ومحمد بنُ بكَّارٍ وأخوه جامِع بنُ بكَّار صدوقان كما في (التقريب: ٨٨٦، ٥٧٥٧).
وقد جعلاه من حديثِ سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، ويترجَّحُ قولُهما على قولِ الحَكَمِ وأحمدَ بنِ سُلَيمانَ بثلاثةِ أُمورٍ:
الأمر الأول: أنهما دمشقيان كشيخهما يحيى بنِ حمزةَ؛ فهُما أعلمُ بحديثِ بَلَدِيِّهما من الحَكَمِ وصاحبِهِ؛ إذ هما بغداديان.
الأمر الثاني: أنه قد نصَّ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ والحُفَّاظِ على وهَمِ الحَكَمِ فيه، بل وذَكَرَ بعضُهُم أنه رَآهُ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ من حديثِ سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، وإليك تفصيل ذلك:
* الإمامُ أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ؛ قال: "والذي قال: ((سُلَيمان بن داودَ))؛ وهِمَ فيه" اهـ.
ثم رواه أبو داودَ عن الحَكَمِ بنِ موسى بإسنادِهِ، وقال: "وهِمَ فيه الحَكَمُ".
* النَّسائيُّ؛ حيثُ قال -بعد أن رواه من طريقِ الحكمِ-: "خالفه محمدُ بنُ بكَّار بنِ بلال"،
ثم ساقَهُ بإسنادِهِ (برقم ٤٨٥٤) من طريقِ محمدِ بنِ بكَّار، به.
وقال: "وهذا أشبَه بالصوابِ، وسُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ متروكُ الحديثِ".
* أبو هُبَيْرةَ الدِّمَشقيُّ محمدُ بنُ الوليدِ؛ قال أبو داودَ في (المراسيل ٢٥٨): "حدثَنا أبو هُبَيرةَ، قال: قرأتُهُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ: حدثني سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم".
* الحافظ دُحَيْم؛ قال: "نظرتُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، فإذا هو سُلَيمانُ بنُ
стр. 11412
أَرْقَم" (الميزان ٣/ ٢٨٧).
* أبو زُرْعةَ الدِّمَشْقيُّ؛ قال: "حُدِّثتُ أنه وُجِدَ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ: عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقمَ، عنِ الزُّهْريِّ، ولكنَّ الحَكَمَ بنَ موسى لم يَضبِطْ" اهـ. (تاريخ دمشق ٢٢/ ٣٠٩).
* أبو نُعَيمٍ الأَصْبَهانيُّ؛ حيثُ قال -بعد أن رواه من طريقِ الحَكَمِ-: "هكذا قاله الحَكَمُ.
وقال أبو زُرْعةَ: هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ"، ثم استدلَّ أبو نُعَيمٍ على ذلك بما رواه العباسُ بنُ الفَضْلِ الأنصاريُّ، عن أبي معاذٍ الأنصاريِّ، عنِ الزُّهْريِّ، به. قال أبو نُعَيمٍ: "وأبو معاذٍ هو: سُلَيمانُ بنُ أَرْقمَ" اهـ. (المعرفة ٤٩٧٤).
والعباسُ هذا وإن قال فيه الحافظُ: (متروكٌ)، فإن ابنَ حِبَّانَ ذكر أن روايتَهُ عنِ البصريِّينَ مستقيمةٌ، وابنُ أَرْقمَ بصريٌّ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "يُكتَبُ حديثُهُ".
* الدَّارَقُطْنيُّ؛ قال: "سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ الشاميُّ ليس به بأس ... رُويَ عنه حديثٌ عنِ الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بنِ حَزْمٍ، الحديث الطويل، لا يَثْبُتُ عنه؛ قال غيرُ الحَكَمِ بنِ موسى: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم" اهـ. (تاريخ دمشق ٢٢/ ٣١٢).
* الحافظُ أبو عبد الله بنُ مَنْدَهْ؛ قال: "قرأتُ في كتابِ يحيى بنِ حمزةَ بخطه: عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقَمَ، عن الزُّهْريِّ" (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٩).
* أبو الحسن الهَرَويُّ؛ قال: "الحديثُ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، عن سُلَيمانَ بنِ أَرْقَمَ، غَلِطَ عليه الحَكَمُ" اهـ. (التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ١٣٢).
* عبدُ الجبارِ الخَوْلانيُّ؛ قال: "هذا غلَطٌ منَ الحَكَمِ بنِ موسى ... والذي
стр. 11413
صحَّ عندنا أنه رَوَى حديثَ الصدقاتِ عنِ الزُّهْريِّ، هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، هكذا هو مكتوبٌ في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ، وهو الصوابُ" اهـ. (تاريخ داريا ص ٨١).
الأمر الثالث: ما استدلَّ به أبو نُعَيمٍ، وهو رواية العباسِ بنِ الفَضْلِ الأنصاريِّ، عن أبي معاذٍ الأنصاريِّ، عن الزُّهْريِّ، به، (وأبو معاذ هو: سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم).
إذًا؛ فصاحبُ الحديثِ هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَم، وابنُ أَرْقَمَ هذا متروكٌ كما سبقَ عن النَّسائيِّ، وكذلك قال أبو حاتم، والتِّرْمِذيُّ، والدَّارَقُطْنيُّ، وابنُ خِرَاشٍ، وغيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ. انظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ١٤٨).
وعلى هذا؛ فالإسنادُ ضعيفٌ جدًّا.
* وسلكَ ابنُ عَدِيٍّ مسلكًا آخَرَ؛ فذهبَ إلى أن سُلَيمانَ بنَ داودَ صاحبَ هذا الحديثِ راوٍ مجهولٌ، وردَّ قولَ مَن قالَ: إنه سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، كما ردَّ أيضًا قولَ أحمدَ بأنه من أهلِ الجزيرةِ، ثم قال: "والحَكَمُ بنُ موسى قد ضبَطَ ذلك، وسُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ صحيحٌ كما ذكره الحَكَمُ، وقد رواه عنه غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، إلا أنه مجهولٌ" اهـ. (الكامل ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
قلنا: هكذا جاءتِ العبارةُ في عدة طبعات من (الكامل): (وقد رواه عنه غيرُ يحيى)، والمتأمِّلُ في بقيةِ السياقِ يَكادُ يجزِمُ بأن هذه العبارةَ محرَّفةٌ، وأن صوابها: (وقد روَى عنه غيرُ يحيى)؛ فإن ابنَ عَدِيٍّ استدلَّ لما ذكره بأنْ قال: "أخبرَناه ... "، وساقَ سندًا من روايةِ صَدَقةَ بنِ عبدِ اللهِ، عن سُلَيمانَ بنِ داودَ الخَوْلانيِّ، قال: سمِعتُ أبا قِلابةَ الجَرْميَّ يقولُ: "حدثني عشرةٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ... " الحديثَ.
وهذا حديثٌ آخَرُ لا علاقةَ له بحديثنا ألْبَتَّةَ، فمرادُ ابنِ عَدِيٍّ من ذِكره إنما
стр. 11414
هو الاستدلالُ على أنَّ الخَوْلانيَّ هذا قد روَى عنه غيرُ يحيى، فتأمَّل.
ومما يُؤَيِّدُ ذلك أيضًا قولُ ابنِ عَدِيٍّ -بعد هذا الحديثِ الذي ساقه-: "وقد روَى عن سُلَيمانَ بنِ داودَ غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، وصدقةَ بنِ عبد اللهِ، كما ذكرْتُه منَ الشاميِّين".
وقد ذهبَ ابنُ التُّرْكُماني أيضًا إلى تجهيلِ سُلَيمانَ، فقال: "سُلَيمانُ هذا مجهولٌ لا يُعرَفُ" (الجوهر النقي ١/ ٨٨).
وعلى كُلٍّ؛ فلم نجدْ مَن رواه عن سُلَيمانَ هذا غيرُ يحيى بنِ حمزةَ، وقد رجَّحَ الذَّهَبيُّ وابنُ حَجَرٍ أن صاحبَ الحديثِ هو ابنُ أَرْقَمَ:
قال الذَّهَبيُّ: "ترجَّحَ أن الحَكَمَ بنَ موسى وَهِمَ ولا بُدَّ"، وقال أيضًا: "رجَّحْنا أنه ابنُ أَرْقَمَ؛ فالحديثُ إذًا ضعيفُ الإسنادِ" (الميزان ٣/ ٢٨٨).
وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: "أمَّا سُلَيمانُ بنُ داودَ الخَوْلانيُّ، فلا ريبَ في أنه صدوقٌ، لكن الشُّبهة دخلتْ على حديثِ الصدقاتِ من جهةِ أنَّ الحَكَمَ بنَ موسى غلِطَ في اسمِ والد سُلَيمانَ، فقال: سُلَيمانُ بنُ داودَ، وإنما هو سُلَيمانُ بنُ أَرْقَمَ، فمَنْ أَخذَ بهذا ضعَّفَ الحديثَ، ولا سيَّما مع قولِ مَن قال: إنه قرأه كذلك في أصلِ يحيى بنِ حمزةَ ... وأمَّا مَن صحَّحه فأخذوه على ظاهرِهِ في أنه سُلَيمانُ بنُ داودَ، وقَوِيَ عندهم أيضًا بالمرسلِ الذي رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، والله أعلم" اهـ. (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٩).
