فأمَّا قولُهُ: ((يَا عَلِيُّ، إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي))، فيشهدُ له ما أخرجه أحمدُ (١١٥٤) بسندٍ حسَنٍ أن النبيَّ ﷺ قال لعليٍّ ﵁: ((لَسْتُ أَرْضَى لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي)).
وأمَّا النهيُ عن القراءةِ في الركوعِ والسجودِ، فأخرجه مسلمٌ (٤٨٠) من حديثِ عليٍّ ﵁، وأخرجه مسلمٌ أيضًا (٢٠٧٨) من حديثِهِ، وفيه: ((النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ، وَعَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ)).
وعندَ البخاريِّ منه ((النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ)) من حديثِ البَراء ﵁.
وأخرجَ مسلمٌ أيضًا (٢٠٩٥) من حديثِ عليٍّ ﵁ في ((النَّهْيِ عَنِ التَّخَتُّمِ فِي الوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا -يَعْنِي: السَّبَّابَةَ)).
وأمَّا ((النَّهْيُ عَنِ افْتِرَاشِ السَّبُعِ))، فله شاهدٌ عندَ مسلمٍ (٤٩٨) من حديثِ عائشةَ ﵂.
وأمَّا ((النَّهْيُ عَنْ عَقْصِ الشَّعَرِ فِي الصَّلَاةِ))، فله شاهدٌ عند مسلمٍ (٤٩٢) من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄.
وأمَّا ((النَّهْيُ عَنْ إِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الكَلْبِ))، فله شاهدٌ من حديثِ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (٨٠٩١) وسندُهُ ضعيفٌ، لكن أخرجَ مسلمٌ (٤٩٨) من حديثِ عائشةَ ﵂ في صفةِ صلاةِ النبيِّ ﷺ ، وفيه: ((وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ))، وفسَّره غيرُ واحدٍ بالإقعاءِ، وهو: أن يُلْصِقَ أَلْيَتيْهِ بالأرضِ ويَنصِبَ ساقيه ويضعَ يديه على الأرضِ، كما يفترِشُ الكلبُ وغيرُهُ من السباعِ، وهذا غيرُ الإقعاءِ الواردِ عنِ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ، فذاكَ سُنَّةٌ، وهذا هو المنهيُّ عنه.
وسيأتي إن شاء الله التفصيلُ فيه في أبوابِ الصلاةِ.
стр. 11377
٢٥٧٢ - حَدِيثُ ابنِ رَوَاحَةَ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ ﵁، قَالَ: ((نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا القُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: البَيْهَقيُّ، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ، وابنُ دَقِيقٍ.
[التخريج]:
[قط ٤٣٠، ٤٣١ (واللفظ له) / فة (١/ ١٠٥) / هقخ ٣٢١/ كر (٢٨/ ٨١) / صحا ٤١١٥/ مستغفض ٢٢٢/ صبغ ٢٢٠٦].
[السند]:
رواه الدَّارَقُطْنيُّ (٤٣٠) قال: نا أبو بكر محمد بن عُمر بن أيوب المُعَدَّل بالرَّمْلة، والحسن بن الخَضِر المُعَدّل بمكةَ، قالا: نا إسحاق بن إبراهيمَ بنِ يونسَ البغداديُّ، نا يحيى بن عثمانَ السِّمْسَار، نا إسماعيل بن عيَّاش، عن زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سَلَمةَ بن وَهْرَام، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباس، عن عبد الله بن رَوَاحةَ، به.
وسيأتي ذِكرُ أسانيد بقية المراجع في التحقيق.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى: سلَمةُ بنُ وَهْرَام؛ وَثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ، وأبو زُرْعةَ، لكن تُكُلِّمَ في حديثِهِ إذا كان من روايةِ زَمْعةَ عنه؛ فقال الإمامُ أحمدُ: "روَى عنه زَمْعةُ أحاديثَ مناكيرَ، أخشى أن يكونَ حديثُهُ ضعيفًا". وقال أبو داود:
стр. 11378
"ضعيفٌ". وقال ابنُ عَدِيٍّ: "أرجو أنه لا بأسَ بروايات الأحاديث التي يرويها عنه غيرُ زَمْعةَ"، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)، وقال: "يُعتبَرُ حديثُهُ من غيرِ رواية زَمْعةَ بن صالح عنه". انظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ١٦١).
وهذا الحديثُ من روايةِ زَمْعةَ عنه.
العلةُ الثانيةُ: زَمْعةُ بنُ صالحٍ؛ ضعيفٌ؛ ضَعَّفَهُ أحمدُ وغيرُهُ، وضَعَّفَهُ الحافظُ في (التقريب ٢٠٣٥).
العلةُ الثالثةُ: إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ؛ سبقَ قريبًا أنه ثقةٌ في روايتِهِ عن أهلِ بلدِهِ، أما عن غيرِهِم فضعيفٌ يأتي بالمناكيرِ، وهذا الحديثُ من روايتِهِ عن غيرِ أهلِ بلدِهِ، فزَمْعةُ يَمانيٌّ، وابنُ عيَّاشٍ شاميٌّ.
إلا أنَّ إسماعيلَ بنَ عيَّاشٍ قد تُوبِعَ من (عُمرَ بنِ زُرَيقٍ)، كما عند أبي نُعَيمٍ في (معرفة الصحابة)، من طريق محمد بن عبد الله بن عَمَّار المَوْصِلي، عن عُمرَ (١) به.
وعُمرُ بنُ زُرَيقٍ، مجهولٌ، وانظر الشاهد التالي.
العلةُ الرابعةُ: أنَّ ابنَ عيَّاشٍ قدِ اختُلِفَ عليه في سندِهِ:
فرواه عنه يحيى بنُ عثمانَ موصولًا بذِكْر ابنِ عباسٍ كما سبقَ.
وخالفه الحسنُ بنُ عرفةَ؛ كما عند أبي القَاسمِ البَغَويِّ في (معجم الصحابة)، و (الدَّارَقُطْني ٤٢٤)، وابنِ عساكر؛ وعليُّ بن حُجْر كما عند المُسْتَغْفِري.
فلم يَذْكُرا في سندِهِ (ابنَ عباسٍ)، وقد أشارَ إلى ذلك الدَّارَقُطْنيُّ؛ حيثُ قالَ -عَقِب روايةِ يحيى بنِ عثمانَ عنِ ابنِ عيَّاشٍ-: "وغيرُهُ لا يَذكرُ: ((عن ابن عباس)) ".
стр. 11379
قلنا: وهذا هو الصوابُ؛ فقد رواه الفَسَوِيُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- عن أبي نُعَيمٍ الفَضْلِ بنِ دُكَيْنٍ، عن زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرام، عن عِكْرِمةَ، قال: ((قال عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ ... )) فذكره.
وأبو نُعَيمٍ ثقةٌ ثبْتٌ؛ فروايتُهُ مقدَّمةٌ على روايةِ ابنِ عيَّاشٍ، وقد بيَّنَ لنا أن السندَ مُعَلٌّ بالانقطاعِ؛ لأن عِكْرِمةَ لم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ؛ فقد ماتَ ابنُ رَواحةَ في حياةِ النبيِّ ﷺ سنة (٨ هـ)، ووُلِدَ عِكْرِمةُ سنة (٢٥ هـ) تقريبًا؛ أي: بعد وفاةِ ابنِ رَواحةَ بسبعَ عشْرةَ سنةً.
قال ابنُ دَقِيقٍ: "عِكْرِمةُ عن عبد الله بنِ رَواحةَ، منقطِعٌ" (الإمام ٣/ ٧٣).
وعليه؛ ففي طريقِ أبي نُعَيمٍ ثلاثُ عللٍ: (سلَمةُ، وزَمْعةُ، والانقطاعُ).
