← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 169

مع المشككين في السنة

عبد الرحمن الخميسي

Полный текст (317 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١)، الحديث. ٢ - حديث النهي عن بيع الولاء والهبة (٢). ٣ - حديث أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ) (٣). وغيرها. والفرق بين التعريف المعتمد للشاذ وتعريف الإمام الشافعي: أن الأول يدخل فيه الثقة والصدوق، بخلاف تعريف الشافعي، فإنه يخرج الصدوق منه. ٥ - عدم وجود علة في الإسناد أو المتن: والعلة عند العلماء: سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث (٤). وقال ابن الصلاح: «الحديث المعلل هو: الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» (٥). وقال: «قد تقع العلة في إسناد الحديث -وهو الأكثر- وقد تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من

стр. 72

غير قدح في صحة المتن» (١). ثم مثل ابن الصلاح لما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في المتن بـ: إبدال ثقة مكان ثقة، كمن أبدل عبد الله بن دينار بعمرو بن دينار، وكلاهما ثقة. ومثل للعلة القادحة في المتن بـ: حديث نفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم الذي رواه مسلم (٢) (٣). وختم كلامه عن العلة بقوله: «اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح» (٤). المبحث الرابع تسمية السنة بـ «الحكمة» فسر كثير من الأئمة الحكمة التي وردت في آيات متعددة من القرآن الكريم بـ: السنة، ومن هذه الآيات التي فسرت فيها الحكمة بـ: السنة: ١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة:١٢٩]. ٢ - قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة:١٥١]. ٣ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ

стр. 73

اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة:٢٣١]. ٤ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران:١٦٤]. ٥ - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء:١١٣]. ٦ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب:٣٤]. ٧ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢]. ومن هؤلاء الأئمة الذين فسروا الحكمة بـ: السنة: ١ - الحسن البصري. ٢ - قتادة بن دعامة السدوسي. ٣ - مقاتل بن حيان البلخي. ٤ - يحيى بن أبي كثير اليمامي. ٥ - الإمام محمد بن إدريس الشافعي. وغيرهم (١). قال الشافعي: «سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله» (٢). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩]: «ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولًا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد» (٣).

стр. 74

المبحث الخامس كثرة الصلاة على النبي ﷺ من المشتغل بالسنة الصلاة على النبي ﷺ من أفضل الأذكار وأحب الأعمال إلى الله تعالى، ويكفي في بيان فضل هذا الذكر: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا) (١). وأهل الحديث كما قال السيد صديق حسن خان القنوجي: «لهم نسبة خاصة ومعرفة مخصوصة بالنبي ﷺ ، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين فضلًا عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا تزال تجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم وخيال وجهه الوسيم ونور حديثه المستبين يتردد في حلق وسط جنانهم. فعلاقة باطنهم بباطنه العلى متصلة، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة. فهم أهل المواليد حقًا عدلًا وصدقًا، فأكرم بهم من كرام، يشاهدون عظمة المسمى حين يذكر الاسم، ويصلون عليه كل لمحة ولحظة بأحسن الحد والرسم» (٢). وقال قبل ذلك مباشرة: «ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ: قال رسول الله ﷺ "» (٣). وأهل الحديث أكثر الناس صلاة على النبي ﷺ ؛ وذلك لكثرة قراءتهم لأحاديثه ﵊، فكلما ذكر اسمه في الحديث صلوا عليه، واستحقوا بذلك أن يصلي الله عليهم وأن يكونوا أولى الناس به ﵊ يوم القيامة، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) (٤). وقال ابن حبان البستي عقب تخريجه هذا الحديث في صحيحه: «في هذا الخبر دليل على: أن أولى الناس برسول الله ﷺ في القيامة يكون أصحاب الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه ﷺ منهم» (٥).

стр. 75

وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: «وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا رُوَاةُ الْآثَارِ وَنَقَلَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِعِصَابَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْرَفُ لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ نَسْخًا وَذِكْرًا» (١). وقال أبو اليمن ابن عساكر: «لِيَهْنِ أهل الحديث كثرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتم الله تعالى نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم ﷺ ، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله ﷺ ؛ فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم ودروسهم. فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية» (٢).

стр. 76

المبحث السادس دعاء النبي ﷺ لمن يتعلم السنة بالنضارة والمقصود بالنضارة هي: الحُسْن في الوجه والبهجة والبهاء (١). وقد جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) (٢). وعن حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) (٣). وقد عد جمع من أهل العلم هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، منهم: ابن منده والسيوطي (٤) والكتاني (٥)، وغيرهم. قال الكتاني: «وذكر ابن منده في تذكرته: أنه رواه عن النبي ﷺ أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم. نقله ابن حجر في "أماليه المخرجة على مختصر ابن الحاجب الأصلي" (٦).

