[تنبيه]:
قال ابن حجر: ((ذكر الدارقطني في (العلل): أن يحيى القطان رواه عن مالك، وكذلك النسائي رواه من طريق عبد الرحمن، عن مالك مُقَيَّدًا بالجامد، وأنه أَمَرَ أن تُقَوَّرَ وما حَوْلَها فيُرْمَى به)) (التلخيص الحبير ٣/ ٩).
قلنا: قول ابن حجر هذا، فيه إيهام بأن رواية يحيى بن سعيد القطان عن مالك والتي أخرجها الدارقطني، فيها تَقْيِيد السمن بالجامد، وهذا غير صحيح لأمور:
الأول: أن الدارقطني رواه في (العلل ٩/ ٢٥٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن مالك بسنده: ((أَنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَفْتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَأَمَرَ أَنْ يُقَوِّرُوا مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ))، فليس في متنه تَقْيِيد السمن بالجامد كما ترى، ثم إِنَّ في ثبوته عن يحيى القطان نظر، فشيخُ الدارقطني متكلَّمٌ فيه، ومع انفراده بلفظ: ((يُقَوِّرُوا))، خِلافًا لكلِّ من رواه، قد تفرَّد أيضًا بكون ميمونة هي السائلة، وهذا يدلُّ على أنه لم يضبطه، ولأجل ذلك سنفرد هذه الرواية بالتحقيق قريبًا، فانظر الكلام عليها هناك.
الثاني: أن ابن حجر نفسه ذكر في (الفتح): أن ابن مهدي تفرَّد بهذه اللفظة، ولم يذكرها أحدٌ غيره عن مالك، كما تقدَّم.
وقد بيَّن أيضًا في موضع آخر: أن رواية القطان ليس فيها ((تقييد السمن بالجامد))، غير أن لفظ الحديث يدلُّ على ذلك؛ فقال: ((قد وقع عند الدارقطني من رواية يحيى القطان، عن مالك في هذا الحديث: ((فَأَمَرَ أَنْ يُقَوَّرَ مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ)) وهذا أظهر في كونه جامدًا من قوله: ((وَمَا حَوْلَهَا)))) (فتح الباري ٩/ ٦٧٠).
стр. 1332
الطريق الثاني:
رواه البيهقي في (المعرفة ١٩٣٥٩): عن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا حجاج بن المنهال، عن ابنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، ابن عبدان هو أبو الحسن الحافظ، ثقة، ترجمته في (تاريخ بغداد ١١/ ٣٢٩)، و (تاريخ جرجان: ١١٩٣)، وأحمد بن عبيد هو الصفار الحافظ الثقة الثبت (تذكرة الحفاظ: ٨٤٥)، وإسماعيل بن إسحاق هو القاضي ((ثقة صدوق)) كما في (الجرح والتعديل ٢/ ١٥٨)، وحجاج بن المنهال: ((ثقة من رجال الشيخين)) (التقريب ١١٣٧).
ولكن هذه اللفظة غير محفوظة أيضًا عن ابنِ عُيَينَةَ؛ فقد رواه الثقات الحفاظ من أصحاب ابنِ عُيَينَةَ -وهم أكثر من عشرين راويًا، منهم: الشافعي، وأحمد، والحميدي، وقتيبة، ومسدد، وغيرهم كثير -، عن ابنِ عُيَينَةَ به، ولم يذكروها.
ولذا قال ابن عبد الهادي: ((وقد روى هذه اللفظة -وهي قوله: ((جَامِدٍ)) -، البيهقيُّ من رواية حجاج بن منهال عن سفيان؛ والظاهر أنها خطأ؛ فإن أكثر أصحاب سفيان لم يذكروا هذه اللفظة)) (تنقيح التحقيق ٤/ ٨١).
وقد تابع حجاجَ بنَ المنهالِ الطيالسيُّ على ذكرها، لكن خالفه في سنده فجعله من مسند ابن عباس، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
الطريق الثالث:
رواه أحمد (٢٦٨٠٣) -ومن طريقه ابن الجوزي في (التحقيق ١٤٧٠) - قال: حدثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا الأوزاعي، عنِ الزُّهري، عن
стр. 1333
عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابن عباس، عن ميمونةَ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فمحمد بن مصعب وهو القرقساني، الجمهور على تضعيفه، فضعَّفه: ابن معين، وأبوحاتم الرازيُّ، والنسائيُّ، وابن حبان، والعقيليُّ، وغيرُهم، ولذا قال الحافظ: ((صدوق كثير الغلط)) (التقريب ٦٣٠٢). وانظر: (إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي ١٠/ ٣٦٠).
