عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولى الله أمركم ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" (١).
كما أن على الأمة كلها بذل الطاعة له ظاهرًا وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، قال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ (٢) الآية.
قال أبو جعفر الطبري ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "واختلف أهل التأويل في "أولي الأمر" الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية ... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة: لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم" (٤).
стр. 37
جاء في الأحكام السلطانية للماوردي: "أنه إذا تنصب الإمام فإنه على كافة الأمة تفويض الأمور إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة ليقوم بما وكل إليه من وجوه المصالح".
(ب) "السمع والطاعة للحاكم مقيد لا مطلق":
ولكن متى يطاع الحاكم ويسمع له؟ وهل حقه في سمع الرعية له وطاعته مطلق أو مقيد؟
فنقول: يُطاع الحاكم ويُسمع له فيما كان فيه لله طاعة وللمسلمين مصلحة كما أوضح الطبري سابقاً؛ لأن وصف الولاية الموجب لطاعتهم إنما اكتسبوه من الشرع الإلهي من وجوب إقامة حاكم يصرف شؤون الأمة، ويقيم بينها معالم العدل والنصفة فهم مطاعون ما أقاموا شريعة ربهم "لما روى أحمد عن أم الحصين الأَحْمُسية قالت: سمعت الرسول ﷺ يقول -في حجة الوداع -: "يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله " (١). فإذا انحرفوا عنه وحادوا عن طريقه عنادًا أو استضعافًا وتقليدًا لنظم أجنبية عن الإِسلام فلا طاعة لهم" (٢). لقول الرسول ﷺ : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (٣).
ولقول النبي ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب
стр. 38
أو كره إلَّا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١).
وبهذا يعلم "أن حق الحاكم على الناس هو حق السمع والطاعة" ولكن هذا الحق ليس حقًا مطلقًا وإنما هو مقيد بقوله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢).
(فالطاعة واجبة لأولي الأمر في حدود ما أنزل الله بدليل أن ما يتنازع فيه يرد إلى أمر الله ورسوله فمن أمر من الحكام بما يتفق مع ما أنزل الله فطاعته واجبة ومن أمر بخلاف ما أنزل الله وبما جاء به الرسول ﷺ فلا سمع له ولا طاعة ... وهكذا قطع القرآن والسنَّة في أن طاعة أولي الأمر لا تجب إلَّا في طاعة الله وأن ليس لأحد أن يطيع فيما يخالف كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ) (٣)
(ج) متى تجب منابذة الحكام والخروج عليهم ومتى لا يجوز ذلك؟!
لسائل أن يقول إذا أمرنا ألَّا نطيع الحكام فيما يخالف كتاب الله -تعالى- وسنَة نبيه ﷺ ، أفلا يحق لنا بناء على هذه النصوص أن ننابذ الحكام ونعلن الثورة عليهم خاصة وأن كثيرًا منهم يسير في واد غير وادي الإِسلام، يدعي الإِسلام ولا يعمل به. يقرأ القرآن ولا يطبق أحكامه يعترف بأن دين الدولة الرسمي هو الإِسلام ولكن لا يعطيه حقه في الحكم والتشريع والتوجيه؟
стр. 39
أم ما هو واجب المحكومين إزاء هذا الصنف من الحكام؟
وللِإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نفرق بين من يميل عن صراط الشريعة وعدلها بدافع من شهوة أو اتباع لهوى أو جهل أو غفلة أو تعليل بظرف من الظروف أو نحو ذلك.
وبين من يجحدها منهم ولا يعترف بها ولا يقر بأن لها السيادة ومن حقها الحكم بل وينادي بفصل الدين عن الدولة وإبعاده عن الحكم والتشريع (١).
فإذا كان الحاكم يعزف عن تطبيق شرع الله جهلاً به أو استضعافاً أو غفلة أو تعليلاً بظرف من الظروف فواجب الأمة -بل وواجب علمائها خاصة- نحو هذا الصِّنف من الحكام أن يناصحوه ويوقظوه من غفلته ويشعروه بعظم مسؤوليته وما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر الممكن. قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمور، ويقول ﷺ : "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قالوا: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة إلَّا من وُلَّي عليه والٍ: فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة" (٣).
стр. 40
"فمع ما نرى من تنبيهه ﵊ إلى أنه لا طاعة من المحكوم للحاكم إلَّا في المعروف أي في غير معصية ولا منكر نلاحظ أيضًا في التوجيه النبوي السياسي تأكيدًا آخر على إلزام الأمة المسلمة بالصبر على ما ترا ٥ من مكروه لا يصل إلى حد الكفر البواح وإسداء النصيحة إلى الحاكم ولفت نظره وفكره إلى ما ينبغي أن يكون وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في الحدود الشرعية وعدم جواز الخروج عليه بالسلاح أو مخاشنته بل بدعوته بأرفق السبل ما دامت الشعائر مقامة والصلاة ينادى عليها في المساجد، ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح والخروج السافر عن الإِسلام، روى البخاري في صحيحه (١) عن عبادة بن الصامت قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ومسرنا ويسرنا وَأَثَرةٍ (٢) علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلَّا أن تروا كفراً بواحًا (٣) عندكم من الله فيه برهان".
