← Сияса и кади

Сияса и кади · id 16985

وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر

صالح السدلان

Полный текст (339 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر تأليف الدكتور صالح بن غانم السدلان الأستاذ بكلية الشريعة بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية دار بلنسية

стр. 2

جَمِيعُ الحُقُوقِ محْفوظَة للمؤلِّف الطبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م (ح) دَار بلنسية للنشر والتوزيع، ١٤١٧ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر السدلان، صَالح بن غَانِم وجوب تطبيق الشَّرِيعَة الإسلامية فِي كل عصر - الرياض. ٣٦١ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٥ - ٥٣ - ٧٤٣ - ٩٩٦٠ ١ - الشَّرِيعَة الإسلامية ٢ - الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة أ - العنوان ديوي ٢٥٧ ... ٢٢٥٩/ ١٧ رقم الْإِيدَاع: ٢٢٥٩/ ١٧ ردمك: ٥ - ٥٣ - ٧٤٣ - ٩٩٦٠ دَار بلنسية للنشر والتوزيع - المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض ص. ب: ٥٧٤٢ - الرَّمْز البريدي: ١١٥٧٤ - هَاتِف وفاكس: ٤٨٢١٧٧٦ (٠١)

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد الحمد لله الذي اختار لنا الِإسلام شرعة ومنهاجاً، وأنزل الفرقان هدى ورحمة وتفصيلاً، فأمر - سبحانه -فيه ونهى، ودعا فيه إلى الحق واجتناب الهوى، فقال - جل وعلا -: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ (١). وأشهد أن لا إله إلَّا الله واحد في ربوبيته، وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وأمينه على وحيه القائل: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بهِ) (٢). اللهم صل وسلم على من بعثته رحمة للعالمين ورسولاً إلى الناس أجمعين وحجة على المخالفين والمعاندين وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4

أما بعد: فإن من نظر في حال أمتنا الِإسلامية اليوم وتأمل واقعها يجدها واقفة على مفترق الطرق، تقف وحدها ساكنة مترددة مرتبكة الخطوات تنطلق يمينًا تارة ثم تعود لتنطلق شمالاً تارة أخرى فكأنها في موقفها لا تتزحزح عنه قيد أنملة يتجاذبها بعضهم إلى اليمين وبعضهم إلى اليسار وهي بين هؤلاء وأولئك لا تستطيع أن تتحرك من مكانها المكبلة فيه ولا أن تنطلق في الطريق الصحيح الذي تألفه وتحسه وتعقله!!. ولا مراء في أنها قد ذاقت من الويلات ما ذاقت وحل بها ما حل من الأدواء والمصائب ما أثقل كاهلها وناءت به حين أعرضت عن شرع ربها -إلَّا من رحم الله- واتبعت غير سبيله فولاها الله ما تولت ووصلت إلى ما وصلت إليه!. نعم: إنها ضلت طريقها وتنكبت الجادة يوم أن طرحت الشرع السماوي جانبًا وذهبت لتبحث في الشرق والغرب عن تشريعات هي من صنع البشر ورضيت بأن تصاغ حياتها وفق أنماط متناقضة، وقوانين وضعية هي محض زبالة الأذهان وصرف حثالة الأفكار لفقها ورقعها من قوانين كثيرة ومذاهب شتى بعض البدعيين المنتسبين إلى الِإسلام، وجعلوا أحكامها ملزمة وموادها ضربة لازب وويل له ثم ويل له من خالفها أو تردد في التحاكم إليها!!. حقاً: إن كثيرًا من بلدان الِإسلام التي لا تحتكم إلى شرع الله -تعالى- يقودها ساسة مغرورون متغطرسون وقادة خادعون مخدوعون وحكام مستبدون يضحكون بالشعوب ويضحكون من الشعوب لا يستهدفون

стр. 5

إلَّا مجداً زائفاً لأنفسهم يبنونه من جماجم الأمم وأشلاء الشعوب إنهم يجهلون أو يتجاهلون ما هم مطالبون به ويظن الواحد منهم أنه يعيش لنفسه ويتمتع بما شاء من متع الحياة ويقضي ما شاء الله أن يقضي على كرسي الحكم غير عابئ بما ألقي على عاتقه من أحمال ثقال ومسؤوليات جسام. ولو علم هذا المسكين وفكر فيما ينتظره غداً من سوء العاقبة والوعيد الشديد لتمنى أن لو لم يجلس على كرسي الحكم ساعة واحدة!!. لقد بلغ تحدي الحكام في أكثر البلاد الإِسلامية حداً لا يحتمل فمنهم من يرفض الإِسلام جهرة منادياً بالتبعية للشرق أو الغرب، ومنهم من استورد الأفكار والقوانين ولكنه رضي بأن يترك ركناً صغيراً للِإسلام مثل الأحوال الشخصية "مقننة" والحديث في الِإذاعة والتلفاز والصفحة الدينية يوم الجمعة في الجريدة ونحوها. ومنهم من ينص في دستور بلاده على أن دين الدولة هو الإسلام ثم يسير كل شيء ذو بال بعيداً عن الإِسلام. ومنهم من يعد ويمني ويبشر بالخير والأمل نحو تطبيق الشريعة الإِسلامية في عهده وعلى يده وتمضي الأيام والسنون وتقام المؤتمرات وتعقد الاجتماعات وتبرم الإتفاقيات والإتحادات ومجالس التعاون بين الدول ولكن حتى ذكر تحكيم الشريعة الإِسلامية لم يرد في جداول أعمالها وما يصدر عنها من نتائج وتوصيات مما يجعلنا نقول إن مشروعات تطبيق الشريعة الإِسلامية باتت نسياً منسياً في بعض البلاد الإِسلامية وفي بعضها الآخر محجوبة بستار كثيف من الأعذار الوهمية والحجج الواهية والتعللات الباردة الفارغة التي ما كان ينبغي أن تكون لو صح العزم وصدقت النوايا لتطبيق شرع الله تعالى!!.