وفي طريقِ ابنِ عيَّاشٍ أربعُ عللٍ: (سلمةُ، وزَمْعةُ، وابنُ عيَّاشٍ، والاختلافُ في وصلِهِ وانقطاعِهِ).
والمنقطِعُ هو الصوابُ؛ ولذا قال البَيْهَقيُّ عن الموصولِ: "وليس بالقويِّ" (الخلافيات ٣٢٤).
قال عبدُ الحَقِّ: "ولا يُروَى من وجهٍ صحيحٍ؛ لأنه منقطعٌ وضعيفٌ" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٥).
وبهذا تعلم ما في قولِ الدَّارَقُطْنيِّ من نظرٍ؛ حيثُ قال -عَقِبَ روايةِ يحيى بنِ عثمانَ عنِ ابنِ عيَّاشٍ-: "إسنادُهُ صالحٌ".
وفي السندِ اختلافٌ آخَرُ على زَمْعةَ. انظر الشاهد التالي.
[تنبيه]: قد عزا المتَّقي الهندي في (كَنز العمال ٤٢٠١) هذا الحديثَ إلى الحاكمِ في (مستدركِهِ)، ولم نقفْ عليه بعد طُولِ البحثِ.
стр. 11380
٢٥٧٣ - حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ -فَذَكَرَ نَحْوَهُ (١) - وَقَالَ: ((إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا القُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [قط ٤٣٠، ٤٣٣ (واللفظ له) / هقخ ٣٢٣].
[السند]:
رواه الدَّارَقُطْنيُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- قال: حدثنا محمد بن مَخْلَد، ثنا الهَيْثَم بن خلَف، نا ابن عَمَّار المَوْصِلي، ثنا عُمرُ بن (زُرَيْق) (٢)، عن زَمْعةَ بن صالح، عن سلَمةَ بن وَهْرام، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عللٍ:
العلة الأُولى والثانيةُ: زَمْعةُ بنُ صالحٍ وشيخُه سلَمةُ؛ وقد سبقَ الكلامُ عليهما.
стр. 11381
العلةُ الثالثةُ: عُمرُ بنُ زُرَيقٍ؛ مَوْصليٌّ لا يُعرَفُ حالُهُ، ولا يُعرَفُ روَى عنه غيرُ ابنِ عَمَّارٍ الحافظِ. انظرْ ترجمتَهُ في (المؤتلف والمختلف ١٠٢١) للدارقطنيِّ، وفي (الإكمال ٤/ ٥٧) لابنِ ماكُولا، و (توضيح المشتبه ٤/ ١٧٩) لابنِ ناصرِ الدينِ.
العلة الرابعة: أن عُمرَ بنَ زُرَيقٍ هذا قد خُولِفَ في سندِهِ:
فرواه أبو نُعَيمٍ، عن زَمْعةَ، عن سلَمةَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ رَواحةَ مُنقطعًا، كما سبقَ.
ورواه أبو نُعَيمٍ أيضًا وسعيدُ بنُ زكريا، عن زَمْعةَ، بإسنادِهِ، وأرسلَاهُ عن عِكْرِمةَ.
فذِكْرُ ابنِ عباسٍ في سندِهِ غيرُ محفوظٍ، والروايةُ المرسَلةُ هي الصوابُ.
ورغمَ كل ذلك، يقولُ مُغْلَطاي: "هذا متصِلٌ، لولا ضَعْفُ زَمْعةَ؛ لكان إسنادُهُ لا بأسَ به" (شرح مُغْلَطاي على ابن ماجه ٢/ ٣٩٦)!
* * *
وابنُ عبدِ الهادي، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[قط ٤٣٢ (واللفظ له) / شرف ٢٣٨/ هقخ ٣٢٢/ كر (٢٨/ ١١٦)، (٢٨/ ١١٨)].
[السند]:
رواه ابنُ أبي الدنيا -ومن طريقه ابنُ عساكرَ (٢٨/ ١١٨) - قال: حدثني محمد بن عَبَّاد بن موسى، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، عن زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرام، عن عِكْرِمةَ، به مرسَلًا.
ورواه الدَّارَقُطْنيُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- من طريقِ العباسِ بنِ محمدٍ الدُّوريِّ، ومحمدِ بنِ سُلَيمانَ الواسِطيِّ، قالا: نا أبو نُعَيمٍ، به.
وتُوبِع عليه أبو نُعَيمٍ:
فرواه ابنُ عساكرَ (٢٨/ ١١٦) من طريقِ سعيدِ بنِ زكريا، عن زَمْعةَ، به.
فالحديثُ مدارُهُ على زَمْعةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ، عن عِكْرِمةَ، به مرسَلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى والثانيةُ: زَمْعةُ بنُ صالحٍ، وشيخُه سلَمةُ، وقد سبقَ الكلامُ عليهما قريبًا.
العلةُ الثالثةُ: الإرسالُ؛ فعِكْرِمةُ تابعيٌّ معروفٌ.
وقد ضَعَّفَ هذه القصةَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ:
стр. 11384
قال عبدُ الحَقِّ: "ولا يُروَى من وجهٍ صحيحٍ؛ لأنه منقطعٌ وضعيفٌ" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٥).
وقال النَّوَويُّ: "إسنادُ هذه القصةِ ضعيفٌ ومنقطعٌ" (المجموع ٢/ ١٨١).
وضَعَّفَهُا ابنُ عبدِ الهادي في (التنقيح ١/ ٤٢٦).
وقال السُّبْكيُّ -مشيرًا إلى غرابتها-: "ولم يُخرَّجْ هذا الأثرُ في شيءٍ من الكتبِ الستةِ" (طبقات الشافعية ١/ ٢٦٥).
وقد حذفها الألبانيُّ من (مختصر العلو) للذهبيِّ، وهذا يقتضي أنها ضعيفةٌ عنده أيضًا؛ لأنه التزمَ في (المقدمة ١/ ١٢) حذْفَ كلِّ ما هو ضعيفٌ، وليس له من الشواهدِ ما يقويه. وانظر: (حاشية الخلافيات ٢/ ٣٥).
قلنا: وفي المتنِ نكارةٌ واضحةٌ؛ إذ كيف يُفْهِم الصحابيُّ زوجتَه أن ما قاله قرآنٌ، وهو ليس كذلك، فمثْلُ هذا يتنزَّه عنه المتقون، فضلًا عن سيد المرسلين وأصحابِه، فإن واضعَ الروايةِ يدَّعِي أن النبيَّ ﷺ أقرَّ صنيعَ ابنِ رَواحةَ! ولو افترضنا أن ذلك وقعَ من ابنِ رَواحةَ خوفًا من القتلِ؛ فيكونُ ذلك منه ضرورةً، أمَّا من النبيِّ ﷺ فهذا يستحيلُ في حَقِّهِ ﷺ ! ! .
ولذا، فقد حَكَمَ بوضْعِ هذه القصةِ الشيخُ محمد رشيد رضا، والشيخُ محمد حامد الفقي. انظر: (حاشية الخلافيات ٢/ ٣٥).
أمَّا قولُ ابنِ عبدِ البرِّ: "وقصتُهُ مع زوجتِهِ مشهورةٌ، رُوِّيناها من وجوهٍ صِحاحٍ"، ثم ذكرها دونَ إقرارِ النبيِّ ﷺ لابنِ رَواحةَ (الاستيعاب ٣/ ٩٠٠).
فلم نجدْ وجهًا صحيحًا من هذه الوجوهِ التي أشارَ إليها! ولذا تعقَّبه الذَّهَبيُّ قائلًا: "قلتُ: رُوي من وجوهٍ مرسَلة" (العلو للذهبي ١/ ٤٩).
стр. 11385
ثم إن سياقَهُ لها ليس فيه إعلامُ النبيِّ ﷺ بصنيعه، ولا إقرارُه ﷺ على ذلك.