وقد تكلَّم غيرُ واحدٍ في روايتِه عنِ الأوزاعي خاصة:
فقال أبوزرعة: ((يخطئ كثيرًا عنِ الأوزاعي وغيره)) (الضعفاء لأبي زُرْعَةَ ٢/ ٤٠٠).
وقال صالح بن محمد جزرة: ((عامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة، وقد روى عن الأوزاعي غير حديث كلها مناكير ليس لها أصول)) (إكمال مغلطاي ١٠/ ٣٦٠).
وقال أبو أحمد الحاكم: ((روى عن الأوزاعي أحاديث منكرة وليس بالقوي عندهم)) (الكنى ٣/ ١١١).
فمن كانت هذه حاله في نفسه وفي شيخه، فكيف يقبل منه ما خالف فيه الثقات؟ !
لاجرم أنْ أعلَّه به ابن عبد الهادي، فقال: ((ومحمد بن مصعب هو القرقساني، وقد تكلموا فيه ... )) وذَكَرَ تضعيفَ ابنِ معين، وأبي حاتم له (التنقيح ٤/ ٨١) (١).
стр. 1334
وقد جاء تقييد السمن بالجامد أيضًا من حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة:
فأما حديث ابن عباس:
فرواه الطيالسيُّ في (مسنده ٢٨٣٩) قال: حدثنا سفيان بنُ عُيَينَةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابن عباس: ((أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ ... )) الحديث.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجال الشيخين إلَّا أنَّ أبا داود الطيالسي -وإن كان ثقةً حافظًا- فهو مع ذلك كثير الخطأ، كما قال أبو حاتم في (الجرح والتعديل ٤/ ١١٣)، وقال الحافظ إبراهيم بن سعيد الجوهري: ((أخطأ فى ألف حديث))! (تهذيب التهذيب ٤/ ١٨٤)، واعتمد كلامَه الذهبيُّ في (الكاشف ٢٠٨٢). وقال في (الميزان ٢/ ٢٠٣): ((ثقة أخطأ في أحاديث))، وقال ابن حجر: ((ثقة حافظ غَلِطَ في أحاديث)) (التقريب ٢٥٥٠).
وقد أخطأ في هذا الحديث في إسناده ومتنه:
فأما السند: فقد أَسْقَطَ منه ميمونةَ، والصواب ذِكْرُهَا، هكذا رواه جُلُّ أصحابِ ابنِ عُيَينَةَ، وانظر التعليق المذكور عقب الرواية الأُولى.
وأما المتن: فقد زاد فيه لفظة: ((جَامِدٍ)) مخالفًا بذلك جميعَ الرُّواةِ عنِ ابنِ عُيَينَةَ؛ فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة.
ولذا قال ابن عبد الهادي: ((عند أبي داود الطيالسي، وأحمد، والنسائي: ((فِي سَمْنٍ جَامِدٍ))! ، وفي هذه الزيادة نظر)) (المحرر في الحديث صـ ٤٦٩).
стр. 1335
وقال ابن حجر: ((ولم يذكر أحد منهم لفظة: ((جَامِدٍ)) إِلَّا عبد الرحمن بن مهدي، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في (مسنده)، عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ عن ابن شهاب، ورواه الحميديُّ والحُفَّاظُ من أصحاب ابنِ عُيَينَةَ بدونها، وجوَّدوا إسنادَه فذكروا فيه: (ابن عباس، وميمونة) وهو الصحيح)) (فتح الباري ١/ ٣٤٤). وتبعه الزرقاني في (شرح الموطأ ٤/ ٦٠٠).
وأما حديث أبي هريرة:
فرواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٢٤٥٢) عن أبي مسلم الكَشِّيُّ، قال: نا أبو عمر الضرير قال: نا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، عن أبي هريرة: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ؟ ... )) الحديث.
ورواه أبو نعيم في (الحلية ٣/ ٣٨٠): من طريق أبي مسلم الكَشِّيُّ، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا أبي عمر الضرير وهو حفص بن عمر البصري الأكبر، قال فيه الحافظ: ((صدوق عالم)) (التقريب ١٤٢١)، وانظر: (تهذيب التهذيب ٢/ ٤١٢).
وقد خالفه جماعة عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ، فلم يذكروا هذه اللفظة.
فرواه البزار (٧٧٢٠) عن أحمد بن عَبْدَةَ الضبيِّ.
ورواه الدارقطني في (العلل ٣/ ٤٣١) من طريقي العباس بن الوليد النرسي، ومحمد بن عمرو بن أبي مذعور.
ثلاثتهم (الضبي، والنرسي، وابن أبي مَذْعُورٍ): عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ به، بدون هذه اللفظة.
