Полный текст (3 031 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
[٣]
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
(كتاب الطهارة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩١ - عن أبي مالك الأَشْعَري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ، والحمدُ لله تَملأُ المِيْزانَ، وسُبحانَ الله والحمدُ لله تملآن - أو: تملأُ - ما بينَ السماواتِ والأرضِ، والصَّلاةُ نورٌ، والصَّدقةُ بُرهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليك، كُلُّ النَّاسِ يَغْدو، فبائعٌ نفسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا"، وفي روايةٍ أخرى: "ولا إلهَ إلَّا الله والله أكبرُ يملآن ما بينَ السَّماءِ والأرض".
قوله: "الطُّهور ... " إلى آخره.
اختلف أهل اللغة في الطُّهور؛ فقال بعضهم: الطُّهور: بضم الطاء مصدر، واسمٌ للماء الذي يتطَهَّرُ به، والطَّهور: بفتح الطاء ليس في كلام العرب مستعملًا.
وقال بعضُهم: بل الطُّهور بضم الطاء المصدر، وبفتحها: الماء الذي يُتطهَّرُ به، وهذا القول هو المختار.
وههنا: الطُّهور بضم الطاء؛ لأن المراد به المصدر.
(الشطر): النصف، و (الإيمان) ها هنا: الصلاة كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
стр. 387
لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: صلاتَكم.
يعني: الوضوءُ نصفُ الإيمان، يعني: لا تصحُّ الصلاةُ إلا بالوضوء، فيكونُ الوضوءُ شَطْرَها، ويجوزُ أن يرادَ بالإيمان: الإيمانُ الحقيقي، يعني: الوضوء يُطَهِّرُ الأعضاءَ الظاهرةَ عن الحَدَث، كما أن الإيمان يُطهِّرُ القلبَ عن الشرك.
والمراد من هذا: تعظيمُ شأن الوضوء، وعِظَمُ ثوابه.
قوله: "والحمد لله تملأ الميزان"، يعني: التلفُّظُ بالحمد لله يملأ ميزان قائل هذا اللفظ من الأجر من غاية عظمة هذا اللفظ.
قوله: "وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو قال تملأ"، شكَّ الراوي في أن رسول الله ﵇ قال: "تملآن، أو قال: تملأ".
فعلى رواية (تملآن) معناه ظاهرٌ أن ألف التثنية في (تملآن) ضمير: (سبحان الله والحمد لله)، وأما على رواية (تملأ) يكون معناه: تملأُ كلُّ واحدة من هاتين الكلمتين ما بين السموات والأرض من الأجر.
قوله: "والصلاة نور"، يعني: تكون له نورًا في القبر، وفي ظلمة القيامة، حتى توصِلَه إلى الجنة، ويحصُلُ للمصلِّي في الدنيا ضياءٌ في وجهه، وتُخْرِجُه من ظلمة المعاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
قوله: "والصدقة برهان"، (البرهان): الحُجَّةُ والدليل، يعني: أن الصدقة تُعينُ الرجلَ وتنجيه من عذاب الله، كما تعينُ الحُجَّةُ صاحبَها، وتغلِّبه على خصمه.
قوله: "والصبر ضياء"، (الصبر): حَبْسُ النفس على فِعْل، يعني: المداومة على الشيء، وحبس النفس عليه، يحصِّل مرادَ الرجل، ويجعلُ له فرحًا وفرجًا من كل غمٍّ.
стр. 388
قوله: "والقرآن حجة لك أو عليك"، اللام للنفع، و (على) للضر.
يقال: الحق له، يعني: مُلْكُه، والحق عليه، يعني: واجبٌ عليه أداؤُه، يعني: القرآن إما ناصرُك ومنجِّيك من عذاب الله، وإما خصمُك ومُهْلِكُك، فإن عَظَّمْتَ قَدْرَه، وعملت بما فيه فهو ناصرك، وإلا فهو خصمك.
قوله: "كل الناس يغدو"، أي: يصبح، يعني: كلُّ أحدٍ إذا أصبحَ يبيعُ نفسَه؛ أي: يعطي نفسه، ويأخذ عِوضَها، وهو عملُه وكسبه، فإن عمل خيرًا فقد باع نفسه، وأخذ الخير عن ثمنها، وهو معتقُها من النار، وإن عملَ شرًا فقد باع نفسَه، وأخذ الشرَّ عن ثمنها، وهو موبِقُها؛ أي: مهلكُها، وأَوْبَقَ: إذا أهلك.
اسم أبي مالك الأشعري: عمرو بن الحارث بن هانئ.
* * *
١٩٢ - وقال: "ألا أُخْبِرُكُمْ بما يَمْحُو الله بهِ الخَطايَا ويرفَعُ بِهِ الدرجاتِ؟ إسباغُ الوُضُوءِ على المَكَارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطَا إلى المَساجِدِ، وانتِظارُ الصلاةِ بعدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ، فذلِكُمُ الرِّباطُ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ"، رواه أبو هُريرة ﵁.
قوله: "بما يمحو الله" (بما يمحو): إذا زال به؛ أي: بسببه وبفعله، "الخطايا": جمع خطيئة، "الإسباغ": الإتمام.
"الوُضوء" بفتح الواو: الماءُ الذي يُتوضَّأُ به، وبضمها: المصدرُ وهو المراد ها هنا.
"المكاره": جمع مَكْرَه بفتح الميم، وهو بمعنى الكُرْه، وهو المَشَقَّة، والمراد بالمكاره هنا: البرد الشديد.
يعني بقوله: "إسباغ الوضوء على المكاره": إيصال الماء إلى مواضعِ الفَرْض من غير أن ينقصَ منها شيئًا عند شِدَّة البرد.
стр. 389
قوله: "وكثرة الخُطَا إلى المساجد"، الخطا: جمع خُطْوة، بضم الخاء في الجمع والواحد، وهو ما بين القدمين، يعني: المشي إلى المساجد لأداء الصلاة بالجماعة.
قوله: "وانتظار الصلاة بعد الصلاة"، يعني: إذا أدى صلاةً بالجماعة، أو منفردًا ينتظر صلاة أخرى، وتعلَّقَ قلبُه بها، إما أن يجلسَ في المسجد ينتظرُها، أو يكون في بيته، أو مشتغل بكسبه، وقلبُه متعلِّقٌ بالصلاة ينتظرُ حضورَها.
قوله: "فذلكم الرِّبَاط"، ذلك إشارة إلى ما ذُكِرَ من الطاعات.
الرباطُ والمرابطةُ: رَبْطُ النفس والفَرَس في سبيل الله، يقاتل الرجلُ أعداءَ الله، وللمرابط في سبيلِ الله درجةٌ وفضيلةٌ رفيعةٌ يأتي ذكرها في (باب الجهاد).
يعني: المداومة على هذه الطاعات مِثْلُ الجهاد في سبيل الله في الفضيلة.
* * *
١٩٣ - وقد قال: "مَنْ توضَّأَ فأَحسنَ الوُضُوءَ خرجتْ خطاياهُ مِنْ جسَدِهِ حتَّى تخرجَ مِنْ تحتِ أَظْفارِهِ"، رواه عُثمان ﵁.
قوله: "من توضأ فأحسن الوضوء"، أي: لم يترُكْ من فرائضه وسننه شيئًا.
قوله: "خرجت خطاياه"، يعني: يزيل ماءُ الوضوءِ الصغائرَ من الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، حتى تخرج من تحت أظفاره.
يعني: من جميع جسده حتى من أصابعه، فيصيرُ طاهرًا من صغائر الذنوب، كما صار طاهرًا من الحَدَث.
روى هذا الحديثَ عثمانُ ﵁.
* * *
стр. 390
١٩٤ - وقال: "إذا توضَّأَ العبدُ المُسلمُ - أو: المُؤمن - فغَسلَ وَجهَهُ خرجَ مِنْ وَجهِهِ كُلُّ خطيئةٍ نظرَ إليها بعَينه مَعَ الماءِ - أو: معَ آخرِ قَطْرِ الماءِ - فإذا غسلَ يَدَيْهِ خرجَ مِنْ يَديْهِ كُلُّ خطيئَةٍ بَطَشَتْها يداهُ مع الماءِ - أو: مع آخرِ قَطْرِ الماءِ - فإذا غسلَ رِجْلَيْهِ خرجَ كلُّ خطيئةٍ مَشَتْها رِجلاهُ مَعَ الماءِ - أو: معَ آخرِ قطْرِ الماء حتى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "إذا توضَّأ العبد المسلم أو المؤمن"، (أو) في قوله: (أو المؤمن) للشكِّ من الراوي.
يعني: شكَّ الراوي أنه ﵇ قال: إذا توضَّأَ العبد المسلم، أو قال: العبد المؤمن.
وكذلك (أو) في قوله: "أو مع آخر قطر الماء"؛ يعني: شكَّ أنه قال: مع الماء أو قال: مع آخر قَطْرِ الماء.
(القَطْرُ) بسكون الطاء -: إجراءُ الماءِ وإنزالُه قطرةً قطرةً، والمراد ها هنا: إجراءُ ماءِ الوُضوءِ على الأعضاء عند غسلها.
والقَطْرُ أيضًا: جمعُ القَطْرة.
(البطشُ): الأخذُ، يعني كل ذنبٍ فعلَتْهُ يداه من ملامسة النساء المحرمة وغيرها.
قوله: "مشتها"، أي: مشت إليها، فحذف (إلى).
"نقيًا"، أي: طاهرًا، يعني: التوضُّؤ يطهِّرُ الرجلَ من صغائر الذنوب.
* * *
١٩٥ - وقال: "ما مِنِ امرئٍ مُسلمٍ تحضُرُهُ صلاةٌ مكتوبةٌ، فيُحْسِنُ وُضوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها، إلَّا كانَتْ كَفَّارةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يأْتِ
стр. 391
كبيرةً، وذلكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ"، رواه عثمان ﵁.
قوله: "تَحْضُرُه"، أي: تدخلُ عليه وقت صلاة مكتوبة؛ أي: مفروضة.
