← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16976

المفاتيح في شرح المصابيح

مظهر الدين الزيداني

Полный текст (3 031 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

٤٧٦٣ - وقال عليٌّ ﵁: والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إنَّه لَعَهْدُ النَّبيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إليَّ: أنْ لا يُحِبني إلا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضَنِي إلا مُنافِقٌ. قوله: "والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرأَ النَّسمَة إنَّه لعهدُ النبيِّ" الواو في (والذي) للقسَم، و (إنه) جواب القسم، (فلق): إذا شَقَّ، (برأ): إذا خَلَق، (النسمة): الإنسان. * * * ٤٧٦٤ - عن سَهْلِ بن سَعْدِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ يومَ خَيْبَرَ: "لأَعطِيَنَّ هذهِ الرَّايةَ غدًا رَجُلًا يَفتحُ الله على يَدَيهِ، يُحِبُّ الله ورسولَهُ، ويحبُّهُ الله ورسولُه"، فلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا على رسولِ الله ﷺ ، كلُّهم يَرْجُونَ أنْ يُعطَاها، فقالَ: "أينَ عليُّ بن أبي طالب؟ "، فقالوا: هوَ يا رسولَ الله! يشتكي عَيْنَيهِ، قالَ: "فاَرْسِلوا إليهِ"، فأُتيَ بهِ، فبصقَ رسولُ الله ﷺ في عَيْنَيهِ، فبَرَأَ حتى كأنْ لم يكنْ بهِ وَجَعٌ، فأعطاهُ الرايةَ، فقال عليٌّ: يا رسولَ الله! أُقاتِلُهم حتى يكونُوا مثلَنا؟ فقالَ: "انفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزِلَ بساحتِهم، ثم ادعُهم إلى الإِسلامِ، وأخبرْهم بما يَجِبُ عليهم من حَقِّ الله فِيهِ، فوالله لأَنْ يهديَ الله بكَ رَجُلًا واحِدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ تكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ". قوله: "فَبصَقَ رسولُ الله ﷺ في عينيه، فَبَرَأ"؛ يعني: ألقى رسولُ الله ﷺ بُزَاقَه في عَينَي عليٍّ ﵁، فزال الوجَعُ عنهما في الحال. قوله: "أقاتِلُهم حتَّى يكونوا مِثْلَنا"؛ يعني: أُحاربهم حتى يُسْلِموا، قالَ رسول الله ﷺ : "انفُذْ على رِسْلِك، حتى تنزلَ بِسَاحَتِهم"؛ يعني: امْضِ على رِفْقِكَ ولِينك، و (الرَّسْل): السير اللَّين، (الساحة): الأرض، (بساحتهم)؛ أي: بأرضهم. * * *

стр. 2977

٤٧٦٧ - عن زيدِ بن أَرْقَمَ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَن كنتُ مَوْلاهُ فعليٌّ مَوْلاهُ". قوله: "مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"، قال الحافظ أبو موسى: أي: مَنْ كنت أتولاه فعليٌّ يتولَّاه؛ يعني: مَنْ كنت أُحِبُّه فعليٌّ ﵁ يحبُّه، وقيل: من كان يتولاني فعليٌّ يتولاه. وقيل: سبب ذلك: أن أسامةَ بن زيد قال لعليٍّ ﵁: لستَ مولاي، إنما مولايَ رسولُ الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه". وروي عن الشافعي ﵁ أنه قال: أراد بذلك وَلاءَ الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]؛ أي: وليُّهم وناصِرُهم، فعلى القولِ الأخير معناه: أنَّ ولاء الإسلام يشتمل على الذي يشتمل كل مسلم من مُراعاة حرمة الإسلام في صَون النفس والمال والسلامة في الآخرة. وقيل: قد ثبت أنَّ رسولَ الله ﷺ وَلِي الإجابة، إذا دعا أن يُجاب، وقد كان علي ﵁ وليَّ الدعوة بما بعثه رسولُ الله ﷺ مع أبي بكر حين جعله أميرَ الحجِّ بالناس، فبعث عليًا ليقرأ على الناس سورةَ براءة، وأن يبلِّغَهم حكمَ الله ورسولِه، فقال أبو بكرِ لرسول الله ﷺ : لِمَ تبعثُ عليًا؟ فقال: "لا يُبلِّغ عني إلا رجلٌ مني"، فحينئذ علي ولي الدعوة إلى الحق، فيجوز له أن يدعو الناس إلى الله سبحانه نيابة عنه ﷺ ، ويجوز لجميع الأمة أن يجيبوا دعوتَه اتِّباعًا لرسول الله ﷺ ، فإذا عرفتَ ذلك فاعرف أنَّ مَنْ وافقه وافقَ الرسولَ ﷺ ، ومن خالفه فقد خالفَه ﷺ . وفي الحديث الذي بعده دليلٌ على فضيلة عظيمةٍ لعليٍّ ﵁. * * * ٤٧٧٣ - عن جابرٍ ﵁ قال: دَعَا رسولُ الله ﷺ عَلِيًا يَوْمَ الطَّائِف فانتَجَاهُ، فقالَ النَّاسُ: لقد طالَ نَجْوَاهُ مع ابن عَمِّه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما انتَجَيْتُهُ،

стр. 2978

ولكنَّ الله انتجَاهُ". قوله: "ما انْتُجَيتُه ولكنَّ الله انتْجَاهُ"، يقال: انتجيته: إذا خَصَصْته لمناجاتك؛ يعني: بلَّغته عن الله تعالى ما أمرني أن أبلِّغه عن الله على سبيل النَّجْوى، فحينئذ انْتَجاهُ الله سبحانه لا انتجيتُه. * * * ٤٧٧٤ - عن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قالَ رَسولَ الله ﷺ لِعَلِيٍّ: "يا عليُّ! لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يُجْنِبُ في هذا المَسْجدِ غيري وغيرُك" قال ضرَارُ بن صُرَدٍ: معناهُ: لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُه جُنُبًا غيري وغيرُك. هذا حديثٌ غريبٌ. قوله: "لا يَحِلُّ لأحدٍ يستطْرِقُه جُنُبًا غيري وغيرُك"؛ لأنه كان ممرَّ أبوابهما في المسجد، بخلاف غيرهما، فإنه لم يكن له مَمَرَّ دارِه في المسجد. اعلم أن فضائلَ عليٍّ ﵁ أكثرُ مِنْ أنْ تُحصى، وهذه الأحاديث شاهدة بها، لكن هذه الأحاديث لا تقاوم ما أوجب تقديمَ أبي بكر ﵁؛ لأن تقديمه إنما ثبت بالإجماع، والإجماع حكمُه حكمُ آية نزلت في زمان الوحي، وهذه الأحاديث أحاديث آحاد، فكيف تقاوم الإجماع؟ * * * ٩ - باب مَنَاقِبِ العَشرَةِ ﵃ - (بابُ مَنَاقِبِ العَشرَةِ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٧٦ - قال عُمَرُ ﵁: ما أَحَدٌ أَحَقُّ بهذا الأَمْرِ مِن هؤلاءِ النَّفَرِ الذينَ

стр. 2979

تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهوَ عَنْهم راضٍ، فَسَمَّى: عليًا وعُثْمانَ والزُّبَيْرَ وطَلْحَةَ وسَعْدًا وعَبْدَ الرَّحمنِ. قوله: "ما أحدٌ أحقُّ بهذا الأمرِ من هؤلاء النَّفَرِ الذين تُوفِّي رسولُ الله وهو عنهم راضٍ"، (النفر) - بالتحريك - عدَّةُ رجال من ثلاثة إلى عشرة، يريد بهذا الأمر: الخلافة؛ يعني: قال عمر ﵁ عند وفاته: الخلافة بعدي بين هؤلاء الستة المذكورة في الحديث، فإنَّ رسولَ الله ﷺ كان راضيًا عنهم عند وفاته ﷺ . وهم أفضلُ الناس في هذا الزمان، فإذا دفن عمر ﵁ أجمعوا على خلافة عثمان ﵁. إن قيل: توفِّي رسولُ الله ﷺ وهو راضٍ عن جميع الصحابة، فَلِمَ خَصَّ عمرُ هؤلاءِ الستةَ بالرضا؟. قيل: لم يُرِدِ الرِّضوانَ الشاملَ لهم، بل رضوانًا يخُصُّهم، ويستحقون بذلك أن يكونوا خلفاء، فهذا معنى الرضا. * * * ٤٧٧٨ - عن جابرٍ ﵁ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن يأتيني بخَبَرِ القَوْمِ؟ " - يومَ الأَحْزابِ -، قالَ الزُّبيرُ: أنا، فقالَ النبيُّ ﷺ : "إنَّ لكُلِّ نبَيٍّ حَوَارِيًّا وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ". قوله: "لكل نبيٍّ حواريّ، وحواريّ الزبير"، قال في "شرح السنة": المراد منه الناصر، والحوارِيون من أصحاب عيسى ﵇ كانوا أنصارًا له، وسُمُّوا الحواريين؛ لأنهم كانوا يغسِلون الثياب فيُحوِّرُونها؛ أي: يُبيضُونها. * * *

стр. 2980

٤٧٨٠ - عن عليٍّ ﵁ قال: ما سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيهِ لأَحَدٍ إلا لسَعْدِ بن مالكٍ، فإنِّي سَمِعْتُه يقولُ يومَ أُحُدٍ: "يا سَعْدُ! ارْمِ فِدَاكَ أبي وأمي". قوله: "إلا لسعد بن مالك"؛ يعني: سعد بن أبي وقَّاص. ٤٧٨٢ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالت: سَهِرَ رسولُ الله ﷺ مَقْدَمَهُ المَدينةَ ليلةً فقال: "لَيْتَ رَجُلًا صالِحًا يَحْرُسُني"، إذ سَمِعْنَا صوْتَ سِلاحٍ، فقالَ: "مَن هذا؟ " قال: سَعْدٌ، قال: "ما جاءَ بكَ؟ " قال: وَقَعَ في نَفْسِي خَوْفٌ على رسولِ الله ﷺ فَجئْتُ أَحرُسُه، فَدَعَا لهُ رسولُ الله ﷺ ، ثُمَّ نامَ. قوله: "وقع في قلبي خوفٌ على رسولِ الله ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُه" دليلٌ على التوافق بين رسولِ الله ﷺ وبين الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنه لمَّا جرى في خاطره ﷺ طَلَبُ الحراسةِ، تحرَّك ضميرُ سعدٍ للقيام بها، فقام بها. * * * ٤٧٨٥ - عن أبي هُريرَةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ على حِراءَ هو وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعثمانُ وعليٌّ وطَلْحَةُ والزُّبيرُ، فتحرَّكَتْ الصَّخْرَةُ، فقالَ رسولَ الله ﷺ "اِهْدَأْ، فما عَلَيْكَ إلا نبَيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهيدٌ"، وزادَ بعضُهم: "وَسَعْدُ بن أبي وقَّاصٍ"، ولم يَذْكُرْ عَلِيًّا. قوله: "اهدأ، فما عليكَ إلا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيد"، (اهدأ)؛ أي: اسْكُن. * * * ٤٧٨٨ - عن الزُّبَيْرِ ﵁ قال: كانَ على النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعانِ فنَهَضَ إلى الصَّخْرةِ، فلم يَسْتَطِعْ، فَقَعَدَ طَلْحَةُ تَحْتَه حتَّى استَوَى على الصَّخْرةِ،