قلنا: وهذا تحقيقٌ بديعٌ، غير أن في قولِهِ: "وقَوِيَ عندهم بالمرسلِ ... " نظرًا ظاهرًا؛ فإن روايةَ مَعْمَرٍ للحديثِ عن الزُّهْريِّ مرسَلًا لا تقوِّي الموصولَ، بل تُعِلُّه، حتى ولو سلَّمْنا بأن الذي وصله هو سُلَيمانُ بنُ داودَ؛ فإنه متكلَّمٌ فيه كما سبقَ، ومَعْمَرٌ من أثبتِ أصحابِ الزُّهْري بعد مالكٍ،
стр. 11415
فإرسالُهُ للحديثِ يُعتبَرُ علةً للموصولِ، ولذا قال ابنُ عَدِي: "وأمَّا حديثُ الصدقاتِ فله أصلٌ في بعضِ ما رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، فأفسدَ إسنادَهُ، وحديثُ سُلَيمانَ بنِ داودَ مُجوَّدُ الإسنادِ" اهـ. (الكامل ٣/ ٢٧٥).
ويتقوَّى هذا بأن المحفوظَ عن الزُّهْريِّ في هذا الحديثِ إرسالُهُ، وهذه هي:
العلةُ الثانيةُ: الإرسالُ، وقد أشارَ النَّسائيُّ في (سننه) إلى هذه العلةِ؛ فقال -بعدَ أن رَجَّحَ أنه من روايةِ ابنِ أَرْقمَ-: "وقد روَى هذا الحديثَ يونسُ عن الزُّهْري مرسَلًا".
ثم ساقه بإسنادِهِ (٤٨٥٥) من طريقِ يونسَ بنِ يزيدَ الأَيْليِّ، ومن طريقِ سعيد بنِ عبد العزيز التَّنُوخيِّ (٤٨٥٦)، عن ابنِ شِهابٍ، قال: ((قرأتُ كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذي كتبَ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ حينَ بعثه على نَجْرانَ، وكان الكتابُ عند أبي بكر بنِ حَزْم ... ))، وساقَ الحديثَ مرسَلًا مختصرًا.
ورواه أبو داودَ في (المراسيل ٩٤) من طريقِ شُعيبِ بنِ أبي حمزةَ، عن الزُّهْريِّ، به مرسَلًا.
قال أبو داودَ: "أُسنِدَ هذا، ولا يصحُّ" اهـ.
قلنا: وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ من أثبتِ الناسِ في الزُّهْريِّ، والتَّنُوخيُّ ثقةٌ إمامٌ، وكذلك يونسُ، فروايتُهم عن الزُّهْريِّ أَوْلى بالتصويبِ؛ فعادَ الحديثُ إلى كوْنِه مرسَلًا، فالموصولُ منكَرٌ مع ضَعْفِ إسنادِهِ.
قال الطَّحاويُّ: "ومما يدُلُّ أيضًا على وَهَاءِ هذا الحديثِ: أن أصحابَ الزُّهْريِّ المأخوذَ علْمُه عنهم مثْل: يونسَ بنِ يزيدَ، ومَن روَى عن الزُّهْري
стр. 11416
في ذلك شيئًا، إنما روَى عنه الصحيفةَ التي عند آل عمر ﵁، أفترى الزُّهْريَّ تكون فرائضُ الإبل عنده عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْمٍ، عن أبيه، عن جده -وهُمْ جميعًا أئمةٌ وأهلُ علمٍ مأخوذٌ عنهم- فيسكت عن ذلك ويضْطَرُّه الأمرُ إلى الرجوع إلى صحيفة عمر غيرِ مرويَّة ليحدِّثَ الناسَ بها؟ ! هذا عندنا مما لا يجوزُ على مِثْله" (شرح معاني الآثار ٤/ ٣٧٨/ رقم ٧٣٧٥).
قلنا: إطلاقُ الوَهَاءِ على الحديثِ غيرُ جيِّد؛ لأنه ثبَتَ وِجادةً؛ فيُحمَل ذلك على وَهائِه مسنَدًا.
الطريق الثاني:
رواه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٢٩٦) من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي أُوَيْس، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي بكر، ومحمدِ بنِ أبي بكر بن عَمرو بنِ حَزْم، عن أبيهما، عن جدِّهما، به (١).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه أربعُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى: إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس؛ مختلَفٌ فيه، قال أحمدُ: "لا بأسَ به"، وكذا قال ابنُ مَعِينٍ في رواية الدارِمي (٩٣١)، وضَعَّفَهُ في عِدَّةِ رواياتٍ أُخْرَى، فروَى ابنُ أبي خَيْثَمةَ عنه أنه قال فيه: "صدوقٌ، ضعيفُ العقلِ، ليسَ بذاك"؛ يعني: أنه لا يُحْسِنُ الحديثَ، ولا يَعْرفُ أن يؤدِّيَه، أو يقرأ من غيرِ كتابِهِ". وقال مُعاويةُ بنُ صالحٍ عن يحيى: "أبو أُوَيْس وابنُه ضعيفان" (التهذيب ٥/ ٢٨١). وقال ابنُ الجُنَيْدِ عن يحيى: "مخلِّطٌ،
стр. 11417
يَكذِبُ، ليس بشيءٍ" (سؤالات ابن الجُنَيد ١٧٤).
وقال أبو حاتم: "محلُّه الصدق، وكان مغفَّلًا". وقال النَّسائيُّ: "ضعيفٌ"، وقال في موضع آخَرَ: "ليس بثقةٍ". وقال أبو القاسم اللَّالَكَائيُّ: "بالغَ النَّسائيُّ في الكلامِ عليه، إلى أن يؤدِّيَ إلى ترْكه، ولعلَّه بانَ له ما لم يَبِنْ لغيره؛ لأن كلامَ هؤلاءِ كلِّهم يَئُولُ إلى أنه ضعيفٌ" (تهذيب التهذيب ١/ ٣١١).
قلنا: ذَكر الحافظُ أنه رُمِي بالوضْعِ، ثم روَى عن سلَمةَ بنِ شَبِيبٍ الحافظِ أنه قال: "سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبي أُوَيْسٍ يقولُ: ربما كنتُ أَضعُ الحديثَ لأهلِ المدينةِ إذا اختلفوا في شيءٍ فيما بينهم". قال الحافظُ: "وهذا هو الذي بانَ للنسائيِّ منه حتَّى تجنَّبَ حديثَه وأطلقَ القولَ فيه بأنه ليسَ بثقةٍ، ولعلَّ هذا كان من إسماعيلَ في شَبِيبته ثم انصلحَ، وأما الشيخان فلا أَظنُّ بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيحَ من حديثِهِ الذي شاركَ فيه الثقات، وقد أوضحتُ ذلك في مقدمة شرحي على البخاريِّ" (تهذيب التهذيب ١/ ٣١١).
ونصُّ كلامِ الحافظِ -في (مقدمة الفتح ص ٣٩١) بعد أن ذكرَ الخلافَ فيه-، قال: "وعلى هذا لا يُحْتجُّ بشيءٍ من حديثِهِ غير ما في (الصحيح)؛ مِن أجْلِ ما قدح فيه النَّسائيُّ وغيرُهُ، إلا إنْ شاركه فيه غيرُه فيُعتبَرُ به" اهـ.
وهذا هو المعتمَدُ في أمرِ إسماعيلَ، خِلافًا لقولِ الحافظِ في (التقريب ٤٦٠): "صدوقٌ، أخطأَ في أحاديثَ مِن حفْظِه" اهـ.
العلةُ الثانيةُ: أبو أُوَيْس والدُ إسماعيلَ، واسمُه: عبد الله بن عبد الله بن أُوَيس؛ مختلَفٌ فيه أيضًا، والجمهورُ على تليينه، منهم: ابنُ المَدِيني، وابنُ مَعِين، والنَّسائيُّ، وأبو حاتم، وأبو زُرْعةَ، والفَلَّاسُ، ويعقوبُ بنُ شَيْبةَ، وغيرُهُم. انظر: (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٨١).
стр. 11418
العلةُ الثالثةُ: الانقطاعُ، وبيانُهُ يحتاجُ إلى تفصيلٍ؛ فإن والدَ عبد الله ومحمدٍ ابنَيْ أبي بكر هو: أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم الأنصاريُّ، فقولُه: "عن جدهما" يحتمِل وجهين:
الوجه الأول: أن يُرادَ به الجدُّ الأدنى، وهو محمد بن عَمرو بن حَزْم، وحينئذٍ يكونُ الحديثُ مرسَلًا، وليس بمتصلٍ؛ لأن محمدًا له رُؤيةٌ، ولا سماعَ له منَ النبيِّ ﷺ ، قال العَلَائيُّ: "وُلِد على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فقيل: قبل موته بسنتين، وقيل بعد ذلك؛ فهو تابعيٌّ ليس إلَّا، وحديثُه مرسَلٌ" (جامع التحصيل ٧٠٢).
