Полный текст (3 031 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
"رُوَيْفع بن ثابث" بن سكن بن عدي بن حارثة الأنصاري.
* * *
٢٤٤ - وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اكْتَحَلَ فليُوْتِرْ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أَحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فليُوتِرْ، مَنْ فعلَ فقدْ أحسنَ ومَنْ لا فلا حرجَ، ومَنْ أكلَ فما تخلَّلَ فليلفِظْ، وما لاكَ بلسانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فعلَ فقدْ أحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، ومَنْ أتَى الغائِطَ فليستَتِرْ، فإنْ لم يَجِدْ إلَّا أنْ يجمَعَ كَثيبًا مِنْ رَمْلٍ فليستدْبِرْهُ، فإنَّ الشَّيطانَ يلعبُ بمَقاعِدِ بني آدمَ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أحسَنَ، ومَنْ لا فَلَا حرجَ".
قوله: "من اكتحل فليوتر"، أي: من جعل الكُحْلَ في عينيه، فليكنْ عددُ الأميال وِتْرًا، في كل عين ثلاثة أميال أو خمسة، ولو جعل في كلِّ عينٍ ميلًا واحدًا جاز.
قوله: "من فعل فقد أحسن"، يعني: فقد أحسَن بأن أطاعني، وأتى سنتي، ومن لا فلا حرَج؛ أي: ومن لم يفعلْ وِتْرًا، بل فعل شَفْعًا في كلِّ عينٍ ميلين فلا إثمَ عليه؛ لأن الإيتار ليس بواجب.
قوله: "ومن استجمر فليوتر"، ذُكِرَ معنى هذا، وقولُه عقيبَ هذا: "من فعل فقد أحسن"؛ أي: ومن استنجى وِتْرًا فقد أحسنَ بأن أطاعني وأتى سنتي، ومَنْ لا فلا حَرَجَ؛ أي: ومن لم يستنجِ وِتْرًا فلا خرَجَ عليه؛ لأن الإيتارَ سُنَّةٌ، وليس بواجب.
هذا فيما زاد على الثلاث إذا لم يحصُلِ النَّقاء بالثلاث؛ لزمَه الزيادةُ على الثلاث، ثم إن حصل النَّقاء بالشفع فهو مخيَّرٌ بين أن يقتصرَ على الشفع، وبين أنَّ يزيدَ عليه، حتى يختم بالوتر، فأما إذا حصلَ بحجر أو بحجرين، فهل
стр. 422
يلزمه الثلاث أم لا؟.
فيه خلافٌ بين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، وقد ذكر في أول هذا الباب.
قوله: "فما تخلَّلَ"، أي: فما أخرجَها بالخِلَال من بين أسنانِه.
"فليلفظه"، أي: فليُسْقِطْه؛ لأنه ربما يخرج معه دَمٌ؛ لأن الخِلَال قد يجرَحُ بين الأسنان.
"وما لاك بلسانه"، أي: ما أخرجَه بلسانه مِن بينِ أسنانه.
"فليبتلِعْ"، أي: فليأكلْه؛ لأنه لا يخرجُ معه دمٌ؛ لأن اللسان لَيِّنٌ لا يَجْرَحُ ما بين الأسنان.
لاك يلوك لوكًا: إذا مضغ.
"من فعلَ فقد أحسن"، يعني: من فعل هذه السنةَ فقد أحسن، ومن لم يفعلها بأنْ أكلَ ما أخرجه بالخِلَال، فلا حرجَ عليه؛ لأنه لم يتيقَّنْ خروجَ الدَّمِ معه، وإن تيقَّنَ خروجَ الدَّمِ يَحْرُمْ أكلُه؛ لأن الدَّمَ حرامٌ بالإجماع.
قوله: "فإن لم يَجدْ إلا أنَّ يَجْمَعَ كَثِيبًا"، (الكثيب): الرملُ المجتمعُ، يعني: فإن لم يَجِدْ سُتْرةً، فليجمَعْ من التراب والرمل قَدْرًا كثيرًا ويَقْعُدْ وراءه، كيلا يراه أحد.
قوله: "فإن الشيطانَ يلْعَبُ بمقاعِدِ بني آدم"، يعني: فإن الشيطانَ يَحْضُرُ الرَّجُلَ إذا قضى حاجتَه؛ لأنَّ الرجلَ في هذا الوقت لا يَذْكُرُ الله، فإذا خلا الرَّجُلُ مِن ذِكْرِ الله يَحْضُرُه الشيطانُ، ويأمره بالسوء، فكذلك عند قضاء الحاجة يأمرُه بكَشفِ العَوْرة، وفي البول في الموضع الصُّلْب، ومستقبل الرِّيح؛ ليصيبَه رَشَاشُ البول، فكلُّ ذلك لَعِبُ الشيطان ببني آدم، فأمَر النبيُّ أمتَه بستْرِ العورة، ومخالفة الشيطان.
стр. 423
قوله عقيب هذا: "من فعل فقد أحسن"، يعني: من جمع كثيبًا من رَمْلٍ، وقعد خلفَه؛ فقد أحسنَ بإتيان السنة، ومن لم يجمعْ كثيبًا، بل قعدَ في الصحراء من غير سَتْرٍ فلا حَرَجَ؛ لأن الستر عند قضاء الحاجة في الصحراء غيرُ واجبٍ إذا لم يَرَه أحدٌ.
* * *
٢٤٥ - وقال: "لا يبُولَنَّ أحدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ، ثمَّ يغتسلُ فيهِ أو يتوضأُ فيه؛ فإن عامَّةَ الوسْواسِ مِنْهُ"، رواه عبد الله بن مغفل ﵁.
قوله: "في مُسْتَحَمِّه"، (المُسْتَحَمُّ): موضِعُ الاستحمام، وهو الاغتسال بالحَمِيم، وهو الماءُ الحَارُّ، ويقال لكلِّ موضعِ يُغْتَسلُ فيه: مُسْتَحَمٌّ، وإن لم يَكُنْ الماءُ الَّذي يَغْتَسِلُ به حارًا.
قوله: "فإن عامَّةَ الوَسْوَاس" تحصُلُ من البول في المُسْتَحَمِّ لأنه يصيرُ ذلك الموضعُ نَجِسًا، فيصيبُه منه رَشَاشٌ، ويقع في قلبه وسوسةٌ بأنه: هل أصابه منه رشاش أم لا؟.
فإن كان الموضعُ نَجِسًا بسببٍ آخرَ يكون الاغتسالُ فيه مَنْهيًّا أيضًا.
"عبد الله بن مُغَفَّل" - بالغين المعجمة وبالفاء - ابن عبد غُنْم بن عفيفِ بن أَسْحَم.
* * *
٢٤٦ - وقال: "لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في جُحْرٍ"، رواه عبد الله بن سَرْجِس ﵁.
قوله: "في جُحْرٍ"، (الجُحْر): الثُّقْبة في الأرض، وعِلَّةُ النهي من البول في الجُحْرِ: موضعُ الهَوَامِّ، وربما يصيبُ البولُ شيئًا من الهَوَامِّ فتموتُ، كالنَّمْلة
стр. 424
والدُّوْد الضعيف، وربما تقصِدُه حيةٌ أو عقربٌ فيلدغُه، وربما يصيب الجِنَّ، فيقتلُه الجِنُّ من الغَضَب، كما قتلَ الجِنُّ سعدَ بن عُبادة حين بال في جحر، فهتفَ هاتفٌ فقرأ هذا الشعَر:
نَحْن قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعْدَ بن عُبَاده
فرَمَيْناهُ بسَهْمَينِ ولم نُخْطِي فؤادَهْ
فإذا كان كذلك فالاحترازُ عن البَوْل في الجُحْر سنةٌ مؤكدة.
طلبنا في كتب معرفة الصحابة، ولم نجد اسمَ جَدَّ "عبد الله بن سَرْجِس".
* * *
٢٤٧ - وقال: "اتَّقُوا المَلَاعِنِ الثلاثة: البَرَازَ في المَوارِدِ، وقارِعَةِ الطريقِ، والظِّلِّ"، رواه مُعاذ ﵁.
قوله: "اتقوا الملاعن"، (المَلاعِنُ): جمع مَلْعَن، وهو مصدرٌ ميمي، أو مكان، من (لَعَنَ) إذا شتم، يعني: احذروا قضاء الحاجة في هذه المواضع؛ لأنها مواضع اللعنة.
يعني: يقولُ مَن رأى بولَه أو غائطَه في هذه المواضع: لعنَ الله مَنْ فَعلَ هذا. البَرَازُ: التَّغوُّط.
"الموارد": جمع مَوْرِد، وهو الموضع الذي يأتيه الناسُ من رأسِ عينٍ أو نهر؛ لشرب الماء والتوضُّؤ، و"قارعة الطريق": الطريق الواسع الذي يقرَعُه الناسُ بأرجلِهم؛ أي: يدقُّونه، ويَمُرُّون عليه.
* * *
٢٤٨ - وقال: "لا يَخْرُجِ الرجُلانِ يضرِبان الغائطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا
стр. 425
يتحدَّثَانِ، فإنَّ الله يمقُتُ على ذلك"، رواه أبو سعيد ﵁.
قوله: "لا يَخْرُجِ الرجلان"، بكسر الجيم؛ لأنه كان مجزومًا؛ لأن (لا) للنهي، فكُسِرَت الجيمُ لالتقاء الساكنين.
"يضربان الغائطَ"، أي: يمشيان إلى قضاء الحاجة.
(الضَّرْبُ): المشي.
"يَمْقُتُ"، أي: يَغْضَبُ، يعني: لا يجوز أن يجلسَ الرجلان على قضاء الحاجة، ويكشفان عورتهما، وينظرُ كل واحد منهما إلى عورةِ صاحبهِ ويتحدَّثان.
* * *
٢٤٩ - وقال: "إنَّ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا دخل أحدُكُمْ الخلاءَ فَلْيَقُلْ: أعوذُ بالله مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ"، رواه زيد بن أرقَم ﵁.
قوله: "إن الحشوش"، (الحُشُوش): جمع حُشٍّ، وهو الخَلَاء، الحُشُّ في الأصل: جماعةٌ من النَّخْلِ، سُمِّيَ الخَلَاء حُشًّا؛ لأن العرب كانوا يتغوَّطُون بين النَّخِيل، فسمِّيَ كلُّ موضعٍ يَقضِي فيه الإنسانُ حاجتَه بهذا الاعتبار.