стр. 6

ومن الحكام من لا ينقصهم حسن النية ولكن ينقصهم الوعي الشامل والإِدراك العميق والفهم الصحيح لميزات هذه الشريعة وخصائصها، فإن حسن النية لا يكفي ما لم تتم أعمال عظيمة وتبذل جهود جبارة، فمجرد الرغبة والتفاؤل والحماسة والأمل مقرونة بحسن النية لا يكفي ولا يحقق تطبيق الإِسلام عملياً. إننا لا ننكر أن الأمة الإِسلامية في هذا العصر بدأت تتطلع إلى الخروج من وهدتها والإرتفاع من سقطتها التي تردت فيها زمنًا طويلًا وخير برهان على هذا ما نشاهده من آثار مباركة للصحوة الإِسلامية الراشدة التي تبدو واضحة للعيان. وقد أحدثت هذه الدعوة المباركة ردود فعل إيجابية تمثلت في عقد المؤتمرات الإِسلامية حول تطبيق الشريعة الإِسلامية وإنشاء لجان ومحاولات للتطبيق لا يمكن اعتبارها شاملة. وأحدثت في نفس الوقت ردود فعل سلبية تمثلت في فئات معارضة لهذا الإتجاه وقفت بكل إصرار وتبجج تضع العقبات والعراقيل أمام تطبيق الشريعة الإِسلامية. من أجل هذا كتبت هذا الكتاب المتواضع أداء للواجب وبراءة للذمة ونصحًا وتنبيهًا وبيانًا لما يجب أن يكون فلعل الله أن ينفع به، فيجد آذنًا صاغية وقلوبًا واعية تدرك عظم المسؤولية وخطورة التساهل بتحكيم شرع الله في أرض الله، وبهذا أكون قد ساهمت بوصفي مسلمًا في وضع لبنة صغيرة في صرح ذلك البناء الإِسلامي الشامخ الذي لا يشيد إلَّا بجهود العاملين المخلصين من دعاة تطبيق الشريعة الإِسلامية.

стр. 7

ولما كان عبء التطبيق لشرع الله يقع على الحاكم والمحكوم. قمت في هذا الكتاب: ببيان مهمة الحاكم وواجباته ومسؤولياته كما قررتها الشريعة الإِسلامية. ثم بينت واجبات ومسؤوليات المحكومين. ثم رأيت أن مما يحمل على تطبيق الشريعة الإِسلامية ويعد دافعًا قويًا وعنصرًا فعالاً في تطبيقها الِإيمان بأسس هذه الشريعة وخصائصها، لأن الِإيمان بأنها من عند الله يوجب تحكيمها دون سواها والعلم بأسسها وخصائصها يجعلنا نوقن بصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان. بعد ذلك: سجلت نظرتنا -نحن المسلمين- إلى هذه القوانين الوضعية التي نراها عاجزة عن تحقيق أهدافها وأنها مضادة ومحادة لشىريعة الله تعالى وأقمت الدليل على ذلك ثم بينت حكم الإِسلام فيمن حكم بغير ما أنزل الله ومتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا بواحًا مخرجًا عن الملة؟ ومتى يكون كفرًا دون ذلك؟! ونقلت في هذا الشأن أقوال وفتاوى بعض علماء الأمة من القدامى والمحدثين وهي أقوال وفتاوى حرية بأن توضح المسألة وتزيل اللبس بحول الله وقوته وجعلتها في فصل كامل. ثم بينت أن الحكم بغير ما أنزل الله له آثار سيئة وعواقب وخيمة ونتائج سلبية وذلك في فصل عنونته "بالنتائج السلبية الضارة المترتبة على عدم تطبيق شرع الله -تعالى- ". ثم تساءلت لماذا آل أمر المسلمين إلى هذا الحد وما الذي أدى بهم

стр. 8

إلى هذا الطريق فوجدت لذلك أسبابًا وبواعث عدة خصصت لها فصلًا في هذا الكتاب وهو يضم خمسة مباحث، وفي المبحث الخامس منه: قمت بتعقب الشبهات والمزاعم التي أثارها أصحاب الأقلام المغرضة قديمًا وحديثاً حول تطبيق الشريعة الإِسلامية وفندتها بالحجة الواضحة والبرهان القوي حتى ينكشف أمرهم ويندحر باطلهم الذي روجوا له وأشاعوه بما يملكون من وسائل مختلفة. ثم خصصت فصلًا تحدثت فيه عن أهم الطرق والوسائل التي يستطيع الحكام المسلمون بواسطتها تنفيذ وتطبيق أحكام الشريعة الإِسلامية في كل جوانب الحياة إن حسنت نواياهم وخلصت أعمالهم وأحبوا أن يلقوا ربهم بوجه مشرق وصفحة بيضاء نقية. ثم يأتي بعد ذلك الفصل الأخير وهو بعنوان التدرج في تنفيذ وتطبيق أحكام الشريعة الإِسلامية. وختاماً: لابد أن نقرر حقيقة لا مراء فيها ألا وهي: أن تطبيق الشريعة الإِسلامية لا يعد نفلًا ولا تطوعًا ولا محض اختيار بل يعد واجبًا شرعيًا وتكليفًا حتميًا وقضية ملحة تستوجب التمحيص والدراسة والِإعداد والإستعداد. ولسوف نعجز عن تحقيق ما نصبو إليه ما زالت شرائع الإِسلام معطلة، وديار الإِسلام مستباحة وما دام الكثير من حكام البلاد المسلمة مُصرِّين على عزل الدين عن الحياة وإبعاد كل من يخدم الإِسلام أو يعمل لنصرة قضاياه. ولسوف نعجز عن تحقيق شيء ما لم تكن هذه الشريعة قائمة في حياة المسلمين قيامًا عمليًا يوجه سياستهم ويصرف جميع شؤونهم ويسيطر على

стр. 9

حياتهم سيطرة تامة تجعلهم منقادين لحكم الله ملتزمين بشرعه وقافين عند حدوده وهذا هو أساس فلاحنا وعنوان سعادتنا وسر عزنا ونصرنا ومصدر أمننا واستقرارنا. فعلى الأمة الإسلامية أن تصحو من غفلتها وأن تفيق من عميق سباتها وتتنبه إلى ما في شرع الله من كنوز وتعلم أن سر تخلفها وإذلال عدوها لها إنما هو تنكبها الطريق السليم وسيرها خلف الشعارات البراقة التي دسها عليها المغرضون الحاقدون؛ ليفرقوا كلمتها ويحطموا شكوتها .. ولكن أنى ذلك لهم وقد بدا نور الحق يبدد حجب الباطل ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. صَالِح بن غَانِم السّدلانْ غرة رجب الحرام ١٤٠٩ هـ