стр. 1336
وأحمد بن عَبْدَةَ: ((ثقة من رجال مسلم)) (التقريب ٧٤)، والعباس بن الوليد النَّرْسِيُّ: ((ثقة من رجال الشيخين)) (التقريب ٣١٩٣)، ومحمد بن عمرو بن أبي مَذْعُورٍ: وَثَّقَهَ الدارقطنيُّ كما في (تاريخ بغداد ٤/ ٢١٩).
وأيضًا قد رواه جمعٌ عن مَعْمَرٍ، منهم: عبد الرزاق، وعبد الأعلى، وغندر، وعبد الواحد بن زِياد، ومحمد بن دينار الطَّاحِيُّ، ولم يأتِ عن أحدٍ منهم تَقْيِيدُ السَّمْنِ بالجامدِ، وإن وقع في روايتهم خلاف آخر سيأتي ذكره عند الكلام على حديث أبي هريرة.
وعليه: فهذه اللفظة شاذَّةٌ من طريق يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ، وإِن كان هذا الطريق معلولًا، كما سيأتي.
وبالإضافة إلى ما تقدم من العلل التي ضُعِّفتْ بها الطرق التي جاء فيها تَقْيِيدُ السَّمْنِ بالجامدِ؛ هناك علل أخرى ذكرها بعضُ العلماء في تضعيف هذه اللفظة، منها:
١ - أن البخاريَّ روى في (صحيحه ٥٥٣٩) بسنده، عن الزُّهريِّ، (أنه سئل): عن الدَّابةِ تموتُ في الزيتِ والسَّمنِ، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ فقال: ((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ)).
فأفتى بالحديث وليس فيه القَيْدُ المذكور، وهو في أمسِّ الحاجة إليه؛ إِذْ إِنَّ السُّؤالَ عنه، ولذا قال ابن حجر: ((قوله: (عنِ الزُّهري، عن الدابة -أي: في حكم الدابة- تموت في الزيت والسمن .. إلخ) ظاهرٌ في أن الزُّهريَّ كان في هذا الحكم لا يفرِّقُ بيْن السَّمْنِ وغيرِه، ولا بيْنَ الجامد منه والذَّائب؛ لأنه ذكر ذلك في السؤال ثم استدلَّ بالحديث في السمن، أما
стр. 1337
عدم الفرْق بين الذائب والجامد؛ فلأنه لم يُذْكَرْ في اللفظ الذي استدلَّ به، وهذا يقدح في صحة من زاد في هذا الحديث عنِ الزُّهريِّ التفرقة بين الجامد والذائب ... ؛ لأنه لو كان عنده مرفوعًا ما سَوَّى في فَتْوَاه بيْن الجامدِ وغير الجامد، وليس الزُّهريُّ ممن يُقالُ في حَقِّهِ لعلَّه نَسِيَ الطريقَ المفصلةَ المرفوعةَ؛ لأنه كان أحفظَ الناس في عصره فخَفاءُ ذلك عنه في غاية البُعدِ)) (الفتح ٩/ ٦٦٩).
٢ - أن الغالب على سَمْنِ الحِجَازِ أن يكونَ مائعًا، وكونه جامدًا نادر، والسؤال في الغالب لا يقعُ إِلَّا على الغالب.
قال ابن تيمية: ((ذكر البخاري ﵁ هذا ليبين أن مَن ذَكَرَ عنِ الزُّهري أنه رَوى في هذا الحديث هذا التفصيل فقد غَلِطَ عليه؛ فإنه أجاب بالعموم في الجامد والذائب مُستدلًا بهذا الحديث بعينه، لا سيَّما والسمن بالحجاز يكون ذائبًا أكثر مما يكون جامدًا؛ بل قيل: إنه لا يكون بالحجاز جامدًا بحال، فإطلاق النبي ﷺ الجوابَ من غير تفصيل يوجب العموم إذِ السُّؤالُ كالمعاد في الجواب فكأنه قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٢٧).
وقال ابن عبد الهادي: ((الغالب على سمن الحجاز أن يكون مائعًا، وكونه جامدًا نادر، والسؤال في الغالب لا يقع إِلَّا على الغالب، ولأن حكم الجامد ظاهر، وإنما المشكل المائع، فالظاهر أن السؤال كان عنه، أو عن أعمِّ منه، فأجاب النبي ﷺ ولم يستفصل، والله أعلم)) (تنقيح التحقيق ٤/ ٨١).
وبنحو هذا قال ابن قدامة في (المغني ١/ ٢٩)، وابن مفلح في (المبدع في شرح المقنع ١/ ٢١١).
