يعني: اقبلوا قولَ الخليفة ونوابه وأطيعوهم، وإن كان من جعل الخليفة واليًا عليكم عبدًا حبشيًا؛ لأن طاعة نائب الخليفة كطاعة الخليفة، وطاعة الخليفة طاعة الرسول، وطاعة الرسول طاعة الله تعالى.
قوله: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا"، (مَنْ يَعِشْ) أصله: يَعِيْش، فنقلت كسرة الياء إلى العين وحذفت لسكونها وسكون الشين؛ يعني: ستظهر الفتن بعدي واختلاف الملل، كل طائفة تدعي اعتقادًا غير اعتقاد أهل السنة، وستظهر محاربةٌ كثيرة بين الناس، فكونوا مطيعين للخليفة ونوَّابه، ومتبعين ما عليه جماعة أهل السنة من الاعتقاد.
قوله: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"، (المهدي) مفعول مِن: هَدَى يَهْدِي هِدَايَةً: إذا دلَّهُ على الطريق المستقيم، والمراد بالخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين، وليس مراده ﵇ من هذا الكلام: أنه لا يكون خليفة غير هذه الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد إلى قرب القيامة، وإنما مراده ﵇ بهذا: تفضيل هذه الأربعة على غيرهم، وحسن قيامهم على الدين، وحفظهم سُنَّةَ النبي ﵇.
يعني: تمسكوا بسنتي وسنة هذه الأربعة، وما اجتمع عليه علماء أهل السنة فهو حق وجب قبوله؛ لأنه هو سنة النبي ﵇ والخلفاء الراشدين؛ لأنه لا طريق في زماننا إلى معرفة سنة النبي ﵇ والصحابة إلا بطريق الإجماع، وتتبع كتب الأحاديث الصحيحة.
قوله: "وعضوا عليها بالنواجذ"، (عَضُّوا) أمر مخاطبين من عَضَّ - بكسر العين (١) في الماضي وفتحها في الغابر - عَضَّاً إذا أخذ شيئًا بالسن، والضمير في
стр. 317
(عليها) راجعٌ إلى السنة.
(النواجذ) جمع ناجذ، وهي الضاحك من الأسنان، وقيل: الناب، وقيل: آخر الأسنان.
والمراد من هذا اللفظ هنا: شدة ملازمة السُّنَّة؛ لأن من أراد أن يأخذ شيئًا أخذًا شديدًا يأخذه بأسنانه، والمراد منه: الأخذ باليدين وبالأسنان يكون على غاية الشدة.
قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور"؛ أي: احذروا أن تتبعوا شيئًا لم يقله النبي ﷺ ، ولم يكن عليه إجماع أهل السنة.
* * *
١٣٠ - عن عبد الله بن مَسْعود ﵁ قال: خَطَّ لنا رسولُ الله ﷺ خَطًّا، ثم قال: "هذا سبيلُ الله"، ثمَّ خطَّ خُطوطًا عن يمينهِ وعن شِمالهِ، وقال: "هذه سُبُلٌّ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يَدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية.
عن عبد الله بن مسعود قوله: "هذا سبيل الله" هذا إشارة إلى أن سبيل الله وسط ليس فيه تقصير ولا إسراف، وسبيل أهل البدع مائل إلى جانب؛ يعني: فيه تقصيرٌ أو غلو مثاله مسألة القدر.
يقول الجَبْرِي: كل ما يجري على العباد فهو بتقدير الله تعالى ولا كسب ولا اختيار للعبد فيه، وهذا مائل عن طريق الحق؛ لأنه يفضي إلى إبطال الكتب والرسل؛ لأنه إذا لم يكن للعبد اختيار يكون مجيء الرسل والكتب عبثًا, وكذلك قول المعتزلة مائل عن طريق الحق؛ لأنهم يجعلون الناس خالقة أفعالها (١)، وحينئذ يكون الناس شركاء الله تعالى.
стр. 318
وأما قول أهل السنة فهو الطريق المستقيم؛ لأنهم يقولون كل ما يجري على العباد فهو بقضاء الله وقدره، وبأفعال العباد واختيارهم بخلق الله أفعالهم في الوقت الذي قدر الله تعالى أن يفعلوها، فالخالق هو الله تعالى، والمكتسِب هو العبد.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ منصوب على الحال، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: ولا تتبعوا السبل التي هي من غير صراطي المستقيم، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ الباء للتعدية؛ يعني: تفرقكم وتبعدكم عن سبيله؛ أي: عن سبيل الله.
* * *
١٣١ - عن عبد الله بن عَمْرو ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يؤمنُ أحدُكُمْ حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لِمَا جئتُ بهِ".
عن عبد الله بن عمر قوله: "حتى يكونَ هَواهُ"؛ أي: إرادته، هذا اللفظ يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون معناه: حتى يكون تابعًا مقتديًا "لِمَا جئْتُ به" من الشرع عن الاعتقاد وإرادة النفس، لا عن الإكراه وخوف السيف كالمنافقين، وعلى هذا التأويل يكون قوله: (لا يؤمن أحدكم) نفي أصل الإيمان لا نفي الكَمَال؛ يعني: من كان تابعًا للشرع لا عن إرادة النفس بل لخوف السيف فليس بمؤمن أصلًا.
والأمر الثاني: أن يكون معناه: حتى تكون نفسه مطمئنة بالشرع، ولا تميل نفسه عن أحكام الشرع، وعلى هذا تكون (لا) في (لا يؤمن) لنفي الكمال؛ لا لنفي أصل الإيمان؛ لأن كثيرًا يعتقدون حقيقة الشرع، ويعملون بأحكامه، ولا تطيعهم
стр. 319
أنفسهم، بل يُكْرِهُون أنفسهم على الطاعات، فهؤلاء مؤمنون ولكن ليسوا كاملين، بل الكامل من اطمأنت نفسه بما يأمرها من الطاعات الشديدة، ولا تثقل عليها الطاعات.
* * *
١٣٢ - وقال: "مَنْ أَحيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتي قدْ أُميتَتْ بعدي؛ فإنَّ لهُ منَ الأَجْرِ مثْلُ أُجور مَنْ عملَ بها مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أُجورهِمْ شيئًا، ومنِ ابتدعَ بِدعةَ ضلالةٍ لا يَرضاها الله ورسولُه كان عليهِ من الإِثْمِ مثلُ آثامِ مَنْ عَمِلَ بها لا ينقُصُ ذلكَ منْ أَوزارِهمْ شيئًا"، رواه بلال بن الحارث المُزَنيُّ.
وقال: "مَن أَحيا".
قوله: "قد أُميتَتْ": أي: تُرِكَتْ ولم يُعمل بها؛ يعني: كل سُنَّة من سُنَّتِي خَفيت وتُركت، فمن أظهرها ودعا المسلمين إلى العمل بها فَلَهُ "من الأجر مثل أجور جميع مَنْ عَمِلَ بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا" بل يتمُّ أجور مَنْ عَمِلَ بها من غير أن ينقص، ويُعْطَى الأجر مثل أجورهم.
ومعنى السنة: ما وضعه رسول الله ﵇ من أحكام الدين، قد يكون فرضًا كزكاة الفطر وغيرها، وقد يكون غير فرض كصلاة العيد وغيرها.
(سَنَّ) - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - سَنَاً: إذا وضع وأظهر رسمًا، مثل إحياء السنة: أن يتركَ أهلُ بلد الصلاة بالجماعة، أو صلاة العيد، أو قراءة القرآن وتعلمه وتحصيل العلم وما أشبه ذلك، فيأمرهم أحدٌ بذلك، وينصب بينهم إمامًا، ليقيم بهم صلاة الجماعة، وأستاذًا ليعلمهم القرآن والعلم.
قوله: "ومن ابتدع بدعة ضلالة": هذا إشارة إلى أن البدعة نوعان: بدعة حسن، وبدعة سوء، فبدعة الحسن: ما جوزها أئمة المسلمين مثل المنارة؛ فإنها لم
стр. 320
تكن في زمن النبي وما أشبه ذلك، وبدعة السوء: ما أنكره أئمة المسلمين كالبناء على القبور وتجصيصها؛ فإن النبي ﵇ نهى عن ذلك.
(الآثام): جمع إثم، و (الأوزار): جمع وزر، وهما بمعنى الذنب.
كنية "بلال" أبو عبد الرحمن، واسم جده: عصام بن سعيد بن قرة المزني.
* * *
١٣٣ - وقال: "إنَّ الدِّينَ ليَأْرِزُ إلى الحِجازِ كما تأْرِزُ الحيّةُ إلى جُحْرِها، ولَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ منَ الحجازِ مَعْقِلَ الأُرْوِّيةِ من رأْسِ الجبَلِ، إنَّ الدينَ بدأَ غَريبًا ويرجعُ غَريبًا، فطُوبى للغُرباءِ الذينَ يُصلحونَ ما أفسدَ الناسُ منْ بعدي منْ سُنَّتي"، رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عَوْف بن زيد بن مِلْحَةَ عن أبيه، عن جدِّه.
قوله: "إن الدين ليأرز إلى الحجاز"، (يَأْرِزُ)؛ أي: يلتجئ ويجتمع.
(الحجاز): اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد، سميت هذه البلاد حجازًا لأنها حجزت؛ أي: منعت وفَصَلَتْ بين بلاد نَجْدٍ وبلاد الغَور، والغَوْرُ: المنخفض من الأرض.
(عقل) - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - عقولًا: إذا التجأ إلى أحد أو إلى مكان محفوظ من إيذاء الأعداء.