الوجه الثاني: أن يرادَ به الجدُّ الأعلى، وهو عَمرو بن حَزْم الصحابي، وحينئذٍ يكونُ الإسنادُ منقطعًا؛ لأن أبا بكر بن محمدٍ روايتُه عن جدِّه مرسَلةٌ كما قال المِزِّيُّ في (تهذيب الكمال ٣٣/ ١٣٧).
العلة الرابعة: الإرسالُ؛ فإنه المحفوظُ في هذا الحديثِ، هكذا رواه مالكٌ في (الموطأ ٥٣٤) عن عبد الله بن أبي بكر مرسَلًا: ((أنَّ في الكتابِ الذي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ ... ))، وذكر الحديث.
وقيل: عن مالكٍ، عن عبدِ اللهِ، عن أبيه، مرسَلًا أيضًا.
وقد جاءَ هكذا في موضعٍ آخَرَ من (الموطأ ٢٤٥٨).
وكذلك رواه مَعْمَرٌ، عن عبدِ اللهِ، عن أبيه، مرسَلًا (مصنَّف عبد الرزاق ١٣٣٩).
وإرسالُهُ هو الراجحُ عنِ الزُّهْريِّ كما سبقَ.
ولذا قال أبو داودَ: "أُسنِد هذا، ولا يصحُّ" اهـ.
стр. 11419
وقد أسندَهُ بعضُهُم عن مَعْمَرٍ، وهذا هو:
الطريق الثالث:
رواه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٢٩٥) من طريقِ أبي مسعودٍ الرازيِّ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده به (١).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: الانقطاعُ، أو الإرسالُ؛ لأن قولَهُ: "عن جدِّه" يحتمل وجهين، كما بيَّنَّاه في الطريقِ السابقِ، أحدهما مرسَل، والآخَر منقطع.
والوجهُ المرسَلُ هو الذي استظهره الطَّحاويُّ وابنُ حَجَرٍ، وأعَلَّاه به. انظر: (شرح معاني الآثار ٤/ ٣٧٧/ ٧٣٧٥)، و (التلخيص ٤/ ١٧).
والوجه الثاني المنقطِعُ هو الذي استظهره ابنُ دَقيقِ العيدِ في كلامِهِ على روايةِ مَن أسنده عن مالكٍ كما سيأتي، وقال: "وإنما يكونُ متصلًا إذا أُريدَ الأعلى" (الإمام ٢/ ٤١٥).
ويعني بقوله: "متصلًا"؛ أي: مُسنَدًا، في مقابلِ الوجهِ المرسَلِ، ولا يعني أنه متصلُ الإسنادِ؛ لأن هذا الوجهَ المسنَدَ منقطعٌ؛ كما بيَّنَّاه قريبًا.
العلة الثانية: أن المحفوظَ فيه الإرسالُ كما تقدَّم ذِكرُه، وهكذا رواه عبد الرزاق كما سبقَ، ورواه من طريقه الدَّارَقُطْنيُّ في موضعين من (سننه ٤٣٩، ٢٧٢٣).
قال البَيْهَقيُّ: "كذا في كتابي ((عن جده))، ولم يذكره غيرُه -يعني: أبا مسعود- عن عبد الرزاق" (الخلافيات ١/ ٥٠٠).
стр. 11420
وأبو مسعود هو: أحمد بنُ الفُرَات الرازيُّ؛ ثقةٌ حافظٌ. كما في (التقريب ٨٨)، ومع ذلك فقد تُوبِع كما سيأتي.
وقال الزَّيْلَعيُّ: "لم أجدْهُ عند عبد الرزاق في (مصنَّفه) وفي (تفسيرِهِ) إلا مُرْسَلًا" (نصب الراية ١/ ١٩٧).
قلنا: هو في (المصنَّف) في غير ما موضع بذِكر (عن أبيه، عن جده)، جاءَ ذلك في كتابِ: (العُقُول)، باب: (المُوضِحَة/ ١٧٣١٤)، وباب: (المَأْمُومة/ ١٧٣٥٨)، وباب: (العين/ ١٧٤٠٨)، وغيرها كثير.
وكذلك رواه ابنُ خُزَيمةَ في (صحيحه ٢٣٣٤)، من طريقِ عبد الرحمن بنِ بِشْر بنِ الحَكَمِ، ورواه الدارِميُّ (١٦٢٢) عن بِشْر بنِ الحَكَمِ، كلاهما عن عبد الرزاق، به.
وعبد الرحمن وأبوه بِشْرٌ ثقتان؛ فلم ينفرِدْ به أبو مسعودٍ، كما قال البَيْهَقيُّ، بل لم ينفردْ به عبدُ الرزاقِ:
فقد رواه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٧٤٠٢) من طريقِ هشامِ بنِ يوسفَ الصَّنْعانيِّ، عن مَعْمَرٍ، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده.
ورواه الدارِميُّ في (نقضه ٢/ ٦١٥)، والطَّحاويُّ في (الأحكام ٦٠٦، ٦١٣)، وابنُ زَنْجُويَهْ في (الأموال ١١٠٤)، من طريقِ ابنِ المبارَكِ، عن مَعْمَرٍ، به.
(مقتصِرِين على بعض ما جاء في الكتاب، فلم يذكروا فيه موطنَ الشاهدِ).
وهشامٌ ثقةٌ، وابنُ المبارَك ثقةٌ إمامٌ، وأخشى أن يكونَ هذا اضطرابًا من مَعْمَرٍ؛ فإنه مرَّة يرويه عن عبد الله مرسَلًا، لا يذكرُ أباه ولا جدَّه (مصنَّف عبد الرزاق ٦٩٠٤)، وتارةً يرويه (عن عبد الله، عن أبيه مرسَلًا)، دون ذِكْرِ
стр. 11421
جدِّه (مصنَّف عبد الرزاق ١٣٣٩)، وأخرى يقول: (عن أبيه، عن جده)، كما هنا.
ولو كان هذا الأخيرُ محفوظًا عن مَعْمَرٍ، فروايةُ مالكٍ المرسلَةُ أرجَحُ؛ لأنه أثبتُ من مَعْمَرٍ، وقد تابعه عليه ابنُ إسحاقَ كما سيأتي.
وكذلك رواه الزُّهْريُّ ومحمدُ بنُ عُمَارةَ عن أبي بكر بنِ محمدٍ مرسَلًا.
وعلى أيةِ حالٍ؛ فهذه الروايةُ التي فيها: (عن أبيه، عن جده) دائرةٌ بينَ الانقطاعِ والإرسالِ كما بيَّنَّاهُ، وقد أنكرَ غيرُ واحدٍ منَ العلماءِ وصْلَ هذا الحديثِ، وصحَّحوا إرسالَه كما سبقَ.
وقد رواه الدَّارَقُطْنيُّ في (غرائب مالك) من طريقِ إسحاقَ الطَّبَّاعِ، ومن طريقِ أبي ثَوْرٍ هاشِم بنِ ناجِيَة، عن مُبَشِّرِ بنِ إسماعيلَ، (كلاهما) عن مالك، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده، ثم قال: "الصوابُ عن مالكٍ؛ ليس فيه: عن جده".
وقال أيضًا: "تفرَّدَ به أبو ثَوْر، عن مُبَشِّرٍ، عن مالكٍ، فأسنَدَه عن جده" (الإمام لابن دقيقِ العيدِ ٢/ ٤١٤، ٤١٥)، (نَصْب الراية ١/ ١٩٧)، (الدراية ١/ ٨٧).
قلنا: وهو كذلك في (الموطأ)، ليس فيه: "عن جده"، وكذلك رواه القَعْنَبيُّ في (المراسيل ٩٣)، وابنُ وَهْبٍ في (المصاحف ٧٣٩)، عن مالكٍ، به.
وقد تمسَّك مُغْلَطايُ بما ذكره الدَّارَقُطْنيُّ، وذهب إلى تقويةِ حديثِ سُلَيمانَ به! ! (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٤٠٣). مع أن هذه الروايةَ التي فيها (عن جده) -بغضِ النظرِ عن إعلالها- دائرةٌ بينَ الانقطاعِ والإرسالِ، كما
стр. 11422
سبقَ بيانُهُ.
هذه هي طرقُ كتابِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ المسنَدةُ، وكلُّها معلولةٌ، والصوابُ في هذا الحديثِ إرسالُه. هذا بشأن سندِ الكتابِ عامَّةً، أما بشأن الفقرةِ المذكورةِ في هذا البابِ، فلها شواهدُ أُخرَى صحَّحها بها الألبانيُّ في (الإرواء ١/ ١٥٨)، وهي صحيحةٌ دون هذه الشواهدِ؛ لأنها وإن كانتْ مرسَلةً فإنَّ هذا المرسَلَ وِجادَةٌ صحيحةٌ يجبُ العملُ بها على الراجحِ، وتفصيل ذلك فيما يأتي.
