← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16983

تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول

المرداوي

Полный текст (384 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول تأليف الإمام علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (المتوفى سنة ٨٨٥ هـ) تقريظ صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل عضو هيئة كبار العلماء - رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية سابقا تحقيق عبد الله هاشم باحث بمجمع الفقه الإسلامي الدولي معلمة القواعد الفقية د. هشام العربي دكتوراة في الشريعة الإسلامية إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

تَحْرِيْرُ المنقُوْلِ وَتَهْذِيْبُ عِلْمِ الأُصُولِ

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م رقم الإيداع بدار الكتب المصرية ٢٢٠٧/ ٢٠٠٨

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة لكتاب (تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول) الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفقها اللَّه لأن تضرب بسهم في نشر الكتب النافعة للأمة- لَتحمد اللَّه على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول من أهل العلم. والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة العلوم الشرعية، ورفد المكتبة الإسلامية بنفائس الكتب القديمة والمعاصرة، وذلك منذ تسعة عقود، عندما وجه الشيخ عبد اللَّه بن قاسم آل ثاني حاكم قطر آنذاك بطباعة كتابي (الفروع) و (تصحيح الفروع)، سنة ١٣٤٥ هـ، وكان المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني رحمه اللَّه تعالى قد سن تلك السنة من قبل. وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي؛ الذي بدأته الوزارة في السنوات الأخيرة امتدادًا لتلك الجهود، وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر. ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر اللَّه جلَّ وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم والدراسات المعاصرة المتميزة في فنون مختلفة، تُطبع لأول مرة، نذكر منها:

стр. 6

* في التفسير وعلوم القرآن: أصدرت الوزارة عدة كتب، منها: (فتح الرحمن في تفسير القرآن) للعُليمي، و (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لابن عطية في طبعته الثانية. وفي علم رسم المصحف أصدرت الوزارة: كتاب (مرسوم المصحف) للعُقيلي، و (الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة) لأبي بكر اللبيب. وفي علم القراءات أصدرت الوزارة كتاب: (البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة) لأبي حفص النشار، و (معانى الأحرف السبعة) لأبي الفضل الرازي. * وفي السنة النبوية وشروحها: أصدرت الوزارة عدة كتب، منها: (التقاسيم والأنواع) لابن حبان، و (مطالع الأنوار) لابن قرقول، (التوضيح شرح الجامع الصحيح) لابن الملقن، و (حاشية مسند الإمام أحمد) للسندي، وشرحين لموطأ الإمام مالك؛ لكُلٍّ من (القنازعي)، و (البوني)، و (المخلصيات) لأبي طاهر المخلص، و (شرح مسند الإمام الشافعي) للرافعي، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار) للعيني، و (مصابيح الجامع) للدَّمَاميني. ومما تشرفت الوزارة بإصداره في تحقيق جديد متقن: (صحيح ابن خزيمة)، و (السنن الكبرى) للإمام النسائي، والمحقَّق على عدة نسخ خطية، و (جامع الأصول في أحاديث الرسول)، و (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير. * وفي الفقه وما يتصل به: أصدرت الوزارة عدة كتب في المذاهب الأربعة، منها: كتاب: (الأصل) لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) كاملًا محققًا على

стр. 7

أصول عدة، و (التبصرة) للخمي، و (نهاية المطلب في دراية المذهب) للإمام الجويني بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب رحمه اللَّه تعالى عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و (حاشية الخلوتي). كما أصدرت الوزارة: (الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف) للإمام ابن المنذر بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد اللَّه الفقيه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و (بغية المتتبع لحل ألفاظ روض المربع) للعوفي الصالحي، و (منحة السلوك في شرح تحفة الملوك) للعيني. * وفي السيرة النبوية: أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية: (جامع الآثار في السير ومولد المختار) لابن ناصر الدين الدمشقي، وغيرها. * وفي العقيدة والتوحيد: أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو: (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد) لابن العطار تلميذ الإمام النووي رحمهما اللَّه تعالى، كما أعادت نشر كتاب (الرد على الجهمية) للإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى، وغيرها من كتب عقيدة أهل السنة والجماعة. * وفي مجال الدراسات المعاصرة المتميزة: أصدرت: (القيمة الاقتصادية للزمن)، و (نوازل الإنجاب)، و (مجموعة القره داغي الاقتصادية)، و (التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي)، و (صكوك الإجارة)، و (الأحكام الفقهية المتعلقة بالتدخين)، و (التورق المصرفي)، و (حاجة العلوم الإسلامية إلى اللغة العربية)، و (روايات الجامع الصحيح ونسخه دراسة نظرية تطبيقية)، وغيرها. كما قامت الوزارة بشراء وتوزيع بعض الكتب المطبوعة لما لها من أهمية، منها: (مسند الإمام أحمد)، و (صحيح الإمام مسلم)، و (الجامع

стр. 8

لأحكام القرآن) للقرطبي، و (الجامع لشعب الإيمان) للبيهقي، و (تاريخ الخلفاء) للسيوطي، و (التاريخ الأندلسي) لعبد الرحمن علي الحجي، و (الإقناع في مسائل الإجماع) لابن القطان الفاسي، و (شرح العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز الحنفي، و (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام) للعز ابن عبد السلام، و (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لأبي الحسن الندوي، و (الرسالة المحمدية) لسليمان الندوي وغيرها. ويسرنا اليوم أن نقدم لإصدار جديد، هو كتاب (تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول) للقاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (المتوفى سنة ٨٨٥ هـ) رحمه اللَّه تعالى، شيخ المذهب الحنبلي في عصره، والمجتهد في تصحيحه وتنقيحه. وهذا الكتاب جليل القدر، عظيم المنزلة، حيث إنه شمل أهم مسائل الأصول في المذهب الحنبلي خصوصًا، والمذاهب الأربعة عمومًا، وذلك بأسلوب واضح ومختصر، مع النقل عن الكثير من مؤلفات الحنابلة وغيرهم، كما امتازت طبعة الكتاب الجديدة بكونها كتبت من نسخة كاملة مكتوبة من أصل المؤلف، وقابلها كاتبها على المؤلف نفسه مرارًا، وخطها واضح، وحالتها جيدة. وتتشرف الوزارةُ بإخراج هذه الطبعة المتميزة، خدمة للمشتغلين بأصول الفقه خاصة، وطلبة العلم عامة. والحمد للَّه على توفيقه، ونسأله المزيد من فضله. وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إدارة الشؤون الإسلامية

