(تاريخ مدينة دمشق ١٠/ ٣٣١).
فالإسنادُ إذن منقطعٌ، وتأكَّدَ ذلك بما رواه الحربيُّ في (غريب الحديث ٢/ ٤٠١) قال: حدثنا داود بن رُشَيْد، حدثنا بقية، حدثني إسماعيل البصري، حدثني ابن جريج، عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: ((رُخِّصَ لَنَا فِي دَمِ الحُبُونِ)).
هكذا رواه داود -وهو ثقة- عن بقيةَ. وإسماعيلُ البصريُّ هذا لم يتبينْ لنا مَن هو؟ فالظاهرُ أنه أحدُ شيوخِ بقيةَ المجهولين أو الضعفاء كما ذكره ابنُ عَدِيٍّ والدارقطنيُّ.
والحديثُ ذكره الذهبيُّ في (الميزان ١/ ٣٣٣) ضمن مناكير بقية.
[تنبيه]:
وَقَعَ في المطبوع من (سنن الدارقطنيِّ، طبعة دار المعرفة) زيادة حرف الحاء (ح) الموضوعة لتحويل الإسناد، بين الواليد وبقية، هكذا: (حدثنا الوليد (ح) قال: وأخبرني بقيةُ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ). وكذلك وردتْ في (تحقيقِ ابنِ الجوزيِّ).
وخلتْ طبعة الرسالة من هذه الزيادة، وكذلك لم تَرِد في تنقيح ابنِ عبدِ الهادِي والذهبيِّ.
وهو الصوابُ، فإنه لا معنى لذكرها هنا؛ إذ الكلام ما زال متصلًا، فالحديث من رواية الوليد عن بقيةَ.
وجاء في (الطب النبوي) لأبي نعيم أيضًا ما يوهم أن الوليد مُتَابِعٌ لبقيةَ، حيث جاء فيه: (حدثنا الوليد بن مسلم، وأخبرني بقيةُ بنُ الوليدِ قالا).
وهذا خطأ، فقد جاء الحديثُ في بقية المصادر من طُرُقٍ عن الوليدِ دون
стр. 10362
ذكر هذا الحرف. وأيضًا لم يذكر هذا الحرف الحافظُ ابنُ حَجرٍ في (إتحاف المهرة ٧/ ٤٠٥)، وقد نَصَّ غيرُ واحدٍ من الحفاظِ أن الحديثَ تفرَّدَ به بقيةُ عنِ ابنِ جُرَيجٍ.
стр. 10363
٣٩٢ - بَابُ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي الوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ
٢٣٦٠ - حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا:
◼ عَنْ نَافِعٍ: ((أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ إِذَا رَعَفَ، انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى [عَلَى مَا صَلَّى]، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ)).
[الحكم]: صحيحٌ موقوفٌ. وَصَحَّحَهُ البيهقيُّ وابنُ حَجرٍ.
[الفوائد]:
قال ابنُ عبدِ البرِّ: (((عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمَّا رَعَفَ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ)، حَمَله أصحابُنا على أنه غَسَلَ الدمَ ولم يتكلَّم، وبنَى على ما صَلَّى. قالوا: وغَسْلُ الدَّمِ يُسمَّى وُضوءًا؛ لأنه مشتقٌ من الوَضَاءةِ، وهي النظافةُ. قالوا: فإذا احتمل ذلك لم يكنْ لمن ادَّعى على ابنِ عمرَ أنه توضَّأ للصلاةِ في دعواه ذلك حجة؛ لاحتماله الوجهين.
وخالفَ أهلُ العراقِ في هذا التأويلِ، فقالوا: إن الوضوءَ إذا أُطلقَ ولم يقيدْ بغسلِ دَمٍ وغيرِهِ، فهو الوضوءُ المعلومُ للصلاةِ، وهو الظاهرُ من إطلاقِ اللفظِ. مع أنه معروف من مذهبِ ابنِ عمرَ ومذهبِ أبيه عمرَ إيجاب الوضوء منَ الرعافِ، وأنه كان عندهما حدثًا منَ الأحداثِ الناقضةِ للوضوءِ إذا كان الرعاف ظاهرًا سائلًا، وكذلك كل دَمٍ سالَ منَ الجسدِ وظهرَ)). ثم
стр. 10364
ذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ الروايات القولية عن ابن عمر في هذا (١) (الاستذكار ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
[التخريج]:
[طا ٨٨ (واللفظُ لَهُ) / عب ٣٦٥٤/ أم ٣٨٩١/ شف ٦٣/ مدونة (١/ ١٤٢) (والزيادةُ لَهُ ولغيرِهِ) / مدينة (١/ ٢٩٢) / منذ ٦١/ طهور ٤١٥/ هق ٣٤٣٠/ هقع ٤١٦١/ هقخ ٦٦٤/ حنائي ٢٦٩/ نفح (٢/ ٣٢٠)].
[السند]:
رواه مالك في (الموطأ) -وعنه الشافعيُّ في (الأم) و (المسند)، ومن طريقه البيهقيُّ في (المعرفة)، و (الخلافيات) -: عن نافعٍ أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، به.
ورواه سحنون في (المدونة) عن ابنِ القاسمِ عن مالكٍ به، بالزيادةِ.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ موقوفٌ صحيحٌ، رجالُه كلُّهم أئمة ثقات.
وَصَحَّحَهُ البيهقيُّ في (السنن الكبرى ٣٤٣٠)، وفي (الخلافيات ٢/ ٣٥٣)، وابنُ حَجرٍ في (الدراية ١/ ٣٢).
وقد توبع عليه مالك:
فرواه عبدُ الرزاقِ (٣٦٥٤): عنِ ابنِ جُرَيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: ((أَنَّ ابنَ عُمَرَ رَعَفَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ، وأشارَ إِلَى وَضُوءٍ، فَأُتِيَ بِهِ
стр. 10365
فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَتَمَّ عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَ ذَلِكَ)).
وإسنادُهُ صحيحٌ.
وهناك متابعاتٌ أخرَى لمالكٍ:
فقد رواه ابنُ المنذرِ في (الأوسط ٧٨)، والبيهقيُّ في (السنن ٣٤٣٠) من طريقِ ابنِ وهبٍ، عن عبد الله بن عمر، وحنظلة بن أبي سفيان الجُمَحي، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وأسامة بن زيد [زاد ابن المنذرِ: وابن سمعان]، أن نافعًا حدَّثَهم: (أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كَانَ إِذَا رَعَفَ، انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ ... ).
стр. 10366
رِوَايَةٌ مِنْ قَوْلِ ابنِ عُمَرَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: ((إِذَا رَعَفَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، أَوْ وَجَدَ مَذْيًا؛ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ [مِنْ صَلَاتِهِ] عَلَى مَا مَضَى، مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ)).
[الحكم]: صحيحٌ موقوفٌ.
[التخريج]:
[عب ٣٦٥١ (واللفظُ لَهُ)، ٣٦٥٢ (والزيادةُ لَهُ) / ش ٥٩٥٣/ شف ٦٤/ أم ٣٨٩٣/ ثو ٣٩١/ طهور ٤١٧/ منذ ٧٨/ هقع ٤١٦٣، ٤١٦٤].
[السند]:
رواه عبد الرزاق في (المصنف ٣٦٥١) -ومن طريقه ابن المنذرِ-: عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ موقوفٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ.
وقد توبع عليه معمر:
فرواه عبد الرزاق (٣٦٥٢) عنِ ابنِ جُرَيجٍ قال: قال ابنُ شهابٍ، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، به.