"محتضَرة"، أي: موضعُ حُضُورِ الجِنِّ والشياطين.
وشرح هذا الحديث في الحديث الذي بعد هذا.
"زيد بن أرقم" بن زيد بن قيس الأنصاري.
* * *
٢٥٠ - وقال: "سِتْرُ ما بينَ أَعيُنِ الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدمَ إذا دَخَلَ أحدُهُمْ الخلاءَ أنَّ يقولَ: بِسْم الله"، رواه علي ﵁. غريب.
قوله: "سِتْرُ ما بين أعينِ الجنِّ ... " إلى آخره.
стр. 426
يعني: إذا دخل الإنسان الخَلاءَ، وكشفَ عورتَه نظرَ إليه الجِنُّ والشياطين، وربما يؤذيه، ويَلْحَقُه ضررٌ، هذا إذا لم يقل: (بسم الله) عند دخول الخلاء، فأما إذا قال: (بسم الله) جعلَ الله بينه وبين أعينِ الجِنِّ والشياطينِ حجابًا، حتى لم يرَه ببركة (بسم الله).
* * *
٢٥١ - وقالت عائشة: كانَ النبيُّ ﷺ إذا خرجَ مِنَ الخَلاءِ قال: "غُفْرَانَكَ".
قوله: "غفرانك"، (الغفرانُ): مصدرٌ كالمغفرة، وانتصابُه بفعلٍ مقدَّر؛ أي: أسأل غفرانَك، وفي عِلَّة تلفُّظه ﵇ بهذا اللفظ عقيبَ خروجه من الخلاء وجهان:
أحدهما: أنه استغفر على خلوِّه من ذكر الله في الوقت الذي كان في الخلاء.
والثاني: أنه استغفر عن التقصير في أداء شُكْر نِعَمِ الله تعالى؛ فإنه تعالى رزقَ الطعامَ، وجعلَه هَضْمًا في البطن، وأبقى في الجسد ما كان سببَ قوةِ الجسمِ ونَفْعِه، وأخرجَ ما كان يؤذي الإنسانَ لو لم يخرجْ، فمن يطيقُ القيامَ بشكرِ هذه النِّعَم.
* * *
٢٥٢ - وقال أبو هريرة ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أتى الخَلاءَ أتيتُهُ بماءٍ في تَوْرٍ أو رَكوَةٍ فاستَنْجَى، ثمَّ مسحَ يدَهُ على الأرضِ، ثمَّ أَتَيْتُهُ بإِناءٍ آخرَ فتوضَّأ.
قوله: "في تَوْرٍ"، (التَّوْرُ): ظَرْفٌ يُشْبهُ إِجَّانَةً يُتَوَضَّأُ منه، ويؤكَلُ منه الطعام.
стр. 427
(الرَّكْوَة): ظرفٌ من جِلْدٍ يُتَوضَّأُ منه، و (أو) في قوله: "أو رَكْوَةٍ"، لأحد الشيئين، يعني: تارةً أتيتُه بماء في تَوْرٍ، وتارةً في رَكْوَةٍ.
ويحتمل أن تكون للشك ممن يروي عن أبي هريرة، يعني: شكَّ أنه سمع؛ أي: أبا هريرة: أنه قال: (في تور) أو قال: (في ركوة).
قوله: "ثم مسح يده على الأرض"، هذا يدلُّ على أن مسح اليد على الأرض بعد الاستنجاء سُنةٌ؛ لإزالة الرائحةِ من اليد.
"ثم أتيته بإناء آخر"، لأنه لم يبقَ من الأول شيءٌ، أو بقيَ شيءٌ قليلٌ لا يكفيه.
* * *
٢٥٣ - وعن الحكَم بن سُفيان الثَّقَفي: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا بالَ توضَّأَ، ونَضَحَ فَرْجَهُ.
قوله: "ونضح فرجه" النَّضْحُ: رشُّ الماءِ على موضع، يعني: إذا بال واستنجى رشَّ فرجَه بكفِ ماءٍ إما لدفع نزولِ البَوْلِ وقَطْعِه؛ لأن الماء يقبِضُ البولَ ويحْبِسُه، وإما لدفع الوَسْوَسة؛ فإن الرجل إذا لم ينضحْ بالماء فرجَه، ووجدَ بعد ذلك بلَلًا بين رجليه يظن أنَّه خرجَ منه بولٌ، واذا نضحَ فرجَه فإذا وجد بللًا يعلمُ أنَّه بللُ الماء، فلا يقعُ في الوَسْوَسة.
وقيل: المرادُ بنضح فرجِه هنا: الاستنجاءُ.
وقيل: سفيانُ بن الحَكَم لا حَكَمُ بن سفيان، وهو من أهل الكوفة، ولم يَرْوِ غيرَ هذا الحديث.
* * *
стр. 428
٢٥٤ - عن أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة قالت: كان لرسول الله ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدانٍ تحتَ سريرِهِ يَبُولُ فيهِ باللَّيْلِ.
قولها: "من عَيدان"، العَيْدان: جمعُ عُوْد، وهو الخشب، هذا يدلُّ على أن الرجلَ إذا كانت نجاسةٌ في ناحية بيته، وهو يصلي أو يقرأ القرآن أو يذكرُ في ناحية أخرى = يجوز، وكذلك لو صلى على سرير أو سجادة تحتَه نجسٌ يجوزُ؛ لأن النبيَّ ﵇ كانَ قدحُ البولِ تحتَ سريرِه، وهو على السرير، والغالبُ أنه ﵇ لا يخلو في الليل من الصلاة، وقراءةِ القرآن والذِّكْر.
* * *
٢٥٥ - وقال عمر ﵁: رآني النبيُّ ﷺ أبولُ قائمًا، فقالَ: "يا عُمَرُ! لا تَبُلْ قائمًا".
قال الشيخ الإمام ﵁: قد صحَّ.
قوله: "رآني رسول الله ﵇ ... " إلى آخره.
وعِلَّةُ النهي عن البول قائمًا: أنه تبدو عورتُه بحيثُ يراه الناس من بعيد، وأيضًا لا يأمَنُ من رجوع البولِ إليه، وهذا نهيُ تنزيهٍ لا نهيُ تحريم.
* * *
٢٥٦ - عن حُذَيْفَة: أنَّ النبيَّ ﷺ أتى سُباطَةَ قومٍ، فبالَ قائمًا.
قيل: كان ذلك لعُذرٍ به، والله أعلم.
قوله: "سُباطة قوم"، (السُّبَاطَةُ) بضم السين: الموضعُ الَّذي يُلقَى فيه الترابُ المُخْرجُ من البيوتِ، والنَّجَاساتُ.
стр. 429
يعني: قال الشيخ: بينَ نَهْيِ عمرَ عن البول قائمًا، وبين بوله ﵇ قائمًا تناقضٌ في الظاهر، ولكن ليس في الحقيقة بينهما تناقضٌ؛ لأن النبي ﵇ بال قائمًا لعذر، وبولُ عمرَ لم يكن بعذر، وعذرُ النبي ﵇ قيل: كان لجراحة تحت رُكْبته من جانب عَقِبه، فلم يمكنْه الجلوسُ، أو لأنه لم يمكنه الجلوسُ في السباطة؛ لأن السباطةَ يكون أعلاه مرتفعًا، فلو جلسَ مستدبرَ الناس سقط عن خلفه، ويرجعُ عليه البولُ، ولو جلسَ مستقبلَ الناس تبدو عورتُه لهم، فلأجل هذا بال قائمًا.
فإن قيل: لمَ لم يؤخر البول إلى موضمع آخر؟.
قلنا: لأن تأخير البول مُضِرٌّ.
"حذيفة": اسم أبيه حِسلٌ، وقيل: حُسَيل، ابن جابر بن عمرو بن ربيعة اليماني.
* * *
٤ - باب السِّواكِ
(باب السواك)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٥٧ - عن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمرتُهُمْ بتأخِيرِ العِشاءِ، وبالسِّواكِ عندَ كُلِّ صلاةٍ".
قوله: "لولا أن أشق"، (شَقَّ): إذا وضعَ المشقَّةَ والثِّقَلِ على أحد.
стр. 430
"لأمرتهم"، أي: لفرضتُ عليهم تأخيرَ صلاة العشاء، يعني: لولا أن تلحقَ لأمتي مشقةٌ بأن أفرِضَ عليسم تأخيرَ صلاة العشاءِ والسواكَ عند كل صلاة؛ لفرضْتُ عليهم من غاية فضيلتهما، ولكن لم أفرضْ عليهم، بل جعلتهما سُنَّتين.
* * *
٢٥٨ - عن المِقْدامِ بن شُرَيح، عن أبيه: أنَّه قال: سألتُ عائشةَ ﵂: بأيِّ شيءٍ كانَ يبدأُ رسول الله ﷺ إذا دخلَ بيتَهُ؟ قالت: بالسِّواكِ.
قولهما: "بالسواك": "وإنما استاكَ رسولُ الله إذا دَخَل بيتَه": لأن الغالب أنَّه لا يتكلَّمُ في الطريق من المسجد إلى بيته، أو مِن موضعٍ آخرَ إلى بيته، والفمُ يتغيَّرُ بعدم التكلُّم، فإذا دخلَ بيتَه ابتدأَ بالسِّواكِ لإزالة التغير، وهذا تعليمٌ منه أُمَّتَه بأن الرجلَ إذا أرادَ التكلمَ مع أحدٍ فالمستحبُّ استعمالُ السواك؛ لطيبِ رائحةِ فمه؛ كيلا يتأذَّى أحدٌ من ريحِ فمه.
واسم جد "مقدام": هانئ بن يزيد بن كعب الحارثي.
* * *
٢٥٩ - وقال حُذَيْفَة: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ للتهجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّواكِ.
قوله: "للتهجد"، أي: لصلاة الليل.
"يشوص"، أي: يغسل، "فاه": أي: فمَه.
* * *
стр. 431
٢٦٠ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشارِبِ، وإعفاءُ اللِّحْيَةِ، والسِّواكُ، واستِنْشَاقُ الماءِ، وقَصُّ الأظْفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، ونَتْفُ الإِبِطِ، وحَلْقُ العَانَةِ، وانْتِقَاصُ الماءِ - يعني: الاسْتِنْجَاء -".