стр. 2981

فَسَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ". قوله: "أوجَبَ طلحة"؛ أي: أوجبَ الجنةَ لنفسه؛ لأنه رَضيَ عنه رسولُ الله ﷺ يومَ أُحد. * * * ٤٧٨٩ - وقالَ جابرٌ: نَظَرَ رسولُ الله ﷺ إلى طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله وقالَ: "مَن أَحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشي على وَجْهِ الأَرْضِ وقد قَضَى نَحْبَهُ فلْيَنظُرْ إلى هذا". وفي رِوايةٍ قال: "مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهيدٍ يَمْشي على وَجْهِ الأَرْضِ فلْيَنظُرْ إلى طَلْحَةَ بن عُبَيدِ الله". قوله: "مَنْ أَحبَّ أن ينظُرَ إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قَضَى نَحْبَه"، معناه: بذَلَ جُهْدَه في الوفاء بعهده. وكان طلحةُ ممن ذَكَر الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ أي: نَذْرَه وعَهْدَه، و (النحب): النذر، ويقال: الموت، كأنه ألزم نفسَه الصبرَ على الجهاد، فوفَّى به حتى استُشْهِد. * * * ٤٧٩٣ - عن عليٍّ ﵁ قال: ما جَمَعَ رسولُ الله ﷺ أَبَاهُ وأُمَّهُ إلا لسَعْدٍ، قالَ لهُ يومُ أُحُدٍ: "ارْمِ فِدَاكَ أبي وأمي"، وقالَ لهُ: "ارْمِ أيُّها الغُلامُ الحَزَوَّرُ! ". قوله: "أيُّها الغُلام الحَزَوَّر" - بفتح الحاء والزاي وتشديد الواو -، الغلام إذا اشتد وقوي وخدم، وكذلك الحَزْوَر - بسكون الزاي وبفتح الواو ومع التخفيف -. * * *

стр. 2982

١٠ - باب مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ الله ﷺ - (بابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ الله ﷺ ) ٤٧٩٦ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ غَداةً وعَليهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِن شَعْرٍ أسودَ، فجاءَ الحَسَنُ بن عليٍّ فأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جاءَ الحُسَينُ فدَخَلَ معَهَ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فأَدْخَلَها، ثُمَّ جاءَ عليٌّ فأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قالَ: " ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ". قولها: "خرجَ رسولُ الله ﷺ غَداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شَعَرٍ أسود"، قال في "الصحاح": مِرْط مُرحَّل: إزارُ خَزٍّ فيه عَلَمٌ. وقال غيره: المُرحَّل: ضَرْبٌ من بُرود اليَمَنِ، [سُمِّي مُرَحَّلًا]؛ لِمَا عليه من تصاوير الرِّحَال. * * * ٤٧٩٧ - وقالَ البَرَاءُ: لمَّا تُوُفِّي إبراهيمُ قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لهُ مُرْضعًا في الجَنَّةِ". قوله: "إنَّ له مُرْضعًا في الجنة"، قال الخطابي: هذا يروى على وجهين: مَرضعًا - بفتح الميم - أي: رَضاعًا، وبضم الميم؛ أي: تتم رضاعه، يقال: امرأة مُرْضع - بلا هاء -: [إذا كان لها لبن رضاع]، ومُرْضعة: إذا بنيت على: أرضَعَت. قيل: قال ذلك لأنه [مات] قبل الفِطام. * * *

стр. 2983

٤٧٩٨ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كُنَّا أَزْواجَ النَّبيِّ ﷺ عِنْدَهُ، فأَقْبَلتْ فاطِمَةُ، ما تَخْفَى مِشْيَتُها مِن مِشيَةِ رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا رآهَا قال: "مرحبًا بابنتي"، ثُمَّ أَجْلَسَها، ثم سَارَّها، فبكَتْ بكاءً شديدًا، فلمَّا رأَى حُزْنَها سارَّها الثانية، فإذا هي تَضْحَكُ! فلمَّا قامَ رسولُ الله ﷺ سَأَلتُها: عَمَّا سارَّكِ؟ قالَت: ما كُنْتُ لأُفشيَ على رسولِ الله ﷺ سِرَّه، فلَمَّا تُوُفِّي قلتُ: عَزَمتُ عليكِ بما لي عليكِ مِن الحقِّ لمَّا أخبرتِني، قالت: أمَّا الآنَ فَنَعَمْ، أمَّا حينَ سارَّني في الأمرِ الأولِ فإنَّهُ أخبرَني: أنَّ جِبْريلَ كانَ يُعارِضُه بالقُرآنِ كلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وأنَّه: "عارضَني بهِ العامَ مرَّتَينِ، ولا أُرَى الأَجَلَ إلا قد اقتَرَبَ، فاتَّقي الله واصبري، فإنِّي نِعمَ السَّلَفُ أنا لكِ"، فبَكَيْتُ، فلمَّا رَأَى جَزَعي سارَّني الثانيةَ قال: "يا فاطِمَةُ! ألا تَرْضَيْنَ أنْ تكوني سَيدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ - أو: نِساءِ المُؤْمنين -". وفي روايةٍ: سارَّني فأَخْبَرني أنه يُقْبَضُ في وَجَعِه، فبكَيْتُ، ثُمَّ سارَّني فأَخْبَرَني أنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بيتِهِ أَتْبَعُه، فَضَحِكْتُ. قولها: "سارَّني في الأمرِ الأوَّل"، (سارني)؛ أي: أفرحني. قوله: "ألا ترضينَ أن تكوني سيدةَ نساءِ أهلِ الجنة، أو نساء المؤمنين" دليلٌ على أنها خيرُ نساء المؤمنين وأفضلُهنَّ في الدنيا والآخرة، وإنما كان كذلك؛ لأنها بعضُ رسولِ الله ﷺ ، كما قال ﷺ في الحديث الذي بعده: * * * ٤٧٩٩ - عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "فاطمةُ بَضْعَةٌ منِّي، فمَنْ أَغْضَبَها أَغْضَبني". وفي روايةٍ: "يُريبني ما أَرَابَها، ويُؤذيني ما آذَاهَا". "فاطمةُ بَضْعَةٌ مني"، و (البَضْعة): قطعة لحم، فإذا ثبت هذا، فمحبَّتُها

стр. 2984

واجبة، ومحبة أولادِها على الإطلاق واجبة. قوله: "يَرِيبني ما أَرَابها"، قال في "شرح السنة": قال الفَرَّاء: رَابَ وأَرَابَ بمعنًى واحد، ويقال: أرابني: إذا شَكَّكني وأَوهَمني، فإذا استيقَنْتُه قلت: رابني. * * * ٤٨٠٠ - عن زيدِ بن أَرْقَمَ ﵁ قال: قامَ رسولُ الله ﷺ خَطيبًا بماءٍ يُدعَى خُمًّا، بينَ مكَّةَ والمدينةِ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليهِ، ووَعظَ وذَكَّرَ ثم قالَ: "أمَّا بَعْدُ، أيُّها النَّاسُ! إنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يأتيَني رسولُ ربي فأُجيبَ، وأنا تارِكٌ فيكم الثَّقَلَيْنِ، أولهُما: كتابُ الله، فيهِ الهدى والنورُ، فخُذوا بكتابِ الله واستَمْسِكوا بهِ، وأَهْلُ بيتي، أُذَكِّرُكم الله في أَهْلِ بيتي، أُذَكَّرُكم الله في أهلِ بيتي، أُذكرُكم الله في أهلِ بيتي". وفي روايةٍ: "كتابُ الله، هوَ حبلُ الله، مَن اتَّبَعَهُ كانَ على الهدَى، ومَن تَرَكَهُ كانَ على الضَّلالةِ". قوله: "وأنا تاركٌ فيكُم ثقلين"، قال في "شرح السنة": قيل: سماهما ثقلين؛ لأن الأخذَ بهما والعملَ بهما ثقيل، وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] أي: أوامر الله وفرائضه ونواهيه لا تؤدَّى إلا بتكليفٍ ما ثقيل. وقيل: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾؛ أي: له وَزْن، وسُمِّي الجنّ والإنس ثقلين؛ لأنهما فُضلا بالتمييز على سائر الحيوان، وكلُّ شيء له وزن وقَدْر يُتنافس فيه فهو ثقيل. * * *

стр. 2985

٤٨٠١ - عن البَرَاءِ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ لعليٍّ: "أنتَ مِنِّي وأنا مِنْكَ"، وقال لجَعْفَرٍ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقي"، وقالَ لزَيدٍ: "أنت أَخُونا ومَوْلانا". قوله: "أنتَ أخُونا ومولانا"؛ يعني: قال رسولُ الله ﷺ لزيد: أنتَ أخونا في الدِّين ومولانا؛ أي: عَتِيقنا. * * * ٤٨٠٢ - وكانَ ابن عُمَرَ ﵄ إذا سلَّمَ على ابن جَعْفَرٍ قالَ: السَّلامُ عليكَ يا ابن ذي الجناحَيْنِ! قوله: "يا ابن ذي الجناحين"، فإنما سماه بذلك هنا؛ لأنه ﷺ يراه في الجنة يطيرُ مع الملائكة حيث شاء، وقَوادِمُه كانت ملطوخة بالدم. وقد قتل بأرض الشام، وهو أمير، كان بيده راية الإسلام، فقاتل في سبيل الله حتى قُطِعت يداه ورِجْلاه، وقد كُشِفَ لرسول الله ﷺ حتى رأى أن له جناحين مَلْطوخين بالدم، يطيرُ بهما مع الملائكة في الجنة. * * * ٤٨٠٤ - وعن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: خَرَجْتُ معَ رسولِ الله ﷺ في طائِفَةٍ مِن النَّهارِ حتى أَتَى خباءَ فاطِمَةَ فقالَ: "أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ "، يعني حَسَنًا، فلم يَلْبَثْ أنْ جاءَ يَسْعَى، حتَّى اعتَنَقَ كلُّ واحِدٍ منهما صاحبَهُ، فقالَ: رسولُ الله ﷺ : "اللهمَّ! إني أُحِبُّه، فأَحِبَّهُ وأَحِبَّ مَن يُحبُّه". قوله: "أثَمَّ لُكَع"، و (اللكع): عبارة عن الولد الصغير الذي لا عَقْلَ له، وهو اسم يُطلق على العبد والصغير والمُهْر والجَحْش. قال في "شرح السنة": سئل بلال بن جرير عن اللُّكَع، قال: هي في لغتنا:

стр. 2986

الصغير، وإلى هذا ذهب الحسن إذا قال: يا لُكَعُ، يريد: يا صغير، أو يريد في العلم، فسمَّاه لُكَعًا لِصِبَاه وصِغَرِه. * * * ٤٨٠٥ - وعن أبي بَكْرةَ ﵁ قال: رأَيتُ رسولَ الله ﷺ على المِنْبرِ، والحَسَنُ بن عليٍّ إلى جَنْبهِ، وهوَ يُقْبلُ على النَّاسِ مَرَّةً وعلَيْهِ أُخْرى ويقولُ: "إنَّ ابني هذا سَيدٌ، ولعَلَّ الله أنْ يُصْلِحَ بهِ بينَ فئتينِ عظيمتينِ مِن المُسْلِمين". قوله: "ولعلَّ الله يُصْلِحُ به بين فئتينِ عَظِيمتين من المسلمين"، قال الشيخ الإمام في "شرح السنة": قد خرج مصداق هذا القول في الحسن بن علي ﵄ بترك الأمر حين صارت الخلافة إليه، خوفًا من الفتنة، وكراهة لإراقة دم أهل الإسلام، فأصلح الله به أهلَ العراق وأهلَ الشام، وسُمِّي ذلك العام سنة الجَمَاعة. وفيه دليل على أن واحدًا من الفريقين لم يَخْرُجْ - بما كان منه في تلك الفتنة من قول أو فعل - عن مِلَّة الإسلام؛ لأن النبيَّ ﷺ جعلهم كلَّهم مسلمين، مع كون إحدى الطائفتين مُصيبة والأخرى مُخْطِئة. وهذا سبيل كلِّ متأول فيما يتعاطاه من رأي ومذهب، إذا كان له فيما يتأوَّلُه شبهة، وإن كان مخطئًا في ذلك، وعن هذا اتفقوا على قَبول شهادة أهل البَغْي، ونُفُوذ قضاء قاضيهم، واختار السلفُ تركَ الكلام في الفتنة الأولى، وقالوا: تلك دماءٌ طَهَّرَ الله عنها أيدينا، فلا نُلَوِّثُ بها ألسنتَنا. وفي الحديث دليل على أنه لو وَقَفَ شيئًا على أولاده يدخلُ ولدُ الولد فيه؛ لأن النبيَّ ﷺ سمَّى ابن ابنته ابنًا، هذا كله منقول عن "شرح السنة". * * *

стр. 2987

٤٨٠٦ - وعن ابن عُمَرَ في الحَسَنِ والحُسَينِ ﵄ قالَ النَّبيُّ ﷺ : "هُما رَيْحَانِي مِن الدُّنيا". قوله: "هما ريحاني من الدنيا"، (الريحان) ها هنا قد فُسِّر بالرزق، فقال الزمخشري: أي: هما من رزق الله الذي رَزَقَنِيه، يقال: سبحانَ الله وريحانَه؛ أي: أسبح الله وأسترزِقُه، قال: وهو مخفَّف من الريحان، فَعْلَان من الرَّوح؛ لأن انتعاشه بالرزق، قيل: ويجوز أن يراد بالريحان المشموم؛ لأن الأولاد قد يُشَمُّون ويُقَبَّلون، وكأنهم من الرَّياحين. * * * ٤٨١٣ - وعن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ بَعَثَ بَعْثًا وأمَّرَ عَلَيهم أُسامَةَ بن زيدٍ فَطَعَنَ النَّاسُ في إِمارتِه، فقامَ، فقالَ رسولُ الله: "إِنْ تَطْعَنُوا في إمارتِه فقد كنتُم تَطْعَنونَ في إمارةِ أبيهِ مِن قَبْلُ، وايمُ الله إنْ كانَ لَخَليقًا للإِمارةِ، وإنْ كانَ لمِن أَحَبِّ النَّاسِ إليَّ، وإنَّ هذا لمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إليَّ بَعْدَه". قوله: "وايمُ الله إِنْ كان لخليقًا للإمارة"، (وايم الله)؛ أي: والله إنَّ الشأنَ والحديثَ كان أسامة بن زيد من موالي، جرير للإمارة لفضله وسبقه وقربه مني. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٨١٥ - عن جابرٍ ﵁ قال: رأَيْتُ رسولَ الله ﷺ في حَجَّتِهِ يومَ عَرَفةَ، وهو على ناقتِهِ القَصْواءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يقولُ: "يا أيُّها النَّاسُ! إنِّي قد تَرَكْتُ فيكم ما إنْ أخذْتُم بهِ لن تَضلُّوا، كتابَ الله وعِتْرَتي أهلَ بَيْتي". قوله: "وهو على ناقته القَصْواء"، سُمَّيت قَصواء لا لكونها مجدوعة

стр. 2988

الأذن، بل القَصْواء لقبٌ لها، وكذلك العَضْباء والجَدْعَاء أيضًا لقب لها. قوله: "عترتي أهل بيتي"، قيل: في معنى (العترة) أقوال أحسنها: أن عِتْرةَ الرَّجُلِ: أهلُ بيته ورَهْطُه الأقربون. * * * ٤٨١٧ - وعن زيدِ بن أَرْقَمَ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ لعليٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَينِ: "أنا حَرْبٌ لِمَن حاربَهم، وَسِلْمٌ لِمَن سَالمَهم". قوله: "أنا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبهم، وسِلْمٌ لمن سَالَمهم"؛ أي: أنا مُحارب لمن حاربَ أهل بيتي، وسِلم؛ أي: مُسالم لمن سالمهم؛ يعني: مَنْ أحبَّهم فقد أحبني، ومَنْ أبغضهم فقد أبغضني. * * * ٤٨١٩ - وعن عبد المُطَّلِب بن ربيعةَ ﵁: أنَّ العَبَّاسَ ﵁ دَخَلَ على رسولِ الله ﷺ مُغْضَبًا وأنا عِنْدَه فقالَ: "ما أغضبَكَ؟ "، قال: يا رسولَ الله! ما لَنا ولقُرَيشٍ؟ إِذا تَلَاقَوْا بينَهم تَلَاقَوْا بوُجوهٍ مُسْتَبْشِرَةٍ، وإذا لقُونا لقُونا بغيرِ ذلكَ، فغَضبَ رسولُ الله ﷺ حتَّى احمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قال: "والذي نَفْسي بيدِه، لا يَدْخُلُ قَلْبَ رجلٍ الإيمانُ حتى يُحِبَّكم للهِ ولرسولِهِ"، ثُمَّ قال: "أيُّها النَّاسُ! مَن آذَى عَمِّي فقد آذَاني، فإنَّما عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيهِ". قوله: "تلاقَوا بوجوه مُبْشِرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك" قيل: مبشرة - بضم الميم وسكون الباء وفتح الشين - الروايةُ، والمعنى: يلاقي بعضُهم بعضًا بوجوه ذاتِ البشْر والبَسْط، وإذا رأونا رأونَا بغير ذلك؛ يعني: بغير البشْر والبَسْط، بل رأونا كارهين، بحيث يظهر في وجوههم الكراهية.

стр. 2989

قوله: "إنما عَمُّ الرجل صِنْو أبيه" قال في "الصحاح": إذا خرج نخلتان وثلاث من أصل واحد فكلُّ واحدة منهنَّ صِنْوٌ، والاثنتان صِنْوانِ، والجمع صِنْوانٌ - برفع النون -؛ يعني: ما كان عم الرجل وأبوه إلا صنوين، وهما من أصل واحد. * * * ٤٨٢٢ - وعنه قال: قالَ النبيُّ ﷺ للعَبَّاسِ: "إذا كانَ غَداةَ الإثنينِ فأْتِني أنتَ وولدُك حتى أَدْعُوَ لهمْ بدَعْوَةٍ ينفَعُكَ الله بها وَوَلَدَكَ"، فغدَا وغَدَوْنا معَه وألبَسَنا كِسَاءَهُ ثُمَّ قال: "اللهمَّ! اغفِرْ للعَبَّاسِ وولدِهِ مَغْفِرةً ظاهِرَةً وباطِنَةً لا تُغادِرُ ذنبًا، "اللهمَّ! احفَظْهُ في وَلَدِه"، غريب. قوله: "وألبَسَنا كِسَاءه"، قيل: إشارة إلى أن العباس وابنه ونفسه ﷺ كنفس واحدة، يشتملُها كِساءٌ واحد. قيل: ويحتمل أنه سأل الله تعالى أن يَغْفِرَ لهم، ويبسُطَ عليهم رحمتَه، كبسط الكِساء عليهم، ويجمعهم في الأُخوة تحت لوائه. * * * ٤٨٢٤ - وعنه: أَنَّه قال: دَعَا لي رسولُ الله ﷺ أَنْ يُؤتِيَني الحِكْمَةَ مرَّتينِ. قوله: "دعا لي رسولُ الله ﷺ أن يؤتيَني الحكمةَ؛ مرَّتين"؛ أي: يعطيني الله سبحانه العلمَ والفهمَ، (الحكمة): العلم، والحكيم: العالِم. * * * ٤٨٢٧ - عن أبي سعيدٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيدا شَبابِ أَهْلِ الجَنَّةِ".

стр. 2990

قوله: "الحسنُ والحسين سَيدا شبابِ أهلِ الجنّة"، (الشباب) جمع شاب؛ يعني: هما أفضل مَنْ مات شابًا في سبيل الله من أصحاب الجنة، بل هما أفضل أصحاب الجنة شبابهم وشيوخِهم سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين، كيف لا، وهما جُزْءا فاطمة، وهي جزءُ رسولِ الله ﷺ . قيل: ولم يُرِد بالشباب سِنَّ الشباب؛ لأنهما ماتا وقد اكْتَهلا، بل ما يفعل الشاب من المروءة، كما تقول فلان فتيٌّ، وإن كان شيخًا، تشير إلى مروءته، ولو قيل: إن أهل الجنة ليس فيهم كهول ولا مشايخ ولا صبيان، بل كمال العمر وهو الشباب، فحينئذ يُحشران شابين، فاشتد التفضيل حينئذٍ لتساوي الأسنان هناك؛ أي: سكان أهل الجنة أسنانهم متساوية، فتصح هذه الإضافة لتساوي الفاضل والمفضول في السن، والخلفاء الراشدون وإن حُشروا شبانًا وهم أفضل منهما. فحاصل الحديث: أنه يجوز أن يريد به الشبابَ والكُهول كما ذكر، أو يريد أرباب الفضائل من أهل الجنة، أو يريد أفضلَ السُّكَّان هناك، ما خلا كذا وكذا، واستوى عُمُرُ السكانِ هناك. * * * ٤٨٣٠ - عن سَلْمى قالت: دخلتُ على أُمِّ سَلَمَةَ وهي تبكي، فقلتُ: ما يُبكيكِ؟ قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ ، تعني في المنامِ، وعلى رَأْسِه ولحيتِهِ التُّرابُ، فقلتُ: ما لكَ يا رسولَ الله؟ قال: "شَهِدْتُ قتلَ الحُسَينِ آنِفًا"، غريب. قوله: "شهدت قتل الحسين آنفًا"؛ أي: حضرتُ قتلَه الآن. * * *