أما إذا كان الحاكم يعرض عن الحكم بما أنزل الله عنادًا واستكبارًا ولا يقر شرع الله ولا يعترف به أو يقر بعضه وينكر بعضه فيدعو إلى فصل الدين عن الدولة وإبعاده عن الحكم والتشريع، فواجب المحكومين مع هذا الصنف من الحكام أن ينكروا ذلك عليهم ويبينوا الحق لهم وينصحوهم ما استطاعوا فإن ثابوا إلى رشدهم وإلَّا فينبغي أن يقف المحكومون منهم موقفًا سلبيًا من
стр. 41
حيث المودة والمحبة والمخالطة والولاء ويقفون دائمًا في وجوههم عند كل انحراف بالإحتجاج والنصيحة والاعتراض، فإذا لم يمتثلوا واستعانوا بأهل الشر ووسائل الإِرهاب فإنه يجب على عامة المحكومين أن يقفوا منهم موقفاً متضامنًا يجاهدونهم ويعزلونهم ويستبدلون بهم. فإن فرطوا وسكتوا عما يرونه يخرج شيئًا فيشئًا من شرع الله ودينه فهم متحملون قسطهم من تبعات ذلك. يقول القرطبي نقلًا عن الإِمامِ ابنِ خُوَيْزِ مَنْدَادِ: "وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة ولا تجب فيما فيه لله معصية، ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم ويجب الغزو معهم متى غزوا والحكمُ من قِبَلهم وتوليةُ الإمامة والحِسبة وإقامة ذلك على وجه الشريعة" (١).
(د) معنى الإنتماء للإِسلام وما يقتضيه هذا الإنتماء:
إذا تقرر ما سبق فعلى كل مسلم حاكمًا أو محكوماً - أن يعترف بانتمائه للإِسلام وما يقتضيه هذا الإنتماء من إلتزام وسلوك إذ الإِسلام ليس مجرد دعوى تُدَّعى ولا شعارًا يُرفع ولا مجردَ نص في الدستور على أن دين الدولة هو الإِسلام ثم تسير سفينة الحياة بعدها في خط يجافي الإِسلام. كما أن على كل مسلم أن يكون انتماءه للإِسلام ليس انتماءً بالوراثة أو انتماء بالهوية كما أنه ليس انتماء شكليًا يستغرق حياة المسلم في أوضاع من التعبدات البدعية والخرافات والخزعبلات تقام باسم الإِسلام والإِسلام منها براء.
стр. 42
كلَّا كلَّا: إنما الإنتماء للإِسلام يعني أن يطبق المسلم الإِسلام في بيته وأسرته ومجتمعه وأمته ودولته وفي كل الأصعدة، وعلى جميع المستويات وما دام قد رضي بالإِسلام دينًا وعقيدة فلابد أن يرضى به حكماً وتشريعاً ومنهاجًا في كل جوانب الحياة ولا يرضى به بديلًا أو عنه تحويلاً. يقول ابن تيمية ﵀: " ... فالِإسلام مبني على أصلين: أن لا يعبد إلَّا الله وعبادته إنما هي بطاعته فيما شرع لا بالأهواء والبدع" (١).
إنَّ الإِسلام لا ينتصر بالكلام والخطيب الرنانة ولا يعود إليه عزه ومجده بالأماني والأحلام والمظاهرات ورفع الشعارات والهتافات فكل ذلك طبل أجوف!! واستئناف حياة الإِسلامية صحيحة لا يمكن أن يتم بالقرارات الحكومية الآلية ولا بالانقلابات العسكرية الثورية ولا بالوعظ والإِرشاد وحده.
كلَّا كلَّا: لن ينتصر الإِسلام إلَّا إذا عرف كل واحد منا واجبه فأداه كاملًا دون وكس أو شطط.
ولن ينتصر الإِسلام إلَّا إذا فهم المسلمون رسمالتهم وعرفوها حق المعرفة كما فهمها وعرفها المسلمون الأوائل ومِنْ ثَمَّ فقد حُق لهم أن يسودوا العالم وأن يتزعموه بلا منازع وحق لهم أن يقتحموا الصعاب من أجل دينهم ويرفعوا رايته عالية خفاقة فوق ربوع الأرض من المحيط إلى الخليج.
стр. 43
فعلى حكومات الإِسلام يقع واجب حمل الإِسلام وواجب تعليم الناس له وتربية الأجيال عليه والتخطيط لمد رواقه والتنظيم لإِقامته والتنفيذ المتواصل لصالح سلطانه وعلى كل مسلم أن يؤدي دروه في ذلك (١).
• • •
стр. 44
الفصل الثاني
القواعد والأسس الملزم الإِيمان بها تطبيق الشريعة الإِسلامية
ويتضمن هذا الفصل تمهيداً وسبعة مباحث:
المبحث الأول: الإِيمان بالله -تعالى-.
المبحث الثاني: الإِيمان برسالة محمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.
المبحث الثالث: الإِيمان بعموم الشريعة الإِسلامية وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
المبحث الرابع: الإِيمان بكمال الشريعة الإِسلامية ومرونتها وصلاحيتها للخلود إلى يوم القيامة.
المبحث الخامس: الإِيمان بأن الشريعة الإِسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة.