قال الراوي: ونسيتُ العاشرةَ إلَّا أنْ تكونَ المَضْمَضَةَ.
وفي روايةٍ: "الخِتانِ" بدل: "إعفاءِ اللِّحْيَةِ".
قوله: "عشرٌ من الفِطْرة"، أي: عشر خصال من السنة والإسلام.
قوله: "إعفاءُ اللِّحْية"، (الإعفاءُ): الإكثار والتوفير، يعني: تركُ اللحية بحالها، ولا يقصُّها، كعادة بعض الكفار والقَلَنْدَرِيَّة.
قوله: "واستنشاقُ الماء"، أي: جعلُ الماء في الأنف في الوضوء.
قوله: "قَصُّ الأظفار"، و (القَصُّ): القَطْعُ؛ أي: قَلْمُ الأظفار.
قوله: "وغَسْلُ البَرَاجِم"، (البراجم): جمع بُرْجُمة - بضم الباء والجيم - وهي مِفْصَلُ الإصبَع، والمراد منه ها هنا: خطوطُ الكَفِّ.
وإنما أمر النبي ﵇ وبالغ في غَسْلها؛ لأنه يبقى الوسَخُ بينهما، فلو لم يغسِلْها يغلظُ ويشتدُّ الوسخُ فيها فلا يصلُ الماءُ إلى تحتها، وحينئذ لا يصحُّ الوضوءُ والغسل.
(النتف): القَلْعُ.
قوله: "انتقاصُ الماء"، هذا كناية عن الاستنجاء؛ لأن الرجلَ إذا أراقَ الماءَ في الاستنجاء ينقصُ الماء.
وقيل: أراد بانتقاص الماء: تنقيصُ البولِ وقطعُه بغَسْلِ الذَّكَر؛ لأن الماء ينقصُ ويقبِضُ البولَ، فعلى هذا أراد بالماءِ البَوْلَ.
стр. 432
قوله: "إلا أن تكون المضمضةَ"، يعني: لا أظنُّ العاشِرَ إلا المضمضةَ؛ لأن المضمضةَ والاستنشاقَ قد يكونان معًا في الذِّكْر في أكثرِ المواضع، فإذا ذكر ها هنا الاستنشاقُ، فالظاهر أن المضمضة قد كانت مذكورةً، ولكن نسيتها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٦١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ مَرْضاةٌ للرَّبِّ".
قوله: من الحسان: "السِّواكُ مَطْهَرةٌ للفم، مَرْضَاةٌ للرب"، المَطْهَرَةُ: بمعنى الطهارة، وهي مَفْعَلَة، وهي مصدر ميمي والمَصْدَرُ يُستعمَلُ بمعنى الفاعل والمفعول.
ويحتمل ها هنا أن يكون بمعنى الفاعل؛ أي: مُطَهِّرٌ للفم.
(المَرْضَاةُ) ها هنا: يجوز أن تكون بمعنى الفاعل؛ أي: مُرضٍ، ومحصِّلٌ لرضا الله، ويجوز أن تكون بمعنى المفعول؛ أي: مَرْضِيٌّ للرب.
* * *
٢٦٢ - وقال: "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ: الحياءُ، والتَّعَطُّرُ، والسِّواكُ، والنِّكاحُ" - ويُروى: "الخِتان" -، رواه أبو أيوب.
قوله: "أربعٌ من سنن المرسلين"، أي: أربعُ خِصال من سننِ الأنبياء.
"الحَيَاءُ"، في هذا اللفظ ثلاث روايات:
أحدها: (الحياء) بالحاء غير المعجمة وبالياء؛ يعني به: الحياء الَّذي يكون من الدَّين كسَتْر العَوْرة وتركِ الفواحش وغيرِ ذلك، لا الحياء الجِبِلِّي، فإن جميعَ الناس في الحياء الجِبِلِّي مشترِكٌ، وقد ذكر شرح هذا في قوله:
стр. 433
"الحياء شعبة من الإيمان".
والرواية الثانية: (الختان) بالخاء المعجمة وبالتاء، وهو سنَّةُ الأنبياء من زمن إبراهيم ﵇ إلى زماننا.
واختُلِفَ في أنَّه سنةٌ في ديننا أو فَرْض؟ فعند الشافعي: فرضٌ، وعند أبي حنيفة: سنة.
روي: أنه وُلِدَ أربعةَ عشرَ نبيًا مختونًا: آدمُ وشيثٌ ونوحٌ وهودٌ وصالحٌ ولوطٌ وشُعَيبٌ ويوسفُ وموسى وسليمانُ وزكريا وعيسى وحنظلةُ بن صفوان، وهو نبي أصحاب الرَّسَّ، ونبينا محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
والرواية الثالثة: "الحِنَّاء" بالحاء غير المعجمة وبنون مشدَّدة: وهو ما يُخضَبُ به، وهذه الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف؛ لأن الحِنَّاء يحرمُ الخضابُ به في اليد والرِّجْلِ في حقِّ الرجال؛ لأن فيه تشبيهًا بالنساء، وأما خِضابُ الشَّعْر به فلم يكن قبل نبيِّنا هذا، بل صار سنةً مِن فِعْلِ نبينا، أو أمره به ﷺ ، فإذا كان كذلك، فكيف يكونُ من سُنَن المرسلين؟!!
* * *
٢٦٣ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله ﷺ لا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ ولا نَهارٍ فيستَيْقِظُ، إلَّا يتَسوَّكُ قبلَ أَنْ يتوضَّأْ.
قوله: "لا يَرْقُدُ"، أي: لا ينام.
"فيَسْتَيقِظُ"، أي: فينتبه من النوم.
"يَتَسوَّك"، أي: يستعمل السِّواك، وإنما يتسوَّكُ بعد اليقظة من النوم؛ لإزالة تغيُّر الفم الذي حصَلَ بالنوم؛ لتكون رائحةُ فمِه طيبةً إذا ذَكَرَ الله، أو قرأَ القرآن، أو تكلمَ مع أحدٍ من الملك والإنس، وكذلك لتفعلَ أمتُه اقتداءً
стр. 434
بسنته ﵇.
قولها: "يستاك": استاك وتسوَّك وسوَّك بمعنًى واحد.
* * *
٢٦٤ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله ﷺ يَستاكُ، فيُعطيني السِّواكَ لأغسِلَهُ، فأبْدَأُ بِهِ فأستاكُ، ثمَّ أغسِلُهُ، وأدفَعُهُ إليه.
قولها: "لأغْسِلَه"، هذا دليلٌ على أنَّ غَسْلَ المِسْواكِ سنةٌ بعد التسوُّكِ، والمِسواك مِفْعَال بمعنى الآلة؛ لأنه آلة التسويك، والتسويك: الترديدُ، والمراد ها هنا: ترديد خَشَبٍ، أو خِرْقَةٍ، أو إصبَعٍ في الفم؛ لإزالة الرائحةِ الكريهة.
قولها: "فأبدأ به"، يعني: فأبدأ باستعماله في فمي قبل الغَسْل؛ لينالني بركةُ فمِ رسول الله، وهذا دليلٌ على أن الاستعمال بمسواكِ الغير غيرُ مكروهٍ بشرْطِ أن يكونَ بإذن صاحبه؛ لأن استعمالَ مالِ الغيرِ لا يجوزُ بغير إذنِ مالكِه.
وعائشةُ ﵂ إنما فعلتْ هذا للانبساط الذي يكون بين الزوجة وزوجها.
* * *
٥ - باب سُنن الوُضوء
(باب سنن الوضوء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٦٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استَيقظَ أحدُكُمْ مِنْ نَومِهِ فلا يغمِسْ يدَهُ في الإِناءَ حتَّى يغسِلَهَا ثلاثًا، فإِنَّهُ لا يدري أينَ باتتْ يدُهُ".
стр. 435
قوله: "باب سنن الوضوء"، ليس مرادُه بسنن الوضوء ذِكْرَ السُّنَنِ في هذا الباب دون الفرائض، بل يذكر السُّنَنَ والفرائض جميعًا في هذا الباب، وإنما مراده: بيانُ أفعال رسول الله ﵇ في الوضوء من الفرائض والسنن.
ويقال لأفعال رسول الله وأقوالهِ: سُننٌ، فرضًا كان أو سنة، وقولهم: جاء في السنة كذا؛ أي: في الحديث كذا.
"فلا يَغْمِسْ"، أي: فلا يُدْخِلْ يده في ماء الإناء، وهذا نهيُ تنزيهٍ لا نهيُ تحريم، بل لو أدخلَ يدَه في الإناء ولم يتيقَّنْ نجاسةَ يدِه لا يصير الماء نَجِسًا.
قوله: "لا يدري أين باتت يده؟ "، باتَ الرجلُ: إذا أقام في الليل بمكانٍ، أو فعل فِعلًا في الليل، يعني: لا يدري أين وصلت يده؟ لعلَّ يدَه وصلتْ إلى نجاسةٍ وهو نائم أو يقظانْ، ولكن يَنْسَى ذلك إذا انتبهَ من النوم، مثل أن يقتُلَ الرجلُ بُرْغُوثًا أو قَمْلًا بيده، أو مسَّ رَأْسَ ذَكَرِه، وكان رَأْسُ ذَكَرِه نَجِسًا بخروج مَذْيٍ، أو استنجى بالحَجَر، وعَرِقَ ووصَلَتْ يدُه إلى رأس ذَكَرِه أو دُبُرِه في حال الرطوبة.
* * *
٢٦٦ - وقال: "إذا استيقظَ أحدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فتوضَّأَ فلْيَسْتَنْثِر ثلاثًا، فإنَّ الشيطانَ يَبيتُ على خَيْشومِه"، رواه أبو هريرة.
قوله: "فليستنثر"، أي: فليغسِلْ داخلَ أنفه.
"فإن الشيطان يبيت على خيشومه"، (الخيشوم): باطنُ الأنفِ، يعني: إذا كان الرجلُ يقظانَ يوسوسه الشيطانُ، ويأمره بالسوء من كلِّ طريق، ويوقعُ في قلبه الوَسْوَسة، فإذا نام الرجلُ عَلِمَ الشيطانُ أنه لا يمكنه وسوسةٌ؛ لأنه زالَ بالنوم إحساسُه، ورُفِعَ عنه بالنوم قَلَمُ التكليف، فيبيت الشيطان في داخل أنفه؛
стр. 436
ليلقيَ في دماغه الرؤيا الفاسدة، ويمنعَه عن الرؤيا الصالحة؛ لأن محلَّ الرؤيا الدماغ، وكثيرٌ من الناس قد يَضِلُّ ويقعُ في الفتنة بالرؤيا الفاسدة، مثل أن يريَه الشيطان ويقول له: إنك نبيٌّ، أو إنك وليٌّ، أو أمرَه بشيءٍ لم يكن شرعيًا، أو نهاه عن شيءٍ هو شرعي.
