جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
نشر
مكتبة عباد الرَّحْمَن
جمهورية مصر الْعَرَبيَّة - هَاتِف وفاكس: ٩٥٧٦١٩
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤
стр. 5
الإهداء
* إلى والديَّ -يرحمهما اللَّه- اللذين رَعياني صغيًرا وأدباني كبيرًا. . .
* إلى إخوة الدرب وحراس العقيدة. . .
* إلى القابضين على الجمر في زمن الفتن. . .
* إلى طلاب الحق وأهله. . .
أُهدي ثمرة جهدي وهو جهد المقلِّ، وأسأله تعالى القبول. . .
محمود أبو عمر
стр. 6
مقدمة
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب اللَّه ، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (١).
وبعد: فقد كان يخالجنى وازع في نفسي أن أكتب بحثًا جامعًا عن علامات الساعة الصغرى والكبرى والملامح التي تحدث والفتن لأن هذا الموضوع يهمني كثيرًا ويفقهني في أمور كثيرة أعيشها وأتحسسها من أمر
стр. 7
ديني وصلب عقيدتي.
فعلامات الساعة الصغرى أرى كثيرًا منها واقعًا أعيشه؟ والكبرى غيب لا نعرف عنها سوى ما أخبرنا رسول اللَّه ﷺ عنه، والفتن التي تموج موج البحر في دنيانا والتي حذر منها رسول اللَّه ﷺ جدير بالمسلم أن يعرفها ويتفقه فيها كي يتجنبها ولا يقع فيها، ويظل صامدًا ثابتًا على دينه، والملاحم التي تحدث مستقبلًا بين جيش الخلافة الراشدة وجيوش الكفار وعودة الخلافة الراشدة على ضوء الكتاب والسنة إلى ربوع المعمورة وكيف تكون نهاية العالم.
كل هذه العناوين استهوتنى وظلت هاجسًا أعيشه وأفكر فيه إلى أن شرح اللَّه تعالى صدري لذلك، فعزمت على كتابة هذا البحث متوكلًا على اللَّه تعالى؟ وعسى أن أكون موفقًا في رفد المكتبة الإسلامية بهذا الموضوع العقائدى المهم، لا سيما ونحن اليوم نعيش في زمن عزف الناس فيه عن الخير وأشرأبت الأعناق إلى المادة والتطلع إلى متاع الدنيا ولو كان بخسًا زهيدًا.
إن المسلمين عامة والشباب منهم خاصة بحاجة ماسة إلى هذه الدروس الإيمانية العقائدية لأنها من صميم دينهم وعقيدتهم وفيها المحفز للتشمير عن ساعد الجد وذلك بالإنابة والتوبة وأخذ الدين بهمة عالية ويقظة دائمة قبل فوات الأوان.
إن الفقه بعلامات الساعة من العقائد الأساسية التي تدخل ضمن "الإيمان بالغيب" لا سيما وأن هذه الدروس تعتمد على آي القرآن الكريم التي تكلمت بإسهاب عن بعض هذه العلامات أو أشارت إلى بعضها الآخر إشارة واضحة أو تركت بعضها لغاية معينة سوف تجدها في هذا البحث، وهذا العلم معزز أيضًا بالأحاديث النبوية المتواترة والصحيحة والحسنة أو الضعيفة والتي تكون حسنة لغيرها إذا عضدها أحاديث أخرى صحيحة أو
стр. 8
حسنة مطابق لمعناها وكذلك أراء الفقهاء والعلماء والمفسرين والمحدثين الذين ملئوا بطون الكتب في الكلام عن هذا الموضوع وغيره ﵏ جميعًا.
أنني أرى من اللازم على المسلم المعاصر أن يتفقه في أمور عقيدته ويتعلم الكثير منها لأن قسمًا ممن يعيشوا معنى ينكر كثيرًا من هذه العقائد أو ينظر إليها باستهذاء أو يؤولها حسب هواه أو حسب ما يتلقى من ناقص الفهم وأرباب الغزو الفكرى بل إن قسمًا من المسلمين لا يكاد يصدق أن العلامات الصغرى كلها متحققة الآن ونحن نعيش بانتظار ظهور الجزء الأول الممهد للعلامات الكبرى التي ما أن ظهر أولها حتى تتابعت كحبات العقد المنفرط واحدة تلو الأخرى ولا يتصور هؤلاء المسلمين أننا نعيش في نهاية العالم أو قريب منه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣].
بل إن قسمًا آخر أخذ يتجرأ على اللَّه تعالى فيحدد وقتًا معينًا لقيامها ومثل هذا وأمثاله قد أعظموا على اللَّه تعالى الفرية؛ إذ أن الساعة غيبًا اختصه اللَّه تعالى بنفسه لم يطلع عليها أحد لا نبيّ مرسل ولا ملك مقرب.
ولما لهذا الموضوع من أهمية بالغة على صعيد العقيدة -أو لما له من أثر بالغ على النفوس- نرى أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه ﵃ الاستعاذة من الفتن كما يعلمهم السورة من القرآن، كان ﷺ يقول: "أيكم استعاذ، فليستعذ باللَّه من مضلات الفتن" (١).