-[تنبيهات مهمة جدًّا]-
التنبيه الأول: ترجيحُ إرسال هذا الحديثِ لا يعني ضَعْفَه مطلقًا؛ لأنه وإن لم يثبُتْ مُسْنَدًا، فقد ثبَتَ عن طريقِ الوِجادةِ؛ فهذه الصحيفةُ التي قرأها الزُّهْري وُجِدَتْ عند آل عَمرِو بن حَزْم، وقد جَزَموا بأنها كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ الذي كتبه لعَمرٍو، وهُمْ أهلُ صِدْقٍ، فهي وِجادةٌ صحيحةٌ يجبُ العملُ بها على الراجحِ؛ ولذا عَمِلَ بها الصحابةُ والتابعون، وتلقَّوْها بالقَبول:
فقد روَى عبدُ الرزاقِ في (المصنَّف ١٨٧٨٣) عن الثَّوْريِّ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيد بنِ المُسَيِّبِ: ((أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ فِي الإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي السَّبَّابَةِ عَشْرًا، وَفِي الوُسْطَى عَشْرًا، وَفِي البِنْصَرِ تِسْعًا، وَفِي الخِنْصَرِ سِتًّا، حَتَّى وَجَدْنَا كِتَابًا عِنْدَ آلِ حَزْمٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الْأَصَابِعَ كُلَّهَا سَوَاءٌ، فَأَخَذَ بِهِ)).
ورواه النَّسائيُّ في (سننه ٧٢٢٢، ٤٨٩٠) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيْر، عن يحيى بنِ سعيد، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ أحدُ العلماءِ
стр. 11423
الأثباتِ الفقهاءِ الكبارِ، اتَّفقوا على أن مرسلاتِه أصحُّ المراسيلِ (التقريب ٢٣٩٦).
وقال اللَّيْثُ بنُ سعدٍ عن يحيى بن سعيد: "إن ابنَ المُسَيِّبِ كان يُسمَّى راويةَ عُمرَ بنِ الخطابِ؛ لأنه كانَ أحفظَ الناسِ لأحكامِهِ وأقضيتِه" (تهذيب التهذيب ٤/ ٧٦).
فثبَتَ بذلك عملُ الصحابةِ بهذا الكتابِ، وإقرارُهم بأنه من رسول الله ﷺ .
قال الشافعيُّ: "لم يَقْبَلوا كتابَ آلِ عَمرو بنِ حَزْمٍ حتى ثبَتَ لهم أنه كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ " (الرسالة ٤٢٢).
وقال الإمامُ أحمدُ: "لا شَكَّ أن النبيَّ ﷺ كتبه له" (مجموع الفتاوى لابن تيميَّة ٢١/ ٢٦٦).
وقد احتجَّ به أحمدُ، مع أنه قد نصَّ على ضَعْفِ الراوي الذي وصَلَه، ولَمَّا سُئِل عن الحديثِ؟ قال: "أرجو أن يكون صحيحًا" (مسائل الإمام أحمد للبغوي ٧٢).
وكذلك ابنُ مَعِينٍ قد نصَّ على عدمِ صحته كما سبقَ، وعندما سأله رجلٌ عن الحديثِ قائلًا: هذا مسنَد؟ قال: "لا، ولكنه صالح" (تاريخ ابن مَعِين رواية الدُّوري ٦٤٧).
فهذا يدلُّ على أن نفْيَه لصحةِ الحديثِ إنما أرادَ صحتَه مسنَدًا، كما بيَّنه في قولِهِ: "وليس في الصدقاتِ حديثٌ له إسنادٌ".
أمَّا الكتابُ فلا شَكَّ في صحتِهِ، كما قال أحمدُ.
وقال يعقوبُ بنُ سفيانَ: "لا أعلمُ في جميعِ الكتبِ كتابًا أصحَّ من كتابِ
стр. 11424
عَمرو بنِ حَزْم؛ كان أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ والتَّابعون يرجعون إليه ويَدَعون آراءَهم" (المعرفة والتاريخ ٢/ ٢١٦).
وقال العقيلي: "وهو عندنا ثابت محفوظ (١) - إن شاء الله -، غير أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عن مَن فوق الزهري. والله أعلم" (الضعفاء ٢/ ١٤٢).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وكتابُ عَمرِو بنِ حَزْمٍ هذا قد تلقَّاه العلماءُ بالقَبولِ والعملِ، وهو عندهم أشهرُ وأظهرُ من الإسنادِ الواحدِ المتصِلِ" (الاستذكار ٢/ ٤٧١).
وقال أيضًا: "كتابُ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ كتابٌ مشهورٌ عند أهلِ العلمِ معروفٌ، يستغني بشهرته عن الإسنادِ" (التمهيد ١٧/ ٣٩٦).
وقال ابنُ كثيرٍ: "هذا الكتابُ متداولٌ بينَ أئمةِ الإسلامِ قديمًا وحديثًا، يعتمدونَ عليه، ويَفزَعونَ في مهمَّات هذا الشأنِ إليه".
وقال أيضًا: "وهو نسخةٌ متوارَثةٌ عندَهم، تُشبِه نسخةَ عَمرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جده" (تحفة الطالب ١/ ٢٣١).
وقال أيضًا: "وهذه وِجادةٌ جيِّدةٌ، قد قرأها الزُّهْريُّ وغيرُهُ، ومِثْل هذا ينبغي الأخذُ به". (تفسير ابن كثير ٤/ ٢٩٩).
وقال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "وهذا مرسَل ... ومِن الناس مَن يُثبِت هذا الحديثَ بشهرة الكتاب وتلقِّيه بالقَبول، ويرى أن ذلك يُغْني عن طلب الإسناد"
стр. 11425
(الإلمام ١/ ٨٧).
التنبيه الثاني:
ورد في الرواية المسنَدةِ الموصولة زياداتٌ وأحكامٌ لم تَرِدْ فيما نقله الثقاتُ من الكتاب عن طريقِ الوِجادة، وقد جزَم الإمامُ محمدُ بنُ يحيى الذُّهْليُّ بعدم صحة هذه الزيادات، فقال: "لم يسند الحديث يونس، ولا شعيب، ولا سعيد بن عبد العزيز، وذكروا أنه كتاب، غير أنهم نقصوا من الحديث، ورواه سليمان بن داود بطوله، وهو مجهول، قد روى يحيى بن حمزة عنه أشياء، عن عمر بن عبد العزيز - من الرأي، والحديث برواية يونس وشعيب وسعيد أشبه أن يكون كتاب، والكلام الذي في حديث سليمان بن داود لا أرفعه" (الضعفاء للعقيلي ٢/ ١٤٢).
وهذا تحقيقٌ بديعٌ، وصدقَ مَن قال: "الذُّهْليُّ أعلمُ الناسِ بحديثِ الزُّهْري".
التنبيه الثالث:
قال السُّهَيْليُّ: "حديث عَمرو بن حَزْمٍ أسنده الدَّارَقُطْني من طرقٍ حِسَان، أقْواها: رواية أبي داودَ الطَّيالسيِّ، عن الزُّهْري، عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن جده! " (الروض الأُنُف ١/ ١٦٨) بتصرف.
ونقل الزَّيْلَعيُّ هذا الكلامَ في (نَصْب الراية ١/ ١٩٨)، ولم يتعقَّبْه بشيء! .
وهذا الكلامُ فيه وهَمٌ جَلَل؛ فإن الطَّيالسيَّ مات سنة (٢٠٤ هـ) وعمره (٧١ سنة) تقريبًا، يعني وُلِد في حدود سنة (١٣٣ هـ)، والزُّهْري قد مات سنة (١٢٥ هـ)، يعني قبل أن يُولَد الطَّيالسيُّ بثمانية أعوام، فكيف يروي عنه الطَّيالسي؟ ! ! بل ويكون طريقُه أقوى الطرق! ! وإنما دخل الوهَمُ على
стр. 11426
السُّهَيْلي بسبب تشابُهِ اسمِ الطَّيالسي والخَوْلاني، فكلاهما اسمه (سُلَيمان بن داود)، فظنَّه السُّهَيْليُّ أبا داودَ الطَّيالسيَّ، ولم يتنبَّهْ للفارق بين طبقتَيِ الزُّهْري والطَّيالسي.
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجَدِّي: ((إِنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللهِ، فَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهذه وِجادةٌ صحيحةٌ ينبغي العملُ بها.
[التخريج]: [إبا (جهم ٤٣)].
[التحقيق]:
رواه مالك: عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم، به مرسَلًا.
وأخرجه الباقون من طريق مالك، به.
وعبد الله بن أبي بكر ثقةٌ من رجال الشيخين، ولكنه من صغار التابعين؛ فالحديثُ مرسلٌ، ولذا قال البَيْهَقيُّ: "وهو منقطع".
وقد تُوبِع عليه مالكٌ:
فرواه أبو عُبَيدٍ، وابنُ بَطَّةَ في (الإبانة)، من طريقِ ابنِ إسحاقَ، عن عبد الله بن أبي بكر، به.
فأرسله مِثْلَ مالك، قال أبو داودَ: "رُويَ هذا الحديثُ مسندًا، ولا يصحُّ".
قلنا: تقدَّم أنه وإن لم يصحَّ مسنَدًا، فهو وِجادةٌ صحيحةٌ ثبتَتْ نِسبتُها للنبي ﷺ ، وعَمِلَ بها الصحابةُ والتابعون، وعليه؛ فالحديثُ صحيحٌ، وانظر الحديثَ السابق.