المبحث السادس: الإِيمان بيسر الشريعة وسماحتها ووفائها بحاجات البشر في كل زمان ومكان.
المبحث السابع: الإِيمان بالأسس التي قام عليها التشريع الإِسلامي في الحكم.
стр. 45
تمهيد
إن مما يحمل على تطبيق الشريعة الإِسلامية -بل يعد دافعًا ومحركاً قويًا وعنصرًا فعالًا في تطبيقها- الإِيمان بخصائص هذه الشريعة سواء فيما يتعلق بالأصول والقواعد أم بالمبادئ والفضائل أم بالمناهج والوسائل أم بالأهداف والغايات بمعنى أن الإِيمان بالإِسلام يعني الإِيمان به عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
وأُسس هذه العقيدة وركيزتها الإِيمان بالله ولن يتحقق الإِيمان إلَّا إذا صدقه العمل، فإذا وقر في وجدان المسلم بل والأمة جميعها ظهرت آثاره وانبسطت شعابه في واقع الحياة، وطريق الإِيمان بالله هو هدى الله المنزل على عبده المرسل محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - وبذل المسلم وسعه في طاعته واتباعه والعمل بشريعته هو عنوان السعادة في الدنيا والآخرة. ولن تُستكملَ مسيرة الإِيمان حتى يعتقد المسلم اعتقادًا لا يساوره فيه شك أن الشريعة التي جاء بها محمد بن عبد الله شريعة عامة خالدة صالحة للِإنسان في كل زمان ومكان وأنها دعوة الله للِإنسانية كلها ولسائر أجناس البشر لا فرق في ذلك بين أبيضهم وأسودهم أو بين غنيهم وفقيرهم ورئيسهم ومرؤوسهم والرجل والمرأة في دعوة الله سواء وخطاب الله موجه إلى الناس
стр. 46
كافة وأنها -أي الشريعة- نظم متكامل متسق ليس بها نقص يستدعي الِإكمال ولا قصور يستدعي الِإضافة ولا محلية ولا زمانية تستدعي التطوير أو التحوير، فأيما جانب من هذه الجوانب السابقة يحيد فيه المرء عن طاعة الله ويتولى فيها عن شريعته يعد نكثًا لعهد الإِيمان وفسقاً عن الدين وانحرافاً عن الصراط المستقيم.
وكذا الإِيمان بالله ورسوله وشرعه يستوجب الإِيمان بأن الإِسلام هو آخر الشرائع السماوية إلى البشر وأن محمدًا خاتم النبيين وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع السابقة وأن الأمة المسلمة قد اختارها الله من بين الأمم لتتلقى تراث الرسالة كله وتقوم على دين الله في الأرض.
ومن آيات عمومها وخلودها وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان يسرها وسماحتها ومرونتها وتطورها وسعتها ووفائها بحاجات البشر في كل زمان ومكان، ومن مظاهر اليسر والسماحة في هذه الشريعة الغراء: مشروعية الرخص بعمومها والتكليف بما في الطاقة والوسع وإجراء الأحكام على وفق الظاهر والأخذ بالعرف وما ينبني عليه من تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمنة
والأمكنة والأعراف.
ولا يجوز في شريعة الإِسلام الأخذ بكل ما ذكر والِإيمان به من عقيدة وشريعة مع إغفال تلك الجوانب العملية التي إذا استقامت على قواعدها الأمة الإِسلامية انتظم أمرها والتأم شملها وتوحدت كلمتها وقويت شوكتها وأول هذه الجوانب العملية والدعامات التطبيقية في قواعد الشريعة الإِسلامية ومنهج الحكم الإِسلامي [الشورى] ثم تأتي بقية الجوانب والدعامات كالعدالة] [والمساواة] ... إلخ.
стр. 47
وإليك هذه القواعد والأسس مجملة في المباحث الآتية.
أولاً: الإِيمان بالله -تعالى-.
ثانياً: الإِيمان برسالة محمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.
ثالثاً: الإِيمان بعموم الشريعة وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
رابعاً: الإِيمان بكمال الشريعة ووفائها بحاجات البشر في كل زمان ومكان.
خامساً: الإِيمان بأن الشريعة الإِسلامية خاتمة الشرائع وأنها ناسخة لكل الشرائع التي تقدمتها.
سادساً: الإِيمان بيسر الشريعة وسماحتها ومرونتها واتساعها لحاجات البشر في كل عصر ومصر.
سابعاً: الإِيمان بالقواعد والأسس التي قامت عليها الشريعة الإِسلامية كالشورى والعدالة والمساواة ... إلخ.
وسنفصل فيما يلي كل مبحث من هذه المباحث على حدة.
стр. 48
المبحث الأول
الإِيمان بالله -تعالى -
إن الإِيمان بالله هو المحرك الأساسي والعنصر الفعال في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ومن ثَمَّ الاستجابة لتحكيم شرعه. ويعني الإِيمان بالله الإِيمان بأنه الرب الخالق الحكيم المدبر لهذا الكون كله. قال -تعالى-: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (١).
فلزام على البشر -كل البشر- أن يعلموا أن الله خالق الخلق ومدبر شؤونهم وهو وحده أعلم بما يصلحهم وما يصلح لهم، فتجب طاعته ويتحتم التزام أمره والوقوف عند حدوده ويجب التحرر المطلق من كل عبودية للأوهام والأشخاص والنظم والأساطير والبدع والخرافات، والخروج عن دواعي النفس والهوى والدخول بالكلية تحت سلطان الله رب العالمين.