فأمر النبي ﵇ أمتَه أنَّ يغسِلُوا داخلَ أنوفهم؛ لإزالة لَوْثِ الشيطان ونَتْنهِ منها، وطريقُ دفع الرؤيا الفاسدة أن يضطجع الرجل بالوضوء على جنبه الأيمن، ويذكرَ اسم الله تعالى، ويقرأَ القرآن حتى يدركَه النوم، فإذا نام كذلك لا يقربُه الشيطانُ حتى يستيقظ.
* * *
٢٦٧ - وقيل لعبد الله بن زَيد بن عاصِم: كيفَ كانَ يتوضَّأ رسولُ الله ﷺ ؟ فدعا بوَضُوءٍ، فأفرغَ على يدِهِ اليُمْنَى، فغسَلَ يدَيْهِ مرَّتين مرتين، ثم مَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثلاثًا، ثمَّ غَسلَ وجهَهُ ثلاثًا، ثمَّ غَسلَ يديهِ مرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ثمَّ مسَحَ رأسَهُ بِيَدَيْهِ، فأقبَلَ بهما وأدبَرَ، بدأ بمُقدَّمِ رَأْسِهِ ثمَّ ذهبَ بهما إلى قَفَاهُ، ثمَّ ردَّهُمَا حتى رجعَ إلى المكانِ الذي بدأَ منهُ، ثم غَسلَ رِجلَيْهِ، وفي روايةٍ: فمضمَض واستنشَقَ ثلاثًا بثلاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ ماء، وفي روايةٍ: مضمَضَ واستنشقَ مِنْ كفٍّ واحدةٍ، فعلَ ذلكَ ثلاثًا، وقال: مسحَ رأسَهُ فأقبلَ بهما وأدبرَ مرةً واحدةً، ثُمَّ غَسلَ رِجلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ، وفي روايةٍ: فمَضْمضَ واسْتَنْثَرَ ثلاثَ مرَّاتٍ مِنْ غرفةٍ واحدةٍ.
قوله: "فدعا بوَضوء"، الوَضُوء بفتح الواو: الماءُ الذي يُتوضَّأُ به.
"أَفْرَغَ"، أي: صبَّ الماءَ.
"فأَقبلَ بهما وأَدْبَرَ"، أي: وضع كفيه وأصابعَه عند جبهته، وأمرَّهما على رأسه حتى وصل إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى وصل إلى جبهته.
стр. 437
الغَرَفَات: جمع غَرْفَة، والغَرْفَة بفتح الغين: مصدرٌ بمعنى مرة واحدة مِن (غَرَفَ) إذا أخذ الماءَ بالكفِّ.
والغُرْفَةُ بضم الغَين: الاسمُ، وهي ملء كفٍّ من الماء.
قوله: "تمَضْمَضَ واستنشَقَ ثلاثًا"، بثلاث غَرَفَات، يعني: أخذ غَرْفَةً، وجعلَ بعضَه في فمه، وبعضَه في أنفه، وكذلك فعلَ في الغَرْفَة الثانية والثالثة.
قوله: "فمَضْمَضَ واستنشقَ من كفٍّ واحدةٍ ففعلَ ذلك ثلاثًا"، يعني: أخذ غَرْفةً واحدةً، وجعل بعضَه في فمه، وبعضَه في أنفه، ثم جعلَ ثانيًا وثالثًا، كلُّ ذلك من كفٍّ واحدة، والرواية التي بعدَ هذا مثلُ هذا، إلا أنهما اختلفا في اللفظ.
"عبد الله بن زيد بن عاصم" بن كعب بن عوف الأنصاري.
* * *
٢٦٨ - رُوي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: توضَّأ النبيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً.
٢٦٩ - وعن عبد الله بن زيد: أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأَ مرَّتينِ مرَّتين.
٢٧٠ - وروي عن عثمان ﵁: أنَّهُ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا.
قوله: "مَرَّةً مَرَّةً"، يعني: غَسَلَ كلَّ عُضْوٍ مَرَّةً واحدةً، ومَسَحَ برأسه مَرَّةً واحدة، هذا هو أقلُّ الوضوء، والمرَّتان أفضلُ، والثلاث هو الأكمل، وقد فعل رسول الله كلَّ ذلك؛ ليبيَّنَ لأمته؛ أنَّ: جميعَ ذلك جائز، فمَنْ فعلَ الأكملَ يكونُ ثوابُه أكثرَ.
* * *
стр. 438
٢٧١ - وقال عبد الله بن عمرو: رأى النبيُّ ﷺ قومًا توضَّؤُوا وأعقابُهُمْ تَلُوحُ لم يمسَّهَا الماءُ فقال: "ويلٌ للأَعقابِ مِنَ النَّارِ، أَسبِغُوا الوُضُوء".
قوله: "وأَعْقابُهُم تَلُوحُ"، الواو في (وأعقابهم) للحال.
والأعقاب: جمع عَقِب، وهو خَلْف القدم.
(تلوح)؛ أي: تظهرُ يُبُوسَتُها، لم يصلْ إليها الماء.
"فقال رسول الله ﵇: ويلٌ للأعقابِ من النَّار"، يعني: تصلُ النارُ المواضعَ التي لم يَصِلْ إليها الماءُ من مواضعِ الوضوءِ إذا كان إيصالُ الماءِ إليها فَرْضًا.
"أسبِغُوا"، أي؛ أَتِمُّوا.
* * *
٢٧٢ - وقال المُغيرة بن شُعبة ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأَ، فمَسحَ بناصيَتِهِ وعلى عِمَامَتِهِ وخُفَّيْهِ.
قوله: "فمسحَ بناصِيِتهِ"، اعلم أن مسحَ جميعِ الرأس فرضٌ عند مالك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وعند أبي حنيفة: مسحُ قَدْرِ الناصيةِ فرضٌ بدليل هذا الحديث.
وعند الشافعي: فلو مسحَ على ثلاث شعرات، وفي قولٍ: على شَعْرَةٍ واحدة لأَجزَأَهُ؛ لأن الباءَ في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ للتبعيض، والقليلُ بعضٌ كالكثير.
وإنما مسح رسول الله ﵇ على العِمَامة؛ لتكميلِ المَسْح، فكما أن المَسْحَ على الخُفَّين يقومُ مَقامَ غَسْل الرجلين، فكذلك المسحُ على العِمامة يقوم مَقام
стр. 439
المسحِ على الرأس في تكميل المَسْح، لا في قَدْرِ الفَرْض؛ لأن مَسْحَ الرأسِ بقدْرِ الفَرْضِ سهلٌ لا مشقةَ في كشفه من العِمَامة، بخلافِ كشف الرِّجْلِ من الخُفِّ.
"المغيرة بن شعبة" بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي.
* * *
٢٧٣ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ يُحبُّ التَّيَمُّنَ ما استطاعَ في شأْنِهِ كُلِّهِ: في طُهُورِهِ، وتَرَجُّلِهِ، وتَنَعُّلِهِ.
قوله: "يُحبُّ التيمُّنَ"، (التيمُّنُ): الابتداء باليمنى.
"في شَأْنه"، أي؛ في أمره، (الشأن): الأمر.
"في طُهُوره"، أي: في وضوئه، يعني: يغسِلُ أولًا يدَه اليمنى ورجلَه اليمنى قبل اليسرى.
"وتَرَجُّلِه"، (التَّرَجُّلُ): امتشاطُ الرأس، وهو استعمالُ المِشْطِ في الرأس، يعني: يتمشَّطُ الجانبَ الأيمنَ من رأسه قبل اليسار.
و (التَّنَعُّلُ): لُبْسُ النَّعْلَين، يعني: يدخل رِجْلَه اليمنى في النَّعْلِ قَبْلَ اليُسْرى.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٧٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا لَبِسْتُمْ وإذا توضَّأْتُمْ فابْدَؤُا بأَيمانكم".
قوله: "فابدَؤُوا بأيامِنِكُم"، (الأَيامِنُ): جمع الأيمن، وهو بمعنى اليمين، والمَيامِنُ: جمع المَيْمَن، وهو بمعنى اليمين أيضًا، وفي رواية: "ميامنكم".
* * *
стр. 440
٢٧٥ - وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسمَ الله عليهِ".
قوله: "لا وضوءَ"، يعني: لا وضوءَ كاملًا لمن لم يَذْكُرِ اسمَ الله عند التوضُّؤ، و (لا) لنفي الكمال عند أكثرِ العلماء.
وقال بعضهم: بَطَلَ وضوؤُه.
وقال إسحاق بن رَاهَوَيه: إنَّ مَنْ تَرَك التسميةَ عامدًا بطلَ وضوؤه، وإن تركَها ناسيًا لم يَبْطُلْ.
وأبو "نفيل": عبد العُزَّى القرشي.
* * *
٢٧٦ - وقال لَقيط بن صَبِرة: قلت: يا رسولَ الله! أخبِرْنِي عن الوُضُوءِ، قال: "أسْبغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بينَ الأَصابعِ، وبالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أن تكونَ صائمًا".
قوله: "أَسْبغِ الوُضوءَ"، فإن قيل: هذا الجواب لا يناسِبُ ظاهرَ السؤال؛ لأنه ﵇ لم يعلِّمْه كيفيةَ التوضُّؤ، وهو سأل عن الوُضوء؟.
الجواب: أنه سألَ عن بعض سُنَن الوضوء أو كمالِه لا عن أصلِ الوضوء، فإنه يعرِفُ الوضوء.
وقوله: "ثم أَسْبَغِ الوُضوءَ"، يعني: لا تتركْ شيئًا من فرائضه وسُننه، وتخليلُ الأصابعِ سُنَّةٌ، إن وصل الماءُ بين الأصابع عند غَسْلِ الرِّجْلَين، وإن لم يصل فتخليلُها واجبٌ، والمبالغةُ في الوضوء سنة، وهو أن يوصِلَ الماءَ في المضمضة إلى الحَلْق، وفي الاستنشاق إلى باطن الأنف، ويجرَّه إلى أقصى الأنف، إلا أن يكون صائمًا فلا يبالغ كيلا يصلَ الماءُ في بطنه، ويبطل صومه.