(إحسان الوضوء): أنَّ يُتِمَّ فرائضَه الست وسننَه، (الخشوعُ): الحضورُ، ومراعاة الأدب من تركِ الالتفات إلى اليمين واليسار، (وإحسان الركوعِ): أن يستويَ ظهرُه وعنقُه فيه، ويجافيَ مِرفقيه من جنبيه، ويضعَ يديه على ركبتيه، ويطمئنَّ حتى تستقرَّ أعضاؤه، ويقول: سبحان ربي العظيم.
وكذلك يتمُّ فرائضَ كلِّ ركن وسنَنَه.
وإنما ذكرَ الركوعَ دون سائر الأركان؛ لأن الركوعَ أثقلُ على النفس، ولأن الشارع إذا أمر بإحسان الركوع فُهِم منه إحسانُ سائر الأركان.
قوله: "إلا كانت"، أي: إلا كانت تلك الصلاةُ كفَّارةً؛ أي: ساترةً ومزيلةً لذنوبه الماضية.
قوله: "ما لم يُؤْتِ كبيرةً"، (ما): للدوام، (يؤت)، بضم الياء وكسر التاء، هكذا روي، ومعناه: ما لم يَعملْ كبيرة.
وحقيقته: أن معنى (آتى): أعطى، وحمل أحدًا على الإتيان؛ لأنه مَن عمل عملًا حملَ نفسَه على الإتيان إلى ذلك العمل، يعني: يغفر صغائر ذنوبه بفعل الوضوء والصلاة دون الكبائر.
قوله: "وذلك الدهرَ كلَّه"، وذلك إشارة إلى تكفير الذنوب والغفران، و (الدهر): منصوبٌ على الظرفية، وتكفير الذنوب بسبب الصلاة حاصلٌ وكائنٌ في جميع الدهر، لا في وقت واحدٍ أو زمانٍ واحد.
* * *
١٩٦ - وعن عثمان: أنَّهُ توضَّأ فَأَفْرغَ على يديْهِ ثلاثًا، فغسَلَهُمَا، ثُمَّ
стр. 392
مضمضَ واستنشَقَ واستنثر، ثمَّ غَسلَ وَجهَهُ ثلاثًا، ثمَّ غَسلَ يدَهُ اليُمنى إلى المِرْفَقِ ثلاثًا، ثمَّ غَسلَ يدهُ اليُسرى إلى المِرْفَقِ ثلاثًا، ثمَّ مسحَ برأسِهِ، ثمَّ غَسلَ رِجلَهُ اليُمنى ثلاثًا، ثمَّ اليُسرى ثلاثًا، ثمَّ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ توضَّأَ نحوَ وُضوئِي هذا، ثم قال: "مَنْ توضَّأ نحوَ وُضوئِي هذا ثم يُصلِّي ركعتَيْنِ لا يُحدِّثُ نفسَهُ فيهما بشيءٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ".
قوله: "أنه توضأ": أن عثمان توضأ.
"فأفرغ"، أي: صبَّ الماءَ على يديه.
"فغسَلَهما"، أي: فغسَلَ كفَّيه إلى الكُوعَين.
"مَضْمَض"، أي: ردَّد الماء في فمه.
"واستنشق"، أي: جعلَ [الماءَ] في أنفه وجر أنفه، وأخرج نَفَسَه ليخرِجَ ما في أنفه من المُخَاط.
قوله: "ثم مسح برأسه"، ولم يذكر العددَ في مسح الرأس، فالظاهر أنه مسحه مرة واحدة.
قوله: "ثم قال: مَن توضَّأَ نحوَ وُضوئي هذا"، أي: قال رسول الله ﵇: من توضَّأَ مثلَ وُضوئِي هذا جامعًا لفرائضه وسننه.
قوله: "لا يحدِّثُ نفسَه فيهما بشيء"، أي: لا يَجْرِي في قلبه وسوسةٌ واشتغالٌ من الأمور الدنيوية، يعني: يكون قلبُه حاضرًا، وقلَّما يمكن للإنسانِ الحضورُ بالكُلِّية، ولكن ينبغي ألَّا يكون غافلًا بحيث تغلبُ عليه الوسوسة، وغيبة القلب في الأشغال الدنيوية.
ويحتمل أن يريد بقوله: (لا يحدِّثُ نفسَه): الإخلاصَ بالصلاة لله تعالى؛ أي: لا تكون صلاتُه لطلب الجاه ويحتمل أنه يريد به تركَ العُجْب، يعني:
стр. 393
لا يرى لنفسه عظمةً ومنزلةً رفيعةً بأداء الصلاة، بل ينبغي أنَّ يُحقِّر نفسه كيلا تغترَّ نفسه وتتكبر.
* * *
١٩٧ - وقال: "ما مِنْ مُسلم يتوضَّأُ فيُحسِنُ وُضُوءَهُ، ثمَّ يقومُ فيُصلِّي ركعتَيْنِ مقبلًا عليهِمَا بقلبِهِ ووجهِهِ إلَّا وَجَبَتْ له الجنَّة".
١٩٧/ م - وقال: "مَنْ توضَّأَ فأحسنَ الوُضوءَ ثمَّ قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ اجعلْني من التوَّابينَ، واجعلني من المتطهِّرينَ، فُتِحَتْ لهُ ثمانيةُ أبوابٍ من الجنَّة يدخلُ مِنْ أيِّها شاءَ"، رواه عُقبة بن عامر.
قوله: "مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه"، (مقبلٌ): مرفوع صفة؛ لقوله: "ما من مسلمٍ"؛ لأن (مِن) زائدة، وتقديره: ما مسلمٌ، ويجوزُ أن تكون (مقبلٌ) خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: هو مُقْبِلٌ.
يعني: يصلي ركعتين يكون ظاهرهُ وباطنُه مُستغرِقَيْن بالركعتين، ويصلِّيهما عن الخشوعِ والتعظيم.
قوله: "وجبت له الجنة"، أي: حصَلَتْ له الجنة؛ لأن الله تعالى كريمٌ لا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين.
ومعنى (وجبت) ها هنا: أن الله تعالى يعطيه الجنة تفضُّلًا وتكرمًا بحيث لا يخلف وعده، كمن وجب عليه شيء.
ومذهب أهل السنة: أنه لا يجب على الله شيءٌ، بل مَن أدخلَه جنَّتَه فبفضله أدخلَه جنته.
واسم جد عقبة: ربيعةُ بن حِزَام بن كَعْب، وهو أنصاري.
стр. 394
قوله: "كلمتي الشهادة"، عَقِيب الوضوءِ إشارة إلى إخلاصِ العمل لله، وطهارةِ القلب من الشرك والرياءِ بعد طهارةِ الأعضاءِ من الحَدَث والخبث، كأنه يقول المتوضِّئ: توضَّأتُ خالصًا لله تعالى، فإن الوضوءَ لم يكنْ من فِعْل عَبَدَة الأوثان، ولم يتوضَّأْ أحدٌ لمعبودٍ سوى الله، فإذا توضَّأَ الرجلُ طَهُرَتْ أعضاؤُه من الحَدَث، وغُفرَتْ ذنوبُه كما ذكر قبل هذا، وإذا قال كلمتي الشهادة طَهُرَ من الشِّرْك والرياء، فحينئذ استحقَّ دخولَ الجنة من أيِّ بابٍ شاء، و (من) في (من الجنة) للتبيين.
* * *
١٩٩ - وقال: "إنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يومَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلينَ مِنْ آثارِ الوُضوءِ ممَنِ استطاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطيلَ غُرَّتَهُ فلْيَفْعَلْ".
قوله: "غرًا محجلين"، (الغُرُّ): جمع أَغَرَّ، وهو أبيضُ الوجه، (المُحَجَّلُ): أبيض الرجل واليد.
و"الوَضُوء" بفتح الواو هنا: الماءُ الَّذي وَصَلَ إلى أعضاء المتوضِّئ, يعني: حيث وصل ماءُ الوضوء من الأعضاء يظهرُ منه نورٌ وبياضٌ مزيِّنٌ لطيف.
قوله: "إن أمتي يدعون"، يحتمل أن يكون معنى (يدعون): يسمُّون، فعلى هذا يكون الضمير المضمَرُ في (يدعون) هو المفعول الأول، أُقيم مُقَام الفاعل.
و (غرًا): مفعول ثانٍ، يعني: يقال لأمتي: يا أيها الغُرُّ المُحَجَّلون! هَلُمَّ وادخلوا الجنة.
ويحتمل أن يكون معناه: يدعون إلى يوم القيامة، أو دخول الجنة في حال كونهِم غرًا محجَّلين.
стр. 395
قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَهُ"، (الغُرَّةُ): بياضُ الوجه، و (التَّحْجِيلُ): بياضُ الرِّجْلِ واليد، وتقديرُه: أنَّ يُطيلَ غُرَّتَه وتَحجيلَه فليفعل، ولكن تَرَكَ ذِكْرَ التَّحْجيل؛ لأنه لمَّا ذَكَرَ (غُرًا محجَّلين) قبل هذا عُلِمَ أنه يريد ها هنا الغُرَّةَ والتحجيلَ كليهما.
وإطالة الغُرَّةِ: أن يوصل ماءَ الوضوء في وجهه إلى أكثرَ من محلِّ الفرض، وإطالة التحجيل: أن يوصلَ ماءَ الوضوء في غسل اليدين والرجلين إلى أكثرَ من محلِّ الفرض.
* * *
١٩٨ - وقال ﷺ : "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حيثُ يبلُغُ الوَضُوءُ"، رواهما أبو هريرة ﵁.
قوله: "تبليغ الحِلْيَة"، (الحلية): الزينةُ.
"الوَضُوء" بفتح الواو، وذكر معناه، يعني: إلى حيث يبلغ ماء الوضوء من الأعضاء يُجعل فيه النورُ والسِّوَار والخَلْخَالُ في الجنة.
* * *
من الحسان:
٢٠٠ - قال رسول الله ﷺ : "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا، واعْلَمُوا أنَّ خيرَ أعمالِكُمُ الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ"، رواه ثَوبان ﵁.
قوله: "استقيموا"، أي: الزموا الطريقَ المستقيمَ في الدِّين، والإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن جميع المناهي، من الاستقامة.