стр. 10

المحتوى يشتمل هذا الكتاب على: مقدمة وسبعة فصول: * المقدمة: في بيان ما آل إليه أمر أمتنا الإِسلامية من جراء البعد عن شرع الله تعالى والدوافع لتأليف هذا الكتاب. * الفصل الأول: واجبات ومسؤوليات الشعوب المسلمة نحو الإِسلام. وفيه تمهيد ومبحثان: المبحث الأول: واجبات ومسؤوليات الحكام. المبحث الثاني: واجبات ومسؤوليات المحكومين. * الفصل الثاني: القواعد والأسس الملزم الإِيمان بها تطبيق الشريعة الإِسلامية. ويتضمن هذا الفصل تمهيدًا وسبعة مباحث: المبحث الأول: الإِيمان بالله تعالى. المبحث الثاني: الإِيمان برسالة نبينا محمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.

стр. 11

المبحث الثالث: الإِيمان بعموم الشريعة الإِسلامية وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان. المبحث الرابع: الإيمان بكمال الشريعة الإِسلامية ومرزنتها وصلاحيتها للخلود إلى يوم القيامة. المبحث الخامس: الإِيمان بأن الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة. المبحث السادس: الإِيمان بيسر الشريعة الإِسلامية وسماحتها ووفائها بحاجات البشر في كل زمان ومكان. ويشتمل هذا المبحث على ستة مطالب: المطلب الأول: النصوص التي تؤكد يسر الشريعة وسماحتها: (أ) النصوص من القرآن الكريم. (ب) النصوص من السنة النبوية. المطلب الثاني: ما ثبت من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومعلوم من الدين بالضرورة. المطلب الثالث: التكليف بما في الطاقة والوسع. المطلب الرابع: إجراء الأحكام على وفق الظاهر. المطلب الخامس: الأخذ بالعرف. المطلب السادس: من الأحكام المبنية على العرف: تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف. المبحث السابع: الإِيمان بالأسس التي قام عليها التشريع الإِسلامي في الحكم. ويتضمن ثلاثة مطالب:

стр. 12

المطلب الأول: الشورى ومكانتها في سياسة وإدارة الدولة الإسلامية. المطلب الثاني: العدل أساس من أسس التشريع في الإسلام. المطلب الثالث: المساواة من الأصول العامة للتشريع في الإسلام. * الفصل الثالث: الحكم بغير ما أنزل الله. * الفصل الرابع: أسباب وبواعث عدم الحكم بما أنزل الله. وفيه تمهيد وخمسة مباحث: المبحث الأول: انعدام الإِيمان أو ضعفه. المبحث الثاني: مداهنة الكفار والركون إليهم. المبحث الثالث: الجهل باحكام الشريعة الإِسلامية. المبحث الرابع: التأثر بالشبه التي تثار حول تطبيق الشريعة الإسلامية وفقدان القدرة على مواجهتها وتفنيدها. المبحث الخامس: اتهام التشريع الإِسلامي بالجمود وعدم مسايرة التطورات والمتغيرات التي حدثت. * الفصل الخامس: النتائج السلبية المترتبة على عدم تطبيق شرع الله تعالى: ١ - التمهيد. ٢ - النتائج السلبية في مجال العقيدة. ٣ - النتائج السلبية في مجال العبادة. ٤ - النتائج السلبية في مجال الحياة الإجتماعية.

стр. 13

٥ - النتائج السلبية في مجال السياسة ونظام الحكم. ٦ - النتائج السلبية في المجال الاقتصادي. ٧ - النتائج السلبية في مجال العقوبات وتطبيق الحدود. * الفصل السادس: الطرق والوسائل التي يستطيع الحكام بواسطتها تطبيق الشريعة الإِسلامية في جميع جوانب الحياة. * الفصل السابع: التدرج في تطبيق وتنفيذ الشريعة الإِسلامية. وفي هذا الفصل تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: وجود الإيمان العميق والعقيدة الراسخة. المبحث الثاني: التدرج في الأخذ باحكام الشريعة الإِسلامية. المبحث الثالث: الثبات والصبر وعدم اليأس والقنوط. المبحث الرابع: كيفية تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها عمليًا في العالم الإِسلامي. وفي هذا المبحث ثلاثة مطالب. المطلب الأول: حكومة إسلامية في دولة تدين بالإِسلام وتطبق شريعة الإِسلام. المطلب الثاني: حكومة منحرفة في أمة مسلمة. المطلب الثالث: أقليات إسلامية في أمة كافرة. * الفهارس. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 14

الفصل الأول واجبات ومسؤوليات الشعوب المسلمة نحو الإِسلام ويشمل تمهيدًا ومبحثين: التمهيد. المبحث الأول: واجبات ومسؤوليات الحكام. المبحث الثاني: واجبات ومسؤوليات المحكومين.

стр. 15

تمهيد ثمة أمور ثلاثة يجب أن نعيها قبل أن نفصل واجبات ومسؤوليات كلًّا من الحاكم والمحكوم وهذه الأمور هي: ° الأمر الأول: فيما يتعلق بقصر عنوان هذا الفصل على واجبات ومسؤوليات الشعوب المسلمة والتي درجت النظم الحديثة على تسميتها بـ (الحقوق السياسية)، وقد آثرت تسميتها بواجبات لأنها -أي الحقوق- يغلب عليها عنصر التكليف والمسؤولية والإيجابية؛ ذلك لأنها كغيرها من الحقوق وسائل موجبة لخدمة الشريعة الإِسلامية ولذلك نسميها "واجبات لا حقوق" (١). ° الأمر الثاني: لسائل أن يقول: ما المقصود بالتعبير بالشعوب المسلمة وما فائدة وصفها بالمسلمة؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقول: الشعوب: مفردها شعب: بفتح فسكون: الجماعة الكبيرة من الناس والتي تخضع لنظام اجتماعي واحد (٢).