"الأُرْوِيَّة": الأنثى من المعز الجبلي؛ يعني: إذا ضعف الدين وغلب الكفار على المسلمين يفر الدين من البلاد إلى الحجاز، كما أنه ظهر من الحجاز؛ يعني: يفرُّ أهل الإسلام في آخر الزمان من الكفَّار والدَّجال إلى الحجاز؛ لأنه لا يصل الدَّجال وغلبة الكفار إلى الحجاز، وقد مضى بحث: "بدأ الإسلام غريبًا"، ومثله: "إن الدين بدأ غريبًا".
стр. 321
قوله: "فطوبى للغرباء الذين يُصلحونَ ما أفسدَ الناس من بعدي من سُنَّتي": أراد بـ (الغرباء) هنا: المسلمين، سماهم غرباء؛ لأنهم قليلون في آخر الزمان، والكفار كثير؛ يعني: فطوبى للمسلمين الذين يعملون بسنتي، ويظهرون الدِّين بقدر طاقتهم.
قوله: "ما أفسد الناس"؛ أي: ما أفسد الكفار من الدين.
واعلم أن النُّسخ مختلفة في اسم راوي هذا الحديث، ففي بعض النسخ: "زيد بن مِلْحَة"، وفي بعضها: "كثير بن عبد الله" وكلاهما ليس بصحابي، بل زيد ابن مِلْحَة جاهلي لم يدرك النبي ﵇، وكثير بن عبد الله جده صحابي، واسمه: عَمرو بن عَوف، بن زيد، بن مِلْحَة المزني، وعمرو هو الذي يروي هذا الحديث عن رسول الله ﵇.
والصواب أن يقال: رواه كثير بن عبد الله بن عَمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده.
* * *
١٣٤ - وقال: "لَيَأْتِيَنَّ على أُمَّتي كما أَتى على بني إسرائيلَ حَذْوَ النَّعْل بالنَّعْلِ حتَّى إنْ كان منهمْ مَنْ أتَى أُمَّهُ علانيةً لكانَ في أُمَّتي منْ يصنَعُ ذلك، وإنَّ بني إسرائيلَ تفرَّقتْ على ثِنتيْنِ وسَبعينَ مِلَّةً، وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسَبعينَ مِلَّةً، كلُّهمْ في النَّارِ إلَاّ مِلَّةً واحدةً"، قالوا: مَنْ هيَ يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليهِ وأصحابي"، رواه عبد الله بن عمرو ﵄.
قوله: "لَيَأْتِيَنَّ على أُمَّتي كما أتى على بني إسرائيل"؛ يعني: ليأِتيَنَّ أفعال وأقوال قبيحة على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل.
стр. 322
قوله: (أمتي) إشارة إلى [أن] الفِرَقَ المبتَدعة كلهم مسلمون.
قوله: "حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ"، (الحذو): جعل الشيء مثل شيء آخر، و (حَذْوَ النَّعل) منصوب على المصدر؛ أي: حذوا مثل حذو النعل بالنعل، فحذف (حذو) و (مثل) كلاهما، وأقيم (حذو النعل) الذي هو مضاف إليه بمثل مقام (مثل) فنصب؛ يعني: أفعال بعض أمتي في القُبْحِ مثل أفعال بني إسرائيل، كما أن إحدى نعلَي الرِّجْلِ مثل نعل الرِّجْلِ الأخرى.
قوله: "حتى إن كان منهم من أَتى أمَّهُ علانيةً"، (أتى) ها هنا معناه: جامع وزنى.
و"مَنْ يصنعُ ذلك"؛ أي: مَنْ يفعلُ ذلك، (تفرق) و (افترق) هنا معناهما واحد، (الملة) كل فعل أو قول اجتمع عليه جماعة، وقد يكون حقًا كملةِ الإسلام، وهي كما اجتمع عليه أهل الإسلام من الدين، وقد يكون باطلًا كما اجتمع عليه الجبرية والمعتزلة من الأفعال والاعتقاد.
قوله: "كلهم في النار"؛ يعني: كلهم يفعلون ويعتقدون ما هو مُوجِب دخول النار، فإذا فعلوا ما هو مُوجِب دخول النار؛ فإن كان كُفرًا وماتوا عليه، دخلوا النار البتة، ولا يخرجون من النار البتة، وإن لم يكن كفرًا، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عذبهم بذلك، ثم يخرجهم ويدخلهم الجنة البتة.
قوله ﵊: "ما أنا عليه وأصحابي"؛ يعني: ما أنا وأصحابي عليه من الاعتقاد والقول والفعل فهو حق، وما عداه فهو باطل.
فإن قيل: بأي شيء يُعرف ما عليه النبي ﵇ وأصحابه رضوان الله عليهم.
قلنا: بالإجماع، فما اجتمع عليه علماء الإسلام فهو حق، وما عداه فهو باطل
стр. 323
(بيان فرق المبتدعة)
اعلم أن أصولهم ستة: الخوارج، والشيعة، والمعتزلة، والجبرية، والمرجئة، والمشبهة.
فالخوارج خمسة عشر فرقًا: النجدات، والأزارقة، والأباضية، والعجاردة، والميمونية، والصفرية، والفضلية، والعَطوية، والقدلية، والبيهسية، والبدعية، والشمراخية، والأخنسية، والحازمية والصلتية، والخوارج كلهم مجتمعة على تكفير علي ﵁ وتكفير من أذنب كبيرة إلا النجدات فإنهم لا يكفرونه وقالوا: الإصرار على الذنب أي ذنب كان كفر.
وأما الشيعة: فاثنان وثلاثون فرقة: الكيسانية، والمختارية، والهاشمية، والبيانية، والرزاميَّة، والزيدية، والجارودية، والسليمانية، والصالحية، والإمامية، والباقرية، والناووسية، والشميطية، والأفطحية، والواقفية، والموسوية، والاثنا عشرية، والسبائية، والكاملية، والغَيلانية، والمغيرية، والمنصورية، والخطابية، والليالية، والهشامية، والنعمانية، والنصيرية، والإسحاقية، والإسماعيلية، والمعمورية، والفضيلية، والمتناسخية.
وأما المعتزلة: فاثنا عشرة فرقة: الواصلية والهذلية، والنظامية، والحديثية، والبشرية، والمردارية، والثمامية، والجاحظية، والكعبية، والجبائية، والحايطية، والخياطية، والمعتزلة يقولون: العباد يخلقون أفعالهم.
وأما الجبرية يقولون: لا كسب للعباد بل كل أفعالهم مخلوقة الله تعالى، وهم ثلاث فرق: الجهمية والنجارية والضرارية.
وأما المرجئة فهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل؛ يعني: يقولون: لا يضر مع الإيمان المعصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم خمس فرق: اليونسية والغسانية والصالحية والتومنية والثوبانية.
стр. 324
وأما المشبهة: فهم الذين يشبهون الله تعالى بالمخلوقين في الجسم والحلول بالمكان وهم خمس فرق: الكرامية والمقاتلية والاسمية والهشامية والكلابية.
فهذه أسماء الفرق الاثنين وسبعين وكل واحد من هذه الأسماء منسوب إلى شخص واضع لذلك المذهب، أو إلى قوله، ولكل فرقة منها مذهب منفرد تركن ذكره؛ لأن جميعها مذكور في "كتاب الملل والنحل" تأليف الشهرستاني رحمة الله عليه.
واعلم أن المشهورين من أهل البدعة هؤلاء، لكن لا حصر للأقوال الفاسدة وقائليها، وطريق معرفتك الحق من الباطل أن تقابل ما سمعت من الأقوال بأقوال علماء السنة، فمن كان موافقًا لأقوالهم فهو حق، وما لم يكن موافقًا لأقوالهم فهو باطل.
* * *
١٣٥ - وفي روايةٍ أخرى: "واحدةٌ في الجنَّة، وهي الجماعة، وإنه سيَخرجُ في أُمَّتي قومٌ تَتَجارى بهم تلك الأَهواءُ كما يَتَجارَى الكَلَبُ بصاحبِهِ، لا يبقى منهم عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخَله".
قوله: "وفي رواية معاوية"؛ يعني: روى هذا الحديث معاوية بن أبي سفيان كما رواه عبد الله، إلا أن معاوية يقول: "كلهم في النار وواحدة في الجنة" وباقي حديثه كحديث عبد الله، وزاد معاوية: "وإنه سيخرج في أُمتي قوم تتجارى بهم"؛ أي: تدخل فيهم وتجري فيهم "تلك الأهواء"؛ أي: تلك البدع.
(الأهواء): جمع الهوى، وهي ما تشتهيه النفس، والمراد منه ها هنا: البدعة، سميت البدعة بـ (الهوى)؛ لأنه موضوع بهوى نفس الرجل ومراده، وليس موضوعًا من جهة الشرع، وإنما قال: (تلك الأهواء) بلفظ الجمع؛ لأن
стр. 325
لكل قوم من المبتدعين ملة موضوعة توافق هواهم.
قوله: "كما يتجارى الكَلَبُ": أي: كما يجري الكلب "بصاحبه"؛ أي: بمن به الكَلَب.
و (الكَلَبُ)؛ بفتح اللام: قرحة تكون في الإنسان من عَضِّ الكَلْبِ المجنون، وإذا عضَّ الكلب المجنون إنسانًا، يحصل به شبه الجنون، ويتفرق أثره إلى جميع أجزائه، من كَلِبَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - كلابًا: إذا صار الكلب مجنونًا.
قوله: "لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دَخَله"؛ يعني: كما يدخل الكلب في جميع أعضاء الرجل، فكذلك البدعة تدخل وتؤثر في جميع أعضاء المبتدع، بحيث لا يقدر أحد أن يزيلها عنه.
* * *
١٣٦ - وقال: "لا تجتمعُ هذه الأُمةُ - أو قال أُمة محمدٍ - على ضَلالةٍ، ويدُ الله على الجَماعةِ، ومَنْ شَذَّ شذَّ في النَّارِ".
قوله: "لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة" هذا دليل على أن إجماع الأمة حق.