[تنبيه]: الأبياتُ المذكورةُ في القصةِ ثابتةٌ عنِ ابنِ رَواحةَ؛ فقد أخرجَ البخاريُّ في كتابِ: التهجُّدِ، باب: فضل مَن تَعارَّ من الليل فصلَّى، وفي كتاب: الأدب، باب: هِجاء المشركين، من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: ((إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ))، يعني: بذاك: ابنَ رَواحةَ، قال:
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ
وعليه؛ فضعْفُ قصةِ ابنِ رَواحةَ مع زوجتِهِ أو بُطلانُها لا يعني عدمَ ثبوتِ الأبيات المذكورةِ فيها.
الشَّعْبيِّ، به مرسَلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: الإرسالُ؛ فالشَّعْبيُّ من الوُسْطى من التابعين، ولم يدرِكْ عبدَ الله بنَ رَواحةَ ولا امرأتَه.
العلةُ الثانيةُ: حفْصُ بنُ عُمرَ، هو قاضي حلب؛ وهو شديدُ الضعفِ؛ قال فيه أبو زُرْعةَ: "منكَرُ الحديثِ". وقال أبو حاتم: "ضعيفُ الحديثِ، وهو دون حفْص بن سُلَيمانَ في الضعفِ". (الجرح والتعديل ٣/ ١٧٩)، وحفْصٌ هذا متروكٌ عند أبي حاتم وغيرِه.
وقال ابنُ حِبَّانَ: "شيخٌ يَروي عن هشامِ بنِ حسَّانَ والثقاتِ الأشياءَ الموضوعاتِ، لا يحلُّ الاحتجاجُ به" (المجروحين ١/ ٣١٦).
وسبقَ الكلامُ عما في المتنِ منَ النَّكارةِ.
حدثنا (أبو حرْب) (١) قال: حدثني محمد بن عَبَّاد (٢)، قال: حدثني عبد العزيز ابن أخي الماجِشُون، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
العلةُ الأُولى: إعضالُهُ؛ فإن عبدَ العزيزِ -وهو ابنُ عبد الله بن أبي سلَمةَ- الماجِشُون من الطبقة السابعة -كبار أتباع التابعين-، فبيْنَهُ وبينَ ابنِ رَواحةَ عدةُ وسائطَ، وقد أسقطها.
العلةُ الثانيةُ: محمدُ بنُ عبَّادٍ، وهو ابنُ عبَّادٍ المُهَلَّبيُّ؛ قال عنه الحَرْبيُّ: "لم يكنْ بَصيرًا بالحديثِ"، وعَدَّدَ من تصحيفاته. انظر: (لسان الميزان ٦٩٥٦).
العلةُ الثالثةُ: أبو حَرْبٍ شيخُ اليَزيدي؛ وهو محمدُ بنُ خالدٍ المُهَلَّبيُّ، كما في أول كتاب الأمالي لليَزيدي، وليس هو محمدَ بنَ خالدِ بنِ خِدَاشٍ المُهَلَّبيَّ، والأول: لم نقفْ له على ترجمةٍ وهو صاحبُ سندِنا هذا، وانظر (تكميل النفع بما لم يثبتْ به وقْفٌ ولا رفع ص ٧٩).
الطريقُ الثاني:
رواه ابنُ عساكرَ في (تاريخه)، والسُّبْكيُّ في (طبقات الشافعية)، من طريقِ الزُّبَيرِ بنِ بكَّار، حدثني موسى بن جعفر بن أبي كَثير، حدثني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلَمةَ، عن الثقة، أن عبد الله بن رَواحةَ، به.
стр. 11390
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ أيضًا:
العلةُ الأُولى: موسى بن جعفر بن أبي كثير مجهولٌ؛ قال العُقَيليُّ: "مجهولٌ بالنقلِ، لا يتابَعُ على حديثِهِ". وقال الذَّهَبيُّ: "لا يُعرَفُ، وخبرُهُ ساقطٌ". انظر: (لسان الميزان ٦/ ١١٣).
العلةُ الثانيةُ: إبهامُ الثقةِ الذي حَدَّثَ عنه عبدُ العزيزِ ابنُ الماجِشُون، وكونُهُ ثقةً عنده لا يقتضي ثقتَهُ على الإطلاقِ، لا سيَّما وقد جاءَ هذا التوثيقُ بنقلِ راوٍ مجهول.
العلةُ الثالثةُ: انقطاعُهُ؛ فإن ابنَ الماجِشُونِ أقلُّ ما يمكنُ أن يكونَ بينه وبين ابن رَواحةَ راويان، وقد ذَكرَ واحدًا فقط.
ورواه ابنُ أبي الدُّنيا في (العيال، والإشراف) -ومن طريقه ابنُ عساكرَ- من طريقِ ابنِ وَهْبٍ، أخبرني أُسامةُ بنُ زيدٍ اللَّيْثيُّ، أن نافعًا حدَّثَهُ، به.
ورواه الخَرائِطيُّ من طريق جعفر بن عَوْن، عن أُسامةَ، به.
فمداره عندَهم على أُسامةَ بنِ زيدٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: أُسامةُ بنُ زيدٍ اللَّيْثيُّ؛ مختلَفٌ في حالِهِ: فَضَعَّفَهُ أحمدُ، ووَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وليَّنَهُ النَّسائيُّ وأبو حاتم، وقال الحافظُ: "صدوقٌ يَهِم" (التقريب ٣١٧).
قلنا: ولكن روايته عن نافعٍ خاصَّةً متكلَّمٌ فيها؛ فقال أحمدُ: "روَى عن نافعٍ أحاديثَ مناكيرَ". فقال له ابنُه عبدُ اللهِ: "أرَاهُ حسَنَ الحديثِ". فقال أحمدُ: "إنْ تدبَّرْت حديثَه فستعرفُ فيه النُّكْرةَ" (تهذيب التهذيب ١/ ١٨٣).
وقد تفرَّدَ بهذا عن نافعٍ، فالظاهرُ أنه من مناكيرِهِ عنه، والله أعلم.
العلةُ الثانيةُ: الانقطاعُ؛ فنافعٌ تابعيٌّ لم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ، ولم يذكرْ ممن سمِعَ القصةَ.
стр. 11393
٢٥٧٨ - حَدِيثُ ابنِ الهَادِ:
◼ عَنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الهَادِ: ((أَنَّ امْرَأَةَ ابنِ رَوَاحَةَ رَأَتْهُ عَلَى جَارِيَةٍ لَهُ، فَقَالَتْ لَهُ: وَعَلَى فِرَاشِي أَيْضًا! ! فَقَامَ يُجَاحِدُهَا. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اقْرَأْ آيَةً مِنَ القُرْآنِ؛ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَقْرَأُ وَأَنْتَ جُنُبٌ)). فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ ... مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا
[الحكم]: ضعيفٌ؛ لإعضالِهِ، وهو موقوفٌ.
[التخريج]: [شرف ٢٣٩/ عيا ٥٧٢/ كر (٢٨/ ١١٤)].
[السند]:
رواه ابنُ أبي الدنيا في (الإشراف، والعيال) -ومن طريقه ابنُ عساكرَ في (تاريخه) - قال: (١) حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السَّكُوني، قال: حدثني عبد الله بن وَهْب، عن عبد الرحمن بن سَلْمانَ، عن ابن الهاد، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإعضالِهِ؛ فابنُ الهادِ من صِغارِ التابعينَ، ولم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ ﵁، وأقلُّ ما يُمكنُ أن يكونَ بينهما راويان.