والِإيمان بالله -تعالى- لا يتم إلَّا باستسلام الكيان الِإنساني كله قلباً
стр. 49
وعقلًا وسلوكًا لحكم الله وهيمنته على خلفه. قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (١).
ثم إن الإِيمان بالله عقيدة يختزنها الجنان وكلمة يرددها اللسان وعمل يصطبغ به السلوك الإنساني كله باتباع مرضاة الله والإمتثال لأوامره واجتناب نواهيه.
والِإيمان بالله تعالى قوة عاصمة من الدنايا دافعة إلى المَكْرُمَاتِ، ومن ثَمَّ فإن الله -تعالى- عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم من شر يجعل ذلك مقتضى الإِيمان المستقر في قلوبهم وما أكثر ما ينادي الله عباده بوصف الإِيمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم يذكر -بعدُ- ما يكلفهم به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ...﴾ الآية (٢) " (٣).
إن لكل شيء علامة تدل عليه ويعرف بها ومن علامات الإِيمان الصادق: أن يكون الله ورسوله أحب إلى الِإنسان من كل شيء. وأن يظهر ذلك في جميع تصرفاته فيصاحبه طاعة لله وطاعة رسوله وعمل بشرع الله الذي يحمله الرسول والاستجابة التامة لذلك ... قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (٤).
стр. 50
إذن .. فليس الإِيمان مجرد المعرفة فقط ولا المعرفة والإِقرار فقط بل المعرفة والإِقرار والإنقياد والتزام طاعة الله ودينه ظاهرًا وباطناً" (١).
وليس حب الله دعوى باللسان ولا هيامًا بالوجدان إلَّا أن يصاحبه الإتباع لرسول الله ﷺ والسير على طريقته والعمل بسنته ... قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ (٢).
قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣).
وقال الحسن البصري وغيره من السلف: "زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ...﴾ ثم قال -تعالى-: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الآية، أي تخالفوا عن أمره فإن الله لا يحب الكافرين فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع
стр. 51
الرسول النبي الأمي خاتم الرسل - صلوات الله وسلامه عليه - " (١).
ويقول عمر بن عبد العزيز ﵁: (إن للإِيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا فمن استكملها استكمل الإِيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإِيمان) (٢).
نعم، "إن الإِيمان الحق عقيدةٌ ثابتة تنسب الخلق والأمر جميعًا إلى الله وحده، وعِلْم موحَّد يتسع لِأَبعاد الوجود غيبه وشهوده، ولأوامر الله في الطبيعة والشريعة ولمراحل الحياة أولها وآخرها وموقف في الحياة لا يختلف يتخذ المسلم لقاءه -تعالى- غاية مجردة وعبادته وسيلة مخلصة ويجعل هديه المنزل صراطًا إليه مستقيماً" (٣).
إن الإِيمان معنى يتخلل كل وجود المؤمن وينبغي أن يتمثل في كل لحظة ولمحة من حياته فالعقائد مرتبطة بالأعمال والأعمال مرتبطة بالمشاعر "النيات" وليس مؤمنًا من اعتقد أن التكاليف والعبادات والأوامر والنواهي ليس مطلوبًا منه أن يعمل بها وإنما يكفي التصديق بها فحسب، وليس مؤمنًا من فرق بين الصوم والصلاة والجهاد وسائر العبادات في لزومها وفرضيتها، أو جحد لزوم حد من الحدود وشأن من اعتقد ذلك شأن من كفر بالله رباً وبالِإسلام دينًا وبمحمد نبيًا ورسولًا ... قال -تعالى-: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا
стр. 52
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (١).
وبعدُ: فكل من انحرف عن هذا الخط المستقيم وانخرط في سلك شهواته ونزواته فقد انحرف عن طريق الجادة وانصاع لأهوائه وأمانيه واستوحى منهما ضوابط سلوكه في حياته وعندها سيسقط في مهاوي الهلكة تمزقه الأهواء وتورثه الشهوات الحيرة والفزع والخلل والإضطراب، ويضل سعيه في الحياة الدنيا ويحشر يوم القيامة أعمى وبهذا يكون قد ظلم نفسه ولم يجن في الحياتين إلَّا الذل والشقاء والضياع والهوان. نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا إيماناً صادقاً وأن يلهمنا عملاً صالحاً متقبلاً إنه ولي ذلك والقادر عليه.
• • •
стр. 53
المبحث الثاني
الإِيمان برسالة محمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين
لقد منَّ الله على عباده ورحمهم بإرسال رسله إليهم، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وحتى لا يقولوا ما ندري ما أراده الله منا، وما جاءنا من بشير ولا نذير، فقطع الله المعذرة وأقام الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لبيان حكم الله -تعالى- فيما اختلف فيه خلق الله وإيضاح شرعه فيما جهلوه، وأمرهم بالتزام حكمه -تعالى- والوقوف عند حدوده والبعد عما يضرهم في العاجل والآجل .. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ (١).