قوله: "ولن تُحْصُوا"، أحصى: إذا طاق أمرًا وعدَّ شيئًا، يعني: استقيموا،
стр. 396
ولكن لا تطيقون أن تستقيموا حقَّ الاستقامة؛ لأنها شديدة.
وإنما قال: (ولن تحصوا) ليعترفوا بالتقصير، ولا يغترُّوا بما يفعلون من الطاعات، ويتركون من المعاصي؛ لأن ما يفعلون من الطاعاتِ ويتركون من المعاصي قليلٌ بالنسبة إلى ما هو حقُّ الاستقامة، فإن الاستقامةَ أن تطيعوا الله ولا تعصوه أصلًا، ومن يُطِيقُ هذا.
وقيل: معنى: (ولن تحصوا): لا تقدروا أن تعدُّوا ثوابَ الاستقامة من كثرته.
قوله: "واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصلاةُ"، وإنما الصلاةُ خيرٌ من غيرها؛ لأن في الصلاة من كلِّ عبادةٍ شيئًا كقراءة القرآن، والتسبيح، وترك الأكل، والتكبير، وغير ذلك.
قوله: "ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"، (لا يحافظ): أي: لا يداوم، يعني: المنافق لا يداوِمُ على الوضوء، بل يتوضَّأُ إذا رآه أحدٌ، ولا يتوضَّأُ إذا لم يرَه أحدٌ، وكذا الكفار لا يتوضَّؤون.
* * *
٢٠١ - وقال: "مَنْ توضَّأ على طُهْرٍ كُتب له عشْرُ حسَناتٍ"، رواه ابن عمر. غريب.
قوله: "من توضأ على طهر"، أي: من جدَّد الوضوءَ بشرطِ أنْ يصلِّيَ بالوضوء الأول صلاةً، فإن لم يصلِّ بالوضوء الأول صلاةً لا يُستحَبُّ تجديدُ الوضوء.
واعلم أنه في بعض النسخ: قوله: (استقيموا) إلى قوله: (عشر حسنات)، مكتوبٌ على أنَّه حديثٌ واحد من غير فاصلة، ورواية ابن عمر.
стр. 397
ولكن في "شرح السنة" مذكورٌ: أنَّ راوي قوله: (استقيموا) إلى قوله: (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن): أبو عبد الله ثوبانُ مولى رسول الله ﵇.
وقوله: "من توضَّأَ على طُهْرٍ كُتِبَ له عشرُ حسنات"، هذا حديثٌ برأسه، ورواه ابن عمر ﵁.
* * *
٢ - باب ما يُوجِب الوضوءَ
(باب ما يوجب الوضوء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقْبَلُ صلاةُ مَنْ أحدثَ حتَّى يتوضَّأَ".
قوله: "أحدث"، أي: صار ذا حَدَثٍ، وهو ما يُبْطِلُ الوضوءَ, يعني: لا يقبل الله صلاةً بغير الوضوء، إلا إذا لم يجدِ الماء، ووجد التراب، فيقوم التيمُّمُ مَقامَ الوُضوء، وإن لم يجدِ المَاء والترابَ يصلَّي فَرْضَ الوقت وَحْدَها؛ لحرمةِ الوقت، ثم إن مات قبل وُجْدانِ الماء أو التراب لم يكن عليه إثمٌ، وإن لم يَمُتْ حتى وجد الماءَ أو التراب يقضي تلك الصلاة.
* * *
٢٠٣ - وقال: "لا تُقْبَلُ صلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ"، رواه ابن عمر ﵄.
стр. 398
قوله: "بغير طُهُور"، بضم الطاء؛ أي: بغير توضُّؤ.
قوله: "ولا صَدَقَةٌ من غُلُول"، (الغلول): الخيانة في الغنيمة، يعني: لا تُقْبَل صدقةٌ من مالٍ حرامٍ.
* * *
٢٠٤ - وقال علي ﵁: كنتُ رجلًا مَذَّاءً، فكنتُ أَستحي أنَّ أسألَ النبيَّ ﷺ ، فأَمرتُ المِقْدادَ فسألَهُ، فقال: "يَغسِلُ ذكَرَهُ ويتوّضأُ".
قوله: "كنت رجلًا مَذَّاءً"، (المَذَّاءُ) بتشديد الذال وبالمد: كثيرُ خُروجِ المَذْيِ من ذَكَرِه.
والمَذْيُ: ماءٌ رقيقٌ يَخْرُجُ من الذَّكَرِ عند ملاعبة الرجلِ امرأته، وعند النظر بالشهوة إليها.
قوله: "فكنت أستحيي"، يعني: استحييت أن أسأل النبيَّ ﵇ عن حكم المذي: هل هو موجب الغسلَ أم لا؟، وهل نجس أم لا؟.
فأمرتُ المِقْدَادَ حتى سألَ النبي ﵇ عن حُكْمِ المَذْيِ، وإنما استحيى أمير المؤمنين عليٌّ - كرَّمَ الله وجهَه - أنَّ يسأل النبي ﵇ عن المَذْيِ؛ لكون فاطمة بنتِ النبي ﵇ زوجتَه.
قوله: "يَغْسِلُ ذَكَرَه"، يعني: لا غُسْلَ عليه من المَذْيِ، بل هو نَجَسٌ يَغْسِلُ ذكرَه منه ويتوضَّأ؛ لأنه يُبْطِلُ الوضوء.
و (المقداد): هو ابن عمرو الكندي، وكنيته: أبو سعيد، ويقال: المقداد ابن الأسود، نُسِبَ إلى الأسود بن عبد يغوثَ بن وهبِ بن عبد مَناف؛ لأنه قد تَبناه وهو صغير.
* * *
стр. 399
٢٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "توضَّؤوا مما مَسَّتِ النَّارُ"، وهذا منسوخٌ بما روي:
٢٠٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ أكلَ كَتِفَ شاةٍ ثمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ.
قوله: "توضَّؤوا"، (التوضُّؤ): طَلَبُ الوَضَاءَة، وهو الحُسْن والنظافة، والمستعمَلُ في الشرع: غَسْلُ الأعضاء الأربعةِ للصلاة.
ويقال لغسل الكفين: التوضُّؤُ أيضًا؛ فيَحْتَمِلُ ها هنا أن يريد ﷺ به غسل الكفين؛ لإزالة الرائحة الكريهة، والزُّهُومة.
ويحتمل أن يريدَ به الوضوءَ المعروفَ، ثم يحتمل أن يريدَ به الوضوء على سبيل الاستحباب، وعلى سبيل الوجوب؛ فإن كان معناه: الوضوء على سبيل الوجوب؛ فمنسوخ بحديث ابن عباس وغيرِه مما يُذْكَرُ بعد هذا: "وما مسته النار" هو الذي أَثَّرت فيه النار وغَيَّرَتْه، كاللَّحم والدبس والسكر والسَّوِيق والخبز، وغير ذلك.
وذهب بعضُ أهلِ العِلْم إلى إيجاب الوضوءِ مما مسَّتْه النار، وكان عمر بن عبد العزيز يتوضَّأُ من أَكْلِ السُّكَّر.
* * *
٢٠٧ - وعن جابر بن سَمُرة ﵁: أنَّ رَجُلًا سألَ رسولَ الله ﷺ : أنتوضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قالَ: "إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وإن شِئْتَ فَلا"، وقال: أَنَتَوضَّأُ مِن لُحُومِ الإبِلِ؟، قالَ: "نعم". قال: أُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ؟ قال: "نعم"، قال: أُصَلِّي في مبارِكِ الإِبِلِ؟ قال: "لا".
قوله: "أَتَوَضَّأُ من لحوم الغنم"، أصله: أأتوضأ بهمزتين، الأُولى همزة
стр. 400
الاستفهام، والثانية همزة نَفْسِ المتكلِّم، فحُذفت همزةُ الاستفهام؛ لدلالة الحالِ عليها، وكذلك في قوله: "أتوضَّأُ من لحوم الإبل".
وفي بعض النسخ: (أيتوضَّأُ) بالياء بعد همزة الاستفهام، وهذا غَلطٌ؛ لأنا طلَبنا هذا الحديث في "الصحاح"، وكان بالهمزة، ولم يكن بعد الهمزة ياء.
والوضوء من أكل لحم الإبل واجبٌ عند أحمدَ بن حنبل، وأما عند أكثر الفقهاء؛ فالمراد: غَسْلُ الكَفَّين.
وإنما أمر رسول الله ﵇ بغسل الكفين من أَكْلِ لَحْمِ الإبل؛ لأن له رائحةً كريهةً، بخلاف لَحْمِ الغنم.
قوله: "أأصلي في مرابض الغنم"، (المرابض): جمع مَربِض، بفتح الميم وكسر الباء، وهو موضع الرُّبُوض، والرُّبُوض للغنم كالاضطجاع للإنسان، وكالبُرُوك للجمل.
و (المبارك): جمع مَبْرَك، بفتح الميم والراء وهو موضع البُرُوك، يعني: الصلاة في موضعٍ يكونُ فيه الغنم غيرُ مكروه، وفي موضع الإبل مَكْرُوه؛ لأن الرجلَ لا يَأمَنُ من نِفَار الإبل، فيلحقُه منها صَدْمة، فلا يكونُ له حضورٌ في الصلاة، وهذا الخوف لا يكون من الغنم.
وكنية جابر: أبو عبد الله، وقيل: أبو خالد، واسم جده: عمرو بن جُنْدب.
* * *
٢٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولَ الله ﷺ : "إذا وجدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شيئًا فَأَشْكَلَ عليهِ، أخَرَجَ منهُ شيءٌ أمْ لا؟ فلا يخرُجَنَّ مِنَ المَسجِدِ حتى يسمَعَ صَوْتًا أو يجدَ ريحًا".
стр. 401
قوله: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا"، يعني: إذا تردَّدَ في بطنه ريحٌ، وشَكَّ: هل خرجَ منه ريحٌ أو لم يخرج؟، الهمزة في (أَخَرَجَ) للاستفهام.
قوله: "فلا يَخْرُجَنَّ من المسجد"، يعني: إذا شكَّ هل بطل وضوؤه أم لا؟ فلا يخرُجَنَّ من المسجد للتوضُّؤ؛ لأنه لا يبطل وضوءه؛ لأن الوضوء كان متيقنًا؛ فلا يبطل بالشك.