ورواه الشافعيُّ في (الأم)، و (المسند)، و (السنن المأثورة) -ومن طريقه البيهقيُّ (المعرفة ٤١٦٣) - عن عبد المجيد، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، به.
стр. 10367
وإسنادُهُ صحيحٌ إن سَلِمَ من عنعنةِ ابنِ جُرَيجٍ، وقد صَرَّحَ بالتحديثِ في (السنن المأثورة)، و (المعرفة ٤١٦٣) من طريق عبد المجيد بن أبي رواد، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، قال: حدثنا ابن شهاب، به.
وعبد المجيد مِن أثبتِ الناسِ في ابنِ جُرَيجٍ. قاله الدارقطنيُّ (العلل ٦/ ١٣).
وهناك متابعة أخرى عند أبي عبيد في (الطهور ٤١٧) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عُقَيْل بن خالد، عن ابن شهاب به، وزاد: [وَوَجَدَ حَدَثًا أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ].
ولكن عبد الله بن صالح سيئ الحفظ.
ورواه ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ٥٩٥٣) من طريقِ ابنِ أبي ليلى، عن نافعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ اسْتَأْنَفَ الصَلَاةَ)).
وابنُ أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن، ضعيفٌ لسوءِ حفظه كما سبقَ مرارًا.
стр. 10368
رِوَايَةُ ((انْصَرَفَ فَغَسَلَ نُخْمَةَ دَمِهِ))، وَلَمْ تَذْكُرِ الروايةُ الوُضُوءَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ أَخْذَةَ الرُّعَافِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ- انْصَرَفَ فَغَسَلَ نُخْمَةَ دَمِهِ وَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا، ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، ولكن ذكر الوضوء أصح.
[التخريج]: [طهور ٤١٦].
[السند]:
أخرجه أبو عبيد في (الطهور ٤١٦) قال: حدثنا أبو النضر، عن الليث بن سعد، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله ثقات رجال الشيخين؛ فأبو النضر هو هاشم بن القاسم، ثقة ثبت من رجال الشيخين.
إلا أنه في هذه الروايةِ قَصَّرَ في ذكرِ الوضوءِ، وهو محفوظٌ عن نافعٍ من طريقِ مالكٍ، وأيوبَ، وحنظلةَ بنِ أبي سفيانَ، وأسامةَ بنِ زيدٍ ... وغيرِهِم.
بل رواه ابنُ وهبٍ عن الليث بن سعد به بذكر الوضوء كذلك، كما في (الأوسط لابنِ المنذرِ ٦١).
وكذا رواه الزهريُّ عن سالمٍ عنِ ابنِ عمرَ من قولِهِ بذكر الوضوء، كما تقدَّمَ.
٣٠٩٩٨، ٣٨٢٢٢ (والزياداتُ كلُّها لَهُ) / يش ١٠٣/ طس ٨١٨١/ زحم ٦٥٦/ قط ٨٧٠، ٨٧١، ١٥١١ (مختصرًا)، ١٧٥٠/ هقع ٢٢٨٧/ هق ١٦٩٣/ تعظ ٩٢٣، ٩٢٨، ٩٢٩/ سعد (٣/ ٣٥٢) / منذ ٥٨/ معر ٤٠٧، ١٩٤١، ١٩٤٢/ صحا ١٩١/ بغ ٣٣٠/ جر ٢٧١/ لك ١٥٢٨/ خلا ١٣٧١، ١٣٨١، ١٣٨٨/ إبا (إيمان ٨٧١ - ٨٧٣) / كر (٤٤/ ٤١٩)، (٤٤/ ٤٤١) / غيب ١٩٢٩/ مالك ٣٩].
[السند]:
رواه عبد الرزاق عن الثوري.
ورواه ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ٨٤٧٤)، والدارقطنيُّ في (السنن ١٥١١) من طريقِ أبي معاويةَ.
ورواه ابنُ أبي شيبةَ (٣٨٢٢٢): عن أبي أسامةَ.
ورواه الدارقطنيُّ في (السنن ١٧٥٠) من طريقِ عبدةَ بنِ سليمانَ.
كلهم: عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدَّثني سليمان بن يسار، أن المسور بن مخرمة أخبره ... فذكره به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله ثقات رجال الصحيح.
وقال ابنُ المنذرِ: "وقد ثَبَتَ أن عمرَ بنَ الخطابِ لما طُعِنَ صلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا" (الأوسط ١/ ٢٧١).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "ثَبَتَ عن عمرَ قوله: (لَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ) " (الاستذكار ٢/ ٢٨٤).
стр. 10371
وقال الهيثميُّ: "رواه الطبرانيُّ في (الأوسط) ورجاله رجال الصحيح" (المجمع ١٦٣٦).
وقال ابنُ حَجرٍ: "وقد صَحَّ أن عمرَ صلَّى وَجُرْحُهُ يَنْبُعُ دَمًا" (فتح الباري ١/ ٢٨١).
وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ في (إرواء الغليل ١/ ٢٢٥).
قلنا: وللحديثِ طرقٌ أخرَى عن المسورِ، منها:
* ما أخرجه عبد الرزاق في (المصنف ٥٨٧) -ومن طريقه المروزيُّ في (تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٨٩٣)، وغيره-: عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباسٍ، قَالَ: ((لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ احْتَمَلْتُهُ أَنَا وَنَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ، حَتَّى أَدْخَلْنَاهُ مَنْزِلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ فِي غَشْيَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّكُمْ لَنْ تُفْزِعُوهُ بِشَيْءٍ إِلَّا بِالصَّلَاةِ. قَالَ: فَقُلْنَا: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِأَحَدٍ تَرَكَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا)).
* وأخرجه ابنُ سعدٍ في (الطبقات ٣/ ٣٢٥) عنِ ابنِ عُلَيَّةَ، عن أيُّوبَ، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ؛ ((أَنَّ عُمَرَ لَمَّا طُعِنَ جَعَلَ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَقِيلَ: إِنَّكُمْ لَنْ تُفْزِعُوهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الصَّلَاةِ إِنْ كَانَتْ بِهِ حَيَاةٌ. فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، الصَّلَاةُ قَدْ صُلِّيَتْ! فَانْتَبَهَ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ هَاءَ اللهِ إِذًا، وَلَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ. قَالَ: فَصَلَّى وَإِنَّ جُرحَهُ لَيَثعَبُ دَمًا)).
قال الدارقطنيُّ: "ورواه ابنُ أبي مليكةَ عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ، وهو صحيحٌ عنه" (العلل ٢٢٧).
* وأخرجَ عبدُ الرزاقِ (٥٨٦): عنِ ابنِ جُرَيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ أَبِي مُلَيْكَةَ:
стр. 10372
((دَخَلَ ابنُ عَبَّاسٍ وَالمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ عَلَى عُمَرَ حِينَ انْصَرَفَا مِنَ الصَّلَاةِ بَعْدَ مَا طُعِنَ، فَوَجَدَاهُ لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، فَقَالَا: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: نَعَمْ، مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الإِسْلَامِ! فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا)).
وهذه الرواية ظاهرها الإرسال؛ إذ لم يسندها ابن أبي مليكة عن أحدٍ، وهو لم يدركْ عمرَ؛ ولذا قال أبو زرعةَ في حديثِهِ عن عمرَ: "هو مرسل" (جامع التحصيل، صـ ٢١٤).
ولكنها محمولةٌ على الاتصالِ بقرينة الروايات الأخرى عن ابن أبي مليكة عن المسور، كما تقدَّمَ.