واختار الله رسله من بين خلقه ليكونوا نموذجاً للكمال وعنواناً للفضل وحملة لمشعل النور والضياء، وقادة لركب الحضارة الإِنسانية على مدى الأزمان والدهور واصطفاهم المولى -جلت حكمته- ليكونوا دعاة الحق وهداة الخلق فاختارهم من بين خلقه وصنعهم على عينه وشرفهم بأكمل الأوصاف، فجعلهم أئمة الدنيا والدين ورزقهم قوة العقل واليقين، ليكونوا وسطاء، بينه وبين خلقه: يبلغون أوامره ويحذرون من غضبه وعقابه
стр. 54
ويرشدون إلى ما فيه سعادة البشر في الدنيا والآخرة .. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ (١).
وكان ختام المسك محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - أفضلهم وإمامهم وخاتمهم، آمن بما آمنوا به، ودعا إلس ما دعوا إليه .. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ (٢).
فكان - صلوات ربي وسلامه عليه - أعلى ما يكون هداية وإرشاداً، وكان ما جاء به أسمى ما يكون تشريعاً وتبصيراً، ختم الله به الرسالة وأتم به النعمة وجعله للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً .. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ (٣).
وجعل دينَه، دينَ القوة والرحمة، ودينَ الحياة، ودينَ الكفاح والجهاد ودينَ التمكين والعزة والنظافة والطهارة والِإخاء والمساواة والهناء والرخاء .. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ (٤).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: (... فهذه الآية نص
стр. 55
في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فكل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ ومن حديث جماعة من الصحابة ﵃) اهـ (١).
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا بيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (٢).
وأخرج الحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني عند الله في أول الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصورُ الشام" (٣).
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مَثَلي ومَثَلَ الأنبياء من قبلي كَمَثَلِ رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلَّا موضعَ لبنةٍ من زاوية فجعل الناسُ يطوفون به ويَعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (٤).
ففي هذا الحديث وما سبقه إشارة إلى فضل النبي ﷺ سائر
стр. 56
النبيين وأن الله ختم به الأنبياء والمرسلين وأكمل به شرائع الدين وأن حملة الشرائع السماوية بناة بيت واحد يؤسس سابقهم لِلاحقهم ويشيد لاحقهم على أساس سابقهم، يصور ذلك [مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى ببتاً ... فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين] وهكذا كان - صلوات الله وسلامه عليه - برسالة الإِسلام اللبنة المتممة لهذا البناء الشامخ وكانت رسالته آخر لبنة وضعت فيه واحتاج إليها هذا البناء الشامخ من لدن آدم ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ .
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (فلابد في الإِيمان من أن تؤمن أن محمد ﷺ خاتم النبيين لا نبي بعده. وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإِنسِ، فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن فضلًا عن أن يكون من أولياء الله المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (١). ومن الإِيمان به الإِيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، وحلاله، وحرامه، فالحلال ما أحله الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقاً إلى الله غير متابعة محمد ﷺ فهو من أولياء الشيطان) (٢).
стр. 57
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١).
نعم: لقد أرسل الله رسوله محمداً ىظر للعالمين كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى، وجاء مع محمد ﷺ منهجاً يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة، ولقد جاءت هذه الرسالة كتاباً مفتوحًا شاملاً لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل مستعداً لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير (٢).
فإذا كان القرآن الكريم روح الإِسلام ومادته وفي آياته المحكمات شرعت مبادئه وبسطت دعوته، فإن محمداً ﷺ قد اصطفاه ربه لإِبلاغ آياته وحمل رسالاته فكان ﷺ قرآنًا حيًا يسعى بين الناس، وكان مثالًا صادقًا لما صوره القرآن من إيمان وإخبات وسعي وجهاد وفقه وبيان ... إلخ،
فلا جرم إذن أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأوامره ونواهيه بل ونواحي حياته كلها تعد ركنًا في الدين وشريعة للمؤمنين، والمسلم مكلف باحترام سنته والعمل بها احترامه للقرآن والعمل به لأن أوامره ﷺ ونواهيه لا تصدر عن نفسه بل عن توحيد ربه فطاعته - إذن - هي طاعة لله قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ (٣).
стр. 58
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ...﴾ (١) الآية.
وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول مقترنة بطاعة -رب العزة والجلال- في أكثر من أربعين موضعاً من القرآن الكريم.
إذن: فماذا يجب علينا نحن المسلمين نحو من أرسله ربه رحمة للعالمين؟
يجدر بنا ونحن في هذا المقام أن ننقل لك ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-؛ ترغيبًا في اتباع الرسول وتحذيراً من مخالفته وعصيان أمره قال - رحمه الله تعالى -: (أما بعد: فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلَّا باتباع رسوله. قال تعالى: ﴿... وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢).
فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التي عليه تدور ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور ... وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعًا من القرآن الكريم، كقوله -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ... وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول وجعل متابعة الرسول
стр. 59
سبباً لمحبة الله عبده ... فبمحمد ﷺ تبين الكفر من الإِيمان والربح من الخسران والهدي من الضلال والنجاة من الوبال والغي من الرشاد والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من سبيل المغضوب عليهم والضالين، فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباع ٥ منها إلى الطعام والشراب فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا، وذاك إذا فات حصل العذاب -في الآخرة- فحق على كل أحد بذْلَ جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته إذ هذا هو طريق النجاة من العذاب الأليم، والسعادة في دار النعيم) (١).