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عبد اللَّه بن عبد العزيز بن عقيل العقيل. . . التاريخ ٣٠/ ١٠/ ١٤٣٠ الحمد للَّه رب العالمين، وأصلي واسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه. وبعد: فقد عرض علي الأستاذان عبد اللَّه هاشم عبد اللَّه، وهشام يسري العربي مشروع إعادة طبع كتاب: (تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول) للإمام الفقيه الأصولي المحدث منقح المذهب الشيخ علي بن سليمان المرداوي، فرحبت بهذه الفكرة وشكرتهما علي هذه الهمة المباركة؛ لأن هذا الكتاب لم يعط حظه من النشر ولأن طبعته الأولى لا تخلو من ملاحظات ولأنه كما وصفه مؤلفه: جامع لمعظم أحكامه، حاو لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتمل على مذاهب الأئمة الأربعة وآرائهم وغيرهم، اجتهد مؤلفه في تحرير نقوله وتهذيب أصوله. وحسبك بمؤلفه العلامة الأصولي الذي خدم المذهب خدمة لم يقم به أحد غيره وذلك في كتابه الإنصاف الذي أصبح موسوعة فقهية للعلماء والطلاب. وأما كتاب التحرير فقد جمع معظم بحوث هذا الفن بعبارات رشيقة وإشارات لطيفة، أضاف إلى وجازة اللفظ غزارة المعنى، وقد قام الشيخان بتحقيق المتن خير قيام، ووضعا له مقدمة مهمة بالتعريف بالكتاب وبمؤلفه ومنهج التحقيق، مع وضع فهارس تخدمه وتسهل على القارئ الوصول إلى بغيته بأيسر طريق، فشكرت لهما هذه الهمة العالية، ودعوت اللَّه أن ينفع بجهودهما. وإني أوصي إخواني وأبنائي بالاعتناء بهذا الكتاب والاستفادة منه، إذ هو كما تقدم من أهم المصنفات في علم أصول فقه الحنابلة، وباللَّه التوفيق. وكتبه الفقير إلى اللَّه: عبد اللَّه بن عبد العزيز بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى سابقا، حامدا للَّه، مصليا مسلما على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وآله، ومَن والاه وبعد: فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" للإمام علاء الدين المَرْدَاوي؛ نقدِّمها للقارئ الكريم مشتملة على مزيد عناية بعد أن نفدت الطبعة الأولى. وكتاب "تحرير المنقول" يُعَدُّ من المتون التي تَعكِس جهود علماء الحنابلة في التأليف الأصولي؛ وذلك لما يتميز به من جودة في السبك؛ تُقرِّبه من التقعيد، وسهولة في العرض؛ تُبعده عن التعقيد. فهو مرْجِع أصليٌّ مفيدٌ لمن رام إعادة عرض مسائل الأصول على هيئة قواعد متماسكة البنية، قليلة الألفاظ، غزيرة المعاني. ومفيدٌ في قاعة الدرس لمن رام الإمساك بالقواعد الأصولية والإحاطة بها حفظًا وفهما. وقد اهتم المَرْدَاوي ﵀ في هذا الكتاب ببيان أقوال الأئمة الأربعة وأتباعهم، في المسائل الأصولية، وعُنِيَ عناية خاصة بإبراز مذهب الإمام أحمد وأقوال أصحابه. مع تحرير ذلك كُلِّه، وعزو الأقوال والآراء إلى قائليها. ومع ذلك فلم يَنَلْ الكتاب حَظَّه من النشر، ولم يتبوَّأ مكانه في المكتبة الأصولية، فلا زال حبيسَ دورِ المخطوطاتِ حتى وفَّقَنا اللَّه تعالى للعناية به وطباعته. والمَرْدَاوي -كما سيرى القارئ الكريم- واحد من أعلام المذهب الحنبلي الذين يُمَثِّلون علامات مميزة في تاريخ المذهب، وقد حباه اللَّه سبحانه بدِينٍ متينٍ، وذكاءٍ

стр. 11

وافرٍ، واطلاعٍ واسعٍ، ودَأْبٍ (١) في تحصيل العلم والاشتغال به، وقد انعكس ذلك على مؤلَّفاته كلِّها، وسيجد المطالع لهذا الكتاب نموذجًا واضحًا لتلك الصفات في قراءته لهذا الكتاب. وقد قدمنا للكتاب بمقدمة نرى أنه لابد منها، كما أتبعناه بمجموعة من الفهارس التي تخدمه وتسهِّل على قارئه ومطالعه الحصول على بغيته في أقصر وقت ممكن، ودون معاناة. وكان كلُّ اهتمامنا وانشغالنا منصبًا على ضبط نص الكتاب، ومحاولة إخراجه أقرب ما يكون لما أراد له مؤلفه ﵀، مستعينين باللَّه تعالى، ومتبعين في ذلك القواعد المرعية في تحقيق التراث، ولم نُرِد إثقالَ الكتاب وتضخيمَه بالحواشي والتعليقات الكثيرة؛ لأننا نؤمن أن الغرض الأساسي من تحقيق التراث هو إخراجه على النحو الذي أراده له مؤلفوه، وليس تذييله بالحواشي والتعليقات التي لا نهاية لها. وقد اشتملت هذه المقدمة على النقاط التالية: أولا: التعريف بالكتاب وذلك من خلال ما يلي: • تحقيق عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه. • أهمية الكتاب ومدى اهتمام العلماء به. • عرض عام للكتاب. • سبب تأليف الكتاب.

стр. 12

• منهج المؤلف في الكتاب. • مصادر الكتاب. ثانيًا: التعريف بالمؤلف وذلك ببيان: • نسبه ولقبه وكنيته. • مولده ونشأته. • طلبه للعلم ورحلاته. • شيوخه وتلاميذه. • مؤلفاته وآثاره العلمية. • مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. • وفاته ودفنه. ثالثًا: منهج التحقيق ويشمل: • مخطوطات الكتاب. • المنهج المتبع في التحقيق. • صور من الأصل المخطوط. وهذا أوان الشروع في المقصود:

стр. 13

أولا: التعريف بالكتاب تحقيق عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه: اتفق المؤرخون للقرن التاسع الهجري ممن ترجم للإمام علاء الدين المرداوي على نسبة كتاب "تحرير المنقول" له، وأنه هو الذي ألفه وحرره، فلا يوجد شك في نسبته إليه، كما اتفقوا أيضًا على أن كتاب "التحرير" هذا كتاب في أصول الفقه. كذلك من يطالع مخطوطة الكتاب المحفوظة بدار الكتب المصرية (١) -حرسها اللَّه- يجد أن نسبته إلى مؤلفه واضحة على طُرَّة الكتاب؛ فقد كتب عليه: "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول، تأليف شيخنا الإمام العلامة البحر الحبر الفهامة ذي الدين الشامخ والعلم الراسخ علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي الحنبلي المقدسي متع اللَّه تعالى المسلمين ببقائه، وختم له بخير العزية". كما ذكره أيضًا الذين عُنوا بذكر كتب السادة الحنابلة في أصول الفقه (٢)؛ فهي نسبة صحيحة تواتر جميع المؤرخين عليها. ولكن عنوان الكتاب قد اختلفت فيه الأقوال اختلافًا يسيرًا؛ فبعضهم ذكره بعنوان: (تحرير المنقول في تهذيب -أو تمهيد- علم الأصول) (٣)، وبعضهم سماه:

стр. 14

(تحرير المنقول في تهذيب -أو تمهيد- الأصول) (١)، وبعضهم قال: (تحرير المنقول في تهذيب علم الأصول) (٢)، وبعضهم: (تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول) (٣)، أو: (تحرير المنقول وتهذيب الأصول) (٤)، أو: (تحرير المنقول في تمهيد علم الأصول) (٥)، أو: (تحرير المنقول وتمهيد علم الأصول) (٦)، أو: (تحرير المنقول في علم الأصول) (٧)، واكتفى البعض بتسميته: (تحرير المنقول) (٨)، أو: (التحرير في أصول الفقه) (٩). . . . . . . .

стр. 15

وربما: (التحرير في الأصول) (١). وهذا الاختلاف غير مؤثر؛ فهم متفقون على أصل العنوان، وهو (تحرير المنقول)، أما اختلافهم فيما عداه فلا يضر، ويبدو لنا أنه من باب حكاية عنوان الكتاب بالمعنى، طالما أنهم متفقون على أصل عنوانه. وقد أرجع محققو كتاب "التحبير في شرح التحرير" للمرداوي -وهو شرح من المؤلف لكتابه هذا- الاختلاف في عنوان الكتاب إلى أن مؤلفه وإن كان قد فرغ من تأليف كتابه هذا في الرابع عشر من شهر شوال سنة (٨٧٧ هـ) (٢)، إلا أنه ظل يراجعه ويحرره حتى قبيل وفاته، ويدل على ذلك أن الكتاب قوبل عليه في الحادي عشر من شهر رجب سنة (٨٨٤ هـ) (٣). قالوا: "وقد تسبَّب هذا الأمر في اختلاف المترجمين للمرداوي في تسمية هذا المتن المشهور، تبعًا لاختلاف ما اطلعوا عليه من نُسَخِه". (٤) ولكن هذا لو صدق على بعض التسميات؛ فلا يصدق عليها كلها؛ فمثلا إطلاق: (تحرير المنقول)، و (التحرير في أصول الفقه)، و (التحرير في الأصول) على

стр. 16

الكتاب لا يمكن اعتباره مبنيًا على اختلاف النسخ، وإنما واضح أنه من باب الاختصار وحكاية عنوان الكتاب بالمعنى لشهرته. وأيًّا ما كان سبب هذا الاختلاف اليسير في عنوان الكتاب؛ فإننا نرجح تسميته بـ (تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول) حيث إن هذا الاسم هو الموجود على نسخة دار الكتب المصرية التي هي أصح نسخة للكتاب -كما سيأتي، كما أنها نُسخت سنة (٨٨٦ هـ) أي بعد وفاة المؤلف بحوالي العام. وقد جاء في آخرها: "وكتبت هذه النسخة من نسخة كُتبت من أصل المصنف -تغمده اللَّه تعالى برحمته- وقابلها كاتبها على المصنف مرارًا، آخرها في حادي عشر شهر رجب الفرد سنة أربع وثمانين وثمانمائة، وهي المعتمدة، وللَّه الحمد والشكر على كل حال، والحمد للَّه وحده" اهـ (١). ولعل هذه التسمية أيضًا متفقة مع ما قالدالمرداوي نفسه عن كتابه؛ حيث قال في مقدمته: "أما بعد فهذا مختصرٌ في أصول الفقه، جامعٌ لمعظم أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتملٌ على مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام وأتباعهم وغيرهم، ولكن على سبيل الإعلام، اجتهدتُ في تحرير نُقوله وتهذيب أصوله" (٢). وقد فرغ المرداوي من تأليف هذا الكتاب -كما سبقت الإشارة - في الرابع عشر من شهر شوال سنة سبع وسبعين وثمانمائة (٨٧٧ هـ) (٣)، إلا أنه ظل يراجعه ويحرره ويهذبه -كما هي عادته كما سيتضح من ترجمته- حتى قبل وفاته بقليل (شهر رجب سنة أربع وثمانين وثمانمائة ٨٨٤ هـ)، وكانت وفاته في شهر جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وثمانمائة (٨٨٥ هـ).

стр. 17

أهمية الكتاب ومدى اهتمام العلماء به: يعتبر كتاب "تحرير المنقول" للمرداوي من أهم الكتب التي ألفت في أصول الفقه، لاسيما في المذهب الحنبلي، وذلك لأن مؤلفه (المرداوي) من أعلام الحنابلة المطلعين على أصول المذهب وفروعه، بل هو محقق المذهب ومنقحه، وشيخ الحنابلة في وقته، ولازال الحنابلة من وقته حتى الآن يرجعون إلى كتبه ويستقون منها. وأيضًا فإنه ممن لهم نصيب وافر من الذكاء وسعة الاطلاع والقدرة على التحرير والتدقيق، وهذا واضح في كل مؤلفاته، وليس كتاب "التحرير" فحسب. كذلك فإن كتابه هذا قد جمع أقوال الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم من الأصوليين، وعني عناية خاصة بإبراز مذهب الإمام أحمد وأقوال أصحابه، مع تحرير كل ذلك، فهو -على اختصاره وصغر حجمه- قد حوى علم أصول الفقه وآراء العلماء فيه على اختلاف مشاربهم ونزعاتهم (١). كذلك من الدلائل على أهمية هذا الكتاب ما نجده من اهتمام العلماء به، وتناولهم له شرحًا واختصارًا: • فقد شرحه مؤلفه في مجلدين أجاد فيهما وأفاد، كما يقول ابن بدران (٢)، وسمى هذا الشرح "التحبير في شرح التحرير". وقد حُقِّق في ثلاث رسائل جامعية، تقدَّم بها السادة الأساتذة: عبد الرحمن بن عبد اللَّه الجبرين، وعوض بن محمد القرني، وأحمد بن محمد السراح، لنيل درجة الدكتوراه من قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، بإشراف الأستاذ الدكتور/ أحمد بن علي سير المباركي، وقد نوقشت هذه الرسائل عام ١٤١٦ - ١٤١٧ هـ،