* وأخرجَ محمد بنُ نصر المروزيُّ في (تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٨٩٢) قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن سليمان بن يسار أَخْبَرَهُ ((أَنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ إِذْ طُعِنَ، دَخَلَ عَلَيْهِ هُوَ وَابنُ عَبَّاسٍ ﵃، فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنْ غَدٍ فَزَّعُوهُ فَقَالُوا: الصَّلَاةَ! ! فَفَزِعَ فَقَالَ: نَعَمْ، لَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى وَالجُرْحُ يَثْعَبُ دَمًا)).
قلنا: وقد اختُلِفَ فيه على هشام بن عروة بما لا يضرُّ، فقد رواه عنه جمعٌ غفيرٌ عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن المسور، به.
وخالفهم جماعةٌ، فرووه عن هشام، عن أبيه، عن المسور. بإسقاط (سليمان).
ورواه مالكٌ في (الموطأ ٩٣): عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن المسور بن مخرمة أخبره ... به.
كذا بذكرِ صيغةِ الإخبارِ بينَ عروةَ والمسورِ.
قال الدارقطنيُّ: "وهذا لم يسمعْه عروةُ منَ المسورِ، وقد خالفَ مالكًا
стр. 10373
جماعةٌ، منهم سفيانُ الثوريُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، وحُميدُ بنُ الأسودِ، ومحمدُ بنُ بِشْرٍ العبديُّ، وعبدُ العزيزِ الدراورديُّ، وحمادُ بنُ سلمةَ ... وغيرُهُم، رووه عن هشامٍ، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن المِسورِ بنِ مَخرمةَ عن عمرَ بهذا. وهو الصوابُ، أدخلوا بين عروةَ وبينَ المسورِ (سليمان بن يسار) وهو الصوابُ. والله أعلم.
وكذلك رواه الزهريُّ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن المسورِ، عن عمرَ" (الأحاديث التي خولف فيها الإمام مالك، صـ ٨٠).
وقال في (العلل): "رواه زائدةُ، وإسماعيلُ بنُ زكريا، وعليُّ بنُ مُسْهرٍ، وأبو ضَمْرةَ، والليثُ بنُ سعدٍ، والمُفَضَّلُ بنُ فَضَالةَ، وأبو أسامةَ، وحمادُ بنُ سلمةَ، وأبو معاويةَ، وعبدةُ ... وغيرُهُم، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ.
وخالفهم مالكُ بنُ أنسٍ؛ فرواه عن هشامٍ، عن أبيه، أن المسورَ بنَ مخرمةَ أَخْبَرَهُ.
ورواه جريرٌ، وعبدُ اللهِ بنُ إدريس، وعيسى بنُ يونس، ومحمد بنُ دينار، عن هشامٍ، عن أبيه، عن المسورِ.
والقولُ قولُ زائدةَ ومَن تابعه، عن هشام، عن أبيه، عن سليمان بن يسار.
وقول مالك: (عن هشام، عن أبيه، أن المسور أخبره) وَهْمٌ منه -والله أعلم- لكثرة مَن خالفه ممن قدمنا ذكره" (العلل ٢٢٧).
ثُمَّ أَهَبَّ (أَنْبَهَ) ٢ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أُوتِيتُ! ! فَوَثَبَ [المُهَاجِرِيُّ] ١١، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ فَهَرَبَ.
فَلَمَّا رَأَى المُهَاجِرِيُّ مَا بِالأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ) ٣، أَلَا أَهْبَبْتَنِي [أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟ ! ] ١٢ قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ [مِنَ القُرْآنِ] ١٣ أَقْرَؤُهَا (أُصَلِّي بِهَا) ٤، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأَرَيْتُكَ (فَأَذَنْتُكَ) ٥، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا)).
[الحكم]: مختلفٌ فيه:
فقال الدارقطنيُّ: "إسنادُهُ صالحٌ"، وَصَحَّحَهُ: ابنُ خزيمةَ، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ -وَأَقرَّهُ البيهقيُّ-، والضياءُ المقدسيُّ، والعينيُّ.
وحَسَّنَهُ: النوويُّ، والألبانيُّ.
بينما ضَعَّفَهُ: ابنُ عبدِ الهادِي، وابنُ التركمانيِّ. وهو ظاهر صنيع الحافظ ابن حَجرٍ.
[اللغة]:
(رَبِيئَةُ القَوْمِ): "الذي يحفظُ القومَ، ويتطلعُ لهم خبرَ العدوِ لئلا يهجم عليهم". قاله ابنُ الأثير في (جامع الأصول ٧/ ٢٠٤).
[الفوائد]:
قال الخَطَّابيُّ: "وقد يَحتجُّ بهذا الحديثِ مَن لا يَرى خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين ناقضًا للطهارة ويقول: لو كان ناقضًا للطهارة، لكانت صلاة الأنصاري تَفسدُ بسيلانِ الدمِ أول ما أصابته الرمية، ولم يكن يجوز له
стр. 10376
بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو مُحْدِث. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ.
وقال أكثر الفقهاء: سيلان الدم من غير السبيلين ينقضُ الوضوءَ. وهذا أحوطُ المذهبين، وبه أقولُ.
وقولُ الشافعيِّ قويٌّ في القياسِ، ومذاهبهم أقوى في الاتباعِ.
ولستُ أدري كيف يصحُّ هذا الاستدلال من الخبر، والدمُ إذا سالَ أصابَ بدنَهُ وجلدَهُ، وربما أصابَ ثِيابَه، ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرًا لا تصحُّ الصلاةُ عند الشافعيِّ؟ !
إلَّا أن يقالَ: إن الدمَ كان يخرجُ من الجراحةِ على سبيلِ الذرق حتى لا يصيب شيئًا من ظاهر بدنه. ولئن كان كذلك فهو أمر عجب" (معالم السنن ١/ ٧٠).
[التخريج]:
[خ (تعليقًا مختصرًا تحت باب: "من لم يَرَ الوضوء إلا من المخرجين") / د ١٩٧ (والروايتان الأُولى والثانيةُ له) / حم ١٤٧٠٤ (واللفظُ لَهُ)، ١٤٨٦٥ (والزياداتُ كلُّها لَهُ، وكذا الروايتان الثالثةُ والرابعةُ) / خز ٣٧ (والروايةُ الخامسةُ لَهُ) / حب ١٠٩١/ ك ٥٦٥، ٥٦٦/ ضيا (غلق ٢/ ١١٣ - ١١٥) / جمب ١٨٩/ تخ (٧/ ٥٢ - مختصرًا) / طبت (٢/ ٥٥٨) / قط ٨٦٩/ هق ٦٧١، ٦٧٢، ١٨٤٩٢/ هقغ ٣٩/ هقخ ٦٠٤، ٦٠٥/ قيام ١٥٢/ غو (١/ ٤٣٨) / جوزي (تبصرة ١/ ٤٨٢) / غلق (٢/ ١١٣ - ١١٥)].
[السند]:
رواه أحمدُ (١٤٧٠٤) قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك،
стр. 10377
عن محمد بن إسحاق -قراءة-، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله، به.
ورواه أحمدُ (١٤٨٦٥): عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، به.
ورواه أبو داود: عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن ابن المبارك، عن ابن إسحاق، به.
ومَدَارُهُ عندَ الجميعِ على محمدِ بنِ إسحاقَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله ثقات عدا محمد بن إسحاق بن يسار، وهو إمامٌ صدوقٌ، غير أنه كان يدلسُ كما في (التقريب ٥٧٢٥)، وقد صَرَّحَ هنا بالتحديثِ فانتفت شبهة تدليسه.