قوله: "حتى يسمع صوتًا"، أي: صوتَ ريحٍ خرجَ منه.
قوله: "أو يجد ريحًا"، أي: رائحةَ ريحٍ خرجَ منه، يعني: حتى يتيقَّن بُطْلَانَ وضوئه.
* * *
٢٠٩ - وقال عبد الله بن عباس ﵄: إنَّ رسولَ الله ﷺ شَرِبَ لَبنًا، فمَضْمَضَ وقال: "إنَّ لهُ دَسَمًا".
قوله: "فمَضمَضَ"، أي: غَسَلَ فمه.
"وقال: إن له دسمًا"، أي: إنما غسلتُ فمي؛ لأن لِلَّبن دسمًا؛ أي: زُهُومَةً وأثرًا في الفم، فالسُّنَّةُ غَسْلُ اليدين والفمِ عند أكلِ شيءٍ له زُهومةٌ وبقاء أثر في الفم واليد.
* * *
٢١٠ - عن بُرَيدَة: أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى الصَّلواتِ يومَ الفَتْح بِوُضُوءٍ واحدٍ، ومسحَ على خُفَّيْهِ.
قوله: "صلى الصلوات"، الألف واللام فيها لاستغراق الجنس، و"يوم الفتح": نصب على الظرف، يعني: صلى جميع الصلوات المفروضة والمسنونة في يوم فتح مكة بوضوءٍ واحد، وهذا دليلٌ على أنَّ مَنْ قَدِرَ أنَّ يصلِّيَ صلواتٍ كثيرةً
стр. 402
بوضوء واحدٍ لا تُكرَهُ صلاتُه بشرط ألَّا يغلبَ عليه البولُ أو الغائط، فإن غَلبَا عليه تُكْرَهُ صلاتُه.
قوله: "ومسح على خفيه"، دليلٌ على جواز المَسْحِ على الخُفَّين.
كنية بُرَيْدَة: أبو عبد الله، واسم أبيه: الحُصَيْبُ بن عبد الله بن الحارث.
* * *
٢١١ - وعن سُويد بن النُّعمان: أنَّهُ خرجَ معَ رسولِ الله ﷺ عامَ خيبرَ حتَّى إذا كانوا بالصَّهْبَاءِ - وهيَ أدنى خَيْبر - نزلَ، فصلَّى العصرَ، ثمَّ دعا بالأزْوادِ فلم يُؤْتَ إلَّا بالسَّويقِ، فَأَمرَ بِهِ فثُرِّيَ، فأَكَلَ رسولُ الله ﷺ وأكَلنا، ثمَّ قامَ إلى المَغربِ فَمَضْمَضَ ومَضْمَضْنَا، ثمَّ صلَّى ولم يَتوضَّأْ.
قوله: "كانوا"، أي: كان رسول الله ﵇ وأصحابه ﵃.
"بالصَّهْباء"، أي: نازلين وحاصِلين بهذا الموضع.
"أدنى خَيْبر"، أي: قريبٌ من خيبر، و (أدنى): أفعل التفضيل، كأن معناه: أقربُ قُرَى خيبر إلى خيبر.
قوله: "ثم دعا بالأَزْواد"، أي: طلب ما كان معهم من الزاد ليأكلوا.
"فلم يُؤْتَ إلا بالسَّوِيق"، أي: فلم يَحْضُر إلا بالسَّوِيق.
"فأمر به"، أي: فأمر رسول الله ﵇ القومَ ببَلِّ السَّوِيق.
"ثُرِّيَ": ماضٍ مجهولٌ من ثرَّى يثرِّي تثرية: إذا بل السَّوِيقَ وغيرَه، وإنما بلَّ رسولُ الله ﵇ السَّوِيقَ؛ لأنَّ المبلولَ أسهلُ في الأكل وأنفَعُ.
جَدُّ سُويد: مالك بن عائذ بن مَجدَعة بن جُشَم بن حارثة، وهو أنصاري.
* * *
стр. 403
٢١٢ - وقال: "لا وُضُوءَ إلَّا مِنْ صَوْتٍ أو رِيحٍ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "لا وضوء"، أي: لا وضوء واجبٌ على الرجل إلا إذا سمعَ صوتَ ريحٍ خرجَ منه.
"أو ريح"، أي: رائحة ريحٍ خرجَ منه، يعني: لا يَبْطُلُ الوضوءُ إلا بيقينٍ، وسماعُ الصوتِ ووجدانُ الريحِ غيرُ مشروطين؛ لأن الرجلَ قد يكون أصمَّ فلا يَسْمَعُ الصوتَ، وقد يكون أَخْشَمَ، وهو الَّذي في أنفه انسدادٌ لا يدرِكُ الشَّمَّ.
وليس معنى هذا الحديث: أنه لا يبطلُ إلا بالصوت أو بالريح، بل مبطلاتُ الوضوء أكثرُ من هذا كما ذكر في كتب الفقه.
وإنما معنى هذا الحديث: أنه لا يبطلُ الوضوءُ بالشك.
* * *
٢١٣ - وقال: "مِنَ المَذْيِ الوُضوءُ، ومِنَ المَنيِّ الغُسْلُ"، رواه علي.
قوله: "من المذي ... "، إلى آخره.
أي: من خروج المَذْيِ يجب التوضُّؤ، ومِن خروج المَنِيِّ يجبُ الاغتسال.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢١٤ - وقال: "مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وتحريمُهَا التَّكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ"، رواه علي.
قوله: "مفتاح الصلاة"، و (المفتاح): ما يُفْتَحُ به الباب، وهو سببُ دخولِ الدار، يعني: سببُ الدخولِ في الصلاة: الوضوءُ.
стр. 404
التحريم: الدخول في الصلاة.
قوله: "وتحريمها التكبير"، يعني: لا يجوزُ الدخول في الصلاة إلا بقول: (الله أكبر) مقارَنًا بالنية، وسُمي الدخولُ في الصلاة تحريمًا؛ لأنه يحرِّمُ الكلامَ والضربَ والمشيَ والأكلَ وغيرَ ذلك على المصلِّي.
التحليلُ: جَعْلُ شيءٍ محرَّمٍ حلالًا.
قوله: "وتحليلها التسليم"، يعني: الخروج من الصلاة يكون بالتسليم، والتسليم من الصلاة واجبٌ عند الشافعي، ومستحَبٌّ عند أبي حنيفة ﵄، وعنده: إذا جلسَ في آخر الصلاة بقَدْر التشهُّد، ثم فعل ما يناقِضُ الصلاةَ كالكلام، وإبطال الوضوء وغير ذلك؛ فقد تمَّتْ صلاتُه، ولا حاجةَ إلى التسليمِ عنده.
* * *
٢١٥ - وقال: "إذا فَسَا أحدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
قوله: "إذا فسا"، فسا يفسو فَسْوًا: إذا خرجَ الريحُ التي لا صوتَ لها من أسفل الإنسان.
رواه علي بن أبي طالب ﵁.
* * *
٢١٦ - وقال: "وِكاءُ السَّهِ العَيْنَانِ فمَنْ نامَ فَلْيَتَوضَّأ"، رواه علي ﵁.
قال الشيخ الإمام ﵀: وهذا في غير القاعد لِمَا صحَّ:
قوله: "وكاء السَّهِ العينان"، (الوِكَاءُ) بكسر الواو: ما يُشَدُّ به رأسُ الكيس وغيره، و (السَّهُ): الدُّبُر، وأصلُه: سَتَهٌ بفتح السين والتاء فحُذِفَت التَاءُ، يعني: حِفْظُ الدُّبُر من خروج الريحِ إنما يكونُ إذا كان الرجلُ يقظانَ، وليس بنائم، فأما
стр. 405
إذا نام فليتوضأ؛ لأنه ربما خرجَ منه ريحٌ، وليس له علم بذلك.
(قال الشيخ)، أراد بالشيخ محيي السنة، قوله: (هذا في غير القاعد)؛ يعني: هذا الحكمُ الذي إذا نام الرجلُ فلْيتوضَّأْ فيمن نامَ مضطجِعًا، فأمَّا مَن نام قاعدًا ممكِّنًا مَقْعَدَه من الأرض، ثم استيقظ ومقعده مُمَكَّنٌ من الأرض كما كان، فلا يبطلُ وضوؤه، وإن طال نومه؛ لأن أصحاب رسول الله ﵇ ورضي الله عنهم - يجلسون في انتظار صلاة العشاء، وينامون قاعدين حتى تَخْفِقَ رؤوسهم من النوم، ثم يصلُّون بذلك الوضوء، ولا يجدِّدون الوضوء.
* * *
٢١٨ - عن أنس قال: كانَ أصْحابُ النبي ﷺ ينتظِرُونَ العِشَاءَ، فينامُونَ حتَّى تخفِقَ رُؤوسُهم، ثم يُصلُّونَ ولا يتوضَّؤُونَ.
"خَفَقَ"، بفتح العين في الماضي، وضمَّها وكسرِها في الغابر، خَفَقَانًا: إذا تحرَّكَ العلم والشجر يمينًا وشمالًا من الريح ها هنا: مَيْلُ الرأس إلى كلِّ جانبٍ من النوم.
* * *
٢١٩ - وعن ابن عباس ﵄، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ الوُضوءَ على مَنْ نامَ مُضْطَجعًا، فإنَّهُ إذا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ".
قوله: "إن الوضوء"، يعني: وجوب التوضُّؤ على النائم الَّذي ينام، وهو راقدٌ ومضجع على جنبه؛ لأنه إذا اضطجعَ على جنبه فَتَرتْ وضَعُفَتْ أعضاؤه، وانفتح مقعدُه، فحينئذ لو خرج منه شيءٌ لم يعلمْ بخروجه، بخلاف ما إذا نام ومقعده ممكَّنٌ من الأرض.
стр. 406
قوله: "استرختْ مفاصلُه"، استَرْخَى يَسْتَرْخِي: إذا فترَ وضعف.
(المفاصل): جمع مِفْصَل، وهو رؤوس العظام والعُرُوق، وهو معروف.