стр. 11394
ورجالُهُ ثقاتٌ، عدا عبدَ الرحمنِ بنَ سَلْمانَ، وهو الحَجْريُّ المِصريُّ؛ مختلَفٌ فيه: فوَثَّقَهُ ابنُ يُونسَ كما في (الإكمال ٣/ ٨٤)، وأخرجَ له مسلمٌ حديثًا واحدًا، وقال البخاريُّ: "فيه نظرٌ" (التاريخ الكبير ٥/ ٢٩٣)، وقال أبو حاتمٍ: "مضطربُ الحديثِ". قال ابنُ أبي حاتمٍ: "ما رأيتُ في حديثِهِ منكَرًا، وهو صالحُ الحديثِ، أدخله البخاريُّ في (كتاب الضعفاء)، فسمِعتُ أبي يقولُ: يُحوَّل مِن هناكَ" (الجرح والتعديل ٥/ ٢٤١). وعبارةُ ابنِ أبي حاتم هذه جاءتْ في الكتابِ موصولةً بكلامِ أبي حاتم، فنقلها المِزِّيُّ منسوبةً لأبي حاتم!
وذكره البَرْذَعيُّ في (الضعفاء لأبي زُرْعة الرازي ١٨٥). وقال النَّسائيُّ: "ليس بالقوي" (المتروكين ٣٦٢). هكذا وجدْتُهُ في كتابِ النَّسائيِّ، ونقله عنه ابنُ الجَوْزي في (المتروكين ١٨٧٢)، والذَّهَبيُّ في (المغني ٣٥٧٣)، ولكن قال ابنُ القَطَّانِ: "لا أعلمُ أحدًا وَثَّقَهُ غيرَ النَّسائيِّ، فإنه قال: "لا بأسَ به"، وأدخله البخاريُّ في (الضعفاءِ)، وكذلك فعلَ أبو أحمدَ، والعُقَيليُّ، والساجيُّ" (بيان الوهم والإيهام ٣/ ١٨).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "قال النَّسائيُّ: ليسَ به بأس" (تهذيب التهذيب ٦/ ١٨٨).
واعتمده في (التقريب ٣٨٨٢)، فقال: "لا بأس به".
وهذا مما يَشْهَدُ لقولِ مَن قالَ بأن عبارةَ النَّسائيِّ: "ليسَ بالقويِّ" تعني: "ليس به بأس". وعلى كُلٍّ، فقولُ النَّسائيِّ: "ليس بالقوي" ليس بجَرْحٍ مُفْسِدٍ. انظر: (الموقظة ٨٢).
стр. 11395
٢٥٧٩ - حَدِيثُ قُدَامَةَ:
◼ عَنْ قُدَامَةَ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَاطِبٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵁ وَقَعَ بِجَارِيَةٍ لَهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: فَعَلْتَهَا؟ ! قَالَ: ((أَمَّا أَنَا فَأَقْرَأُ القُرْآنَ)). فَقَالَتْ: ((أَمَّا أَنْتَ فَلَا تَقْرَأُ القُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ)). فَقَالَ: ((أَنَا أَقْرَأُ لَكِ)). فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ ... مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا
فَقَالَتْ: ((آمَنْتُ بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ)).
[الحكم]: ضعيفٌ منقطِعٌ، وأعلَّه الذَّهَبيُّ بالانقطاعِ، ثم هو موقوفٌ.
[التخريج]: [جهم ٨٢].
[السند]:
قال عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارِميُّ في (الرد على الجهمية): حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ المِصريُّ، أنبأنا يحيى بن أيوبَ، حدثني عُمَارةُ بنُ غَزِيَّة، عن قُدَامةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ قُدَامةُ من الوُسْطى منَ التابعين، ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٣١٩). وقال الحافظُ: "مقبولٌ" (التقريب ٥٥٢٥).
قلنا: ومع ذلك فهو منقطعٌ؛ قُدَامةُ لم يدرِكِ ابنَ رَواحةَ ولا امرأتَه، وبهذا
стр. 11396
أعلَّه الذَّهَبيُّ في (العلو ٤٩).
ويحيى بنُ أيوبَ: "صدوقٌ ربما أخطأ" (التقريب ٧٥١١).
اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَمَّا إِذْ قَرَأْتَ القُرْآنَ فَإِنِّي أَتَّهِمُ ظَنِّي وَأُصَدِّقُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَقَدْ وَجَدْتَهَا ذَاتَ فِقْهٍ فِي الدِّينِ)).
[الحكم]: باطلٌ موضوعٌ.
[التخريج]: [كر (٢٨/ ١١٤، ١١٥)].
[السند]:
قال ابنُ عساكر: قرأتُ بخطِ رَشَأ بنِ نَظِيف، وأنبأنِيه أبو القاسم عليُّ بن إبراهيم وأبو الوحْش سُبَيع بن المسلم عنه، أنا أبو الفتح إبراهيم بن عليِّ بن إبراهيمَ بن سِيبُخْت، نا أبو بكر محمد بن يحيى بن العباس الصُّولي، نا عَوْن -يعني: ابنَ محمد- عن أبيه، عن الهَيْثَم -وهو ابن عَدِي-، قال ... فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ الهَيْثَمُ بنُ عَدِيٍّ هو: أبو عبد الرحمن الطائِيُّ؛ كذَّبَهُ البخاريُّ، وابنُ مَعِين، وأبو داودَ، وغيرُهُم. وقال النَّسائيُّ وغيرُهُ: "متروكٌ". انظر ترجمتَهُ في (اللسان ٨٣١٢).
стр. 11399
٢٥٨١ - حَدِيثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا النُّفَسَاءُ [وَلَا الجُنُبُ] مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا)).
[الحكم]: باطلٌ. وضَعَّفَهُ: ابنُ عَدِيٍّ، وابنُ طاهرٍ المَقْدِسيُّ، وابنُ عبدِ الهادي، ومُغْلَطايُ، والزَّيْلَعيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والشَّوْكانيُّ، والمباركفوريُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[عد (٩/ ١٥٧) / قط ١٨٧٩ (واللفظ له) / حل (٤/ ٢٢) (والزيادة له) / مستغفض ٢٢٣].
[السند]:
قال الدَّارَقُطْنيُّ: حدثنا عبد الصمد بن عليٍّ، ثنا إبراهيم بن أحمد بن مَرْوان، ثنا عُمر بن عثمان بن عاصم، ثنا محمد بن الفَضْل، عن أبيه، عن طاوس، عن جابر، به.
ومدارُهُ عندَهم عن محمدِ بنِ الفَضْلِ، به.
قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا لا يُروَى إلا عن محمدِ بنِ الفَضْلِ، عن أبيه، عن طاوسٍ".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه: محمدُ بنُ الفَضْلِ بنِ عطيَّةَ؛ وقد كذَّبه أحمد، وابنُ مَعِين، والفَلَّاسُ، وغيرُهم، ولذا قال الحافظ: "كذَّبُوه" (التقريب ٦٢٢٥).
والحديثُ ذكره ابنُ عَدِيٍّ في ترجمتِهِ، وختمها بقوله: "ولمحمدِ بنِ
стр. 11400
الفَضْلِ غيرُ ما ذكرتُ من الحديثِ، وعامَّةُ حديثِه ممَّا لا يُتابِعُهُ الثِّقَاتُ عليه" (الكامل ٩/ ١٦٠).
وبه ضَعَّفَ الحديثَ: ابنُ القَيْسَراني في (ذخيرة الحفاظ ٥/ ٢٦٢٨)، وابنُ عبدِ الهادي في (التنقيح ١/ ٢٤٣)، ومُغْلَطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٩٥)، والزَّيْلَعيُّ في (نصب الراية ١/ ١٩٥)، وابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٥٥٠)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ١٣٨)، والشَّوْكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٢٨٤)، والمباركفوريُّ في (تحفة الأحوذي ١/ ٣٤٧)، والألبانيُّ في (الإرواء ١/ ٢٠٩).
وقال العَيْنيُّ: "رواه الدَّارَقُطْنيُّ، ثم البَيْهَقيُّ، وقال: سندُهُ صحيحٌ" (عمدة القاري ٣/ ٢٦١).