стр. 16

والشعب المسلم يضم القاعدة الشعبية على اتساعها وهي التي تضم كل أفراد الأمة الإِسلامية، ثم أن الأمة تفوض السلطة للِإمام [الحاكم] فيكون نائباً عنها في أعماله وهو بدوره يفوض عنه الوزراء أو الأمراء والولاة والقضاة ونحوهم وبذا تتكون الجماعة القيادية التي تباشر الممارسة الفعلية للحياة السياسية والدستورية (١) الإِسلامية وتسمى: " القوى الشعبية الإِسلامية ". ويمكن أن تسمى القاعدة الشعبية [المحكومون] والقوة الشعبية [الحكام]، وكل عليه واجبات ومسؤوليات يؤديها في ظل نظام معين تسير عليه الجماعة الإِسلامية طبقاً لقواعد موضوعية غرضها الأسمى خدمة الشريعة الإِسلامية. أما لماذا وصفت الشعوب بـ[المسلمة] بالذات والتحديد؛ لأن غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة في الدولة الإِسلامية فهم معاهدون بمعاهدة خاصة تسمى "عقد الذمة"، وهم وإن كانوا من رعايا الدولة الإِسلامية إلَّا أنهم ليسوا من الأمة الإِسلامية (٢)، (٣). ° الأمر الثالث: أنه قد ثار الجدل واحتدم النقاس في الآونة الأخيرة في البلاد التي لا تطبق شرع الله -تعالى- حول الِإجابة على سؤال يطرح نفسه وهو: من المسؤول عن عدم تطبيق الشريعة الإِسلامية في هاتيك البلاد؟

стр. 17

- فمن قائل بأن الحكام وحدهم الذين نتوجه إليهم بهذه اللائمة. - ومن قائل لا: بل التبعة والمسؤولية على الذين يقومون بهذا التطبيق من قضاة وغيرهم من المسؤولين. - ومن قائل بأن الأمة كلها -من القاعدة إلى القمة- مسؤولة عن عدم تطبيق الشريعة الإِسلامية، وهذا هو عين الصواب ومنطق الحق في هذا الموضوع، فإن الإِسلام لابد له من أمة تحمله وسلطة تحميه وهما في كفة واحدة يقومان معاً على وجه التضامن والتكافل بمسؤولية واحدة وإعلاء كلمة واحدة مسؤولية إقامة شرع الله في أرض الله وإعلاء كلمة الله!! نعم: إن الحكام هم رمز الدولة وقمة السلطة ويستطيعون إذا وضعوا ثقلهم ونفوذهم وسلطتهم وراء مطلب تطبيق الشريعة الإِسلامية أن يفعلوا الكثير والكثير وبأسرع ما يظنه الكثيرون!!. وعلى كل فرد من الرعية أن يؤمن بهذه الغاية النبيلة وأن يجند نفسه لها؛ لهذا لابد من معرفة ما على الحاكم من واجبات ومسؤوليات نحو الأمة أفرادًا وجماعات وما له عليها من حقوق. وما على المحكوم من واجبات ومسؤوليات، وما له من حقوق في ظل شريعة عادلة يتحمل فيها كل إنسان مسؤوليته بما يتناسب ومكانته عملًا بقوله ﷺ في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول

стр. 18

عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (١). ونستطيع على ضوء النصوص الشرعية المتعددة وبعد الِإلمام بما قرره الفقهاء في هذا المجال وبتلمس الواقع العملي، والتطبيقي لمسلك الحكم الإِسلامي الأول في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده ومن جاء بعدهم من كل من وكل إليه من أمر المسلمين شيء من مسؤولية الحكم أو الولاية أو القيادة أو الرعاية أخذًا بمفهوم الحديث السابق: (ألا كلكم راع ...) الحديث. نستطيع الآن على ضوء ذلك أن نحدد واجبات ومسؤوليات الحاكم المسلم: فأقول: إن ولاية أمر المسلمين من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلَّا بها لأن ما أوجبه الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصرة المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلَّا بالِإمارة بل أن الأحكام الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة من اجتماعية واقتصادية وسياسية، وسائر ما جاء به الدين الإِسلامي في أشد الحاجة إلى حاكم يدبر أمر الأمة فيها وينفذها ومن ثم كان تنصيب إمام عام وحاكم منفذ تسمع له الأمة وتطيع واجبًا شرعيًا يوجبه الدين لتجتمع كلمة الأمة وتنفذ أحكام الشريعة التي هي المنهج الإِلهي الذي تساس الأمة بأحكامه (٢).

стр. 19

يقول ابن تيمية - رحمه لله -: "ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين إلَّا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلَّا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد عند الإجتماع من رأس" (١). ويقول إمام الحرمين "الجويني" في وجوب نصب الإمام: (ولا يرتاب من معه مسكة من عقل أن الذب عن الحوزة والنضال دون حفظ البيضة محتوم شعرًا ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع ولا يزعهم وازع ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء وتفرق الأهواء لانتثر النظام وهلك العظام ... وفشت الخصومات وتبددت الجماعات ... وما يزع الله بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن) (٢). • • •

стр. 20

المبحث الأول واجبات ومسؤوليات الحكام قبل بيان الشروط الواجب توافرها في الحاكم المسلم وتوضيح واجباته ومسؤولياته نؤكد ضرورة قيام حكومة إسلامية: نعم: إن الحكومة الإِسلامية ضرورة من أجل حفظ العقيدة وصيانتها من عبث العابثين وخروج المارقين وحماية بيضة الإِسلام والذب عنها. والحكومة الإِسلامية ضرورة من أجل إقامة الشريعة الإِسلامية على أصولها المقررة وقواعدها المحررة ورد البدع والمبتدعين وإعلاء راية الدين ... وهذه الحكومة لابد لها من حاكم يدبر شؤونها ويصرف أمورها ... والحاكم المسلم ضرورة يوجب الإِسلام على الأمة إقامته، ليدفع عن الأمة عدوها ويحمي زمارها ويحافظ على أمنها ومقدساتها، ويسد الخلل الذي ينشأ عن اضطراب أمرها، ويقيم الحدود الزاجرة والتعزيرات الرادعة ليمنع أهل البطالة والفساد من العبث بحياة الآمنين ... إلى غير ذلك من الواجبات والمسؤوليات.