стр. 18

وطبع في تسعة مجلدات بالفهارس، في مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٢١ هـ /٢٠٠٠ م. • كما شرحه الشيخ أبو الفضل أحمد بن علي بن زهرة الحنبلي (من علماء القرن التاسع)، وهو شرح ملخص من شرح المؤلف، وعنوانه: "شرح التحرير ملخص كتاب التحبير". وتوجد منه نسخة في مكتبة الحرم المكي برقم (١٤٧)، ومنها صورة في جامعة أم القرى برقم (٣) (١). • وأيضًا فقد اختصره العلامة الفقيه الأصولي محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي، الشهير بابن النجار، صاحب "منتهى الإرادات"، وعرف مختصره هذا بـ "مختصر التحرير"، ويسمى أيضًا "الكوكب المنير باختصار التحرير"، ثم شرح مختصره في كتاب "شرح الكوكب المنير"، ويسمى "المختبر المبتكر شرح المختصر" (٢). وقد ذكر الفتوحي في شرح مختصره أنه اختار كتاب التحرير للمرداوي لاختصاره دون بقية كتب هذا الفن؛ لأنه جامع لأكثر أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه وأقسامه (٣). كما شرح هذا المختصر أيضًا الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد اللَّه البعلي الحلبي (المتوفى سنة ١١٨٩ هـ) بشرح سماه "الذخر الحرير في شرح مختصر التحرير" (٤).

стр. 19

وذكر الدكتور/ بكر أبو زيد أن له شرحًا آخر بالعنوان نفسه "الذخر الحرير في شرح مختصر التحرير" لمحمد بن عبد الرحمن بن عفالق الأحسائي (المتوفى سنة ١١٦٣ هـ) (١)، فهو سابق على شرح الشهاب البعلي. كما أن هناك حاشيةً على شرح الكوكب المنير لابن النجار، وهي المسماة بـ "مشكاة التنوير"، لعبد الرحمن بن محمد الدوسري (المتوفى سنة ١٣٩٩ هـ). (٢) ونستطيع أن نجمل القول في أهمية هذا الكتاب في أنه من أهم متون أصول الفقه التي أُلفت في المذهب الحنبلي واعتمد عليها المتأخرون من علماء الأصول. * * *

стр. 20

عرض عام للكتاب: الكتاب الذي بين أيدينا -كما سبقت الإشارة- هو كتاب في أصول الفقه، وبخاصة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁؛ حيث إن مؤلفه حنبلي -بل شيخ الحنابلة في عصره- وقد عُني بإبراز مذهب الإمام أحمد في كل ما عرض له في كتابه، كما صرَّح في مقدمته. والكتاب متن جامع محرر، حوى معظم مسائل الأصول. وقد بدأ المرداوي كتابه بمقدمة، تحدَّث فيها عن موضوع علم أصول الفقه، فعرَّف (أصول الفقه) باعتباره مركبًا إضافيًّا، وباعتباره عَلَمًا على هذا العلم المعروف، وذكر الغاية منه، وحكم معرفته، والعلوم التي يستمد منها. ثم عقد فصلا لبيان معنى الدليل، وتكلم عن العلم وحدِّه، والعقل وتعريفه، والحدِّ ومعناه. وعرض للغة وسببها، وتقسيمها إلى مفرد ومركب، وما يراد بالكلمة، وبيَّن المقصود بالدلالة، وتعرَّض للمشترك، والمترادف، والحقيقة والمجاز، وآراء العلماء في وقوع المجاز، وعرَّف الكناية والتعريض في غضون ذلك. وبيَّن معنى الاشتقاق وشرطه، وتعرَّض لمسألة ثبوت اللغة بالقياس. وعقد فصلا عن الحروف، وآخر عن مبدأ اللغات، وختمه ببيان طريق معرفة اللغة. ثم عقد فصلا عن الأحكام، فتحدث عن الحسن والقبح، وعن شكر المنعم، والفرق بين الشكر والمعرفة، وعن مسألة تعليل أفعال اللَّه تعالى، ثم تحدَّث عن الأعيان المنتفع بها قبل الشرع، وعرَّف الإلهام، وبيَّن هل هو طريق شرعي.

стр. 21

ثم عقد فصلا عن الحكم الشرعي، وتعريفه، وهل الوقف يعد مذهبًا أم لا، وآخر عن الواجب: تعريفه، وأنواعه، والفرق بينه وبين الفرض، وصيغ كل منهما. وتحدَّث عن العبادة وأوصافها من أداء وقضاء وإعادة، وفرض العين والكفاية، وتعرَّض لسنة الكفاية، وبعض القواعد الأصولية المتعلقة بالواجب، ثم عرَّف الحرام وبيَّن مسمياته، وتحدَّث عن المندوب، والمكروه، والمباح. ثم بيَّن معنى خطاب الوضع وأقسامه، وتحدَّث عن الصحة والفساد والبطلان، والإجزاء والقبول، والعزيمة والرخصة. وعقد فصلا عن التكليف، وبيَّن رأيه في مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة، وذكر شروط التكليف. ثم تحدَّث عن مصادر التشريع الأساسية، فعقد بابًا للكتاب، فعرَّفه، وتحدَّث عن إعجاز القرآن، والقراءات السبع، والمحكم والمتشابه، وتفسير القرآن بالرأي والاجتهاد بلا أصل، وبمقتضى اللغة. وعقد بابًا للسنة، بيَّن فيه معناها، وتكلم عن عصمة النبي ﷺ ، وأفعاله الجبلِّية وغيرها، ودلالة سكوته ﷺ عن إنكار فعل أو قول بحضرته، وتحدَّث عن مسألة تعارض فعله وقوله ﵊، وبيَّن كون فعل الصحابي مذهبًا له. وعقد بابًا للإجماع، عرَّفه، وتحدَّث عن الخلاف في ثبوته وحجيته، ومن يعتبر قوله في الإجماع، وتحدَّث عن إجماع الصحابة، وأهل المدينة، والخلفاء الأربعة، وأهل البيت، والإجماع السكوتي، ومسألة انقراض العصر، ودليل الإجماع، وغير ذلك من المباحث المتعلقة بالإجماع.