نعم: إن من الأسس التي يقوم عليها التحاكم إلى شرع الله في الأرض أن يبذل المسلم وسعه في معرفة ما جاء به ﷺ والعمل به وتقديمه على غيره ورد كل ما سواه. قال الإمام الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد) (٢).
وقال ابن عبد البر وابن تيمية -رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-: (لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ إذا صح الخبر عنه ﷺ وسنة رسول الله ﷺ أحق بالأخذ والعمل بها وهذا شأن كل مسلم) (٣).
стр. 60
ومن هنا [تتبين مكانة رسول الله ﷺ من الدين ومنزلته بين المرسلين وعظم ما جاء به عن رب العالمين، فطاعته والإنقياد لما جاء به حتم على جميع العالمين بل على الثقلين الجن والِإنس أجمعين.
والمسلم حقاً: هو الذي يقتفي أثر رسول الله ﷺ ويمتثل أمره ويجتنب نهيه ويهتدي بسنته. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ (١)].
إذا تقرر هذا، [فإن محمداً ﷺ ليس قصة تتلى في يوم ميلاده كما يفعله كثير من الناس في أيامنا هذه -إلَّا من رحم ربك- وليس التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي تضم إلى ألفاظ الآذان في كثير من بقاع الأرض، ولا إِكنان حبه يكون بتأليف مدائح وقصائد يتلوها العاشقون ويتأوهون ويتوجعون، وهم عن شرعه واتباع أمره لناكبون.
كلَّا كلَّا: إن رباط المسلم برسوله ﷺ أقوى وأعمق من هذه الروابط المكذوبة الملفقة على الدين، إنه رباط ينهض المرء فيه إلى تقويم نفسه وإصلاح شأنه حتى يكون على هدي من سنة محمد ﷺ في معاشه ومعاده وحربه وسلمه وعلمه وعمله وعاداته وعباداته، (٢).
• • •
стр. 61
المبحث الثالث
الإِيمان بعموم الشريعة الإِسلامية وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان
إن التشريع الإِسلامي تشريع محكم وعام وخالد أتى بالمبادئ التشريعية والخلقية التي تسمو بالِإنسان إلى أعلى درجات الكمال، جاء من عند الله عامًا لكل أجناس البشر جنهم وأنسهم، لا يختص بقوم دون قوم أو جيل دون جيل، موجه إلى الناس كافة، باعتبار إنسانيتهم التي ميزتهم عن سائر الحيوان: يحقق مصالحهم في كل عصر ومصر، ويفي بحاجتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه أي مجتمع من المجتمعات، ومع عمومية التشريع الإِسلامي فإنه شامل كذلك لكل جوانب الحياة ومناحي الِإجتماع، لم يترك شاردة ولا واردة إلَّا ذكر فيها خبرًا أو شملها حكماً أو أدرجها تحت أصل أو قاعدة فالشريعة الإِسلامية. منذ نشأتها الأولى كذلك رسالة للعالمين طبيعتها طبيعة عالمية شاملة ووسائلها وسائل إنسانية كاملة، وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد ومن نهج إلى نهج عن طريق مصدرين أساسيين هما: القرآن الكريم وسنَّة النبي ﷺ .
وقد تضافرت النصوص على تأكيد عمومها وشمولها، فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على ذلك كثيرة منها:
стр. 62
قال -تعالى-: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).
حقًا "إنها الرسالة الأخيرة فهي الرسالة الشاملة لا تختص بقوم ولا أرض ولا جيل، ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محلية، قومية، محدودة بفترة من الزمان - ما بين عهدي رسولين -، وكانت البشرية تخطو على هدي هذه الرسالات خطوات محدودة تأهيلاً للرسالة الأخيرة، وكانت كل رسالة تتضمن تعديلًا وتحويراً في الشريعة يناسب تدرج البشرية حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت شاملة كاملة في أصولها قابلة للتطبيق المتجدد في فروعها وجاءت للبشر جميعاً، لأنه ليس هنالك رسالات بعدها للأقوام والأجيال في كل مكان" (٢).
نعم: لقد وسعت الشريعة الإِسلامية بمبادئها وأحكامها الفرعية جميع شؤون الحياة واستوعبت حاجات الإنسان كافة ووفقت بين مقاصده جميعاً، وبينت تحديد الغاية من خلقه ... قال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٣).
وقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ (٤).
وتناولت بيان وظيفته في الحياة ومركزه في هذا الكون الفسيح قال -تعالى-: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ
стр. 63
مُجِيبٌ (٦١)﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ (٢).
ونظمت علاقة الإِنسان بربه وصلته بإخوانه والمجتمع الذي يعيش فيه، وحددت الحقوق والواجبات، ووضعت أصولًا لفض المنازعات وإيصال كل ذي حق حقه وأرست قواعد العدل بين الناس في كل جانب من جوانب حياتهم ونشاطاتهم وأعمالهم، فهي عامة في جميع المكلفين وجارية على مختلفات أحوالهم وإليها يرد كل أمر جاءنا ظاهرًا أو باطنًا ولا نبالغ إذا قلنا: إن الشريعة الإِسلامية تعد منهج حياة في جمع بين الدنيا والدين والعمل والعبادة وبين الظاهر والباطن فضمن بذلك للإِنسان خيرى الدنيا والآخرة.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
"فإنه قد علم بالإضطرار من دين الإِسلام: أن رسالة محمد بن عبد الله ﷺ لجميع الناس: عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم وعلمائهم وعامتهم وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامة للثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما يشرعه لأمته من الدين. وما سنَّه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء لوجب عليهم متابعته ومطاوعته" (٣).