بل أن فتنة المسيح الدجال مثلا، ما خلا نبي من الأنبياء إلا وأنذر قومه منها، وهكذا كان دأب السلف الصالح من بعدهم يربون أبنائهم على تعلم
стр. 9
هذه العقائد وسبكها في نفوسهم. قال مسلم بن الحجاج: بلغني أن طاووسًا قال لابنه: "أدعوت بها في صلاتك؟ (١) فقال: لا. قال: أعد صلاتك" (٢)
فقل لي يا سيدي المسلم: كيف لا تكون هذه المواضيع مهمة في حياتنا ونحن نقرأ أن الأنبياء والمرسلين صلوات اللَّه تعالى عليهم ومنهم سيدنا محمدًا ﷺ كانوا لا يتوانون في تعليم هذه الأخبار لجلاسهم وحوارييهم؟ أليس جدير بنا أن نتعلمها ونعلمها لأبنائنا وبناتنا وللجيل كله بإمعان وهمة؟.
* وهذا وقد قسمت بحثى كما يلي:
١ - المقدمة وأهمية هذا الموضوع.
٢ - تمهيد للبحث وتقسيم لعلامات الساعة من حيث ظهورها.
٣ - علامات الساعة الصغرى، وأجزم أنها متحققة كلها الأن ونحن نعيش على أعتاب ظهور مقدمة العلامات الكبرى كما سترى من خلال هذه البحث.
٤ - الفتن التي حدثت بعد وفاة النبي ﷺ وتحديدًا بقتل الفاروق عمر ﵁ ولا تزال مستمرة إلى هذا الوقت، وكيف يتعامل المسلم معها، وما هو العاصم له، من خلال وصايا النبي ﷺ .
٥ - ظهور الرايات السوداء مواطئة لظهور الهدى.
٦ - الأحداث التي تكون علامة على ظهور المهدى.
стр. 10
٧ - الملاحم التي تحدث بين جيش المسلمين وجيش الروم ثم مقاتلة المسلمين للدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇.
٨ - القتال الذي يدور بين المسلمين والدجال ومعه اليهود ثم القضاء على الدجال واجتثاث شأفة النسل اليهودى القذر نهائيًا.
٩ - الوعد الحق الذي يؤمن به المسلمون والوعد المفترى الذي يثقف له قادة الغرب.
١٠ - ثم إلى نهاية علامات الساعة الكبرى المألوفة.
١١ - العلامات الكبرى غير المألوفة.
١٢ - الأحداث التي تكون قبيل الساعة.
١٣ - آخر من تقوم عليهم الساعة.
١٤ - خاتمة موجزة ومختصرة لخلاصة البحث.
ولقد اعتمدت في هذا البحث على كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه ﷺ وآراء العلماء وتعليقاتهم من المفسرين والمحدثين والفقهاء ﵏ جميعًا، واعتمدت في تخريج الأحاديث على أمهات كتب السنة الطهرة، وأحيانًا ولظروفى القاهرة اضطررت أن أعتمد في تخريج الأحاديث على الكتب التي طالعتها (مصادر البحث) لأنها محققة ومخرجة كما سترى وكذلك لقلة بضاعتى في علم الحديث وقد حاولت أن أرضى ربى تعالى أولًا وأرضى قارئى الكريم، وأسأله الدعاء لي ولوالدى وللمسلمين، وعسى أن يكون هذا العمل خالصًا لوجه اللَّه الكريم وأن ينفع به المسلمين، ويساهم في تصحيح عقائدهم وتأصيلها في نفوسهم وأن يكون زادًا على الطريق ينهل منه كل من يريد السير على هدى كتاب اللَّه وسنة نبيه ومنهج الإِسلام الحق، وعسى أن
стр. 11
تكون هذه الكلمات نورًا لي في قبرى ويكون هذا العلم مما يلحقنى من حسناتى بعد الموت، فإن أصبت ووفقت فمن اللَّه تعالى منة وفضل وإن أخطأت أو قصرت، فأنا أهل للتقصير والخطأ والعصيان، وما أبرئ نفسى إن النفس لأماره بالسوء إلا ما رحم ربى. والحمد للَّه أولًا وأخرًا وصلى اللَّه تعالى على النبي الأمى وآله وصحبه وسلم، وأخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين، وأستغفر اللَّه في كل وقت وحين.
محمود رجب حمادى الوليد
العراق - الرمادى
الإمارات العربية المتحدة - دبي
١٦/ غرة شعبان / ١٤٢١ هـ
١٢/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٠ م
стр. 12
تمهيد البحث
١ - أشراط الساعة:
الأشراط لغة: "العلامات، أول الشيء، ما يوضح ليلتزم في عمل أو نحوه" (١)
إصطلاحًا: "العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل عليها" (٢) أو "جمع شرط وهو العلامة وأصله الأعلام، يقال أشرط فلان نفسه بكذا، أعلمها له أو أعدها، ومنه الشرطى -كزكى وجهنى -والجمع شرط- سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها" (٣).
أما الساعة لغة: "هي جزء من أجزاء الليل أو النهار وجمعها ساعات.
إصطلاحات: "الوقت الذي تقوم فيه القيامة" (٤)
قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]
أي هل ينظر هؤلاء الكافرون الجاحدون المعاندون إلا أن تأتيهم الساعة على حين غفلة فتأخذهم ونحن إذ نذكرهم وننذرهم بعلامات وأشراط لحدوث ذلك اليوم العظيم، وهذه العلامات مؤشر دال على قربها ووشوك حدوثها؛ كى يكونوا على بينة من أمرهم، وإستعداد دائم ليتداركوا ما فات وينيبوا إلى اللَّه تعالى بالتوبة والإستغفار والندم على التقصير في أوامر اللَّه.