و (الإجماع): هو إجماع المسلمين، ولا اعتبار لإجماع العَوامَّ؛ لأن قول العوام لا يكون عن علم، وما لا يكون عن علم لا عبرة به، وإذا لم يكن إجماع العوام معتبرًا يبقى إجماع العلماء.
فالمراد بقوله: (لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة): هم العلماء، فإذا لم يكن اجتماع هذه الأمة ضلالة، يكون حقًا لا محالة.
قوله: "ويد الله على الجماعة"، (اليد) هنا: الحفظ والنصرة؛ أي: حفظ الله
стр. 326
ونصرته ورحمته على الجماعة المجتمعين على الدين، يحفظهم من الضلالة والخطأ.
قوله: "ومن شذَّ شذَّ في النار"، شذ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - شذوذًا: إذا خرج من بين الجماعة وبقي منفردًا وحيدًا، و (من شَذَّ)؛ يعني: من خرج من بين جماعة المسلمين، وتفرد باعتقاد أو قول أو فعل لم تكن عليه جماعة المسلمين.
(شذ في النار)؛ أي: يستحق هو دخول النار دون جماعة المسلمين.
* * *
١٣٧ - ويُروى عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "اتَّبعوا السَّوادَ الأعظمَ، فإنه مَنْ شذَّ شذَّ في النَّارِ".
قوله: "اتَّبعوا السَّواد الأعظمَ"؛ (السواد): الجماعة، (الأعظم): أفعل التفضيل؛ يعني: فانظروا في العالم فما عليه الأكثر من علماء المسلمين من الاعتقاد والقول والفعل، فاتبعوهم فيه، فإنه هو الحق، وما عداه باطل.
واعلم: أن ما قلنا من وجوب اتباع إجماع المسلمين فهو في الاعتقاد وأصول الدين كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك.
وأما فروع الدين من مسائل الفقه، كبطلان الوضوء بمس الفرج ولمس النساء، وما أشبه ذلك، لا حاجة فيها إلى إجماع جميع علماء المسلمين، بل كل ما أفتى به عالم مجتهد يجوز العمل به، مثل أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والفقهاء السبعة رحمة الله عليهم، وهم فقهاء المدينة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسَّيب، وسليمان بن يسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعُبيد الله بن عَبد الله ابن عُتبة بن مسعود ﵃ أجمعين.
стр. 327
وغيرهم من أهل الاجتهاد، والمجتهد: هو المستقل بأحكام الشرع نصًا واستنباطًا، والنص: هو الكتاب والسنة، والاستنباط: هو الأقيسة، وينبغي أن يكون المفتي: بالغًا، عاقلًا، ورعًا، عالمًا باللغة والنحو (١)، والأحاديث المتعلقة بالأحكام، والناسخ والمنسوخ والصحيح والسقيم، وأن يكون فقيه النفس، عالمًا بالتواريخ، وسير الصحابة، ومذاهب الأئمة، وأصول الفقه، وأحكام الشرع.
روى هذا الحديث "عبد الله بن عباس" ﵄.
* * *
١٣٨ - وعن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بنيَّ إنْ قدرْتَ أن تُصبحَ وتمسيَ ليسَ في قلْبكَ غِشٌّ لأِحدٍ فافعلْ"، ثم قال: "يا بني وذلكَ مِنْ سنَّتي، ومَنْ أحبَّ سُنَّتي فقد أحبني، ومَنْ أحبني كانَ معي في الجنَّة"
قوله: "يا بنيَّ" - بضم الباء وفتح النون - تصغير ابن، ويجوز فتح الياء المشددة وكسرها.
"أن تصبح"؛ أي: تدخل في وقت الصَّباح، "وتمسي"؛ أي: تدخل في وقت المساء، والمراد ها هنا: جميع الوقت؛ أي: يمضي عليك الليل إلى الصبح، ويمضي عليك النهار إلى المساء، و"ليس في قَلبِكَ" حقدة وعداوة ومكر "لأحد فافعل"؛ فإن الخلق من الأخلاق المذمومة ليس من سنتي، ومن فعل الأفعال المرضِيَّة، وترك الأخلاق المذمومة، فقد أحيا سنتي؛ أي: فعل فعلي، واقتدى؛ أي: بي.
"ومَنْ أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة"، (الغِشُّ):
стр. 328
نقيض النصح، والنصح: إرادة الخير لأحد، و (الغِشُّ): مأخوذ من الغَشَشِ، وهو المَشْرَبُ الكَدِرِ.
* * *
١٣٩ - وقال: "مَنْ تمسَّكَ بسُنَّتي عندَ فَسادِ أُمَّتي فلهُ أجرُ مائة شَهيدٍ"، رواه أبو هريرة.
قوله: "مَنْ تمسَّكَ بسُنَّتي"؛ يعني: من عمل بسنتي وأحيا سنتي في وقت ترك العمل بسنتي وغَلَب الفسق والجهل في الناس، "فله أجرُ مئة شهيد"؛ لأنه يلحقُهُ مشقةٌ في ذلك الوقت بإحياء السُّنة والعمل بها، فهو كالشَّهيد الذي قاتل الكفارَ لإحياء الدِّين حتى قُتِلَ.
* * *
١٤٠ - وعن جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ حين أَتاهُ عمرُ ﵁ فقال: إنَّا نسمَعُ أحاديثَ منْ يهود تُعجِبنا، أَفَتَرى أنْ نكتبَ بعضَها؟ فقال: "أَمُتَهَوِّكُونَ أنتم كما تهوَّكَتِ اليهودُ والنَّصارى؟ لقدْ جئتُكُمْ بها بيضاءَ نقيَّةً، ولوْ كان موسى حيًّا لَما وَسِعَهُ إلَاّ اتِّباعي".
قوله: "تُعجِبنا"؛ أي: تَحْسُنُ عندنا وتصيرُ محبوبنا وتميلُ قلوبنا إليها، و (الإعجاب): صيرورة الشيء محبوبًا عند الرجل، (يهود): غير منصرف لوزن الفعل والتأنيث؛ لأنهم جماعة، فهي بمنزلة القبيلة.
يعني: نسمع من يهود حكايات ومواعظ نحبها؛ أفتأذن لنا أن نكتبها ونقرأها؟
قوله ﵇: "أَمُتَهَوِّكُونَ أنتم"، (التَّهَوُّكُ): التحيُّر؛ يعني: أتصيرون
стр. 329
متحيِّرين مترِّددين في ملتكم كما تحيَّرت اليهود؛ لأن طلبَ شيءٍ لم يأمرهم به نبيُّهم دليلٌ على أن الرجل يظن نقصان ما أتى به النبي ﵇ من الدين، واعتقد أنما أتى به النبي ﵇ من الدِّين، ناقص قبيح، بل ينبغي أن يعتقد الرجل أنَّ ملةَ نبينا أفضلَ الملل وأكملها، ويحتاج إلى ملتنا جميعُ المِلل ولا يُحتاج إلى مِلَّةٍ أخرى.
قوله ﵇: "لقد جئتكم بها بيضاءَ نقيةَ"، (بيضاءَ نقيةَ): منصوبان على الحال، وكلاهما عبارة عن الظهور والصَّفاء والخُلوص عن الشكِّ والشبهة.
يعني: لقد جئتم بالملَّةِ الحنيفية في حال كونها أظهر الملل وأيسرها لا مشقة فيها؛ بخلاف ما كان في دين اليهود من المشقة العظيمة؛ لأن في دينهم أن يخرجوا ربع أموالهم في الزكاة، وأن يقطعوا مواضع النجاسة من الثوب، ولا يجوز غسله، وغير ذلك من العُسْرِ.
قوله: "ولو كان مُوسى حَيَّاً لما وَسِعَهُ إلا اتِّباعي"، (لما وسعه)؛ أي: ما ينبغي له شيء غير اتباعي، ولا بُدَّ له من اتباعي؛ يعني: لو كان موسى حيًا لا يجوز له أن يفعل فعلاً أو يقول قولاً إلا بأمري، فإذا كانت هذه حال موسى، فكيف يجوز لكم أن تطلبوا فائدة مِنْ موسى مع وجودي؟!
* * *
١٤١ - عن أبي سعيد الخُدريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ أكلَ طيِّبًا، وعملَ في سُنَّةٍ، وأمِنَ النَّاسُ بوائقَهُ دخلَ الجنَّةَ"، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ هذا اليومَ في الناسِ لكثيرٌ، قال: "وسيكونُ في قُرونٍ بَعْدي".
قوله: "من أكل طيِّبًا"؛ أي: مَنْ كان قوتُهُ حلالاً، "وعَمِل في سُنَّة"؛ أي: وعمل كل فعل يفعله وكل قول يقوله على وِفق الشَّرع، والنكرة في (سنة)؛ إما أن تكون النكرة هنا بمعنى المعرفة، أو يكون معناه: عَمِلَ كل عملٍ بسنته؛
стр. 330
أي: بحديث جاء في ذلك العمل.
يعني: يكون مُستمسِكًا في كل عَملٍ بسُنَّة؛ أي: بحديثٍ، كصلاة الضحى فإنها سُنَّة بحديث ورد فيها، وصلاة الوتر بحديث ورد فيها، وكذلك جميع أحكام الشرع، و (السُّنة) ها هنا كل ما قاله أو فعله رسول الله أو رضي به فرضًا كان أو سُنَّة (١).
قوله: "وأَمِنَ النَّاسُ بوائقَهُ"، (البوَائِقُ): جمع بَائِقَةٍ، وهي الدَّاهية والمشقَّة؛ يعني: لا يُوصِلُ إلى أحدٍ ضررًا.
قوله: "إن هذا اليوم في الناس لكثير"؛ يعني: إن هذا الشخص الذي يصفه في زماننا كثير بحمد الله تعالى.