стр. 2991

٤٨٣٢ - عن بُرَيْدَةَ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَخْطُبنا، إذ جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ وعليهما قميصانِ أَحْمَرانِ يمشيانِ ويعثُرانِ، فنزلَ رسولُ الله ﷺ مِن المِنْبَرِ، فَحَمَلَهما فَوَضَعَهما بينَ يديهِ ثم قال: "صَدَق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةً﴾، نظرْتُ إلى هذيْنِ الصبيَّيْنِ يمشيانِ ويعثُرانِ فلَمْ أَصْبرْ حتى قَطَعْتُ حديثي ورَفَعْتُهما". قوله: "ويعثُرانِ"؛ أي: يسقُطان على الأرض؛ يعني: الحسن والحسين ﵄. قوله: "فلم أصْبرْ حتى قطعْتُ حديثي ورفعتُهما"؛ يعني: إذا نظر إليهما وقد عَثَرا، أثَّرت فيه الرِّقَّة والرحمة من حيث البشرية، فما صَبَرَ حتى قطعَ حديثَه، بل نزل من المنبر، ورفعَهُما، وإنما فعل هذا ﷺ ليكون مستندًا لضعفاء أمته، بحيث لو فعل مثلَ هذا واحدٌ من الأمة عُذِرَ ولم يُلَم. * * * ٤٨٣٣ - عن يَعْلى بن مُرَّةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "حُسَيْنٌ منِّي وأنا مِن حُسَيْنٍ، أَحَبَّ الله مَن أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِن الأَسْباطِ". قوله: "حسينٌ سِبْطٌ من الأسباط"، (السِّبط): ولد الولد، وقيل: السِّبط مأخوذة من السَّبَط: وهو شجرة لها أغصان كثيرة وأصلها واحد، فالوالد بمثابة الشجرة، والأولاد مثل الأغصان، وفي رواية: "الحسن والحسين سِبْطا رسول الله ﷺ ". قيل: ويحتمل أن يقال: أنه أراد بالسبط: القبيلة؛ يعني: يتشعَّب منهما نسلُ رسولِ الله ﷺ ، فسُمِّيا بذلك؛ لأنهما أصلان يتولَّد منهما السِّبط. وقيل: أراد كما قيل: أسباط بني إسرائيل أولادُ يعقوب، فكذلك لرسول الله ﷺ منهم الحسن والحسين وأولادهما إلى يوم القيامة. * * *

стр. 2992

٤٨٣٧ - عن عُمَرَ ﵁: أنه فَرَضَ لأُسامةَ في ثلاثةِ آلافٍ وخَمْسِ مئةٍ، وفرضَ لعبدِ الله بن عمرَ ﵁ في ثلاثةِ آلَافٍ، فقالَ عبدُ الله بن عمرَ ﵁ لأَبيهِ: لِمَ فَضَّلْتَ أُسامَةَ عليَّ؟ فوالله ما سبَقَني إلى مَشْهَدٍ، قال: لأَنَّ زَيْدًا كانَ أَحَبَّ إلى رسولِ الله ﷺ مِن أبيكَ، فكانَ أسامةُ أَحَبَّ إلى رسول الله ﷺ مِنْكَ، فآَثَرْتُ حِبَّ رسولِ الله ﷺ على حِبي. قوله: "فرض لأسامة في ثلاثة آلاف وخمس مئة"، (فرض)؛ أي: قدّر عمر ﵁ ذلك المقدار من أموال بيت المال رزقًا له. "فقال ابنه عبدُ الله: لِمَ فَضَّلْتَ أسامةَ عليَّ؟ فوالله ما سبَقني إلى مشهد"، أراد بالمشهدِ حضورَ قتالِ ومعركةِ الأعداء. قوله: "فآثرتُ حِبَّ رسول الله ﷺ على حِبي"؛ أي: اخترت، (الحِبُّ) - بالكسر - بمعنى: المحبوب، كالخِلِّ بمعنى: الخليل. * * * ٤٨٣٨ - عن جَبَلَةَ بن حَارِثَةَ ﵁ قال: قَدِمْتُ على رسولِ الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله! ابعَثْ معي أَخي زيدًا، قال: "هو ذَا، فإنْ انطَلَق مَعَكَ لَمْ أَمْنَعْهُ"، قال زيدٌ: يا رسولَ الله! والله لا أَخْتارُ عليكَ أَحَدًا قال: فرأيتُ رأْيَ أخي أَفْضَلَ مِن رأيي. قوله: "هُو ذا فإنِ انطلقَ معك لَمْ أمنَعْه" (هو): عائد إلى (زيد)، و (ذا): إشارة إليه أيضًا؛ يعني: مطلوبُك هذا. "قال: فرأيت رأي أخي أفضلَ من رأيي"؛ أي: قال جَبَلَةُ أخو زيد. * * *

стр. 2993

٤٨٣٩ - عن أُسامَةَ بن زيْدٍ ﵁ قال: لمَّا ثَقُلَ رسولُ الله ﷺ هَبَطْتُ وهَبَطَ النَّاسُ المَدينةَ، فدخَلْتُ على رسولِ الله ﷺ وقد أُصْمِتَ فلم يَتَكَلَّمْ، فجَعَلَ رسولُ الله ﷺ يَضَعُ يدَيْهِ عليَّ وَيَرْفَعُهما، فأَعْرِفُ أَنَّه يدعُو لي. غريب. قوله: "هَبَطْتُ وهَبَطَ الناسُ المدينة"، (هبطت)؛ أي: نزلت، وإنما قال: (هبطت)؛ لأنه كان ساكنًا في العوالي، وهي قرى المدينة. وقيل: المدينة من أي جهة أَتَوها يكون فيها الهُبوط؛ لأنها مُنْخفِضة بحيث يَصِلُ إليها السَّيل. قوله: "وقد أُصْمِت" يقال: أُصْمِت المريض: إذا ثَقُل لسانُه واعْتُقِل، فهو مُصْمَت. * * * ٤٨٤٠ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: لمَّا أرادَ النبيُّ ﷺ أنْ يُنَحِّيَ مُخاطَ أُسامَةَ قالت عائِشَةُ ﵂: دَعْني حتَّى أَكُونَ أنا الذي أَفْعَلُ، قال: "يا عائشةُ! أحِبيهِ فإنِّي أَحِبُّه". قوله: "أن يُنحِّي مُخَاطَ أسامة"، (نحى): إذا أزال المُخَاط - بضم الميم - ما يسيل من الأنف. * * * ٤٨٤١ - وعن أُسامَةَ قال: كُنْتُ جَالِسًا إذ جاءَ عليٌّ والعَبَّاسُ يَستَأذنانِ، فقالا لأُسامَةَ: استأذنْ لنا على رسولِ الله ﷺ ، قُلْتُ: يا رسولَ الله! عليٌّ والعَبَّاسُ يَستَأْذِنانِ، فقالَ: "أَتَدْري ما جاءَ بهما؟ " قلتُ: لا، فقال: "لكنِّي أَدْري، ائذنْ لهما"، فدَخَلَا فقالا: يا رسولَ الله! جِئناكَ نَسْأَلُك: أيُّ أَهْلِكَ

стр. 2994

أَحَبُّ إليك؟ قال: "فاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّدٍ"، قالا: ما جِئْناكَ نَسْأَلُكَ عن أهلِك، قال: "أَحَبُّ أَهْلي إليَّ مَن قد أَنْعَمَ الله عليهِ وأَنْعَمْتُ عليهِ: أُسامَةُ بن زيدٍ"، قالا: ثُمَّ مَن؟ قال: "عليُّ بن أبي طالبٍ"، فقال العَبَّاسُ: يا رسولَ الله! جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهم! فقال: "إنَّ عَلِيًا قد سَبَقَكَ بِالهِجْرَةِ". قوله: "جئناكَ نسألُك أيُّ أهلِكَ أحبُّ إليك؟ قال: فاطمةُ بنتُ محمَّد، قالا: ما جئناك نسألُك عَنْ أهلِكَ" الخاص؛ يعني بهم العِتْرة، فأجاب رسول الله ﷺ عن الأهل أيضًا، فإن قيل: ما الحكمة في جوابه ﷺ عن الأهل مع أنهما قالا: ما نسألك عن الأهل؟ قيل: الأهل يُذكر ويراد به الزوجة والأولاد، وقد يُذكر ويُراد به الأقارب، وقد يُذكر ويراد به المُتعلِّق، فإذا سألا في الأول عن الأهل وقال: أحب إليَّ فاطمة، فقالا: ما نسألك عن أهلك؛ يعني: عن أزواجك وأولادك، بل نسألك عن أقاربك وعن متعلِّقيك. قال: "أحبُّ أهلي إليَّ مَنْ قد أنعمَ الله عليه، وأنعمتُ عليه، أسامة"، إن قيل: جميعُ الصحابة رضوان الله عليهم قد أنعمَ الله ورسولُه عليهم، فلأيِّ شيء خُصِّص بذلك؟ قيل: النعمةُ من الله ومن الرسولِ على زيدٍ أبي أسامة، والنعمةُ على الآباء نعمةٌ على الأبناء، فلهذا قد خصِّصت به بيان النعمة من الله ورسوله على زيد، قال الله : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الإنعام من الله توفيقُ الإيمان له، واهتداؤه إلى الإسلام، الذي هو أكمل النعم وأتمُّها، والإنعام من الرسول ﷺ إعتاقُه، وإخراجُه من ذُلِّ الرق. * * *

стр. 2995

١١ - باب مَنَاقِبِ أَزْوَاجِ النَّبيِّ ﷺ - (بابُ مَنَاقِبِ أَزْوَاجِ النَّبيَّ ﷺ ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٨٤٢ - عن عليٍّ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بنتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَديجَةُ بنتُ خُوَيْلدٍ"، وأشارَ وَكِيعٌ إلى السَّماءِ والأَرْضِ. قوله: "خيرُ نسائها مريمُ بنتُ عِمْران، وخيرُ نسائِها خديجةُ بنتُ خويلد، وأشار وكيع إلى السماء والأرض"، الضمير في (نسائها) الأول يعود إلى أمة زمانِ مريم، والضمير في (نسائها) الثاني يعود إلى هذه الأمة؛ يعني: مريم خير نساء زمانها، وخديجة خير نساء هذه الأمة؛ يعني: أمة محمد ﷺ . وإنما ذكر (نساءها) مرتين؛ ليدُلَّ على ما ذكر، وقيل: وكيع من جملة رواة هذا الحديث، وإشارته إلى السماء والأرض دليل على أنهما خيرُ مَنْ هو فوق الأرض من النساء، ولا يصحُّ أن يقال: أراد وكيعٌ أنهما خيرُ نساء السماء والأرض، فإن الضمير لا يستقيم أن يعود إلى السماء، بل أراد أنهما خير نساء فوق الأرض وتحت أديم السماء. * * * ٤٨٤٣ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: أتى جِبْريلُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! هذه خَديجَةُ، قد أَتَتْ معَها إناءٌ فيهِ إدامٌ أو طَعامٌ، فإذا أَتَتْكَ فاقرأ ﵍ مِن رَبها ومنِّي، وبشِّرْها ببَيْتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ. قوله: "وبشِّرها ببيت في الجنَّة مِنْ قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب"،