وهذا محضُ وهَمٍ؛ فلم يروِ البَيْهَقيُّ حديثَ محمدِ بنِ الفَضْلِ هذا، وإنما روَى في (الخلافيات ٣٢٩) من طريقِ الدَّارَقُطْنيِّ بإسنادٍ آخَرَ إلى جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، موقوفًا عليه من قولِهِ، وقال عنه في (السنن ١/ ٨٩): "ورُوي عن جابر بن عبد الله من قولِهِ في: ((الجُنُبِ وَالحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ))، وليس بقويٍّ".
وهذا الموقوفُ يُعتبَرُ علةً أُخْرى للمرفوعِ، ولكنْ سندُهُ وَاهٍ أيضًا:
فقد رواه (الدَّارَقُطْني ٤٣٤) من طريقِ أبي الشَّعْثاءِ، عنِ ابنِ الحسنِ الواسِطيِّ، ثنا سُلَيمانُ أبو خالدٍ، عن يحيى، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ -موقوفًا- قال: ((لَا يَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ وَلَا النُّفَسَاءُ القُرْآنَ)).
ثم قال الدَّارَقُطْني: "يحيى هو: ابنُ أبي أُنَيْسةَ، ضعيفٌ".
قلنا: بل متروكٌ؛ كذا قال أحمدُ، والنَّسائيُّ، والدَّارَقُطْنيُّ، وغيرُهُم.
وقال ابنُ حَجَرٍ: "فيه يحيى بنُ أبي أُنَيْسةَ؛ وهو كذَّابٌ. وقال البَيْهَقيُّ: هذا
стр. 11401
الأثرُ ليس بالقويِّ" (التلخيص ١/ ١٣٨).
وقد جاءَ هذا الموقوفُ من طريقٍ آخَرَ دونَ ذِكْرِ الجُنُبِ:
فرواه ابنُ المُنْذِرِ في (الأوسط ٦١٨) عنِ ابنِ عبدِ الحكمِ، أنا ابنُ وَهْب، أخبرني ابنُ لَهِيعةَ، عن أبي الزُّبَيرِ: أنه سَأَلَ جابرًا عن المرأةِ الحائضِ والنفساءِ: هل تقرأُ شيئًا منَ القرآنِ؟ فقال جابرٌ: ((لَا)).
* * *
стр. 11402
٢٥٨٢ - حَدِيثُ عُمَرَ:
◼ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانيِّ، قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: ((لَا يَقْرَإِ الجُنُبُ القُرْآنَ)).
[الحكم]: موقوفٌ صحيحٌ، وصَحَّحَهُ: البَيْهَقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[عب ١٣١٨ (واللفظ له) / ش ١٠٨٦ (والرواية له) / مي ١٠١٥/ دكين ١٣٥/ طح (١/ ٩٠) / منذ ٦١٥/ هق ٤٢٣/ هقع ٧٨٤/ هقخ ٣٢٥، ٣٢٦].
[السند]:
رواه عبدُ الرزاقِ وابنُ دُكَيْنٍ: عنِ الثَّوْريِّ،
ورواه ابنُ أبي شَيْبةَ عن حفْصِ بنِ غِيَاثٍ، وأبي مُعاويةَ،
ثلاثتُهم: عنِ الأعمشِ، عن أبي وائل شَقِيق بنِ سلَمةَ، عن عَبِيدةَ، عن عُمرَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ؛ عَبِيدةُ هو السَّلْمانيُّ أحدُ أئمةِ التابعين الكِبار، وكذلك أبو وائل شَقِيقُ بنُ سلَمةَ.
والأثرُ صَحَّحَهُ البَيْهَقيُّ في ((المعرفة)) وفي (الخلافيات)، وصَحَّحَهُ ابنُ
стр. 11403
حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ١٣٨)، وأقرَّهُ الألبانيُّ في (الإرواء ١/ ٢١٠).
وقد رواه البَيْهَقيُّ في (الكبرى) من طريقِ أيوبَ بنِ سُوَيْدٍ الرَّمْليِّ، عن سُفيانَ، عنِ الأعمشِ، عن أبي وائل: أن عُمرَ، به. فأسقط منه عَبِيدةَ.
وأيوبُ بنُ سُوَيدٍ ضَعَّفَهُ جمهورُ النُّقَّادِ، منهم: أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، والنَّسائيُّ، وأبو داودَ، والساجيُّ، وغيرُهُم. وليَّنه أبو حاتمٍ. وقال البخاريُّ: "يتكلَّمونَ فيه". ورَمَاهُ ابنُ حِبَّانَ وغيرُهُ بسوءِ الحفظِ. انظر: (تهذيب التهذيب ١/ ٣٥٤). وقال الحافظُ: "صدوقٌ يُخطئُ" (التقريب ٦١٥).
وقد وهِمَ أيوبُ في إسنادِهِ؛ حيثُ أسقطَ منه عَبِيدةَ، والصوابُ إثباتُهُ كما رواه عبدُ الرزاقِ، وابنُ دُكَيْنٍ، عنِ الثَّوْريِّ.
وكذلك رواه حفْصٌ، وأبو مُعاويةَ، وزائِدةُ، ويَعْلَى بنُ عُبَيدٍ، عنِ الأعمشِ؛ ولذا قال البَيْهَقيُّ مُتعقِّبًا روايةَ أيوبَ: "ورواه غيرُهُ عنِ الثَّوْريِّ، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن عَبِيدةَ، عن عُمرَ، وهو الصحيحُ".
ورُويَ هذا الأثرُ عن عُمرَ من وجهٍ آخَرَ:
فأخرجه الدارِميُّ (١٠١٥): أخبرنا أبو الوليد، حدثنا شُعبةُ، أخبرنا الحَكَمُ، عن إبراهيمَ، قال: ((كَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ -أَوْ: يَنْهَى- أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ)). قال شُعبةُ: وجدتُ في الكتابِ: ((وَالحَائِضُ)).
وأخرجه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٤٢٣)، من طريقِ سُلَيمانَ بنِ حَرْبٍ، عن شُعبةَ، به.
قال البَيْهَقيُّ: "وهذا مرسَلٌ".
قلنا: وذلك؛ لأن إبراهيمَ -وهو: النَّخَعيُّ- لم يدرِكْ عُمرَ ﵁.
стр. 11404
٤٢٤ - بَابٌ: مَسُّ الجُنُبِ لِلْمُصْحَفِ
٢٥٨٣ - حَدِيثُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ:
◼ عَنْ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، بَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ (فَقُرِئَ) (١) عَلَى أَهْلِ اليَمَنِ، وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا ... الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: ((وَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)).
[الحكم]: صحيحٌ وِجادَةً، مختلَفٌ في ثبوتِهِ مُسْنَدًا.
قال أحمدُ: "أرجو أن يكونَ هذا الحديثُ صحيحًا".
وصَحَّحَهُ: ابنُ راهُويَه، والحاكمُ، وابنُ حِبَّانَ، والبَيْهَقيُّ.
وضَعَّفَ سَنَدَهُ: ابنُ مَعِينٍ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ حَزْمٍ، وابنُ كَثيرٍ، والذَّهَبيُّ، وابنُ التُّرْكُماني، وغيرُهُم، رغمَ تصريح بعضِهم بالعملِ به.
والراجحُ: أن هذا الحديثَ لا يصحُّ مسنَدًا، وإنما يصحُّ عن طريقِ الوِجادةِ (٢)،
стр. 11405
فقد ثبتَ أن النبيَّ ﷺ كتبَ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ كتابًا، وقد عَمِلَ بما فيه الصحابةُ، وتلقَّاهُ التابعون بالقَبولِ عندما وجدوه عند آلِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ.
قال الشافعيُّ: "لم يَقبَلُوه حتَّى ثبتَ عندهم أنه كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ ".
وقال يعقوبُ الفَسَوِيُّ: "لا أعلمُ في جميعِ الكتبِ المنقولةِ أصحَّ من كتابِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ".