قوله: "فقال رسول الله ﵇: وسيكون في قرون بعدي"، (القُرون): جمع قَرْن، وهو أهل عصر؛ يعني: من هو بهذه الصفة يكون في قرون كثيرة بعدي.
يعني: لا أقول مَنْ كان بهذه الصِّفَة، لا يكون إلا في أصحابي، بل يكون في قرونٍ بعدي إلى يوم القيامة مَنْ بهذه الصِّفَة، إلا أنه في زمان الصَّحابة أكثر من زمان التابعين، وفي زمان التابعين أكثر من زمان أتباع التابعين، وكذلك كلُّ قرن هم أبعد من زمان رسول الله ﵇ يكون الصُّلحاء فيهم أقل ممن قبلهم.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: (وسيكون في قرون بعدي): أنَّ مَنْ لم يكن بهذه الصِّفة يظهرُ في قرون بعدي.
* * *
стр. 331
١٤٢ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّكُمْ في زمانٍ مَنْ تركَ منكمْ عُشْرَ ما أُمِرَ بهِ هلكَ، ثمَّ يأتي زمانٌ مَنْ عملَ منهمْ بعُشْرِ ما أُمِرَ بهِ نَجَا"، غريب.
قوله: "إنكم في زمان ... " إلى آخره.
اعلم أن الخوف من الله واجب، ولكن لا يبلغُ خوفُ أحدنا عُشْرَ خوفِ الصَّحابة، ولا إيماننُا عُشْرَ إيمانهم، وكذلك الرَّجاء (١) والتوكل والصبر في مخالفة النفس والجهاد وغير ذلك، نحو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يعني: إنكم أيُّها الصَّحابة في زمانِ الأمن وعزَّة الإسلام، وتجالسونني، وتسمعون كلامي، وتشاهدون معجزاتي الكثيرة، فلو تركتم شيئًا مما أمرتم به، يكون ذنبُكم أعظم؛ لأنه لا مانع لكم، بل تركتموه عن التقصير.
وأما في آخر الزمان يضعفُ الإسلامُ، ويكثر الظالمون والفساق، ولا يقدر الصالحون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، فإذا عجزوا فهم معذورون، وأما إذا قدروا على قليل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وفعلوا ما قدروا = نجَوا وخرجوا عن الإثم، ويكون لهم بذلك درجة عظيمة.
* * *
١٤٣ - عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلا أُوتُوا الجَدَلَ"، ثم قرأَ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
قوله: "كانوا عليه"؛ أي: كانوا على هدى.
стр. 332
"أوتوا"؛ أي: أعطوا، والضمير في (أوتوا) مفعول أقيم مقام الفاعل، و (الجدل): منصوب لأنه المفعول الثاني، الجدل: الخصومة بالباطل.
يعني: كل قومٍ ضلوا عن الهدى، ووقعوا في الكفر، إنما ضلوا بعد أن طفقوا بالخصومة بالباطل مع نبيهم، وطلبوا منه المعجزات للعناد والجحود، لا لطلب تَبَيُن كونه نبيًا ليؤمنوا به بعد ظهور نبوته، بل لإيذائه وإنكار نبوته، فلما أتى النبي ﵇ بما طلبوا من المعجزة أصرُّوا وداموا على كفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨]، يعني: ما ضربوا هذا المثل لك يا محمد! وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ أراد بـ (الآلهة) هنا: الملائكة؛ يعني: الملائكة خيرٌ أَمْ عيسى، فنعبد الملائكة، يعنون الملائكة خير من عيسى، فإذا عبد النَّصارى عيسى فنعبد الملائكة، فقال الله تعالى لنبيه محمد ﵇: ما قالوا هذا القول عن دليل وبرهان، ولم يسألوك هذا السؤال لطلب الحق بل لمخاصَمَتِك وإيذائك بالباطل.
وهذا الحديث زجر ونهي للمسلمين عن الجَدَلِ، بل ينبغي للمسلم أن يكون مسلمًا (١) لأمر الله تعالى وأمر رسوله، ويقبل ما أُمر به عن اعتقادٍ صادقٍ من غير اعتراضٍ على الله ورسوله.
* * *
١٤٦ - عن أنس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: "لا تُشدِّدوا على أنفُسِكُم، فيُشدِّدَ الله عليْكُمْ، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفُسِهم فشدَّدَ عليهم، فتلْكَ بقاياهُمْ في الصَّوامعِ والدِّيار ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] ".
قوله: "فيشددَ الله تعالى": نصب على أنه جواب النهي؛ يعني: لا تحملوا
стр. 333
المشقة العظيمة على أنفسكم في الطاعات كيلا تضعفوا، وحينئذٍ يَفُوتُ عنكم بعض الفرائض والسُّنن المؤكدة وقضاء الحقوق، بل ينبغي للرجل أن يؤدِّي الفرائضَ والسُّنن ثم إنْ قدر يعمل بعض النوافل بحيث لا يلحقه ضرر ومشقة.
وقد جاء في حديث آخر: أنَّ رسول الله ﵇ قال: "لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَهُ، فإذا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ".
يعني: ليصلِّ أحدُكُم في وقتِ مطاوعة نفسِه وله نشاط، فإذا ضعف وحصل فيه ملالة فليترك الصلاة، وهذا في الصَّلاة النَّافلة، وكذلك الصَّيام وقراءة القرآن.
قوله: "فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فَشُدِّدَ عليهم"؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ فإن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة، فسألوا عن لونها وسِنِّها وغير ذلك من صفاتها، حتى أمرهم الله تعالى بذبح بقرةٍ على صفةٍ لم توجد بتلك الصفة إلا بقرة واحدة، ولم يبعها صاحبها إلا بِمِلءِ جلدها ذهبًا، ولا بدَّ لهم من شرائها؛ لأن الله تعالى أمرهم بذبح بقرة بتلك الصِّفة، فاشتروها وذبحوها، وهذا التشديد لزمهم بكثرة سؤالهم عن صفة البقرة.
قال بعض المفسرين: إنهم لو ذبحوا بقرةً أيَّ بقرة كانت في أول ما أمرهم الله تعالى، لأجزأت عنهم، ولكن شدَّدوا على أنفسهم بكثرة سؤالهم، فشدَّدَ الله تعالى عليهم.
قوله: "فتلك بقاياهم"، (البَقَايا): جمع بَقِيَّة، فتلك إشارة إلى مؤنث، يفسرها (بقاياهم)؛ يعني: بكثرة سؤالهم بقيَتْ جماعةٌ من بني إسرائيل يشدِّدون على أنفسهم بفعل ما لم يأمرهم الله تعالى، بل من إقامتهم على رؤوس الجبال ومهاجرتهم الناس.
"الصَّوامع": جمع صَومَعَة، وهي موضع عبادة الرهبان، "والدِّيار": جمع دار.
стр. 334
(الرَّهبَانيَّة): عبادة الرُّهْبَان، وهي ما يفعلونها من تلقاء أنفسهم من ترك التلذذ بالأطعمة، وترك التزوج، وترك مخالطة الناس، والتَّوطن على رؤوس الجبال والمواضع البعيدة من العمرانات، وتلك الأشياء وضعوها مِن تلقاء أنفسهم.
"وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ "، (رهبانيَّة): منصوبة بفعل محذوف يفسره ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾، وتقديره: ابتدعوا رهبانية، فلما حذف (ابتدعوا) قَبْلَ رهبانية، أتى به بعدها، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾.
ومعنى: (ابتدع) أتى بشيء بديع؛ أي: جديد لم يفعله قبلَه أحدٌ، والضمير في (كتبنا) راجع إلى الله تعالى؛ يعني قال الله تعالى: ما كتبنا الرهبانية، و (الرَّهْبَانيَّة) من الرَّهْبَةِ، وهي الخوف والمبالغة في العبادة.
* * *
١٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزلَ القرآنُ على خمسةِ وجوهٍ: حلالٍ، وحَرامٍ، ومُحكَمٍ، ومُتشابهٍ، وأَمْثالٍ، فأَحِلُّوا الحَلالَ، وحرِّموا الحَرامَ، واعمَلُوا بالمُحكَم، وآمِنوا بالمُتشابه، واعتبِروا بالأَمثال".
قوله: "نزل القرآن على خمسة وجوه"؛ يعني: بعض القرآن يبين ما هو حلال أكله أو فعله، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] الآية.
(الجَوارِحُ): جَمع جَارِحَةٍ، وهي ما تصيد بها كالكلب والفهد؛ يعني: ما أصاد لكم الجَوارِحُ المُعَلَّمَةُ حلالٌ أكله، وكقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ أي: لباسكم وما أشبهه.
стр. 335
وبعضه يبين ما هو حرام، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ يعني: وما ذبح باسم غير الله، كقول الكفار عند الذبح: باسم الصنم، ومعنى الإهلال: رفعُ الصَّوْتِ.
قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾؛ يعني: ما عُصِرَ حَلْقُهُ حتى يموت، أو بقي حلقه بين خشبتين أو حجرين حتى يموت.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: ما مات بالضرب بالخشب.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: ما سقط من جبل وغيره ومات
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: ما مات بالنَّطْحِ، وهو أن تَضْرِبَ شاةٌ شاةً بقرنها.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ يعني: ما جَرَحُه الكلب أو غيره من السِّباع ومات.
﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ يعني: إلا ما أدْرَكْتُم حياتَهُ، وذبحتُموه، فإنه حلالٌ أكلُهُ، التذكية: الذبح.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، (النُّصُبِ) ما ينصب من الحَجَرِ للعبادة؛ يعني: ما يذبحونه لآلهتهم فهو حرام.