стр. 1338
٣ - ولعلَّ من أسباب زيادة هذه اللفظة رواية الحديث بالمعنى؛ لأَنَّ احتمال دخول الخطأ والغلط في الرواية بالمعنى أقوى منه من الرواية باللفظ؛ فإن قوله: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا))؛ فَهِمَ منه كثيرٌ من أهل العلم أن هذا حكم الجامد؛ لأَنَّ المائعَ ليس له حول؛ فقال الإمام مالك بإثره: ((يعني: إذا كان جامدًا فماتت فيه، أما إذا ماتت فيه وهو ذائب فلا يُؤكل)) (الموطأ برواية ابن زياد ١٠٧). وفي هذا دليل آخر على خطأ رواية من رواه عن مالك بزيادة: ((جَامِدٍ))؛ لأنها لو كانت موجودة في النصِّ لديه، لم يحتج أن يقول: ((يعني: إذا كان جامدًا))، والله أعلم.
وقال ابنُ العربي: ((قال المفسرون: قوله: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)) يدلُّ على أنه جامد، إذْ لو كان مائعًا لما كان حول)) (عارضة الأحوذي ٧/ ٣٠١).
بل نقل بعضُهم الإجماعَ على ذلك؛ فقال ابن بطال: ((والعلماء مجمعون أن هذا حكم السمن الجامد تقع فيه الميتة أنها تلقى وما حولها ويُؤكَلُ سَائره)) (شرح صحيح البخارى ٥/ ٤٥١).
وقال العيني: ((قوله: (أَلْقُوهَا) يدلُّ على أن السَّمْنَ كان جامدًا ... وقامَ الإجماعُ على أن هذا حُكم السمن الجامد)) (عمدة القاري ٢١/ ١٣٨).
[تنبيهان]:
الأول: أخرج ابنُ الجوزي الحديثَ من طريق الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله به، وذكر في متنه لفظة: ((سَمْنٍ جَامِدٍ))، ثم قال: ((انفرد بإخراجه البخاري)) (التحقيق ١٤٧٠).
وتعقبه ابن عبد الهادي؛ فقال: ((هذا الحديث لم يخرجه البخاري من حديث الأوزاعي، إنما رواه من حديث سفيان وغيره عن الزُّهريِّ، وليس عنده:
стр. 1339
(جامد) ... ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن أيضًا من حديث الأوزاعي)) (التنقيح ٤/ ٨٠ - ٨١).
الثاني: قال ابن أبي حاتم: ((وسألتُ أَبي وأَبَا زُرْعَةَ: عن حديث رَوَاهُ القَعنَبيُّ، عن مَالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عُبَيدِ الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: عَنِ السَّمْنِ الجَامِدِ تَقَعُ فِيهِ الفَأْرَةُ؟ )) (العلل ٤/ ٣٧٨).
والذي يظهر أن هذا من ابن أبي حاتم من باب ذكر الحديث بالمعني، لا سيَّما وهو في معرض السؤال، وليس الرواية، وإلا فقد أخرجه ابنُ المنذر في (الأوسط ٨٦٦)، والغافقيُّ في (مسند الموطأ ١٨٤) من طريق القعنبي، عن مالك به، وليس فيه هذه اللفظة.
وقد تقدَّم عنِ الحافظ أنه قال -بعد ذِكْرِهِ خلاف الرواة على مالك-: ((ولم يذكرْ أَحدٌ منهم لفظة (جَامِدٍ) إِلَّا عبد الرحمن بن مهدي)) (فتح الباري ١/ ٣٤٤).
стр. 1340
روايةُ التَّفْصِيلِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ: عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ؟ فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ)).
[الحكم]: شاذٌّ بهذا السياق، والمحفوظ عن ميمونة بلا تفريق بين الجامد والمائع، كما تقدَّم في (الصحيح).
[التخريج]:
[د ٣٧٩٥ ((ولم يذكر متنه)) / ن ٤٢٩٨ ((واللفظ له)) / كن ٤٧٨٢/ حم تحت رقم ٧٦٠٢ (١) / حب ١٣٨٧، ١٣٩٠/ عب ٢٨٠/ طب (٢٣/ ٤٣٠/ ١٠٤٥)، (٢٤/ ١٥/ ٢٦، ٢٧) / حق ٢٠٠٩ ((ولم يذكر متنه)) / مث ٣١٠٠/ منذ ٨٦٧/ هق تحت رقم ١٩٦٥٣/ تمهيد (٩/ ٣٨) / محلى (١/ ١٤١) / ذهلي (تمهيد ٩/ ٣٩)].
[التحقيق]:
ورد هذا السياق من حديث ميمونة من ثلاثة طرق:
الطريق الأول:
رواه أبو داود (٣٧٩٥): عن أحمدَ بنِ صَالحٍ.
ورواه النسائي: عن خُشَيْشِ بنِ أَصْرَمَ.