* * *
٢٢٠ - وعن بُسْرةَ ﵂ قالتْ: قال ﷺ : "إذا مسَّ أحدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ".
قوله: "إذا مسَّ أحدُكم ذكرَه"، واعلم أنَّ العلماء اختلفوا في انتقاض الوضوء بمسِّ الفَرْج:
فقال الشافعي ﵁: إذا مسَّ الرجلُ ذَكَرَه أو ذَكَرَ غيرِه ببطنِ الكفِّ والأصابع يبطُلُ وضوؤه، وكذلك المرأة إذا مَسَّتْ فَرْجَ نفسِها، أو فرَج امرأةٍ غيرِها يبطُلُ وضوؤُها، وكذلك مذهب أحمد.
إلا أنه يقول: المَسُّ بظهر الكفِّ وبالساعد مبطلٌ أيضًا.
وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: مَسُّ الفَرْجِ لا يُبطِلُ الوضوء.
بُسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد، وهي قرشية.
* * *
٢٢١ - وما رُوي عن طَلْق بن عليٍّ: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عنهُ فقال: "هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعةٌ مِنْكَ؟ "، منسوخٌ؛ لأن أبا هريرة ﵁ أسلَم بعد قُدوم طَلْق.
قوله: "سئل عنه"، أي: عن الذكر، يعني: سئل: هل يبطلُ الوضوءُ بمسِّ الذكر؟ فأجابه رسول الله بقوله: "هل هو إلا بَضعةٌ مِنْك".
(البَضعة) بفتح الباء: قطعةُ لحمٍ، يعني: لا يَبطلُ الوضوءُ بمسِّ الذَّكَر كما لا يَبطُلُ بمسِّ سائر الأعضاء، ولأنه قطعة منه كالخِصية والفَخِذ وغيرهما.
стр. 407
أفضى: إذا وصل، وأفضى به: إذا أوصله.
* * *
٢٢٢ - وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا أَفْضَى أحدُكُمْ بِيَدِهِ إلى ذكَرِهِ ليسَ بينَهُ وبينها شيءٌ فليتوضَّأْ".
قوله: "ليس بينه"، أي: بين ذَكَرٍ وبينَها، أو بين يدِه، "شيءٌ"؛ أي: ثوبٌ أو غيره، يعني: إذا أوصلَ يدَه إلى ذَكَرهِ من غير حاجزٍ فليتوضَّأْ.
قول محيي السنة في حديث طلق: أنه منسوخٌ، إنما قال هذا؛ لأن الخَطَّابيَّ هكذا قال، ودليلُ كونه منسوخًا أن طلقَ بن عليٍّ أتى رسولَ الله ﵇ حين [كان] يبني مسجد المدينة، وبنيَ في السنة الأولى من الهجرة، وأسلم أبو هريرة عام خيبر، وهو في السَّنَة السابعة من الهجرة.
وقد روى أبو هريرة: "إذا أفضى أحدكم ... " إلى آخره.
فحديث أبي هريرة يَحْكُمُ ببطلان الوضوء بمسِّ الذَّكَر، وحديث طَلْقٍ يحكُمُ بأنه لا يبطلُ الوضوءُ بمسِّه، وهما متناقضان، وكل حديثين متناقضين يكون المتأخِّرُ منهما ناسخًا للمتقدِّم.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يحتمل أنَّ طَلْقَ بن عليًّ عاد إلى رسول الله ﵇ بعد إسلام أبي هريرة؛ فعلى هذا التقدير يكونُ حديثُ طَلْقٍ ناسخًا لحديث أبي هريرة، فقد تعارضَ احتمالُ كَوْنِ حديثِ طَلْقٍ ناسخًا ومنسوخًا.
واذا تعارضَ الاحتمالان سقطَ الاحتجاجُ بحديثِ طَلْقٍ وأبي هريرة كليهما.
ونعود إلى قول الصحابة، فنعملُ بقولهم.
وقول علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفةَ وعمارِ بن ياسر ﵃ أجمعين: أنه لا يبطل الوضوء بمسِّ الذكر؛ فوافقَ قولُ أبو
стр. 408
حنيفةَ أقوالَ هؤلاء من الصحابة.
وقال عمر وابنه وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وعائشة: إنه يَبْطُلُ الوضوءُ بمسِّه؛ فوافق الشافعيُّ أقوالَ هؤلاء.
وجَدُّ طلق بن علي: طلق بن عمرو.
وقيل: بل جده قيس بن عمرو الحنفي اليماني.
* * *
٢٢٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: كانَ النبيَّ ﷺ يُقَبِّلُ بعضَ أزواجِهِ، ثُمَّ يُصلِّي ولا يتوضَّأْ. ضعيف.
قوله: "يقبل بعض أزواجه"، واعلمْ أنَّ العُلَماء اختلفوا في بطلان الوضوء بلمس النِّساء؛ فقال أبو حنيفة ﵀: لا يبطل الوضوءُ بلمس النساء بدليل هذا الحديث.
وقال الشافعي وأحمد: يبطلُ الوضوء بلمس النساء الأجنبيات.
وروي هذا القول عن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن مسعود.
وعند مالك: يبطل إذا لمسَ بالشهوة، فإن كان بغير شهوةٍ فلا يَبْطُل.
* * *
٢٢٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: أكلَ رسولُ الله ﷺ كَتِفًا، ثمَّ مسحَ يدَهُ بمِسْحٍ كانَ تحتَهُ، ثمَّ قامَ وصلَّى.
قوله: "أكل رسول الله ﵇ كَتِفًا": أراد به كَتِفَ شاةٍ مشويًّا.
(المِسح): بكسر الميم: كساء.
وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ أَكْلَ ما مسَّته النارُ لا يبطلُ الوضوءَ.
* * *
стр. 409
٢٢٥ - وعن أُم سلمة ﵂: أنَّها قرَّبتْ إلى النبيِّ ﷺ جَنْبًا مَشْوِيًّا، فأَكلَ منهُ، ثمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ وما توضَّأَ منه.
قوله: "جنبًا مشويًا"، أي: جنب شاةٍ مشوي.
وهذا الحديث أيضًا يكون صريحًا في نسخ توضُّؤ مما مسَّته النار.
"أم سلمة" زوجة النبي ﵇، واسمها: هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية.
* * *
٣ - باب أَدَب الخَلاءِ
(باب أدب الخلاء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٢٦ - عن أبي أَيُّوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتُمُ الغائطَ فلا تستقبِلُوا القِبلَةَ، ولا تَسْتَدْبِرُوهَا، ولكنْ شرِّقُوا أو غرِّبُوا".
قال المصنف: هذا الحديث في الصَّحراء، أما في البنيان فلا بأْس به، لِمَا رُوي:
قوله: "إذا أتيتم الغائط"، (الغائط): ما يخرجُ من دُبُرِ الإنسان.
"شرقوا"؛ أي: وجِّهوا وجوهَكم إلى الشرق، "أو غرَّبوا"؛ أي: وجَّهوا وجوهكم إلى الغرب، يعني: إذا جلستم لقضاء الحاجة فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن استقبلوا يمينَ القِبلة أو يسارَها.
اسم أبي أيوب: خالد بن كُليب بن ثعلبة بن عبد مناف.
قوله: "هذا في الصحراء"، يعني: النهيُ عن استقبال القبلةِ واستدبارِها
стр. 410
عند قضاءِ الحاجةِ يكونُ في الصحراءِ, إما إذا كان في بيتٍ، أو من وراء جدار؛ فلا بأس؛ لأن عبد الله بن عمر ارتقى؛ أي: صعد فوق بيت أخته حفصة، وهي زوجة النبي ﵇، فرأى رسولَ الله ﵇ يقضي حاجَته.
* * *
٢٢٧ - عن عبد الله بن عُمر ﵄ قال: ارْتَقَيْتُ فوقَ بيتِ حَفْصَةَ بنت عمر لبعضِ حاجَتي، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ يَقْضي حاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُستقبِلَ الشَّأْمِ.
"مستدبر القبلة"، أي: مستقبل الشام؛ أي: مستقبل بيت المقدس، وذلك كان في بنيان.
فعند الشافعي: استقبالُ القبلة واستدبارها غيرُ محرَّمٍ في البنيان.
وعند أبي حنيفة ﵀: يستوي الصحراء والبنيان في تحريم استقبال القبلة أو استدبارها.
* * *
٢٢٨ - وقال سلمان ﵁: نَهانا - يعني رسولَ الله ﷺ أنْ نستقبِلَ القِبلَةَ بغائطٍ أو بَوْلٍ، أو أنْ نستنجِيَ باليمينِ، أو أنْ نستنجيَ بأقلَّ مِنْ ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نستنجِيَ برَجِيعٍ أو عظمٍ.
قوله: "نهانا ... " إلى آخره.
(أو) في هذا الموضع ليس للشك، بل للعطف، ومعناه معنى الواو، يعني: نهانا عن جميع هذه الأشياء، والنهيُ عن الاستنجاء باليمين نهيُ تنزيهٍ وكراهة، لا نهيُ تحريم.
стр. 411
والاستنجاء بثلاثة أحجار واجبٌ عند الشافعي، فلو حصلَ النَّقَاء بأقلَّ من ثلاثة أحجار؛ لزمه استعمالُ تمام ثلاثة.
وعند أبي حنيفة: فلو حصلَ النقاءُ بواحدٍ واثنين لا حاجة إلى استعمال الزيادة.
(الرجيعُ): السِّرْجِينُ، سُمِّيَ رَجِيعًا؛ لرجوعه من حال الطهارة إلى حال النجاسة، هكذا ذكر الخَطَّابي.
وأما (العَظْم): ذكر الخطابي أنه لا يجوز الاستنجاءُ بعظم ميتةٍ ولا مُذَكَّاة.
قيل: في علة النهي عن الاستنجاء بالعظم أنه أملسُ لا يُزيلُ النجاسة.
وقيل: علته أنه يمكن مصُّه أو مضغه عند الحاجة؛ فهو مطعوم.
وقيل: لأن النبي ﵇ قال في العظم: "زاد إخوانكم من الجن".
كنية سلمان: أبو عبد الله، وهو مولى رسول الله، ويعرف سلمان الخير، وهو من الفارس، وقيل: هو من أصفهان من رام هرمز، من قرية يقال لها: حَجْر.