стр. 441
"لَقِيط بن صَبرة"، وقيل: بل: لَقِيطُ بن عامر بن صَبرة بن عبد الله بن المُنْتَفِق.
* * *
٢٧٨ - وقال المُسْتَوْرِدُ بن شدَّاد: رأَيتُ رسولَ الله ﷺ إذا توضَّأَ يَدْلُكُ أصابعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.
قوله: "يَدْلُكُ أصابعَ رِجْلَيه"، أي: يُخَلِّلُها.
"بخِنْصَره"، أي: بخِنْصَرِه اليسرى.
فالسُّنَّةُ تخليلُ الأصابعِ بخِنْصَر اليدِ اليسرى، يبدأ برجلِه اليمنى من الخِنْصَر إلى الإبهام، وبرِجْلِه اليسرى من الإبهام إلى الخِنْصَر.
المُسْتَوْرِد بن شدَّاد بن عُمَر الفِهْري القرشي.
* * *
٢٧٩ - وقال أنس: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا توضَّأ أخذَ كفًّا مِنْ ماءٍ فأَدخَلَهُ تحتَ حَنَكِهِ، فخلَّلَ بِهِ لحيتَهُ، وقال: "هكذا أمرَنِي ربِّي".
قوله: "تحت حَنَكِه"، أي: تحتَ لِحْيته، يعني: إذا غسلَ وجهَه أخذَ كَفَّ ماء، وخلَّل به شعر لحيتهِ من جانب حَلقه؛ ليصلَ الماءُ إلى كل جانبٍ من اللحية، ويفعل هذا وقتَ غَسْلِ وجهه؛ لأنه من كمال غَسْلِ الوجْهِ، لا بعد الفراغ من الوضوء كما ظنه قومٌ.
* * *
٢٨٠ - وعن عثمان ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُخلِّلُ لِحْيَتَهُ.
стр. 442
قوله: "عن عثمان ... " إلى آخره، معناه ظاهر.
* * *
٢٨١ - عن أبي حَيَّة ﵁ قال: رأيتُ عليًّا ﵁ توضَّأَ فغسلَ كفَّيْهِ حتَّى أنقاهُما، ثمَّ مَضْمَضَ ثلاثًا، واستنشَقَ ثلاثًا، وغسلَ وجهَهُ ثلاثًا، وذِرَاعَيْهِ ثلاثًا، ومسحَ برأْسِهِ مَرَّةً، ثمَّ غسلَ قَدَمَيْهِ إلى الكعبَيْنِ، ثمَّ قامَ، فأخذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فشَرِبَهُ وهو قائمٌ، ثم قال: أَحبَبْتُ أنْ أُرِيَكُمْ كيفَ كانَ طُهُورُ رسولُ الله ﷺ ، ويُروى: فمضمضَ واستنْشَقَ ونَثَرَ بيَدِهِ اليُسرى، فعلَ ذلك ثلاثًا، ويُروى: ثم تضمضَ واستنْشَقَ بكفٍّ واحدةٍ ثلاثَ مرات.
قوله: "حتى أنقاهما"، أي: حتى أزال الوَسَخ من كفيه.
(الإنقاء): التطهير.
"وذراعيه"، يعني: ويديه من رؤوس الأصابع إلى المِرْفَقين.
"فَضْلَ طَهُورِه"، بفتح الطاء، يعني: بقية الماء الذي توضَّأَ به، وعِلَّةُ شُرْبِ فَضْل الطَّهُور: أنه ما يُؤَدَّى منه عبادة، وهي الوضوء، فيكونُ فيه بركةٌ، وما فيه بركةٌ يَحْسُنُ شُرْبُه، وأما شُرْبُه من القيام قد يكون لتعليم الناسِ أن الشُّرْبَ قائمًا جائزٌ وليس بحرام.
وقد جاء أحاديثُ تدلُّ على نَهْيِ الشُّرْب من القيام.
ويأتي بحث هذا في بابه إن شاء الله تعالى.
"كيف كان طُهُوُر رسولِ الله ﵇"، بضم الطاء: وهو التوضُّؤ.
و"أبو حية" بالياء المنقوطة بنقطتين من تحتُ، وهو ابن قيس الوَدَاعِيُّ الهَمْدَانيُّ، الهَمْدان: اسم قبيلةٍ من اليمن.
* * *
стр. 443
٢٨٣ - عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ مسحَ برأسِهِ وأُذُنَيْهِ باطِنِهِمَا بالسَّبَّابَتَيْنِ، وظاهِرِهما بإبهامَيْهِ.
قوله: "باطِنِهما بالسَّبَّابتين"، باطنُ الأذن: الطرفُ الذي فيه الثُّقْبة، وظاهره: الطَّرَفُ الذي يَلِي الرَّأْسَ.
و (السَّبَّابتين): بمعنى المُسَبِّحَتَين.
عند الشافعي ﵁: يمسَحُ الأذن بماءٍ جديدٍ، لا بالماء الذي مَسَحَ به الرأسَ.
وعند أبي حنيفة ﵁: يمسحُ الأذنين مع الرأس بماءٍ واحد.
* * *
٢٨٤ - وعن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ: أنَّها رأَت النبيَّ ﷺ يتوَضَّأُ، قالت: ومسَحَ رأْسَهُ ما أقبلَ مِنْهُ وما أدْبَرَ، وصُدْغَيْهِ، وأُذُنَيْهِ مَرَّةً واحِدةً، وقالت: وأَدخلَ أُصْبُعَيْهِ في جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ.
قوله: "وصُدْغَيه"، (الصُّدْغُ): الشَّعْرُ الذي بين الأذن وبين الناصية من كلِّ جانبٍ من جانبي الرأس، (جُحْرُ) الأذنِ وصماخُه: ثُقْبةٌ مفتوحة إلى الدماغ.
"الرُّبَيِّع بنت معوذ" بن الحارث بن رِفَاعة بن النَّجَّار.
* * *
٢٨٥ - وعن عبد الله بن زَيد: أنَّه رأى النبيَّ ﷺ توضَّأَ، وأنَّه مسحَ رأسَهُ بماءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ.
قوله: "بماء غيرِ فَضْلِ يديه"، يعني: مسحَ رأسَه بماءٍ جديد، لا بالماءِ الذي بقيَ على يديه من غَسْلِ اليدين؛ لأن ذلك الماء مستعمَلٌ.
وهذا الحديث منقول في "صحيح المسلم"، فينبغي أن يكون من الصحاح،
стр. 444
فلعلَّ المصنف ﵀ لم يشعرْ كونَه في صحيح مسلم، ووجده في "صحيح الترمذي" فجعله من الحِسَان.
واعلم أن عبد الله بن زيد حيث أتى ذكرُه في كتاب "المصابيح" فهو: عبد الله بن زيد بن عاصم، إلا في (حديث الأذان)؛ فإنه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخَزْرَجِي.
* * *
٢٨٦ - عن أبي أُمامة، ذكرَ وُضوءَ رسولِ الله ﷺ ، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يمسحُ المَأْقَيْن، قال: وقال: "الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأسِ"، وقيل: هذا من قول أبي أُمامة.
قوله: "يمسح المَأْقَيْنِ"، (المَأْقُ): طَرَفُ العَيْنِ من جانب الأيمن، يعني: ذكرَ صفة وضوء رسول الله ﵇، وذكرَ من جملتها أنه ﵇ يمسَحُ المَأْقين؛ أي: ينقِّيهما ويغسِلُها من الغَمَص، وهو قُبْح العين.
قوله: "قال: الأذنان من الرأس"، يعني: قال أبو أُمَامة: إن رسول الله ﵇ قال: "الأذنان من الرأس"، يعني: يجوز مسحُ الأذنين مع مسح الرأس بماءٍ واحد، وهو مذهبُ أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵃.
وقال الشافعي: تُمسَحُ الأذنان بماء جديد، لا بالماء الذي مُسِحَ به الرأسُ.
* * *
٢٨٧ - وعن عمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ أعرابيًّا سألَ النبيَّ ﷺ عَنِ الوُضُوءِ، فأَراهُ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هكذا الوُضُوءُ، فمنْ زادَ على هذا فقدْ أَساءَ وتعدَّى وظلَمَ".
قوله: "أراه" الوضوء.
стр. 445
"ثلاثًا ثلاثًا"، يعني: غسلَ كلَّ عضوٍ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء بترْكِ الأدب بمخالفة رسول الله ﵇.
"وتعدَّى"، أي: جاوز الحد المحدود، وهو التوضؤ ثلاثًا ثلاثًا.
"وظلم"، أي: وظلمَ نفسَه لمخالفةِ رسول الله ﵇، أو لأنه أتعبَ نفسَه فيما زاد على الثلاث من غير حُصُولِ ثوابٍ له، أو لأنه أتلفَ الماءَ بلا فائدة.
* * *
٢٨٨ - عن عبد الله بن المُغَفَّل ﵁: أنَّه سمعَ ابنهُ يقولُ: اللهمَّ إنَّي أسألُكَ القَصْرَ الأبيضَ عَنْ يمينِ الجنَّةِ، قال: أيْ بنيَّ، سَلِ الله الجنَّةَ، وتعوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فإنَّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنه سيكونُ في هذه الأُمَّةِ قوْمٌ يعتدونَ في الطُّهُورِ والدُّعاءِ".
قوله: "يَعْتَدُونَ في الدُّعاء والطَّهور"، معنى الحديث: أن ابن عبدِ الله بن مُغَفَّل بلغَه أنَّ عن يمين الجنةِ قصرًا أبيضَ فقال: اللهم إني أسألك القصرَ الأبيض، فقال له أبوه: أيْ بني! يعني: يا بني، لا تسألْ شيئًا معيَّنًا من الجنة؛ لأنه ربما يكونُ ذلك الشيءُ مقدَّرًا في تقدير الله لشخصٍ مُعيَّن غيرِك، فحينئذ سألتَ ما ليس لك، ومن سأل شيئًا ليس له فقد تعدَّى في الدعاء؛ لأنه طلبَ شيئًا ليس له، ومن سألَ شيئًا أكثرَ من قَدْره، أو سألَ شيئًا ليس له إليه حاجةٌ فقد تعدَّى في الدعاء.