стр. 2996

الضمير في (بشرها) يعود إلى خديجة. قيل: (القصب) ها هنا: عبارة عن لُؤلؤ مُجَوَّف واسع كالقصر المُنيف - المنيف: المشرف المرتفع -. (الصَّخَب): الصِّياح، والنَّصَب: التعب؛ يعني: قصور الجنة ما فيها صَخَب ولا تعب، بل فيها كمال الاستراحة وطِيب العيش والرفاهية، بخلاف بيوت الدنيا، فإنها لا تخلو عن صَخَبٍ مِنْ ساكنيها، وعن نَصَبٍ في بنائها وإصلاحها، فإن الدنيا دارُ عَنَاء. * * * ٤٨٤٤ - وقالت عائِشَةُ ﵂: ما غِرْتُ على أَحَدٍ مِن نِساءِ النبيِّ ﷺ ما غِرْتُ على خَديجَةَ، وما رَأَيتُها ولكنْ كانَ يُكثِرُ ذِكْرَها، ورُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثم يُقَطِّعُها أَعْضَاءً ثم يَبْعَثُها في صَدَائِقِ خَديجَةَ، فربَّما قلتُ له: كأَنَّه لم يكنْ في الدُّنيا امرَأةٌ إلا خَديجَةُ؟ فيقولُ: "إنَّها كانَت وكانَت، وكانَ لي مِنْها وَلَدٌ". قولها: "ما غِرْتُ على أحدٍ من نساء النبيِّ ﷺ ما غِرْتُ على خديجة"، (غرت) من الغيرة؛ يعني: ما كان لي غَيرة على واحدة من أزواج النبيِّ ﷺ كغَيرتي على خديجة، مع أنِّي ما رأيتُها، فإنها كثيرًا ما يذكرُها رسولُ الله ﷺ ، ويُظْهِرُ المحبَّةَ معها. قولها: "ثم يبعثُها في صَدائِق خديجة"، (البعث): الإرسال، (الصدائق) جمع صديقة، وهي المَحْبوبة. * * * ٤٨٤٥ - عن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "فَضْلُ عائِشَةَ على النِّساءِ

стр. 2997

كفَضْلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ". قوله: "فَضْلُ عائشةَ على النساء كفضلِ الثَّريدِ على سائر الطعام"، قيل: إنما ضرب المَثَل بالثريد؛ لأنه أفضلُ طعامِ العرب. وقيل: المراد بالطعام: الحِنطة، وإنها تحتاج إلى مُعالجات كثيرة حتى يصلُحَ التغذِّي بها، والثريد: مركَّب من الخبز واللحم والمَرَقة ولا نظيرَ لها في الأغذية. ثم إنه جمعَ بين الغذاء واللذة والقوة، وسهولة الأخذ، وقلة المُؤْنة في المَضْغ، وسُرعة المرور في الحُلْقوم والمَرِي، فضربَ رسولُ الله ﷺ بها المَثَل، ليعرِّفَ أنها جَمَعْتْ خِصالَ الكمال، وهي حُسن الخُلق والمعاشرة، وحلاوة المَنْطِق، وفَصَاحة اللسان، ورَزَانة العقل، والتحبُّب إلى الزوج، وغيرها من أنواع الكمال، كما اجتمع في الثريد ما ذُكر من أنواع الكمال في الأغذية الشريفة، والنساء الأُخر بمثابة الطعام الذي هو الحِنطة، فكما أنها تحتاج إلى أشياءَ كثيرةٍ حتى تصلُح للتغذِّي بها كما ذُكر، فكذا النساء محتاجة إلى تأديبات كثيرة، ليظهر فيهن حسنُ المعاشرة وغير ذلك، فإذا عرفتَ أن الثريدَ أفضلُ الطعام فاعرِفْ أن عائشةَ ﵂ أفضلُ النساء. * * * ٤٨٤٧ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ : "أُرِيتُكِ في المَنامِ ثلاثَ ليالي يَجِيءُ بكِ المَلَكُ في سَرَقَةٍ مِن حَريرٍ فقال لي: هذه امرَأتُكَ، فكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوبَ فإذا أَنْتِ هي، فقُلتُ: إنْ يكنْ هذا مِن عِنْدِ الله يُمْضه". قوله: "أُرِيتُكِ في المنام ثلاثَ ليال، يجيء بكِ المَلَكُ في سَرَقَةٍ من

стр. 2998

حرير"، (السَّرَقة) جمعها سَرَق، وهي الشُّقق من الحرير، إلا أنها البيضُ منها خاصة، ويقال: هي فارسية، أصلها سُرَّة، جمعها سَرَق، وهو الجيد، أو في جيد من الحرير. ذكره في "شرح السنة". الشقق: جمع شقة، وهي قطعة من الثياب. * * * ٤٨٥٢ - عن أنسٍ ﵁ قال: بلغَ صَفِيَّةَ أنَّ حَفْصَةَ قالت: بنتُ يَهودِيٍّ، فبَكَتْ، فدخلَ عليها النبيُّ ﷺ وهي تَبْكي فقالَ: "ما يُبْكيك؟ " فقالَتْ: قَالَتْ لي حَفْصَةُ: إنِّي ابنةُ يَهُودِيٍّ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنكِ لابنةُ نبَيٍّ، وإنَّ عَمَّكِ لنَبيٌّ، وإنَّكِ لَتَحْتَ نبَيٍّ، فَبمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ "، ثُمَّ قالَ: "اتَّقِ الله يا حَفْصَةُ". قوله: "إنَّك لابنةُ نبيٍّ، وإن عمَّك لنبيٌّ، وإنَّكِ لتحت نبي، ففيمَ تفخرُ عليكِ"، يريد بالنبي الأول: إسحاق، والنبي الثاني: إسماعيل، وبالثالث: نفسَه - صلوات الله عليهم -؛ يعني: أنكِ ابنة إسحاق، وعمُّك إسماعيل، وبَعْلُك محمد ﷺ ، ففي أي شيء تفخَرُ حفصةُ عليك؟! * * * ٤٨٥٣ - ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ دَعَا فاطِمَةَ عامَ الفَتْحِ، فناجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَها فَضَحِكَتْ، فلَمَّا تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ سَأَلتُها عن بُكائِها وضَحِكِها؟ قالت: أَخْبَرَني رسولُ الله ﷺ أَنَّه يَمُوتُ فبكيتُ، ثُمَّ أَخْبَرني أَنِّي سَيدةُ نِساءِ أَهْلِ الجَنَّةِ إلا مريمَ بنتَ عِمْرانَ فضَحِكْتُ. قولها: "ثم أخبَرني أنِّي سيدةُ نساءِ أهلِ الجنَّة إلا مريمَ بنتَ عِمْران، فضَحِكْتُ" فيه دليل على أن فاطمةَ خيرُ نساء العالمَ إلا مريمَ أمَّ عيسى ﵇.

стр. 2999

وفي رواية أخرى في (باب مناقب أهل البيت): "ألا ترضينَ أن تكوني سيدةَ نساءِ أهل الجنة، أو نساء المؤمنين"، فالشكُّ من الراوي، وما استُثْنيت في تلك الرواية أم عيسى، فالرواية التي هي المطلقة - يعني: لا استثناء فيها -، في (الصحاح)، وهذه الرواية - يعني: التي فيها استثناء - في (الحسان)، وأحاديث (الصحاح) أعلى درجة من أحاديث (الحسان)، كما ذكره المصنف في دِيباجة الكتاب، فإذا كان كذلك فلا أقل من الترجيح. أو: الاستثناءُ منقطع، كأنه قال: أنتِ سيدةُ النساء في زماني، لكن مريم ﵂ كانت أيضًا سيدةً في زمانها. أو أراد: أنها في زمانها لم تكن معها سيدةٌ أخرى، فإنَّ آسية تقدمت بمُدة، وأما أنت فتشاركك في هذه السيادةِ والدتُك، وهي خديجة ﵂. * * * ١٢ - باب جَامِعِ المَنَاقِبِ (بَابُ جَامعِ المَنَاقِبِ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٨٥٤ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قال: رَأَيْتُ في المَنامِ كأَنَّ في يَدي سَرَقَةً مِن حريرٍ، لا أَهْوِي إلى مَكانٍ في الجَنَّةِ إلا طارَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَصَصْتُها على حَفْصَةَ فَقَصَّتْها حَفْصَةُ على النَّبيِّ ﷺ فقال: ﷺ : "إنَّ أَخاكِ رَجُلٌ صالِحٌ، أو إنَّ عَبْدَ الله رَجُلٌ صالحٌ". قوله: "رأيت في المنام كأنَّ في يدي سَرَقة من حرير"، قيل: (السرقة): عبارة عن ذات يده من العمل الصالح، وبياض السَّرَقة عبارة عن صَفائه عن

стр. 3000

الكُدُورات النفسانية. قوله: "لا أَهْوِي بها إلى مكان في الجنة إلا طارتْ بي إليه"؛ يعني: لا أقصد بتلك السَّرَقة إلى مكان في الجنة لأنزلَ فيها إلا كانت تلك السرقةُ مُطيرة بي، ومُبْلِغة إلى تلك المنزلة، فكأنها مثلُ جناحِ الطير (١). * * * ٤٨٥٥ - عن حُذَيفَةَ ﵁ قال: إنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وسَمْتًا وهَدْيًا برسولِ الله ﷺ لابن أمِّ عَبْدٍ، من حينِ يَخْرُجُ مِن بيتِه إلى أنْ يرجِعَ إليه، لا نَدْري ما يَصْنَعُ في أَهْلِه إذا خَلَا. قوله: "إنَّ أشبهَ الناس دَلًا وسَمْتًا وهَدْيًا برسول الله ﷺ لابن أمِّ عَبْد"، قال في "شرح السنة": الدَّلُّ والسَّمْت والهَدْي قريبٌ بعضُها من بعض، وهو السكينة والوَقار وحُسن الهيئة والمَنظر، يريد: شمائله في الحركة والمشي والتصرف، لا في الزينة والجمال، وأصل السَّمت: هو القَصْد. حاصل ما يقول الشيخ: أن سيرته مَرْضيَّة، وهي الهَدي، وسَمْتُه: قصده وطريقته أيضًا حَسَنٌ، ودَلُّه الذي هو عبارة عن التذلُّل حَسَنٌ مع عياله ليس فيه خشونة ولا صَخَب ولا تجاوزُ حَدٍّ، فالمجموع وإن اختلفت معانيهنَّ لغةً اجتمعنَ معنًى فيما هو المحمود في كلِّ صنف منه. أراد بقوله: "لابن أمِّ عبد": عبدَ الله بن مسعود. قوله: "لا ندري ما يصنَعُ في أهله إذا خلا"؛ يعني: نشهد له بظاهر حاله، ولا نعرف ما خَفِيَ عنَّا، فلا نشهد بذلك. * * *