стр. 77

وفي "شرح المواهب اللدنية": قال الحافظ: إنه مشهور، وعده بعضهم من المتواتر؛ لأنه ورد عن أربعة وعشرين صحابيًا، وسردهم (١). اهـ. وفي "شرح التقريب" للسيوطي -كما تقدم عنه-: إنه وارد عن نحو ثلاثين منهم (٢)» (٣). قال أبو سليمان الخطابي عن معنى الحديث: «قوله: (نَضَّرَ اللَّهُ) معناه: الدعاء له بالنضارة، وهي: النعمة والبهجة. يقال بتخفيف الضاد وتثقيلها، وأجودهما التخفيف» (٤). قال البغوي: «وقيل: ليس هذا من حسن الوجه، إنما معناه: حسن الجاه والقدر في الخلق» (٥). قلت: وفي الحديث دلالة على: فضل حفظ السنة واستظهارها، والاشتغال بها واستنباط معانيها وفقهها، ونشرها وتبليغها. وفيه كذلك: الإشارة إلى تكرار الحديث للحفظ، والمحافظة على لفظ الحديث في الرواية؛ لقوله ﷺ : (فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ). وألا يعمد إلى اختصاره أو روايته بالمعنى دون حاجة إلى ذلك. وفيه أيضًا: فضل التفقه، وأن من الرواة من يفتح له في فهم الحديث واستخراج أسراره وفقهه ومنهم من ينغلق عليه فهمه فلا يصل إلى شيء من معانيه البتة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 78

الفصل الثاني الرد على شبهات منشور «صور من الضياع الفقهي للفقهاء» ويشتمل على: مقدمة. توطئة: سمات المنكرين للسنة النبوية أولًا: من أصول المشككين بالسنة والرد عليها. ثانيًا: الرد على الشبهات الواردة في منشور «صور من الضياع الفقهي للفقهاء».

стр. 79

مقدمة اللهم إني أحمدك كثيرًا، حمدًا يليق بجلالك وعظمتك، وأصلي وأسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد اطلعت على منشور لشخص يدعي أنه مستشار ومحام وباحث إسلامي (١) يتهجم فيه على السنة وخاصة الصحيحين، ويقدح فيهما وفي صاحبيهما، وينكر القولية منها دون العملية (٢)،

стр. 80

ويدعي تعارضها مع القرآن الكريم (١).

стр. 81

وقد ترددت كثيرًا في الرد على هذا المشكك للسنة والمنكر لها كثيرًا؛ لاعتقادي في أول الأمر عدم جدوى مثل هذه الردود عند هؤلاء القوم؛ لكونهم ينطلقون من منطلق فكري وعقدي معين، غير أني راجعت نفسي في هذا بعد إلحاح من بعض المشايخ وطلبة العلم؛ لكون هذه الشبه تثار كثيرًا، وتتناقل عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وتجد لها قبولًا وتأثيرًا عند قليلي العلم والجهلة وأضرابهما. فأعدت النظر في موقفي، وخلصت بعد تأمل وتفكير إلى حتمية الرد. وهو وإن كان لا يجدِ عند أولئك المشككين والطاعنين في السنة فإنه يجدي عند غيرهم ولو بِنِسَبٍ متفاوتة. وأيضًا يأتي هذا الرد لسد ثغرة لم أجد من سدها فيما أعلم. وكذلك لتجديد البحث والطلب لديَّ. إلى غير ذلك من الفوائد. وأسأل الله تعالى للجميع التوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 82

توطئة سمات المنكرين للسنة النبوية ذكر محمد أحمد صبرة في مقدمة كتابه "السنة النبوية وحي رباني مناقشة لدعاوى أعداء السنة النبوية" سمات وصفات المنكرين للسنة النبوية، وقد أجاد في وصفهم وبيان حقيقتهم، فقال عنهم: «إن أعداء الإسلام يحاربون الإسلام من كثير من النواحي، وكان نصيب القرآن والسنة كبير، فهم يحاولون إثارة شبهات، ويحاولون انتقاد القرآن والسنة، ونصيب السنة من افتراءاتهم أكبر، فهم على طول التاريخ يحاولون اختلاق الأباطيل على السنة النبوية، وعلماء الإسلام لهم بالمرصاد، يُفندون افتراءاتهم ويُبيّنون كذبهم وزورهم. وفي أيامنا هذه طغى اللدد والنفاق والكفر، وأثار أهله وأذنابهم الكثير من الشبهات التي هي في حقيقة الأمر افتراءات وأكاذيب، جاءوا بأكاذيب سابقيهم ونسجوا على منوالها، ويحرفون النص ليعطي غير معناه، ويبترون النص ليفيد غير المراد منه، وإذا وجدوا حديثًا صحيحًا لا يوافق أهواءهم ادعوا أنه لا يوافق العقل، يريدون عقلهم الذي يبغض الحق والإسلام، وإذا وجدوا حديثًا ضعيفًا أو موضوعًا يوافق مرادهم ادعوا صحته وثبوته. يتدثرون بعباءة الإسلام، يتصنّعون الحرص عليه والدعوة إليه والعمل على وحدة الأمة، وبينما هم يعلنون ذلك إذ يسعون إلى أغراضهم الخبيثة للقضاء على الإسلام أو لصنع إسلام على مقاسهم ويناسب رغباتهم عن طريق التشكيك في مصادره الموصى بها من عند الله وخصوصًا السنة النبوية، وذلك بإثارة الشبهات حولها، والزعم أنها ليست من الدين ولا صلة لها بالتشريع الإسلامي، ويزعمون أن القرآن الكريم هو وحده مصدر التشريع، وهي دعوة قديمة حديثة، والعداء لرسول الله وسنته موروث، ولكنّ الجديد هو أنّ هذه الفئة من أعداء الملّة ومنكري سنة رسول الله ﷺ تنسب نفسها للقرآن المجيد، فتسموا بـ"القرآنيين"، وقد اختاروا هذه النسبة إيهامًا للناس بأنهم ملتزمون بالقرآن. لم يقف عمل هؤلاء على إنكار حجية السنة جملة، بل ذهبوا إلى التشكيك في صدورها عن النبي ﷺ تارة، وتارة في عدالة الصحابة الذين حملوا السنة ونقلوها إلينا، وأخرى في رواتها بعد الصحابة الكرام ثم التشكيك في جهد الأئمة الأعلام الذين أوقفوا حياتهم على السنة فحصًا وتنقية. أما عن صفات هؤلاء المنكرين للسنة الذين يكتبون كثيرًا على الرغم من قلتهم: بعد جمع المعلومات عنهم فيقول الدكتور عبد المهدي عبد القادر: ١ - ليسوا من علماء الإسلام، إنما هم بعيدون كل البعد عن ذلك، فمنهم من هو من دارسي الهندسة أو التجارة أو الفلسفة أو القانون أو غير ذلك ممن لا علاقة لهم بعلوم الشريعة، وهؤلاء لا قيمة لرأيهم في غير تخصصهم.