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ معنى (تستقسموا): تطلبوا، (الأزلام): قِداحٌ ثلاثةٌ مكتوبٌ على أحدها: أمرني ربي، وعلى الثاني: نهاني ربي، والثالث غُفْلٌ، لم يُكْتَبْ عليه شيء، كانوا إذا عزموا أمرًا من سفر أو نكاح أو غيرهما، أجالوها في خريطة أو تحت ثوب، ثم أخرجوا منها واحدًا، فإن خرج القِدح الذي مكتوب عليه: أمرني ربي، فعلوا ذلك الفعل الذي عزموه، وإن خرج القدح الذي مكتوب عليه: نهاني ربي، لم يفعلوا ذلك الفعل الذي عزموه، وإن خرج الغُفْلُ، أجالوها مرة أخرى، حتى تخرج قِدح أمرني ربي، أو نهاني ربي.
стр. 336
ووجه تحريم هذا الفعل: أنه شيء لم يأمرْهُمُ الله به، ولأَنْ كتبه: أمرني ربي، أو نهاني ربي على القدح كذبٌ؛ لأن الله لم يأمرهم بذلك.
وبعض القرآن مُحْكَمٌ: وهو ما يُعَلمُ معناه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآية، وغير ذلك من الأمر والنهي والموعظة، فمن شأن هذا القسم العمل به.
وبعضه متشابه: وهو الذي لا يَعْلَمُ معناه إلا الله، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وما أشبه ذلك، فمن شأن هذا القسم الإيمان به؛ يعني: نقول: إنه حق، ولكن لا نعلم كيفيته بل نَكِلُ علمه إلى الله.
وبعضه أمثال؛ يعني: قصص الأمم الماضية كقوم نوح وصالح وقوم لوط وغيرهم، فمِنْ شأنِ هذا القِسْمِ: الاعتبار والاحتراز عمَّا فعلوا؛ يعني: لا نفعل مثل ما فعلوا كيلا يصيبنا ما أصابهم من العذاب.
* * *
١٤٥ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأَمْرُ ثلاثةٌ: أمرٌ بَيِّنٌ رُشدُه فاتَّبعْهُ، وأَمرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فاجتنِبْهُ، وأمرٌ اختُلِفَ فيه فكِلْه إلى الله ".
قوله: "إلا من ثلاثة"؛ يعني (الأمر) على ثلاثة أنواع:
أحدها: "بَيِّنٌ"؛ أي: ظاهرٌ "رشدُهُ"؛ أي: صوابُهُ، وكونه حقًا، "فاتَّبعْهُ"، وذلك نحو وجوب الصَّلاة والزكاة والصوم وغير ذلك، مما عُلِمَ كونُهُ فرضًا أو سُنة أو حلالًا بالكتاب أو السُّنة أو الإجماع.
والمراد بالكتاب: القرآن، وبالسُّنة: الحديث.
النوع الثاني: "أمر بَيِّنٌ غَيُّهُ": أي: ضلالته؛ أي: ظاهر كونه ضلالة وباطلًا "فاجتنبه"؛ أي: احترز وابعُدْ عنه، وذلك نحو: بطلان كل دين غير دين
стр. 337
الإسلام، واعتقاد غير اعتقاد أهل السُّنة، ونحو تحريم الخمر والزنا والقتل، وغير ذلك مما عُلِمَ تحريمه بالكتاب أو السُّنة أو الإجماع.
النوع الثالث: أمر غير هذين الأمرين؛ يعني: لم يثبت حَالهُ (١) بنصٍ؛ يعني: ما علِمْتَ كونه حقًا بالنَّص فاعمل به، وما علمتَ كونه باطلًا بالنص فاجتنبه، وما لم يثبُتْ حكمه بالنص، ولم يبين الشرعُ حكمه، فلا تقل فيه شيئًا من نفي أو إثبات، بل فكِلْ علمَهُ إلى الله تعالى، مثل متشابهات القرآن، والعلم بالقيامة؛ يعني: متى تكون القيامة، وكون أطفال الكفار أنهم من أهل الجنة أم من أهل النار، وغير ذلك مما لم يُبينه الشرع.
قوله: "واختُلِفَ فيه" يحتمل أن يكون معناه: اشتبه وخَفِيَ حكمه، ويحتمل أن يكون معناه: اختلَفَ فيه الناسُ من تِلقاء أنفسهم من غير أن يبيِّنَ الله ورسوله حكمه.
"فَكِلْهُ"، (الفاء) للتعقيب، و (كِلْ): أمرٌ مخاطب من: وَكَلَ يَكِلُ اتكالًا (٢)، ومعنى (فَكِلْهُ): فَوِّضْ أمرَهُ "إلى الله".
° ° °
стр. 338
٢ - كِتابُ العِلمِ
стр. 339
[٢]
كِتابُ العِلمِ
(كتاب العلم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٤٧ - قال رسول الله ﷺ : "بلِّغوا عنِّي ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ومَنْ كذبَ عليَّ مُتعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مقعدَهُ مِنَ النَّارِ"، رواه عبد الله بن عمرو.
قوله: "بَلِّغوا عَنِّي"، (بلغوا): أمر المخاطبين، من التبليغ، وهو إيصال الخبر إلى أحد، (الآية) لها معانٍ كثيرة، ومعناها ها هنا: كل كلام مفيد، نحو قوله: "مَنْ صمتَ نجا" و"الدِّين النصيحة".
يعني: بلغوا عني أحاديثي إلى أمتي ولو كان قليلًا، وهذا تحريض على نشر العلم وتعليم الناس العلم وأحكام الدين ونشر الحديث.
فإن قيل: لِمَ قال: (ولو آية)، ولم يقل: ولو حديثًا، مع أن المراد بالآية هنا: الحديث؟
قلنا: هذا إشارة إلى أنه يجوز تبليغ بعض حديث دون حديث تام، كما هو عادة مصنف "المصابيح" في كثير من أحاديث "المصابيح" نحو: حديث صلح الحديبية، فإن ذلك حديث طويل أورد في "المصابيح" بعضه، ومثل ذلك كثير، ومثل هذا: أحاديث الكتاب المعروف بـ "شهاب الخَبَرْ"، فإن كل ما عداه حديثًا فهو
стр. 340
بعض حديث ولا بأس به، إذ الغرض: تبليغ لفظ الحديث سواء كان حديثًا تامًا أو بعضه إذا كان مفيدًا.
فإن قيل: لم حَرَّضَ النَّبي ﵇ بتبليغ الأحاديث لقوله: "بلغوا عني"، ولم يحرِّضْهُم بتبليغ القرآن.
قلنا: لهذا جوابان:
أحدها: أن تبليغ القرآن داخل في قوله: "بلَّغُوا عني"؛ لأنه هو المبلِّغ للقرآن والأحاديث، فإذا قال: "بلغوا عني" يدخل فيه تعليم القرآن والحديث.
والجواب الثاني: أن طباع المسلمين مائلة وحريصة على قراءة القرآن وتعليمه وتعلمه ونشره بما فيه من الثواب بقراءته وتعليمه وتعلمه؛ لأنه الكلام القديم، ولهذا صار القرآن مشهورًا في العالم ومتواترًا بحيث لا ينكره أحد من المسلمين، فإذا كان كذلك فتبليغ القرآن ونقله حاصل، فلا يحتاج فيه إلى تحريض.
وأما الأحاديث فليس كذلك، فيحتاج فيها إلى تحريض النبي ﵇ الناس على تبليغها وتعليمها وتعلمها، فلأجل هذا قال في نقل الأحاديث: "بلغوا عني ولو آية".
قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، (الحَرَجُ): الضيِّق، ويستعمل في الإثم، وهذا رخصة من النبي ﵇ لأمته في التَّحدث عن بني إسرائيل، وإن لم يعلموا صحة ما نقلوه عن بني إسرائيل، ولم يعلموا إسناده وراويه (١)؛ لأن معرفة صحته متعسر؛ لبعد الزمان بينهم وبين زمان موسى، ولانقطاع بني إسرائيل في زمان بُخْت نَصَّر، وهو كافر قد قتلَ بني إسرائيل إلا قليلًا.
стр. 341
فإن قيل: قد نهاهم النبي ﵇ في حديث الباب المتقدم عن أن يكتبوا شيئًا عن لسان بني إسرائيل، وقال لهم: (أَمُتَهَوِّكُونَ أنتم)، ورخصَّ لهم (١) هنا في التحدث عن بني إسرائيل، كيف التوفيق بين الحديثين؟.
قلنا: المراد بالتحدث عن بني إسرائيل هنا: أن يتحدثوا بقصص بني إسرائيل من حديث عوج بن عنق، وقتل بني إسرائيل أنفسهم لتوبتهم عن عبادة العجل، وغير ذلك من حكاياتهم وقصصهم؛ لأن في ذلك عبرة (٢) وموعظة لأولي الألباب.
وأما ما نهاهم عنه في الحديث المتقدم: هو ما أراد المسلمون كتابته (٣) من أحكام التوراة وشريعة موسى ﵇، فنهاهم النبي ﵇؛ لأن جميع الشرائع والأديان والكتب صارت منسوخة بشريعة النبي ﵇.
قوله: "ومن كذب علي متعمدًا فليتبَوَأْ مقعَدَهُ من النار"، (تبوأ): إذا هَيَّأَ، (المَقْعَد): المنزل؛ يعني: قد أذنت لكم أن تتحدثوا عن بني إسرائيل بشرط أن تتحرزوا عما عَلِمْتُم كذبه.
قوله: (متعمِدًا) نصب على الحال، وهذا إشارة إلى أن من نقل حديثًا وعلم كذبه، يكون مستحقًا للنار، إلا أن يتوب أو يعفو الله عنه.
وأما مَنْ سمع حديثًا منقولًا عن رسول الله ﵇ مِنْ واحد، أو رآه في كتاب، ولم يعلم كذبه، لم يكن عليه إثم برواية ذلك الحديث، ولكن ينبغي أن لا ينقل الحديث إلا من شيخ معتبر أو كتاب مصنفه معتبر؛ لأن النبي عليه
стр. 342
السلام قال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"، وقد شرحناه في الباب المتقدم.