стр. 3001

٤٨٥٧ - عن عَبْدِ الله بن عَمْرٍو ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "استَقْرِؤُوا القُرْآنَ مِن أربَعةٍ: من عبدِ الله بن مَسْعودٍ، وسالمٍ مَوْلَى أبي حُذَيفَةَ، وأُبَيِّ بن كعْبٍ، ومُعاذِ بن جَبَلٍ" ﵃. قوله: "استقْرِئوا القرآنَ من أربعة؛ من عبد الله بن مسعود ... " الحديث. يعني: اطلُبوا قراءةَ القرآن من هؤلاء الأربعة، فإنَّهم حَفَظةُ الصحابة - رضوان الله عليهم -. * * * ٤٨٥٨ - عن عَلْقَمَةَ قال: قَدِمْتُ الشَّامَ فصَلَّيتُ رَكْعَتَينِ ثُمَّ قُلْتُ: اللهمَّ! يَسِّرْ لي جَليسًا صالِحًا، فأتيتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إليهم، فإذا شَيْخٌ قد جاءَ حتى جَلَسَ إلى جَنْبي، قُلْتُ: مَن هذا؟ قالوا: أبو الدَّرْداءِ، قلتُ: إنِّي دَعَوْتُ الله أنْ يُيَسِّرَ لي جَليسًا صالِحًا فيسَّرَكَ لي، فقال: مَن أنتَ؟ قُلْتُ: مِن أَهْلِ الكوفةِ قال: أَوَلَيْسَ عِنْدَكم ابن أُمِّ عَبْدٍ صاحِبُ النَّعلَيْنِ والوسادَةِ والمِطْهَرَةِ، وفيكم الذي أَجارَهُ الله من الشَّيطانِ على لسانِ نبيهِ؟ - يعني: عَمَّارًا -، أَوَلَيْسَ فيكم صاحِبُ السِّرِّ الذي لا يَعْلَمُه غيرُه؟ - يعني: حُذَيفَةَ -. قوله: "أوليسَ عِندَكم ابن أمِّ عبدٍ صاحبُ النَّعلين والوِسادة والمِطْهرة": خصَّه رسولُ الله ﷺ بهذه الأشياء الثلاثة، أخذِ النعلين إذا جلس مجلسًا ووضعِهما إذا قام من ذلك المجلس، ووضعِ الوسادة إذا أراد أن ينام، وحَمْلِ المِطْهرة إذا أراد أن يتوضأ، وفيه دليل على جواز الرجل أن يستخدم أحدًا في هذه الثلاثة، وغيرها قياسًا عليها. وسرُّ هذا الاستخدام أنه ﵁ استفاد من كلِّ خدمة نوعًا من العلوم من آداب تلك الخدمة فرضها وسنَّتِها وغيرِ ذلك، وكان في ذلك إشارة إلى آداب

стр. 3002

التصوف، التي هي آداب مَرْضيَّة لهذه الطائفة. قوله: "أوليس فيكم صاحبُ السِّرِّ الذي لا يعلمُه غيرُه": إنَّما سُمِّي حذيفة صاحبَ السرِّ؛ لأنه ﷺ عَرَّفه المنافقين في السِّرِّ، وكان يعرف أسماءَهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، وقد خصَّه بهذا السر، فلهذا سمي صاحبَ السِّر. * * * ٤٨٥٩ - وعن جابرٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أُريتُ الجَنَّةَ، فرَأَيْتُ امرَأَةَ أبي طَلْحَةَ، وسَمِعْتُ خَشْخَشةً أمامي فإذا بلالٌ". قوله: "فرأيتُ امرأةَ أبي طَلْحة"، وهي أمُّ سليم، ولُقِّبت بالرُّمَيصاء. * * * ٤٨٦١ - عن أبي مُوْسى ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ لهُ: "يا أبا موسى! لقد أُعطِيتَ مِزْمارًا مِن مَزَامِير آلِ داودَ". قوله: "لقد أُعْطِيت مِزْمارًا مِنْ مزامير آل داود"، (المزمار) ها هنا: النغمة. و (آل داود): نفسه، ﵇، والمراد به: أن له حُسْنَ صوتٍ في قراءة القرآن. * * * ٤٨٦٢ - عن أنسٍ ﵁ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ لأُبيِّ بن كَعْبٍ: "إنَّ الله أَمَرَني أنْ أَقْرأَ عليكَ القرآن"، قال: الله سَمَّاني؟! قال: "نعم"، فَبكَى. ويُرْوَى: أنه قَرَأَ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ]﴾ [البينة: ١].

стр. 3003

قوله: "إنَّ الله أمرني أَنْ أقرأَ عليكَ"، قال في "شرح السنة": قيل: أراد أن يحفَظه أُبيٌّ مِنْ فيه، وكان أبيٌّ مقدَّمًا على قُرَّاء الصحابة، قال ﷺ : "أقرَأُكم أُبيٌّ". * * * ٤٨٦٣ - عن أنسٍ ﵁ قال: جَمَعَ القرآنَ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ أَرْبَعةٌ: أُبَيُّ بن كَعْبٍ، ومُعاذُ بن جَبَلٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو زَيدٍ، قيلَ لأَنَسٍ: مَن أبو زَيدٍ؟ قال: أَحَدُ عُمُومتي. قوله: "جمعَ القرآنَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ أربعةٌ؛ أبيُّ بن كعب، ومعاذُ ابن جبل، وزيدُ بن ثابت، وأبو زيد"، قيل: قد جمع القرآنَ جماعةٌ من المهاجرين على عهد رسول الله ﷺ ، فالمراد من الأربعة: أربعة من قوم أنس، وهم الخَزْرجيون. وقيل: أراد بالأربعة: أربعة من الأنصار أوسِهم وخزرَجِهم، وهذا أقرب؛ لأن بين الحَيَّين كان خصومةً قبلَ الإسلام، وقد بقي بينهما شيءٌ بعد الإسلام، وذلك الشيء يُهَيج فيهما التفاخر. قال أنس: فقال الأوس: منَّا غسيلُ الملائكة حَنْظلةُ بن الراهب، ومنَّا من حَمَتْه الدَّبَر عاصمُ بن ثابت بن الأفلح، ومنَّا من أُجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمةُ بن ثابت، ومنا منِ اهتزَّ العرش بموته سعدُ بن معاذ. وقالت الخَزْرجُ: منَّا أربعةُ قراء القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، لم يقرأه غيرُهم: زيدُ بن ثابت، وأبو زيد، ومعاذُ بن جبل، وأُبيُّ بن كعب. والمراد بقوله: لم يقرأه غيرهم يعني: لم يقرأه كله أحد منكم يا معشر الأوس. * * *

стр. 3004

٤٨٦٤ - عن خَبَّابِ بن الأَرَتِّ قال: هاجرْنَا معَ رسولِ الله ﷺ نَبْتَغي وَجْهَ الله فَوَقعَ أَجْرُنا على الله، فمِنَّا مَن مَضَى لم يَأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهم مُصْعَبُ بن عُمَيرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فلَمْ يُوْجَدْ له ما يُكفَّنُ فيهِ إلا نَمِرَةً، فكُنَّا إذا غَطَّينا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وإذا غَطَّينا رِجْلَيهِ خَرَجَ رَأْسُه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "غَطُّوا بها رَأْسَه، واجْعَلُوا على رِجْلَيْهِ مِن الإِذْخِرِ"، ومِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لهُ ثَمَرتَهُ فهوَ يَهْدِبُها. قوله: "ومنَّا مَنْ أينعت ثمرتُه فهو يَهْدِبُها"؛ أينعَتْ؛ أي: نَضَجَتْ له ثمرتُه. قال في "الغريبين": يهدِبها؛ أي: يجتنيها، يقال: هدَبَت الثمرةُ يهدِبها هَدْبًا: إذا اجتناها وقَطَعها. * * * ٤٨٦٥ - عن جابرٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ قال: "اِهْتَزَّ العَرْشُ لمَوْتِ سَعْدِ بن مُعاذٍ". وفي رِوايةٍ: "اِهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بن مُعاذٍ". قوله: "اهتزَّ العرشُ لموت سعدِ بن مُعاذ"، قال في "شرح السنة": اهتزَّ؛ أي: ارتاح بروحه حين صَعِدَ به، قيل: أراد بالاهتزاز السُّرور والاستبشار، ومعناه: أن حملةَ العرش فرحوا بقُدوم روحه، فأقام العرشَ مقامَ مَنْ حَمَلَهُ؛ كقوله: "أحدٌ جبلٌ يحبنا ونحبُّه" أي: أهلُه. قال الشيخ الإمام: والأولى إجراؤه على ظاهره، وكذلك قولُه ﷺ : "أُحدٌ يحبنا ونحبُّه"، ولا يُنكر اهتزازُ ما لا روحَ فيه بالأنبياء والأولياء، كما اهتزَّ أُحد وعليه رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعمرُ وعثمان، وكما اضطربت الأُسْطُوانة على مُفَارقته.

стр. 3005

وقيل: أراد بالعرش: السرير الذي حُمِلَ عليه، وليس بشيء؛ لأنه قد روي: "عرش الرحمن". * * * ٤٨٦٦ - وعن البَرَاءِ ﵁ قال: أُهْدِيَتْ لرسولِ الله ﷺ حُلَّةُ حَريرٍ، فَجَعَلَ أَصْحابُه يَمَسُّونَها ويَعْجَبُون مِن لِيْنِها، فقال: "أَتَعجبُونَ مِن لِيْنِ هذهِ؟ لمَنَادِيلُ سَعْدِ بن معاذٍ في الجنَّةِ خَيْرٌ مِنْها وأَلْيَنُ". قوله: "لمناديلُ سعدِ بن مُعاذ في الجنة خيرٌ منها وأَلْين"، قال في "شرح السنة": قال الخطَّابي: إنما ضَرَبَ المَثَلَ بالمناديل؛ لأنها ليست من عِلْيَة اللِّباس، بل هي تُبْتَذَل في أنواعٍ من المَرافق، ويُمسح بها الأيدي، ويُنْفَضُ بها الغُبار عن البدن، ويعطى بها ما يُهْدى في الأطباق، وتُتَّخذ لُفَافًا للثياب، فصار سبيلُها سبيلَ الخادم، وسبيلُ سائر الثياب سبيل المَخْدوم؛ أي: فإذا كانت مناديلُه - وليست هي من عِلْية الثياب - هكذا، فما ظنُّك بِعِلْيتها؟! هذا كله لفظ "شرح السنة". واعلم أن خصوصَ منديل سعدٍ دون بقية الصحابة تفضيلٌ يختصُّ به، كما اختص غيرُه بمزايا. * * * ٤٨٦٧ - وعن أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّها قالت: يا رسولَ الله! أَنَسٌ خادِمُك، ادْعُ الله لهُ، قال: "اللهمَّ أَكْثِرْ مالَهُ ووَلَدَهُ وباركْ لهُ فيما أعطيْتَه"، قال أَنَسٌ: فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ، وإنَّ ولدِي ووَلَدَ ولدِي ليتَعَادُّونَ على نحوِ المِئَةِ اليومَ. قوله: "وإنَّ ولدي وولدَ ولدي ليتعادُّون نحو المئة"؛ أي: يزيدون على المئة في العدد.