* * *
٢٢٩ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ أنْ يَدخلَ الخَلاءَ قال: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِثِ".
قوله: "من الخبث والخبائث"، (الخُبُث) بضم الباء: جمع خبيث، وهو المؤذي من الجِنِّ والشياطين.
والخُبْثُ بسكون الباء: الشرُّ.
ويجوز أن يكون الخُبْث - بسكون الباء - مثلَ الخُبُث بضمها؛ لأنه يجوز
стр. 412
إسكان العين من (فعل) مضمومة الفاء والعين للتخفيف.
وأما الخبائث: جمع خبيثة، وهي الأنثى المؤذيةُ من الجن.
وإنما عاذ رسول الله من الجن والشياطين عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء مأوى الشياطين والجن.
* * *
٢٣٠ - وقال ابن عباس ﵄: مَرَّ النبيُّ ﷺ بقبرَيْنِ فقال: "إنَّهما يُعذَّبان، وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ، أما أحدهما فكانَ لا يستبرِئُ مِنَ البَوْلِ - ويروى: لا يستنْزِهُ مِنَ البَوْلِ - وأما الآخرُ فكانَ يمشي بالنَّمِيمةِ"، ثمَّ أخذَ جَريدةً رطبةً فشقَّها بنصفَين، ثمَّ غرزَ في كُلِّ قبرٍ واحدةً، وقال: "لَعَلَّهُ أنْ يُخفِّفَ عنهُمَا ما لمْ يَيْبَسَا".
قوله: "وما يعذبان في كبير"، (الكبير): الثقيلُ والشديد، يعني: يعذَّبان بسبب ذنبين لم يكن احترازه منهما ثقيلًا؛ لأنه لو كان شيئًا يَشُقُّ عليه الاحترازُ منه؛ لكان معذورًا فيه، ولم يكن له عذابًا، كسَلِسِ البول والمستحاضة؛ فإن ثوبيهما نَجِسان يُصَلِّيان معهما، ولم يكن لهما بذلك إثمٌ؛ لأنهما يشقُّ عليهما الاحترازُ من النجاسة.
ولا يجوز أن يقال: المراد بالكبير ها هنا: الكبيرة من الذنوب؛ لأنه حينئذ يكون معناها: أن النميمة وتركَ الاحتراز من البول ليسا من الكبائر في حقِّ الذي لا يستبرئ ولا يسْتَنْزِه، ومعناهما: لا يحترز ولا يُبْعِدُ من البول.
قوله: "يمشي بالنميمة"، يعني: يمشي إلى كل واحد من الشخصين اللَّذَين بينهما عداوة، ويلقي بينهما العداوة بأن ينقلَ إلى كلِّ واحدٍ منهما ما يقولُ الآخر من الشَّتْم والإيذاء.
стр. 413
قوله: "ثم أخذ جريدة رطبة"، (الجريدة): غصنُ النخل، يعني: أخذ رسول الله ﵇ جريدةً رطْبةً فشقَّها نصفين، فغرز كل نصف على قبر وقال: "لعله أن يخفِّف" ويُزالَ عنهما العذابُ ما دام هذان النِّصفان رَطْبين.
وسبب تخفيف العذاب عنهما "ما لم ييبسا": أنه ﵇ سألَ الله أنَّ يخفَّفَ عنهما العذاب هذا القَدْر؛ لوصول بركته إليهما؛ لأنه رحمةٌ، لا يمرُّ بموضع إلا أصابه بركتُه، وليس تخفيفُ العذاب عنهما بخاصية الجَرِيد الرَّطْب؛ لأن الجَمَاداتِ ليس بعضُها أولى من بعض، فالرَّطْبُ مثلُ اليابس.
وإنما الفضيلة بتفضيل الله بعضَ الجمادات كالكعبة والمساجد، ولم يثبُتْ نصٌّ في تفضيل الرَّطْب على اليابس، هكذا ذكر الخَطَّابي وغيرُه من فحول العلماء.
* * *
٢٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقُوا اللَّاعِنِينَ"، قالوا: وما اللَّاعِنَانِ يا رسول الله؟ قال: "الَّذي يتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو في ظِلِّهِمْ".
قوله: "اتقوا"، أي: احذروا واجتنبوا.
"اللَّاعِنَين"، أي: الأمرَين اللذين هما سببا اللعنة، يعني: احذروا أن تفعلوا هذين الشيئين.
سُمِّيَ الشيءُ الَّذي هو سببُ اللَّعنةِ لاعنًا؛ لأنه إذا حصلت اللعنة بسببه، فكأنه هو اللاعن.
قوله: "الَّذي يتخلّى"، ها هنا: المضاف محذوف، يعني: أحدُهما تَغَوُّطُ الَّذي يَتَغوَّطُ في طريق الناس، والثاني: تَغَوُّطُ الَّذي يَتغوَّطُ في ظِلِّهم.
стр. 414
(التخلِّي): التغوُّطُ، والمراد بـ (الظلِّ) ها هنا: الظِّلُّ الَّذي يجلس فيه الناس للتحدث، إما ظلُّ شجر، أو جدار بعيد لا يجلسُ فيه الناس، ولا يمرُّون به، يجوز التغوُّطُ فيه إذا لم يكنْ تحت شجرة مثمرةٍ.
* * *
٢٣٢ - وقال ﷺ : "إذا شَرِبَ أحدُكُم فلا يتنفَّسْ في الإِنَاءِ وإذا أَتى الخَلاءَ فلا يَمسَّ ذكرَهُ بيمينِهِ، ولا يتمسَّحْ بيمينِهِ"، رواه أبو قَتادة.
قوله: "فلا يتنفس"، أي: فلا يخرجْ نفسَه في الظَّرْف، بل إذا أراد التنفُّسَ، فليَدْفَعْ فمَه عن الإناء ويتنفس ويستريح، ثم يشرب.
وعلةُ النهي عن التنفس في الإناء؛ لتغيُّرِ ما في الإناء بنفسه.
قوله: "فلا يمسَّ ذكَره بيمينه"، يعني: لا يضع يده اليمنى على ذَكَره، ولا يأخذه بيمينه عند الاستنجاء وغيره؛ لأن اليد اليمنى شريفة لا يستعملُها إلا في المواضع الشريفة، كالوجه والرأس وغيرهما.
قوله: "ولا يتمسحْ بيمينه"، أي: ولا يستنجِ بيمينه.
فإن قيل: كيف يستنجي بالحَجَر؛ فإنْ أخذَ الحجر بشماله، والذَّكَر بيمينه؛ فقد مسَّ ذكَره، وهو منهيٌّ، وإن أخذَ الحَجَر بيمينه، وأخذ الذَّكَر بشماله؛ فقد يَمْسَحُ بيمينه، وهو منهي.
قلنا: طريقه أن يأخذ الذَّكَر بشماله، ويمسحَه على جدار أو حجر كبير بحيث لا يستعمل يمينه، لا في أخذ الذَّكَر، ولا في أخذ الحَجَر.
واسم "أبي قتادة": الحارث بن رِبْعي الأنصاري.
* * *
стр. 415
٢٣٣ - وقال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ"، رواه أبو هريرة ﵁.
قوله: "فليستنثر"، أي: فليخرِجْ نَفَسَه من أنفه عند الاستنشاق حتى يخرجَ ما فيه من المخاط والتغيُّر.
قوله: "استجمر"، أي: استنجى بالجَمْرَة، وهي الحجر.
"فليوتر"، أي: فليستنجِ وِتْرًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، (أوتر): إذا جعل الشيء وِتْرًا.
* * *
٢٣٤ - وقال أنس ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يدخلُ الخَلاءَ, فأَحمِلُ أنا وغُلامٌ إداوَةً مِنْ ماءٍ وَعَنَزَةً، يستنجي بالماءِ.
قوله: "يدخل الخلاء"، (الخلاء) بالمدِّ: الموضعُ الَّذي يقضي الإنسانُ فيه حاجتَه.
"فأحمل أنا وغلام"، يعني: أحملُ أنا الإداوةَ، والغلامُ العَنَزَة، أو أحملُ أنا العَنَزَة، والغلامُ الإداوةَ.
(الإداوة): ظَرفٌ من جِلْدٍ يتوضَّأُ منه.
العَنَزَةُ بفتح العين والنون: رمحٌ قصيرٌ، وإنما يَحْمِلُ العَنَزَة معه؛ ليحفر الأرضَ، ويُليِّنَ التراب؛ ليبولَ في موضعٍ لَيِّن، كيلا يصيبَه الرَّشَاش.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٥ - عن أنس ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا دخلَ الخلاءَ نزَعَ خاتَمَهُ. غريب.
стр. 416
(من الحسان):
قوله: "نزع خاتمه"، أي: أخرجَ خاتمه من إصبَعه قبلَ دخوله الخَلاء؛ لأن اسمَ الله مكتوبٌ عليه.
* * *
٢٣٦ - وقال جابر ﵁: كان النبيُّ ﷺ إذا أرادَ البَرَازَ انطلقَ حتَّى لا يراهُ أَحَدٌ.
قوله: "إذا أراد البَراز"، (البَراز) بفتح الباء: الذهابُ إلى قضاء الحاجة.
"انطلق"، أي: ذهبَ، يعني: إذا أراد الخروج إلى قضاءِ الحاجة في الصحراء أَبْعَدَ في المشي، حتى وصل إلى موضعٍ لا يراه أحدٌ، ثم يجلس.
* * *
٢٣٧ - وقال أبو موسى: كنتُ معَ النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ، فأرادَ أنْ يبولَ، فأتى دَمْثًا في أصلِ جِدارٍ فبالَ، ثم قال: "إذا أرادَ أحدُكُمْ أنْ يبولَ فليرتَدْ لبَولِهِ".
قوله: "ذات يوم"، أي: يومًا، و (الذات): زيادة.