стр. 83

٢ - في كتاباتهم تلبيس على غير المتخصصين في السنّة، فيُوهمون القارئ بأنهم سيتبعون "الأسلوب العلمي" و"الفكر الحر" و"النظر الثاقب" و"تحرير المسائل"، إلى غير ذلك من الكلمات البراقة والتي تُوهم القارئ بأنهم سيُحققون في المسائل تحقيقًا لم يسبقهم إليه أحد. ٣ - افتراءاتهم مزوّرة، فهم يأخذون أقوال أعداء الإسلام السابقين ويردّدونها على أنها طعنات في السنة من عند أنفسهم، يُدرك ذلك من قرأ "الرسالة" للشافعي و"تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة، وغيره من الكتب التي دافعت عن السنة قديمًا. ٤ - افتراءاتهم لا تنطلي إلا على العامة، فهي هزيلة تافهة يكشف زيفها كل من له دراية بعلوم الإسلام عامة وعلوم السنة خاصة. ٥ - منهجهم مختل، فتجدهم يطلبون الشيء من غير بابه، فيدرسون الإسلام من كتب إعدائه، ودراسة الشيء لا يُوثق بها إلا إذا درست من مصدرها الأساسي. ٦ - ليسوا طلاب حق، فيجعلون فكرهم هو الأساس ولا بد أن تنطوي له كل الحقائق وتقصف أعناق النصوص، فلا يهمه ماذا يقول الواقع وإنما يهمه أن يفسر الشيء حسبما يقتضيه فكره. ٧ - مصادر بحوثهم مصطنعة، فمصادرهم لمستشرقين ونصارى ويهود وفرق تُحسب على الإسلام زورًا وكثير منها لمؤلفين معروفون بالزيغ والضلال» (١).

стр. 84

أولاً من أصول المشككين بالسنة والرد عليها وفيه أصلان: الأصل الأول: ترك السنة القولية والأخذ بالسنة العملية فقط. الأصل الثاني: تعارض السنة القولية مع القرآن الكريم.

стр. 85

الأصل الأول ترك السنة القولية والأخذ بالسنة العملية فقط يقول المشككون في السنة: "إنهم لا يعملون بالسنة القولية؛ لأن فيها تعارضًا مع القرآن الكريم، ويعملون فقط بالسنة العملية". والجواب: حسنًا فما قولهم في المسائل الآتية التي ثبت حكمها بالسنة القولية المتواترة وأجمع عليها العلماء، فإن نفوها فقد نفوا أمرًا قطعيًا من الدين، ويعتبر العلماء نفي ذلك عن علم وقصد ردةً عن الدين، وإن أثبتوها فقد أثبتوا العمل ببعض السنة القولية، ويلزمهم شرعًا وعقلًا العمل ببقيتها الثابتة، والتفريق بين ذلك هو من التفريق بين المتماثلين، ومن الإيمان ببعض الدين دون بعض؟ ومن تلك المسائل على سبيل المثال: ١ - الذبح لغير الله تعالى. ٢ - الطواف بالقبور بنية العبادة. ٣ - النذر لغير الله تعالى. ٤ - الكذب على النبي ﷺ عمدًا. ٥ - إنكار القدر خيره وشره من الله تعالى. ٦ - كراهية الدين، أو الأنبياء، أو الملائكة. ٧ - القول بأن بول الإنسان أو برازه طاهر. ٨ - القول بجواز صلاة المرأة الحائض أو النفساء. ٩ - القول بجواز قضاء الحاجة في المسجد، أو أمام الناس. ١٠ - إجازة مشي الناس عراة. ١١ - القول بجواز صلاة المرأة بغير خمار، أو بثياب قصيرة، أو غير ساترة. ١٢ - القول بجواز الكلام والأكل والشرب في الصلاة. ١٣ - القول بجواز الأذان بغير الألفاظ الواردة. ١٤ - القول بجواز إقامة سوق للبيع والشراء داخل المسجد. ١٥ - القول بجواز إتيان البهيمة. ١٦ - القول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها. ١٧ - القول بجواز السحاق بين النساء.

стр. 86

١٨ - نفي حد شارب الخمر. ١٩ - لبس المرأة الثياب القصيرة أو الشفافة أمام الرجال الأجانب. وغير ذلك من المسائل.