"ويلاحظ أن قراءة أخبار الساعة واليوم الآخر وما يكون قبله لها الأثر الكبير البالغ في تصحيح سلوك الناس وتحسين أعمالهم، كما أن بعد الناس
стр. 13
عن قراءتها ومعرفتها يتسبب عنه سوء العمل وينسى على طول الزمن تلك الحقائق من الأذهان، ويقلصها في النفوس حتى يقع الإستبعاد والإستخفاف بها، والإنكار لوقوعها مما لا علم عندهم، ولذلك كان السلف الصالح يداومون على تعليم تلك الأخبار والأحاديث ويذكرونها للناس حتى للأولاد في الكتاب -المدرسة- يتوارثوا معرفتها بعلم وبصيرة، ولتكون لهم بها عقيدة راسخة أصلية تزيد متانة على مرور الأيام" (١).
٢ - قرب قيام الساعة:
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].
قال ابن كثير: "هذا تنبيه من اللَّه على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها، ولا يستعدون لأجلها" (٢).
وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١].
قال ابن كثير. يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة (٣).
وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١].
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها (٤).
يشير القرآن الكريم إلى الساعة وقرب وقوعها وذلك حين يحين الحساب وتجزى كل نفس بما سعت وعملت في الدنيا، ولكن الناس عن هذا اليوم
стр. 14
العظيم لاهون سادرون معرضون، بل منهمكون في توافه الدنيا وزخرفها وملذاتها، ناسون أنهم ما خلقوا للعبث واللهو وإنما خلقوا لمهمة أعظم وأكبر من ذلك وهي مهمة عبادة اللَّه. والاستخلاف في الأرض.
• ويراد بقيام الساعة أمران:
أ- قيام ساعة كل إنسان وذلك حين يحين الوت، إذ تقوم قيامته ويتحول إلى دار أخرى وعالم آخر هو عالم البرزخ الذي هو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ومما يشير إلى هذا المعنى قول النبي ﷺ عن عائشة ﵂ قالت:
"كان الإعراب إذا قدموا على رسول اللَّه ﷺ سألوه عن الساعة، متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم الساعة"، قال هشام: يعني موتهم (١).
واضح من خلال هذا الحديث أن النبي ﷺ صرف الناس عن أمر الساعة الكبرى وإنما وجههم إلى الاستعداد للموت والتزود له، ولما ينتظرهم من مصير في ذلك العالم البرزخى، وعليه يتبين أن الموت والانتقال إلى الدار الآخرة هو قيام قيامة الإنسان على الخصوص ويؤيد الحديث السابق الحديث الأتى:
عن أنس بن مالك ﵁ قال:
"أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ متى الساعة؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من إزد شنوءة فقال: إن عمر هذا الغلام لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة.
стр. 15
قال أنس: وذلك الغلام من أترابى يومئذ" (١).
ب- أما عن الساعة وقيام قيامتها الكبرى، وما يعترى الكون من خراب ودمار وبعث الأرواح فقد جاءت آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة ومفصلة حول هذا الموضوع، ولسنا بصدد الكلام عن ذلك اليوم في هذا البحث، وإنما المقصود هو إشعار الناس عمومًا والمسلمين خصوصًا بقرب قيام الساعة وبصدد التطلع إلى الفقه بعلاماتها المؤذنة بوشوك وقوعها.
٣ - متى الساعة ؟
إن الساعة وموعد قيامها غيب اختصه اللَّه تعالى بعلمه، فلم يطلع عليه نبيًا مرسلًا ولا ملكًا مقربًا ومصداق ذلك حديث جبريل قال:
". . . قال: فأخبرنى عن الساعة؟
قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. . . " (٢).
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
قال ابن كثير: أمر تعالى رسول اللَّه ﷺ إذا سئل عن الساعة، أن يرد علمها إلى اللَّه تعالى، فإنه هو الذي يجليها لوقتها، أي: يعلم جلية أمرها، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا
стр. 16
يعلمون، واختار هذا القول ابن جرير ﵀ (١).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٦].
قال ابن كثير: "أي: ليس علمها إليك، ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها إلى اللَّه ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين" (٢).
إذًا فعلم الساعة علم اختصه اللَّه تعالى بنفسه وأنت يا محمد أيها النبي المرسل ليس لك سبيل إلى معرفة وقتها وأنت لا تدرى لعل ذلك اليوم يكون قريبًا ولا يأتي ذلك اليوم العظيم إلا بغتة في حين غرة وغفلة والناس عنه لاهون.
وعليه أخي المسلم: إن سمعت من يحدد للدهر عمرًا أو يضع ليوم القيامة وقتًا محددًا فاعلم أنه مغمور في جهل عميق أو هو ربيبة من أرباب الغزو الفكرى وفرخ من أفراخ أعداء الإِسلام والمسلمين من الدساسين الكذابين الذين يكيدون للإسلام وأهله (٣).
وقد قسم العلماء علامات الساعة من حيث ظهورها إلى ما يلي:
١ - علامات ظهرت وانقضت وهي جزء من العلامات الصغرى.
٢ - علامات ظهرت ولا تزال تتابع باستمرار إلى يومنا هذا.