стр. 21

ولكن ... من هو الحاكم الذي يقوم بهذه الأمانة ويضطلع بهذه المهمة وما هي الشروط الواجب توافرها فيه حتى تطمئن الأمة إلى عدله وتعطيه من السمع والطاعة ما يكون جديرًا به في مكانه منها, وهذا ما نحن بصدد تفصيله. (١) الشروط الواجب توافرها في الحاكم المسلم: فنقول: إن طبيعة الحكم في الإِسلام تقوم على أن "الحاكم" إمامًا كان أو خليفة أو رئيسًا واحد من عامة الناس توافرت فيه شروط معينة تجعله أهلًا لهذا المنصب وكفوءًا لأن يتولى رعاية شؤون الأمة وحراسة دينها وإقامة حدود الله فيها. من هذه الشروط: بل من أولها: ١ - أن يكون مسلمًا لأن وظيفته نفسها تقتضي هذا، فمهمته إقامة شرع الله وتوجيه سياسة الدولة في حدود الإِسلام وما يستطيع أن يقوم بذلك على وجهه الصحيح إلَّا مسلم. قال -تعالى-: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ ...﴾ (١) الآية. وقال -تعالى-: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٢). ٢ - كما يشترط أن يكون مكلفًا أي بالغًا عاقلًا لأن الإمامة أو الحاكمية ولاية على الغير والصغير والمجنون والمعتوه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف على غيرهم؟!

стр. 22

٣ - أن يكون عالمًا بأحكام الإِسلام في العقيدة والعبادات والمعاملات وغيرها من أحكام الإِسلام ولا يكفي ذلك بل يجب أن يكون مثقفاً ثقافة عالية ملمًا بأطراف من علوم عصره، وأن يكون على علم بالتاريخ السياسي للدول وأخبارها وبالقوانين والأعراف الدولية والمعاهدات العامة والعلاقات السياسية. ٤ - أن يكون عدلاً: والعدالة عند الفقهاء التحلي بالفرائض والفضائل والتخلي عن المعاصي والرذائل وعن كل ما يخل بالمروءة. ٥ - أن يكون كفوءًا قادراً على قيادة الناس وتوجيههم (١). هذه هي أهم الشروط. وليس ثمة ما يمنع من اشتراط شروط أخرى إذا اقتضتها المصلحة العامة أو ظروف الحياة التي تتغير بمرور الزمن. كيف يتم اختيار الحاكم المسلم؟ "يتم اختيار الحاكم ببيعة حرة واختيار الشعب له، وهو ليس معصوماً من الخطأ ولا مفوضًا من الله أن يفعل ما يشاء، فمن حق الشعب أن يعزله إذا لم يقم بواجبه أو يفقد صلاحيته - فإذا اختير وبويع من قبل الشعب لزمته واجبات يسأل عن أدائها، ومسؤوليات لا حصر لها وله في الوقت نفسه حقوق على الأمة تظل قائمة بها ما قام بواجباته ولم يقصر في القيام على مسؤولياته (٢).

стр. 23

(ب) واجبات الإمام [الحاكم] على ضوء ما قررته الشريعة الإِسلامية والنصوص الواردة في ذلك: إن واجبات الإمام كثيرة وهي على كثرتها تنحصر في واجبين اثنين: - أحدهما: إقامة الشريعة الإِسلامية. - والآخر: إدارة شؤون الدولة في حدود أحكام الشريعة الإِسلامية (١). يقول الماوردي ﵀: (الإِمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (٢). ويقول ابن تيمية ﵀: (ولاية الحكم استخلاف من الله لتطبيق شرع الله) (٣). فالوظيفة الأساسية للحاكم المسلم هي إقامة حكم الله في الأرض، وذلك بالسهر على تطبيق وتنفيذ الشريعة الإِسلامية في مجالات الحياة الِإنسانية كافة ... هذا: وقد قررت الشريعة الإِسلامية مبدأ مسؤولية الحاكم المسلم عن أحوال رعيته في عدد كثير من النصوص: منها: قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ

стр. 24

الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ...﴾ (١) الآية. فالحاكم المسلم مطالب بأن يكون تصرفه لمصلحة رعيته فلا يتبع الهوى والتشهي إنما يتقيد بنصوص الشريعة وهدي السماء (٢)!!. ويقول -تعالى-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (٣). فالحاكم المسلم إنما هو خليفة الله في أرض الله ليطبق شريعة الله بين خلقه فإن فرط فهو عاجز وإن أفرط فهو مستبد. ويقول -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ (٤). فعلى الحاكم المسلم أن يدرك يقينًا أنه ليس مالكًا للدولة الإِسلامية يتصرف في تدبيرها وسياسة رعاياها كما يشاء هو وفقًا لهواه، وإنما الملك لله وحده وهو مستخلف في الأرض ليطبق شرع الله، ويسير على هديه.

стр. 25

والتشريع ليس من حق فرد أو طبقة من الناس، أو الناس جميعًا؛ إنما هو من حق الله وحده بما أنزل من شريعة وفرض من أحكام. - قال -تعالى-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١). - وقال -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢). - ويقول - سبحانه -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣). فالله لم يفوض إلى أحد من عباده لا إلى رسول ولا نبي ولا إمام ولا ولي ولا إلى غيرهم أن يشرع للناس من الأحكام ما يريد وأن يحكم بما يراه هو من عند نفسه وكيف اتفق (٤). ألا فليعلم الحكام أن صلاحيتهم محددة بالحدود التي شرعها الله فلا يصح لهم أن يتعدوا حدود الله ويخالفوا أحكامه ويخرجوا على أوامره ونواهيه ويتمردوا على شرعه وليعلموا أن الحكم في الإِسلام ليس ترفًا ولا نعيمًا ولا تعظيمًا إنه مسؤوليات ثقال وتبعات جسام، وسهر وحذر وحرص على مصالح الرعية. نعم: الدنيوية والأخروية، المادية والروحية تلك المصالح التي جاءت

