← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 16989

كشف المنن في علامات الساعة والملاحم والفتن

محمود رجب حمادي الوليد

Полный текст (311 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل (١) عاد (٢). ٦ - سيماهم التحليق روى أحمد والشيخان عن سهل بن حنيف قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يخرج من المشرق أقوام محلقة رؤوسهم، يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدون تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) (٣). ٧ - يقرؤون القرآن كشربهم اللبن!! روى الطبراني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (سيخرج قوم من أمتي يشربون القرآن كشربهم (٤) اللبن) (٥). ٨ - أهل قول لا عمل: روى أبو داود والحاكم عن أبي سعيد وأنس معًا: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (سيكون في أمتي إختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم (٦)، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب اللَّه وليسوا منه في شيء من قاتلهم، كان أولى باللَّه منهم، سيماهم التحليق) (٧).

стр. 37

٩ - يرى الناس أعمالهم حقيرة بالنسبة لأعمالهم (الخوارج): روى الشيخان وابن ماجة عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يخرج فيكم قوم تحقرون (١) صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. . .) (٢). ١٠ - هم المارقون من الدين: روى البزار وابن عاصم في السنة عن على بن أبي طالب ﵁، قال يوم النهروان: (أمرت بقتال المارقين، وهؤلاء المارقون) (٣). ١١ - تقتلهم أولى الطائفتين بالحق: عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق) (٤). وهذه المارقة هي فرق الخوارج، وقتلها أولى الطائفتين بالحق وهي طائفة على ﵁ فهي التي كانت على الحق. ١٢ - تحريض رسول اللَّه ﷺ على قتلهم وأجر من قتلهم: روى الشيخان وأبو داود عن علي ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان (٥)، سفهاء الأحلام (٦)،

стр. 38

يقولون من خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم، فاقتلوهم، فإذ قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) (١). ١٣ - نظرتهم لخروجهم على أنه هجرة في سبيل اللَّه تعالى. روى أحمد وابن أبي عاصم في السنة عن أبي حفص، قال: سمعت عبد اللَّه بن أبي أوفى وهم يقاتلون الخوارج، وكان غلام له قد لحق بالخوارج من الشق الآخر، فناديناه: يا فيروز! يا فيروز! هذا عبد اللَّه بن أبي أوفى فقال: نعم الرجل لو هاجر! قال عبد اللَّه: ما يقول عدو اللَّه؟ فقيل له: يقول: نعم الرجل لو هاجر! فقال: أهجره بعد هجرتى مع رسول اللَّه ﷺ وقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (طوبى لمن قتلهم وقتلوه) (٢). أحد عشر: خروج نار من الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضئ لها أعناق الإبل ببصرى) (٣). لقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ بأن من علامات الساعة خروج هذه النار من أرض الحجاز، تضئ منها أعناق الإبل ببصرى والتي هي مدينة من مدن الشام، وقد ذكر ذلك ابن كثير رحمه اللَّه تعالى ذلك فقال: (ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة وفيها كان ظهور النار في أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد

стр. 39

بسط القول في ذلك الشيخ العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسى في كتابه "الذيل" وشرحه، واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق في الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها) (١) • وقال القرطبي عن هذه النار: (قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستوت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكتت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومأذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وإذابته، ويخرج في مجموع ذلك مثل النهر أحمر أزرق له دوى كدوى الرعد يأخذ الصخور بين يديه، وينتهى إلى محط الركب العراقى، واجتمع في ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار قرب إلى المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام وسمعت أنها رؤيت من مكة ومغ جبال بصرى) (٢). وقال النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم: (وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا في جنب المدينة الشرقى، وراء الحرة، تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام) (٣).

стр. 40

اثنا عشر: رفع العلم وفشو الجهل وافتاء من ليسوا أهلًا لذلك ١ - عن أبي موسى الأشعرى وعبد اللَّه بن مسعود ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن بين يدي الساعة أيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم. . .) (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن من أشراط الساعة. . .، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح. . .) (٢). ٣ - روى الطبراني عن أبي أمية الجمحى أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. . .) (٣). ٤ - روى أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة عن بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إن اللَّه لا يقبض العلم إنتزاعًا ينتزعه في العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فافتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (٤). ٥ - روى الترمذي والحاكم عن أبي الدرداء، قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: (هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء) فقال زياد بن لبيد الأنصارى: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فو اللَّه لنقرأنه ولنقرئنه نسائنا وأبنائنا؟

стр. 41

قال: ثكلتك أمك يا زياد!! (١) إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فما تغنى عنهم؟! قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذى قال أبو الدرداء. قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثك بأول علم يرفع من الناس: (الخشوع، يوشك أن تدخل المسجد الجامع، فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا) (٢). ٦ - روى عبد الرزاق في المصنف عن علي ﵁: (أنه ذكر فتنًا تكون في آخر الزمان، فقال له عمر: متى ذلك يا على؟ قال: إذا تفقه لغير الدين، وتعلن العلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة (٣) يتبين من خلال هذه الأحاديث اضطراب الأحوال قبل الساعة حيث يرفع العلم، والذي أراه الآن أن ليس معنى رفع العلم عدم وجوده، فالعلم موجود والجامعات مشرعة أبوابها ولكن المقصود هو ندرة وجود علماء ربانيين موحدين يحملون هذا العلم الشرعى فيطبقونه على أنفسهم ويعلمونه للناس، فقد كثر وعاظ السلاطين والتمست الدنيا بالعلم وتفقه لغير الدين، وتعلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة فقلما تجد رجلًا خاشعًا في صلاته، حيث يرفع الخشوع وتتبلد القلوب ويران عليها، وتصدر للفتوى أناس جهال فضللوا الناس وأهلكوهم بالبدع والخرافات والضلالات التي ما

стр. 42

أنزل اللَّه بها من سلطان واللَّه المستعان. قال الحافظ في الفتح. (وأما قوله: (ويلقى الشح): فالمراد لقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره. . .) (١). أو قد يكون زهد الناس عمومًا بالتعليم الشرعى وإنصرافهم إلى تعلم العلوم الأخرى التي قدر عليهم وتطغي عليهم حضرة دنيوية، فيقل المتعلمون ويندر الفقهاء ويصبح العلماء الربانيون أندر من الكبريت الأحمر، فيضطر الناس للجوء إلى أدعياء العلم من الجهال والمشعوذين فيضلونهم. قال الحافظ ابن حجر عن قوله ﷺ : (ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم) (ومعناه أن العلم يرفع بموت العلماء فكلما مات عالم ينقص العلم بالنسبة إلى فقد حامله، وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء) (٢). ثلاثة عشر: قلة البركة في الوقت والبخل في الخير وكثرة القتل ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول اللَّه، وما الهرج؟ قال: القتل القتل (٣). معنى "يتقارب الزمان":