стр. 3006

قال في "الصحاح": وإنهم ليتعادُّون ويتعدَّدون على عشرة آلاف؛ أي: يزيدون على ذلك في العدد. * * * ٤٨٦٩ - وقال عبدُ الله بن سلامٍ: رأَيتُ كأَنِّي في رَوْضَةٍ، وذَكرَ مِن سَعَتِها وخُضْرتِها، وَسْطَها عَمُودٌ مِن حديدٍ، أَسْفَلُهُ في الأَرْضِ وأَعْلاهُ في السَّماءِ، في أعلاهُ عُروةٌ، فقيلَ لي: ارْقَهُ، فقُلْتُ: لا أستَطِيعُ، فأتاني مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيابي مِنْ خَلْفي، فَرَقَيْتُ حتَّى كُنْتُ في أَعْلاهَا فأخذتُ بالعُرْوَةِ، فاسْتَيْقَظْتُ وإنها لفي يَدي، فقصَصْتُها على النَّبيِّ ﷺ فقالَ: "تلكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ، وذلكَ العَمُودُ عَمُودُ الإسْلامِ، وتلْكَ العُرْوَةُ الوُثْقَى، فأنتَ على الإِسْلَامِ حَتّى تَمُوتَ". قوله: "فقيل لي: اِرْقَه"، (ارْقَ): أمرٌ مِنْ رَقَى يَرْقَى رُقَيًّا: إذا صَعِد. قوله: "فأتاني مِنْصَف"، (المنصف) - بكسر الميم -: الخادم، والجمع المَنَاصف. * * * ٤٨٧١ - وعن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: كُنَّا جُلوسًا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ نزلَتْ سُوْرَةُ الجُمُعةِ، فَلَمَّا نزلَتْ هذهِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قالوا: مَن هؤلاءِ يارسولَ الله؟ قالَ: وفينَا سَلْمَانُ الفارسيُّ، قالَ: فَوَضَعَ النبيُّ ﷺ يدَهُ على سَلْمانَ ثُمَّ قال: "لو كانَ الإيمانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِن هؤلاءِ". قوله: "لو كانَ الإيمانُ عند الثُّريَّا لنالَهُ رجلٌ مِنْ هؤلاء"، نال يَنال على وزن عَلِمَ يَعْلَم، ومعناه: صادف ووصَل، قال الحسن: يريد بـ (هؤلاء): العجم.

стр. 3007

وقال عكرمة: يريد بهم فارسَ والروم؛ يعني: بالغ رسولُ الله ﷺ في انقياد فارسٍ للإسلام والإيمان، وقال: "لو كانَ الإيمانُ معلَّقًا بالثُّريا"؛ يعني: بعيدًا في غاية البُعد. ضَرَبَ المَثَلَ ليتناوله ويصل إليه رجلٌ من فارس. * * * ٤٨٧٤ - عن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأَنْصارِ، وآيةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأَنْصارِ". قوله: "آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأنصار"، قيل: وإنما كان كذلك لأنهم ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾؛ أي: توطَّنُوا الدار؛ أي: المدينة، اتخذوها دار الهجرة، ﴿وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]؛ أي: أسلموا في ديارهم، وآثَرُوا الإيمان، وتبوؤوا المساجد قبل قُدوم النبيِّ ﷺ ، فمن أحبَّهم فذلك من كمال إيمانهم، ومَنْ أبغضهم فذلك من علامة نفاقهم. * * * ٤٨٧٦ - عن أَنَسٍ ﵁: أنَّ ناسًا مِن الأَنْصارِ قالوا حينَ أفاءَ الله على رسولِهِ مِن أموالِ هَوَازِن ما أفاءَ، فطَفِقَ يُعْطِي رِجالًا مِن قُرَيشٍ المِئَةَ مِن الإِبلِ، فقالوا: يَغْفِرُ الله لرسولِ الله ﷺ ، يُعطِي قُرَيشًا ويَدَعُنا وسُيُوفُنا تَقْطرُ مِن دِمائِهم؟ فحُدِّثَ رسولُ الله ﷺ بمَقَالَتِهم، فأَرْسَلَ إلى الأَنْصارِ فَجَمَعَهم في قُبَّةٍ مِن أَدَمٍ ولَمْ يَدْعُ معَهم أَحَدًا غيرَهم، فلمَّا اجتَمَعُوا جاءَهم رسولُ الله ﷺ فقالَ: "ما حَديثٌ بلغَني عَنْكم؟ "، فقالَ له فُقَهاؤُهم: أمَّا ذَوُو رَأْينَا يا رسولَ الله! فلَمْ يقولوا شيئًا، وأمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَديثةٌ أَسْنانُهم قالوا: يَغْفِرُ الله لرسولِ الله، يُعطي قُرَيشًا ويَدَعُ الأَنْصارَ وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهم؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنِّي أُعْطِي رِجالًا حديثي عهدٍ بكُفْرٍ أتأَلَّفُهم، أَمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالأَمْوالِ

стр. 3008

وتَرْجِعونَ إلى رحالِكم برسولِ الله؟ "، قالوا: بلى يا رسولَ الله! قد رَضينَا. قوله: "وأمَّا أناسٌ مِنَّا حديثةٌ أسنانُهم ... " الحديث. (الأسنان) جمع سن؛ يعني: شبابنا. قوله: "ويَدَعُ الأنصارَ"؛ أي: يتركهم. قوله: "إنِّي أُعطي رجالًا حَدِيثي عهدٍ بكفرٍ أتألَّفُهم"؛ يعني: أُعطي رجالًا قريبي العهدِ إلى الإسلام، ليكون ذلك مُوجبًا لإلْفَتهم على الإسلام، يقال: فلان تألَّفته على الإسلام بإعطائه المال، ومنه: المؤلَّفة قلوبُهم. * * * ٤٨٧٧ - وقالَ: "لولا الهِجْرَةُ لكُنْتُ امْرَأً مِن الأَنْصارِ، ولو سَلَكَ النَّاسُ وادِيًا أو شِعْبًا وسَلَكَتِ الأَنْصارُ وادِيًا أو شِعْبًا لَسَلَكْتُ وادِيَ الأَنْصارِ وشِعْبَها، الأَنْصارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكم سَتَرَوْنَ بعدي أَثَرَةً فاصبرُوا حتَّى تَلْقَوْني على الحَوْضِ". قوله: "لولا الهِجْرةُ لكنتُ امرأً مِنَ الأنصار"، المراد منه: إكرام الأنصار؛ يعني: لا رُتبةَ بعد الهجرة أعلى مَنْصِبًا من النصرة. قال في "شرح السنة": ليس المراد منه الانتقال عن النَّسب الوِلادي؛ لأنه حرام، مع أن نسَبه ﷺ أفضلُ الأنساب وأكرمُها، بل المراد منه النسب البلادي، معناه: ولولا أنَّ الهجرة أمرٌ كانت بسبب الدين، ونسبتها دينية، لا يسَعُني تركُها؛ لأنها عبادةٌ كنت مأمورًا بها؛ لانتسبت إلى داركم ولانقلبت عن هذا الاسم إليكم. قيل: إن الأنصار وإن شُرِّفوا بالنُّصرة والإِيواء لكن لا يبلغون درجةَ المهاجرين السابقين، كيف والأنصار يُقيمون في مواطنهم، وهم قد أُخرجوا من

стр. 3009

ديارهم، وتلك الفضيلة أفضل، أشار إلى جَلالة تلك الرتبة، فلا يتركها، فهو نبيٌّ مُهَاجر لا أنصاري. قوله: "ولو سَلكَ الناسُ واديًا، وسلكتِ الأنصارُ واديًا أو شِعْبًا، لسلكتُ واديَ الأنصارِ وشعبَها"، قال في "شرح السنة": أراد أن أرض الحجاز كثيرة الأودية والشِّعاب، فإذا ضاق الطريق عن الجميع فسلك رئيسٌ شِعْبًا اتَّبعه قومُه، حتى يُفْضوا إلى الجَادة. وفيه وجه آخر: أراد بالوادي الرأي والمَذْهب، كما يقال: فلان في وادي، وأنا في وادي، هذا معنى كلام الخطابي. وقال غيره: إنما يريد به الموافقة؛ أي: كنت أختارُ موافقتَهم لا موافقةَ غيرهم؛ لأن لهم حقوقًا من الجِوار ووفاء العهد والنُّصرة. قوله: "الأنصار شِعار، والناس دِثَار"، (الشعار): ما ولي الجسدَ من الثياب. و (الدِّثار): كل ما كان من الثياب فوقَ الشِّعار، ذكره في "الصحاح". قيل: يريد أنهم أصدقائي وبطانتي وذوو الخُلُوص في المودَّة، وإنما قال هذا؛ لأنهم كانوا ذوي الأسرار، كخَفَاء الشِّعار عن الدِّثار، وقيل: يريد قُربهم منه ﷺ كقرب الشعار من البدن. قوله: "إنكم ستلْقَون بعدي أثرةً، فاصْبروا"، قيل: (الأثرة) اسم من الاستئثار. قال في "شرح السنة": يريد يستأثر عليهم، فيفضل غيرُكم نفسَه عليكم، ويجوز أن يريد: توليةَ غيرِهم الخلافة، وما جرى عليهم من الجفاء المنقول. * * *

стр. 3010

٤٨٧٨ - عن أبي هُريرَةَ ﵁ قال: كُنَّا معَ رسولِ الله ﷺ يومَ الفَتْحِ فقالَ: "مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهوَ آمِنٌ، ومَن أَلقَى السِّلاحَ فهوَ آمِنٌ", فقالَتِ الأَنْصارُ: أمَّا الرَّجُلُ فقد أَخَذَتْهُ رَأْفةٌ بعشيرَتِهِ ورغبةٌ في قَرْيَتِهِ، ونزلَ الوحيُ على رسولِ الله ﷺ ، قالَ: "قلتُم: أَمَّا الرَّجلُ أخذَتْهُ رأفةٌ بعشيرَتِهِ ورغبةٌ في قَرْيَتِهِ، قال: كلا! إنِّي عَبْدُ الله ورسولُه هاجَرْتُ إلى الله وإليكم، المَحْيَا مَحْيَاكُم، والمَمَاتُ مَمَاتُكم"، قالوا: والله ما قُلْنَا إلا ضنًّا بالله ورسولِهِ، قال: "فإنَّ الله ورسولَه يُصَدِّقانِكم ويَعْذِرَانِكم". قول الأنصار: "أما الرجلُ فقد أخذتْهُ رأفةٌ بعشيرته، ورغبةٌ في قريته"، المراد بـ (الرجل): النبيُّ ﷺ ، و (الرأفة): الرحمة، (العشيرة): القبيلة، (القرية) ها هنا: مكة شرَّفها الله سبحانه. قوله: "كلا، إنِّي عبدُ الله ورسولُه، هاجرْتُ إلى الله وإليكم, المَحْيا مَحْياكم، والمَمَات مَمَاتكم"، (كلا) ها هنا حرف رَدْع؛ أي: ليس الأمر كما تظنُّون، بل هجرتي كانت إلى الله، وإنَّ الهجرةَ من دار قومي كانت إلى داركم، وإنِّي في حياتي ومَمَاتي لا أفارِقُكم. ثم قالوا: "والله! ما قُلنا إلا ضَنًّا بالله ورسوله"، (الضَنَّ): البخل، يقال: ضَنَنْتُ بالشيء: أَضنُّ به ضنًّا وضَنَانة: إذا بخلت به، وهو ضَنينٌ به؛ يعني: ما قلنا ذلك إلا ضَنًّا وبخلًا بما شرفنا الله سبحانه بوجودك، وخوفًا على فوات ذلك الشرف والكرامة، وهو انتقالك إلى مكة، وإقامتك بها. * * * ٤٨٨٠ - عن أنسٍ قال: مَرَّ أبو بَكْرٍ والعَبَّاسُ ﵄ بمَجْلِسٍ مِن مجالسِ الأَنْصارِ وهم يَبْكُونَ فقال: ما يُبْكِيكُم؟ قالوا: ذكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبيِّ ﷺ مِنَّا،