стр. 26

الشريعة لِإقامتها في المجتمع الِإنساني ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ (١). (ج) إلحكم أمانة والنصوص الواردة في ذلك: نعم: إن الحكم أمانة ثقيلة ومسؤولية فادحة أمام الله -تعالى- ومن أوجب الأمانات أداء صاحب الولاية العامة أمانة ولايته لمن ولاه الله عليهم وفي مقدمتها العمل طبقًا لما جاء في كتاب الله -تعالى- وسنَة نبيه ﷺ . يقول أبو يوسف القاضي مخاطباً هارون الرشيد: (واعمل بما ترى أنه أصلح للمسلمين وأعم نفعاً لخاصتهم وعامتهم وأسلم لك في دينك وكل ما رأيت أن الله يصلح به أمر الرعية فافعله ولا تؤخره فإني أرجو لك بذلك أعظم الأجر وأفضل الثواب) (٢) ... حقاً: إن أي تقصير أو خداع أو غش في أداء الحاكم لهذا الواجب العظيم يعتبر خيانة والله -تعالى- يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (٣). ويقول ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة" (٤).

стр. 27

ولمسلم عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلَّا لم يدخل معهم الجنة" (١). (فالحاكم مأمور من قبل الشارع أن يحوط الرعية بالنصح ومتوعد من قبله على ترك ذلك بأعظم وعيد والله أعلم) (٢). ومن أقوال عمر بن الخطاب ﵁: (إن الراعي مسؤول عن رعيته، فلابد له أن يتعهد رعيته بكل ما ينفعهم الله به ويقربه إليه فإن من ابتلى بالرعية فقد ابتلى بأمر عظيم) (٣). نعم: إن الحكم في الإِسلام ليس وجاهة ولا رفاهة وليس جنون العظمة عند محب السلطة وإنما هو حمل باهظ وهم بشؤون الأمة ثقيل، وعقد يتم بين الحاكم والمحكومين على أن تكون طاعة المحكومين له مشروطة بطاعته هو لله ورسوله، فإذا حاد عن طاعة الله وانحرف عن سمت العدل فلا سمع ولا طاعة له على الأمة: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ (٤). ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ (٥)

стр. 28

(د) حدود طاعة الرعية للِإمام: قرر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - هذا المعنى في عدد من أحاديثه ﵊. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١). وقد انعقد إجماع الأمة الإِسلامية على ألا طاعة لولي الأمر إلَّا في حدود ما أنزل الله وعلى أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأن السلطة العامة مقيدة الولاية في الشريعة الإِسلامية ويترتب على ذلك أنه لابد أن يكون تصرف الحاكم منوط بمصلحة المحكومين وهذه قاعدة أصولية مقررة في الإِسلام نصت عليها كتب القواعد في الفقه وأصوله، ونصها: (هـ) (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) (٢): فهذه قاعدة ذات شأن وأهمية قصوى في الفقه الإِسلامي وذات مساس بالسياسة الشرعية وتنظيم الدولة الإِسلامية، فإنها تحدد معالم السلوك للحكام والأئمة والولاة ومن دونهم في جميع التصرفات وتضع حدًا ووازعًا للحاكم في كافة تصرفاته (٣).

стр. 29

فإذا كان حديث: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسئؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... الحديث" يوجب القيام بالمسؤولية فهذه المسؤولية تقتضي أداء الواجب مع النظر في المصلحة والتصرف في الأمر بالأمانة. وهذا ما سار عليه الخلفاء الراشدون في خطبهم عند توليهم أمر المسلمين وفي سلوكهم ... فهذا -على سبيل المثال لا الحصر -[أبو بكر ﵁ في أول خطبة خطبها بعد بيعته بالخلافة يقول: (أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم .... أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوِّموني)] (١). (و) وجوب إزالة التناقض بين الإِسلام وتعطيل شرائعه: فعلى الحكام أن يزيلوا هذا التناقض الصارخ في حياتهم بين إيمانهم بالإسلام عقيدة وشريعة من عند الله وبين تجميدهم لأحكامه وتعطيلهم لحدوده وإغفالهم لتوجيهاته وآدابه واستيرادهم لمذاهمب وأنظمة وقوانين من هنا وهناك بديلًا عنه ثم بعد ذلك يزعمون أنهم مؤمنون ... ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٢). أنَسِيَ هؤلاء الحكام أم تناسَوْا أنهم يعيشون في أوطان الإِسلام ويحكمون أناسًا مسلمين ومن حق كل قوم أن يُحكَموا وفقًا لعقيدتهم وأن تأتي أنظمة حياتهم عن معتقداتهم وقيمهم وأخلاقهم وتقاليدهم وأن يوضع كل شيء في الدولة في إطار الشريعة الإِسلامية وفي خدمة أهدافها ومبادئها

стр. 30

أما أن يدَّعو الإِسلام ويرفضوا حكمه ويعرضوا عن قرآنه وسنَّة نبيه ﷺ ، ويتنكروا لشرائعه وشعائره فهذا ما لا يقبله عقل ولا يقره دين" (١). لقد آن للحكام أن يعلموا أنه لا خلاص لشعوبهم ولا استقرار لمجتمعاتهم إلَّا بالاسلام: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٢). يقول ابن تيمية ﵀: (إن جميع الولايات في الإِسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله إنما خلق الخلق لذلك وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون) (٣). (ز) مهمة الحاكم مهمة شاملة: قلت: نعم: إن مهمتهم كما وضحها شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: (إن مهمة الحكام ليست مقصورة على حفظ الأمن والدفاع عن البلاد والقيام بمتطلبات المعيشة ورفع مستواها بين الناس - فحسب -كما تقرره المذاهب الفردية بل إن مهمتهم مهمة شاملة ووظيفتهم ذات طبيعة عامة تختلف عن كل ما عرف من وظائف قديمًا وحديثًا إنهم مكلفون بمهمة غالية أنيطت بوجودهم ومسؤولية كبرى لا يسعهم جهلها أو تجاهلها أو التفريط