стр. 87

الأصل الثاني تعارض السنة القولية مع القرآن الكريم يقول هؤلاء المشككون: "إن التعارض والتناقض فيما بين السنة وبين القرآن الكريم هو السبب الرئيس عندنا في ردها وعدم قبولها". ويذكرون لذلك أمثلة كثيرة. والجواب: أولًا: أن ما ذكرتموه من وجود التعارض والتناقض بين السنة والقرآن هو في الظاهر، وليس في الحقيقة والواقع، وهو كذلك في عقولكم وأفهامكم القاصرة، وليس عند ذوي الرسوخ في العلم. ومن ثم فلا يوجد حديث ثابت محكم يتعارض مع القرآن الكريم البتة، وإن وجد فهو إما ضعيف أو شاذ أو منسوخ. ثانيًا: إن سلمنا جدلًا بوجود أحاديث تتعارض مع القرآن الكريم فلا يعني ذلك رد السنة كلها وإبطالها وعدم الاحتجاج بها. فهذا هو مسلك أهل الأهواء والبدع والضلالات. ولكن ترد تلك الأحاديث فقط التي يزعم تعارضها مع القرآن، وبهذا يقول الشرع والعقل والمنطق. ثالثًا: يقول المحققون: "إن دعوى التعارض ليست من البراهين الدامغة ولا الأدلة القاطعة على ضعف الحديث ورده؛ لاحتمال وجود قصور في الفهم أو العلم أو الاستدلال والاستنباط عند المدعي". ولهذا لم يذكر علماء الجرح والتعديل أن التعارضَ من أسباب ضعف الحديث، والتي حصروها في: ١ - عدم اتصال السند. ٢ - عدم عدالة الراوي. ٣ - عدم ضبطه. ٤ - وجود شذوذ في السند أو المتن. ٥ - وجود علة قادحة في السند أو المتن. رابعًا: لو كان التعارض في بعض الأحاديث في الظاهر إن سلَّمنا به تُرد به السنة كلها لرد بذلك القرآن الكريم؛ لوجود آيات ظاهرها التعارض وليست في الحقيقة كذلك، مثل: قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات:٢٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة:١٧٤]. في آيات كثيرة جمعها العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب "أضواء البيان" في كتاب سماه: "دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب"، وبين معنى كل آية والمقصود بها، وأنه لا يوجد تعارض ولا تناقض بين آيات الله تعالى وحاشاه. وقد دل القرآن الكريم على هذا في عدة آيات، وهي:

стр. 88

١ - قال الله جل شأنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء:٨٢]. ٢ - قال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود:١]. ٣ - قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت:٤٢]. خامسًا: لم يختلف العلماء فيما بينهم إلا من شذ من أهل البدع والزنادقة أنه يجب العمل بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ قولية كانت أو فعلية. وممن نقل الإجماع على ذلك: ١ - الإمامُ ابن حزم، حيث قال: «جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال ففرضٌ اتباعُه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن وبيان لمجمله» (١). ٢ - العلامة الشوكاني، حيث قال: «اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على: أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام -يعني: أنها كالقرآن في التشريع والعمل، لا في المنزلة-، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقرَآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) (٢)، أي: أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن» (٣). سادسًا: أيضًا لم يختلف العلماء فيما بينهم -سوى من ذكرنا من الزنادقة وغالية الرافضة (٤) -: أن من أنكر السنة وردها جملة وتفصيلًا أنه كافر زنديق. وممن نقل الإجماع على ذلك: ١ - ابنُ حزم، حيث قال: «مسألة: وكل من كفر بما بلغه وصح عنده عن النبي ﷺ أو أجمع عليه المؤمنون مما جاء به النبي ﵇ فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١١٥]» (٥). وقال أيضًا: «فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة، ولو أن امرءًا قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر» (٦).

стр. 89

٢ - الإمام السيوطي، حيث قال: «فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشرَ مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكَفَرَة» (١). والله أعلم.

стр. 90

ثانيًا الرد على الشبهات الواردة في منشور «صور من الضياع الفقهي للفقهاء»

стр. 91

وفيه أربعون شبهة: الشبهة الأولى: عدم أمر الرسول ﷺ بكتابة السنة وهي حي. الشبهة الثانية: اتهام السنة بمخالفة القرآن في أمره بمسح الأرجل في الوضوء. الشبهة الثالثة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في عدم قصر الصلاة إلا حالة الخوف فقط. الشبهة الرابعة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في وقت الفطر. الشبهة الخامسة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في عدم المرور على الصراط يوم القيامة. الشبهة السادسة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في إثباتها لعذاب القبر. الشبهة السابعة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في نفيه للشفاعة عن غير الله تعالى. الشبهة الثامنة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في تكفيرهم من لم يؤمن برساله محمد ﷺ ممن لم تبلغهم الدعوة. الشبهة التاسعة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في تحليلهم وطء الإماء بملك اليمين. الشبهة العاشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بنسخ القرآن بالسنة. الشبهة الحادية عشرة: مخالفة المحدثين للقرآن في قولهم بتقييد القرآن بالسنة. الشبهة الثانية عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم برجم الزناة المحصنين. الشبهة الثالثة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في إخباره بكونه كاملًا. الشبهة الرابعة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في عدم اكتفائهم به. الشبهة الخامسة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بإخبار النبي ﷺ بما سيكون إلى يوم القيامة. الشبهة السادسة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في أمره باتباعه. الشبهة السابعة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في إيمانهم بحديث النبي ﷺ مع أنهم لم يسمعوه منه. الشبهة الثامنة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بتبيين الحديث القولي للقرآن وتفصيله له. الشبهة التاسعة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بالتضييق على من لم يقاتلنا. الشبهة العشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بمباشرة الحائض من فوق الإزار. الشبهة الحادية والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في إثباتهم لحد الردة. الشبهة الثانية والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بكون النبي ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي.