* * *
١٤٨ - وقال: "مَنْ حدَّثَ عنِّي بحديثٍ يُرى أنَّه كذِبٌ فهُوَ أحدُ الكاذِبَينَ".
قوله: "من حدث ... " إلى آخره.
"يُرى" بضم الياء: إذا ظن، يعني: من سمع حديثًا من أحدٍ، وظنه كاذبًا، ولم يعلم صدقه، ثم يحدث بذلك الحديث "فهو أحد الكاذبين"؛ يعني: شيخه كاذب وهو أيضًا كاذب بنقل ذلك الحديث عنه وتحدُّثِهِ به؛ يعني: لا يجوز نقل الحديث إلا إذا علم صدقه، أو غلب على ظنه صدقه، بكون الشيخ صالحًا ذا أمانة.
وكنية "سَمُرَة": أبو سَعيد، واسم جده: هِلال بن خديج بن مُرَّة ابن عَمرو.
* * *
١٤٩ - وقال ﷺ : "مَنْ يُردِ الله بهِ خيرًا يُفقهْهُ في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسمٌ والله يُعطي، ولا تَزالُ منْ أُمَّتي أُمَّةٌ قائمةٌ بأمرِ الله لا يضرُّهمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ولا مَنْ خالفهُمْ حتى يأْتيَ أمرُ الله وهمْ على ذلك"، رواه مُعاوية ﵁.
قوله: "يُفقِهْهُ في الدِّين"؛ أي: يجعله عالمًا بأحكام الدين، ويجعله ذا فهم حتى يفهم من ألفاظٍ قليلةٍ معانيَ كثيرة، وخير الدنيا والآخرة في العلم بأحكام الدين.
قوله: "وإنما أنا قاسم والله يعطي"؛ يعني: إنما أنا أُحدِّث وأخبِرُ بما
стр. 343
يُوحَى إليَّ من القرآن وغيره من أحكام الدين، ولا أفضلُّ بعضكم على بعض في الأخبار، ولكن الله تعالى يرزق من يشاء من العلم، ويجعل من يشاء منكم ذا فَهْمٍ وإدراك، فبعضكم يسمع ما أقول ويحفظه ولا ينساه، وبعضكم يحفظه ولكن ينساه، وبعضكم له فهمٌ كثيرٌ يفهم من ألفاظه معانيَ كثيرة، وبعضكم لا يفهم منها إلا الظاهر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قوله: "ولا يزال": مضى شرحه في (باب (١) الاعتصام) قبل حِسانه بأربعةِ أحاديث.
* * *
١٥٠ - وقال ﷺ : "الناسُ معادنُ كمعادنِ الذَّهبِ والفضَّةِ خِيارُهم في الجاهليَّةِ خِيارُهم في الإسلامِ إذا فَقُهوا"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "الناس معادن ... " إلى آخره.
(المعادن): جمعُ مَعْدِن - بكسر الدال - وهو موضع الإقامة والاستقرار، والموضع الذي يخرج منه الذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها من الجواهر وهو من عَدَنَ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - عَدْنَا: إذا أقام بمكان.
يعني: الناس معادن الأخلاق والأعمال والأقوال، فكما أن الأرض معدن الذهب وغيره من الجواهر، وكما أن بعض المعادن يخرج منها الذهب، وبعضها يخرج منها الفضة، وبعضها يخرج منها النحاس، وغير ذلك، فكذلك الناس يكون بعضهم معدن الأخلاق الحميدة، وبعضهم معدن الأخلاق الذميمة، فمن
стр. 344
كان في الجاهلية صاحب أخلاق حميدة وأعمال وأحوال وأقوال مرضيَّةٍ كالحلم والكرم والكلام الطيب والشجاعة والسخاوة وغيرها، ثم أسلم وصار فقيهًا في الدين= فهو خير من الذي أسلم وفقه في الدين، ولم يكن له غير الفقه صفة مرضيَّة.
قوله: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام"؛ يعني: مَنْ كان له شرف على غيره قبل الإسلام، فكذلك يكون له شرف على غيره في الإسلام إذا كان مساويًا لغيره في العلم والإسلام؛ لأنه إذا كان مساويًا شَرُفَ من النسب، وليس لغيره ذلك الشرف فلا شكَّ أن الذي له شرفٌ أشرفُ مِنَ الذي ليس له شرفٌ، وأما الذي له شرفٌ قبل الإسلام فأسلم، ولم يكن فقيهًا في الدين، فليس له شرف على مَنْ هو فقيه في الدين، وإن لم يكن له شرف قبل الإسلام.
* * *
١٥١ - وقال ﷺ : "لا حَسَدَ إلا في اثنتَيْنِ: رجلٌ أَعطاه الله مالًا فسَلَّطهُ على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاهُ الله حِكْمةً فهُوَ يقضي بها ويُعلِّمُهَا"، رواه ابن مَسْعود ﵁.
قوله: "لا حسد"، (الحسد): أن يتمنى أحد زوال ما يَعدوه من النعم، هذا لا يجوز في الشرع، و (الحسد) هنا: بمعنى الغِبطة، وهي أن يتمنى الرجل أن يحصل له ما يرى في شخص من النعم مِنْ غيرِ أن يتمنى زوال النعم من ذلك الشخص، وهذا جائز في الشرع.
قوله: "إلا في اثنتين: رجلٍ آتاهُ الله مالًا"، (رجلٍ) مجرور لأنه بدل من (اثنتين)، وتقديره: لا غبطة إلا في شأن رجلين، وفي حال رجلين؛ يعني: لا قدر ولا عزة لشيء مما في الدنيا أن يتمناها المسلم إلا في شأن هذين الاثنين؛
стр. 345
لأنهما مشغولان بالخير، والخير شيء يُستحب بل يجبُ طلبُهُ لكل أحد.
قوله: "فسلطَهُ على هَلَكَتِهِ"، (سلطه)؛ أي: وكَّلَهُ ووفَّقَهُ؛ لأن تصرفه على وجهٍ يحبه الله.
قوله: "ورجلٍ آتاه الله حكمةً"؛ أي: عِلْمَ أحكام الدين "فهو يقضي بها"؛ أي: يعمل بها ويحكم بها بين الناس بالحق ويعمل "ويُعلِّمها" الناس.
* * *
١٥٢ - وقال ﷺ : "إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنهُ عملُهُ إلا منْ ثلاثةٍ: إلا منْ صَدَقَةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتفَعُ بهِ، أو ولدٍ صالحٍ يدعُو لهُ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله ... " إلى آخره.
يعني: إذا مات الإنسان لا يكتب له بعد موته أجر وثواب؛ لأن الأجر جزاء العمل الصالح، والعملُ ينقطعُ بموتِ الرَّجل إلا إذا فعل فعلًا في الحياة يدوم خيره، وإذا كان كذلك يلحقه أجره، وذلك ثلاثة أشياء:
أحدها: "الصدقة الجارية": وهي وَقْفُ أرضٍ أو دارٍ على المسلمين أو على شخصٍ واحدٍ أو بناءُ مسجدٍ أو مدرسةٍ أو رباطٍ، أو حفرُ بئرٍ وغير ذلك مما ينتفع به الناس.
والثاني: "العلم الذي ينتفع به"؛ يعني: يعلِّمُ أحدًا أو جماعة مسألة أو أكثر من أحكام الدين، فيعملون بتلك المسألة ويعلمونها غيرهم من المسلمين، فيحصل له بذلك ثواب، وكذلك إذا صنف كتابًا.
والثالث: "ولد صالح يدعو له" بعد موته، واعلم: أنه من ترك ولدًا صالحًا يحصل له من ذلك الولد ثوابٌ كل لحظة، سواء يدعو له الولد أو لا يدعو؛ لأن الولد كلما عمل عملًا صالحًا أو تلفظ بتسبيحٍ يحصل لأبيه ثواب؛
стр. 346
لأن الولد كشجرةِ مثمرة، فكما أن من غرس شجرة مثمرة يحصل له ثواب بأكل تلك الثمرة، سواء يدعو آكلها للغارس أو لا يدعو، فكذلك الأب كالغارس، والولد الصالح كالشجرة المثمرة، فهذا مثل قوله: "من سنَّ سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".
و (الولد الصالح) كسُنةٍ حسنةٍ سنها أبوه؛ أي: وضعها، فإن كان الولد سيئًا لا يلحق من سيئاته إلى الأب إثم؛ لأن نيَّةَ الأب في طلب الولد الخير لا الشر؛ لأن نيته في طلب الولد أن يحصل له ولد صالح يعبد الله ويحصل منه الخير إلى الناس، وإنما يصل من شر الولد إلى الأب نصيبٌ أن يعلِّمَ الأبُ الولدَ شرًا كالسرقة وشرب الخمر وغيرهما من المعاصي.
قوله: "يدعو له" إنما قال هذا لتحريض الولد على الدُّعاء لأبيه، لا لأنه لو لم يدعُ الولد لا يلحق والده منه ثواب، بل يحصل له، فكما أن الأب يحصل له ثواب من الولد فكذلك الأم يحصل لها ثواب من ولدها بل ثوابها أكثر؛ لأن حقَّها على الولد أكثر.
فإن قيل: قال هنا: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة"، فينبغي أن لا يكون غير هذه الثلاثة من يحصل له ثواب بعد موته، وقد جاء في الحديث: "من سنَّ سُنَّة حسنة ... " إلى آخره.
وأيضًا: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة"، فهذان آخران يحصل لهما ثواب بعد موتهما.