٣ - علامات تظهر قبيل علامات الساعة الكبرى المألوفة وهي:
стр. 17
أ - ظهور الرايات السود موطئة لخروج المهدي.
ب- انحسار الفرات عن كنز من ذهب واقتتال الناس عليه.
ج - المعارك التي تنشب بين المهدي وأعدائه وأخرها الخسف الذي يحل بجيش السفيانى على مشارف مكة (ذي الحليفة).
د- ظهور المهدي قائدًا للمسلمين وقدوم أبدال الشام وعصائب أهل العراق مبايعين له.
٤ - ظهور العلامات الكبرى وتنقسم إلى قسمين:
أ - العلامات المألوفة: وهي الدجال، عيسى بن مريم، يأجوج ومأجوج.
ب- العلامات غير المألوفة: وهي ظهور الشمس من المغرب، الدابة، الدخان، الخسوفات.
٥ - أحداث أخرى: تخريب الكعبة، ترك المدينة النبوية، رفع القرآن من المصاحف.
٦ - أخر من تقوم عليهم الساعة ونهاية العالم.
* * *
стр. 18
الباب الأول
• الفصل الأول: علامات الساعة الصغرى.
• الفصل الثاني: الفتن.
• الفصل الثالث: ظهور الرايات السود.
стр. 19
الفصل الأول علامات الساعة الصغرى
أولًا: بعثة النبي محمد ﷺ -.
كما أراد اللَّه تعالى لنبيه ﷺ أن يكون خاتم الأنبياء ونهاية المرسلين جعل بعثته وإكماله للدين ومحوه للشرك إيذانًا بقرب قيام الساعة وختمه للرسالات السماوية.
١ - عن سهل بن سعد ﵁:
"رأيت رسول اللَّه ﷺ قال بأصبعيه هكذا الوسطى والتي تلى الإبهام، وقال: بعثت أنا والساعة كهاتين" (١)
٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
"بعثت أنا والساعة كهاتين -يعني أصبعين" (٢)
٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"بعثت أنا والساعة كهاتين، كفضل إحداهما على الأخرى، وضم السبابة والوسطى" (٣)
٤ - عن أبي جبيرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"بعثت في نسم الساعة" (٤).
стр. 20
قوله: في نسم الساعة: "هو من النسيم: أي أول هبوب الريح الضعيفة، أي: بعثت في أول أشراط الساعة وضعف مجيئها" (١)
ثانيا: موته ﷺ -.
أخبر ﷺ أن موته ودنو أجله من علامات قرب القيامة وشرط من أشراط الساعة، وهي أعظم مصيبة انتابت المسلمين بل كان موته ﷺ مصيبة المصائب إذ بموته بدأت الفتن تموج حتى تبلورت وانتشرت بقتل عمر الفاروق ﵁ (٢).
١ - عن عوف بن مالك ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتى، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغذرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية أثنا عشر ألفًا" (٣).
٢ - عن أنس ﵁ قال: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللَّه ﷺ المدينة؛ أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه؛ أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدى حتى أنكرنا قلوبنا" (٤).
حقًا لقد كان يوم وفاة رسول اللَّه ﷺ يومًا مظلمًا أنكر فيه المسلمون
стр. 21
قلوبهم وهم يدفنون رسول اللَّه ويواروه التراب فقد إنخلعت قلوبهم وأشرأبت أعناقهم لهذا الحادث الجلل، فمنهم من أستلقى على الأرض بلا حراك ومنهم من أوجم فاه عن الكلام ومنهم من شهر سيفه قائلًا: من زعم أن رسول اللَّه ﷺ مات قطعت عنقه. . . وأختل التوازن وأضطربت النفوس إلى أن جاء الصديق أبو بكر ﵁ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ. . .﴾ [آل عمران: ١٤٤].
لذلك على المسلمين إذا أصابتهم مصيبة أو نزلت بهم كارثة أن يتسلوا عنها بمصيبة فقده ﷺ إذ بفقده إنقطع الوحى من السماء وماتت النبوة.
٤ - عن عائشة ﵂، قالت:
"فتح رسول اللَّه ﷺ بابًا بينه وبين الناس أو كشف سترًا، فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد اللَّه على ما رأى من حسن حالهم، ورجاء أن يخلفه اللَّه فيهم بالذى رأهم، فقال: يا أيها الناس! أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة، فليعتز بي عن المصيبة التي تصيبه بغيرى، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتى" (١).
قال الشاعر:
فإذا أتتك مصيبة تشجو بها ... فأذكر مصابك بالنبى محمد
ثالثًا: انشقاق القمر
حدث هذا الانشقاق في عهد النبي ﷺ وهي معجزة من معجزات النبوة وبرهان ساطع في البراهين الكثيرة التي تدفع عقول الجاحدين، إذ أن القمر بعيد عن متناول الناس وهو في السماء بلا شك وليس مما يطمع في الوصول
стр. 22
إليه، وقد كان هذا الإنشقاق كإعجاز لأهل مكة عندما سألوه ﷺ أن يريهم آية معجزة
قال تعالى. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ١ - ٢].
قال ابن كثير: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قد كان هذا في زمان رسول اللَّه ﷺ كما وورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء؛ أي: إنشقاق القمر، وأنه وقع في زمان النبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات (١).
١ - روى الشيخان عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁؛ قال:
"انشق القمر على عهد رسول اللَّه ﷺ شقتين، فقال النبي ﷺ : اشهدوا" (٢).