إن القرآن الكريم يحكي رسالات الأنبياء السابقين بعنوان القومية
стр. 64
الخاصة ... قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣).
وقال -تعالى-: (﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (٤).
وقال -تعالى-: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٥).
وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (٦)
ويقول -تعالى- في عيسى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٧).
ولكن رسولنا محمد ﷺ يعلن عالمية دعوته ونبوته للعالمين وختمه للنبيين ... قال -تعالى-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (٨).
стр. 65
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١).
ففي ذلك دليل على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى لا كما يدعي بعض المؤرخين غير المسلمين أن الدعوة الإِسلامية نشأت محلية ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوحات الإِسلامية أن تكون عالمية، كلا: إنها عالمية منذ نشأتها الأولى، رسالة عامة موجهة إلى جميع الناس مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم في كل زمان وفي كل مكان ابتداء من بعثة محمد ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويقوم الناس لرب العالمين. قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (٢).
ومن الأحاديث الدالة على عموم بعثته ﷺ :
ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (٣).
وما رواة الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي ... " الحديث (٤).
стр. 66
وروى - مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً وسجوداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (١).
ولمسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ... " الحديث (٢).
ولأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي إنما يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ... " الحديث (٣).
ولأحمد أيضاً عن أبي موسى ﵁ قال: قال
رسول الله ﷺ : "أعطيت خمساً: بعثت إلى الأحمر والأسود ... " الحديث (٤).
وغير ذلك من الأحاديث الدالة على عموم رسالته ﷺ .
وبعدُ: فإن شرع الله الذي حواه كتابه وبينه رسوله ﷺ هديا جامعاً
стр. 67
يفصل كل قضية ويبين كل شيء. قال -تعالى-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ (١).
ويحقق العدل المطلق في حياة البشر: قال -تعالى-: ﴿... وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٢).
ويشمل الوجود كله والحياة بعقيدة كلية تنبثق عنها مبادئ الشريعة وأحكامها الفرعية فتعم الحياة بمنطق عملي واحد، أفبعد هذا البيان الواضح والبرهان الدامغ يليق بمسلم كائنًا من كان أن يحيد عن الجادة ويتبع غير ما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين؟؟! إنني أعيد على مسامعك ما قاله الإمام الشافعي ﵀: "أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله ﷺ لم يَحِل له أن يدعها لقول أحد".
• • •
стр. 68
المبحث الرابع
الإِيمان بكمال الشريعة الإِسلامية ومرونتها وصلاحها للخلود إلى يوم القيامة
إن شريعة الله -تعالى- تمثل منهجاً متكاملاً شاملاً لشعب الحياة الإِنسانية كلها في العقيدة والعبادة والسياسة والسلوك وحتى أمور الغيب ومشاهد القيامة وأحوالها والتطبيق العملي لأحكامها والإلتزام بما جاءت به والوقوف على حدودها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها هو المحور المحرك لعوامل النصر والثبات والسعادة والإستقرار.
وأحكام الشريعة نظم متكامل متسق، لا يعتوره التخليط أو التناقض بل يشتمل على مصالح كلية في الجملة وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على وجه الخصوص ولا مكان لعنصر ناشز غريب فيه من ابتداع أهواء البشر، بل خطة ثابتة أبدًا يعتنقها المرء على وجه القطع لا التجريب، ويتخذها منهجاً دائمًا لا تدبيرًا مؤقتاً لبعض مراحل حياته أو ظروفها.
أما المصالح الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قاعدة معينة من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته، إذ ليس الإِنسان كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها بل هو مكلف يرتاض بلجام الشرع، فإذا سار المكلف
стр. 69
تبعًا لهواه فقد خلع ربقة التقوى من عنقه وتمادى في متابعة هواه، ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه وقدم ما أخره.
وأما المصلحة الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته.
وقد توافرت نصوص كثيرة من القرآن والسنَّة لتدل على وحدة الشريعة ووحدة العقيدة وأنها السبيل القاصد إلى الله رب العالمين، وكل سبيل غيره جائر. قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
قال في الظلال: (فأعلن لهم إكمال العقيدة وإكمال الشريعة معًا ... فهذا هو الدين، ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين نقصًا يستدعي الِإكمال، ولا قصورًا يستدعي الِإضافة، ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير ... وإلَّا فما هو بمؤمن، وما هو مقر بصدق الله، وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين ... إن الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي والمبادئ الكلية جاءت لتكون هي الإِطار الذي تنموفي داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان، دون أن تخرج عليه، إلَّا أن تخرج من إطار الإيمان ... إن إرتضاء الله الإِسلام دينًا لهذه الأمة، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الإختيار. ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع واقتدار ... وإلَّا فما أنكد وما أحمق من يهمل -بَلْهَ أن يرفض- ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله! .. وإنها -إذن- لجريمة نكدة لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجيًا أبدًا وقد رفض ما ارتضاه له الله ... ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإِسلام دينًا لهم، يرتكبون
стр. 70
ويمهلهم إلى حين ... فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير الذي ارتضاه لهم الله ... فهم بهذا معرضون أنفسهم للعقاب والعذاب الشديد إن لم يتوبوا إلى الله ويرجعوا إلى شرعه ودينه) (١)
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: في قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، أي: (بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، والأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه، فكل متكلف يزعم أنه لابد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم، غير علم الكتاب والسنَّة من علم الكلام وغيره فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلَّا بما قاله ودعا إليه) (٢).