стр. 11429
٢٥٨٥ - حَدِيثُ أَبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَزْمٍ:
◼ عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَزْمٍ، قَالَ: [كَانَ] ١ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ [حِينَ بَعَثَهُ إِلَى نَجْرَانَ] ٢ (([أَنَّهُ] ٣ لَا يُمَسُّ القُرْآنُ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ))).
• وفي رواية عنه: ((لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهذه وِجادةٌ صحيحةٌ ينبغي العملُ بها.
[التخريج]:
[عب ١٣٣٩ (واللفظ له) / تعب (٢/ ٢٣٧) / مد ٩٢ (والرواية، والزيادة الأولى والثالثة له، ولغيره) / حق (مط ٨٩)، (خيرة ٦٥٠) (والزيادة الثانية له ولغيره) / منذ ٦٢٦/ قط ٤٣٩، ٤٣٦، ٤٣٨/ طيل ٣٦٢/ هق ١٤٩٣/ هقل (٥/ ٤١٣) / هقخ ٢٩٤/ مكة ٢٩١٧/ حجة ٢١٠/ تمهيد (١٧/ ٣٩٦) / وسيط (٤/ ٢٤٠) / مستغفض ١٥٧].
стр. 11430
رِوَايَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ صَحِيفَةً عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَهَا لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ حِينَ أَمَّرَهُ عَلَى نَجْرَانَ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ((الحَجُّ الأَصْغَرُ العُمْرَةُ، وَلَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله، وهذه وِجادةٌ صحيحةٌ ينبغي العملُ بها.
[التخريج]: [مد ٩٤].
[التحقيق]:
رواه عبد الرزاق -ومن طريقه ابن المُنْذِر، والدَّارَقُطْني، وأبو القاسم الأَصْبَهاني-: عن مَعْمَر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، به.
وكذا أخرجه الدَّارَقُطْنيُّ من طريق عبد الرزاق، نا مَعْمَر، عن عبد الله ومحمدٍ ابنَيْ أبي بكر بن حَزْم، عن أبيهما ... به.
فجمع بين عبد الله ومحمدٍ.
وهذا إسناد رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، لكنه مرسَل؛ أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم من صغار التابعين. (التقريب ٧٩٨٨).
قال الدَّارَقُطْني: "مرسَل، ورواته ثقات".
وأعلَّه ابنُ التُّرْكُماني بالانقطاع، وهو ظاهر. (الجوهر النقي ١/ ٨٧).
وسبقَ أنه رُويَ عن مَعْمَرٍ، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده، وبيَّنَّا أنه ليس بمحفوظ، والصواب فيه: عن عبد الله عن أبيه، ليس فيه: عن جده.
стр. 11431
كذلك رواه أبو داودَ في (المراسيل)، وابن راهُويَه، من طريق محمد بن عُمَارةَ، عن أبي بكر بن محمد بن حَزْم، به مرسَلًا.
ورواه البَيْهَقيُّ في (دلائل النبوة)، و (الخلافيات) من طريق (ابن إسحاقَ) (١) عن عبد الله عن أبيه مرسلًا.
ورواه أبو داودَ في (المراسيل) من طريقِ شُعَيبٍ، عن الزُّهْريِّ، فذكرَ أنه قرأ الصحيفةَ عند أبي بكر بن محمد.
فالحديث محفوظٌ عن عبد الله مرسَلًا، وعنه عن أبيه مرسَلًا، رواه مالكٌ على الوجهين في (الموطأ)، وكذلك رواه ابنُ إسحاقَ على الوجهين أيضًا كما سبق.
غير أن مالكًا لم يَذْكر موطنَ الشاهد إلا من الوجه الأول.
وقد رواه الجُورَقاني (٣٦٢) من طريق مالك على الوجه الثاني، وذَكر فيه موطنَ الشاهد، أعني: مَسَّ المصحف.
وهذا المرسَلُ وِجادةٌ صحيحةٌ يَصِحُّ بها الحديثُ، كما تقدَّم بيانُه مفصلًا، والله أعلى وأعلم.
стр. 11432
٢٥٨٦ - حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)).
[الحكم]: صحيح المتنِ بما سبق، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ، وضَعَّفَهُ: الألبانيُّ.
[التخريج]:
[طب (١٢/ ٣١٣/ ١٣٢١٧) (واللفظ له) / طص ١١٦٢/ قط ٤٣٧/ لك ٥٧٣/ هق ٤٢٢/ هقخ ٢٩٨ - ٣٠١/ طيل ٣٦١].
[التحقيق]: هذا الحديث له طريقان:
الطريق الأول:
رواه الدَّارَقُطْني -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا سعيد بن محمد بن ثَوَاب، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جُرَيْج، عن سُلَيمانَ بن موسى، قال: سمِعتُ سالمًا يحدِّث عن أبيه، به.
ورواه الطَّبَراني، واللَّالَكائي، والجُورَقاني، من طريق سعيد بن محمد بن ثَوَاب (الحُصْري) (١)، به.
قال الطَّبَراني: "لم يَروِه عن سُلَيمانَ بن موسى إلا ابنُ جُرَيْج، ولا عنه إلا أبو عاصم، تفرَّد به سعيد بن محمد".
стр. 11433
قلنا: وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ أثبات، غيرَ اثنين، فمختلَفٌ في حالهما:
الأول: سعيد بن محمد بن ثَوَاب أبو عثمانَ الحُصْري، روَى عنه جمْعٌ منَ الثقاتِ، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ٢٧٢)، وقال: "مستقيمُ الحديثِ"، وأخرجَ له في (صحيحه) حديثًا (برقم ٢٦٧٠)، وصحَّحَ له الدَّارَقُطْنيُّ حديثًا رواه في (سننه ٤٣٧)، وقال: "إسنادُهُ صحيحٌ".
وقال الألبانيُّ: "ترجمَه الخطيبُ في (تاريخ بغداد)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ فكأنه مجهولُ الحال" اهـ. (الإرواء ١/ ١٥٩).
قلنا: بل روَى له حديثًا من طريق ابن صاعِد عنه، عن أَزْهرَ بن سعد، عن ابن عَوْن، عن محمد، أن أبا هريرةَ لَقِيَ الحَسنَ بن عليٍّ ... الحديثَ، ونقَل عن ابن صاعِدٍ أنه قال: "هكذا قال لنا هذا: عن محمد، عن أبي هريرة، وغيرُه يخالِفُه في الإسناد". اهـ. (تاريخ بغداد ٩/ ٩٤).
فأشار الخطيبُ بهذا الحديثِ إلى عدم ضبطه؛ حيث خالفه جماعةٌ منَ الثقاتِ رَوَوْهُ عن ابن عَوْن، عن عُمَيْر بنِ إسحاقَ، عن الحسن. وانظر: (مسند أحمد ٧٤٥٥، ٩٥٠٦)، (صحيح ابن حِبَّانَ ٧٠٠٧).
ولكن تُوبِع عليه سعيدٌ؛ تابعه الخَضِر بنُ أَبانَ، عن أَزْهرَ، به (المستدرك ٤٨٤٩).
فبَرِئَتْ ذِمَّةُ سعيدٍ بمتابعة الخَضِرِ هذا وإن كان ضعيفًا، ويحتمل أن يكون كلاهما وهِمَ فيه على أَزْهرَ، فأَزْهرُ ثقةٌ من رجال الشيخين.
وقد ذَكرَ الدَّارَقُطْنيُّ لسعيدٍ هذا وهَمًا آخَرَ وهِمَ فيه على أَزْهرَ أيضًا، وخالفه فيه الثقاتُ، انظر: (العلل ٣٢٥).
وقد خولِف سعيدٌ في حديثنا هذا أيضًا كما سيأتي.
стр. 11434
وإنما ذكرتُ كلَّ هذا؛ لأن سعيدًا هذا قليلُ الرواية، وأخطاؤُه هذه -مع قلة روايته- تدلُّ على أنَّه ممن يَهِم، وأنه ليس بالضابط، والله أعلم.
الثاني: سُلَيمان بن موسى، وهو الأَشْدَقُ، أحدُ الأئمةِ؛ وثَّقه ابنُ مَعِين، ودُحَيْم، والدَّارَقُطْنيُّ، وابنُ سعدٍ. وقدَّمه الزُّهْريُّ في الحفظِ على مَكْحُولٍ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "هو عندي ثبْتٌ صدوقٌ" (الكامل ٥/ ٢٤١). وقال البخاريُّ: "عندَه مناكيرُ" (التاريخ الكبير ٤/ ٣٨). وقال النَّسائي: "ليس بالقوي" (السنن الكبرى ٧٠٠٤). وقال أبو حاتم: "محلُّه الصدق، وفي حديثه بعضُ الاضطراب، ولا أعلمُ أحدًا من أصحابِ مَكْحولٍ أفقهَ منه، ولا أثبَتَ منه" (الجرح والتعديل ٤/ ١٤٢).
ولخَّص حالَه الحافظُ، فقال: "صدوقٌ فقيهٌ، في حديثه بعضُ لِينٍ، وخُولِط قبل موته بقليل" (التقريب ٢٦١٦).
قلنا: حالُه أفضلُ من ذلك بكثير، والله أعلم.
