي بالشام وأهلها، فأما إنْ أبيتُم فعليكم بيمنكم. قال الإمام التوربشتي: في سائر نسخ "المصابيح": (فإن الله قد توكل لي بالشام) والصواب: "قد تكفل"، وهو سهو إمَّا في أصل الكتاب، أو من بعض الرواة. * * *

стр. 3027

١٤ - باب ثَوَابِ هذِهِ الأُمَّةِ (بابُ ثَوَابِ هذِهِ الأُمَّةِ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٩٢٦ - عن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّما أَجَلُكم في أَجَلِ مَن خَلَا مِن الأُمَمِ ما بينَ صلاةِ العَصْرِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وإنَّما مَثَلُكم ومَثَلُ اليَهودِ والنَّصارَى كرَجُلٍ استَعْمَلَ عُمَّالًا، فقالَ: مَن يَعملُ لي إلى نِصْفِ النَّهارِ على قِيراطٍ قيراطٍ، فعَمِلَتِ اليهودُ إلى نِصْفِ النَّهارِ على قيراطٍ قيراطٍ، ثُمَّ قال: مَن يَعمَلُ لي مِن نِصفِ النَّهارِ إلى صلاةِ العَصْرِ على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعَمِلَتِ النَّصارَى مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى صلاةِ العَصْرِ على قيراطٍ قيراطٍ؟ ثُمَّ قال: مَن يَعْمَلُ لي مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ على قيراطَينِ قيراطَينِ؟ أَلَا! فأنتُم الذينَ تعملون مِن صلاةِ العَصْرِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، أَلَا لكُم الأَجْرُ مرتينِ، فغضبَتِ اليَهودُ والنَّصارَى، فقالوا: نَحْنُ أكثرُ عَمَلًا وأقلُّ عطاءً؟ قالَ الله تعالى: وهل ظَلَمْتُكم مِن حقِّكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنَّه فَضْلي أُعطِيهِ مَن شئتُ". قوله: "إنَّما أجَلُكم في أجل مَنْ خَلا مِنَ الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس ... " الحديث. (إنما) هذه، و (إنما) مثلكم، كلتاهما للحَصْر؛ يعني: ما أَجَلُكم في أجلِ مَنْ خلا من الأمم إلا ما بين صلاة العصر. (الأجل): مدة الشيء، (خلا): إذا مضى، (الأمم): جمع أمة، وهي جماعة من الناس.

стр. 3028

قال في "شرح السنة": ذكرَ الخطَّابي - رحمة الله عليه - على هذا الحديث كلامًا معناه: أن هذا الحديث يُروى على وجوه مختلفة في توقيت العمل من النهار، وتقدير الأُجرة في هذه الرواية: قطع الأجرة لكل فريق منهم قيراطًا قيراطًا، وتوقيت العمل عليهم زمانًا، واستيفاؤه منهم وإيفاؤهم الأجرة. وفيه قطع الخصومة، وزوال العَتَب عنهم، وإبراؤهم من الذَّنْب، وهذا الحديث مختصَر، وإنما اكتفى الراوي منه بذكر مآل العاقبةِ فيما أصاب كلَّ واحدة من الفِرَق من الأجر. وقد روى محمد بن إسماعيل هذا الحديثَ بإسناده عن سالم بن عبد الله عن عبد الله، وقال فيه: "أوتي أهل التوراة التوراةَ فعمِلوا، حتى إذا انتصفَ النهارُ عَجَزوا، فأُعْطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتي أهلُ الإنجيلِ الإنجيلَ، فعمِلوا إلى صلاة العصر، ثم عَجَزوا، فأُعْطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتيتُ القرآن، فعمِلْنا إلى غروب الشمس، فأُعطينا قيراطين قيراطين". فهذه الروايةُ تدلُّ على أن مَبْلَغ الأجرة لليهود لعمل النهار كلِّه قيراطان، وأجرة النصارى للنصف الباقي قيراطان، فلما عَجَزوا عن العمل قبلَ تمامِه لم يُصيبوا إلا على قدْرِ عملهم، وهو قيراط، ثم إنَّهم لما رَأَوا المسلمين قد استوفَوا قدرَ أجرةِ الفريقين حَسَدُوهم، فقالوا: نحنُ اكثرُ عملًا، وأقلُّ أجرًا. * * * ٤٩٢٧ - عن أبي هُريرَةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مِن أَشَدِّ أُمَّتي لي حُبًّا ناسٌ يكونونَ بَعْدي يَوَدُّ أَحَدُهم لو رآني بأَهْلِهِ ومالِهِ". قوله: "يَوَدُّ أحدُهم لو رآني بأهله وماله"، (ودَّ يَوَدُّ) على وزن علم يعلم، معناه: تمنَّى، والباء في (أهله) باء التعدية؛ يعني: يتمنَّى أحدُهم أن يكَون يَفْدِي