قلنا: هذان داخلان في تلك الثلاثة؛ لأن السُّنة التي سنَّها الرجل فهي: إما تعليم علم أو جعل موضع وقفًا أو ترك ولد صالح وما أشبه ذلك، وكذلك المرابط - وهو الغازي - لأنه قصد ونوى إحياء الدين وإظهاره، وجعل كل كافر
стр. 347
مسلمًا، وجعل نفسه فداءً لدين الله تعالى، فنيَّتُهُ وقصده في هذه الأشياء يشبه الوقف والعلمَ المنتَفَعِ به، فلذلك يدوم له الأجر والثواب إلى يوم القيامة.
قوله: "ينمو"؛ أي: يزيد أجره.
* * *
١٥٣ - وقال: "مَنْ نَفَّسَ عنْ مُؤمنٍ كُرْبَة مِنْ كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ الله عنهُ كُربةً مِنْ كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ يَسَّرَ الله عليهِ في الدُّنيا والآخرة، ومَنْ سَتَرَ مُسلِمًا ستَرهُ الله في الدُّنيا والآخرة، والله في عَوْنِ العبْدِ ما دام العبْدُ في عَوْنِ أَخيه، ومَنْ سلكَ طَريقًا يلتمِسُ فيهِ عِلْمًا سهَّلَ الله لهُ بهِ طريقًا إلى الجنَّة، وما اجتمعَ قومٌ في مَسْجدٍ مِنْ مَساجدِ الله تعالى يتْلُونَ كتابَ الله ويتدارسُونَهُ بينهُمْ إلَّا نزلَتْ عليهِمُ السَّكينةُ، وغشِيَتْهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتْ بهِم الملائكةُ، وذكرهُمُ الله فيمنْ عنده، ومَنْ بطَّأَ به عمَلُهُ لمْ يُسْرعْ بهِ نسَبُه"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "من نَفَّسَ عن مؤمنٍ ... " إلى آخره، نَفَّسَ تنفيسًا: إذا ذهب الحزن.
(الكُربة) بضم الكاف: الحزن، وجمعها: الكُرَب - بضم الكاف وفتح الراء - (يَسَّرَ) تيسيرًا: إذا سَهَّلَ الأمرَ وجعلَ أمرَ أحدٍ سهلًا، (المُعْسِر): الفقير.
قوله: "مَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ"؛ أي: من كان له دينٌ على فقير فساهله بأن يمهله من وقتِ أداء دينه إلى وقتٍ يحصل له مال، أو يترك بعض دينه، ويطلب الباقي.
قوله: "من سَتَرَ مسلمًا" هذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يرى رجلًا على فعلٍ قبيح فيسترَ عليه ولا يفضحه.
стр. 348
والثاني: أن يكسُوَ مسلمًا ثوبًا.
قوله: "والله تعالى في عون العبد"، (العون): النصرة، "ما كان العبد"؛ أي: ما دام العبد مشغولًا "في عون أخيه" المسلم؛ يعني: من يقضي حاجة مسلمٍ أو يعينُه قضى الله تعالى حاجته وأعانه على أمره.
قوله: "ومن سلك طريقًا"؛ أي: ذهب طريقًا، "يلتمس"؛ أي: يطلبُ "فيه علمًا": من علوم الشريعة، "سَهَّلَ الله تعالى له به"، (الباء) باء السببية؛ يعني: جعل الله تعالى ذهابَه في طلب العلم سببًا لوصوله إلى الجنة من غير تعب، وذلك أن من طلبَ العلم يعرف به طريق الدين، وطريق الدين: هو الطريق الذي يوصل العبد إلى الجنة، والعلم هو الدليل إلى الجنة.
قوله: "وما اجتمع قوم في مسجدٍ من مساجد الله تعالى يتلون كتاب الله"؛ أي: يقرؤون القرآن، "ويتدارسونه"، (التدارس): أن يقرأ بعضُ القوم مع بعضٍ شيئًا؛ يعني: يقرأ بعضهم بعض القرآن ويسمع بعض، أو يعلم بعضُهم بعضًا القرآن ويبحثون في معناه، أو تصحيح ألفاظه وحسن قراءته.
وذكر هنا (المسجد)، والمراد به: جميع المواضع من المدارس والرباطات، وإنما قال: (في مسجد من مساجد الله تعالى)؛ لأن في زمان النبي ﵇ وبعده إلى قرن أو قرنين لم تكن المدرسة والرباط، بل كان مجمع المصلين والمحدثين المساجد.
قوله: "إلا نزلت عليهم السكينة"، (السكينة): الشيء الذي يحصل به سُكُون الرجل، والمراد ها هنا بها: حصول الذوق والشوق للرجل من القرآن، وصفاء قلبه بنوره، وذهاب الظلمة النفسانية من القلب، ونزول الضياء الرحمانية فيه.
وقيل: (السكينة): اسم ملك ينزل قلب المؤمن، ويأمره بالخير، ويحرضه
стр. 349
على الطاعة، ويوقع في قلبه الطمأنينة والسكون على الطاعة.
(غَشِيَ) - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - غشيانًا: إذا جاء من جانب العُلُوِّ، "وغَشِيَتْهُمُ الرحمة"؛ يعني: تنزل عليهم رحمة الله وبركاته.
قوله: "وحفت بهم الملائكة"، (حفَّ) بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر، حفًا: إذا دارَ شيءٌ حولَ شيءٍ؛ يعني: تقف الملائكة حولهم يحفظونهم من الآفات، ويصافحونهم، ويزورونهم.
قوله: "وذكرَهُمُ الله فيمَنْ عنده"؛ يعني: ذكرهم الله تعالى بين الملائكة ويقول لهم: انظروا إلى عبيدي يذكرونني ويقرؤون كلامي، وأيُّ شرفٍ أعظم من ذكر الله تعالى عباده بين الملائكة.
قوله: "ومن بَطَّأَ به عَمَلُهُ"، (بطأ) بتشديد الطَّاء وفتح الهمزة، فعل ماضٍ من التَّبطئة، وهو ضدُّ التعجيل، (بطأ به)؛ أي: أَخَّر، و (أسرع به): إذا عَجَّله؛ يعني: التقديم بأمر الآخرة لا يحصل بالنَّسب وكثرة الأقارب والعشائر، بل بالعمل الصالح؛ يعني: من لم يتقرب بالعمل الصالح إلى الله لا يُقرِّبه علوُّ النسب وكونه ابن مَلِكٍ عظيم القدر لا ينفعه.
* * *
١٥٤ - وقال: "إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى عليهِ يومَ القيامةِ: رجلٌ استُشْهِدَ، فأَتى بهِ الله فعرَّفهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فِيها؟ قال: قاتلْتُ فيكَ حتَّى استُشْهِدْتُ، قالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ لأنْ يُقالَ: إنك جَريءٌ، فقد قيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتى أُلقيَ في النَّار، ورجلٌ تعلَّم العِلْمَ وعلَّمَهُ وقَرأَ القُرآنَ، فأُتيَ بهِ فعَرَّفهُ نِعَمَهُ فعرفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: تعلمت العِلْمَ وعلَّمْتُهُ وقرأْتُ فيكَ القرآنَ، قال: كذبْتَ ولكنَّكَ تعلمتَ العِلمَ لِيقالَ: عالمٌ، وقرأْتَ القُرآنَ ليُقالَ: هو قارئٌ، فقدْ قيلَ، ثم أُمِرَ بهِ فَسُحِبَ على وجهِهِ حتَّى
стр. 350
أُلقيَ في النَّار، ورجلٌ وسَّعَ الله عليهِ وأعطاهُ مِنْ أصنافِ المالِ كُلِّهِ، فأُتيَ بهِ فعرَّفهُ نِعَمَهُ فَعرفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ مِنْ سَبيلٍ تُحبُّ أنْ يُنفقَ فيها إلَّا أنفقتُ فيها لكَ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلْتَ ليقالَ: هو جَوَادٌ، فقدْ قيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجهِهِ، ثُمَّ أُلقيَ في النَّار"، رواه أبو هُريرة ﵁.
قوله: "يُقضى عليه"؛ أي: يسأل يوم القيامة عن أفعاله ويُحاسب.
"استُشْهِد" على بناء المجهول إذا جُعل شهيدًا؛ أي: قُتِلَ في معركة الكفار "فأُتيَ به" على بناء المجهول؛ أي: دُعِيَ وأحضر يوم القيامة للحساب.
"فعرَّفه نعمه" تعريفًا: إذا جعله عالمًا بشيء، الضمير في (عَرَّفَ) يرجع إلى الله تعالى.
(النِّعم): جمع نعمة؛ يعني: أعلمَهُ الله وذكَّره بما أنعم عليه من أنواع النِّعم من إعطاء القوة والشجاعة والفرس والسلاح وغير ذلك من أسباب المحاربة مع الكفار.
"فعرَّفها"؛ أي: عَرَّف ذلك الشخص تلك النعم وأقر بها.
"قال: فما عملت"؛ أي: قال الله تعالى له: فما عملت في تلك النعم، وعلى أيَّ وجهٍ صرفتها؟
"قال: قاتلتُ فيك"؛ أي: قاتلت في سبيل الله؛ أي: حاربت الكفار لإعلاء دينك ولرضاك "حتى استشهدت، قال: كذبت"؛ أي: قال الله له: كذبتَ إنك ما قاتلتَ مع الكفار لمرضاتي، بل قاتلتَ ليقولَ الناسُ إنك رجل شجاع، فغرضك من قتالك إظهارُ شجاعتك لا لإعلاء ديني.
(الجَرِيء): الشجاع، من جَرُء - بضم العين في الماضي والغابر - جُرْأَةً وجَرَاءَةً: إذا صار شُجاعًا.
قوله: "فقد قيل"؛ أي: فقد قال الناس ما طلبتَ، وهو مدحُك وإظهارُ
стр. 351
صيتك وشجاعتك؛ يعني: حصل لك غرضك في الدنيا، وهو إظهار شجاعتك، فليس لك ثواب غير ذلك، فإذا لم تقاتل لمرضاتي فما أديت حق نعمتي، وإذا لم تؤدِّ حق نعمتي فقد استوجبت العقوبة.