وأما التعدِّي في الطَّهور: فهو أن يغسِلَ الأعضاءَ أكثرَ من ثلاثِ مرَّات، أو أسرفَ في إراقةِ الماءِ في الاستنجاء والوضوء والغُسْل.
* * *
стр. 446
٢٨٩ - وعن أُبَيّ بن كعب ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ للوُضُوءِ شيطانًا يُقالُ له: الوَلْهَانُ، فاتَّقُوا وَسْوَاسَ الماءِ" ضعيف.
قوله: "يقال له: الوَلْهَان"، بفتح الواو واللام: مصدر من وَلِهَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر -: إذا تحيَّرَ من غاية العِشْقِ بشيءٍ، يعني: وكَّلَ إبليسُ شيطانًا بإيقاع الوسوسة في الوضوء، يقول للمتوضِّيء: لم يَصِل الماءُ إلى هذا العُضْو، زدْ مرةً أُخرى، حتى يحملَه على غَسْلِ الأعضاء أربعَ مرات وأكثر؛ ليوقعَه في البدعة؛ لأن استعمالَ الماءِ أكثرَ من ثلاث مراتٍ بدعةٌ، فأمر النبي ﵇ أمتَه أن يحذَرُوا من الوَسْوَسة والإسرافِ في استعمال الماء.
وسمِّيَ هذا الشيطان وَلْهانًا؛ لإلقاء الناس في التحيُّر حتى لم يعلموا هل وصل الماء في أعضاء الوضوء والغسل، أو لم يصل؟ وهل غسل مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أكثر؟
كنية "أُبَيِّ بن كعب": أبو المنذر، وجدُّه: قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية ابن عمرو.
* * *
٢٩٠ - عن مُعاذ بن جَبلٍ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا توضَّأَ مسحَ وجهَهُ بطَرَفِ ثَوْبِهِ. غريب.
قوله: "مسح وجهه بطرف ثوبه"، يعني: نَشَّفَ أعضاءَه بعد الوضوء، وفي تنشيف الأعضاء بعد الوضوء وجهان:
أحدهما: أن السنة ألَاّ يُنشِّفَ أعضاءَه بعد الوضوء؛ لحديث ميمونة في (باب الغسل).
والثاني: أن السنة أن ينشِّفَ الأعضاءَ بدليل هذا الحديث، والذي بعدَه.
стр. 447
وروي عن عائشة: أنها كانت للنبي ﵇ خِرقةٌ ينشِّفُ بها أعضاءَه.
* * *
٢٩١ - ورُوي عن عائشة ﵂: أنَّها قالت: كانَ للنبيِّ ﷺ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بها بعدَ الوُضُوءِ، وهو ضعيف.
قولها: "يُنَشِّفُ بها بعد الوضوء"، أي: ينشِّفُ بها أعضاءَه، والله أعلم.
* * *
٦ - باب الغُسْل
(باب الغسل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جلسَ أحدُكُمْ بينَ شُعَبِهَا الأربَعِ، ثم جهدَهَا فقدْ وجبَ الغُسْلُ وإنْ لم يُنْزِل".
قال الشيخ الإمام ﵀: وما رُوي:
قوله: "بين شُعَبِها الأربع"، (الشُّعَبُ): جمع شُعْبَة، وهي الغُصْنُ من الشجرة.
قيل: أراد بشُعَبها الأربع: يديها ورجليها، وقيل: رجليها وطرفي فَرْجِها.
"ثم جَهَدَها"، أي: ثم جامعَها.
قال ابن الأعرابي: جَهَدَ الرجلُ امرأتَه: إذا جامعَها، والأصحُّ أن الجَهْدَ:
стр. 448
هو الجِدُّ والمبالغة في الأمر، وكل ذلك كنايةٌ عن المجامعة.
فعبر رسول الله ﵇ عن المجامَعة بالكناية؛ لأن الكنايةَ في مثل هذه الأشياء أفصحُ؛ لأن المقصودَ منه معلومٌ، يعني: إذا التقى الختانان وجبَ الغسل وإن لم يُنْزِلِ المَنِيَّ.
* * *
٢٩٣ - عن أبي سعيد الخُدري، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ"، منسوخ.
قال ابن عباس ﵄: "إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ" في الاحْتِلَامِ.
قوله: "الماءُ من الماءِ"، أي: استعمالُ الماءِ في الغُسْل يجبُ بخروج الماءِ الذي هو مَنِيٌّ من الذَّكَر، يعني: لو جامع ولم ينزل المَنِيَّ لم يَجِبِ الغُسْلُ.
وهذا منسوخٌ بالحديث الذي قبلَ هذا، وربما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (إذا التقى الختانان وجبَ الغُسْلُ، فعلتُ أنا ورسولُ الله فاغتسلْنا).
قوله: "إنما الماءُ من الماءِ في الاحتلام"، يعني: هذا الحديث الذي هو: "إنما الماء من الماء" منسوخٌ في المجامَعة، ولكن معمولٌ به في النَّوْم، فإن رأى في النوم أنه يجامعُ امرأةً، ثم استيقظَ ورأى المَنِيَّ وجبَ عليه الغُسْلُ، وإن لم يرَ المَنِيَّ لم يجبْ عليه الغُسْلُ.
* * *
٢٩٤ - وقالت أُمُّ سُلَيْم: يا رسولَ الله! إنَّ الله لا يَسْتَحْيي مِنَ الحقِّ، فهلْ على المرأةِ مِنْ غُسْلٍ إذا احتَلَمَتْ؟ قال: "نَعَمْ، إذا رأَتِ الماءَ"، فغطَّتْ أُمُّ
стр. 449
سَلَمَة وَجْهَهَا وقالت: يا رسولَ الله! أوتَحْتَلِمُ المرأةُ؟ قال: "نعم، تَرِبَتْ يَمينُكِ فبمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُها؟ إنَّ ماءَ الرَّجلِ غليظٌ أبيضُ، وماءَ المرأةِ رقيقٌ أصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِما عَلَا وسبقَ يكونُ منهُ الشَّبَهُ".
قولها: "إن الله لا يستَحْيِي من الحق"، يعني: أنا أيضًا لا أستحيي من سؤالٍ هو حق.
"فغطَّت أمُّ سلمةَ"، أي: سترتْ وجهَها استحياءً مما سألتْ أمُّ سُلَيم: أوتحتلم المرأة؟ وتقديره: أتحتلم المرأة ويكون لها مَنِيٌّ، ويخرجُ مَنِيُّها كالرجل؟
"تَرِبَتْ يمينُكِ"، هذا دعاءٌ لا يرادُ وقوعُه، بل يقال عند ذَمِّ أحدٍ على قولٍ أو فِعْلٍ، وقد يقال للتلطُّف، ومعنى (تَرِبَتْ يمينُكِ): أي: صِرتِ خائبةً خاسرةً، ومثله: بيدك الترابُ.
قوله: "فبم يشبِهُها ولدُها؟ "؛ يعني: قد يشبه الولد الأم، فإن لم يكن لها مَنِيٌّ لم يشبهها؛ لأن المشابهةَ إنما تكونُ إذا كان الولدُ جزءًا منها.
قوله: "فمن أيِّهما علا"، يعني: إذا كان وقوعُ مَنيِّهما في الرَّحمِ معًا فأيُّهما يكون مَنِيُّه أعلى من مَنِيِّ صاحبه يكون شَبَهُ الولدِ به أكثرَ.
قوله: "أو سبق"، يعني: إن وقع مَنِيُّ أحدهما في الرَّحِمِ قبلَ صاحبِه يكون شَبَهُ الولدِ بمن سبقَ منيُّه أكثرَ.
اسم أبي "أم سليم": زيد بن خالد بن زيد، ولم يعرَفْ لها اسم.
* * *
٢٩٥ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنابَةِ بدأَ فغسَلَ يَدَيْهِ، ثمَّ توضَّأَ كما يتوضَّأُ للصلاةِ، ثمَّ يُدخِلُ أصابِعَهُ في
стр. 450
الماءِ فيُخَلِّلُ بها أُصولَ شعرِهِ، ثمَّ يَصُبُّ على رأْسِهِ ثلاثَ غَرَفَاتٍ بيدَيْهِ، ثمَّ يُفيضُ الماءَ على جِلْدِهِ كُلِّه، ويُروى: يبدأُ فيغسِلُ يدَيْهِ قبلَ أنْ يُدْخِلَهُمَا الإِناءَ، ثمَّ يُفْرغ بيميِنهِ على شمالِهِ، فيغسِلُ فرجَهُ، ثمَّ يتوضَّأُ.
قولها: "فغسَلَ يديه"؛ أي: كفَّيه.
"يُفِيضُ"، أي: يَصُبُّ، ويروى: "يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفْرِغُ"، أفرغ يُفْرِغُ: إذا صَبَّ.
* * *
٢٩٦ - وعن ابن عباس ﵄: أنَّه قال: قالت مَيْمُونة ﵂: وضعتُ للنبيِّ ﷺ غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ على يَدَيْهِ فَغَسَلَهُما، ثُمَّ أَدْخَل يَمينَهُ في الإِناءِ، فَأَفْرَغَ بها على فَرْجِهِ، ثم غَسَلَهُ بِشمَالِهِ، ثمَّ ضربَ بشِمالِهِ الأرضَ، فدلَكَها دَلْكًا شديدًا، ثم غسلَهَا، فمضمضَ واستنْشَقَ، وغسلَ وجهَهُ وذِرَاعَيْهِ، ثم أَفْرَغَ على رأْسِهِ ثلاث حَفَنَاتٍ مِلءَ كَفَّيهِ، ثمَّ غسلَ سائرَ جسدِهِ، ثم تَنَحَّى فغَسَلَ قَدَميْهِ، فناولْتُهُ ثوبًا فلم يأخُذْهُ، فانطلقَ وهو يَنْفُضُ يَدَيْهِ.
قولها: "وضعتُ للنبيِّ ﵇ غُسْلًا"، الغُسْلُ بضم العين: الماءُ الذي يُغْتَسل به، والغِسْل بكسر الغين: ما يغسَلُ به الرأسُ من الطِّيب، والخِطْمِيِّ.
وقولها: "وضعت للنبي ﵇ غُسْلًا"، يعني: وضعتُ ماءً ليغتسلَ به، فسترتُه بثوبٍ، أو ضربتُ له سِترًا يغتسلُ وراءَه كيلا يراه أحدٌ.