٢ - وروى الشيخان عن أنس ﵁:
"أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه ﷺ أن يريهم آية، فأراهم إنشقاق القمر" (٣)
٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود؛ قال:
"بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ بمنى، إذ إنفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : إشهدوا"
قال الحافظ في (الفتح) في الرد على المنكرين لهذه الحادثة:
"وقال الخطابى: وقد أنكر بعضهم إنشقاق القمر فقال: لو وقع ذلك لم
стр. 23
يجز أن يخفى أمره على عوام الناس؛ لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعى متوفرة على رؤية كل غريب ونقل ما لم يعهد، فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل التفسير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على نزكه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره.
والجواب على ذلك: أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها؛ لأنه شيء طلبه خاصة في الناس، فوقع ليلًا لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نيامًا ومستكينين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يحتمل أنَّه كان في ذلك الوقت مشغولًا بما يلهيه من سمر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس وإنما رأه من تصدى لرؤيته ممن إقترح وقوعه".
رابعًا: فتح بيت المقدس وطاعون عمواس
يعتبر بيت المقدس من الأماكن المقدسة لدى المسلمين فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين، وهو المسجد الذي تضاعف فيه الحسنات ويجوز شد الرحال إليه كما يجوز شد الرحال إلى الحرمين الآخرين البيت الحرام ومسجد الرسول ﷺ ولا يجوز ذلك لغير هذه المساجد الثلاثة.
ونظرًا لهذه المكانة المرموقة للأقصى عند المسلمين حرر هذا المسجد من الرومان (النصارى) في زمن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ حيث حاصرت جيوشه بيت المقدس واصطلح معهم بعد أن ذهب إلى الأقصى من المدينة المنورة فأعطوه مفاتيح المدينة والقدس معها.
إن فتح بيت المقدس من المعجزات النبوية التي أخبر عنها ﷺ قبل موته
стр. 24
وهو من علامات الساعة الصغرى ودليل ذلك ما ورد عن عوف بن مالك ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال:
"أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتى، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم، ثم إستفاضة المال. . ." (١).
وكذلك إخباره ﷺ عن الموتان الذي يصيب المسلمين والموتان: بضم الميم وسكون الواو هو الموت الكثير الوقوع، والعقاص: بضم العين وتخفيف القاف. . . وهو: داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة، وقال بن فارس كما ذكره الحافظ في الفتح: العقاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق (٢).
وقد حدث هذا المرض وهو وباء الطاعون (الكوليرا) في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ومات فيه كثير من صحابة رسول اللَّه ﷺ ورضي اللَّه عنهم وممن مات فيه أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح وكان في بلدة عمواسًا من تخوم الشام وهي في فلسطين وكان ذلك في السنة الثامنة عشر للهجرة وبعد فتح بيت المقدس كما أشار الحديث النبوى السالف.
خامسًا: استفاضة المال وإخراج الأرض كنوزها
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ -قال: ". . . وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال (٣) من يقبل صدقته، حتى يعرضه فيقول الذي عرض عليه: لا أرب لي فيه. . . " (٤) أي: لا حاجة لي بهذا المال.
стр. 25
٢ - روى أحمد والشيخان والنسائي عن حارثة بن وهب؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تصدقوا؛ فسيأتى عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته، فيقول الذي يأتيه بها: لو جئت بالأمس؛ لقبلتها، فأما الأن؛ فلا حاجة لي فيها، فلا يجد من يقبلها" (١).
٣ - روى الشيخان عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون أمرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء" (٢).
لقد تحقق الرخاء الإقتصادي في زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان وذلك بسب ما فتح اللَّه عليهم من البلدان وعم الخير والرخاء وكذلك حدث بعد ذلك أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز وكان الرجل يخرج زكاة ماله فلا يجد من يأخذها فعلًا ولكن كل هذا لم يكن إلى المستوى الذي أشارت إليه الأحاديث النبوية ولا أظن ذلك يكون إلا أيام المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم حيث ينشغل الناس عن المال وتكون الساعة قد أصبحت قريبة منهم واللَّه أعلم.
قال الحافظ في (الفتح):
(يقع ذلك في الزمان الذي يستغنى فيه الناس عن المال: إما لاشتغال كل منهم بنفسه عن طرق الفتنة، فلا يلوى على الأهل، فضلًا عن المال، وذلك في زمن الدجال، وإما بحصول الأمن المفرط والعدل البالغ، بحيث يستغنى كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى بن مريم،
стр. 26
وإما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر، فيعز حينئذ الظهر، وتباع الحديقة بالبعير الواحد، ولا يلتفت أحد إلى ما يثقله من المال، بل يقصد نجاة نفسه ومن يقدر عليه من ولده وأهله، وهذا أظهر الاحتمالات) (١).
وقال الحافظ في الفتح مشيرًا إلى حديث أبي هريرة قوله: (وحتى يكثر فيكم المال فيفيض)، يشعر أنه محمول على زمن الصحابة، فيكون إشارة إلى ما وقع من الفتوح، وإقتسامهم أموال الفرس والروم، ويكون قوله: (فيفيض حتى يهم رب المال) إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، فقد وقع في زمنه أن الرجل كان يعرض ماله للصدقة، فلا يجد من يقبل صدقته، ويكون قوله: (وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا إرب لي به)، إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى بم مريم -فيكون- في الحديث إشارة ثلاثة أحوال:
الأولى: إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة، ومن ثم قيل فيه: (يكثر فيكم).