كلاهما قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بُوْذَوَيْه،
стр. 1341
عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ، به.
وكذا رواه أحمد، وإسحاق، والطبراني (٢٣/ ١٠٤٥)، (٢٤/ ٢٦) وابن أبي عاصم، وابن حبان (١٤٩٤)، وابن عبد البر: من طرقٍ، عن عبد الرزاق، عن ابن بُوْذَوَيْه، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا ابن بُوْذَوَيْه، وهو عبد الرحمن بن عمر بنِ بُوْذَوَيْه: ذكره أحمد بن حنبل وأثنى عليه خيرًا (الجرح والتعديل ٥/ ٢١٧)، وقال محمد بن يحيى الذُّهْلِيُّ: ((وكان من متثبتيهم (١))) (التمهيد ٩/ ٣٩)، ولذا وَثَّقَهُ الذهبيُّ في (الكاشف ٣١٥٦)، أما الحافظ فقال في (تعجيل المنفعة ٢/ ٤٩٣): ((مجهول))، وقال في (التقريب ٣٨١٨): ((مقبول))! . وهذا منه غير مقبول.
وقد جَزَمَ عبدُ الرزاق في (المصنف ٢٨٠) -ومن طريقه ابن المنذر،
стр. 1342
وابن حزم- أن معمرًا رواه كذلك، فقال -عقب حديث أبي هريرة الآتي ذكره، وفيه التفريق بين الجامد والمائع-: ((وقد كان مَعْمَرٌ أيضًا يذكره، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)).
وفي (سنن أبي داود ٣٧٩٤) -ومن طريقه البيهقي في (السنن تحت رقم ١٩٦٥٣) -: عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، قال: ((وربما حدَّث به مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، عن النبيِّ ﷺ ).
فهذا يدلُّ على أن معمرًا كان يرويه تارة عن الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وتارة عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ.
ولذا عدَّ ذلك بعضُ العلماء اضطرابًا من مَعْمَرٍ، وخَطَّؤُوهُ في سَنَدِهِ ومَتْنِهِ، وسيأتي بيانُ ذلك مفصلًا تحت حديث أبي هريرة الآتي قريبًا فانظره هناك.
[تنبيه]:
روى ابنُ راهويه في (مسنده ٢٠٠٩) هذا الحديثَ عن عبد الرزاق، عن ابنِ بُوْذَوَيْه به، ولم يَذْكُرْ مَتْنَهُ، كأنَّه يُحيلُ على مَتْنِ حديثِ ابنِ عُيَينَةَ (السابق له) مع ما بينهما من فَارقٍ كبيرٍ! ، إِذْ إِنَّ حديثَ ابنِ عُيَينَةَ الذي ذَكَرَه قبل حديث مَعْمَرٍ ليس فيه نصٌّ على التفريقِ بيْن الجامدِ والمائِعِ، كما ذُكِرَ في حديثِ مَعْمَرٍ، وقد رَواه ابنُ حِبَّانَ من طريق ابنِ راهويه، كما هنا بالتفرقة بيْن الجامدِ والمائِعِ، وهو:
стр. 1343
الطريق الثاني:
رَواه ابنُ حِبَّانَ (١٣٩٢) قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأَزْدِيُّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا سفيان، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين عدا عبد الله بن محمد، وهو ابن عبد الرحمن بن شِيْرَوَيْه، إمام حافظ فقيه، وهو راوي مسند إسحاق بن راهويه، وقد سمعه منه كاملًا (تذكرة الحفاظ ٢/ ١٩٨)، و (السير ١٤/ ١٦٦).
وقد انْتَقَدَ كثيرٌ من أهل العلم هذا الحديث على إسحاقَ بنِ رَاهويه؛ لمخالفته رواية الجماعة، عن ابنِ عُيَينَةَ به، بلفظ الرواية الأُولى، وليس فيها التفريق بين الجامد والمائع، كذا رواه البخاري، عن الحميدي، عن ابنِ عُيَينَةَ، وكذا رواه عن ابنِ عُيَينَةَ: أحمد، والشافعي، ومسدد، وجماعة من الثقات الأثبات.
قال الذهبي: ((ما علمنا استغربوا من حديث ابن راهويه على سعة علمه سوى حديث واحد وهو حديثه عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ في الفَأْرِ الَّتِي وَقَعَتْ في سَمْنٍ؛ فزاد إسحاق في المتن -من دون سائر أصحاب سفيان- هذه الكلمة: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ))، ولعلَّ الخطأ فيه من بعضِ المتأخرين -أو من راويه- عن إسحاق)) (السير ١١/ ٣٧٨).