стр. 92

الشبهة الثالثة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بعدم الإشهاد على الطلاق واحتسابهم الطلاق بإقرار أحد الزوجين. الشبهة الرابعة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بعدم الوصية لوارث. الشبهة الخامسة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بتعذيب الميت ببكاء أهله عليه. الشبهة السادسة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بإغواء حواء لآدم ﵉ بالأكل من الشجرة التي حُرِّمت عليهما في الجنة. الشبهة السابعة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في تفسيرهم للمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى. الشبهة الثامنة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بكون النبي ﷺ توفي والتحريم بخمس رضعات قرآنًا يتلى. الشبهة التاسعة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بوقوع الخلق في سبعة أيام لا ستة. الشبهة الثلاثون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بأن النبي ﷺ بُعث بقتال الناس حتى يسلموا وبالسيف. الشبهة الحادية والثلاثون: القول بمخالفة حديث: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) لقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. الشبهة الثانية والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم ببر الوالدين بدلًا من الإحسان إليهما. الشبهة الثالثة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في عدم التفريق بين الذين أوتوا الكتاب وبين أهل الكتاب. الشبهة الرابعة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بجواز نكاح الصغيرة. الشبهة الخامسة والثلاثون: اتهام الصحابة بمخالفة القرآن في قراءة بعض الآيات. الشبهة السادسة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بعدم دخول الجنة بالعمل. الشبهة السابعة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بوقوع طلاق الثلاث في مجلس واحد ثلاثًا. الشبهة الثامنة والثلاثون: اتهام المحدثين والفقهاء بمخالفتهم لبعض الأحاديث. الشبهة التاسعة والثلاثون: القول بمخالفة حديث هَمِّ النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة لرحمته.

стр. 93

الشبهة الأربعون: اتهام البخاري بالتدليس أحيانًا في الحديث بقوله: "عن فلان".

стр. 94

الشبهة الأولى عدم أمر الرسول ﷺ بكتابة السنة وهي وحي يقول المشكك: «هل تصور الفقهاء بأن النبي كان لا يعلم بأن أقواله في السنة وحي؟ فكيف يفرط رسول الله في السنة ويأمر بعدم كتابتها وهي وحي من السماء كما يزعمون (١)» (٢)؟ والجواب: أولًا: النبي ﷺ نهى أولًا عن كتابة السنة حتى لا تلتبس بالقرآن الكريم، ثم أجاز كتابتها بعد ذلك؛ لما تميز أسلوب القرآن عن أسلوب السنة عند الصحابة ﵃، ولم يعد ملتبسًا عليهم (٣). ثانيًا: أن السنة وإن كانت وحيًا إلا أنه يختلف وحيها عن وحي القرآن، فالقرآن أوحي إلى النبي ﷺ باللفظ والمعنى، وهو معجز ومتعبد به، بخلاف السنة، فقد أُوحيَت إلى النبي ﷺ بالمعنى دون اللفظ، فهو -أي: اللفظ- من النبي ﷺ . وليست هذه الألفاظ معجزة ولا متعبدًا بها، فلذلك لم تكن كتابتها واجبة، بل مستحبة؛ لأنه ليس واجبًا الحفاظ على ألفاظها، وإنما الواجب الحفاظ على المعنى فيها. وهذا ما حافظ عليه الرواة من الصحابة ﵃ ثم من بعدهم، حتى تدوينها جميعها بعد ذلك. والله أعلم.

стр. 95

الشبهة الثانية اتهام السنة بمخالفة القرآن في أمره بمسح الأرجل في الوضوء يقول المشكك: «فحين يقول الله: "وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين"، ويقول: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه:١٢]. فيقولوا (١): امسحوا على ظاهر الخف» (٢). والجواب: أولًا: هكذا أورد الآية الأولى في المنشور: "وامسحوا بأرجلكم". وإن ثبت ذلك عنه -أي: أنه من كتابته هو- فهو دليل على جهله بالقرآن الكريم. وصحة الآية هي: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قراءتان متواترتان: القراءة الأولى: بخفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. وفي توجيهها أقوال: ١ - أنها عطف على المجاورة، ولتناسب الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان:٢١]. وكما تقول العرب: "جحرُ ضبٍ خربٍ" (٣). وهذا سائغ ومشهور في لغة العرب (٤).

стр. 96

٢ - قيل: إن قراءة الخفض محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان. ونُقل ذلك عن الإمام الشافعي (١). ٣ - قيل: إن المراد بمسح الرجلين هو: الغسل الخفيف، كما ثبت عن الإمام علي ﵁: (أنه توضأ من غير حدث بحفنة واحدة لجميع أعضائه) (٢). رواه البخاري مختصرًا، والبيهقي مطولًا (٣). القراءة الثانية: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، عطفًا على غسل الوجه واليدين. وهذه القراءة توجب غسل الرجلين، ودل على ذلك ثلاثة أمور: ١ - الأحاديث القولية الكثيرة والتي تبلغ حد التواتر، وينكرها هذا المشكك الضال. ٢ - السنة العملية التي يؤمن بها ولا يخالف في الاحتجاج بها كما يقول. فيقال له: إن أكثر من مليار مسلم في جميع أنحاء المعمورة يغسلون أرجلهم في الوضوء، فهل هؤلاء جميعًا على خطأ، ولا يتوضؤون على وفق أمر الله تعالى لهم؟! هذا محال. ولا يمكن لعاقل أن يتهمهم بذلك، وقد أخذ هؤلاء جميعًا هذه السنة العملية في الوضوء عمن قبلهم، وأخذ أولئك عمن قبلهم، وكذلك إلى النبي ﷺ (٤)، ولم يختلفوا عليه في أنه ﷺ كان يغسل قدميه في الوضوء إذا لم يكن يلبس الخفين (٥).