стр. 22

ثم عقد فصلا فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع، فبيَّن المقصود بكل من السند والمتن، والخبر والإنشاء، وتقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد، وما يتعلق بكل منهما، وشروط الراوي، ومن تقبل روايته، وما لا يعتبر في الراوي من الأوصاف، ورواية المجهول، والجرح والتعديل، ومراتبهما، وحكم العمل بالحديث الضعيف، والتدليس وحكمه، والإسناد المعنعن وما يشترط فيه، وعدالة الصحابة، ومستند الصحابي، ومستند غير الصحابي، وطرق التحمل ومراتبها، ومسألة رواية الحديث بالمعنى، وحمل الصحابي ما رواه على أحد محمليه، وخبر الواحد المخالف للقياس. كما تحدَّث عن المرسل، والمنقطع والموقوف. ثم عقد بابًا للأمر، فبيَّن حقيقته، وصيغه، ودلالته، وغير ذلك مما يتعلق به من مباحث. وبابًا للنهي، فتكلَّم عن صيغه، ودلالته. ثم تحدَّث عن العام، وأنواعه، وصيغه، ومدلوله، وما يتعلق به، والتخصيص، ومعناه، والاستثناء، وأدواته، وشروطه، وأنواع التخصيص. وعقد بابًا للمطلق، وبيَّن متى يحمل على المقيد، وبابًا للمجمل، فبيَّن معناه وحكمه، وآخر للمبين، وما يتعلق به. وعقد بابًا للظاهر، وبين معنى التأويل وأنواعه. وتحدَّث عن المنطوق والمفهوم، ومعنى كل منهما، وأقسام المنطوق، ودلالته، ومفهوم الموافقة وأنواعه، ومفهوم المخالفة وأقسامه، وما يتعلق بكل منها. ثم عقد بابًا للنسخ، فبيَّن معناه، ومدى جوازه، ووقوعه، واختلاف العلماء فيه، وأنواعه، وحكم كل منها.

стр. 23

كما عقد بابًا للقياس، فعرَّفه وبيَّن أركانه وشروطه، وتحدَّث عن العلة ومسالكها، وتقسيم القياس إلى جلي وخفي، وحكمه، وما لا يدخله القياس، وتحدَّث عن الاعتراضات وقوادح العلة. وعقد بابًا للاستدلال، وفصلا عن الاستصحاب، وآخر عن شرع من قبلنا، وثالث عن الاستقراء، ورابع عن مذهب الصحابي، والتابعي، ومثله للاستحسان، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، وبعض أدلة الفقه. وعقد بابًا للاجتهاد، فبيَّن معناه وشروطه، وتكلَّم عن تجزئه، وحكم تغيُّرِه، والتقليد وما يجوز فيه وما لا يجوز، ومن الذي يستفتيه العامي، وشروط المفتي وآداب الإفتاء، وحكم التمذهب بمذهب معين، وحكم تتبع الرخص، ومتى يلزم العمل بالفتوى، وآداب المستفتي. وأخيرًا عقد بابًا لترتيب الأدلة والترجيح، فبيَّن المرجحات بأنواعها، وتحدَّث عن تعارض المعقولين وطرق الترجيح بينهما، وبيَّن ترجيح المقاصد الضرورية الخمسة على غيرها، وكيفية الترجيح بين المنقول والقياس. سبب تأليف الكتاب: ذكر المرداوي في مقدمته سبب تأليفه لهذا الكتاب، فذكر أنه ألفه ليكون مختصرًا في أصول الفقه جامعًا لمعظم أحكامه، حاويًا لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتملًا على مذاهب الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم، مع تقديم الصحيح من مذهب الإمام أحمد وأقوال أصحابه (١).

стр. 24

منهج (١) المؤلف في الكتاب: حدَّد (٢) المرداوي في مقدمة كتابه المنهجَ الذي سار عليه فيه، فقال: "أما بعد فهذا مختصر في أصول الفقه، جامعٌ لمعظم أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتملٌ على مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام وأتباعِهم وغيرِهم، ولكن على سبيل الإِعلام، اجتهدتُ في تحرير نُقوله وتهذيب أصوله، واللَّهُ المسئولُ لبلوغ المأمول، وأقدِّم الصحيح من مذهب الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- وأقوال أصحابه، ومرادي بالقاضي: أبو يعلى (٣)، وبأبي الفرج: المقدسي (٤)، وبالفخر: إسماعيل أبو محمد

стр. 25

البغدادي (١)، ورتبتُه على مقدمة وأبواب، مشتملة على فصول وفوائد وتنابيه (٢) " (٣). فقد بيَّن المرداوي هنا أن موضوع كتابه هو أصول الفقه، وحدد معالم منهجه فيما يلي: ١ - الاختصار. ٢ - الجامعية.

стр. 26

٣ - الالتزام بذكر المذاهب الأربعة. ٤ - تقديم الصحيح من مذهب الحنابلة. ٥ - التجرد عن ذكر الدليل والتعليل. فهو لا يتعرض لذكر الأدلة والاعتراضات ومناقشتها، وإنما يقتصر على ذكر أقوال الأئمة في المسألة، وينص على مذهب أحمد فيها. ٦ - التعريف ببعض المصطلحات، كالقاضي والفخر. ٧ - ذكر طريقة ترتيب الكتاب وأنه قسمه إلى مقدمة وأبواب، تشتمل على فصول، ويتخللها فوائد وتنبيهات. وقد رتَّب المؤلف موضوعات كتابه ترتيبًا منطقيًا متسلسلا، جاريًا على ما عليه غالب الأصوليين. كما اهتم في بداية كل باب بذكر التعريف اللغوي، والاصطلاحي لما يتناوله، مع ذكر محترزات التعريف، كما أنه يرد ما لا يرتضيه من الحدود. ويورد موضوعات كل باب في فصول، ويذيل كثيرًا من الفصول بفوائد وتنبيهات، وقد يقتصر على إحداها، أو لا يذكر شيئًا منها، وربما أورد تنبيهات فقط أو فوائد فقط دون فصول. مصادر الكتاب: استمد المرداوي مادة كتابه من غالب كتب هذا الفن (١)، وقد ذكرها في آخر كتابه (٢)، وكان أغلب استمداده من كتاب شمس الدين بن مفلح في الأصول، المعروف بأصول ابن مفلح. قال المرداوي: "وهو أصل كتابنا هذا؛ فإن غالب

стр. 27

استمدادنا منه" (١)، وهذا واضح لمن يطالع الكتابين؛ فقد نقل المرداوي جملًا وعباراتٍ كاملةً نصًّا من كتابِ ابنِ مفلح. كما أنه تأثَّر به تأثرًا واضحًا، لا يخطئه المطالع للكتابين (٢). ومن الجدير بالذكر أن ابن مفلح قد حاكى في كتابه ابنَ الحاجب في مختصره الشهير، المعروف بـ "مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل" (٣)، حاكاه في منهجه عرضًا للمسائل، وتوثيقًا للأقوال والآراء. وقد انتقلت تلك المحاكاة بالتبع إلى كتاب المرداوي "التحرير"؛ بل إن من يُطالع كتاب المرداوي يُدرك بجلاء أن الشبه بين المختصرين "التحرير" و"المنتهى" أقوى منه بين ابن مفلح وابن الحاجب. ومن أهم مظاهر ذلك التأثر: ١ - تصدير المسألة بالقول المختار عند المرداوي. ٢ - عزو النقول والآراء إلى قائليها. ٣ - الإيجاز لدرجة طَيِّ (٤) الأقوال.