стр. 43

(أن يعتدل الليل والنهار أو يدنو قيام الساعة أو تقصر الأيام والليالى أو يتقارب في الشر والفساد أو تسارع الدول إلى الانقضاء والقرون إلى الانقراض. . .؟. في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر لغلبة الفسق. . . والحق: أن المراد نزع البركة من كل شيء (١). ٢ - أخرج الترمذي من حديث أنس، وأحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة كاحتراق السعفة) (٢). قال الحافظ في الفتح تعقيبًا على هذا الحديث: (فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا وإن لم يكن هناك عيش مستلذ، والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء من الزمان وذلك من علامات قرب الساعة). ثم قال: قال النووي: المراد بقصده عدم البركة فيه وأن اليوم مثلًا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة. . .). (يلقى الشح): هو البخل في قلوب الناس على إختلاف أحوالهم، حتى يبخل العالم بعلمه، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغنى بماله حتى يهلك الفقير، وليس المراد أصل الشح لأنه لم يزل موجودًا) (٣).

стр. 44

قال القرطبي في التذكرة عن معنى الشح: (يجوز أن يكون "يلقى" بتخفيف اللام والفاء أي يترك لأجل كثرة المال وإفاضته حتى يهم ذو المال من يقبل صدقته فلا يجد، ولا يجوز أن يكون بمعنى يوجد لأنه ما زال موجودًا، كذا جزم به، وقد تقدم ما يرد عليه) (١). ولكن ذكر ابن حجر المعنى الآخر بالتشديد وهو الصحيح أى "يلقى" قال: (ويحتمل أن يكون بفتح اللام وتشديد القاف أي يتلقى ويتعلم ويتواصى به كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. قال: والرواية بسكون اللام تفسد المعنى لأن الإلقاء بمعنى الترك ولو ترك لم يكن موجودًا وكان مدحًا والحديث ينبئ بالذم. قلت: وليس المراد بالإلقاء هنا أن الناس يلقونه، وإنما المراد أنه يلقى إليهم أي يوقع في قلوبهم ومنه: (إنى ألقى إلى كتاب كريم) (٢). قوله: "وتظهر الفتن": قال الحافظ بن حجر: (المراد كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها واللَّه المستعان). قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون إلقاء الشح عامًا في الأشخاص، والمحذور من ذلك ما يترتب عليه مفسده، والشحيح شرعًا هو من يمنع ما وجب عليه وإمساك ذلك ممحق للمال مذهب لبركته ويؤيده (ما نقص مال من صدقة) (٣). معنى "الهرج": قال الحافظ ابن حجر:

стр. 45

(والهرج القتل. . . وأصل الهرج في اللغة العربية الإختلاط يقال: هرج الناس اختلطوا واختلفوا وهرج القوم في الحديث إذا كثروا وخلطوا. . . ثم قال: وذكر صاحب "المحكم" للهرج معانى أخرى ومجموعها تسعة: شدة القتل، كثرة القتل، الاختلاط، الفتنة في آخر الزمان، كثرة النكاح، كثرة الكذب، كثرة النوم، وما يرى في النوم غير منضبط، وعدم الإتقان للشئ. وقال الجوهرى: أصل الهرج: الكثرة في الشيء حتى لا يتميز (١). ٣ - روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج) قالوا: وما الهرج يا رسول اللَّه؟ قال: القتل، القتل (٢). ٤ - روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ والذي نفسى بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدرى القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار (٣) ٥ - روى أحمد وابن ماجة عن أبي موسى قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ قال: (إن بين يدي الساعة لهرجًا قال: قلت يا رسول اللَّه: وما الهرج؟

стр. 46

قال: القتل فقال بعض المسلمين: يا رسول اللَّه إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا. فقال رسول اللَّه ﷺ : ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضًا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته. فقال بعض القوم: يا رسول اللَّه، ومعنا عقولنا ذلك اليوم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : لا، تنزع عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلف له هباء في الناس لا عقول لهم) (١). يتبين من هذا الحديث أمورًا نراها ونعيشها ونتحمسها، فقد اضطربت الموازين وقل الورع، وابتعد الناس عن دينهم، وإذا حصل مثل هذا إشرأبت الأعناق إلى المفاسد واستشرت الشهوات. انتشرت الحروب وتمادى القتلة في قتلهم وأصبح إراقة الدم شيئًا عاديًا بل إن هناك حروبًا يدخلها الناس مجبورين ولا يدرون على أي شيء يقاتلون، وتزهق أرواحهم إلى باريها وهم لا يعرفون السبب، بل لا نكاد نسمع نشرة للأخبار إلا ونجد قتلًا في مكان ما من العالم، فقد صدق رسول اللَّه ﷺ بذلك وهو الصادق المصدوق.

стр. 47

أربعة عشر: فشو الزنا وشرب الخمر وظهور المنكرات وكثرة النساء وقلة الرجال ١ - روى البخاري وأبو داود عن أبي عامر وأبي مالك الأشعرى: أن النبي ﷺ قال. (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (١) والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم (٢)، يروح عليهم (٣) بسارحة لهم، يأتيهم (٤) لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم اللَّه (٥) ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) (٦). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": (قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم) قلت: أي الحافظ: (والأول أليق). ثم قال: (في هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل ما يحرم بتغير اسمه، وأن الحكم يدور مع العلة، والعلة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وجد الإسكار، وجد التحريم، ولو لم يستمر) (٧). ٢ - روى أحمد والضياء وابن ماجة عن عبادة الصامت، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 48

(لتستلحن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه) (١). كما يسمونها الآن المشروبات الروحية بدلًا عن الخمر!!. ٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: عند قرب موته، ألا أحدثكم حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ ، لا يحدثكم به أحد عنه بعدي؟ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (لا تقوم الساعة -أو قال: إن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويذهب الرجال، ويبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم (٢) واحد) (٣). وقد وقع كل هذا الذي أخبر عنه رسول اللَّه ﷺ فانتشرت الرذائل وعمت وحلل الزنا باسم الحرية وانتشرت الإباحية وأصبحت الخيانة الجنسية موضة العصر، وأضحى الذين يدعون إلى الطهر والعفاف والشرف رجعيون، يوصمون بذلك من قبل أهل الديانة الذين يرضون بالخنا والزنا في أهلهم. . . لقد انتشرت المخدرات التي هي نوع من أنواع المسكرات وفتحت لها أسواق حتى غدا مروجوها تجارًا يشار إليهم بالبنان، وأصبح خطر تعاطيها يهدد الأمة بأسرها إذ يترتب عن تعاطى الخمر والمخدرات من الجرائم ما لا يعلم بها إلا اللَّه تعالى، جرت هذه المنكرات على الأمة والمجتمع الويلات، فأصبح كثير من الشباب عاطل عن العمل بل عاطل عن التفكير بسبب المخدرات والخمور وترتب على ذلك آثار وخيمة لا حصر لها، كالقتل، والعدوان، والفحش، وإفشاء الأسرار، والخيانة الزوجية، وخيانة الأوطان إلى غير ذلك من العواقب الوخيمة التي تنذر بتفكك الأسر وبالتالى تفكك