стр. 97

فيلزمك على هذا: غسلهما؛ لأنها من السنن العملية التي تدّعي الإيمان بها. وأما مسح القدمين من غير خف في الوضوء فلم يثبت عنه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ﵃. وعرف هذا المسح فيما بعد القرون الثلاثة الأولى المفضلة للإمامية دون غيرهم من المسلمين. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ في هذه الآية يدل على وجوب غسل الرجلين. وهذا صريح في أن المراد هو غسلهما وليس مسحهما؛ لأنه لا يعرف في الشرع المسح على القدمين كلتيهما إلى الكعبين، وإنما يكون المسح على ظاهرهما. فدل على أن المراد هو: غسلهما. فبطل بهذا قولك في المسح. ثانيًا: استدلال هذا الجاهل بقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه:١٢] لا يستقيم له؛ لأن هذه الآية هي خطاب لموسى ﵊، وهي حكم خاص في شريعته ﵇، وليس في شريعتنا. ثالثًا: قوله عن الفقهاء: إنهم يقولون: «امسحوا على ظاهر الخف» أقول: هم لم يقولوا كما يدعي، ولكن السنة المتواترة القولية والعملية عن النبي ﷺ والتي يدل عليها أكثر من أربعين حديثًا في المسح على الخفين- هي التي تقول بجواز المسح على الخفين (١). ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. والله أعلم.

стр. 98

الشبهة الثالثة اتهام السنة بمخالفة القرآن في عدم قصر الصلاة إلا حالة الخوف فقط يقول المشكك: «وحين يقول تعالى: إن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف. فيقولوا: بل في السفر فقط بلا خوف (١)». والجواب: أولًا: لا توجد آية في القرآن الكريم بهذا اللفظ الذي ذكره: "أن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف"، وهو إنما يقصد بذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١]. وهذا يدل على جهله بقدسية القرآن الكريم الذي اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يقول الشخص: "قال الله تعالى" ثم يورد الآية بمعناها. ولكن في حالة الإخبار بحكم الآية فلا مانع من إيراد معناها، كما لو قال: إن الله تعالى أخبر في كتابه أن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف لساغ له ذلك. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] في الآية عدة أجوبة للعلماء: ١ - أن هذا القيد والشرط في الآية ليس مرادًا، وقد خرج مخرج الغالب عند نزولها؛ إذ كانت غالب أسفارهم في ذلك الوقت مخوفة، وهي إما لغزو عام أو في سرية. وقد قال الأصوليون: "إن المنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة معينة فلا مفهوم له" (٢). مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]. فهذا القيد لا مفهوم له بالإجماع؛ لأنه لا يجوز للسيد أن يكره أمته على الزنا، سواء كانت عفيفة أو غير عفيفة.

стр. 99

وهذا أحسن الأجوبة لمن لا يؤمن بالسنة واستقلالها بالتشريع. ٢ - أن هذه الآية المقصود بها: قصر الصلاة في الخوف والحرب، وأما قصر الصلاة في السفر عمومًا فقد شرعه الله تعالى في سنة نبيه ﷺ بالقول والفعل الذي بلغ حد التواتر (١)، وليس في هذه السنة شك؛ لأنها من السنن المتواترة قولًا وعملًا، وليس أحد من المسلمين على هذه البسيطة بلغ حد التكليف إلا وهو يعرف هذه السنة، ويؤديها في حال سفره، وأجمع عليها المسلمون (٢). ومن ثمَّ فليس لمن يشككون في السنة القولية عذر في ردها؛ لكونها من السنن العملية الثابتة عن النبي ﷺ . ٣ - أن القصر إنما هو لصلاة الخوف بمنطوق الآية، وأما صلاة السفر فقد فرضت ركعتان -ما عدا صلاة المغرب- في أول الإسلام، ثم أتمت صلاة الحضر بعد ذلك، وبقيت صلاة السفر على حالها كما فرضت أولًا (٣).

стр. 100

٤ - أن القصر في السفر هو سنة عند أكثر العلماء، وليس واجبًا، فمن فعله فقد أحسن، ومن لم يفعله فلا حرج عليه. والله أعلم.

стр. 101

الشبهة الرابعة اتهام السنة بمخالفة القرآن في وقت الفطر يقول المشكك: «وحين يقول تعالى: "وأتموا الصيام إلى الليل". فيقولوا (١): بكروا بالفطور (٢)». والجواب: أولًا: لست أشك بعد تكرار أخطاء هذا المشكك في آيات القرآن أنه جاهل بالقرآن الكريم، مع أنه ممن يدعي الاكتفاء به دون السنة! وهذا الادعاء يحتم عليه الاعتناء به حفظًا وفهمًا وتلاوة، فإنه قل ما يورد الآية صحيحةً في منشوره، ولا أظن أن ذلك خطأٌ مطبعي؛ لكونها تكررت أكثر من مرة، ولا زلنا في بداية المنشور. وهنا يقول: "وأتموا الصيام إلى الليل"، وصحة الآية كما في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]. ثانيًا: أن دخول الليل في الشرع واللغة يكون بغروب الشمس، وليس بالظلمة وظهور النجوم كما يقول الإمامية؛ بدليل صلاة المغرب التي يدخل وقتها من حين غروب الشمس. وعلى هذا فيقال لهذا المشكك: هل وقت صلاة المغرب هو جزء من النهار أو جزء من الليل؟ فإن قال: إنه جزء من النهار فقد كذب واقعًا ولغة وشرعًا، ولو صلى المغرب بهذا الاعتقاد -أنها جزء من النهار- لم تصح منه؛ لإجماع المسلمين أنها من صلوات الليل، بل كانوا يسمونها: "صلاة العشاء"، وبعضهم يقيدها فيقول: "صلاة العشاء الأولى"؛ تمييزًا لها عن الصلاة التي بعدها، والتي جاء تسميتها على لسان النبي ﷺ ولسان بعض أصحابه ﵃: "صلاة العشاء الآخرة" (٣).