وقال الحاكمُ: "وقد شَهِدَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والزُّهْريُّ لهذا الكتابِ بالصحةِ".
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "إنه أشبَه المتواتر".
ولكن هذا الكتاب غيرُ مسموعٍ عمَّن فوق الزُّهْريِّ بالسندِ، كما قال العقيلي، فمَن أسندَهُ فقد وهِمَ، وإنما هو وِجادةٌ، وإلى ذلك أشارَ ابنُ مَعِينٍ عندما سأله رجلٌ: "هذا مُسْنَدٌ؟ " قال: "لا، ولكنه صالحٌ".
وعلى هذا؛ يُحمَلُ تضعيفُ مَن ضَعَّفَهُ مِنَ الأئمةِ على أنه ليس بمسنَدٍ، وإنما هو وِجادةٌ، والوِجادةُ منقطعةُ الإسنادِ. أمَّا العملُ بها: فواجبٌ إذا ما
стр. 11406
صحَّتْ نسبتُها لصاحبها؛ ولذا قال ابنُ كَثيرٍ: "وهذه وِجادةٌ ينبغي العملُ بها".
هذا عن الكتابِ جملةً، أمَّا بشأنِ الفقرةِ المذكورةِ في المتنِ فلها شواهدُ أُخرى صَحَّحَهَا بها الألبانيُّ، وهي صحيحةٌ عن طريقِ الوِجادةِ بمفردها، كما سبقَ بيانُهُ.
[الفوائد]:
اختلَفَ أهلُ العلمِ اختلافًا شديدًا في حُكمِ مسِّ المصحفِ لفاقدِ الطُّهُورَيْنِ؛ فقد منعه جمهورُ أهلِ العلمِ محتجِّينَ بهذا الحديثِ، وزادَ بعضُهُم الاحتجاجَ بقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
ونقل بعضُهُم الإجماعَ على ذلك؛ فقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وأجمعَ فقهاءُ الأمصارِ الذين تدورُ عليهم الفتوى وعلى أصحابهم، بأن المصحفَ لا يَمَسُّه إلا الطَّاهر" (الاستذكار ٨/ ١٠).
كذا قالَ! وقد أباحَ مَسَّ الجُنُبِ للمصحفِ طائفةٌ من أهلِ العلمِ، منهم: ابنُ عباسٍ، وربيعةُ، والشَّعْبيُّ، وعِكْرِمةُ، ومحمدُ بنُ سِيرينَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وأهلُ الظاهرِ. (المحلَّى ١/ ٧٨ - ٨٠)، (عمدة القاري ٥/ ١٧٣).
وأجابوا عنِ استدلالِ المانعينَ بقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]؛ بأنَّ المقصودَ هنا: اللوحُ المحفوظُ، والمطهَّرون: هُمُ الملائكةُ، وهذا ظاهرٌ في سياقِ الآيةِ وسِباقها. وأمَّا حديثُ البابِ: ((وَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)): فمنهم مَن لم يأخذْ به؛ لكونِهِ وِجادةً، ومنهم مَن تأوَّل الطاهرَ بالمسلمِ.
стр. 11407
[التخريج]:
[مي ٢٢٩٥/ حب ٦٦٠٠ (واللفظ له) / ك ١٤٤٧/ مد ٢٥٨، ٢٥٩ (مختصرًا) / تخث (السفر الثاني ٢٨٥٤) / قط ٤٣٩، ٢٧٢٣/ هق ٤١٢، ١٤٩٣، ٧٣٣٦/ شعب ١٩٣٥/ هقخ ٢٩٥ - ٢٩٧/ لك ٥٧١، ٥٧٢/ كر (٢٢/ ٣١٣) / كما (١١/ ٤٢١/ ٢٥١٢) / تحقيق ٢٦٠/ تمهيد (١٧/ ٣٩٧) / طط ٥٦] (١).
[التحقيق]:
هذا الحديثُ رُويَ مُسنَدًا من ثلاثةِ طرقٍ:
أولها -وهو أشهرها-:
رواه الدارِميُّ، قال: أخبرنا الحَكَمُ بنُ موسى، ثنا يحيى بنُ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ داودَ، حدثني الزُّهْريُّ، عن أبي بكر بنِ محمد بنِ عَمرو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، به مختصرًا.
ورواه الحاكمُ، وابنُ حِبَّانَ، وغيرُهُما، من طريقِ الحَكَمِ بنِ موسى، به مطوَّلًا.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غيرَ سُلَيمانَ بنِ داودَ، وهو الخَوْلانيُّ؛ مختلَفٌ فيه، فضَعَّفَهُ جماعةٌ، وأثنَى عليه آخرون:
стр. 11408
فأما المضعِّفون؛ فهذه أقوالُهم:
قال ابنُ المَدِيني: "منكَرُ الحديثِ" (تهذيب الكمال ١١/ ٤١٦).
وقال البخاريُّ: "فيه نظرٌ" (التاريخ الكبير ٤/ ١٠)، ولعلَّه عَنى بذلك حديثَه هذا.
وقال أحمدُ: "ليس بشيءٍ".
وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ" (تاريخ ابن معين رواية الدارِمي ٣٨٦)، وقال مرَّةً: "شيخٌ شاميٌّ ضعيفٌ"، وقال: "ليسَ يُعرَفُ، وليس يصحُّ هذا الحديث" (الكامل ٣/ ٢٧٤، ٢٧٥).
وقال ابنُ خُزَيمةَ: "لا يُحتجُّ به".
وأمَّا مَن أَثنى عليه؛ فهذه أقوالُهم:
قال أبو حاتم: "شيخٌ ليحيى بنِ حمزةَ، لا بأسَ به، يقال: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ" (الجرح والتعديل ٤/ ١١٠).
وهذا الذي ذكره أبو حاتم بصيغةِ التمريضِ: "يقال"، هو الصحيحُ كما سيأتي.
وقال الدارِميُّ -متعقِّبًا شيخَه ابنَ مَعِينٍ-: "أرجو أنه ليس كما قال يحيى، وقد روَى عنه يحيى بنُ حمزةَ أحاديثَ حِسَان كأنها مستقيمةٌ، وهو دِمشقيٌّ خَوْلاني" (تاريخ ابن مَعِين رواية الدارِمي ٣٨٦).
وقال الدَّارَقُطْنيُّ: "ليس به بأسٌ".
وقال الحاكمُ -عَقِبَ الحديثِ-: "وسُلَيمانُ بنُ داودَ الدِّمَشْقيُّ الخَوْلانيُّ معروفٌ بالزُّهْريِّ، وإن كان يحيى بنُ مَعِينٍ غَمَزه فقد عدَّله غيرُه" اهـ. ثم
стр. 11409
نقل كلامَ أبي حاتم، وأبي زُرْعةَ (١) في سُلَيمانَ، وأنه لا بأسَ به.
وقال ابنُ حِبَّانَ -عَقِبَ الحديثِ-: "سُلَيمانُ بنُ داودَ هذا هو: سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلاني، من أهل دِمشقَ، ثقةٌ مأمونٌ، وسُلَيمانُ بنُ داودَ اليَمَاميُّ لا شيء، وجميعًا يَرويانِ عن الزُّهْريِّ".
يشيرُ بذلك إلى أن الذي روَى هذا الحديثَ إنما هو الخَوْلانيُّ، وأن مَن ضَعَّفَهُ خلَط بينه وبينَ اليَمَاميِّ الضعيفِ، وصرَّحَ بذلك في (المجروحين ١/ ٤٢١)، فقال: "هذا شيءٌ قدِ اشتَبَه على شيوخِنَا؛ لاتفاقِ الاسمين. أمَّا سُلَيمانُ بنُ داودَ اليَمَاميُّ الذي يَروي عنِ الزُّهْريِّ، ويحيى بنِ أبي كثير، فهو ضعيفٌ كثيرُ الخطإِ. وسُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ الذي يَروي عنِ الزُّهْريِّ حديثَ الصدقاتِ فهو دمشقيٌّ صدوقٌ مستقيمُ الحديثِ ... فمَن لم يُمْعِن النظرَ في تخليصِ أحدِهما منَ الآخَر اشتَبَه عليه أمرُهما، وتوَهَّم أنهما واحد" اهـ.