стр. 49

المجتمع وبيع الأعراض والعياذ باللَّه. إن من ينظر إلى حال الأمة يرى العجب العجاب، فـ باسم الحرية الفردية روج الزنا، وباسم التقدم والرقى فتحت بيوت الدعارة، وهي لذلك كل الوسائل التي تؤدى إليها كالاختلاط والرقص، والصور المثيرة، والغناء الفاحش، وأصبح مروجوا هذه المنكرات أصحاب شأن وقيمة في المجتمع لهم أجهزة مرئية ومسموعة!!. إن الأمة أصبحت مهددة بالانقراض والفناء لأن الزنا سبب مباشر لكثير من الأمراض سواء منها البدنية والإجتماعية، فعن طريقه تنتشر أمراض الزهري والسيلان ومرض العصر الإيدز الذي هو عقوبة ربانية أنزلها اللَّه على العصاة الإباحيين، كذلك الأمراض الاجتماعية التي يجرها الزنا، كبيع الأعراض وتفكك الأسر وضياع الأنساب، وأمور لا يمكن التصريح بها واللَّه المستعان. أما قوله ﷺ : (ويذهب الرجال، ويبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد)، أما ذهاب الرجال وقلة النساء، فهذا الذي نراه في المجتمعات المعاصرة وهو مؤشر خطير وظاهرة وخيمة العواقب، وهذا ليس بدعًا بل حقيقة واقعة إذ أن انتشار الحروب في كل مكان واستشراء القتل في أغلب المجتمعات هذه الظاهرة الخطيرة تنذر بذلك، إذ أن محصلة الحروب هو ذهاب الرجال وبقاء النساء والذي يتعرض للقتل هم الرجال أكثر من النساء. إن في مجرى تعدادًا للسكان يجد هذه الحقيقة النبوية ماثلة للعيان أمامه، فإن كل الإحصائيات السكانية تشير إلى ازدياد نسبة النساء إزاء نسبة عدد الرجال.

стр. 50

إن هذه الظاهرة لو تمعنها اللبيب يجد حجم المأساة التي تترتب على ذلك، إذ أن المجتمع الذي يتعرض رجاله للقتل والإبادة، وتكثر أعداد نسائه هو مجتمع شقى، إذ أن إزدياد عدد النساء وقلة عدد الرجال وعزوف الرجال عن الزواج يجعل ظاهرة الفساد منتشرة على كل الأصعدة وهذا ما يجر إلى ما لا يحمد عقباه من الفتن والمحن واللَّه المستعان. أما أن يكون لكل خمسين امرأة (قيم واحد)، هذا واللَّه اعلم لا يكون إلا قبيل قيام الساعة بقليل، حيث تهب ريح تأخذ نفس كل مسلم ومسلمة، فلا يبقى إلا شرار الذين هم أشقى عباد اللَّه إذ عليهم تقوم الساعة، فينتشر الفساد ويتسافد الرجال والنساء في الطرقات كالبهائم ويكون للخمسين امرأة قيم واحد يقيم عليهن وعلى شؤونهن وسيأتى ذلك لاحقًا. أو أن تنشب حرب عالمية نووية يكون ضحيتها بالتأكيد الرجال أكثر من النساء فتكون هذه الظاهرة التي أشار إليها النبي ﷺ ، أما في وقتنا الراهن فلا توجد هذه الظاهرة، ولا ندرى ماذا يخبئ القدر لهذه الإنسانية من أحداث. قال القرطبي: (يحتمل أن يراد بالقيم من يقوم عليهن، سواء كن موطوءات أم لا، ويحتمل أن يكون ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: اللَّه اللَّه، فيتزوج الواحد بغير عدد، جهلًا بالحكم الشرعى) (١). ٤ - روى الطبراني والحاكم عن ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب اللَّه) (٢). أما الزنا والآثار المترتبة عليه من الأمراض الخطيرة واختلاط الأنساب

стр. 51

وتفكك الأسر. . . فقد مر التعليق عليه، وأما الربا واستحلاله وتعاطيه في أغلب البنوك والمصارف فهذه تعتبر ظاهرة العصر الراهن ويكفى في هذا أن اذكر الآية القرآنية التالية، وما فيها من إنذار ووعيد للذين يتعاملون بالربا. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. إن اليهود -قاتلهم اللَّه- هم أول من تعامل بالربا واستغلوا حاجات الناس وعذرهم فساموا البشرية سوء العذاب، إلى أن انتشرت هذه الظاهرة الخطيرة في أغلب المجتمعات المعاصرة، وحلل هذا المنكر الذي يبيح استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. خمسة عشر: فشو المعازف والقينات وإستحلالها وظهور الخسف والمسخ والقذف وكثرة الزلازل ١ - روى البخاري وأبو داود عن أبي عامر وأبي مالك الأشعرى، أن النبي ﷺ قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر. . . والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم. . . ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) (١). أما عن فشو المعازف التي هي الآلات الموسيقية فهذا واقع نراه ونعيشه فقد غزت هذه الآلات البيوت عن طريق الأجهزة المسموعة والمرئية، وأصبح روادها من الذين يشار إليهم بالبنان وأصحاب خطوة وسمعة وجاه علاوة على ما تدره عليهم هذه المهنة من أموال طائلة. وأما: القينات (اللاتى هن المغنيات فهن من الصنف الذي أشرت إليه