ولكنْ في هذا الإسناد علتان عدا ما سبق:
العلة الأولى: عنعنةُ ابنِ جُرَيْج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج-؛ فهو مشهورٌ بالتدليس، قال الحافظ: "ثقة، وكان يدلِّس ويرسِل" (التقريب ٤١٩٣).
وقال الدَّارَقُطْني: "شرُّ التدليسِ تدليسُ ابن جُرَيْج؛ فإنه قبيحُ التدليسِ؛ لا يدلِّسُ إلا فيما سمِعه من مجروح" اهـ. (طبقات المدلسين لابن حَجَر ٨٣).
العلة الثانية: أنه مُعَلٌّ بالإرسالِ؛ فقد خُولِفَ سعيدُ بن محمد الحُصْريُّ في وصْله:
فرواه عبد الرزاق في (المصنَّف ١٣٤٠)، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن سُلَيمانَ بن
стр. 11435
موسى، مرسَلًا.
وهذا أصحُّ من روايةِ الحُصْري؛ لِمَا تقدَّم ذِكرُه من أن الحُصْريَّ له أوهامٌ، وعبد الرزاق إمامٌ يَفوقُ الحُصْريَّ هذا بكثير.
ولم يتنبَّه لهاتين العلتين جماعةٌ من العلماء، منهم:
* ابنُ عبدِ الحقِّ؛ فقد صحَّحه متعقِّبًا به ابنَ حَزْم في قوله: "إن الآثار التي احتجَّ بها مَن لم يُجِزْ للجُنُب مَسَّ المصحفِ لا يصحُّ منها شيءٌ؛ لأنها إما مرسَلةٌ وإما صحيفةٌ لا تُسنَد"، فقال: "صحَّ عن النبيِّ ﷺ هذا الحديثُ"، فسَاقه، وقال إِثْرَه: "هذا حديثٌ صحيحٌ"، ثم أخذَ يتكلمُ على رجالِهِ، ولم يتعرَّضْ لعنعنةِ ابنِ جُرَيْجٍ، ولا لعلة الإرسال! انظر: (البدر المنير ٢/ ٥٠٣).
* الجُورَقاني؛ قال: "هذا حديثٌ مشهورٌ حسَنٌ" (الأباطيل ٣٦١).
* الحافظُ مُغْلَطاي؛ حيثُ صَحَّحَ إسنادَه في (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٤٠٠).
* الهَيْثَميُّ؛ قال: "رواه الطَّبَرانيُّ ... ورجالُه موثَّقون " (المجمع ١٥١٢).
* ابن حَجَر؛ قال: "إسنادُهُ لا بأس به؛ ذَكر الأَثْرَمُ أن أحمدَ احتجَّ به" اهـ. (التلخيص ١/ ١٣١).
وتعقَّبه في ذلك الألبانيُّ، فقال: "وكيف لا يكون فيه بأسٌ، والحافظُ نفْسُه وصفَ ابنَ جُرَيْجٍ بأنه كان يدلِّسُ، وقد عنعنه؟ ! " اهـ. (الإرواء ١/ ١٦٠).
قلنا: وما ذكره عن أحمدَ لا يُفيده؛ لأن احتجاجه به قد يكون لأجْل ما عَضَدَه من شواهدَ، كحديث عَمرو بن حَزْمٍ السابق، فإن أحمدَ يُصحِّحه كما سبق.
* بدرُ الدينِ العَيْنيُّ؛ فقد صَحَّحَ سندَه في (عمدة القاري ٣/ ٢٦١).
стр. 11436
* السُّيوطيُّ؛ رمز لحُسْنه في (الجامع الصغير ٩٩٨٦).
* المُنَاوي؛ صحَّح إسنادَه، وتعقَّب السُّيوطيَّ قائلًا: "ورمْزُ المؤلفِ لحُسْنه تقصيرٌ! " (التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ٥٠٦).
ونقَل ابنُ المُلَقِّنِ عن البَيْهَقيِّ أنه قال -بعد أن روَى الحديثَ-: "ليس بالقوي" (البدر المنير ٢/ ٥٠٣)، ولم نجدْ ذلك في (سننه).
وقد أجابَ بعضُ المحقِّقين عن عنعنةِ ابنِ جُرَيْجٍ: بأن عنعنةَ مَن أخرجَ لهم الشيخان متساهَلٌ فيها، وهي محمولةٌ على السماعِ! وهذا فيه نظرٌ ظاهر؛ فإنها محمولةٌ على السماعِ في خصوص ما خرَّجاه فقط، وليس على الإطلاق، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ على أن ما لم يصرِّح فيه ابنُ جُرَيْج بالسماعِ فليسَ بشيء. انظر: (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٥٩).
الطريق الثاني:
رواه البَيْهَقي في (الخلافيات ٣٠٠، ٣٠١)، من طريق محمد بن عبد الله [الحَضْرَمي] (١)، ثنا عبد الله بن عبد المؤمن، ثنا عُمر بن يونسَ، ثنا محمد بن جابر، عن طارق -وفي رواية: (عن أبي طارق) -، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ ابنُ عبد المؤمن لعلَّه الواسِطي، قال فيه الحافظ: "مقبول" (التقريب ٣٤٤٨).
وابن جابر هو اليَمَامي؛ قال فيه الحافظ: "صدوقٌ، ذهبتْ كتبُه؛ فساءَ
стр. 11437
حِفْظُه وخلَّط كثيرًا، وعَمِيَ؛ فصار يُلَقَّن" (التقريب (٥٧٧٧).
وأمَّا طارقٌ أو أبو طارق، فلا يُدرَى مَن هو، وفي طبقته عددٌ ممن يُكْنَى بأبي طارق، كلُّهم مجهولون، والله أعلم.
стр. 11438
٢٥٨٧ - حَدِيثُ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ:
◼ عَنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ وَالِيًا إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لَهُ: ((لَا تَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ (عَلَى طُهْرٍ))).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ: ابنُ حَزْم، والنَّوَويُّ، وابنُ عبدِ الهادِي، وابنُ كَثيرٍ، وابنُ حَجَر، والألبانيُّ.
[فائدة]: لم نصحِّح متْنَ هذا الحديثِ بالشواهد السابقة؛ لاختلاف المعنى بين قوله هناك: ((لَا يَمَسُّ))، وقولِه هنا: ((لَا تَمَسَّ))؛ لأن الأُولى يمكن حمْلُها على غير المسلم؛ لأن المسلم لا يَنْجُس، أما الثانية فهي موجَّهَة إلى المسلم خاصَّةً.
[التخريج]:
[ك ٦١٨٢ (واللفظ له) / طب (٣/ ٢٠٥/ ٣١٣٥) / طس ٣٣٠١/ قط ٤٤٠ (والرواية له ولغيره) / لك ٥٧٤/ هقخ ٣٠٢ - ٣٠٤].
[السند]:
رواه الطَّبَراني في (الكبير، والأوسط)، قال: حدثنا بكْر بن مُقْبِل البصري، ثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب القُوهِي، قال: سمِعتُ أبي، ثنا سُوَيْد أبو حاتم، ثنا مَطَرٌ الوَرَّاق، عن حسَّان بن بلال، عن حَكِيم بن حِزَام، به.
ومدارُه عندَهم عن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ، به.
قال الطَّبَراني: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن مَطَرٍ الوَرَّاق إلا سُوَيْدُ أبو حاتم، ولا يُروَى عن حَكِيم إلا بهذا الإسناد".
стр. 11439
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ مسلسَلٌ بالعِلل:
العلة الأولى: إسماعيلُ بن إبراهيمَ صاحب القُوهي، وهو: الكَرابِيسي البصري المِنْقَري؛ ذكره العُقَيلي في (الضعفاء ٧٩)، وقال عن حديث له: "ليس لحديثه أصْلٌ مسنَد"، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ٩٤)، وقال عنه الحافظ: "ليِّنُ الحديثِ" (التقريب ٤٢٠).
العلة الثانية: إبراهيم والدُ إسماعيلَ؛ فهو في عِدَاد المجهولين؛ لا نَعلم روَى عنه غيرُ ابنِه، وقد ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ٦٥).
العلة الثالثة: سُوَيْد أبو حاتم، يلقَّب بصاحب الطعام؛ مختلَفٌ فيه، وهو إلى الضعفِ أقربُ كما قال ابنُ عَدِي في (الكامل ٣/ ٤٢٣)، ولخَّص الحافظُ حالَه فقال: "صدوقٌ، سيِّئ الحفظ، له أغلاط، وقد أفحش ابنُ حِبَّانَ فيه القولَ" (التقريب ٢٦٨٧).
العلة الرابعة: مَطَرٌ الوَرَّاقُ؛ مختلَفٌ فيه أيضًا، ولخَّص الحافظُ حالَه فقال: "صدوقٌ، كثيرُ الخطإِ، وحديثُه عن عطاءٍ ضعيفٌ" (التقريب ٦٦٩٩).
ورغم كلِّ هذه العلل قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولم يخرجاه! ".
وقال الحازمي: "حسَنٌ غريب لا (نعرفه) مُجَوَّدًا إلا من هذا الوجه" اهـ. (البدر المنير ٢/ ٥٠٠).