стр. 28

٤ - إحكام الصياغة مع إيفاء المعنى. أيضًا فقد أكثر المرداوي من النقل عن القاضي أبي يعلى، وتلميذيه أبي الخطاب، وابن عقيل، وكذلك عن مجد الدين بن تيمية، وحفيده تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، الملقب بشيخ الإسلام، ويطلق عليه المرداوي "الشيخ"، ونقل أيضًا عن الحلواني، وابن حمدان، وابن قاضي الجبل، وغيرهم من أصوليي الحنابلة. بالإضافة إلى أعلام الأصوليين من غير الحنابلة، كإمام الحرمين، والغزالي، والرازي، والآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم. * * *

стр. 29

ثانيًا: التعريف بالمؤلف نسبه ولقبه وكنيته: هو علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي، ثم الصالحي الحنبلي (١). ويطلق عليه المتأخرون كصاحب "الإقناع"، و"المنتهى"، ومن بعدهما: "القاضي"، وكذلك يلقبونه بـ "المنقِّح"؛ لأنه نقَّح "المقنع" في كتابه "التنقيح المشبع" -كما سيأتي، كما يسمونه "المجتهد في تصحيح المذهب" (٢). مولده ونشأته: ولد المرداوي سنة (٨١٧ هـ/ ١٤١٤ م) بمَرْدا -وهي قرية صغيرة قرب نابلس بفلسطين (٣).

стр. 30

وذكر السخاوي في "الضوء اللامع" أنه ولد سنة (٨٢٠ هـ) تقريبًا (١). وتبعه في ذلك الشوكاني في "البدر الطالع" (٢). ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، واشتغل بطلب العلوم الشرعية على مشايخ بلده، فتعلم الفقه والعربية والحساب والفرائض والأصول والتفسير وعلوم الحديث، ولازم المشايخ (٣). ولم تحدثنا المراجع التي ترجمت له عن أسرته أو تفاصيل نشأته، وغير ذلك من جوانب حياته. وقد وصف هيئته تلميذُه جمال الدين يوسف بن عبد الهادي (المتوفى سنة ٩٠٩ هـ) فذكر أنه كان طويل القامة، ليس بالرقيق ولا بالغليظ، يميل إلى سُمرة، وصوته حسن (٤). طلبه للعلم ورحلاته: بدأ المرداوي بتحصيل العلوم الشرعية من مشايخ بلده "مَرْدا" فأخذ الفقه عن فقيهها الشهاب أحمد بن يوسف المرداوي، ثم خرج من بلده وهو شاب، فأقام بمدينة "الخليل" بزاوية الشيخ عمر المجرَّد ﵀، وقرأ بها القرآن، ثم قدم إلى "دمشق" ونزل بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية -التي كانت مأوى العلماء وموطن الصلحاء في ذلك العهد- وذلك قرابة سنة (٨٣٨ هـ)، وجوَّد القرآن، ويقال: إنه قرأه بالروايات. وقرأ "المقنع" تصحيحًا على أبي الفرج عبد الرحمن بن

стр. 31

إبراهيم الطرابلسي وحفظه وغيره، كالألفية. وأدمن الاشتغال بالعلم وتجرع فاقةً وتقللا، واجتمع بالمشايخ وجدَّ في الاشتغال. وتفقه على الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي شيخ الحنابلة في وقته (المتوفى سنة ٨٦١ هـ)، ولازمه في الفقه وأصوله والعربية وغيرها، وكان مما قرأه عليه بحثًا وتحقيقًا "المقنع" في الفقه، و"مختصر الطوفي" في الأصول، و"ألفية ابن مالك". وكذا أخذ الفقه والنحو عن الزين عبد الرحمن أبي شَعَر (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ)، بل سمع منه التفسير للبغوي مرارًا، وقرأ عليه سنة (٨٣٨ هـ) من شرح ألفية العراقي إلى الشاذ، وأخذ علوم الحديث أيضًا عن ابن ناصر الدين الدمشقي (المتوفى سنة ٨٤٢ هـ)، وسمع عليه منظومته وشرحها بقراءة شيخه التقي. وأخذ الأصول أيضًا عن أبي القاسم الفويري حين لقيه بمكة، فقرأ عليه قطعة من كتاب ابن مفلح فيه، بل وسمع في العضد عليه، والفرائض والحساب والوصايا عن الشمس محمد بن إبراهيم السيلي خازن الضيائية، وانتفع به في ذلك جدًّا، ولازمه في ذلك أكثر من عشر سنين، بل وقرأ عليه "المقنع" في الفقه بتمامه بحثًا، والعربية والصرف وغيرهما عن أبي الروح عيسى البغدادي الحنفي نزيل دمشق، والحسن بن إبراهيم الصفدي ثم الدمشقي الحنبلي الخياط (المتوفى سنة ٨٥٨ هـ) وغيرهما، وقرأ "البخاري" وغيره على أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الكركي الحنبلي، وسمع زين الدين بن الطحان (المتوفى سنة ٨٤٥ هـ)، وشهاب الدين بن عبد الهادي، وغيرهما. وحج مرتين وجاور فيهما، وسمع هناك على أبي الفتح المراغي (المتوفى سنة ٨٥٩ هـ)، وحضر دروس برهان الدين بن مفلح (المتوفى سنة ٨٨٤ هـ) وناب عنه. وكذا قدم بأخرة القاهرة، وأذن له قاضيها عز الدين الكناني (المتوفى سنة ٨٧٦ هـ) في سماع الدعوى مدة إقامته بالقاهرة، وأكرمه وأخذ عنه فضلاء أصحابه بإشارته، بل وحضهم على تحصيل كتابه "الإنصاف" وغيره من تصانيفه، وأذن لمن شاء اللَّه منهم، واجتمع عليه الطلبة والفقهاء، وانتفعوا به.