стр. 52

آنفًا وما يتمتعن به في حظوة في المجتمعات، وقد خصص لرفد هذه المنكرات وإشاعة مروجيها من المطربين والمطربات ما يعجز القلم عن وصفه في هذه الأيام ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. قال الشافعي ﵀: تموت الأسد في الغابات جوعًا ... ولحم الضأن يرمى للكلاب وذو جهل ينام على حرير ... وذو علم ينام على التراب والغريب المدهش أن بعضًا من طلبة العلم الشرعى ونظرًا لاستحكام هذه الظاهرة "المعازف والقينات" في مجتمعاتنا أخذوا يلوون النصوص الشرعية ويجعلونها تصب في خدمة هذه الظاهرة الخطيرة، فأخذوا يحللون سماع هذه المنكرات وقد نسوا أو تناسوا ما في هذه الأغانى من ميوعة وغزل وتشبيب وإثارة ومنكرات. . . إضافة إلى ما يتمتع به أصحابها من مكانة لا تكون ويجب أن لا تكون إلا للأبطال وخدام الأمة!!. الخسف: هو انشقاق الأرض وغورها بساكنيها، وقد حدث في هذا العام (١) والذي قبله ما يجعل هذه الأحاديث النبوية تصرخ بوجه المنكرين والمعاندين والعصاة، أن توبوا إلى ربكم وعودوا إلى رشدكم. فحوادث الزلازل المروعة في تركيا من دمار وفجيعة خير شاهد على صدق هذه الإرهاصات النبوية، وقد رأى هذه الزلازل كل من على هذه المعمورة عن طريق الأجهزة المرئية وما التقط من في صور تشيب منها الولدان. وأعقب زلازل تركيا زلازل اليونان وتايوان وأمريكا، حيث ابتلعت مدن

стр. 53

بكاملها وما يحدث مستقبلًا قد يكون أشد، وهو المعول عليه من خلال الأحاديث النبوية. إنها إنذارات ربانية وتحذيرات نبوية صادقة، تلوح للبشرية بالإنذار وقرب قيام الساعة، وهي واللَّه دعوة للعصاة بتعجيل التوبة قبل فوات الأوان. أما عن المسخ: وهو تحويل خلقة أناس مخصوصين إلى قردة وخنازير وكذلك القذف: الذي هو رمى العصاة بالحجارة من السماء، فهذا واللَّه اعلم لم يحدث بعد، وسيحدث عاجلًا أم آجلًا كما أخبر الصادق ﷺ . ٢ - روى أحمد والبخاري وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان. . .) (١). ٣ - ذكر ابن حجر في "فتح الباري"، قوله ﷺ : (تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة) (٢). ٤ - روى الطبراني عن سعيد ابن أبي راشد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن في أمتي خسفًا ومسخًا وقذفًا) (٣) (٤). ٥ - روى ابن ماجه عن سهل ابن سعد: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (يكون في آخر الزمان الخسف والقذف والمسخ) (٥). ٦ - روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 54

(يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف. قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الخبث) (١) (٢). ٧ - روى الطبراني عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر) (٣). ٨ - روى الترمذي عن ابن عمران بن الحصين، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، إذا ظهرت القيان والمعازف وشُرِبَت الخمور) (٤). ٩ - روى الطبراني عن أبي أمامة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (ليبيتن أقوامٌ من أمتي على أكلٍ ولهوٍ ولعبٍ، ثم لَيُصْبِحَنَّ قردةً وخنازير) (٥). ١٠ - روى ابن ماجه وابن حبان والطبراني والبيهقي عن أبي مالك الأشعرى ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: (ليشربن من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها (٦) ويضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف اللَّه بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير) (٧). ١١ - روى أبو داود عن أنس ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال:

стр. 55

(يا أنس، إن الناس يمصرون (١) أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال لها البصرة (٢) أو البصيرة، فإن مررت بها أو دخلتها، فإياك وسباخها (٣) وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه سيكون بها خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير) (٤). يظهر من خلال هذه الأحاديث النبوية العطرة التي نشم منها عبير النبوة، أن المجتمع أو الأمة التي تظهر فيها المنكرات وتسود كشرب الخمر والزنا والمعازف وما يجر ذلك إلى استشراء المنكرات والإبتعاد عن شرع اللَّه وذلك بإفساد الناس وإلهائهم عن طريق المعازف والقينات مما يؤدى إلى استهوان المعصية وغشيان الخبث والفساد. وعندما تسود هذه المنكرات في مجتمع ما، فلا ينتظرون من اللَّه تعالى إلا العقوبة الموجعة التي تتلاءم مع شدة المعصية، وعند ذلك يكون العقاب والعياذ باللَّه هو الخسف أو المسخ أو القذف. وقد رأينا الخسف وابتلاع الأرض لأحياء كاملة وغورها بساكنيها وننتظر والعياذ باللَّه المسخ والقذف الذي يحل بالعصاة والجبارين الذين يصدون عن سيبل اللَّه، ويقفون حجر عثرة بوجه الرسالة الربانية، ويفسدون في الأرض.

стр. 56

ستة عشر: مقاتلة الأقوام عراض الوجوه، كأنها المجان المطرقة ١ - روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁: ان رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقاتل المسلمون الترك، قومًا وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر) (١). ٢ - روى الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأنوف (٢)، كأن وجوههم المجان المطرقة (٣) وليأتين على أحدكم زمان لأن يرانى أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله) (٤). ٣ - روى البخاري عن عمرو بن تغلب، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول (بين يدي الساعة تقاتلون قومًا ينتعلون الشعر، وتقاتلون قومًا كأن وجوههم المجان المطرقة) (٥) ٤ - روى أحمد وابن ماجة وابن حبان عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا: صغار الأعين، عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجداد (٦)، كأن وجوههم المجان المطرقة،

стр. 57

ينتعلون الشعر، ويتخذون الدرق (١)، يربطون خيلهم بالنخل) (٢). ٥ - روى أحمد وأبو داود عن أبي بكر ﵁ عن رسول اللَّه قال: (ينزل ناس من أمتي بغائط (٣) يسمونه البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جر، يكثر أهلها، وتكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان، جاء بنو قنطوراء (٤) قوم عراض الوجوه صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيفترق أهلها ثلاث فرق، فرقة يأخذون أذناب البقر (٥) والبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم (٦) وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلون وهم الشهداء) (٧). قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: (قد وجد قتال هؤلاء بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ : صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، عراض الوجوه، كأن وجههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات ككلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن،. . . وصلى على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى) (٨). قال ابن كثير: (والمقصود أن الترك قاتلهم الصحابة فهزموهم وغنموهم وسبوا نسائهم وأبنائهم، وظاهر هذا الحديث يقتضى أنه يكون هذا من