الثانية: الإشارة إلى فيضة من الكثرة، بحيث أن يحصل إستغناء كل أحد عن أخذ مال غيرها، وكان ذلك لي آخر عصر الصحابة وأول عصر من بعدهم ومن ثم قيل: (يهم رب المال)، وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز.
الثالثة: الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء ولكل أحد حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأنه يعرضه على غيره، ولو كان ممن يستحق فيأبى أخذه، فيقول: لا حاجة لي فيه، وهذا في زمن
стр. 27
عيسى ﵇، ويحتمل أن يكون هذا الأخير خروج النار، واشتغال الناس بأمر الحشر، فلا يلتفت أحد إلى المال، بل يقصد أن يتخفف ما استطاع (١).
سادسًا: قتل الإمام
١ - قال النبي ﷺ : "والذي نفسى بيده، لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم" (٢).
والإمام هو أمير المؤمنين والخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، إذ خرج عليه المنافقون واستباحوا مدينة الرسول، وأراقوا دمًا طاهرًا ذكيًا، فأحدثوا من الفتن والظلم ما ينفطر منه فؤاد المسلم، فقتل شهيد الدار مظلومًا على أيدى أناس حاقدين لم يراعوا حرمة خليفة من خلفاء الرسول ولم يراقبوا في المسلمين إلا ولا ذمة.
وقد شهد رسول اللَّه ﷺ لعثمان ﵁ بالشهادة وأنه على الحق.
١ - روى أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن أنس ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ صعد أحدًا (٣) وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم (٤)، فقال رسول اللَّه ﷺ : (أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) (٥).
فالنبى هو محمد ﷺ والصديق هو أبو بكر والشهيدان هما: عمر وعثمان ﵃ وشهد رسول اللَّه ﷺ لعثمان ﵁ بأن الخارجين عليه هم منافقون خارجون عن طاعة الأمير الراشد.
стр. 28
٢ - روى أحمد والترمذي وابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (يا عثمان إن ولاك اللَّه هذا الأمر يومًا، فأدرك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمَّصَك اللَّه، فلا تخلعه ويقول ذلك ثلاث مرات. . .) (١).
وقد يتساءل المسلم: لماذا لم يدافع عثمان بن عفان ﵁ عن نفسه ويحث المسلمين على قتال الخارجين عليه، ويوقفهم عند حدهم؟!.
١ - إن عثمان ﵁ لشدة شفقته بالمسلمين وروعة تقواه، آثر أن يقتل ولا تراق قطرة دم واحدة من المسلمين بسببه، فآثر الموت دون دماء المسلمين.
٢ - إن امتناع عثمان ﵁ عن القتال يوم الدار كان تنفيذًا لأمر عهد إليه الرسول ﷺ به، إذ أنه ﷺ أوصى عثمان بالصبر، حيث كان يعرف ما سيجرى من الفتن والاقتتال بين أصحابه من إزهاق الأنفس والخروج على طاعة الأمراء.
(. . . لما كان يوم الدار، قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ فقال: إن رسول اللَّه ﷺ عهد إليَّ عهدًا، وإني صابر عليه. . .) (٢).
سابعًا: اقتتال فئتين عظيمتين من المسلمين دعواهما واحدة
١ - روى أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان، فكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة. . .) (٣).
стр. 29
في هذا الحديث النبوى إشارة إلى ما وقع من الاقتتال بين فئة أمير المؤمنين على ومعاوية ﵄ وهي واقعة صفين التي أزهقت فيها أرواح كثير من الصحابة ﵃.
وقوله ﷺ : (دعواهما واحدة) أي أنهم مسلمون ودينهم واحد، ولكن منهم من كان يدعى أنه على حق، وهذا اجتهادهم وكل قد أفضى إلى ما قدم.
• القول في الاقتتال بين الصحابة ﵃.
١ - أن صحابة رسول اللَّه ﷺ كلهم ثقات عدول وقد ترضي اللَّه تعالى عنهم في كتابه العزيز قائلًا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
٢ - سئل أحمد عن القتال بين الصحابة ﵃ فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة: ١٤١].
٣ - كل منهم كان مجتهدًا فيما ذهب إليه، والمجتهد إن أصاب له أجران وإن أخطأ له أجر واحد.
٤ - الكف عما شجر بينهم أولي وأورع لمن يبتغى اللَّه تعالى والدار الآخرة.
٥ - المسلم يحب صحابة رسول اللَّه ﷺ كلهم ولا ينال من أحد منهم، وكل
стр. 30
قد أفضى إلى ما قدم، واللَّه تعالى وحده أعلم بالسرائر، وكلهم ﵃ مغفور لهم.
ثامنًا: خروج الكذابين أدعياء النبوة
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان. . .، وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول اللَّه، وحتى. . . إلخ) (١).
ليس المراد بالبعث هنا هو البعث المقارن بالنبوة، بل هو مما يندرج تحت قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا. . .﴾ [مريم: ٨٣].
وقد ادعى خلق كثير النبوة وهم لا يحصون عددًا، ولكن المراد من هذا الحديث إنهم من قامت لهم شوكة وبدت لهم شبهة وصار لهم أنصار حتى أخزاهم اللَّه تعالى فخابوا وخسروا.