стр. 32

وقرأ هو حينئذ على تقي الدين الشمني (المتوفى سنة ٨٧٢ هـ)، وتقي الدين الحصني (المتوفى سنة ٨٨١ هـ) المختصر الأصولي بتمامه، والفرائض والحساب يسيرًا على شهاب الدين السِّجيني (المتوفى سنة ٨٨٥ هـ)، وحضر دروس القاضي، ونقل عنه في بعض تصانيفه. وتصدَّى قبل ذلك وبعده للإقراء والإفتاء والتأليف ببلده وغيرها، فانتفع به الطلبة، وصار في جماعته في الشام فضلا. وممن أخذ عنه في مجاورته الثانية بمكة قاضي الحرمين محيي الدين الحسني الفاسي (١). وقد برع وفضل في فنون من العلوم، وانتهت إليه رياسة المذهب، وباشر نيابة الحكم دهرًا طويلا، فحسنت سيرته وعظم أمره (٢). وكان حريصًا على جمع الكتب -التي هي عدة طالب العلم والمشتغل به، يقول تلميذه ابن عبد الهادي: "وحصَّل كتبًا كثيرة، وتحت يده خزانة كتب الوقف بمدرسة شيخ الإسلام" (٣)، يعني: مدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية. ويقول السخاوي: "وأعانه على تصانيفه في المذهب ما اجتمع عنده من الكتب مما لعله انفرد به ملكًا ووقفًا" (٤).

стр. 33

شيوخه وتلاميذه: أولا: شيوخ المرداوي: من خلال استعراض ما وقفنا عليه من أخبار المرداوي ورحلاته في طلب العلم يمكننا إجمال أسماء شيوخه فيما يلي: ١ - ابن عروة الحنبلي (المتوفى سنة ٨٣٧ هـ). ٢ - ابن ناصر الدين الدمشقي (المتوفى سنة ٨٤٢ هـ). ٣ - عبد الرحمن بن سليمان أبو شَعَر المقدسي الحنبلي (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ). ٤ - زين الدين بن الطحان (المتوفى سنة ٨٤٥ هـ). ٥ - شهاب الدين أحمد بن يوسف المرداوي (المتوفى سنة ٨٥٠ هـ). ٦ - أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد الكركي الدمشقي الحنبلي (المتوفى سنة ٨٥١ هـ). ٧ - شهاب الدين أحمد بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي (المتوفى سنة ٨٥٦ هـ). ٨ - أبو القاسم النويري القاهري ثم المكي المالكي (المتوفى سنة ٨٥٧ هـ). ٩ - حسن بن إبراهيم الصَّفَدي الحنبلي، المعروف بالخياط (المتوفى سنة ٨٥٨ هـ). ١٠ - أبو الفتح محمد بن أبي بكر المراغي الشافعي (المتوفى سنة ٨٥٩ هـ). ١١ - الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي الدمشقي الحنبلي (المتوفى سنة ٨٦١ هـ). ١٢ - أبو الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم بن الحبال الطرابلسي الحنبلي (المتوفى سنة ٨٦٦ هـ). ١٣ - تقي الدين الشُّمُنِّي الحنفي (المتوفى سنة ٨٧٢ هـ). ١٤ - عز الدين الكِنَاني الحنبلي (المتوفى سنة ٨٧٦ هـ).

стр. 34

١٥ - محمد بن إبراهيم السِّيلي (١)، خازن كتب الضيائية. ١٦ - تقي الدين الحِصْني الشافعي (المتوفى سنة ٨٨١ هـ). ١٧ - برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (المتوفى سنة ٨٨٤ هـ). ١٨ - شهاب الدين السِّجيني (المتوفى سنة ٨٨٥ هـ). ١٩ - أبو الروح عيسى البغدادي الفَلُّوجي الحنفي. ثانيًا: تلاميذ المرداوي: قلنا: إن المرداوي قد انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي في عصره، وقد اشتغل بالتدريس، والإفتاء، كما اشتغل بالقضاء مدة طويلة، وقد أتاح هذا لكثير من أبناء عصره أن يتتلمذوا عليه، ويأخذوا عنه. ومن هؤلاء: ١ - محمد بن أحمد الموصلي الدمشقي، المعروف بابن جُناق (المتوفى سنة ٨٧٢ هـ) (٢). ٢ - محمد بن محمد الجعفري، قاضي القدس والرملة، المعروف بابن قاضي نابلس (المتوفى سنة ٨٨٩ هـ) (٣). ٣ - يوسف بن محمد الكَفَرسَبي الصالحي الحنبلي (المتوفى سنة ٨٩٢ هـ) (٤). ٤ - محمد بن أحمد بن عبد العزيز المرداوي الحنبلي (المتوفى سنة ٨٩٤ هـ) (٥).

стр. 35

٥ - محيي الدين عبد القادر بن عبد اللطيف الفاسي، قاضي الحرمين (المتوفى سنة ٨٩٨ هـ) (١). ٦ - تقي الدين أبو بكر بن محمد العجلوني الصالحى، الشهير بابن البيدق (المتوفى سنة ٨٩٩ هـ) (٢). ٧ - عبد الكريم بن ظهيرة المكي (المتوفى سنة ٨٩٩ هـ) (٣). ٨ - قاضي القضاة بدر الدين السعدي قاضى الديار المصرية (المتوفى سنة ٩٠٢ هـ) (٤). ٩ - جمال الدين يوسف بن عبد الهادي، المعروف بابن المبرد (المتوفى سنة ٩٠٩ هـ) (٥). ١٠ - شهاب الدين العسكري، مفتي الحنابلة بدمشق (المتوفى سنة ٩١٠ هـ) (٦). ١١ - حسن بن علي بن عبيد المرداوي الحنبلي (المتوفى سنة ٩١٠ هـ) (٧). ١٢ - أحمد بن علي الشيشيني ثم القاهري الحنبلي (المتوفى سنة ٩١٩ هـ) (٨).