"فدَلَكَها"، أي: مسحَ يدَه على الأرض لكي تزولَ منها الرائحةُ الكريهةُ.
(الحَفَنَات): جمع حَفْنة، وهي ملء الكفَّين من الماء وغيره.
وقولها: "مِلْء كَفَّيه"، هذا تأكيدٌ للحَفَنات.
стр. 451
"تَنَحَّى"، أي: تباعَدَ من ذلك الموضِع.
قولها: "ثم تنحَّى فغسل قدميه"، يعني: لم يغسِلْ قدميه حين توضَّأَ، بل أَخَّر غَسْلَهما إلى آخرِ الغسل.
وفي الحديث المتقدِّم قولُ عائشة: "يتوضَّأ كما يتوضَّأُ للصلاة" يدلُّ على أنه ﵇ غسلَ قدميه حين توضَّأ؛ لأن الوضوءَ إنما يكون كما يتوضَّأُ للصلاة إذا غسلَ القدمين، فيجوز في الغسل أن يغسِلَ القدمين عند الوضوء، وأن يؤخِّرَهما إلى آخرِ الغسل بدليل هذين الحديثين.
"فناولتُه"، أي: أعطيتُه.
قولها: "فلم يأخذه"، أي: فلم يأخذ الثوبَ.
ذكر في "شرح السنة": أنه إنما لم يأخذ الثوبَ؛ للاحتراز من تنشيف الأعضاء، فتَرْكُ التنشيفِ سُنَّةٌ.
"فانطلق"، أي: فمشى، "وهو ينفضُ يديه"، (النَّفْضُ): التحريكُ، يعني: يحرِّكُ يديه في المشي كما هو عادةُ من له رجوليةٌ وقوةٌ، فإن صاحبَ الشوكةِ والقوةِ يحرِّك يديه في المشي، وليس معناه نفضَ اليدين لإزالة ما على يديه من الماء؛ لأن نَفْضَ اليدِ في الوضوء والغُسْل مكروهٌ.
وقيل: بل المراد منه: نفضُ اليدين؛ لإزالة الماء المستعمَلِ عنه؛ فعند هذا التأويل لا يكون نفضُ اليد في الوضوء والغُسْل مكروهًا.
اسم أبي "ميمونة": الحارث بن حَزْن بن بُجَيْر بن الهُزَم بن رُويَبْة بن عبد الله.
* * *
٢٩٧ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ امرأةً سألت النبيَّ ﷺ عن غُسْلِها مِنَ المَحيضِ، فأمَرَهَا كيفَ تغتَسِلُ، ثمَّ قال: "خُذِي فِرْصةً مِنْ مِسْكٍ فتطهَّري
стр. 452
بها"، قالت: كيفَ أتطهَّرُ بها؟ قال: "سُبحانَ الله! تطهرِّي بها"، قالت: كيفَ أتطهَّرُ بها؟ فَاجْتَذَبْتُهَا إليَّ فقلتُ: تتَبَّعي بها أثرَ الدمِ.
قولها: "من المَحِيض"، (المحيضُ): الحَيْضُ.
"فأمرها كيف تغتسل"، يعني: أمرَها أن تغتسلَ كما تغتسلُ من الجَنَابة.
"الفِرْصَةُ" - بكسر الفاء وبالصاد غير المعجمة -: قطعةٌ من قطنٍ، أو خِرْقةٌ.
قوله: "من مِسْكٍ"، (من) تبيينٌ لشيءٍ مقدَّرٍ؛ أي: فِرْصَةٌ مطيَّبةٌ من مِسْك.
وقيل: لا يقالُ (فِرْصةَ) إلا إذا كانت مطيَّبةً، فعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقال: فِرْصة مطيَّبة.
قوله: "فتَطَهَّرِي"، أي: فتطيَّبي بها، فاستعملي بها في المواضع التي أصابها دم الحيض حتى يصير مطيَّبًا.
"فاجْتَذَبْتُها إليَّ"، أي: قَرَّبْتُها إلى نفسي، وقلتُ لها سرًا: "تَتَبَّعي بها"، أي: اتَّبعِيها واستعملِيها في الفَرْج، وحيثُ أصابه الدَّمُ.
* * *
٢٩٨ - وقالت أم سَلَمَة: قلت: يا رسول الله! إنِّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رأْسي، أفأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنابَةِ؟ فقال: "لا، إنَّما يكفيكِ أنْ تَحْثِي على رأْسِكِ ثلاثَ حَثَيَاتٍ، ثمَّ تُفيضينَ علَيْكِ الماءَ فَتَطْهُرين".
قولها: "أَشُدُّ" - بفتح الهمزة وضم الشين -: مضارعُ متكلِّمٍ مِنْ: شدَّ الضُّفْرَ: نَسَجَ شَعْرَ الرأسِ وجعلَه ذُؤَابةً، و (الضفيرةُ): الذُّؤَابةُ، يعني: أجعلُ
стр. 453
نَسْجَ شَعْرِ رأسي شديدًا، أفأنقضُه وأُفرِّقُه للغسل أم لا؟
"أن تَحْثِي"، أصله: تَحْثِينَ، فسقطت النون للنصب، و (الحَثْيُ): التفريقُ وصبُّ الماء.
"ثلاث حَثَيَات"، أي: ثلاثَ مرات؛ أي: تصبِّي على رأسك ثلاثَ مرَّاتٍ، إما بالكفِّ أو بظَرْفٍ، وليس المرادُ من ثلاث حَثَياتٍ الحصرُ بثلاثٍ بحيثُ لا يجوزُ أقلُّ منه أو أكثر، بل المراد منه: إيصالُ الماء إلى الشعر، فإنْ وصلَ الماءُ إلى الشعر، وإلى باطنِ الشعرِ؛ وظاهرِه بمرة واحدةٍ يكونُ الثلاث سُنَّةً، وإن لم يصل بثلاثٍ تكونُ الزيادةُ عليها واجبةً، حتى يصلَ الماءُ إلى ظاهرِه وباطنه.
قوله: "ثم تفِيضِينَ"، أي: تصبِّين على سائر أعضائك فتطهُرين؛ أي: فتصيرين بعد إيصال الماء إلى جميع أعضائك طاهرةً.
ونقضُ الضفائر عند إبراهيمَ النَّخَعي واجبٌ سواء وصلَ الماء إلى باطنها أو لم يصِلْ.
وعند الشافعي: إن وصل لم يجب، وإن لم يصل واجب.
وعند أبي حنيفة: وجب إيصالُ الماء إلى أصول ضفائر النساء، فإذا وصل الماءُ إلى أصولها لا يجبُ أن يصلَ الماء إلى باطن الشعر المضفور.
وأما في الرجال: يجبُ إيصالُ الماء إلى ظاهرِ شعرهم المضفورِ، وباطنه عند أبي حنيفة أيضًا.
* * *
٢٩٩ - وقال أنسٌ: كانَ النبيُّ ﷺ يتوضَّأُ بالمُدِّ، ويغتَسِلُ بالصَّاع إلى خَمْسَةِ أَمدادٍ.
стр. 454
قوله: "يتوضَّأُ بالمُد"، (المُدُّ): رَطْلٌ وثلث رطلٍ بالبغدادي، و (الصاع): أربعة أمداد.
* * *
٣٠٠ - وعن مُعاذةَ ﵂ قالت: قالت عائشة ﵂: كُنْتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ بيني وبَيْنَهُ، فيبادِرُني، فأقول: دَعْ لي، دع لي، قالت: وهُما جُنُبان.
قولها: "بيني وبينه"، أي: موضعُ ذلك الإناء بيني وبينه، وهو واسعُ الرأس، نجعلُ أيدينا ونأخذَ الماء.
"فيبادرني"، أي: فيسبِقُني، ويأخذُ قبلي.
"دع لي"، أي: اترك الماءَ لي.
وهذا الحديث يدلُّ على أن الماء الذي غَمَسَ فيه الجنُب يدَه طاهرٌ مُطهَّر، سواءٌ فيه الرجلُ والمرأة.
"معاذة" اسم أبيها: عبد الله، مولاة عبدِ الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُول.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٠١ - عن عائشةَ ﵂ قالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الرَّجُلِ يجدُ البَلَلَ ولا يَذكُرُ احتِلامًا؟ قال: "يغتَسِلُ"، وعَنِ الرَّجلِ يرى أنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ ولا يجدُ بللًا؟ قال: "لا غُسْلَ عَلَيْهِ"، قالَتْ أُمُّ سُليم: هَلْ على المرأةِ تَرى ذلك غُسْلٌ؟ قال: "نعَمْ، إنَّ النِّساءَ شَقَائِقُ الرِّجالِ".
قوله: "يَجِدُ البَلَل"، أي: يجد المَنِيَّ إذا استيقظ.
стр. 455
"ولا يذكر احتلامًا"، يعني: لا يذكرُ بعد التنبيهِ من النوم أنه جامعَ أحدًا في النوم.
"يرى"، أي: يظنُّ، يعني بهذا الحديث: إن استيقظ ووجد المَنِيَّ وجبَ الغُسْلُ، وإلا فلا.
قوله: "ترى ذلك"، أي: ترى الاحتلام.
"شَقَائِق الرجال"، أي: أمثالُ الرجال في البشرية، فيجبُ الغُسْلُ على المرأةِ بخروج المَنِيِّ كالرجل.
و (الشقائق): جمع شقيقة وشقيق، يقال: هذا شقيق هذا؛ أي: كلاهما مَشْقوقان من شيءٍ واحد، والمراد ها هنا: أن الرجل والمرأة من أصلٍ واحد وهو آدم ﵇.
* * *
٣٠٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا جاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ وجَبَ الغُسلُ".
قوله: "إذا جاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ"، والمراد بمجاوزة الخِتَانِ الخِتَانَ: تغييبُ الحَشَفَةِ في الفَرْج.
* * *
٣٠٣ - وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "تحتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جنابَةٌ، فاغْسِلُوا الشَّعرَ، وَأَنْقُوا البَشَر"، ضعيف.
قوله: "تحتَ كلِّ شَعْرةٍ جَنَابة"، يعني: لو بقيتْ شعرةٌ واحدةٌ لم يصل إليها الماءُ بقيتْ جنابةُ الرجل.
قوله: "فاغسِلُوا الشعرَ"، أي: أوصلوا الماءَ إلى الشعر.