وعقيل بن جابر بن عبد الله، ترجمَ له البخاريُّ في (التاريخ ٧/ ٥٢)، وابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح والتعديل ٦/ ٢١٨)، وَنَقَلَ عن أبيه أنه قال: "لا أعرفه"، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٢٧٢).
وقال الذهبيُّ: "فيه جهالةٌ" (المغني ٤١٦٠)، وكذا قال في (الميزان ٥/ ١١٠) وَزَادَ: "ما رَوى عنه غير صدقة بن يسار"، وقال في (ديوان الضعفاء ٢٨٦٣): "لا يُعْرَفُ" كذا قال.
وقد تعقبه الألبانيُّ بقولِ الحافظِ: "وقد روى جابرٌ البَيَاضيُّ عن ثلاثةٍ من ولدِ جابرٍ عن جابرٍ. فيحصل لنا راوٍ آخر -وإن كان ضعيفًا- عن عقيلٍ مع صدقة؛ لأن جابرًا له ثلاثة أولاد رووا الحديث: هذا وعبد الرحمن ومحمد" (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٥٣)، و (صحيح أبي داود ١/ ٣٥٧).
стр. 10378
وهكذا وَقَعَ في المصدرين: "جابر البياضي"، والظاهرُ أن فيه سقطًا، والصواب: "أبو جابر البياضي"، وهو كذَّابٌ، وليس ضعيفًا فقط!
وقد قال ابنُ حَجرٍ نفسُه: "وعقيل لا أعرفُ راويًا عنه غير صدقة؛ ولهذا لم يجزمْ به المصنف، أو لكونه اختصره، أو للخلافِ في ابنِ إسحاقَ" (الفتح ١/ ٢٨١).
وقال أيضًا: "عقيل بن جابر لم يَرْوِ عنه سوى صدقة، وذَكَره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات) على عادتِهِ فيمن لم يجرح وروى عنه ثقة. وتعليق أبي عبد الله له بصيغةِ التمريضِ إما لكونه اختصره، وإما للاختلافِ في ابنِ إسحاقَ وما انضاف إليه من عدم العلم بعدالة عقيل. والله أعلم" (تغليق التعليق ٢/ ١١٦).
ولَخَّص الحافظُ حالَهُ بقوله: "مقبولٌ" (التقريب ٤٦٥٩) يعني حيثُ يُتابَعُ وإلَّا فلَيِّنٌ، ولم يُتَابعْ عليه.
وبه ضَعَّفَ الحديثَ ابنُ عبدِ الهادِي فقال عقبه: "وعقيل بن جابر فيه جهالة" (تنقيح التحقيق ١/ ٢٩٢).
وقال ابنُ التركمانيِّ: "ابنُ إسحاقَ معروفُ الحالِ، وفي (الضعفاء) للذهبيِّ: أن عقيلًا هذا لا يُعْرَفُ" (الجوهر النقي ١/ ١٤٠).
ولعلَّ لذلك علَّقه البخاريُّ في (صحيحه ١/ ٤٦) بصيغةِ التمريضِ، تحتَ: (بَابِ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ = مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ)، حَيْثُ قَالَ: ((وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ)).
قلنا: ولقائلٍ أن يقولَ: إن الأمرَ في عقيل لم يَقِفْ عند مجردِ ذِكرِ ابنِ حِبَّانَ
стр. 10379
لعقيل في (الثقات)، بل انضمَ إلى ذكر ابنِ حِبَّانَ له في (ثقاته) أمور أخرى تقوي وتشد من حال عقيل، منها:
أولًا- قول الحاكم: "عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري أحسن حالًا من أخويه محمد وعبد الرحمن" (المستدرك ١/ ٥١٣)، وَأَقرَّهُ البيهقيُّ في (الخلافيات ٢/ ٣١٦، ٣١٧).
قلنا: وأخوه عبد الرحمن ثقة من رجال الشيخين (التقريب ٣٨٢٥)، وقد صَحَّحَ له الحاكمُ غير ما حديث. وأما محمدٌ فصدوقٌ (التقريب ٥٧٧٨).
إذن فأقلُّ أحوالِ عقيل عند الحاكمِ أن يكون ثقة.
ثانيًا- تصحيحُ ابنِ خُزيمةَ وابنِ حِبَّانَ لحديثِهِ هذا حيثُ أخرجاه في الصحيح. وكذا قول الحاكم أيضًا: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ... وهذه سنةٌ ضيقةٌ قدِ اعتقدَ أئمتُنا بهذا الحديثِ أن خروجَ الدمِ من غيرِ مخرجِ الحَدَثِ لا يوجبُ الوضوءَ" (المستدرك ١/ ٥١٣).
ونقل البيهقيُّ تصحيحَ شيخِهِ الحاكمِ، وَأَقرَّهُ في (الخلافيات ٢/ ٣١٦، ٣١٧).
وأخرجه الضياءُ في (المختارة) -كما في (تغليق التعليق ٢/ ١١٤ - ١١٥) -، فهو صحيح على شرطه.
والتصحيحُ فرعُ التوثيقِ كما هو مقررٌ؛ ولذا قال العظيمُ آبادي: "وعقيل بن جابر الراوي قد وَثَّقَهُ ابنُ حِبَّانَ، وصَحَّحَ حديثَه هو وابنُ خُزيمةَ والحاكمُ، فارتفعتْ جهالتُه وصارَ حديث جابر صالحًا للاحتجاجِ" (عون المعبود ١/ ٢٣٢).
ولا يقالُ: إن هؤلاءِ متساهلون؛ لأننا اعتبرنا مجموع هذه الأمور، ولم
стр. 10380
نعتمدْ تصحيحَ أحدِهما مجردًا عن صنيعِ إمامٍ آخرَ يعضد صنيعه.
ثالثًا- قولُ الدارقطنيِّ: "إسنادُهُ صالحٌ"، نقله ابنُ عبدِ الهادِي في (التنقيح ١/ ٢٩٣) (١).
رابعًا- أن عقيلًا معروفُ النسبِ، فهو ابنُ الصحابيِّ الجليلِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ، فهو من أولاد الصحابة، ولا يُعْرَفُ فيه جرحٌ. ورواية الثقة عنه تقوي أمره، كما قرَّرَه أبو حاتم وأبو زرعة وغيرُهُما. وصدقة بن يسار الراوي عنه ثقة من رجال الصحيح.
فإذا انضافَ لذلك توثيق ابنِ حِبَّانَ، وتصحيح أئمة آخرين لحديثه -كابنِ خُزَيمةَ وغيرِهِ- فلا يقالُ في مثلِهِ أبدًا: (مجهول).
وأبو حاتم لم يحكمْ عليه بالجهالةِ بل قال: "لا أعرفه"، وهذا لا يضرُّهُ إذا كان غير أبي حاتم قد عرَفه واحتجَّ بحديثِهِ. والله أعلم.
ولذا قال النوويُّ: "رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ، واحتجَّ بِهِ أبو داود" (المجموع ٢/ ٥٥).
وَصَحَّحَهُ العينيُّ في (عمدة القاري ٣/ ٥٠)، وفي (شرح سنن أبي داود ١/ ٤٥٥).
وقال الألبانيُّ: "إسنادُهُ حسنٌ" (صحيح أبي داود ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
هذا، والله تعالى أعلم.