ونقل ابنُ عبدِ الهادِي -وتبِعه ابنُ المُلَقِّن- عن الدَّارَقُطْنيِّ أنه قال -عَقِب الحديث-: "رواته كلُّهم ثقات"، ولم نجدْ ذلك في (السنن)، والظاهرُ أنه محضُ وَهَمٍ؛ فقد قال الدَّارَقُطْنيُّ عن سُوَيْد: "ليس يُعتبَر به" (سؤالات
стр. 11440
البَرْقاني ٢٠٧).
وجاءت عبارة الدَّارَقُطْني في (التهذيب ٤/ ٢٣٧) هكذا: "ليِّن، يُعتبَر به".
وقال ابنُ عبدِ الهادِي قبل هذا النقل مباشرة: "إسنادُهُ فيه نظرٌ" (التنقيح ١/ ١٣٣).
قال النَّوَوي: "والمعروفُ في كتب الحديث والفقه أنه عن عَمرو بنِ حَزْمٍ عن النبيِّ ﷺ في الكتاب الذي كتبه له لَمَّا وجَّهه إلى اليَمَن، وإسنادُهُ ضعيفٌ" (المجموع ٢/ ٦٦).
فتعقَّبه ابنُ المُلَقِّن، فقال: "قد علمْتَ أنه حديثٌ معروفٌ في كتب المحدِّثين، وأن الحاكمَ صحَّحَ إسنادَه، وأن الحازميَّ حسَّنه، وأن الدَّارَقُطْنيَّ وَثَّق رواتَه؛ فلا ينبغي الحُكمُ عليه بالضعفِ أيضًا! " اهـ. (البدر المنير ٢/ ٥٠١).
وأمَّا الحافظُ فضَعَّفَهُ بسُوَيْد كما في (التلخيص ١/ ١٣١)، وكذلك صنع صاحبُ (عون المعبود)، ونقل عن النَّوَويِّ وابنِ حَزْمٍ وابنِ كَثير تضعيفَهم له (١/ ٢٦٤).
وقال الهَيْثَميُّ: "رواه الطَّبَرانيُّ في (الكبير) و (الأوسط)، وفيه سُوَيْد أبو حاتم؛ ضَعَّفَهُ النَّسائيُّ، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، ووثَّقه في رواية. وقال أبو زُرْعةَ: ((ليس بالقوي، حديثُه حديثُ أهل الصدق)) " (المجمع ١٥١٣).
وضَعَّفَهُ الألبانيُّ، وقال -متعقِّبًا مَن صحَّحه-: "أَنَّى له الصحةُ وهو لا يُروَى إلا بهذا الإسنادِ كما قال الطَّبَراني؟ ! ومَطَرٌ الوَرَّاقُ ضعيف، والراوي عنه سُوَيْد أبو حاتم مِثْلُه" اهـ. (الإرواء ١/ ١٥٩).
стр. 11441
٢٥٨٨ - حَدِيثُ ثَوْبَانَ:
◼ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ، وَالعُمْرَةُ: الحَجُّ الأَصْغَرُ، وَعُمْرَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَحَجَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ)).
[الحكم]: قولُه: ((لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ، وَالعُمْرَةُ: الحَجُّ الأَصْغَرُ)) صحَّ من حديث عَمرو بن حَزْمٍ وِجادةً كما سبقَ، وهذا الحديثُ إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [منتخب عليِّ بن عبد العزيز (وهم ٣/ ٤٥٦) / مستغفض ١٥٥].
[السند]:
رواه عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ في (منتخبه)، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا مَسْعَدةُ البصري، عن خَصِيب بن جَحْدَر، عن النَّضْر بن شُفَيٍّ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبي، عن ثَوْبانَ، به.
وأخرجه المُسْتَغْفِريُّ في (فضائل القرآن) عن محمد بن إسماعيل بن يوسفَ اليَعْقُوبي، حَدَّثَنا أبو يَعْلَى، حدثنا الكِشْوَري، حَدَّثَنا يحيى بن أيوبَ، عن مُطَرِّف الصَّنْعاني، حَدَّثَنا عائذ بن راشد البصري، سمِعتُ الحسنَ بن دينار يقول: حدثني خَصِيب بنُ جَحْدَر ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ مسلسَلٌ بالعِلل:
العلة الأولى: مَسْعَدة البصري؛ قال أحمد: "ليس بشيء، خَرَّقْنا حديثَه، وتركْنا حديثَه منذ دهر" (التاريخ الكبير ٨/ ٢٦)، وقد تُوبِع مَسْعَدةُ من
стр. 11442
الحسن بن دينار كما عند (المُسْتَغْفِري)، إلا أنها متابعة لا تُسْمِن ولا تُغْني من جوع؛ فالحسن بن دينارٍ متروكٌ، وكذَّبه أحمد، وابنُ مَعِين، وأبو حاتم. (لسان الميزان ٢٢٦٩).
العلة الثانية: خَصِيب بن جَحْدر؛ كذَّبه شُعبةُ، والقَطَّانُ، وابنُ مَعِينٍ، والبخاريُّ. وقال أحمد: "لا يُكتَب حديثُه" (لسان الميزان ٢٩٣٩).
العلة الثالثة: النَّضْر بن شُفَيٍّ؛ مجهولٌ، قاله ابنُ القَطَّان، وأقرَّه الحافظُ في (اللسان ٨١٤١).
والحديثُ ذكره عبدُ الحقِّ في (الأحكام الوسطى ٢/ ٣١٥)، وضعَّفَ إسنادَهُ، وتعقَّبه ابنُ القَطَّانِ بأنه في غاية الضعف، فساقه بسنده، ثم أخذ يتكلم على رجاله. (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٦٥).
وقال الذَّهَبي: "ومِن بلايا الخَصِيب ... " فذكر هذا الحديثَ. (الميزان ١/ ٦٥٣).
وذكره صاحبُ (عون المعبود ١/ ٢٦٤)، وأعلَّه بالخَصِيب.
стр. 11443
٢٥٨٩ - حَدِيثُ عُثْمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ:
◼ عَنْ عُثْمَانَ بنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁، قَالَ: كَانَ فِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَمَسَّ المُصْحَفَ (القُرْآنَ) وَأَنْتَ غَيْرُ طَاهِرٍ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ. وضَعَّفَهُ: مُغْلَطاي، وابنُ المُلَقِّن، وابنُ حَجَرٍ، والشَّوْكانيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]: [طب (٩/ ٤٤/ ٨٣٣٦) (مطولًا، والرواية له) / مصح ٧٣٨ (واللفظ له)].
[التحقيق]:
رُويَ الحديثُ من طريقين:
الطريق الأول:
رواه الطَّبَرانيُّ، قال: حدثنا أحمد بن عَمرو الخَلَّال المَكِّي، ثنا يعقوب بن حُمَيد، ثنا هشام بن سُلَيمان، عن إسماعيلَ بن رافع، عن محمد بن سعيد بن عبد الملك، عن المُغِيرة بن شُعبةَ، قال: قال عثمان بن أبي العاص ... فذكره مطوَّلًا.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ مسلسَلٌ بالعِلل:
العلة الأولى: انقطاعُه بين محمد بن سعيد والمُغِيرةِ؛ قال ابنُ حِبَّانَ -في ترجمة محمد هذا-: "يَروي المقاطيعَ عن أهل المدينة" (الثقات ٧/ ٤٢٣)، فروايتُه عن الصحابة منقطعة؛ ولذا قال الذَّهَبي: "تابعيٌّ صغيرٌ، أَرسَلَ"، وبهذا أعلَّه ابنُ حَجَر في (التلخيص ١/ ١٣١)، والشَّوْكاني في
стр. 11444
(نيل الأوطار ١/ ٢٥٩).
العلة الثانية: جهالة محمد بن سعيد بن عبد الملك؛ قال أبو حاتم: "لا أعرفه"، وقال الذَّهَبيُّ: "لا يُدْرَى مَن هو" (اللسان ٦٨٣٤)، وأشارَ ابنُ حَجَر إلى هذه العلة بقوله: "وفي رواية الطَّبَراني مَن لا يُعرَف" (التلخيص ١/ ١٣١).
العلة الثالثة: إسماعيل بن رافع؛ قال الحافظ: "ضعيف الحفظ" (التقريب ٤٤٢).
العلة الرابعة: هشام بن سُلَيمان، هو المَخْزُومي؛ قال أبو حاتم: "مضطربُ الحديثِ، ومحلُّه الصدق، ما أرى به بأسًا" (الجرح والتعديل ٩/ ٦٢). وقال العُقَيلي: "في حديثه عن غير ابن جُرَيْج وهَمٌ" (الضعفاء ١٩٤٤). وقال الحافظ: "مقبول" (التقريب ٧٢٩٦).
ويعقوب بن حُمَيد مختلَفٌ فيه، وقال الحافظ: "صدوق يَهِم" (التقريب ٧٨١٥).