стр. 31

والتهاون فيها، ومن أوجب الواجبات وأول المهمات النصح لشعوبهم وهو ضرورة حتمية تمليها عليهم عقيدتهم ويحتمها عليهم إيمانهم بالله ورسوله وإلَّا فهم خائنون مفرطون. ألا وإن أعظم نصيحة يقدمونها لمحكوميهم إقامة شرع الله بينهم وتنفيذ أحكامه فيهم وحملهم على التكيف بروح الإِسلام وآدابه وتحقيق مبادئه تحقيقًا عمليًا في حياتهم وغرس حبه واحترامه في نفوسهم والضرب بيد من حديد على يد كل فاسد أو مأجور أو موتور تشتم منه رائحة التجهيز على هذا الدين أو الدفاع عن أي اتجاه يخالف هذا الإتجاه وبهذا يكون قد أدى أمانته وأرضى ربه ونصح لأمته ومكن لها من إقامة شرع الله الذي أنيطت به سعادتها وفلاحها في الدنيا والآخرة) (١). يقول أبو الأعلى المودودي ﵀: (ليست المهمة الحقيقية التي تتولاها الدولة الإِسلامية في الأرض أن تعمل على إقامة الأمن والدفاع عن حقوق البلاد أو رفع مستوى معيشة الأهالي فما هذا هو الغرض الأقصى والغاية العليا من وراء قيام الدولة الإِسلامية، فإن الميزة التي تميزها عن سائر الدول غير المسلمة هي أن تعمل على ترقية الحسنات التي يريد الإِسلام أن تتحلَّى بها الإِنسانية وتستنفد جهودها في استئصال السيئات التي يريد الإِسلام أن يطهر منها الإِنسانية) (٢).

стр. 32

(ح) ما يفرضه الإِسلام على الحاكم المسلم: إن الإِسلام يفرض على الحاكم المسلم أن يكون مسلمًا في نفسه عقيدة وعبادة وأخلاقاً، ويفرض عليه في الوقت نفسه أن يجهد ليكون المجتمع الذي يحكم ٥ مسلمًا يتمثل الإِسلام عقيدة وأخلاقًا ويلتزمه فكرًا وسلوكاً ويطبقه شريعة ومنهاجاً، والإِسلام إذ يفرض عليه هذا العمل يجعل القيام به تكليفًا شرعيًا لا يجوز القعود عنه أو التهاون والتقصير فيه كما يجعل الإلتزام بأحكام هذه الشريعة الخالدة التزام حتمي لابد منه ولا خيار للحاكم أو المحكوم فيه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢). (ط) معنى الرد إلى الله ورسوله في الآية الكريمة: يقول علي بن أبي طالب ﵁ في كتابه الذي وجهه لمالك بن الحارث "الأشتر النخعي" حين ولاه على مصر يقول: بعدما أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلَّا باتباعها ولا يشقى إلَّا مع جحودها وإضاعتها ثم يأمره بعد ذلك أن يرد كل ما يشكل عليه من الخطوب إلى الله ورسوله فيقول: [واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب وما يشتبه عليك من الأمور فقد قال الله -تعالى- لقوم أحب إرشادهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ

стр. 33

وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ (١) الآية. فالرد إلى الله الأخذ بمحكم (٢) كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة" (٣)]. ويقول ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (إن الناس أجمعوا على أن الرد إلى الله - سبحانه - هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته) (٤). وللبخاري في صحيحه عن الحسن بن علي ﵁: (أخذ الله على الحكام ألا يتبعوا الهوى ولا يخشون النالس ولا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً: ثم قرأ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (٥). فعلى الحكام أن يتنبهوا إلى ثقل التبعة التي تنتظرهم وأن يكونوا أهلاً لما ألقي على عاتقهم من مسؤولية وما طرح على ظهورهم من أحمال ثقال.

стр. 34

المبحث الثاني واجبات ومسؤوليات المحكومين نحو تطبيق الشريعة الإِسلامية تمهيد: إذا كان وجوب العمل بالشريعة الإِسلامية وجوباً حتمياً وتكليفاً شرعياً على الحاكم - فإنه من حيث مسؤوليته الحركية التنفيذية واجب جماعي على الأمة كلها من القاعدة إلى القمة عملاً بقول النبي ﷺ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... الحديث) وبقوله ﷺ -كما جاء في الصحيح: "الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " (١). فهذان الحديثان دعامة كبرى في القيام بالواجبات والحقوق فهما يقرران المسؤولية الفردية والجماعية في النفوس والأعمال، وكما قررنا سابقاً (٢) من أن الإِسلام لابد له من أمة تحمله وسلطة تحميه وهما عنصر واحد في كفة واحدة يتكاملان ويتآلفان في غاية واحدة ويعملان لهدف واحد

стр. 35

وهو تطبيق الشريعة الإِسلامية؛ وبذا يصبح المجتمع خلية حية نابضة كل فرد فيها يبني ويحرص على البناء وكل إنسان فيها يعطي ويتنافس في العطاء. (أ) تطبيق الشريعة الإِسلامية واجب جماعي على الأمة كلها: عرفنا واجبات ومسؤوليات الحاكم. إذن: فما هي واجبات ومسؤوليات المحكومين، والمحكومون هم المُعبَّر عنهم بالأمة أو الجماعة التي تحمل الإِسلام وتكون أداته في عملية التغيير. وتتكون هذه الأمة من: ١ - القاعدة الشعبية على اتساعها وهي التي تضم كل أفراد الأمة الإِسلامية. ٢ - القوى الشعبية وهم في الجماعة الإِسلامية: الحزب العامل لخدمة الإِسلام ونصرة قضاياه وهم - باستثناء الحاكم - الوزراء والأمراء والولاة بدرجتهم وهم أهل الشورى والبيعة وبطانة السلطان الناصحون له من العلماء والحائزين لثقة الأمة، وهؤلاء هم مفتاح الحكم وضوابطه وصماماته وهم قلب الأمة إذا صلحوا صلح النظام كله وإذا فسدوا أو أعيقوا عن العمل فسد نظام الحكم وتحول (١). وأهم واجبات هؤلاء السهر على حفظ الشريعة الإِسلامية والقيام بها وتعليمها وإفشائها للناس علمًا وعملًا ونصرة الحاكم بتقديم النصح والمشورة له. يعينوه إذا أصاب ويبصرونه إذا ضل ويبذلون له النصيحة ظاهرًا وباطناً سرًّا وعلانية (٢) ...