فَقَالَ عَمَّارٌ: يَا أَخِي، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُوقِظَنِي بِهِ فِي أَوَّلِ سَهْمٍ رَمَاكَ بِهِ؟ ! قَالَ كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، وَهِيَ الكَهْفُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهَا، فَلَوْلَا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ أُضَيِّعَ ثَغرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، مَا انْصَرَفْتُ وَلَوْ أُتِيَ عَلَى نَفْسِي".
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[اللغة]: قوله: (رَبِيئَةُ القَوْمِ) هُوَ طَلِيعَتُهُمْ وَرَقِيبُهُمْ (شرح مسلم للنووي ١٥/ ٤٨). وفي (لسان العرب ١/ ٨٢): "والرَّبِيئةُ: الطليعةُ، وَإِنَّمَا أَنَّثوه لأَن الطَلِيعةَ يُقَالُ لَهُ العَيْنُ إِذْ بعَيْنهِ ينْظُرُ، وَالعَيْنُ مؤَنثة ... وَهُوَ العَيْنُ والطَّلِيعةُ الَّذِي يَنْظُرُ لِلْقَوْمِ لِئَلَّا يَدْهَمَهُم عدُوٌّ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى جَبَلٍ أَو شَرَف يَنْظُرُ مِنْهُ".
[التخريج]:
[واقدي (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧) / هقل (٣/ ٣٧٨، ٣٧٩) / غو (١/ ٤٣٩)].
[السند]:
رواه الواقدي في (المغازي) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الدلائل)، وابن بشكوال في (غوامض الأسماء) - قال: حدثنا عبد الله بن (عمر) (١)، عن أخيه، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن أبيه، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ الواقديُّ متروكٌ متهمٌ بالكذبِ والوضعِ، كما تقدَّمَ
стр. 10383
مرارًا.
وشيخُه عبد الله بن عمر هو العمريُّ، ضعيفٌ.
وقد روى هذا الحديثَ غيرُ واحدٍ عن العمريِّ، وكذا عن أخيه بإسنادِهِ، ووقفوا بمتنه عند صلاة الخوف، ولم يذكروا هذه القصة التي زادها الواقدي.
كما أن إسنادَ العمريِّ هذا معلولٌ. وقد بَيَّنَّا ذلك في (أبواب صلاة الخوف) من (موسوعة الصلاة).
стр. 10384
٢٣٦٤ - حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا:
◼ عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ: ((أَنَّهُ رَأَى ابنَ عُمَرَ عَصَرَ بَثرَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَفَتَّهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: صحيح. وَصَحَّحَهُ: ابنُ حَجرٍ، والعينيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[خ (تعليقًا تحت باب: "مَن لم يَرَ الوضوء إلا مِن المَخْرَجَين") / عب ٥٥٩/ ش ١٤٧٨/ هق ٦٧٥/ هقع ١١٥٤/ هقخ ٦٠٨/ منذ ٦٥/ أثرم ١١٤/ تمهيد (٢٢/ ٢٣١)].
[السند]:
أخرجه عبد الرزاق في (المصنف): عن ابن التيمي عن أبيه وحميد الطويل، قالا: حدثنا بكر بن عبد الله المزني أنه رأى ابن عمر ... به.
ابن التيمي هو معتمر بن سليمان بن طَرْخان التيمي.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات رجال الشيخين.
والأثرُ صَحَّحَهُ ابنُ حَجرٍ في (فتح الباري ١/ ٢٨٢)، والعينيُّ في (عمدة القاري ٣/ ٥٢)، والألبانيُّ في (الضعيفة ١/ ٦٨٣).
стр. 10385
٢٣٦٥ - حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى مَوْقُوفًا:
◼ عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ قَالَ: ((رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ أَبِي أَوْفَى بَصَقَ دَمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: صحيحٌ. وَصَحَّحَهُ: ابنُ حَجرٍ، والعينيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[خ (تعليقًا تحت باب: "من لم يَرَ الوضوء الا من المخرجين") / عب ٥٧٧/ ش ١٣٤٣/ منذ ٦٣/ غحر (٣/ ١٢١٦) / أثرم ١١١/ تمهيد (٢٢/ ٢٣١)].
[السند]:
أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) عن الثوري وابن عيينة، عن عطاء بن السائب، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات.
وعطاء بن السائب وإن كان اختلطَ وساءَ حفظه في آخرِ عُمره، إلا أن سفيانَ الثوريَّ ممن روى عنه قبلَ الاختلاطِ، كما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ (تهذيب الكمال ٢٠/ ٩٠).
ولذلك قال الحافظُ: "وسفيانُ سَمِعَ من عطاءٍ قبلَ اختلاطه، فالإسنادُ صحيحٌ" (الفتح ١/ ٢٨٢).
وقال العينيُّ: "ورواه ابنُ أبي شيبةَ في (مصنفه) بسندٍ جيدٍ" (عمدة القاري ٣/ ٥٢).
وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ في (الضعيفة ١/ ٦٨٣).
وَضَعَّفَهُ ابنُ حَزمٍ، والبيهقيُّ وحَكَم عليه بالاضطراب.
وتَوَقَّفَ فيه: الدارقطنيُّ، وابن المنذرِ.
[الفوائد]:
هذا الحديثُ لو صَحَّ ليس فيه دلالة على وجوبِ الوضوءِ من القيءِ البتةَ. وأكثر ما فيه -مع البعد- أن يكون دليلًا على الاستحبابِ.
* قال ابنُ المنذرِ: "وليس يخلو هذا الحديث من أحدِ أمرين:
إما أن يكون ثابتًا، فإن كان ثابتًا فليس فيه دليل على وجوب الوضوء منه؛ لأن في الحديثِ أنه تَوَضَّأَ، ولم يَذكرْ أنه أَمَرَ بالوضوءِ منه، كما أَمَرَ بالوضوءِ من سائرِ الأحداثِ.
وإن كان غير ثابت فهو أبعد من أن يجب به فرض ... فإن ثبتَ الحديث لم يوجب فرضًا؛ لأن النبيَّ ﷺ لم يأمرْ به فيما نعلم. والله أعلم" (الأوسط ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
* وكذا قال ابنُ حَزمٍ: "ثُمَّ لو صَحَّ لما كان لهم فيه متعلق؛ لأنه ليس فيه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((مَنْ تَقَيَّأَ فليَتَوَضَّأْ))، ولا أنَّ وضوءَه ﵇ كان من أجلِ القيءِ" (المحلى ١/ ٢٥٨).
* وقال شيخُ الإسلامِ: "قد استُدلَّ به على وجوبِ الوضوءِ منَ القيءِ، ولا يدلُّ على ذلك؛ فإنه إذا أرادَ بالوضوءِ الوضوءَ الشرعي، فليس فيه إلا أنه تَوَضَّأَ. والفعلُ المجردُ لا يدلُّ على الوجوبِ، بل يدلُّ على أن الوضوءَ من ذلك مشروع. فإذا قيل: إنه مستحبٌّ، كان فيه عمل بالحديث" (مجموع الفتاوى ٢٥/ ٢٢٢).
стр. 10388
* قلنا: ولكن قال أبو الطيبِ السنديُّ في (شرح الترمذي) بناءً على الروايةِ التي وَقَعَتْ له، وهي بلفظ: ((قَاءَ فَتَوَضَّأَ)) (١): "الفاء تدلُّ على أن الوضوءَ كان مرتبًا على القيءِ وبسببه، وهو المطلوبُ، فتكون هي للسببيةِ. فيندفعُ به ما أجابَ به القائلون بعدمِ النقضِ من أنه لا دلالةَ في الحديثِ على أن القيءَ ناقضٌ للوضوءِ؛ لجوازِ أن يكون الوضوءُ بعد القيءِ على وجهِ الاستحبابِ أو على وجهِ الاتفاقِ" انتهى.