стр. 102

وإن قال: إنها جزء من الليل فقد صدق. وحينئذ يقال له: إن المقصود بالتبكير بالفطور للصائم هو: المسارعة به في أول الليل، وليس المقصود به الإفطار قبل غروب الشمس، فإن من بكر بإفطاره قبل غروب الشمس فقد بطل صومه بلا خلاف؛ لكونه لم يتم صيامه إلى الليل. والله أعلم.

стр. 103

الشبهة الخامسة اتهام السنة بمخالفة القرآن في عدم المرور على الصراط يوم القيامة يقول المشكك: «ويقول القرآن بأن المؤمنين لا يسمعون حسيس النار، وأنهم عنها مبعدون. ويقول أهل الحديث بأن المؤمنين والرسل يعبرون ما يسمى بـ"الصراط المستقيم"، وهو جسر على جهنم، له كلاليب، تتخطف الناس لتهوي بهم في النار (١)، بينما الرسل ترتعد فرائصها من الخوف والفزع» (٢).

стр. 104

والجواب: أولًا: الآية التي أشار إليها هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢]. ثانيًا: أن هذه الشبهة منتقضة بأمرين: ١ - بمعرفة المقصود بـ ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، وفي ذلك أقوال: أ- أن المقصود بهم هم: المعبودون من دون الله تعالى بغير رضاهم من الأنبياء كعيسى وعزير ﵉، وكبعض الملائكة ﵈. فهي استثناء من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]. ثم استثنى سبحانه هؤلاء الأنبياء والملائكة ﵈ من العذاب، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]. فـ ﴿إِنَّ﴾ في الآية بمعنى: "إلا"، أي: إن هؤلاء الذين عُبدوا من دون الله من الأنبياء والملائكة بغير رضا منهم هم مبعدون عن النار، ولا يسمعون حسيسها. ب- أن المقصود بهم هم: المؤمنون الفائزون، فإنهم لا يسمعون حسيس النار؛ لأنهم يمرون على الصراط مرًا سريعًا، أسرع من لمح البصر والبرق والريح. ج- أن المقصود بهم هم: أهل الجنة، فإنهم لا يسمعون حس النار، ولا حس أهلها. ٢ - أن إنكار هذا المشكك للصراط بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢] جهل مركب بالقرآن الذي يثبت ورود الناس جميعًا على جهنم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم:٧١]، أي: أن جميع الناس سيردون جهنم، فأما المؤمنون المتقون فينجيهم الله تعالى منها، وأما الكافرون فيبقيهم فيها ولا يخرجهم منها. وإذا لم يكن معنى الورود هنا هو: "العبور على الصراط" فلا محيص لهذا المشكك من أن يفسره بدخول النار. وهو قاصمة الظهر له، ولكلامه وشبهته؛ لأنهم بدخولهم النار فقد سمعوا حسيسها وذاقوا طعمها وتلظوا بلهبها. وهذا لا يتفق مع وعده تعالى لهم بأنهم ﴿عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، أي: لا يدخلونها أبدًا.

стр. 105

ثالثًا: أن أهل الحديث لم يقولوا قط: إن الكلاليب التي على جسر جهنم تخطف الناس جميعًا، وإنما قالوا: تخطف من أراد الله له العذاب من عصاة الموحدين. رابعًا: أما استنكار المشكك ارتعاد فرائص الرسل وخوفهم وفزعهم من ربهم - جل وعلا - فجهل مخز وفاضح منه بحقيقة الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، الذين هم أعرف الخلق بالله تعالى وأشدهم خوفًا منه وإخباتًا له، وقد أثنى الله تعالى عليهم بذلك، فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء:٩٠]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب:٣٩]. والله أعلم

стр. 106

الشبهة السادسة اتهام السنة بمخالفة القرآن في إثباتها لعذاب القبر يقول المشكك: «ولا يذكر القرآن شيئًا اسمه عذاب القبر، ويقول: إن العذاب مؤجل ليوم (١) القيامة بعد الحساب. فيخترع أهل الحديث ما يسمونه: عذاب القبر (٢)، بل ويلوون معاني عنق آيتين من كتاب الله؛ ليصلوا لمبتغاهم» (٣). والجواب: أولًا: نعم لم يرد في القرآن الكريم اسم" عذاب القبر" منصوصًا عليه هكذا، كما أنه لم ترد الصلوات الخمس منصوصًا عليها، وجميعهما بينتهما السنة.