وقال في (الميزان/ ترجمة إسحاق ١/ ١٨٣): ((وذُكِرَ لشيخنا أبي الحجاج حديث؟ فقال: قيل: إسحاق اختلط في آخر عمره، قلت: الحديث ما رواه
стр. 1344
عنِ ابنِ عُيَينَةَ ... فزاد فيه إسحاق -من دون أصحاب سفيان-: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ))، فيجوز أن يكون الخطأ ممن بَعْدِ إسحاق)). وقال أيضًا: ((ولا ريب أن إسحاقَ كان يحدِّثُ الناس من حفظه، فلعلَّه اشْتَبَهَ عليه، والله أعلم)).
وقال ابنُ القيم عن روايةِ ابنِ راهويه: ((إِنَّ كثيرًا من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية موهومة معلولة؛ فإن الناس إنما رووه عن سفيان، عن الزُّهريِّ مثل ما رواه سائر الناس عنه كمالك وغيره من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره)) (تهذيب السنن ١٠/ ٢٢٨).
وقال ابن حجر: ((قوله: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)) هكذا أورده أكثر أصحاب ابن عُيَينَةَ عنه، ووقعَ في (مسند إسحاق بن راهويه)، ومن طريقه أخرجه ابن حبان بلفظ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ)) وهذه الزيادة في رواية ابنِ عُيَينَةَ غريبة)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٨).
وقال أيضًا -تعليقًا على فتوى الزُّهريِّ والتي تقدم ذكرها-: ((وهذا يَقْدَحُ في صحة من زاد في هذا الحديث عن الزُّهريِّ التفرقة بين الجامد والذائب - كما ذُكِرَ قَبْلُ عن إسحاقَ- وهو مشهورٌ من رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
[تنبيهات]:
الأول: رواه إسحاق بنُ راهويه في (مسنده ٢٠٠٧) عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ به، بلفظِ: ((أَلْقُوْهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ)) مثل رواية الجماعة عنِ ابنِ عُيَينَةَ، ولم نجدِ التفصيل بيْن الجامد والمائع في مسنده، ولكن جزم الحافظ في (التلخيص ٣/ ٩) وفي (الفتح ٩/ ٦٦٨) بأن إسحاقَ قد أخرجه بهذا اللفظ في
стр. 1345
(مسنده)، ورواه ابنُ حِبَّانَ، عن ابنِ شِيْرَوَيْه (راوي المسند)، عنه كذلك، كما تقدَّم، ولكن قال ابنُ رجب في (شرح علل الترمذي ٢/ ٨٤٠) مُسْتَشْهِدًا لروايةِ مَعْمَرٍ بالتفرقة بيْن الجامد والمائع: ((وكذلك رواه إسحاق بن راهويه عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ، لكنه حَمَلَ حديثَ ابنِ عُيَينَةَ على حديثِ مَعْمَرٍ)).
فابن رجب هنا يقول: إن ابنَ راهويه حَمَلَ حديثَ ابنِ عُيَينَةَ على حديثِ مَعْمَرٍ، والذي في المطبوع من (مسنده) -كما أشرنا إليه قريبًا- أنه حَمَلَ حديثَ مَعْمَرٍ على حديثِ ابنِ عُيَينَةَ، فيستخلص من ذلك أن ابنَ راهويه كان أحيانًا يحمل متنَ حديثِ ابنِ عُيَينَةَ على حديثِ مَعْمَرٍ، وأحيانًا يحمل متنَ حديثِ مَعْمَرٍ على حديثِ ابنِ عُيَينَةَ، ولعلَّ هذا هو السبب في اختلافِ الروايات عنه، والله أعلم.
الثاني: قال ابن حجر: ((قد أَنْكَرَ جماعةٌ فيه التفصيل اعتمادًا على عدمِ وروده في طريقِ مالك ومَن تبعه، لكن ... أخرجه إسحاق بنُ راهويه في (مسنده)، عنِ ابنِ عُيَينَةَ، وَوَهِمَ من غلَّطَه فيه ونَسَبَهُ إلى التغيُّر في آخر عُمره، فقد تابعه أبو داود الطيالسيُّ فيما رواه في (مسنده) عن ابنِ عُيَينَةَ، والله أعلم)) (التلخيص ٣/ ٩).