стр. 58

أشراط الساعة، فإن كانت من أشراط الساعة لا تكون إلا بين يديها قريبًا: فقد يكون هذا أيضًا واقعًا مرة أخرى عظيمة بين المسلمين وبين الترك، حتى يكون أخر ذلك خروج يأجوج ومأجوج، وإن كانت أشراط الساعة أعم من أن تكون مما يقع في الجملة، ولو تقدم قبلها بدهر طويل، إلا أنه مما وقع بعد زمن من النبي وهذا الذي يظهر بعد تأمل الآحاديث الواردة في هذا الباب (١). قلت: هذا الذي ذكره ابن كثير هو المعول عليه، إذ أن الصحابة ﵃ قاتلوا الترك وانتصروا عليهم، ثم تعقب ذلك إن غزى الأتراك بلاد المسلمين وحدث بينهم من الحروب ما حدث. وقد يكون هذا واقع ضمن الأحاديث عن غزو الأعاجم لبلاد المسلمين، إذ أن الترك اسم عام وشامل لأجناس مختلفة من الأعاجم: كالتتار وخوز وكرمان وأصحاب بابك الخرمى وأقوام نعالهم الشعر، وهم جملة من الذين غزوا بلاد المسلمين واستباحوا بيضتهم أيام ضعف الدولة العباسية وما تبعها. . . وهناك فرق بين غزو الترك لبلاد المسلمين أيام كانوا كفارًا مشركين، وبين غزوهم لبلاد المسلمين أيام دخولهم في الإِسلام ورفعهم رايته واعتبار فتوحاتهم جهادًا في سبيل اللَّه ونشر الدعوة الإِسلامية لا سيما، فتوحات الدولة العثمانية التي اتخذت الإِسلام دينًا رسميًا، وانساح جيشها في أصقاع المعمورة فاتحًا للبلاد ناشرًا دعوة الإِسلام، حتى وصلوا إلى شرق أوربا، وهم الذين أدخلوا الإِسلام إلى تلك البلاد كالبوسنة والهرسك وبلغاريا، حتى تاَمر اليهود على هذه الدولة، وأدخلوا أنياب غدرهم فيها حتى ضعفت وسقطت

стр. 59

أخيرًا، بعد تأريخ حافل بحب الإِسلام والتزامه منهجًا وسلوكًا لا سيما السلطان عبد الحميد الثاني، والقائد محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، وسيأتى الكلام عن ذلك مفصلًا في الكلام عن فتح القسططينية لاحقًا فيرجى الانتباه لذلك. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقاتل المسلمون الترك في خلافة بني أمية، وكان بينهم وبين المسلمين مسدودًا إلى أن فتح ذلك شيئًا بعد شيء، وكثر السبى منهم وتنافس الملوك فيهم لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم. ثم غلبوا الأتراك على الملك فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم، ثم كان الملوك السامانية منة الترك أيضًا فملكوا بلاد العجم. ثم غلب على تلك المماليك آل سبكتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان باقيًا اتباعهم بالشام وهم آل زنكى واتباع هؤلاء بيت أيوب، واستكثر هؤلاء أيضًا من الترك فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية. ثم خرج على آل سلجوق في المائة الخامسة الغز فخربوا البلاد وفتكوا في العباد. ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتر فكان خروج جنكيزخان بعد الستمائة فأسعرت بهم الدنيا نارًا، خصوصًا المشرق بأسره، حتى لم يبق بلد منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد وقتل الخليفة المعتصم آخر الخلفاء على أيديهم في سنة ست وخمسين وستمائة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن

стр. 60

كان آخرهم (اللنك)، ومعناه الأعرج واسمه تمر، فطرق الديار الشامية وعاش فيها، وحرق دمشق حتى صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه اللَّه وتفرق بنوه في البلاد، وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله ﷺ : (إن بنى قنطورًا أول من سلب أمتي ملكهم) والمراد ببنى قنطورًا الترك) (١). سبعة عشر: تضييع الأمانة ورفعها من القلوب وصيرورة الأمور إلى غير أهلها إن الأمانة تبعة جسيمة عظيمة، وعقبة كئداء، وحمل ثقيل، أشفقت السماوات والأرض والجبال والوجود كله عن تحمل مسئوليتها، وحملها الإنسان الظلوم الجهول، وتحمل أعبائها فأنيطت إليه، ولا يستطيع أي أحد تحملها إلا الرجال الأكفاء الذين يقدرون ضخامتها ومسئوليتها وما يترتب عليها. لذلك لا ينبغى لمن تحملها أن يستهين بها، أو يفرط فيها مما يؤدى إلى ضياعها، وما يترتب على ذلك من الوزر الشديد. أنها عقد وميثاق بين اللَّه تعالى وعباده، أن يصلوا ما أمر اللَّه به أن يوصل، وأن يقطعوا ما أمر اللَّه به أن يقطع، فيخشون ويخافون حسابه، ويمضون في الطريق المملوء بالأشواك إلى نهاية المطاف، زادهم تقوى اللَّه والصبر على ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. إن لمفهوم الأمانة معان شتى، ومفاهيم كثيرة، ومن الخطأ حصرها في

стр. 61

حفظ الودائع حسب، بل هي ترمز إلى العهد الذي ترتب بين العبد وربه تعالى في الشعور بتبعة كل ما أنيط إليه، وذلك بتطبيق أوامر اللَّه والانتهاء عما نهى عنه، فيكون مفهومها الدين كله، يكللها التقوى والصبر على تطبيق الأوامر. ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما خطبنا رسول اللَّه ﷺ إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) (١). ٢ - روى الشيخان عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (حدثنا رسول اللَّه ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا انتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال (٢)، ونزل القرآن، فقرؤوا من القرآن، وعملوا من السنة، ثم حدثنا عن رفعها قال: ترفع الأمانة، فينام الرجل، ثم يستيقظ، وقد رفعت الأمانة من قلبه، ويبقى أثرها مثل الوكت (٣)، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل المجل (٤) دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا (٥) وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدى الأمانة. حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) يقول حذيفة: (ولقد أتى على زمان، وما أبالى أيكم بايعت، لئن كان

стр. 62

مسلمًا ليردنه على دينه، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه على ساعيه (١) وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا) (٢). قال الحافظ في الفتح: (حاصل الخبر أنه أنذر برفع الأمانة، وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى يصير خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل الخيانة، فإنه يصير خائنًا؛ لأن القرين يقتدى بقرينه) (٣). ثم قال الحافظ ابن حجر: قال ابن التين: الأمانة كل ما يخفى ولا يعلمه إلا اللَّه من المكلف. وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها. وقيل: هي الطاعة. وقيل: التكاليف. وقيل العهد الذي أخذه اللَّه على العباد. وهذا الاختلاف وقع في تفسير الأمانة المذكورة في الآية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ وقال صاحب التحرير: الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان, فإذا استمكنت في القلب، قام بأداء ما أمر به، واجتنب ما نهى عنه. وقال ابن العربي: المراد بالأمانة في حديث حذيفة: الإيمان, وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها لا تزال تضعف الإيمان, حتى إذا تناهى الضعف، لم يبق أثر الإيمان, وهو التلفظ باللسان، والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب. أما قول حذيفة: (ولقد أتى على زمان): قال ابن العربي: قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة

стр. 63

والخليفتين، فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكنى عن الإيمان بالأمانة، وعما يخالف أحكامه بالخيانة، واللَّه أعلم (١). ٢ - روى أحمد وأبو داود ابن ماجه والحاكم عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (كيف بكم بزمان يوشك أن يأتي يغربل الناس فيه غربلة ويبقى حثالة من الناس قد فرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه) تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم (٢). قال الحافظ في الفتح: (يجتمع الحديثان في قلة الأمانة وعدم الوفاء بالعهد وشدة الاختلاف، وفي كل منهما زيادة ليست في الآخر) (٣). في حديث حذيفة وحديث عبد اللَّه بن عمرو من الفتن وتقلب القلوب واختلال النظرات واضطراب الموازين ما يشيب منه الرضيع، فإن الناس تمتزج عهودهم وأماناتهم، والأمانة ترفع من قلوب الرجال، حتى يصبح الناس يتبايعون فلا يجدون رجلًا أمينًا بل هو أندر من الكبريت الأحمر!!. وقد حدث حذيفة عن عصرين: الأول هو عصر النبوة ثم الخليفتين أبو بكر وعمر ﵄ حيث أن الأمانة نزلت في عمق قلوب الرجال، فأخذوا من القرآن ونهلوا من السنة وكانت العهود يومذاك صحيحة معافاة، فعملوا بالوحيين الكتاب والسنة وصانوا الأمانة. ثم حدث عن العهد الآخر وهو عهد الخليفة عثمان ﵁ وما جرى به من

стр. 64

الفتن وما لحقه من الدواهى والاقتتال، حيث أن الأمانة تنتزع من قلوب الرجال والعياذ باللَّه فكيف بعهدنا الراهن، وما يحتويه من الفتن وانقلاب الموازين وقلة الدين والزهد بالآخرة!! فلا تجد أحد يؤدى الأمانة ويفى بالعهود. وانظر إلى حذيفة وهو يروى الحديث في زمن الخليفة الراشد عثمان ﵁ وكأنه الآن يعيش بيننا، انظر إلى انقلاب الموازين، واختلاف المقاييس فما أضحى الناس يقيسون الرجل بتقواه وخلقه وأصالته وإنما ينظرون إلى الرجل ويقيمونه ويقيسونه بالمنظار المادى حسب فهم يتحدثون عن الرجل بقيمته المادية وما ملك من أرصدة في البنوك وضياع وعمارات!! فيقولون عن الرجل: (ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله!!) إنها النظرة المادية كما نعيشها في مجتمعاتنا المعاصرة. إن الرجل الغنى هو: جلد! وظريف! وعاقل! إذ أنهم لا يحسبون للإيمان حسابه ولا للتقوى معيارها ولكنه كما يشير الحديث النبوى: (وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان). فحذار أخي المسلم من هذه النظرة السقيمة والتي هي ثمرة من ثمرات حب الدنيا وكراهية الآخرة، فإن الرجال يجب أن يوزنوا بميزان القرآن الكريم وهو ميزان التقوى والعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ثم يقول حذيفة ﵁ ما معناه: كنت في العهد الأول وهو عهد النبوة والعهدين الراشدين، لا أجد غضاضة في أن أتعامل وأتبايع مع أي شخص في المجتمع، لماذا؟

стр. 65

لأن الناس تتعامل وفق المقياس الشرعى والأمانة التي كانت سائدة، فإذا كان التعامل مع مسلم، فإن المسلم لا يخون ولا يغش، وإن له رادعًا من دينه وعقيدته، وإن التعامل مع النصرانى أو اليهودى لا يجلب الحذر أو الخوف لأن ساعيه والقائم عليه يرد الحقوق إلى أهلها إذا خان صاحبه. ثم يقول في نهاية الحديث ما معناه: أما الآن -أي العصر الذي كان يعيش فيه حذيفة!! - فلا أتعامل إلا مع أشخاص معينين أعرف دينهم وأمانتهم فأتعامل معهم؛ لأنهم أوفياء أمناء لا يخونون، أما الذي لا أعرفه ولم أتمكن من سيرته وتقواه ودينه، فأدعه ولا أتعامل معه؛ لأنه -حذيفة- يخاف من الخيانة ونقض الأمانة!! أرأيت أخي المسلم عن هذا الحديث النبوى؟ أرأيت لو جاء حذيفة الآن إلى واقعنا المعاصر، فماذا يقول؟؟!! واللَّه المستعان. ثم يسدى الصادق المصدوق ﷺ النصيحة لأمته ويضع النقاط على الحروف في الحديث الآخر، حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁، فيقول ﷺ ما معناه: إذا رأيتم هذه المنكرات، واختلاف الأحوال، واضطراب الوازين، حيث نقض العهود وخيانة الأمانات، وغربلة الناس فلا يبقى إلا حثالات المجتمع، ولا يسود إلا التناحر والتنافس على الدنيا فعليكم بما يلي: ١ - تأخذون بما تعرفون. ٢ - تدعون ما تنكرون. ٣ - تقبلون على أمر خاصتكم. ٤ - تذرون أمر عامتكم. إنه ﷺ يضع الترياق للجروح ويصف الدواء لأمته بأن يعملوا بما يعلمون

стр. 66

من كتاب اللَّه وسنة نبيه، وأن يكونوا أمة دون الناس الآخرين، ينضوون مع المؤمنين في بوتقة واحدة، فلا يذوبون في المجتمع الجاهلى ولا يوالون العصاة والطغاة، بل عليهم بأمر خاصتهم، أي الذين يخصونهم في اعتقادهم وسلوكهم، ويدعون العموم الغالب الذين ليسوا على طريقتهم والتزامهم. وأن يدعوا ما ينكرون، بأن يتركوا كل المنكرات ولا يوالون من يتعاطونها ويشجعون عليها، ويعتزلونها وإذا استطاعوا النصح وإنكار المنكر فيها ونعمت. ويكون للمؤمنين صحبة خاصة، يوالى المسلم؟ أخاه المسلم، فلا يسكن إلا إليه ولا يطمئن إلا في رحابه، ويذرون أمر العامة الذين لا التزام لهم ولا عهود لهم مع اللَّه تعالى. ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما رسول اللَّه ﷺ في مجلس يحدث القوم، إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟؟ فمضى رسول اللَّه ﷺ في حديثه، فقال القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟؟ قال: ها أنذا يا رسول اللَّه. قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة) (١). هذا الحديث النبوى يعتبر متممًا للحديثين السالفين، فعندما ترفع الأمانة من القلوب، وتمتزج عهود الناس ومواثيقهم تضيع الأمانة، وهذا المؤشر