стр. 3011

فَدَخلَ على النَّبيِّ ﷺ فأَخْبَرَهُ بذلكَ، فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ وقد عَصَّبَ على رأسِه حاشِيةَ بُرْدٍ، فَصَعَدَ المِنْبرَ ولم يَصْعَدْ بعدَ ذلكَ اليَوْمِ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثم قال: "أوصِيْكُم بالأَنْصارِ، فإنَّهم كَرِشي وعَيْبَتي، وقد قَضَوْا الذي عليهم وبقيَ الذي لهم، فاقبلُوا مِن مُحْسنِهم، وتجاوَزُوا عن مُسِيئِهم". قوله: "أُوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرْشِي وعَيْبتي"، قال في "شرح السنة": كَرْشي؛ أي: جماعتي وأصحابي الذين أَثِقُ بهم، وأعتمدهم في أموري، والكَرْش: الجماعة، وقد يكون الكَرْش عِيالُ الرجل وأهلُه. وقيل: كَرْشي؛ أي: بِطانتي، وضَرَبَ المَثَلَ بالكَرْش؛ لأنه مستَقَرُّ غِذاء الحيوان الذي يكون فيه بقاؤه. قوله: (عيبتي)؛ أي: خاصَّتي وموضعُ سِرِّي، كما أن عَيبة الرجل موضعٌ لحِرْز مَتاعه وثيابه، وفي الحديث: "بيننا عَيبة مَكْفوفة"؛ أي: صدر نقيٌّ من الغِلِّ، والعرب تَكْني عن القَلْب والصَّدْر بالعَيبة، وهذا كما روي في الحديث: "الأنصار شِعار، والناس دِثار"؛ يعني بهم: البطانة والخاصة، فإن الشِّعار: اسم للثوب الذي يَلِي الجسدَ، هذا كلُّه منقول من "شرح السنة". * * * ٤٨٨١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ في مَرَضه الذي ماتَ فيهِ حتَّى جَلَسَ على المِنْبَرِ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثُمَّ قال: "أمَّا بَعْدُ، فإِنَّ النَّاسَ يَكثُرون، ويَقِلُّ الأَنْصارُ حتَّى يكونُوا في النَّاسِ بمَنْزِلةِ المِلْحِ في الطَّعامِ، فمَن وَلِيَ منكم شيئًا يَضُرُّ فيهِ قَوْمًا ويَنْفَعُ فيهِ آخرينَ فليَقبلْ مِن مُحْسِنِهم ويتجاوزْ عن مُسيئهم". قوله: "إنَّ الناس يَكْثُرون، ويَقِلُّ الأنصار"، وإنما قال ذلك؛ لأنهم بَذَلوا

стр. 3012

أنفسَهم وأموالَهم في محبَّته وولائه، فصاروا بِطانةً له ﷺ وخاصَّته، فإذا كان كذلك فمن يُدرك تلك المنزلةَ العظيمة التي كانت لهم؟ فإذا مات واحد منهم مات بلا بَدَل، وَيكْثُر غيرُهم، ويَقِلُّون لذلك. قيل: معنى قلَّة الأنصار كل يوم: انقراض من يَنْقَرِض منهم؛ أي: من الأنصار الذين كانوا في زمانه، وغيرُهم يَكْثُر، يريد: مَنْ يدخل في الدين فوجًا بعد فوج، فقد علم أن رُقْعة الإسلام سوف تتَّسع فيكْثُرون، والأنصار يقلُّون، فلا بدلَ لهم للأنصار أيضًا، بل أولادهم كغيرهم في دخول الإسلام، فتعيَّن التقليل جدًا. * * * ٤٤٨٣ - عن أَبي أُسَيْدٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "خَيرُ دُورِ الأَنْصارِ بنو النَّجَّارِ، ثُمَّ بنو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بنو الحارثِ بن الخَزْرجِ، ثُمَّ بنو ساعِدَةَ، وفي كلِّ دُورِ الأَنْصارِ خيرٌ". قوله: "خيرُ دُور الأنصار بنو النَّجَّار ... " الحديث. وإنما أراد بالدُّور: البُطون، ولكلِّ بطن محلَّة يسكنُها الناس، فتلك المحلة تسمَّى دارًا. * * * ٤٨٨٤ - وقالَ رسولُ الله ﷺ لعُمَرَ في حاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ: "إنَّه شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْريكَ؟ لعلَّ الله قد اطَّلعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعمَلُوا ما شِئْتُم فقد وَجَبَتْ لكم الجَنَّةُ". وفي روايةٍ: "قد غَفرْتُ لكم".

стр. 3013

قوله لعمرَ في حاطبِ بن أبي بَلْتعة: "إنه شهد بدرًا، وما يُدريك لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجَبَتْ لكم الجنة". قوله: "اعملوا ما شئتم" لم يكن ذلك رخصة في ارتكاب المعاصي، بل يكون تنبيهًا على أنهم مغفورون، وقصَّة حاطب مشهورة، وهي: أنَّ عليًا ﵁ قال: بعثني رسولُ الله أنا والزبيرُ والمِقْداد، فقال: "انطلِقوا حتَّى تأتوا رَوضةَ خَاخٍ، فإنَّ بها امرأة معها كتاب، فخذوا منها"، قال: فانطلقنا، حتى أتينا تلك الرَّوضة، فأدركناها، فقلنا لها: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، وحَلَفَت، فلما رأت مِنَّا الجِدَّ البليغَ في طلبه أخرجته من ذُؤَابتها. فأتينا به رسولَ الله ﷺ ، فإذا فيه: مِنْ حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكةَ، إنَّ رسول الله يَقْصِدُكم، فخذوا حِذْرَكم؟ فقال رسولُ الله ﷺ لحاطب: "ما حَمَلَك على هذا؟ ". قال: يا رسول الله! ما نافقْتُ منذ أسلمتُ، ولا خُنْتُكَ منذ آمنت، ولكني حَمَلَني على ذلك أنِّي كنت مُلْصَقًا بقريق، وليس بيني وبينهم قرابة، فأردتُ أن أتَّخِذ عندهم يدًا، يحفَظُون قرابتي، وعلمتُ أن الله تعالى يُطْلِعك عليه. فصدَّقه رسولُ الله؛ لأن الله تعالى خاطبه بالإيمان، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، فقام عمرُ بن الخطاب، فقال: دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق، فقال له رسولُ الله ﷺ : "إنه قد شَهِدَ بدرًا ... " إلى آخر الحديث. قوله: "لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر"، قال الحافظ أبو موسى: ظنَّ بعضُ الجهال أن قوله: "لعل" من جهة الظن والحُسْبان، وليس كذلك، لِمَا روى أبو هريرة عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "اطَّلع الله على أهل بدر ... " إلى آخره،

стр. 3014

وليست في روايته لفظة: "لعلَّ". * * * ٤٨٨٦ - عن حَفْصَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنِّي لأَرْجو أنْ لا يَدْخُلَ النَّارَ إنْ شاءَ الله أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبيةَ"، قلتُ: يا رسولَ الله! أليسَ قد قالَ الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ قال: "أَفلم تَسْمعِيهِ يقولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ". وفي روايةٍ: "لا يَدْخُلُ النَّارَ إنْ شاءَ الله مِن أَصْحابِ الشَّجرةِ أَحَدٌ، الذينَ بايعُوا تحتَها". قوله: "إنِّي لأرجو أن لا يدخلَ النارَ - إن شاء الله - أحدٌ شَهِدَ بدرًا أو الحديبية"، قالت حفصة: "قلت: يا رسول الله! أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال: أفلم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ". عند أهل السنة الورودُ بمعنى الدخول؛ لأن النجاةَ التي بعده تدُلُّ على أنه بمعنى الدخول؛ يعني: الكلُّ يدخلونها، فينجِّي الله تعالى المتَّقين بفضله، ويتركُ الكافرين فيها بِعَدْله. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٨٨٩ - عن حُذَيْفَةَ ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ أَنَّه قال: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِن أصحابي: أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، واهتَدُوا بهَدْيِ عمَّارٍ، وتَمَسَّكُوا بعَهْدِ ابن أمِّ عبدٍ". وفي روايةٍ: "ما حَدَّثكم ابن مَسْعودٍ فَصَدِّقُوه".

стр. 3015

قوله: "تمسَّكُوا بعهدِ ابن أمِّ عبد"، قيل: يريد عَهْدَ عبدِ الله بن مسعود، وهو ما يَعْهَد إليهم ويُوصيهم به، ومِنْ جُملته أمرُ الخلافة، فإنه أولُ من شَهِدَ بصحتها من أَجِلَّة الصحابة، واستدل بأنه ﷺ قدَّم الصديق في صلاتنا، فكيف لا نرضى لدنيانا مَنِ ارتضاه ﷺ لديننا. * * * ٤٨٩٠ - عن عليٍّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لو كُنْتُ مُؤَمِّرًا عن غَيْرِ مَشورَةٍ لأَمَّرتُ عليهم ابن أمِّ عَبْدٍ". قوله: "لو كنتُ مؤمِّرًا عن غير مَشُورة لأمَّرت عليهم ابن أمِّ عبد"، (التأمير): جعل الرجل أميرًا على قوم. اعلم أن هذا الحديث مؤوَّل، وتأويله: أنه أراد ﷺ به تأميرَه على جيش مُعيَّن، أو استخلافه حالَ حياته في أمرٍ خاص، فلا يجوز أن يُحمل على غير ما ذُكر؛ لأنه ليس من قريش، وقد قال النبيُّ ﷺ : "الأئمةُ مِنْ قُريش". * * * ٤٨٩٣ - عن أَنَسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ الجَنَّةَ تَشْتَاقُ إلى ثلاثَةٍ: عَلِيٍّ، وعَمَّارٍ، وسَلْمانَ". قوله: "إن الجنَّةَ لتشتاقُ إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان"، وإنما تشتاق لهؤلاء الثلاثة؛ لأنهم قد شَغَلَهم عنها قربُ الحقِّ سبحانه والمشاهدةُ والكشفُ والمراقبةُ والتجلِّياتُ الإلهية، فلذلك تشتاق إلى دخولهم إيَّاها. * * * ٤٨٩٧ - عن عَبْدِ الله بن عَمْرٍو ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ:
следующие страницы →