الطريق الثاني:
رواه ابنُ أبي داودَ، قال: حدثنا أحمد بن الحُبَاب الحِمْيَري، حدثنا أبو صالح الحكم بن المبارَك الخاشْتِي، حدثنا محمد بن راشِد، عن إسماعيل المَكِّي، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن عُثمانَ بن أبي العاص، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
العلة الأولى: الانقطاع؛ فالقاسم لم يدرِك عثمان، وبهذا أعلَّه ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٥٠٤)، وابنُ حَجَر في (التلخيص ١/ ١٣١)، وصاحبُ (عون المعبود ١/ ٢٦٤).
стр. 11445
العلة الثانية: إسماعيلُ المكِّيُّ، هو ابنُ مسلمٍ البصريُّ؛ قال الحافظ: "ضعيف الحفظ". (التقريب ٤٨٤)، وبهذا أعلَّه ابنُ المُلَقِّن أيضًا، ومُغْلَطايُ في (شرحه ٢/ ٤٠٤).
وأما محمد بن راشد فهو المَكْحُولي، "صدوق يَهِم" كما في (التقريب ٥٨٧٥).
والحَكَم بن المبارَك وثَّقه جماعةٌ، وعدَّه ابنُ عَدِيٍّ ممن يسرق الحديث (تهذيب التهذيب ٢/ ٤٣٨). وقال الحافظ: "صدوق، ربما وهِمَ" (التقريب ١٤٥٨).
والحديثُ ضَعَّفَهُ ابنُ المُلَقِّن، وابنُ حَجَر، كما سبق.
وقال الهَيْثَمي -عن رواية الطَّبَراني-: "رواه الطَّبَراني في (الكبير)، وفيه إسماعيلُ بن رافع؛ ضَعَّفَهُ يحيى بنُ مَعِين والنَّسائي، وقال البخاري: ((ثقة مقارب الحديث)) " (المجمع ١٥١٤).
وضَعَّفَهُ الألباني في (الإرواء ١/ ١٦٠)، غير أنه وقع في كلامه وهَمٌ؛ حيثُ ظنَّ أن إسماعيلَ المذكور في الطريقين هو ابن رافع، وليس كذلك؛ فإن ابنَ رافع مَدَني، ووصَفه محمد بن راشد -عند ابنِ أبي داودَ- بالمكِّيِّ كما سبق.
[تنبيه]: هذا الحديثُ لا يصلُحُ أن يَعْضُد غيرَه، ولا غيرُه يَعْضُدُه؛ وذلك للفرق في المعنى؛ فالأحاديث السابقة كانت بلفظ: ((لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ))، وهذا بلفظ: ((لَا تَمَسَّ ... وَأَنْتَ غَيْرُ طَاهِرٍ))، فاللفظ الأول يحتمل أن يكون المقصودُ منه: أنه لا يَمَسُّه الكافر، وهذا اللفظ: ((لَا تَمَسَّ)) بصيغة المخاطَب، وهو
стр. 11446
المسلم، وشَتَّانَ بين المعنيَيْنِ، ولو صحَّ لفظ: ((لَا تَمَسَّ))؛ لكان فصْلَ الخطاب في تحريم مسِّ المصحف إلا على طهارة.
стр. 11447
٢٥٩٠ - حَدِيثُ مُعَاذٍ:
◼ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ مَشَى مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ مِيلٍ يُوصِيهِ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ ... ))، وَسَاقَ الحَدِيثَ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهِ: (( ... وَعَلَى أَنْ لَا تَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرًا)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: المُتَّقي الهندي. وحكم عليه ابنُ الجَوْزي بالوضع.
[التخريج]: [خط ٤٥٤١/ ضو ١٦٧٩) / كر (١٨/ ١٩٥)].
[التحقيق]:
رواه الخطيبُ -ومن طريقه ابنُ الجَوْزي وابنُ عساكرَ- قال: أخبرني أبو نصر أحمد بن محمد بن أحمد بن حَسْنُونَ النَّرْسي، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد الأَدَمِيُّ القارئ، حدثنا أحمد بن عُبَيد بن ناصح، حدثنا شَبَابَةُ بن سَوَّار الفَزَاري، حدثنا رُكْن بن عبد الله الدِّمَشْقي، عن مَكْحُولٍ الشامي، عن مُعاذ، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه علتان:
الأُولى: رُكْنُ بن عبد الله؛ وهَّاهُ ابنُ المبارَك. وقال يحيى: "ليس بشيء"، وقال النَّسائي والدَّارَقُطْني: "متروك" (اللسان ٣١٥٨). وقال البخاري: "منكَر الحديث" (التاريخ الكبير ٣/ ٣٤٣). وقال ابنُ حِبَّانَ: "روَى عن مَكْحولٍ شبيهًا بمائة حديث، ما لكثيرِ شيْءٍ منها أصْلٌ، لا يجوز الاحتجاجُ
стр. 11448
به بحال" (المجروحين ١/ ٣٧٧).
الثانية: الانقطاع؛ فمَكْحولٌ لم يدرِك مُعاذًا، انظر: (جامع التحصيل ٧٩٦).
وقال ابن الجَوْزي: "هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول الله ﷺ ، والمتهَم به رُكْنٌ" (الموضوعات ١٦٧٩).
وتعقَّب السُّيوطيُّ ابنَ الجَوْزي، فقال: "له طريقٌ آخَرُ" اهـ. (اللآلئ ٢/ ٣١٤).
ونقلَ تعقَّبَه ابنُ عِرَاق، ثم قال عن هذا الطريق الآخَرِ: "قال بعض أشياخي: ((سندُهُ جيِّد، ليس فيه متروك))، وأشار البَيْهَقي إلى طريقٍ آخَرَ أخرجه العَسْكَري في (المواعظ) " اهـ (تنزيه الشريعة ٢/ ٣٤٢).
وقال المُتَّقي الهندي: "وفيه رُكْنٌ الشامي، متروك" (كَنز العمال ١٠/ ٥٩٤).
قلنا: رُويَ من طرقٍ أخرى كلُّها واهِيةٌ، وليس فيها موضعُ الشاهد هنا، وسيأتي الكلامُ عليها في موضعها من ((الموسوعة)) إن شاء الله.
стр. 11449
٢٥٩١ - حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ مُعَاذٍ:
◼ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَمَسُّ القُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى الجَنَابَةِ)). قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؟ قَالَ: ((يَعْنِي: لَا يَمَسُّ ثَوَابَهُ إِلَّا المُؤْمِنُونَ)). قَالَ: قُلْنَا: فَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾؟ قَالَ: ((مَكْنُونٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ)).
[الحكم]: باطل موضوع. وجزم بوضْعه: الجُورَقاني، وابنُ الجَوْزي، وأقرَّهما السُّيوطي. وضَعَّفَهُ: الإشبيلي.
[التخريج]: [عد (٢/ ١٢٨) واللفظ له/ طيل ٣٥٨/ ضو ٩٣٩].
[السند]:
رواه ابن عَدِي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيدَ المَرْوَزي ببُخَارى، حدثنا إسحاق بن أحمد بن خلَف، أخبرنا جدي- يعني: محمدَ بن أبي السَّرِي-، أخبرنا عيسى-يعني: الغُنْجارَ-، عن إسماعيلَ بن أبي زياد، عن ثَوْر بن يزيدَ، عن خالد بن مَعْدانَ، عن معاذ، به.
ورواه الجُورَقاني وابنُ الجَوْزي من طريق إبراهيمَ بن محمد الطَّيَّان، حدثنا الحسين بن القاسم بن محمد الأَصْبَهاني، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، به (١).
стр. 11450
[التحقيق]:
هذا إسناد تالف؛ فيه علتان:
الأولى: إسماعيل بن أبي زياد، هو السَّكُوني؛ وهو: "متروك، كذَّبوه" (التقريب ٤٤٦).
الثانية: الانقطاع؛ لأن خالدًا لم يسمع من معاذ، ربما كان بينهما اثنان. (تهذيب التهذيب ٣/ ١١٩).
قال الجُورَقاني: "هذا حديثٌ موضوعٌ باطلٌ، لا أصلَ له، لم يَروِه عن ثَوْرٍ غيرُ إسماعيلَ بن أبي زيادٍ وهو متروك الحديث، ولا رواه عنه غيرُ الحسين الزاهد وهو ضعيف الحديث، تفرَّد عنه إبراهيمُ بن محمدٍ الطَّيَّانُ وهو منكَر الحديث مجهولٌ" (الأباطيل/ ح ٣٥٨)، وانظر (اللآلئ ٢/ ٨).
وقال ابنُ الجَوْزي: "هذا حديثٌ موضوعٌ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فلا باركَ اللهُ فيمَن وضعه، فما أقبحَ هذا الوضعَ! " (الموضوعات ٩٣٩).
والحديثُ ضَعَّفَهُ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٦).
وذكره الذَّهَبي في (الميزان ١/ ٣٨٧)، ونقلَ عن ابنِ حِبَّانَ قولَه: "إسماعيل بن زياد شيخٌ دجَّال، لا يحلُّ ذِكرُه في الكتب إلا على سبيل القدح فيه". وأورده الشَّوْكاني في: (الفوائد المجموعة ص ٩).
[تنبيه]: قولُه: ((إِلَّا المُؤْمِنُونَ)): وقع عند ابنِ عَدِي: ((إِلَّا المُؤْمِنِينَ))، وهو خطأٌ، وجاء في بقية المصادر على الصواب.