стр. 456
"وأَنْقُوا البَشَرَة"، يعني: فطهِّرُوا البشرةَ من الوَسَخِ، وأوصِلُوا إليها الماءَ، فلو كان في موضع وَسَخٌ بحيث لا يصلُ الماءُ إلى تحته لم تُرفَعِ الجنابة.
* * *
٣٠٤ - وقال عليٌّ ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ تركَ مَوْضِعَ شَعرةٍ من الجنابَةِ لَمْ يَغْسِلْهَا؛ فُعِلَ بها كذا وكذا من النَّار"، قال عليٌّ ﵁: فَمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ رأسي.
قوله: "فُعل بها كذا وكذا"، أي: فُعِلَ بتلك الشعرةِ من العَذاب ومسِّ النار عذابًا شديدًا.
"قال علي فمِن ثَمَّ", أي: من أجلِ أنْ سمعتُ هذا التهديدَ، "عاديتُ رأسي"، أي: فعلتُ بشعر رأسي فعلَ العدوِّ بالعدوِّ، يعني: قطعتُ شعرَ رأسي مخافةَ ألَاّ يصلَ الماءُ إلى جميع شعري، وقد صحت الروايةُ: أن عليًا ﵁ كان يَجُزُّ شعرَ رأسه؛ ليصل الماء إلى جميع رأسه.
وروي مثله عن حُذَيفة.
* * *
٣٠٥ - قالت عائشة ﵂: كان النبيُّ ﷺ لا يتوضَّأُ بعدَ الغُسْلِ.
قولها: "لا يتوضأ بعد الغسل"، هذا يحتملُ أمرين:
أحدهما: أن يتوضَّأَ في ابتداء الغُسْل، فإذا فرغَ من الغُسْل يكتفي بذلك الوضوءِ ولا يتوضَّأُ مرةً أخرى، والحُكْمُ كذلك في الفِقْه.
والثاني: أن يستنجيَ ويوصِلَ الماءَ بنية الغُسْل إلى جميع أعضائه، ولا يتوضَّأُ لا قبلَ الغُسْلِ ولا بعده، بل إذا ارتفعَ الحدثُ الأكبرُ وهي الجنابة يرتفعُ الحدثُ
стр. 457
الأصغر وهو ما يحتاجُ فيه إلى الوضوء، والحُكْمُ كذلك في الفقه.
* * *
٣٠٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله ﷺ يغسِلُ رأْسَهُ بالخِطْمِيِّ وهو جُنُبٌ، يجتزئُ بذلك، ولا يصبُّ عليه الماءَ.
قولها: "يغسل رأسه بالخِطْمِيِّ"، (الخِطْمِيُّ) بكسر الخاء: شيءٌ معروفٌ يُغْسَلُ به الرأس.
"يجتزِئُ بذلك"، أي: يكتفي بذلك الخِطْمِيِّ.
صورة هذا الحديث: أن يصبَّ رسولُ الله على رأسه الماءَ بنيةِ رفعِ الجنابةِ حتى يصلَ الماءُ إلى جميعِ شعرهِ، ثم يجعل الخِطْمِيَّ على رأسه؛ للتبرُّدِ وتطييبِ الرأس، ويترك الخِطْمِيَّ على رأسِه، ولا يصبُّ على رأسِه الماءَ بعد ذلك؛ لأنه ارتفعتِ الجَنابةُ عن رأسه قبل جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه، ثم يَصُبُّ على بدنه الماءَ؛ لرفع الجَنَابة من باقي بدنه، وإنما قلنا: غسَلَ باقي بدنه؛ أي: بعد جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه؛ لأن عائشة ﵂ قالت: "يغسلُ رأسَه بالخِطْمِيِّ وهو جُنُب" يعني: عند جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه كان جُنُبًا بالنسبة إلى باقي أعضائه، لا بالنسبة إلى رأسه.
* * *
٣٠٧ - عن يَعْلى بن أُمية: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحبُّ الحَيَاءَ والتستُّرَ، فإذا اغْتَسَلَ أحدُكُمْ فليَسْتَتِرْ".
قوله: "حَيِيٌّ" بياءين: الأُولى مكسورةٌ مخفَّفة، والثانية مشدَّدة مرفوعة، وأصله: (حييي) بثلاث ياءات على وزن (عليم)، فأُدغمت الثانية في الثالثة، يعني: إن الله كريمٌ تاركٌ لفضْحِ العباد، ومتجاوزٌ عن سيئاتهم.
стр. 458
قوله: "سِتِّير"، أي: ساترٌ على عيوب الناس، لا يهْتِكُ أستارَهم.
قوله: "يحبُّ الحياء والتَّسَتُّر"، يعني: يحبُّ هاتين الصورتين من عباده، كما قال رسول الله ﵇: "تخلَّقُوا بأخلاق الله"، يعني: ليكنْ فيكم صفاتُ الله مما يمكن أن يكونَ في المخلوق، يعني: كونوا رحماءَ على عباد الله، كما كان الله رحيمًا على عباده، وكذلك باقي الصفات من الكرم والُّلطْف وغير ذلك.
يعني: ليسْتُرْ كلُّ واحد منكم عورتَه، وليستَحْيي عن كَشْفِها إلا عند الخَلَاء، وحَلْقِ العانة، وغيرِ ذلك مما كان ضرورةً.
تَسَتَّر وأَسْتَرَ: إذا سَتَرَ الرجلُ نفسه.
"يَعْلَى": اسم أبيه: أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر.
* * *
*
٧ - باب مُخالَطةَ الجُنُب وما يُباح لَهُ
(باب مخالطة الجُنُب وما يباحُ له)
قوله: (المخالطةُ): المجالسةُ والمؤاكلةُ، وغيرُ ذلك مما يَجري بين اثنين من المعاشرة.
"وما يُباحُ له"، أي: وما يَحِلُّ للجُنُب.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٨ - قال أبو هُريرة ﵁: لَقِيَنِي رسولُ الله ﷺ وأنا جُنُبٌ، فأخذَ بيدي فمشيتُ معَهُ حتى قعدَ، فَانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحلَ فاغتسلتُ، ثمَّ جئتُ وهو
стр. 459
قاعدٌ، فقال: "أينَ كنتَ يا أبا هِرٍّ؟ "، فقلت له: لَقِيتَني وأنا جُنُبٌ، فكرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأنا جُنُبٌ، فقال: "سُبْحَانَ الله، إِنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُس".
قوله: "فانسللت"، (الانسلالُ): الخروجُ من بين شيءٍ، ومن بينِ قومٍ، (فانسلَلْتُ)؛ أي: أخرجتُ يدي من يده، وكرهتُ أن أجالسَه جُنُبًا.
"فأَتَيْتُ الرَّحْلَ"، أي: أتيت الماءَ بين الرَّحْل، وهو ما كان مع المسافر من الأقمشة، والرَّحْلُ أيضًا: الموضعُ الذي نزلَ فيه القومُ.
قوله: "يا أبا هِرٍّ"، اعلم أن هذه الكنيةَ وضعها رسول الله ﵇ حين رآه وفي ثوبه شيءٌ، فقال: "ما في ثوبك يا عبد الرحمن؟ " فقال: هِرَّةٌ، فقال: "أنت أبو هريرة"، فاشتهرَ بهذه الكُنية، وأحبَّ أن يدعوَه الناسُ بهذه الكنية؛ لبركة لفظِ رسولِ الله ﵇: "يا أبا هر" وربما قال له: "يا أبا هريرة"، ويجوز حذف الهمزة من الكُنية، يقال: يا با فلان.
قوله: "فقلت له"، يعني: قلتُ له: كنتُ جُنُبًا حين رأيتَني مشيتُ واغتسلتُ.
قوله: "سبحان الله"، هذا اللفظُ يقال عند التعجُّب، يعني: تعجب رسول الله ﵇ من فِعْلِ أبي هريرة، وقال: "إن المؤمن لا يَنْجُسُ"، يعني: المؤمن طاهرٌ لا يصيرُ نجسًا بكونه جُنُبًا، بل يجوزُ مخالَطَةُ الجُنُب ومؤاكلَتُه.
* * *
٣٠٩ - وذكر عُمرُ ﵁ لِرسولِ الله ﷺ أنَّهُ تُصيبُهُ الجَنابةُ مِنَ اللَّيْلِ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "توضَّأْ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثمَّ نَمْ".
٣١٠ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا كانَ جُنُبًا فأرادَ أنْ يأْكُلَ أوْ يَنَامَ توضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ.
стр. 460
قوله: "توضَّأْ واغسِلْ ذَكَرَكَ"، يعني: يُستحَبُّ للجُنُبِ أن يغسِلَ ذكرَه ويتوضَّأَ، كما يتوضَّأُ للصلاة، ثم يأكلُ أو يشربُ أو يجامعُ مرةً أخرى أو ينام.
* * *
٣١١ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدُكُمْ أهلَهُ، ثمَّ أرادَ أنْ يعودَ فليتوضَّأْ بينَهُمَا وُضُوءًا"، رواه أبو سعيد الخدري.
قوله: "إذا أتى أحدكم أهله ... " إلى آخره.
يعني: إذا جامعَ مرةً ثم أراد أن يجامِعَ ثانيةً؛ فليغسِل الرجلُ والمرأةُ فرجيهما ويتوضأا؛ لأن هذا أطيبُ وأكثرُ للنشاط والتلَذُّذ.
* * *
٣١٢ - وقال أنس ﵁: كانَ النبيُّ ﷺ يطوفُ على نِسائِهِ بِغُسْلٍ واحدٍ".
قوله: "يطوف على نسائه بغُسْلٍ واحد"، يعني: يجامعُ نساءَه بغُسْلٍ واحدٍ، وهذا دليلٌ على أن الجُنُبَ يجوزُ له أن يجامِعَ ثانيةً وثالثةً، أو أكثرَ، ولا يجبُ عليه أن يغسِلَ لكلَّ مجامعةٍ غُسْلًا، بل يكفي جميع الوطآت غسل واحد.
* * *
٣١٣ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله على كُلِّ أَحْيَانِهِ.
قوله: "يَذْكُرُ الله على كل أحيانهِ"، يعني: يجوزُ ذِكْرُ الله من التسبيح والتهليل وغيرِهما في حال الجَنَابة وغيرها، إلا أنه لا يجوزُ تلاوة القرآن للجُنُب.
* * *
следующие страницы →