وقد ظهرت من أمثال هؤلاء الكذابين الذين ادعوا النبوة في عصر الصحابة (كمسيلمة الكذاب) فكثر اتباعه وعظم شره وارتد من العرب من ارتد، فوقف اللَّه تعالى الصديق أبا بكر فجهز جيشًا من الصحابة ﵃ فقضوا عليه وعلى فتنته بواقعة اليمامة.
ومنهم (الأسود العنسى) و (طليحة بن خويلد) و (سجاح الكاهنة)، وهؤلاء ظهروا في عصر الصحابة فمنهم من قتل على أيدى الصحابة ومنهم من تاب (٢).
(وظهر في عصر التابعين: المختار الثقفى مدعيًا النبوة، ومنذ قرن تقريبًا ظهر (الميرزا عباس) في إيران مدعيًا النبوة عام ١٢٣٣ هـ. . . وظهر في
стр. 31
السودان (محمود محمد طه) وقد أضل كثيرًا من الخلق ثم أعدم عام ١٩٨٥ م.
ولا يستبعد أن يظهر دجالون آخرون، إلى أن يظهر الدجال الكبير الأعور، نعوذ باللَّه من فتنته، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن سمرة بن جندب ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال في خطبته يوم كسفت الشمس على عهده: (. . . وإنه واللَّه لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الكذاب) (١).
تاسعًا: وضع الأحاديث المكذوبة على رسول اللَّه ﷺ -
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم)
وفي رواية أخرى قال: (سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آبائكم، فإياكم وإياهم) (٢).
وقد وقع ما أخبر عنه الصادق والمصدوق ﷺ حيث انتشر الكذب وظهرت الفرق والمذاهب المبتدعة، ونشبت المطاحنات السياسية العصبية والمذهبية، وظهرت الفرق الباطنية والشعوبية، وتعددت الأهواء والمشارب، فصار كل داعية إلى ضلالته يضع من الأحاديث ما يدعم قوله ويعزوه إلى رسول اللَّه ﷺ ، مضللًا بذلك الفئام من المسلمين، حتى قيض اللَّه تعالى
стр. 32
لهذه الأمة رجالًا ذبوا عن سنته ونافحوا عنها وبينوا للأمة الصحيح من السقيم.
• يقول الإمام مالك في هذا الشأن:
(كنا نرسل الحديث إلى العراق شبرًا فيأتينا ذراعًا)!! وذلك لكثرة الوضاعين الكذابين وانتشار الفرق الخارجة عن مذهب أهل السنة والجماعة، فكانوا يأخذون الحديث من مصدر السنة (المدينة النبوية) ويضيفون إليه أشياء تدعم بدعهم وإرهاصاتهم وخصوصًا منهم الروافض والمتصوفة.
إن رسول اللَّه ﷺ حذر من هذا الصنيع وبشر صاحبه بالنار لأن الكذب على رسول اللَّه ﷺ ليس بالهين وإن كلامه يعتبر مصدرًا للتشريع، فإن من كذب على رسول اللَّه ﷺ فقد خان اللَّه ورسوله وضلل المسلمين وافترى على الإسلام والمسلمين.
قال ﷺ : (إن كذبًا على ليس ككذب على أحد، فمن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده في النار).
وفي رواية أخرى: (من حدث عني بحديث يرى انه كذب، فهو أحد الكذابين) (١).
عاشرًا: ظهور الخوارج
الخوارج قوم مبتدعون، سموا بذلك لخروجهم على أئمة المسلمين، وتكفيرهم لعثمان وعلى ﵄، وتأولوا في الدين، فكفروا مرتكب الكبيرة، واستباحوا دماء المسلمين وحرماتهم، وهم من أهل التنطع في الدين، حيث أظهروا التقشف والزهد، وكان منهم قراء للقرآن لشدة
стр. 33
اجتهادهم في العبادة والتلاوة، إلا أنهم كانوا يستبدون برأيهم ويؤولون أحكام القرآن حسب أهوائهم فجرهم ذلك الكبر إلى مزالق الشيطان.
حاول الإمام على ﵁ تبصيرهم وإرجاعهم إلى الصواب ولكن دون جدوى، فلما أفسدوا في الأرض واستباحوا الحرمات قتلهم شر قتلة واستباح دمائهم فقتلوه ﵁ غدرًا وظلمًا.
صفاتهم (١):
١ - هم كلاب النار: عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الخوارج كلاب النار) (٢).
٢ - شر الخلق والخليقة: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرقبة، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة) (٣).
٣ - الدجال يخرج في عراضهم (٤): قال ابن عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول. (كلما خرج قرن قطع) (٥) أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في عراضهم الدجال (٦).
стр. 34
٤ - آيتهم التي ميزتهم يوم النهروان:
روى الشيخان عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ وهو يقسم قسمًا، آتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول اللَّه إعدل!! فقال: ويلك!! ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إئذن لي فيه فاضرب عنقه.