стр. 3029

بأهله وماله لو أنفقَ رؤيتَهم إيَّاي ووصولَهم إلي. ويجوز أن تكون (لو) بمعنى (أن)، والباء في (بأهله) باء حال؛ يعني: تمنَّى أحدُهم أن يراني في حال كونه يَفْدي بأهله وماله، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ أي: أن كانوا. * * * ٤٩٢٩ - وقالَ: "لا يَزَالُ مِن أُمَّتي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بأمْرِ الله، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلهم ولا مَن خَالفَهم، حتَّى يأتيَ أمرُ الله وهُم على ذلكَ". قوله: "لا يزالُ مِنْ أمَّتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم، ولا مَنْ خالَفَهم، حتى يأتيَ أمرُ الله وهُم على ذلك"، قال في "شرح السنة": (قائمة بأمر الله) أي: متمسِّكة بدينها، وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٣]؛ أي: متمسِّكة بدينها، وهم قومٌ آمنوا بموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم -. قال الشيخ: وحمل بعضُهم مُطْلقَ هذا الحديث على القيام بتعلُّم العلم وحفظ الحديث لإقامة الدين. قال أحمد بن حنبل: إن لم تكن هذه الطائفةُ المقصودةُ أصحابَ الحديث فلا أدري من هم؟ قيل: هذه الطائفة هم المُرابطة بثغور الشام؛ لأنه في بعض طرق هذا الحديث: "وهم بالشام"، وفي بعضها: "حتَّى يُقَاتِلَ آخرُهم المسيحَ الدَّجَّال"، وفي بعضها: قيل: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: "في بيت المقدس". قيل: الأمة القائمة بأمر الدين: هم المُقيمون على الإسلام، الدائمون له، مِنْ قام الشيء: إذا دام، وقام الماء: وقف.

стр. 3030

وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٣] أراد به: من انتقلَ من اليهودية والنصرانية إلى الإسلام، فآمن بجميع الكتب، وواظَب على العمل بمضمون القرآن، وقيل: أراد: أرباب الأحاديث؛ لأنهم قائمون بنقل الأحاديث وإحيائها. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٩٣١ - عن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَثَلُ أُمَّتي مَثَلُ المَطَرِ، لا يُدْرَى أَوَّلُه خَيْرٌ أَم آخِرُهُ". قوله: "مَثَلُ أمَّتي كالمَطَر، لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أم آخِرَه"، وإنما شَبَّه أمتَه ﷺ بالمطر؛ يعني: شَبَّه نفعَهم في الدين بنفع المطر في الزرع، لا من حيث أن التردُّد في فضل القَرْنِ الأول أنهم أفضلُ من القرن الثاني بلا خلاف، بل التابعي أفضل ممن بعده؛ لقوله ﵊: "خيرُ الناسِ قرني، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يلُونهم" بيان شبههم بالمَطَر لأن المطر يُنْبتُ الزرعَ في الأول، ويُنْمِيه في الثاني، ولا يُدْرى أنَّ نفعه في الأول أكثرُ أم في الثاني، فكذلك إن القرن الأول مَهَّدوا قواعدَ الشريعة وأساسَها، والقرن الثاني حَفِظُوها، وشَهَّروها، وعَمِلوا بمضمونها إلى قيام الساعة، فلا يُدرى - أيضًا - أن نفعَ القرنِ الأول في تمهيدهم أصلَ الشريعة أكثر، أم نفع القرن الثاني في حفظها والعمل بها؟ بل النفعُ موجودٌ في كليهما، من حيث إن أصلَ النفعِ في القرنين مشترَكٌ، وهو دوام توفيقِهما للعمل بمقتضى الشرع، بخلاف الأمة السالفة؛ فإن آخرَهم بدَّلوا ما كان أوَّلُهم عليه، وحَرَّفوه، قال الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ

стр. 3031

مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، فإذا كان كذلك ففضْلُ أمتِه عَنْ آخرِهم ثابتٌ على سائر الأمم كلِّهم، لمفهوم هذا الحديث ومنطوقِ غيرِه من الآيات والأخبار، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: خيارًا، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. فإذا تقرَّر هذا، فاعرِفْ أن فضيلةَ القرن الأول من أمته على القرن الثاني منهم لا بكثرةِ العمل، بل لأنهم صَحِبوا النبيَّ ﷺ ، وصادفُوا زمانَ الوحي، ولأنهم ثبتَتْ فضيلَتُهم على القرن الثاني بدلائل كثيرةٍ من الآيات والأخبار، والله أعلم بالصواب (١). ° ° °