قلنا: قد فرَّقَ بينهما يحيى بنُ مَعِينٍ، وضَعَّفَهُما جميعًا، فقال: "سُلَيمانُ بنُ داودَ الشاميُّ روَى عنِ الزُّهْريِّ حديثَ عَمرِو بنِ حَزْمٍ، ليس هو بشيءٍ، وسُلَيمانُ بنُ داودَ اليَمَاميُّ ليس هو بشيءٍ، ولم يتابِعْ سُلَيمانَ بنَ داودَ في حديثِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ أحدٌ، وليس في الصدقاتِ حديثٌ له إسنادٌ" (سؤالات ابن مَعِين للدَّقَّاق ٤١ - ٤٣).
وقولُه: "وليس في الصدقاتِ حديثٌ له إسنادٌ"، يعني: إسنادًا معتبَرًا.
وقال البَيْهَقي: "وقد أثنَى على سُلَيمانَ بنِ داودَ الخَوْلانيِّ هذا: أبو زُرْعةَ
стр. 11410
الرازيُّ، وأبو حاتم الرازيُّ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدارِميُّ، وجماعةٌ منَ الحُفَّاظِ، ورأَوْا هذا الحديثَ الذي رواه في الصدقةِ موصولَ الإسنادِ حسنًا، والله أعلم" اهـ.
قلنا: أمَّا سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ، فالراجحُ أنه صدوقٌ كما قال الحافظُ في (التقريب ٢٥٥)، ولكن ليس هو صاحبَ هذا الحديثِ كما سيأتي بيانُهُ.
فهذا الإسنادُ ظاهرُهُ السلامةُ على الأرجحِ من حالِ سُلَيمانَ بنِ داودَ؛ ولذا صحَّحه ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ وغيرُهُما.
لكنِ الصوابُ أنه إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان تَحُولان دون تصحيحه:
العلةُ الأُولى: أن سُلَيمانَ راوي هذا الحديثِ ليس هو سُلَيمانَ بنَ داودَ الخَوْلانيَّ؛ وإنما هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، وقد أخطأَ في ذلك الحَكَمُ بنُ مُوسَى، فسمَّاهُ (سُلَيمانَ بنَ داودَ)، وتابعه على ذلك أحمدُ بنُ سُلَيمانَ:
فقد علَّقه البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٤/ ١٠) عن شيخِهِ أحمدَ بنِ سُلَيمانَ، عن يحيى بنِ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ داودَ الخَوْلانيِّ، عنِ الزُّهْريِّ، به.
وأحمدُ هذا هو: ابنُ أبي الطيِّبِ سُلَيمانَ البغداديُّ؛ ضَعَّفَهُ أبو حاتم. وقال ابنُ حَجَرٍ: "صدوقٌ حافظٌ، له أغلاطٌ، ضَعَّفَهُ بسببها أبو حاتم، وله في البخاريِّ حديثٌ واحدٌ متابعةً" (التقريب ٥١).
وأمَّا الحَكَمُ بنُ مُوسَى، فهو وإن كانَ صدوقًا، فإنه خُولِفَ فيه:
فرواه أبو داودَ في (المراسيل ٢٥٨)، من طريقِ محمدِ بنِ بكَّار بنِ بِلالٍ، وجامعِ بنِ بكَّار، كلاهما عن يحيى بنِ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، عنِ الزُّهْريِّ، به.
стр. 11411
ومحمد بنُ بكَّارٍ وأخوه جامِع بنُ بكَّار صدوقان كما في (التقريب: ٨٨٦، ٥٧٥٧).
وقد جعلاه من حديثِ سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، ويترجَّحُ قولُهما على قولِ الحَكَمِ وأحمدَ بنِ سُلَيمانَ بثلاثةِ أُمورٍ:
الأمر الأول: أنهما دمشقيان كشيخهما يحيى بنِ حمزةَ؛ فهُما أعلمُ بحديثِ بَلَدِيِّهما من الحَكَمِ وصاحبِهِ؛ إذ هما بغداديان.
الأمر الثاني: أنه قد نصَّ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ والحُفَّاظِ على وهَمِ الحَكَمِ فيه، بل وذَكَرَ بعضُهُم أنه رَآهُ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ من حديثِ سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، وإليك تفصيل ذلك:
* الإمامُ أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ؛ قال: "والذي قال: ((سُلَيمان بن داودَ))؛ وهِمَ فيه" اهـ.
ثم رواه أبو داودَ عن الحَكَمِ بنِ موسى بإسنادِهِ، وقال: "وهِمَ فيه الحَكَمُ".
* النَّسائيُّ؛ حيثُ قال -بعد أن رواه من طريقِ الحكمِ-: "خالفه محمدُ بنُ بكَّار بنِ بلال"،
ثم ساقَهُ بإسنادِهِ (برقم ٤٨٥٤) من طريقِ محمدِ بنِ بكَّار، به.
وقال: "وهذا أشبَه بالصوابِ، وسُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ متروكُ الحديثِ".
* أبو هُبَيْرةَ الدِّمَشقيُّ محمدُ بنُ الوليدِ؛ قال أبو داودَ في (المراسيل ٢٥٨): "حدثَنا أبو هُبَيرةَ، قال: قرأتُهُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ: حدثني سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم".
* الحافظ دُحَيْم؛ قال: "نظرتُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، فإذا هو سُلَيمانُ بنُ
стр. 11412
أَرْقَم" (الميزان ٣/ ٢٨٧).
* أبو زُرْعةَ الدِّمَشْقيُّ؛ قال: "حُدِّثتُ أنه وُجِدَ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ: عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، عنِ الزُّهْريِّ، ولكنَّ الحَكَمَ بنَ موسى لم يَضبِطْ" اهـ. (تاريخ دمشق ٢٢/ ٣٠٩).
* أبو نُعَيمٍ الأَصْبَهانيُّ؛ حيثُ قال -بعد أن رواه من طريقِ الحَكَمِ-: "هكذا قاله الحَكَمُ.
وقال أبو زُرْعةَ: هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ"، ثم استدلَّ أبو نُعَيمٍ على ذلك بما رواه العباسُ بنُ الفَضْلِ الأنصاريُّ، عن أبي معاذٍ الأنصاريِّ، عنِ الزُّهْريِّ، به. قال أبو نُعَيمٍ: "وأبو معاذٍ هو: سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ" اهـ. (المعرفة ٤٩٧٤).
والعباسُ هذا وإن قال فيه الحافظُ: (متروكٌ)، فإن ابنَ حِبَّانَ ذكر أن روايتَهُ عنِ البصريِّينَ مستقيمةٌ، وابنُ أَرْقمَ بصريٌّ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "يُكتَبُ حديثُهُ".
* الدَّارَقُطْنيُّ؛ قال: "سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ الشاميُّ ليس به بأس ... رُويَ عنه حديثٌ عنِ الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بنِ حَزْمٍ، الحديث الطويل، لا يَثْبُتُ عنه؛ قال غيرُ الحَكَمِ بنِ موسى: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم" اهـ. (تاريخ دمشق ٢٢/ ٣١٢).
* الحافظُ أبو عبد الله بنُ مَنْدَهْ؛ قال: "قرأتُ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ بخطه: عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقَمَ، عن الزُّهْريِّ" (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٩).
* أبو الحسن الهَرَويُّ؛ قال: "الحديثُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقَمَ، غَلِطَ عليه الحَكَمُ" اهـ. (التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ١٣٢).