"ثم أُمِرَ"؛ أي: أُمِرَ به، على بناء المجهول؛ أي: قيل لخزنة النار: ألقوه في النار، "سُحِبَ" ماضٍ مجهول؛ أي: جُذِبَ وجُرَّ.
قوله: "ورجلٌ تعلَّم العلم"؛ أي: جيء يوم القيامة برجل تعلَّم العلم وعَلَّمه الناس، فعرفه الله تعالى ما أنعم عليه من الفهم والفصاحة والعلم والقرآن.
قوله: "وقرأتُ فيك القرآن"؛ أي: في رضاك، وشرح باقيه قد تقدم.
قوله: "وَسَّعَ الله تعالى عليه"؛ أي: كَثَّرَ الله مالَه، ووَسَّع رزقه "من أصناف المال" من الإبل والبقر والغنم والفرس وغيرها من الدواب، ومن الذهب والفضة وغير ذلك من أنواع المال كلها.
قوله: "ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن ينفق فيها"؛ يعني: ما تركت مَصرفًا تحبه وترضاه إلا صرفت فيه، كبناء المسجد والمدارس وإعطاء الزكاة والصدقات وغير ذلك من وجوه الخيرات، (الجواد): السَّخي، وباقي شرحه قد تقدم.
* * *
١٥٥ - وقال: "إنَّ الله تعالى لا يقبِضُ العِلْمَ انتزاعًا ينتزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولكنْ يَقبِضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ حتى إذا لم يُبقِ عالِمًا اتَّخذَ الناسُ رُؤَساءَ جُهَّالًا، فسُئِلُوا، فأَفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فضَلُّوا، وأَضَلُّوا"، رواه عبد الله بن عَمْرو بن العاص.
قوله: "إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا" منصوب على أنه مفعول
стр. 352
مطلق، والمفعول المطلق هو المصدر المنصوب.
(الانتزاع): الجَذْبُ والجرُّ؛ يعني: إنَّ الله تعالى لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه مِنْ بينهم إلى السماء، ولكن يقبض بقبض أرواح العلماء حتى لا يترك عالمًا، فإذا قبض العلماء بقي الجهال، فاتخذ الناس قضاة وأئمة جاهلين، فقاضيهم يقضى بغير علم، ومفتيهم يفتي بغير علم.
"رؤوساء": جمع رَأس، وهو السيد والإمام والقاضي والمفتي.
"فسُئلوا" على بناء المجهول، والضمير في (سئلوا) يعود إلى (رؤوساء).
قوله: "فضلوا"؛ أي: صار قضاتهم والذين أفتوهم ضالين وجعلوا قومهم ضالين أيضًا؛ لأنه مَنْ تَبِعَ جاهلًا يدله على سبيل الضلال، ومن تبع عالمًا يدله على سبيل الرَّشاد.
* * *
١٥٦ - وقال عبد الله بن مَسْعُود ﵁: كان رسولُ الله ﷺ يتخَوَّلُنا بالمَوعظةِ في الأَيامِ كراهَةَ السَّآمَةِ علَينا.
قوله: "يتخولنا"، (التخول): التعهد وحسن الرعاية.
"السآمة": الملالة؛ يعني: كان رسول الله ﵇ لا يعظنا متواليًا كيلا نَمِلَ، فلا يؤثِّرُ كلامُه في قلوبنا عند ملالتنا، بل يعظنا فيه يومًا دون يوم، ووقتًا دون وقت، ويطلب وقتًا نكون فيه مجموعي الخواطر فيعظنا فيه، وكذلك ليفعل المشايخ والوعاظ في تربية المريدين.
* * *
١٥٧ - وقال أنس ﵁: كان النبيُّ ﷺ إذا تكلَّمَ بكلمةٍ أعادَها ثلاثًا حتى
стр. 353
تُفهمَ عنه، وإذا أَتَى على قومٍ فسلَّمَ عليهِمْ سَلَّم عليهم ثلاثًا.
قوله: "إذا تكلم رسول الله ﵇" بوعظ وغيره أعاد ذلك الكلام ثلاث مرات حتى يفهمه المستمع، ويتقرر في طبعه، ويحفظه، وكذلك ليفعل الوعاظ في كل زمان.
قوله: "وإذا أتى على قوم فسَلَّمَ عليهم سَلَّمَ عليهم ثلاثًا"؛ يعني: إذا أتى باب أحد أو أتى جمعًا سَلَّمَ عليهم للاستئذان، وإذا أذنوا له ودخل، سَلَّمَ عليهم ثانية للتحية، وإذا قام وخرج من عندهم سَلَّمَ عليهم ثالثة للوداع، وهذه التسليمات الثلاث سُنَّةٌ في كل أحد حين يأتي قومًا.
* * *
١٥٨ - وعن أبي مَسْعُودٍ الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دلَّ على خَيْرٍ فلهُ مِثْلُ أَجْرِ فاعلِهِ".
قوله: "مَنْ دلَّ على خير"؛ يعني: مَنْ أَمَرَ أحدًا بإعطاء صدقة أو بناء مسجد أو مدرسة أو رباط وغير ذلك من الخيرات، أو وعظ أحدًا حتى يخافَ الله تعالى، ويرجع من المعاصي إلى الصلاح = فله مِثلُ أجر مَنْ فعل خيرًا بقوله، وهذا نظير قوله ﵇: "من سن سنة حسنة ... " إلى آخر الحديث.
واسم "أبي مسعود": عُقبة بن عَمرو بن ثَعلبة بن أسيرة بن عَسيرة الأنصاري.
* * *
١٥٩ - وقال: "مَنْ سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً حسنةً فلهُ أجرُها وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بعدَهُ، مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أُجورِهم شيءٌ، ومَنْ سنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً
стр. 354
سيَّئَةً كان عليهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عملَ بها بعدَهُ، مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أَوزارِهم شيءٌ"، رواه جَرِيْر ﵁.
قوله: "مَنْ سَنَّ": قد تقدم شرح هذا الحديث في (باب الاعتصام)؛ لأن هذا الحديث مثل قوله ﵇: "مَنْ دعا إلى هدى ... " إلى آخر الحديث.
وجد "جرير": الشليل بن مالك.
* * *
١٦٠ - وقال: "لا تُقْتَلُ نفسٌ ظُلْمًا إلَّا كانَ على ابن آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِها؛ لأنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ"، رواه ابن مَسْعُود ﵁.
قوله: "لا تقتل نفسٌ ظلمًا"، (ظلمًا) منصوب على التمييز، وأراد بـ (ابن آدم الأول): قابيل؛ فإنه قتل أخاه هابيل، وهو أول قاتل في العالم، ويدل هذا أنَّ قابيل أول ولد وُلد من آدم.
قوله: "ابن آدم الأول"، (الأول) صفة للابن لا لآدم؛ لأنه لم يكن آدم أكثر من واحد حتى يكون هو أولهم، وقد بلغنا أن بعض الجهال يقولون: إنه قد كان قبل آدم هذا سبعة أوادم، وهذا القول كفر بل لم يكن آدم غير آدم الذي هو أبو البشر.
قوله: "كِفْلٌ من دَمِها"، (الِكفل): النصيب، الضمير في (دمها) راجع إلى النفس، في قوله: (لا تُقتل نفسٌ)؛ يعني: كل قتل باطل يجري بعد قابيل إلى نفخة الصور يكون لقابيل نصيب من ذلك الإثم، وهذا الحديث نظير قوله: "ومن سَنَّ سنة ... " إلى آخر الحديث.
* * *
стр. 355
مِنَ الحِسَان:
١٦١ - عن أبي الدَّرداء ﵁ قال: قال رسولُ ﷺ : "مَنْ سَلَكَ طَريقًا يطلُبُ فيهِ عِلْمًا سَلَكَ الله به طَريقًا من طُرُق الجنَّةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضَعُ أجنحتَها رِضًا لطالبِ العِلْمِ، وإنَّ العالمَ ليَستغفرُ لهُ مَنْ في السَّماواتِ وَمَنْ في الأَرضِ، والحِيْتانُ في جَوْفِ الماءِ، وإنَّ فَضْلَ العالم على العابِدِ كفضْلِ القمَرِ ليلةَ البَدْرِ على سائرِ الكوكِبِ، وإنَّ العُلَماء وَرثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياء لم يُورَّثوا دِيْنارًا ولا دِرْهمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أخذَ بحظٍّ وافِرٍ".
قوله: "من سلك ... " إلى آخره، "سلك طريقًا"؛ أي: ذهب في الطريق.
"سلك الله به": الباء في (به) للتعدية، والضمير يعود إلى (مَن)؛ يعني: أذهبه الله بسبب طلب العلم في طريق من طرق الجنة، حتى يوصله إلى الجنة والضمير يعود إلى العلم.
قوله: "طريقًا من طرق الجنة" إشارة إلى أنَّ طرق الجنة كثيرة؛ يعني: كل عمل صالح طريق من طرق الجنة، وطلب العلم أقرب طريق إلى الجنة، وأعظم وأفضل عمل من الأعمال المرضية عند الله؛ لأن صحة الأعمال وقبولها موقوف على العلم، ألا ترى أن من ليس له علم الصلاة لا تصح صلاته، وكذلك الصوم والحج وجميع الأعمال الصالحة.
قوله: "وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم"، (رضًا) منصوب في التقدير؛ لأنه مفعول له.
(الأجنحة) جمع جَناح - بفتح الجيم - يعني: أن الملائكة تفرش وتبسط أجنحتها تحت قدمي طالب العلم تواضعًا له، ولتحمله ليبلغه حيث يمشي،