стр. 36

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولى الله أمركم ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" (١). كما أن على الأمة كلها بذل الطاعة له ظاهرًا وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، قال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ (٢) الآية. قال أبو جعفر الطبري ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "واختلف أهل التأويل في "أولي الأمر" الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية ... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة: لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم" (٤).

стр. 37

جاء في الأحكام السلطانية للماوردي: "أنه إذا تنصب الإمام فإنه على كافة الأمة تفويض الأمور إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة ليقوم بما وكل إليه من وجوه المصالح". (ب) "السمع والطاعة للحاكم مقيد لا مطلق": ولكن متى يطاع الحاكم ويسمع له؟ وهل حقه في سمع الرعية له وطاعته مطلق أو مقيد؟ فنقول: يُطاع الحاكم ويُسمع له فيما كان فيه لله طاعة وللمسلمين مصلحة كما أوضح الطبري سابقاً؛ لأن وصف الولاية الموجب لطاعتهم إنما اكتسبوه من الشرع الإلهي من وجوب إقامة حاكم يصرف شؤون الأمة، ويقيم بينها معالم العدل والنصفة فهم مطاعون ما أقاموا شريعة ربهم "لما روى أحمد عن أم الحصين الأَحْمُسية قالت: سمعت الرسول ﷺ يقول -في حجة الوداع -: "يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله " (١). فإذا انحرفوا عنه وحادوا عن طريقه عنادًا أو استضعافًا وتقليدًا لنظم أجنبية عن الإِسلام فلا طاعة لهم" (٢). لقول الرسول ﷺ : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (٣). ولقول النبي ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب

стр. 38

أو كره إلَّا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١). وبهذا يعلم "أن حق الحاكم على الناس هو حق السمع والطاعة" ولكن هذا الحق ليس حقًا مطلقًا وإنما هو مقيد بقوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢). (فالطاعة واجبة لأولي الأمر في حدود ما أنزل الله بدليل أن ما يتنازع فيه يرد إلى أمر الله ورسوله فمن أمر من الحكام بما يتفق مع ما أنزل الله فطاعته واجبة ومن أمر بخلاف ما أنزل الله وبما جاء به الرسول ﷺ فلا سمع له ولا طاعة ... وهكذا قطع القرآن والسنَّة في أن طاعة أولي الأمر لا تجب إلَّا في طاعة الله وأن ليس لأحد أن يطيع فيما يخالف كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ) (٣) (ج) متى تجب منابذة الحكام والخروج عليهم ومتى لا يجوز ذلك؟! لسائل أن يقول إذا أمرنا ألَّا نطيع الحكام فيما يخالف كتاب الله -تعالى- وسنَة نبيه ﷺ ، أفلا يحق لنا بناء على هذه النصوص أن ننابذ الحكام ونعلن الثورة عليهم خاصة وأن كثيرًا منهم يسير في واد غير وادي الإِسلام، يدعي الإِسلام ولا يعمل به. يقرأ القرآن ولا يطبق أحكامه يعترف بأن دين الدولة الرسمي هو الإِسلام ولكن لا يعطيه حقه في الحكم والتشريع والتوجيه؟

стр. 39

أم ما هو واجب المحكومين إزاء هذا الصنف من الحكام؟ وللِإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نفرق بين من يميل عن صراط الشريعة وعدلها بدافع من شهوة أو اتباع لهوى أو جهل أو غفلة أو تعليل بظرف من الظروف أو نحو ذلك. وبين من يجحدها منهم ولا يعترف بها ولا يقر بأن لها السيادة ومن حقها الحكم بل وينادي بفصل الدين عن الدولة وإبعاده عن الحكم والتشريع (١). فإذا كان الحاكم يعزف عن تطبيق شرع الله جهلاً به أو استضعافاً أو غفلة أو تعليلاً بظرف من الظروف فواجب الأمة -بل وواجب علمائها خاصة- نحو هذا الصِّنف من الحكام أن يناصحوه ويوقظوه من غفلته ويشعروه بعظم مسؤوليته وما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر الممكن. قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمور، ويقول ﷺ : "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قالوا: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة إلَّا من وُلَّي عليه والٍ: فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة" (٣).

стр. 40

"فمع ما نرى من تنبيهه ﵊ إلى أنه لا طاعة من المحكوم للحاكم إلَّا في المعروف أي في غير معصية ولا منكر نلاحظ أيضًا في التوجيه النبوي السياسي تأكيدًا آخر على إلزام الأمة المسلمة بالصبر على ما ترا ٥ من مكروه لا يصل إلى حد الكفر البواح وإسداء النصيحة إلى الحاكم ولفت نظره وفكره إلى ما ينبغي أن يكون وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في الحدود الشرعية وعدم جواز الخروج عليه بالسلاح أو مخاشنته بل بدعوته بأرفق السبل ما دامت الشعائر مقامة والصلاة ينادى عليها في المساجد، ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح والخروج السافر عن الإِسلام، روى البخاري في صحيحه (١) عن عبادة بن الصامت قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ومسرنا ويسرنا وَأَثَرةٍ (٢) علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلَّا أن تروا كفراً بواحًا (٣) عندكم من الله فيه برهان". أما إذا كان الحاكم يعرض عن الحكم بما أنزل الله عنادًا واستكبارًا ولا يقر شرع الله ولا يعترف به أو يقر بعضه وينكر بعضه فيدعو إلى فصل الدين عن الدولة وإبعاده عن الحكم والتشريع، فواجب المحكومين مع هذا الصنف من الحكام أن ينكروا ذلك عليهم ويبينوا الحق لهم وينصحوهم ما استطاعوا فإن ثابوا إلى رشدهم وإلَّا فينبغي أن يقف المحكومون منهم موقفًا سلبيًا من
следующие страницы →