وقال جلت حكمته: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ (٣).
ويقول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، في تفسير قول الله
стр. 71
-تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ...﴾ قال: (إن القرآن الكريم قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين عن ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم ... ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الِإلهية وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق والسياسات والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلَّا بعض ما جاء به القرآن ... ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره) (١).
نعم: إن القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام - هو منبع الخير كله ومطلع الهداية التي أشرق نورها على قلوب الناس فبدد منها الظلمات واستأصل منها الضلالات، فمن تمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها، فهو كلام الله رب العالمين: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٢).
فما أحوجَ -من لم يحكم بما أنزل الله- إلى عودة حميدة إلى القرآن من جديد وبناء هيكل حياته على أسس أصيلة متينة من تعاليمه سواء ما يتصل منها بالعقيدة والعبادات أو الأخلاق والمعاملات أو السياسة والإقتصاد أو الأدب والثقافة والإجتماع، فالقرآن الذي أنزله الله ليسطع على العالم ما
стр. 72
بقي الدهر وليقود الإِنسانية إلى الرشد لا يضيق بأي شيء من أطوار الزمن ولا بأية مشكلة تفرزها الحياة. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ...﴾ الآية (١).
نعم: لقد كمل هذا الدين، وتمت به نعمة الله على المسلمين، ورضيه الله لهم منهج حياة للناس أجمعين ولم يعد هناك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله أو ترك شيء من حكمه إلى حكم آخر ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى، وقد علم الله حين رضيه للناس أنه يسعهم جميعًا ويسع حياتهم جميعها ويحقق الخير لهم جميعًا إلى يوم الدين وأن أي تعديل في هذا المنهج -دعك من العدول عنه- هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة يخرج صاحبه من الدين بالكلية ولو قال باللسان ألف مرة إنه من المسلمين (٢).
قال -تعالى-: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (٣).
فهاتان الآيتان تقرران حق الحاكمية المطلقة لله وحده، وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور، وبيان أن هذا الكتاب نزل مفصلًا محتويًا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة
стр. 73
جملة، كما أنه تضمن أحكاماً تفصيلية في المسائل الأخرى سواء منها الاقتصادية أو العلمية أو السياسية أو الواقعية وغيرها، ولم يبق قول لقائل في عقيدة أو مبدأ أو تصور أو شريعة أو حكم أو عادة أو تقليد: قال قتادة: صدقاً فيما قال وعدلاً فيما حكم يقول صدقاً في الإِخبار وعدلاً في الطلب فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مريةَ فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلَّا عن مفسدة.
لا معقب لحكمه -تعالى- لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو"السميع" لأقوال عباده "العليم" بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله" (١).
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٢).
"فهذه الآية خوطب بها جميع العالم لبيان أن القرآن الكريم من عند الله وأنه موعظة للعالمين وشفاء للمؤمنين وأنه اشتمل على مالهم وما عليهم، وأنه من عند الله -تعالى- لم يختلقه محمد ﷺ ، بل هو من عند الله فيه دواء لما في الصدور من العقائد الفاسدة والشكوك الواهية" (٣).
стр. 74
قال الإمام ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(... فلرسالته ﷺ عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإِيمان به إلَّا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج فرع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به. وقد توفى رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء ألا ذكر للأمة منه علماً، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب الجماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب والركوب والنزول، والسفر والإِقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والجنة والنار، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأى عين. وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرَّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يُعرِّفْه نبيٌّ لأمة قبله ...
وكذلك عرفهم ﷺ من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة، وبالجملة فجاءهم بخيري الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟! ومن ظن ذلك فهو كمن ظن
стр. 75
أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا هذا عهد نبينا إليكم وهو عهدنا إليكم ... وقد قال الله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (١) " (٢).
إن القرآن الكريم الذي تعبدنا الله بتلاوته وأمرنا باتباعه ولزوم أحكامه تناول في نحو خمسمائة آية جملة القواعد والأصول التشريعية وبعض الأحكام العقدية والخلقية والعملية (٣). وعكف العلماء على تفصيل آياته هذه
وقسموها باعتبار موضوعها إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: العبادات وتشمل نحوًا من أربعين ومائة آية.
القسم الثاني: المعاملات: وتتفرع إلى سبعة أقسام:
القسم الأول:
يمكن إدراجه في الفقه العام وهو:
١ - الأحكام الدستورية الضابطة لنظام الحكم وأصوله والمحددة للعلاقة