كذا قال هنا، وفيه نظر من وجهين:
الأول: قوله: بأن الطيالسيَّ تابع ابنَ راهويه؛ ليس كذلك؛ لأَنَّ روايةَ الطيالسيِّ فيها: ((تَقْيِيد السَّمْنِ بالجامدِ فقط))، أما روايةُ ابنِ راهويه؛ ففيها ((التفصيل بين الجامد والمائع)) كما تقدَّم، وقد تفرَّد به عن ابنِ عُيَينَةَ كما ذكر الحافظ نفسه في ((الفتح))، حيث قال: ((وتقدَّم التنبيهُ على الزيادة التي وقعت في روايةِ إسحاقَ بنِ راهويه، عن سفيانَ وأنه تفرَّد بالتَّفْصِيلِ، عن سفيانَ دون
стр. 1346
حُفَّاظِ أصحابِه مثل أحمد، والحميدي، ومسدد، وغيرهم)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
الثاني: قوله: ((أخرجه إسحاق بن راهويه في (مسنده)، عن ابنِ عُيَينَةَ، وَوَهِمَ مَنْ غلَّطَه فيه))؛ فيه دلالة على تصحيحه لهذه الزيادة عن ابنِ عُيَينَةَ، خِلَافًا لما سبق نقله عنه في (الفتح)، حيث ردَّ هذه الزيادة في أكثر من موضع؛ فقال: ((وهذه الزيادة في روايةِ ابنِ عُيَينَةَ غريبةٌ)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٨)، وأكَّدَهُ في موضع آخر فقال: ((وهذا يَقْدَحُ في صحة مَن زَادَ ... التفرقة بين الجامد والذائب، كما ذُكِرَ قَبْلُ عن إسحاقَ)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
وقوله في ((الفتح)) هو المعتمد؛ لأمرين:
الأول: أن آخرَ الكتابين انتهاءً هو (الفتح)؛ فقد فَرَغَ الحافظُ من (التلخيص) سنة عشرين وثمانمائة كما في خاتمة (التلخيص ٤/ ٤٠٤)، وأما (الفتح)؛ فقد ذكر السخاوي في (الجواهر والدرر ٢/ ٦٧٥) أن الحافظ ابتدأ فيه سنة سبعة عشر وثمانمائة، وانتهى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة سِوَى ما أَلحقَ فيه بَعْدَ ذلك، فلم يَنْتِهِ إِلَّا قُبيل وفاة المؤلفِ بيسيرٍ.
الثاني: أن الكتاب الذي راجعه وحرَّره الحافظُ وَرَضِيَهُ هو كتاب (فتح الباري)؛ حيثُ قال: ((لَسْتُ رَاضِيًا عن شيءٍ من تصانِيفي؛ لأني عَمِلْتُهَا في ابتداءِ الأَمرِ، ثم لم يَتَهَيَّأْ لِي مَن يُحَرِّرُهَا معي، سوى (شرح البخاري)، و (مقدمته)، و (المشتبه)، و (التهذيب)، و (لسان الميزان)))، وقال السخاوي: ((رأيتُه في موضع أَثْنَى على (شرح البخاري)، و (التغليق)، و (النُّخْبَةِ)، ثم قال: وأما سائر المجموعات، فهي كثيرة العدد، واهية العُدَد، ضعيفة القُوَى، ظامئة الروى)) (الجواهر ٢/ ٦٥٩).
стр. 1347
وقال الحافظ أيضًا عن شرح البخاري: ((فلمَّا كان بعد خمس سنين -أو نحوها- وقد بُيضَ منه مقدار الرُّبع على طريقةٍ مُثْلَى، اجتمعَ عندِي من طلبةِ العلمِ المهرةِ جماعةٌ وافقوني على تحريرِ هذا الشرح ... فصَار السِّفْرُ لا يَكْمُلُ منه إِلَّا وقد قُوبِلَ وحُرِّرَ، ولزمَ من ذلك البُطء في السَّيرِ لهذه المصلحةِ إلى أنْ يَسَّرَ اللهُ تعالى إكْمَاله)) (الجواهر ٢/ ٦٧٦).
التنبيه الثالث:
وقع في (المصنف لعبد الرزاق ٢٨٠) -ومن طريقه ابن المنذر، وابن حزم- ما يوهم متابعة لابن راهويه، حيث قال -عقب حديث أبي هريرة الآتي ذِكْرُهُ، وفيه التفريق بين الجامد والمائع-: وقد كان مَعْمَرٌ أيضًا يذكره، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة. وكذلك أخبرناه ابنُ عُيَينَةَ.
ولكن الظاهر أن عبد الرزاق أراد السَّندَ فقط، دون المتن، وسبق عن الحافظ وغيره بأن الحديث بهذا اللفظ لم يروه عن ابنِ عُيَينَةَ إِلَّا إسحاق، ولم يذكر أحدٌ منهم روايةَ عبدِ الرزاق هذه، والله أعلم.
الطريق الثالث:
رواه الطبراني في (الكبير ٢٤/ ١٥/ ٢٧) قال: حدثنا أحمد بن عمرو القطراني، حدثنا خالد بن عبد الله (الواسطي)، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ به، واختَصرَ مَتْنَهُ قائلًا: ((مثله)).