فقال: دعه: فإن له أصحاب يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه (٢) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٣) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه (٤) فلا يوجد منه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم (٥) رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة (٦) تدردر (٧) ويخرجون على حين فرقة من الناس (٨)
قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا الحديث في رسول اللَّه ﷺ ، وأشهد أن على بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس
стр. 35
فأتى به، حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته (١)
٥ - يقتلون أهل الإِسلام ويوادعون أهل الأوثان
روى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: (بعث على ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة (٢) فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلى ثم المجاشعى، وعيينة بن بدر الفزارى، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامرى ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطى صناديد أهل نجد ويدعنا؟ قال: إنما أتألفهم.
فأقبل رجل غائر العينين (٣)، مشرف الوجنتين (٤)، ناتئ الجبين (٥)، كث اللحية (٦)، محلوق (٧).
فقال: اتق اللَّه يا محمد!!
فقال: من يطع اللَّه إذا عصيت؟! أيأمننى اللَّه على أهل الأرض ولا تأمنونى؟!.
فسأله رجل قتله -أحسبه خالد بن الوليد- فمنعه، فلما ولى، قال: إن من ضئضئ هذا -أو في عقب هذا- قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل
стр. 36
الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل (١) عاد (٢).
٦ - سيماهم التحليق
روى أحمد والشيخان عن سهل بن حنيف قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(يخرج من المشرق أقوام محلقة رؤوسهم، يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدون تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) (٣).
٧ - يقرؤون القرآن كشربهم اللبن!!
روى الطبراني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (سيخرج قوم من أمتي يشربون القرآن كشربهم (٤) اللبن) (٥).
٨ - أهل قول لا عمل:
روى أبو داود والحاكم عن أبي سعيد وأنس معًا: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (سيكون في أمتي إختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم (٦)، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب اللَّه وليسوا منه في شيء من قاتلهم، كان أولى باللَّه منهم، سيماهم التحليق) (٧).
стр. 37
٩ - يرى الناس أعمالهم حقيرة بالنسبة لأعمالهم (الخوارج):
روى الشيخان وابن ماجة عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يخرج فيكم قوم تحقرون (١) صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. . .) (٢).
١٠ - هم المارقون من الدين:
روى البزار وابن عاصم في السنة عن على بن أبي طالب ﵁، قال يوم النهروان: (أمرت بقتال المارقين، وهؤلاء المارقون) (٣).
١١ - تقتلهم أولى الطائفتين بالحق:
عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
(تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق) (٤).
وهذه المارقة هي فرق الخوارج، وقتلها أولى الطائفتين بالحق وهي طائفة على ﵁ فهي التي كانت على الحق.
١٢ - تحريض رسول اللَّه ﷺ على قتلهم وأجر من قتلهم:
روى الشيخان وأبو داود عن علي ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان (٥)، سفهاء الأحلام (٦)،
стр. 38
يقولون من خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم، فاقتلوهم، فإذ قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) (١).
١٣ - نظرتهم لخروجهم على أنه هجرة في سبيل اللَّه تعالى.
روى أحمد وابن أبي عاصم في السنة عن أبي حفص، قال: سمعت عبد اللَّه بن أبي أوفى وهم يقاتلون الخوارج، وكان غلام له قد لحق بالخوارج من الشق الآخر، فناديناه: يا فيروز! يا فيروز! هذا عبد اللَّه بن أبي أوفى فقال: نعم الرجل لو هاجر! قال عبد اللَّه: ما يقول عدو اللَّه؟ فقيل له: يقول: نعم الرجل لو هاجر! فقال: أهجره بعد هجرتى مع رسول اللَّه ﷺ وقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (طوبى لمن قتلهم وقتلوه) (٢).
أحد عشر: خروج نار من الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضئ لها أعناق الإبل ببصرى) (٣).
لقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ بأن من علامات الساعة خروج هذه النار من أرض الحجاز، تضئ منها أعناق الإبل ببصرى والتي هي مدينة من مدن الشام، وقد ذكر ذلك ابن كثير رحمه اللَّه تعالى ذلك فقال: (ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة وفيها كان ظهور النار في أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد
стр. 39
بسط القول في ذلك الشيخ العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسى في كتابه "الذيل" وشرحه، واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق في الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها) (١)
• وقال القرطبي عن هذه النار:
(قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستوت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكتت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومأذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وإذابته، ويخرج في مجموع ذلك مثل النهر أحمر أزرق له دوى كدوى الرعد يأخذ الصخور بين يديه، وينتهى إلى محط الركب العراقى، واجتمع في ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار قرب إلى المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام وسمعت أنها رؤيت من مكة ومغ جبال بصرى) (٢).
وقال النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم: (وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا في جنب المدينة الشرقى، وراء الحرة، تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام) (٣).
стр. 40
اثنا عشر: رفع العلم وفشو الجهل وافتاء من ليسوا أهلًا لذلك
١ - عن أبي موسى الأشعرى وعبد اللَّه بن مسعود ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن بين يدي الساعة أيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم. . .) (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن من أشراط الساعة. . .، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح. . .) (٢).
٣ - روى الطبراني عن أبي أمية الجمحى أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. . .) (٣).
٤ - روى أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة عن بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إن اللَّه لا يقبض العلم إنتزاعًا ينتزعه في العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فافتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (٤).
٥ - روى الترمذي والحاكم عن أبي الدرداء، قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: (هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء)
فقال زياد بن لبيد الأنصارى: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فو اللَّه لنقرأنه ولنقرئنه نسائنا وأبنائنا؟