"فأتى دَمِثًا" الدَّمِثُ: الموضع اللَّيِّن، يعني: جلس في موضعٍ لَيِّنٍ في أصل جدار، فبال، ولم يجلِسْ في موضعٍ صُلْبٍ كيلا يصيبَه الرَّشَاش، وذلك الجدار لم يكن ملكًا لأحد، بل كان عاديًّا؛ أي: كان للكفار الماضية، وإنما لا يجوزُ أن يكونَ مُلْكَ مُسلِمٍ؛ لأن البولَ يَضُرُّ الجدارَ؛ لأن البولَ مالحٌ يجعلُ الترابَ سَبِخًا، ويجعله خَرِبًا، ولا يجوز الإضرارُ بملك المسلم من غير إذن مالكه.
стр. 417
قوله: "فليرتَدْ لبوله"، ارتاد يرتادُ: إذا طلبَ، وهو افتعالٌ مِن رادَ يَرُودُ رَوْدًا: إذا طلب، يعني: ليطلبْ موضعًا ليِّنًا للبَوْل، كيلا يرجعَ إليه الرَّشَاش.
* * *
٢٣٨ - وقال أنس ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أرادَ الحاجةَ لمْ يَرْفعْ ثوبَهُ حتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرضِ.
قوله: "إذا أراد الحاجة"، يعني: إذا أراد قضاءَ الحاجة لم يكشِفْ عورتَه، حتى يقرُبَ من الأرض، ويستوي فيها الصحراءُ والبنيان؛ لأن رَفْعَ الثوبِ كَشْفٌ للعورة، وكشفُ العورة لا يجوزُ في الخَلْوة والصحراء، إلا عند الحاجة والضرورة.
ولا ضرورةَ في رَفْع الثوب قبل أنَّ يقرُبَ من الأرض عند الجلوس لقضاء الحاجة.
* * *
٢٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّما أنا لَكُمْ مِثْلُ الوالِدِ، فإذا ذَهَبَ أحدُكُمْ إلى الغائِطِ فلا يستقبِلَ القِبْلَةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها لغائطٍ ولا لِبَوْلٍ، ولْيستنْج بِثلاثةِ أحجارٍ"، ونهى عَنِ الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، وأنْ يستنجِيَ الرَّجُلَ بيمينِهِ.
فوله: "إنَّما أنا لكم مثلُ الوالد"، يعني: أنا لكم مثلُ الأبِ في الشفقة والرحمة، وتعليمِكم الخير، وما فيه صلاحُ دينكم ودنياكم.
ويحتمل أنه إنما قال هذا؛ ليحصلَ بينهم وبينه انبساطٌ، ويرتفعَ عنهم الحياءُ الذي يمنعُهم عن سؤال المسائل الدينية.
قوله: "ونهى عن الرَّوْثِ والرِّمَّة"، (الروث): السِّرْجِينُ، و (الرِّمَّة) بتشديد
стр. 418
الميم: العظم البالي، والمراد بالرِّمَّةِ هنا: مطلَقُ العَظْمِ باليًا أو غير بالٍ، يعني: نهاهم عن الاستنجاء بشيءٍ نَجِسٍ، وبالعَظْم.
* * *
٢٤٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَتْ يدُ رسولِ الله ﷺ اليُمنى لطُهورِهِ وطَعامِهِ، وكانتْ يدُهُ اليُسْرى لخلائِهِ وما كانَ مِنْ أذَى.
قوله: "كانت يدُ رسول الله ﵇ اليمنى"، يعني يستعملُ رسولُ الله يدَه اليمنى فيما لا خِسَّةَ فيه؛ كالوضوء والأكل والشرب وغير ذلك، ويَستعملُ يدَه اليسرى فيما فيه خِسَّةٌ كالاستنجاء وغَسْلِ النجاسة وغَسْلِ القدمين، وغيرِ ذلك.
والمراد بقولها: "وما كان من أذى"، ما كان فيه خِسَّةٌ كما قلنا.
* * *
٢٤١ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "إذا ذهبَ أحدُكُمْ إلى الغائطِ فليذْهَبْ معَهُ بثلاثةِ أحجارٍ يَسْتَطِيب بهنَّ، فإنَّها تُجْزِئُ عنْهُ".
قوله: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط"، (الغائط): الموضعُ المنخفِض، والمراد منه هنا: الخلاءُ، سمِّيَ الخلاءُ غائطًا لأنَّ عادةَ أهل الصَّحَارى قضاءُ حوائجهم من التغوُّطِ في الموضع المنخفِضِ كيلا يراهم أحد، والغائطُ أيضًا: الحَدَث.
أطلقوا اسمَ الموضع المنخفض - وهو الغائط - على الحدث الَّذي يخرجُ منهم في ذلك الموضع، والباء في "بثلاثة أحجار" للتعدية، يعني: فليأخذْ بثلاثة أحجار.
стр. 419
"يستطيب بهن"، أي: يستنجي بهن، "فإنها"، أي: فإن الأحجار الثلاثة "تجزئ"، أي: تكفي عنه؛ أي: عن الاستنجاء، ولا حاجةَ له إلى الاستنجاء بالماء.
* * *
٢٤٢ - وقال ﷺ : "لا تَسْتَنْجُوا بالرَّوْثِ ولا بالعِظامِ، فإنَّها زادُ إخوانِكُمْ مِنَ الجنِّ"، رواه ابن مسعود ﵁.
قوله: "لا تستنجوا بالرَّوْث ولا بالعظام، فإنه زادُ إخوانكم"، (الرَّوْثُ): السِّرْجِينُ، وشرح هذا الحديث يُعلَمُ من حديثٍ آخرَ.
وهو: أن ابن مسعود ﵁ روى: أن جماعةً من الجِنِّ أتوا رسول الله ﵇، وقالوا: يا رسول الله! اِنْهَ أمتَك أنَّ يستَنْجُوا بالرَّوْث والعَظْم والحُمَمة، فإن الله جعل لنا فيها رزقًا، فنهى النبي ﵇ عن الاستنجاء بها.
فقد وجدنا في "دلائل النبوة" التي صنفها الحافظ أبو نعيم رحمة الله عليه: أن الجنَّ قالوا لرسول الله ﵇ ليلةَ الجن: أعطِنا هديةً، فقال رسول الله ﵇: "أعطيتُكم العَظْم والرَّوْث".
فإذا وجد الجِنُّ عظمًا أو روثًا جُعِلَ العَظْمُ كأنْ لم يؤكلْ منه لحم، فيأكلُه الجِنُّ، وجُعِلَ الرَّوْثُ شعيرًا إن كانت تلك الدابة أَكَلَتِ الشعير، وتِبنًا إن أكلت التِّبن، وغير ذلك من العَلَف، فَيعْلِفون دوابَّهم، وذلك معجزة رسول الله ﵇.
وهذا إذا لم يستنجِ أحدٌ بالعظم والرَّوْث، وأما إذا استنجى به أحدٌ لم يكن للجِنِّ فيهما نَفْعٌ.
والحُمَمَةُ - بضم الحاء -: الفَحْم.
* * *
стр. 420
٢٤٣ - وقال رُوَيْفِع بن ثابت ﵁: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا رُوَيْفِعُ! لعلَّ الحياةَ ستطولُ بكَ بعدي، فأخبِر النَّاسَ أنَّ مَنْ عَقدَ لحيتَهُ، أو تَقَلَّدَ وَتَرًا، أو استنجى برجيعِ دابَّةٍ أو عظمٍ فإن محمدًا منه بَرِيءٌ".
قوله: "لعل الحياةَ ستطولُ بك بعدي"، يعني: لعلَّكَ تعيش بعدي مدة، فأخبر الناسَ أنَّ من فعل شيئًا من هذه الأشياء.
"فأنا منه بريء"، لأنه فعل فِعلًا لم آمرْه به، وليس من سُنَّتي، وهذا تهديدٌ ومبالغةٌ في الزَّجْر عن فِعْلِ هذه الأشياء.
"من عَقَدَ لحيتَه"، كان عادة العرب في الجاهلية وفي الأعاجم أيضًا: أنهم يَعْقِدُون اللِّحيةَ في الحرب، وبعضهم يَلْوِي لِحْيَتَه ويجعلُه جَعْدًا.
فنهى النبي ﵇ أمتَه من هذه؛ لأن هذا تغييرُ خَلْقِ الله، وأَمَرَهم باستعمالِ المِشْط، وإصلاحِ الشَّعْر للزينة؛ لأن الإنسانَ ينبغي أن يكونَ حَسَنَ الصُّورة.
قوله: "أو تقلَّد وَتَرًا"، كان عادةُ أهلِ الجاهليةِ: أنهم يَجعلونَ في رِقابِ دوابِّهم الوَتَرَ، وَيزْعُمون أنَّ الوَتَرَ يدفعُ العَين، ويحفظ من الآفات، فنهى النبي ﵇ أمتَه عن هذا؛ لأنه لم يدفعْ شيءٌ الآفةَ سوى الله وكلامِه، كما جاء في (باب الرقية بكلام الله).
ويحتمل أن يريد بالنهي عن تقليد الوَتَر: الاحترازَ عن اختناقِ الدابة بالوَتَر؛ أي: يَعْصِرُ الوَتَرُ عنقَها فتموتُ.
ويحتمل أن يريد بتقليد الوَتَر: ما يَجعلُ جماعة من القَلَنْدَرِيَّة في أعناقهم من الحَلْقة والخيوط، فإن هذا تغييرُ خلقِ الله بما لم يأتِ به الشَّرْع.
(الرجيع): السِّرْجِينُ.
стр. 421
"رُوَيْفع بن ثابث" بن سكن بن عدي بن حارثة الأنصاري.
* * *
٢٤٤ - وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اكْتَحَلَ فليُوْتِرْ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أَحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فليُوتِرْ، مَنْ فعلَ فقدْ أحسنَ ومَنْ لا فلا حرجَ، ومَنْ أكلَ فما تخلَّلَ فليلفِظْ، وما لاكَ بلسانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فعلَ فقدْ أحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، ومَنْ أتَى الغائِطَ فليستَتِرْ، فإنْ لم يَجِدْ إلَّا أنْ يجمَعَ كَثيبًا مِنْ رَمْلٍ فليستدْبِرْهُ، فإنَّ الشَّيطانَ يلعبُ بمَقاعِدِ بني آدمَ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أحسَنَ، ومَنْ لا فَلَا حرجَ".