* عبدُ الجبارِ الخَوْلانيُّ؛ قال: "هذا غلَطٌ منَ الحَكَمِ بنِ موسى ... والذي
стр. 11413
صحَّ عندنا أنه رَوَى حديثَ الصدقاتِ عنِ الزُّهْريِّ، هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، هكذا هو مكتوبٌ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، وهو الصوابُ" اهـ. (تاريخ داريا ص ٨١).
الأمر الثالث: ما استدلَّ به أبو نُعَيمٍ، وهو رواية العباسِ بنِ الفَضْلِ الأنصاريِّ، عن أبي معاذٍ الأنصاريِّ، عن الزُّهْريِّ، به، (وأبو معاذ هو: سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم).
إذًا؛ فصاحبُ الحديثِ هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم، وابنُ أَرْقَمَ هذا متروكٌ كما سبقَ عن النَّسائيِّ، وكذلك قال أبو حاتم، والتِّرْمِذيُّ، والدَّارَقُطْنيُّ، وابنُ خِرَاشٍ، وغيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ. انظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ١٤٨).
وعلى هذا؛ فالإسنادُ ضعيفٌ جدًّا.
* وسلكَ ابنُ عَدِيٍّ مسلكًا آخَرَ؛ فذهبَ إلى أن سُلَيمانَ بنَ داودَ صاحبَ هذا الحديثِ راوٍ مجهولٌ، وردَّ قولَ مَن قالَ: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، كما ردَّ أيضًا قولَ أحمدَ بأنه من أهلِ الجزيرةِ، ثم قال: "والحَكَمُ بنُ موسى قد ضبَطَ ذلك، وسُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ صحيحٌ كما ذكره الحَكَمُ، وقد رواه عنه غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، إلا أنه مجهولٌ" اهـ. (الكامل ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
قلنا: هكذا جاءتِ العبارةُ في عدة طبعات من (الكامل): (وقد رواه عنه غيرُ يحيى)، والمتأمِّلُ في بقيةِ السياقِ يَكادُ يجزِمُ بأن هذه العبارةَ محرَّفةٌ، وأن صوابها: (وقد روَى عنه غيرُ يحيى)؛ فإن ابنَ عَدِيٍّ استدلَّ لما ذكره بأنْ قال: "أخبرَناه ... "، وساقَ سندًا من روايةِ صَدَقةَ بنِ عبدِ اللهِ، عن سُلَيمانَ بنِ داودَ الخَوْلانيِّ، قال: سمِعتُ أبا قِلابةَ الجَرْميَّ يقولُ: "حدثني عشرةٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ... " الحديثَ.
وهذا حديثٌ آخَرُ لا علاقةَ له بحديثنا ألْبَتَّةَ، فمرادُ ابنِ عَدِيٍّ من ذِكره إنما
стр. 11414
هو الاستدلالُ على أنَّ الخَوْلانيَّ هذا قد روَى عنه غيرُ يحيى، فتأمَّل.
ومما يُؤَيِّدُ ذلك أيضًا قولُ ابنِ عَدِيٍّ -بعد هذا الحديثِ الذي ساقه-: "وقد روَى عن سُلَيمانَ بنِ داودَ غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، وصدقةَ بنِ عبد اللهِ، كما ذكرْتُه منَ الشاميِّين".
وقد ذهبَ ابنُ التُّرْكُماني أيضًا إلى تجهيلِ سُلَيمانَ، فقال: "سُلَيمانُ هذا مجهولٌ لا يُعرَفُ" (الجوهر النقي ١/ ٨٨).
وعلى كُلٍّ؛ فلم نجدْ مَن رواه عن سُلَيمانَ هذا غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، وقد رجَّحَ الذَّهَبيُّ وابنُ حَجَرٍ أن صاحبَ الحديثِ هو ابنُ أَرْقَمَ:
قال الذَّهَبيُّ: "ترجَّحَ أن الحَكَمَ بنَ موسى وَهِمَ ولا بُدَّ"، وقال أيضًا: "رجَّحْنا أنه ابنُ أَرْقَمَ؛ فالحديثُ إذًا ضعيفُ الإسنادِ" (الميزان ٣/ ٢٨٨).
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: "أمَّا سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ، فلا ريبَ في أنه صدوقٌ، لكن الشُّبهة دخلتْ على حديثِ الصدقاتِ من جهةِ أنَّ الحَكَمَ بنَ موسى غلِطَ في اسمِ والد سُلَيمانَ، فقال: سُلَيمانُ بنُ داودَ، وإنما هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، فمَنْ أَخذَ بهذا ضعَّفَ الحديثَ، ولا سيَّما مع قولِ مَن قال: إنه قرأه كذلك في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ ... وأمَّا مَن صحَّحه فأخذوه على ظاهرِهِ في أنه سُلَيمانُ بنُ داودَ، وقَوِيَ عندهم أيضًا بالمرسلِ الذي رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، والله أعلم" اهـ. (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٩).
قلنا: وهذا تحقيقٌ بديعٌ، غير أن في قولِهِ: "وقَوِيَ عندهم بالمرسلِ ... " نظرًا ظاهرًا؛ فإن روايةَ مَعْمَرٍ للحديثِ عن الزُّهْريِّ مرسَلًا لا تقوِّي الموصولَ، بل تُعِلُّه، حتى ولو سلَّمْنا بأن الذي وصله هو سُلَيمانُ بنُ داودَ؛ فإنه متكلَّمٌ فيه كما سبقَ، ومَعْمَرٌ من أثبتِ أصحابِ الزُّهْري بعد مالكٍ،
стр. 11415
فإرسالُهُ للحديثِ يُعتبَرُ علةً للموصولِ، ولذا قال ابنُ عَدِي: "وأمَّا حديثُ الصدقاتِ فله أصلٌ في بعضِ ما رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، فأفسدَ إسنادَهُ، وحديثُ سُلَيمانَ بنِ داودَ مُجوَّدُ الإسنادِ" اهـ. (الكامل ٣/ ٢٧٥).
ويتقوَّى هذا بأن المحفوظَ عن الزُّهْريِّ في هذا الحديثِ إرسالُهُ، وهذه هي:
العلةُ الثانيةُ: الإرسالُ، وقد أشارَ النَّسائيُّ في (سننه) إلى هذه العلةِ؛ فقال -بعدَ أن رَجَّحَ أنه من روايةِ ابنِ أَرْقمَ-: "وقد روَى هذا الحديثَ يونسُ عن الزُّهْري مرسَلًا".
ثم ساقه بإسنادِهِ (٤٨٥٥) من طريقِ يونسَ بنِ يزيدَ الأَيْليِّ، ومن طريقِ سعيد بنِ عبد العزيز التَّنُوخيِّ (٤٨٥٦)، عن ابنِ شِهابٍ، قال: ((قرأتُ كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذي كتبَ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ حينَ بعثه على نَجْرانَ، وكان الكتابُ عند أبي بكر بنِ حَزْم ... ))، وساقَ الحديثَ مرسَلًا مختصرًا.
ورواه أبو داودَ في (المراسيل ٩٤) من طريقِ شُعيبِ بنِ أبي حمزةَ، عن الزُّهْريِّ، به مرسَلًا.
قال أبو داودَ: "أُسنِدَ هذا، ولا يصحُّ" اهـ.
قلنا: وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ من أثبتِ الناسِ في الزُّهْريِّ، والتَّنُوخيُّ ثقةٌ إمامٌ، وكذلك يونسُ، فروايتُهم عن الزُّهْريِّ أَوْلى بالتصويبِ؛ فعادَ الحديثُ إلى كوْنِه مرسَلًا، فالموصولُ منكَرٌ مع ضَعْفِ إسنادِهِ.
قال الطَّحاويُّ: "ومما يدُلُّ أيضًا على وَهَاءِ هذا الحديثِ: أن أصحابَ الزُّهْريِّ المأخوذَ علْمُه عنهم مثْل: يونسَ بنِ يزيدَ، ومَن روَى عن الزُّهْري