стр. 107

وقد وردت آيات كثيرة ظاهرة وواضحة تدل على عذاب القبر، دلالة لا يسع أي مسلم لديه حظ من علم وينطوي قلبه على اعتقاد صحيح أن ينكره أو يؤوله. ومن هذه الآيات: ١ - قال تعالى عن فرعون وقومه الذين أغرقهم: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦]. ففي هذه الآية: أنهم يعرضون على النار صباحًا ومساءً، أي: يعذبون فيها في هاتين الفترتين. وقيل: يعرضون عليها مجرد عرض من غير دخول فيها، وهو عذاب مخفف؛ بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦]. ولو لم يكن هذا عذابًا لهم لم يذكره في سياق العقوبة العظيمة التي حاقت بهم في برزخهم. ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣]. وهذه الآية صريحة في عذاب الكفار في قبورهم؛ حيث إنه يحصل لهم هذا الضرب على وجوهم وأدبارهم، وهذه الإهانة والخزي لهم عند إدبارهم من الدنيا وإقبالهم على الآخرة. ولا يحصل لهم هذا في حال حياتهم؛ بدليل قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: اليوم قبل البعث تجزون هذا العذاب المهين لكم. ٣ - قال تعالى عن قوم نوح ﵇: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، أي: أغرقهم الله تعالى بالطوفان فأدخلهم النار مباشرة؛ لأن الفاء تدل على التعقيب المباشر، وليس على التراخي. ٤ - قال تعالى عن قوم لوط: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ [الحجر:٧٤]، أي: قلب الله عليهم الأرض التي كانوا عليها حتى صار عاليها سافلها، فقتلهم بذلك، ثم أتبعهم بحجارة من سجيل منضود عذابًا لهم في برزخهم. ولو لم تكن هذه الحجارة عذابًا لهم بعد موتهم لكان ذكرها من باب العبث -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-. ٥ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال:٥٠]. ومعناها كآية الأنعام: أن هذا الضرب والإهانة هو عند خروجهم من الدنيا وقبل البعث. وهذا هو نوع من عذاب القبر؛ لأنه لا يحصل لهم مثل هذا في حياتهم. ٦ - قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ [محمد:٢٧].

стр. 108

ومعناها كالآية السابقة. ثانيًا: ليس في عذاب القبر شك عند أهل السنة، وهم السواد الأعظم من المسلمين. وقد دل عليه عندهم أحاديث كثيرة صريحة، تبلغ بمجموعها حد التواتر (١)، مروية في كتب: الصحاح، والسنن، والمسانيد، وغيرها من كتب الحديث. وقد جمعها بعض الأئمة في مصنفات خاصة، منهم: الإمام البيهقي، وسمى كتابه: "إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين" (٢). ثالثًا: يستدل منكرو عذاب القبر على إنكارهم له بقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]. وأنهم لو كانوا يعذبون لم يكن القبر على هيئة المرقد لهم. والجواب عن استدلالهم هذا: ١ - أن المراد بقولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]؟ أي: من بعثنا من قبورنا ومضاجعنا؟ وليس في الآية أنهم لم يكونوا يعذبون فيها. ٢ - أن النفخة في الصور لهولها وعظمها أنستهم ما كانوا فيه من عذاب في قبورهم. ٣ - قيل: إنه بعد النفخة الأولى ينقطع العذاب والنعيم عن أهل القبور فينامون حتى النفخة الثانية، فإذا سمعوها خرجوا من قبورهم وقالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]. ٤ - لا يلزم من إثبات عذاب القبر استمراره إلى يوم القيامة، بل هو عائد إلى مشيئة الله تعالى، فلعل النفخة الثانية تكون في وقت انقطاع العذاب عنهم وفي حال نومهم. والله أعلم.

стр. 109

الشبهة السابعة اتهام السنة بمخالفة القرآن في نفيه للشفاعة عن غير الله تعالى يقول المشكك: «ويقول القرآن: "إن الشفاعة لله تعالى جميعًا"، و"إن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح"، و"إنه لا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله". ويقول أهل الحديث: بل يشفع النبي لكل من قال: "لا إله إلا الله" (١) (٢). ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى» (٣). والجواب: أولًا: نعم إن الشفاعة لله تعالى جميعًا، ولا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله تعالى، ونحن نؤمن بذلك ونصدق به، ومن ذلك: شفاعة النبي ﷺ لكل من قال: "لا إله إلا الله" من الموحدين من أصحاب الكبائر وغيرهم. وهذه الشفاعة منه ﷺ لهم لا تقع إلا بإذن الله تعالى، ورضاه سبحانه عن المشفوع له.

стр. 110

فلا منافاة بين شفاعته ﷺ هذه وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]؛ لأن معنى هذه الآية: أنه سبحانه هو المالك للشفاعة كلها، وهو الذي يهبها ويمنعها، ويأذن فيها لمن شاء بعد أن يرضى عن المشفوع فيه. لكن هناك من يمنع الشفاعة مطلقًا إلا الشفاعة الكبرى، ويستدلون على ذلك بالآتي: ١ - قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر:١٨]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]. في حين أن المراد بنفي الشفاعة في هاتين الآيتين ونحوهما هي: نفي الشفاعة عن الكفار والمشركين، فلا تُقبل فيهم شفاعة أحد، ولا يأذن الله تعالى لأحد أن يشفع فيهم. وإنكار الشفاعة هو إنكار لصريح القرآن الكريم؛ فقد ذكرها القرآن الكريم مثبتًا لها في عدة آيات، ومنها: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]. ٣ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه:١٠٩]. ٤ - قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم:٢٦]. ثانيًا: قول المشكك: «وإن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح» سيأتي الكلام عليه مفصلًا إن شاء الله في موضعه؛ حيث يورد الأدلة على أن دخول الجنة هو بالإيمان والعمل الصالح، وليس برحمة الله كما يقول. ثالثًا: قول المشكك: «ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى» الجواب عنه: ١ - هو يشير بقوله هذا الى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا. قَالَ أَبُو رَوْحٍ -أحد الرواة-: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّكُّ) (١). وفي لفظ آخر عند مسلم: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ) (٢).
следующие страницы →