* فتعقبه المباركفوريُّ بقوله: "قلتُ: قوله: (قَاءَ فَتَوَضَّأَ) ليس نصًّا صريحًا في أن القيءَ ناقضٌ للوضوءِ؛ لاحتمال أن تكون الفاء للتعقيب من دون أن تكون للسببية" (تحفة الأحوذي ١/ ٢٤٣)، وانظر بقيةَ كلامه فيما يأتي.
* وقال الشيخُ أحمد شاكر -معلقًا على كلامه هذا-: "ولو كانتِ الفاءُ للسببيةِ لم تدل أيضًا على نقضِ الوضوءِ أو الصوم بالقيء؛ لأنه قد يَتَوضَّأُ الإنسانُ بعده من أجلِ النظافةِ وإزالةِ القذرِ الذي يبقى في الفمِ والأنفِ وعلى بعضِ الأعضاءِ. وقد يفطر لما ينوبه من الضعفِ والتراخي مما لا يستطيع معه احتمال مشقة الصوم أو خشية الضرر والمرض، فالقيءُ سببٌ لهما، ولكنه سببٌ عادي طبيعي ولا يكون سببًا شرعيًّا إلا بنصٍّ صريحٍ منَ الشارعِ" (حاشيته على الجامع ١/ ١٤٦).
* ثم قال المباركفوريُّ أيضًا: "الاستدلال بحديث الباب موقوف على أمرين:
الأول: أن تكون الفاء في (فَتَوَضَّأَ) للسببية، وهو ممنوع كما عرفتَ.
والثاني: أن يكون لفظ (فَتَوَضَّأَ) بعد لفظ (قاءَ) محفوظًا، وهو محلُّ تأمُّلٍ؛
стр. 10389
فإنه روى أبو داود هذا الحديث بلفظ: (قَاءَ فَأَفْطَرَ)، وبهذا اللفظِ ذكره الترمذيُّ في كتاب الصيام ... وأورده الشيخُ ولي الدين محمد بن عبد الله في (المشكاة) بلفظ: (قَاءَ فَأَفْطَرَ) ... وأورده الحافظُ في (التلخيص) بهذا اللفظ ... ورواه الطحاويُّ بهذا اللفظ في (شرح الآثار).
فمَن يرومُ الاستدلالُ بحديثِ البابِ على أن القيءَ ناقضٌ للوضوءِ- لا بدَّ له من أن يُثبتَ أن لفظَ (تَوَضَّأَ) بعد لفظ (قَاءَ) محفوظ.
فما لم يَثبتْ هذان الأمران لا يتم الاستدلال" (تحفة الأحوذي ١/ ٢٤٣).
وَأَقرَّهُ الشيخُ أحمد شاكر -رغم إثباته هذه اللفظة في أصلِ المتنِ- فقال: "ونحن نوافقه على أنه غير محفوظ في اللفظِ، ولكنه على كلِّ حالٍ ثابتٌ في المعنى؛ لأن قولَ ثوبانَ تصديقًا لأبي الدرداء: ((صَدَقَ، أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ)) دليلٌ على أن الوضوءَ مذكورٌ في أصلِ الحديثِ وإن اختُصرَ في الروايةِ؛ لأن ثوبانَ يؤكِّد الرواية بأنه هو الذي صَبَّ له الوضوء بعد القيء" (حاشيته على الجامع ١/ ١٤٥، ١٤٦).
قلنا: ويؤيدُ ذلك رواية معمرٍ للحديثِ بلفظ: ((اسْتَقَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفْطَرَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ))، ولكنها روايةٌ شاذَّةٌ (١).
على أنه قد جاءَ متنُ الحديثِ بلفظ: ((قَاءَ فَتَوَضَّأَ)) في روايةِ ابنِ الجوزيِّ له في (التحقيق ١٩٤) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الصمد بن عبد الوارث بإسنادِهِ كما سيأتي، وكذا عزاه لأحمدَ غيرُ واحدٍ. والذي في (المسندِ) وعامة المصادر من هذا الطريق وغيره- إنما هو بلفظ: ((قَاءَ
стр. 10390
فَأَفْطرَ)) (١).
وفي (سنن الأثرم ١٠٥) أنه قال: "قلتُ لأبي عبد الله: فيكون قول ثوبان: ((أَنَا صَبَبْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَضُوءَهُ)) توكيدًا لقولِ أبي الدرداء في الفطرِ من القيءِ؟ فذهبَ إلى أنه توكيدٌ للوضوءِ".
[التخريج]:
[د ٢٣٦٩ (واللفظُ لَهُ) / كن ٣٣٠٤ - ٣٣١٢/ حم ٢١٧٠١، ٢٢٣٨١، ٢٧٥٠٢، ٢٧٥٣٧/ مي ١٧٥٤/ خز ٢٠٤٤ - ٢٠٤٦/ حب ١٠٩٧/ جا ٨/ ك ١٥٧٣ - ١٥٧٥ (مختصرًا) / ش ٩٢٩٢/ مش ٣٠/ بز ٤١٢٣/ طس ٣٧٠٢/ علحم ٥٥٣٥/ علت ٥٧/ طوسي ٧٠/ طح (٢/ ٩٦/ ٣٤٠٣، ٣٤٠٤) / مشكل ١٦٧٤ - ١٦٧٦/ ني ٦٠٩/ سط (١/ ٢١٨) / منذ ٨٢/ قط ٥٩٠ - ٥٩٣، ٢٢٥٨/ هق ٦٧٩، ٨١٠٩/ هقخ ٦٥٩، ٦٦٠/ كك (ق ١٠/أ) / عمر (١/ ١٤٧) / تمام ٩٣٧، ٩٣٨/ صحا ١٤١٢/ بغ ١٦٠/ كر (١١/ ١٦٧)، (٥٩/ ٣٣٨، ٣٣٩) / خبر (١/ ٤٤١)].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ مدارُه على يحيى بن أبي كثير، واختُلِفَ عليه فيه:
فرواه عنه أربعةٌ من أصحابه، واختُلفَ فيه على ثلاثةٍ منهم أيضًا.
أولًا- طريق حسين المعلم: رواه عنه عبد الوارث بن سعيد، وعن عبد الوارث اثنان: ابنُه عبدُ الصمدِ وأبو مَعْمَر المُقْعَد، واختُلف عليهما في سنده.
стр. 10391
فأما طريق عبد الصمد: فرواه:
- أحمدُ في (المسند ٢٧٥٠٢) -ومن طريقه ابنُ الجوزيِّ في (التحقيق ١٩٤)
- والدارميُّ (١٧٥٤).
- وأبو عُبيدةَ بنُ أبي السَّفَر، عند الترمذيِّ في (العلل الكبير ٥٧) (١)، والطوسيِّ في (المستخرج ٧٠)، والبيهقيِّ في (الخلافيات ٦٦٠).
- وعمرُو بنُ عليٍّ الفلاسُ، عند النسائيِّ في (الكبرى ٣٣٠٥).
- ومحمد بنُ يحيى القُطَعِيُّ، والحسينُ بنُ عيسى البِسطاميُّ، عند ابن خزيمة (٢٠٤٤).
- ومحمد بنُ يحيى الذهليُّ، عند ابنِ الجارود (٨).