стр. 36

١٣ - عبد الوهاب بن محمد الطرابلسي الدمشقي الحنبلي، قاضي طرابلس (المتوفى سنة ٩٢١ هـ) (١). ١٤ - موسى بن أحمد الكناني المقدسي الحنبلي (المتوفى سنة ٩٢٦ هـ) (٢). ١٥ - عبد اللَّه بن محمد الأخصاصي (المتوفى سنة ٩٣١ هـ) (٣). ١٦ - أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التميمي النجدي، فقيه نجد (المتوفى سنة ٩٤٨ هـ) (٤). ١٧ - سليمان بن صدقة المرداوي (٥). كما تتلمذ عليه غالب من في المملكة من الفقهاء والعلماء وقضاة الإسلام في عصره (٦). مؤلفاته وآثاره العلمية: صنف المرداوي مصنفات كثيرة، وأجاد فيها، وشهد له أهل العلم بالإتقان والجودة. ومن أهم تصانيفه: كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل" عمله تصحيحًا وشرحًا لكتاب "المقنع" لابن قدامة، وتوسع فيه حتى صار أربع مجلدات كبار (٧)، تعب فيه. وهو من كتب الإسلام فإنه

стр. 37

سلك فيه مسلكًا لم يسبق إليه، بيَّن فيه الصحيح من المذهب، وأطال فيه الكلام، وذكر في كل مسألة ما نقل فيها من الأقوال، مع عزوه إلى الكتب التي ذكر فيها من كتب الحنابلة، وكلام الأصحاب، فهو دليل على تبحر مصنفه وسعة علمه وقوة فهمه وكثرة اطلاعه (١). ولما فرغ من تصنيفه في سلخ ربيع الآخر من سنة (٨٦٧ هـ) توجه به إلى القاهرة في أيام قاضي القضاة عز الدين الكناني، وعرضه عليه، فأثنى عليه وأمر جماعة الحنابلة بمصر بكتابته ونشره في الديار المصرية (٢) (٣). ثم عاد إلى دمشق، واختصر "الإنصاف" في مجلد سماه " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، وسلك فيه أيضًا مسلكًا لم يسبق إليه، وفرغ من تأليفه في سادس عشر شوال سنة (٨٧٢ هـ)، ثم غيره مرارًا، ولم يزل يحرره، ويزيد فيه وينقص إلى أن توفي ﵀ (٤). وكتاب "التنقيح" هذا هو الذي جمعه مع أصله (المقنع) ابنُ النجار الفتوحي في كتابه الذي صار عمدة المتأخرين "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" (٥). ومن تآليف المرداوي أيضًا: "الدر المنتقى والجوهر المجموع في معرفة الراجح من الخلاف المطلق في الفروع" لابن مفلح في مجلد ضخم، وهو المعروف

стр. 38

بـ "تصحيح الفروع" (١)، بل اختصر الفروع مع زيادة عليها في مجلد كبير. و"تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" في أصول الفقه في مجلد لطيف، ذكر فيه مذاهب الأئمة الأربعة، وقدَّم الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وفرغ منه في رابع عشر شوال سنة (٨٧٧ هـ)، وهو كتابنا هذا. وشرحه بشرح سماه "التحبير في شرح التحرير" في مجلدين (٢). كما شرح قطعة من "مختصر الطوفي" أيضًا. وكذا له "فهرسة القواعد الأصولية" في كراسة. وصنف جزءًا في الأدعية والأوراد اليومية سماه "الكنوز (أو: الحصون) المعدة الواقية من كل شدة"، وقال: إنه جمع منها فوق مائة حديث (٣). و"المنهل العذب الغزير في مولد الهادي البشير النذير" (٤). ومن تصانيفه أيضًا "شرح الآداب" (٥).

стр. 39

وأعانه على تصانيفه في المذهب ما اجتمع عنده من الكتب مما لعله انفرد به ملكًا ووقفًا (١). وانتفع الناس بمصنفاته وانتشرت في حياته وبعد وفاته بحسن نيته وإخلاصه وقصده الجميل، وكانت كتابته على الفتوى نهاية، وخطه حسن، وعليه النورانية، وتنزَّه عن مباشرة القضاء في أواخر عمره، وصار قوله حجة في المذهب يعمل به ويعوَّل عليه في الفتوى والأحكام في جميع مملكة الإسلام (٢). مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: قضى المرداوي حياته بين الدرس والتدريس، والإفتاء والقضاء، والتأليف، وتنقل بين الأمصار الإسلامية، وصار قبلةً للحنابلة، يقصدونه للاستفتاء والقراءة عليه، وكان يقرئ بالروايات بمدرسة شيخ الإسلام، وكان عالمًا باللغة والتصريف والمنطق والمعاني وغير ذلك (٣). وكان قبل كل ذلك صالحًا ديِّنًا ورعًا. يقول عنه تلميذه ابن عبد الهادي: له حظ من العبادة والدين والورع (٤). وكان كثير الصدقة، وتفقد الإخوان، مليح المعاشرة، بشوش الوجه، فتح اللَّه له بالعلم والعمل، والدين والآخرة (٥). وقد سبق أن أشرنا إلى أن المتأخرين أطلقوا عليه لقب "القاضي"، كما أطلقوا

стр. 40

عليه لقب "المنقِّح"، و"المجتهد في تصحيح المذهب"، وما ذلك إلا لجهوده المتضافرة في خدمة مذهب الإمام أحمد ﵁ أصولا وفروعًا. كما أطلق عليه "شيخ المذهب"، وقد مر بنا أيضًا أنه انتهت إليه رياسة المذهب في عصره، خاصة بعد وفاة برهان الدين بن مفلح، والجرَّاعي (١). وقد أثنى عليه كلُّ من ترجم له، أو تعرض لذكر بعض مؤلفاته، فقال السخاوي: "كان فقيهًا حافظًا لفروع المذهب، مشاركًا في الأصول، بارعًا في الكتابة بالنسبة لغيرها، متأخرًا في المناظرة والمباحثة، ووفور الذكاء والتفنن عن رفيقه الجراعي، مديمًا للاشتغال والأشغال، مذكورًا بتعفف وورع وإيثار في الأحيان للطلبة متنزهًا عن الدخول في كثير من القضايا، بل ربما يروم الترك أصلا فلا يمكّنه القاضي، متواضعًا متعففًا لا يأنف ممن يبين له الصواب" (٢). وقد علَّق صاحب "السحب الوابلة" على كلام السخاوي قائلا: "ولا يخفى ما فيه من قوله: (مشاركًا في الأصول)، وقوله: (متأخرًا في المناظرة. . .)، وكان في نفسه منه شيء خفي، وإلا فالمترجَم -يعني المرداوي- مؤلف في علم الأصول محقق وافر الذكاء مشهور بذلك" (٣). ووصفه تلميذه ابن عبد الهادي بالشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة مفتى الفرق (٤). ووصفه أيضًا بالإمام الفقيه الأصولي النحوي الفَرَضي المحدث المقرئ (٥).
следующие страницы →