стр. 67

الخطير هو نذير من نذر الساعة، فإذا أصبح الناس هذا عن ذلك، توسد الأمور إلى غير أهلها. وعندما توسد الأمور إلى غير أهلها, ولا يوضع كل شيء في محله اللائق به، حيث لا يسند منصب لصاحبه الجدير به، ولا تملأ وظيفة برجل كفء يليق بها, ولا يكون أهل الحجى والتربية الصحيحة هم السائدون، فعند ذلك تختل الموازين وتضطرب الأمور كما يقول الأفوه الأودى: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا تبنى الأمور بأهل الرأى ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد البيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم تبن أوتاد إن هذه المؤشرات الخطيرة تنذر بهذا الويل والدمار وتفصح عن فوضى عارمة لا يعلم تبعتها إلا اللَّه تعالى، فها نحن نرى الطاقات الجسام تحل بأمة الإِسلام، فقد تولى الأمور في أغلب البلدان رجال مستبدون لا هم لهم إلا ما يخطون به من أراء لغرائزهم وشهواتهم ومنافعهم، فانتشرت البدع وعمت الضلالات وساد أهل الفجور والسوء وانزوى أهل الحق والصالحات، يقول القرطبي في (التذكرة): (ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الباب وغيره قد شاع بين الناس معظمه، ودسه الأمر إلى غير أهله، وصار رؤوس الناس أسافلهم، وفشت في الناس الخيانة وسوء الأخلاق) (١). وهذا الذي أخبر عنه القرطبي ﵀ في زمانه، فكيف بزماننا هذا. . .؟؟!!

стр. 68

ثمانية عشرة: نزول المصائب وتمنى الموت ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتنى مكانه) (١). ٢ - وعنه أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (والذي نفسى بيده لا تذهب الدنيا، حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتنى كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء) (٢). قال ابن حجر في الفتح: قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتنى مكانه): أي كنت ميتًا. قال ابن بطال: تغبط أهل القبور، وتمنى الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصى والمنكر. وليس هذا عامًا في حق كل أحد وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه وأهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه. ثم قال الحافظ: (والسبب في ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وبهذا جزم القرطبي، ثم قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه ونفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم أمر العبادة أيام الفتنة) (٣).

стр. 69

٣ - أخرج الحاكم عن أبي سلمة ﵁ قال: عدت أبا هريرة ﵁ فقلت: اللهم أشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسى بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر. وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتنى مكانه) (١). ٤ - وفي كتاب الفتن من رواية عبد اللَّه بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول: يا ليتنى مكان هذا. قلت: يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر عظيم، قال: أجل. إن شدة المحن والإبتلاء وما يصيب الناس من ضيم وفتن تجعل الرجل يتمنى الموت الذي هو من أعظم المصائب في الدنيا، وسماه القرآن الكريم (الفزع الأكبر) و (مصيبة الموت) (٢) وهذا التمنى ليس من باب التدين والتقرب إلى اللَّه تعالى وحبًا في لقائه، وإنما بسبب المعاناة التي تنتاب الناس وقسوة العيش وضراوة الفتن واختلافها وتعددها، بل إن الحديث النبوى ليصور حجم هذه المأساة التي تصيب الناس حتى تجعل الرجل يتمرغ بقبر أخيه وصاحبه لا حبًا واشتياقًا له!! وإنما حبًا بالتخلص من العيش وفرارًا من ضراوة المعاناة وضنك العيش. قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (سيأتى عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه).

стр. 70

وقال الشاعر: وهذا العيش ما لا خير فيه ... ألا موت يباع فاشتريه وقال آخر: أيا دهر أعملت فينا أراكًا ... ووليتنا بعد هجر قفاكا قبلت الأشرار علينا رؤوسأ ... ووليت سفلتنا مستواكا فيا دهر إن كنت عاديتنا ... فها قد عملت بنا ما كفاكا • هل يجوز تمنى الموت؟ في الأحاديث السالفة إشارة إلى جواز تمنى الموت خوفًا على الدين ولا ينافى ذلك قوله ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت من ضرٍّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) (١). لأن هذا النهي إنما وارد إذا كان التمنى بسبب في أمر دنيوى أو مصيبة في النفس أو الأهل أو المال، أما إذا كان تمنى الموت خوفًا على ذهاب الدين لفساد الزمان وتمادى الفتن، فلا مانع من ذلك، وهذا موافق لما ورد في الدعاء: (وإذا أردت فتنة في قوم فتوفنى غير مفتون) (٢). قال الحافظ في الفتح نقلا عن ابن عبد البر: (ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهى عن تمنى الموت، وليس كذلك وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه، لا لضرر ينزل في الجسم) (٣).

стр. 71

وقال الحافظ ابن حجر: (ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: (وليس به اليد إنما هو النبلاء) فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمنى الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي. لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ثم قال: قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد إعتناء إلا بدنياه ومعاشه ونفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة، ويؤخذ من قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل) أن التمنى المذكور وإنما يحصل عند رؤيته القبر، وليس ذلك مرادًا، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمنى؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمنى أو يخف عند مشاهدة القبر فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه. فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرف ما شاهده منة وحشة القبر وتذكر ما فيه عن استمرار على تمنى الموت) (١). وقد وقع هذا التمنى فعلًا في وقتنا الحاضر بسبب ضنك العيش واستشراء الفساد وغلبة أهل الباطل وصولان أهل البدع والضلالات واللَّه المستعان. تسعة عشر: تداعى الأم على الأمة الإِسلامية ١ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم

стр. 72

كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللَّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول اللَّه؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) (١). ومن علامات الساعة التي أخبر عنها نبى اللَّه ﷺ هي هذه العلامة، بل الظاهرة الخطرة التي توحى بأن بلاد العرب والمسلمين تكون كالبقرة الحلوب لأعدائها، فقد استطاع الغرب إيجاد عملاء له في الداخل، وهم من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلوبهم قلوب الشياطين، تطفح بالحقد على الإِسلام وأهله، واستطاع أعداء المسلمين تمكين هؤلاء وذلك عن طريق مدهم ماديًا ومعنويًا ومنهم من وصل إلى سدة الحكم، فقاموا بالتبشير بقوميتهم المزعومة وعلمانيتهم المستورة، وساموا العباد سوء العذاب، وفرضوا أفكارهم الصليبية بالحديد والنار، والأدهى من هذا كله، إننا نجد صورة هذا التداعى على أمتنا وديارنا وإسلامنا في هذه الأيام أوضح ما تكون، حيث استطاعوا تمرير مؤامراتهم عن طريق عملائهم، وأوجدوا جوًا مناسبًا وتبريرات مصطنعة لكى يدوم هذا التداعى، وتستمر المنطقة تحت نير استعمار جديد ولكن بأثواب مزركشة تختلف عن الأثواب القديمة, وتحت أسماء وغايات ومبررات لا تنطلى على اللبيب. إن أمم الغرب قاطبة تتابعت على ديار المسلمين، وأصبح الدم المسلم أرخص شيء في هذه الدنيا، مما يدل على أن ثمة مخططًا رهيبًا وقديمًا قد حيك على هذه الأمة من أجل نجاح هذه الهجمة الشرسة، وإمرار هذه

стр. 73

المؤامرة، ولكنهم لم يجدوا تلميذًا بارًا من تلاميذهم يستطيع أن يمرر هذه الخطة بإحكام، حتى استطاعوا أخيرًا تمثيل هذه المسرحية وإيجاد أبطالها الذين هم (من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) لكي يمعن الغرب الصليبى في امتصاص خيراتنا ونهب ثرواتنا وإذلال شعوبنا والأهم من ذلك، إفساد هذه الشعوب وطعنها في صميم عقيدتها وأخلاقها، ووأد الصحوة الإِسلامية المباركة التي تقض مضاجعهم، وتوحى لهم بالويل والثبور. إن الذي ينظر في أحداث التأريخ يلاحظ وقوع هذه الهجمة مرات عديدة، فكان ذلك مرة بهجوم الأمم التركية وأجناسهم المختلفة ومنهم التتار الذين دمروا بغداد وأسقطوا الخلافة العباسية، ومن هذه الهجمات، الهجمة الصليبية الماكرة والذي وقف قائدها (اللنبى) على قبر صلاح الدين الأيوبي وركل قبره بحذائه وهو يناديه: (ها قد عدنا يا صلاح الدين!! ومنها تآمر الأمم قاطبة على إسقاط الخلافة الإِسلامية وتقاسم ديار المسلمين، وبشكل استعمار جديد. ولا يزال الغرب يرقب ديار المسلمين وينظر إليها نظرة حذر وتخوف وتوجس، ما دامت عقيدة الإِسلام تنبض فينا وما دام القرآن مدويًا بيننا، وما دامت الصحوة الإِسلامية المباركة مضطردة مستمرة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. ورب سائل يسأل عن سر هذا التداعى وأسبابه، هل لأن العرب والمسلمين قليلوا العدد أو ضعفاء اقتصاديًا أو معنويًا؟ والجواب على هذا يجيب عليه النبي ﷺ في هذا الحديث، والسر في ذلك، هو أننا لسنا قلة ولسنا ضعفاء اقتصاديًا ولا معنويًا ولكن المشكلة هي

стр. 74

الركون إلى الدنيا وكراهية الموت والذي سببه حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، فالمسلمون كثرة ولكنهم غثاء كغثاء السيل. إن ضعف الروح وسقوط الهمة وقلة النخوة والانهزام الداخلى والتنازل عن الكرامة التي وهبها اللَّه تعالى للمسلمين، وانصراف المسلمين عن دينهم وإيجاد الطواغيت الذين أذلوا الشعوب وساموهم وسلطوا عليهم السياط وأوجدوا حمامات الدم في كل مكان، جعلت الشعوب ترضى بالخنوع وتستكين للخذلان والذل، وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي نجح الطواغيت في تمرير مؤامراتهم وفرض أفكارهم المستوردة والحاقدة. إننا نشاهد الآن أن أهل الباطل يضحون من أجل باطلهم ويبذلون الغالى والنفيس في سبيله، فهم يخلصون لباطلهم ويصرفون جل أوقاتهم وإمكانياتهم في سبيله، في حين نرى العموم الغالب من المسلمين قد ركنوا إلى الدنيا وملذاتها وانهمكوا فيها حتى أصبحت أكبر همهم فصرفتهم عن آخرتهم، وعن القضايا العقدية والمصيرية التي هي من مقومات دينهم. وثمة حالة أخرى توحى بالثبور وتشجع على هذا التداعى ألا وهو حالة التفرق والتمزق والتشرذم التي تعيشها أمة العرب والمسلمين اليوم، وعيون الأعداء ترض ذلك وترقبه عن كثب ولكن ببشر وفرح أنها ترى ألد أعدائها وهم المسلمون متفرقون متخاصمون وأصبح بأسهم بينهم شديدًا، فعاقبها اللَّه تعالى على خذلانها للدين الحق وعدم اعتصامها بكتابه المبين وسيرة نبيه الأمين، فأصبحت بذلك لقمة سائغة لأعدائها, ولن يرفع اللَّه تعالى هذا الذل عن هذه الأمة حتى تعود إلى سالف عزها وسر نهضتها وهو الإِسلام العظيم دينًا ومنهجًا وسلوكًا، وواللَّه: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها)

стр. 75

قال الشاعر وليد الأعظمى: شباب الجيل للإسلام عودوا ... فأنتم روحه وبكم يسود وأنتم سر نهضته قديمًا ... وأنتم فجره الزاهى الجديد نهوضًا يا بني قومى نهوضًا ... فقد عادت إلى الدنيا ثمود شباب الحق والإِسلام حق ... ويعلوا الحق إن صدق الجنود عليكم بالعقيدة فهي درع ... نصون به كرامتنا حديد وصارعنا الفساد ولم ترعنا ... دعاوى بات يدفعها يهود رسول اللَّه يا رمز المعالى ... ونورًا لا تضيق به الحدود نصحت لنا وكنت بنا رحيمًا ... وأنت القائد البطل النجيد دعوتى إلى التحرر من أمور ... يتوقف لها الأراذل والعبيد شباب الجيل لي معكم حديث ... عليه ينطوى القلب العميد حذار حذار من كل اختلاف ... به البغضاء والشحنا تعود فصونوا وحدة الآمال فيكم ... ولا تتفرقوا شيعًا تسود ودرب الصاعدين كما علمتم ... به الأشواك تكثر لا الورود (١) عشرون: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء بالبنيان ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁، في حديث جبريل للنبى ﷺ عن الإِسلام والإيمان والإحسان قال له جبريل: (. . . فأخبرنى عن الساعة؟؟ فقال ﷺ : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرنى عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في
следующие страницы →