- وإبراهيم بن مرزوق، عند الطحاويِّ في (المشكل ١٦٧٥) و (شرح معاني الآثار)، وابنِ المنذرِ في (الأوسط ٨٢).
- والعباسُ بنُ يزيدَ البحرانيُّ، عند الدارقطنيِّ في (السنن ٥٩٠).
- ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ الواسطيُّ، عند الدارقطنيِّ في (السنن ٥٩٠)، والبيهقيِّ في (الكبرى ٦٧٩).
- وإبراهيم بن يعقوب الجوزجانيُّ، عند الحاكمِ في (الأسامي والكنى ق ١٠/أ).
стр. 10392
- وفضلُ بنُ درهم، عند بحشل في (تاريخ واسط ١/ ٢١٨، ٢١٧).
- وزُهيرُ بنُ حربٍ، وزنجوية اللباد، عند ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٥٩/ ٣٣٩).
جميعهم: عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن (١) بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد (٢)، عن أبيه، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، به.
وقال إسحاق بن منصور والفلاس في روايتِهِما: "معدان بن طلحة"، قال الترمذيُّ: "وابن أبي طلحة أصح"، وقال النسائيُّ: "الصواب: معدان بن أبي طلحة".
ومن هذا الطريقِ أثبتَ الإمامُ أحمدُ الحديثَ، واحتجَّ بِهِ.
قال الأثرمُ: "سألتُ أبا عبد الله عن الوضوء من القيء، فقال: نعم، يتوضَّأ. قلتُ: على إيجاب الوضوء؟ قال: نعم. واحتجَّ بحديثِ ثوبانَ: ((أَنَا صَبَبْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَضُوءَهُ)). قلتُ له: هو يَثبتُ عندك؟ قال: نعم. قلت له: إنهم يضطربون في هذا الحديث. فقال: حسين المعلم يُجوده. قلت له:
стр. 10393
هو يقول: (عن عبد الله بن عمرو الأوزاعي)! فقال: عبد الله وعبد الرحمن واحد. قلتُ له: يعيش بن الوليد معروف؟ قال: "قد رُوِيَ عنه". قلتُ له: فأبوه؟ قال: "أبوه معروفٌ؛ سمع منه ابنُ عيينةَ، قال: حدثني الوليد بن هشام المُعَيْطي، وكان عامل عمر بن عبد العزيز" (سنن الأثرم ١٠٥).
وبمثل قول أحمد: "حسين المعلم يُجوده"، قال البخاريُّ أيضًا، فقال الترمذيُّ: "سألتُ محمدًا عن هذا الحديثِ فقال: "جَوَّد حسين المعلم هذا الحديث" (علل الترمذي ١/ ٥١/ ٥٧).
وكذا قال الترمذيُّ: "وقد جَوَّد حسين المعلم هذا الحديثَ، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب" (السنن ٨٨).
وقال الدارقطنيُّ: "إن كان حسين حفظه فهو صحيح" (موافقة الخُبر الخَبر ١/ ٤٤٢).
وقال ابنُ حَجرٍ -عقب هذا الطريق-: "هذا حديثٌ صحيحٌ" (موافقة الخبر الخبر ١/ ٤٤١).
وخالف الجماعة: أبو موسى الزَّمِن محمد بن المثنى، وأبو قلابة عبد الملك بن محمد الرَّقَاشي:
فرواه النسائيُّ في (الكبرى ٣٣٠٦)، وابن خزيمة (٢٠٤٤) -وعنه ابنُ حِبَّانَ (١٠٩٢) -: عن أبي موسى.
ورواه الحاكم في (المستدرك ١٥٧٣)، وفوائد تمام (٩٣٧)، والبغويُّ في (شرح السنة ١٦٠) من طريق أبي قِلَابة الرَّقَاشي -قرَنه الحاكمُ بأبي موسى-.
كلاهما عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم،
стр. 10394
عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو (١) الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن مَعْدَان، عن أبي الدرداء، به. كذا دون ذكر أبيه.
قال ابنُ خزيمةَ: "والصوابُ ما قال أبو موسى، إنما هو يعيش، عن معدان، عن أبي الدرداء"، ثم رواه من طريق حرب بن شداد وهشام الدستوائي بمثل رواية أبي موسى، ثم قال: "فبرواية هشام، وحرب بن شداد عُلِمَ أن الصوابَ ما رواه أبو موسى، وأن يعيش بن الوليد سمعَ من معدان، وليس بينهما أبوه".
وكذا قال الحاكمُ عقبَ روايةِ أبي موسى والرقاشيِّ: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخين، ولم يخرجاه لخلافٍ بين أصحابِ عبدِ الصمدِ فيه، قال بعضُهم: (عن يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان) وهذا وهم عن قائله، فقد رواه حربُ بنُ شدادٍ وهشامٌ الدستوائيُّ عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ على الاستقامةِ".
قلنا: سيأتي أنه قد اختُلِفَ في ذلك أيضًا على حربٍ وهشامٍ، غير أن الصوابَ عنهما ما رجَّحه ابنُ خُزَيمةَ والحاكمُ، فيكون ذِكر والد يعيش منَ المزيدِ في متصلِ الأسانيدِ. وعلى القولِ بأن ذكره محفوظ فيه فلا يضرُّ أيضًا؛ لأنه ثقة.
وأما طريقُ أبي مَعْمَرٍ المقعد - عبد الله بن عمرو المنقري- عن عبد الوارث بن سعيد، فقد اختُلِفَ عليه في ذكر والد يعيش أيضًا:
فرواه أبو داود في (السنن ٢٣٦٩).
стр. 10395
ومحمد بن إبراهيم بن جَنَّادٍ، كما عند الدارقطنيِّ في (السنن ٥٩٣، ٢٢٥٨) والبيهقيِّ في (الكبرى ٨١٠٩).
ومحمد بن علي بن ميمون الرَّقِّي، كما عند النسائيِّ في (الكبرى ٣٣٠٤).
ويوسف بن موسى القطان كما عند الدارقطنيِّ في (السنن ٥٩١)، وفوائد تمام (٩٣٨).
وأحمد بن منصور الرمادي، وأحمد بن محمد بن عيسى البِرْتي القاضي، كما عند الدارقطنيِّ في (السنن ٥٩١).
جميعهم عن أبي معمر المقعد، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن أبيه، عن مَعْدَان، عن أبي الدرداء، به.
ورواه إبراهيم بن أبي داود، كما عند الطحاويِّ في (شرح مشكل الآثار ١٦٧٦)، و (شرح معاني الآثار ٣٤٠٤).
وعثمان بن عمر الضَّبِّي، كما عند الطبرانيِّ في (الأوسط ٣٧٠٢).
وإبراهيم الحربي، كما عند أبي نعيم في (معرفة الصحابة ١٤١٢).
ثلاثتهم عن أبي معمر، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو (١) الأوزاعي، عن يعيش
стр. 10396
ابن الوليد، عن معدان، عن أبي الدرداء، به. لم يذكروا فيه والد يعيش.
ثانيًا- طريق هشام الدَّسْتُوائي:
رواه هشام عن يحيى، واختَلِفَ عليه أصحابه، وهم:
١ - النضر بن شُمَيْل: رواه عنه عبدة المروزي -وهو صدوق-، وسليمان المصاحفي -وهو ثقة-، واختلفا في إسنادِهِ:
فرواه النسائيُّ في (الكبرى ٣٣٠٧) عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي، عن النضر بن شُميل، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن معدان، عن أبي الدرداء، به.