قوله: "من اكتحل فليوتر"، أي: من جعل الكُحْلَ في عينيه، فليكنْ عددُ الأميال وِتْرًا، في كل عين ثلاثة أميال أو خمسة، ولو جعل في كلِّ عينٍ ميلًا واحدًا جاز.
قوله: "من فعل فقد أحسن"، يعني: فقد أحسَن بأن أطاعني، وأتى سنتي، ومن لا فلا حرَج؛ أي: ومن لم يفعلْ وِتْرًا، بل فعل شَفْعًا في كلِّ عينٍ ميلين فلا إثمَ عليه؛ لأن الإيتار ليس بواجب.
قوله: "ومن استجمر فليوتر"، ذُكِرَ معنى هذا، وقولُه عقيبَ هذا: "من فعل فقد أحسن"؛ أي: ومن استنجى وِتْرًا فقد أحسنَ بأن أطاعني وأتى سنتي، ومَنْ لا فلا حَرَجَ؛ أي: ومن لم يستنجِ وِتْرًا فلا خرَجَ عليه؛ لأن الإيتارَ سُنَّةٌ، وليس بواجب.
هذا فيما زاد على الثلاث إذا لم يحصُلِ النَّقاء بالثلاث؛ لزمَه الزيادةُ على الثلاث، ثم إن حصل النَّقاء بالشفع فهو مخيَّرٌ بين أن يقتصرَ على الشفع، وبين أنَّ يزيدَ عليه، حتى يختم بالوتر، فأما إذا حصلَ بحجر أو بحجرين، فهل
стр. 422
يلزمه الثلاث أم لا؟.
فيه خلافٌ بين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، وقد ذكر في أول هذا الباب.
قوله: "فما تخلَّلَ"، أي: فما أخرجَها بالخِلَال من بين أسنانِه.
"فليلفظه"، أي: فليُسْقِطْه؛ لأنه ربما يخرج معه دَمٌ؛ لأن الخِلَال قد يجرَحُ بين الأسنان.
"وما لاك بلسانه"، أي: ما أخرجَه بلسانه مِن بينِ أسنانه.
"فليبتلِعْ"، أي: فليأكلْه؛ لأنه لا يخرجُ معه دمٌ؛ لأن اللسان لَيِّنٌ لا يَجْرَحُ ما بين الأسنان.
لاك يلوك لوكًا: إذا مضغ.
"من فعلَ فقد أحسن"، يعني: من فعل هذه السنةَ فقد أحسن، ومن لم يفعلها بأنْ أكلَ ما أخرجه بالخِلَال، فلا حرجَ عليه؛ لأنه لم يتيقَّنْ خروجَ الدَّمِ معه، وإن تيقَّنَ خروجَ الدَّمِ يَحْرُمْ أكلُه؛ لأن الدَّمَ حرامٌ بالإجماع.
قوله: "فإن لم يَجدْ إلا أنَّ يَجْمَعَ كَثِيبًا"، (الكثيب): الرملُ المجتمعُ، يعني: فإن لم يَجِدْ سُتْرةً، فليجمَعْ من التراب والرمل قَدْرًا كثيرًا ويَقْعُدْ وراءه، كيلا يراه أحد.
قوله: "فإن الشيطانَ يلْعَبُ بمقاعِدِ بني آدم"، يعني: فإن الشيطانَ يَحْضُرُ الرَّجُلَ إذا قضى حاجتَه؛ لأنَّ الرجلَ في هذا الوقت لا يَذْكُرُ الله، فإذا خلا الرَّجُلُ مِن ذِكْرِ الله يَحْضُرُه الشيطانُ، ويأمره بالسوء، فكذلك عند قضاء الحاجة يأمرُه بكَشفِ العَوْرة، وفي البول في الموضع الصُّلْب، ومستقبل الرِّيح؛ ليصيبَه رَشَاشُ البول، فكلُّ ذلك لَعِبُ الشيطان ببني آدم، فأمَر النبيُّ أمتَه بستْرِ العورة، ومخالفة الشيطان.
стр. 423
قوله عقيب هذا: "من فعل فقد أحسن"، يعني: من جمع كثيبًا من رَمْلٍ، وقعد خلفَه؛ فقد أحسنَ بإتيان السنة، ومن لم يجمعْ كثيبًا، بل قعدَ في الصحراء من غير سَتْرٍ فلا حَرَجَ؛ لأن الستر عند قضاء الحاجة في الصحراء غيرُ واجبٍ إذا لم يَرَه أحدٌ.
* * *
٢٤٥ - وقال: "لا يبُولَنَّ أحدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ، ثمَّ يغتسلُ فيهِ أو يتوضأُ فيه؛ فإن عامَّةَ الوسْواسِ مِنْهُ"، رواه عبد الله بن مغفل ﵁.
قوله: "في مُسْتَحَمِّه"، (المُسْتَحَمُّ): موضِعُ الاستحمام، وهو الاغتسال بالحَمِيم، وهو الماءُ الحَارُّ، ويقال لكلِّ موضعِ يُغْتَسلُ فيه: مُسْتَحَمٌّ، وإن لم يَكُنْ الماءُ الَّذي يَغْتَسِلُ به حارًا.
قوله: "فإن عامَّةَ الوَسْوَاس" تحصُلُ من البول في المُسْتَحَمِّ لأنه يصيرُ ذلك الموضعُ نَجِسًا، فيصيبُه منه رَشَاشٌ، ويقع في قلبه وسوسةٌ بأنه: هل أصابه منه رشاش أم لا؟.
فإن كان الموضعُ نَجِسًا بسببٍ آخرَ يكون الاغتسالُ فيه مَنْهيًّا أيضًا.
"عبد الله بن مُغَفَّل" - بالغين المعجمة وبالفاء - ابن عبد غُنْم بن عفيفِ بن أَسْحَم.
* * *
٢٤٦ - وقال: "لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في جُحْرٍ"، رواه عبد الله بن سَرْجِس ﵁.
قوله: "في جُحْرٍ"، (الجُحْر): الثُّقْبة في الأرض، وعِلَّةُ النهي من البول في الجُحْرِ: موضعُ الهَوَامِّ، وربما يصيبُ البولُ شيئًا من الهَوَامِّ فتموتُ، كالنَّمْلة
стр. 424
والدُّوْد الضعيف، وربما تقصِدُه حيةٌ أو عقربٌ فيلدغُه، وربما يصيب الجِنَّ، فيقتلُه الجِنُّ من الغَضَب، كما قتلَ الجِنُّ سعدَ بن عُبادة حين بال في جحر، فهتفَ هاتفٌ فقرأ هذا الشعَر:
نَحْن قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعْدَ بن عُبَاده
فرَمَيْناهُ بسَهْمَينِ ولم نُخْطِي فؤادَهْ
فإذا كان كذلك فالاحترازُ عن البَوْل في الجُحْر سنةٌ مؤكدة.
طلبنا في كتب معرفة الصحابة، ولم نجد اسمَ جَدَّ "عبد الله بن سَرْجِس".
* * *
٢٤٧ - وقال: "اتَّقُوا المَلَاعِنِ الثلاثة: البَرَازَ في المَوارِدِ، وقارِعَةِ الطريقِ، والظِّلِّ"، رواه مُعاذ ﵁.
قوله: "اتقوا الملاعن"، (المَلاعِنُ): جمع مَلْعَن، وهو مصدرٌ ميمي، أو مكان، من (لَعَنَ) إذا شتم، يعني: احذروا قضاء الحاجة في هذه المواضع؛ لأنها مواضع اللعنة.
يعني: يقولُ مَن رأى بولَه أو غائطَه في هذه المواضع: لعنَ الله مَنْ فَعلَ هذا. البَرَازُ: التَّغوُّط.
"الموارد": جمع مَوْرِد، وهو الموضع الذي يأتيه الناسُ من رأسِ عينٍ أو نهر؛ لشرب الماء والتوضُّؤ، و"قارعة الطريق": الطريق الواسع الذي يقرَعُه الناسُ بأرجلِهم؛ أي: يدقُّونه، ويَمُرُّون عليه.
* * *
٢٤٨ - وقال: "لا يَخْرُجِ الرجُلانِ يضرِبان الغائطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا
стр. 425
يتحدَّثَانِ، فإنَّ الله يمقُتُ على ذلك"، رواه أبو سعيد ﵁.
قوله: "لا يَخْرُجِ الرجلان"، بكسر الجيم؛ لأنه كان مجزومًا؛ لأن (لا) للنهي، فكُسِرَت الجيمُ لالتقاء الساكنين.
"يضربان الغائطَ"، أي: يمشيان إلى قضاء الحاجة.
(الضَّرْبُ): المشي.
"يَمْقُتُ"، أي: يَغْضَبُ، يعني: لا يجوز أن يجلسَ الرجلان على قضاء الحاجة، ويكشفان عورتهما، وينظرُ كل واحد منهما إلى عورةِ صاحبهِ ويتحدَّثان.
* * *
٢٤٩ - وقال: "إنَّ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا دخل أحدُكُمْ الخلاءَ فَلْيَقُلْ: أعوذُ بالله مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ"، رواه زيد بن أرقَم ﵁.
قوله: "إن الحشوش"، (الحُشُوش): جمع حُشٍّ، وهو الخَلَاء، الحُشُّ في الأصل: جماعةٌ من النَّخْلِ، سُمِّيَ الخَلَاء حُشًّا؛ لأن العرب كانوا يتغوَّطُون بين النَّخِيل، فسمِّيَ كلُّ موضعٍ يَقضِي فيه الإنسانُ حاجتَه بهذا الاعتبار.
"محتضَرة"، أي: موضعُ حُضُورِ الجِنِّ والشياطين.
وشرح هذا الحديث في الحديث الذي بعد هذا.
"زيد بن أرقم" بن زيد بن قيس الأنصاري.
* * *
٢٥٠ - وقال: "سِتْرُ ما بينَ أَعيُنِ الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدمَ إذا دَخَلَ أحدُهُمْ الخلاءَ أنَّ يقولَ: بِسْم الله"، رواه علي ﵁. غريب.
قوله: "سِتْرُ ما بين أعينِ الجنِّ ... " إلى آخره.
следующие страницы →