ورواه النسائيُّ في (الكبرى ٣٣٠٨) عن سليمان بن سَلْم، قال: أنبأ النضر، قال: أنبأ هشام، عن يحيى، عن رجلٍ، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن أبي معدان، عن أبي الدرداءِ، به.
كذا أبهم فيه شيخ يحيى -وهو محفوظ عن هشام كما سيأتي-، وقال: "عَنْ أَبِي مَعْدَانَ"، وهو خطأٌ كما سيصَرَّحَ به غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ.
٢ - يحيى القطان: رواه بنحو رواية المصاحفي إلا أنه زاد فيه والد يعيش:
فرواه ابنُ عساكر في (تاريخه ١١/ ١٦٧) من طريق مُسَدَّد، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل، عن يعيش بن الوليد، عن الوليد بن هشام، عن أبي معدان، به.
كذا بإثبات والد يعيش.
قال ابنُ عساكر بإثره: "الصواب عن معدان. والرجلُ الذي لم يُسَمَّ هو الأوزاعيُّ. وهذا يَدخلُ في رواية الأكابر عن الأصاغر".
стр. 10397
٣ - معاذ بن هشام:
رواه النسائيُّ في (الكبرى ٣٣١١) عن أبي قدامة السرخسي، عن معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن يحيى، قال: حدثني رجلٌ من إخواننا، عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء نحوه.
كذا قال: "خالد بن معدان"! وانظر له كلامنا على طريق معمر.
٤ - محمد بن أبي عدي:
رواه النسائيُّ في (الكبرى ٣٣١٢) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام، عن يحيى، قال: حدثني رجلٌ من إخواننا عن يعيش بن الوليد، أن ابن معدان أخبره أن أبا الدرداء أخبره به.
كذا قال: "ابن معدان"! .
٥ - عبد الرحمن بن عثمان البكراوي:
رواه ابنُ خُزَيمةَ (٢٠٤٦) -ومن طريقه الحاكمُ في (المستدرك ١٥٧٥) -: عن بُندار، عن عبد الرحمن البكراوي، نا هشام الدستوائي، عن يحيى، قال: حدثني رجلٌ من إخواننا -يريدُ الأوزاعيَّ-، عن يعيش بن هشام، أن معدانَ أخبره أن أبا الدرداء أخبره، به.
كذا قال: "عن يعيش بن هشام"، نسبه إلى جَده كما قال ابنُ خُزَيمةَ، وابنُ خُزَيمةَ هو القائل: "يريدُ الأوزاعيَّ" كما صَرَّحَ به الحاكمُ في (المستدرك).
٦ - عبد الوهاب بن عطاء، واختُلف عليه فيه:
رواه الطحاويُّ في (مشكل الآثار ١٦٧٤)، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى الهَمْداني، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدثنا هشام
стр. 10398
-يعني الدستوائيَّ-، عن يحيى -يعني ابنَ أبي كثير-، عن رجلٍ، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن معدان، عن أبي الدرداء، به.
قال الطحاويُّ: "فكان في هذا الحديثِ سكوت هشام عن تسمية الرجل الذي حدَّثه يحيى بنُ أبي كثير بهذا الحديثِ عنه، وهو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي".
وأبو غسان ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٩/ ١٦٦) وقال: "مستقيمُ الحديثِ".
وخالفه محمد بن إسحاق الصغاني -وهو ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ-:
فرواه البيهقيُّ في (الخلافيات ٦٥٩) عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا هشام الدستوائي، عن يعيش بن الوليد، عن ابن معدان، عن أبي الدرداء، به.
فأسقط منه يحيى وشيخه، وقال فيه: "عن ابن معدان"، وهذا الوجهُ غريبٌ جدًّا.
٧ - عبد الصمد بن عبد الوارث:
رواه ابنُ عساكر في (تاريخ دمشق ٥٩/ ٣٣٩) من طريق محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل، عن يعيش بن الوليد بن هشام، أن معدان أخبره أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ ... الحديث.
كذا أسقط منه "أبا الدرداء"!
بينما قال البيهقيُّ: "ورواه عبد الصمد، عن هشام، عن يحيى، عن رجل، عن يعيش، عن الوليد بن هشام، عن ابن معدان [عن أبي الدرداء ﵁] "
стр. 10399
(الخلافيات ٢/ ٣٤٩).
كذا جاء في المطبوع ذِكر أبي الدرداء بين معقوفين؛ إشارة إلى أنها زيادة، ولم يبين المحقق هل زادها من اجتهاده؟ ! أم من نسخة ما؟ ! ولم ترد هذه الزيادة في (المختصر ١/ ٣١١)!
فأما قوله: "يعيش عن الوليد"، فيحتمل في "عن" مثل ما ذكرناه في رواية القطان، لاسيما أن هذه الطبعة أخطاء كثيرة في النسخ كما بَيَّنَّاهُ في غير ما موضع.
٨ - يزيد بن هارون، واختُلف عليه فيه:
فرواه ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ٩٢٩٢)، وفي (المسند ٣٠).
وإبراهيم بن يعقوب الجوزجانيُّ، كما عند النسائيِّ في (الكبرى ٣٣٠٩).
وسفيان بن وكيع، كما عند الروياني (٦٠٩).
وأبو خيثمة زهير بن حرب، كما عند ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٥٩/ ٣٣٨).
خمستهم: عن يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش، عن معدان، به.
ووَقَعَ في (مسند ابن أبي شيبةَ) خلافًا لـ (المصنف): "ابن معدان"! !
وقريب منه ما رواه النسائيُّ في (الكبرى ٣٣١٠) عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية -وهو ثقة حافظ- عن يزيد به، وقال فيه: "خالد بن معدان"! ! ، وسيأتي الكلام عليه تحت طريق معمر.
فقد اتفقَ هؤلاء على إسقاطِ شيخِ يحيى؛ ولذا قال ابنُ عساكر -عقب رواية
стр. 10400
زهير-: "قد أسقطَ منه رجلًا بين يحيى ويعيش، وهو الأوزاعي" (التاريخ ٥٩/ ٣٣٩).
وقد خالفهم الحارثُ بنُ أبي أسامةَ في روايتِهِ عن يزيدَ، كما عند أبي نُعَيمٍ في (معرفة الصحابة ١٤١٢) فرواه من طريقِ الحارثِ، عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن هشامٍ الدستوائيِّ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن معدان، به.
والمحفوظُ عن يزيدَ إسقاطه، وكذا أسقطه غيره كما يلي:
٩ - إسماعيل ابن عُلَيَّة:
رواه أحمدُ في (المسند ٢١٧٠١، ٢٢٣٨١)، وفي (العلل رواية عبد الله ٥٥٣٥)، عن إسماعيل، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن مَعْدَان، به.
ولكن وَقَعَ في الموضع الأول من (المسند): "عن ابن معدان، أو معدان"، وفي (العلل): "عن ابن معدان".
قال أحمدُ: "إنما رواه يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن معدان، عن أبي الدرداء" (العلل).
١٠ - يزيد بن زُرَيْع:
رواه يزيد بن زريع، عن هشام، عن يحيى، عن يعيش، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، به. كذا عَلَّقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٢/ ٣٥٠)، ولم نجدْهُ مسندًا، وانظر طريقَ معمرٍ.
وخلاصةُ الخلافِ على هشامٍ الدستوائيِّ:
- أن جماعةً من أصحابِهِ أبهموا شيخَ يحيى، وهم: (النضر -على الراجحِ