فأحالَ على ما قبله، وهو من روايةِ ابنِ بُوْذَوَيْه عن مَعْمَرٍ، بالتفرقة بين الجامد والمائع.
стр. 1348
وأحمد بن عمرو القطراني، ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٥٥)، وقال الذهبي: ((المحدث الثقة)) (السير ١٣/ ٥٠٦)، وانظر: (إرشاد القاصي والداني ١٥٤).
وحَمْل روايتِه عن خالدٍ على روايةِ مَعْمَرٍ -التي فيها التفرقة- صنيعٌ غيرُ سديدٍ.
فقد رواه ابنُ أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٣١٠١) عن الحسن بن علي الواسطي، نا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهريِّ به وقال: ((مثل حديث ابنِ عُيَينَةَ))، أي: الذي رواه قبله بلا تفرقة.
والحسن بن علي بن راشد، وَثَّقَهُ ابنُ المديني وبَحْشَلٌ، وقال ابن حبان: ((مستقيم الحديث جدًّا))، وقال ابن عَدِي: ((لم أرَ بأحاديثِه بأسًا إذا حدَّث عنه ثقة))، وقال ابن قانع: ((وكان صالحًا)) (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٩٥)، فروايتُه أولى بالصواب؛ وعليه: تكون رواية عبد الرحمن بن إسحاق مثل رواية مالك، وابنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ؛ بدون التفرقة بين الجامد والمائع.
وهناك علة أخرى: ذكرها ابن تيمية، وهي أن ابن عباس (وهو راوي الحديث) أفتى بأن الزيتَ أو السَّمْنَ إذا كان مَائِعًا ووقعتْ فيه فأرةٌ فتُؤْخَذُ وما حولها:
فقد روى أحمد، كما في ((مسائل ابنه صالح)) -كما في (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٧)، و (نقد مراتب الإجماع صـ ٢٩٩ - ٣٠٠) (١) -: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابنَ عبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ فأْرةٍ
стр. 1349
مَاتَتْ في سَمْنٍ؟ قَالَ: ((تُؤْخَذُ الفَأْرَةُ وَمَا حَولَهَا))، قُلْتُ: يَا مَولَاي! فِإنَّ أَثرَهَا كَانَ فِي السَّمْنِ كُلِّهِ، قَالَ: ((إنمَا كَانَ أَثَرُهَا بالسَّمْنِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَإنَّمَا مَاتَتْ حَيثُ وُجِدَتْ)).
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله رجال الصحيح، كما قال ابن حجر في (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
وورواه أحمد أيضًا -كما في المصدر السابق-: عَنْ وَكِيعٍ، ثَنا النَّضْرُ بنُ عَرَبِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى ابنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ: عَنْ جَرٍّ فِيهِ زَيْتٌ وَقَعَ فِيهِ جُرْذٌ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ((خُذْهُ وَمَا حَوْلَهُ فَأَلْقِهِ وَكُلْهُ))، قُلْتُ: أَليسَ جَالَ في الجَرِّ كُلِّهِ؟ قال: ((إِنَّهُ جَالَ وَفِيهِ الرُّوحُ فَاسْتَقَرَّ حَيْثُ مَاتَ)).
وهذا إسنادٌ حسنٌ؛ من أجل النضر بن عربي الباهلي؛ فقد وثقه جماعة، وقال آخرون: ((لا بأس به))، وكذا قال الحافظ في (التقريب ٧١٤٥)، وانظر: (تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٢).
قلنا: فهذه فتوى ابن عباس مع أنه راوي الحديث، فكيف يكون عنده الحديث بالتفريق بين الجامد والمائع، ويفتي بضده؟ ! فلو كان عنده بالتفريق لأَفْتَى به واحتجَّ بالحديث، وانظر: (مجموع الفتاوى ٢٠/ ٥١٩ - ٥٢٠، ٢١/ ٤٩٧ - ٤٩٨).
قلنا: وقد بَوَّبَ ابنُ رَجبٍ في (شرح العلل): ((قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه))، وقال: ((قد ضعَّفَ (١) الإمامُ أحمدُ وأكثرُ الحفَّاظ أحاديثَ كثيرة بمثلِ هذا)) (شرح علل الترمذي ٢/ ٨٨٨). وقد أعلَّ
стр. 1350
الإمامُ مسلمٌ أيضًا أحاديثَ بمثلِ هذا، وانظر: (التمييز صـ ٢٠٩)، وكذلك أبو داود في (سننه ١٦٨١، ١٦٨٢)، وابن خزيمة في (صحيحه ١٣٣١)، والدارقطني في (السنن ٤٨٦).
стр. 1351
٢٤٦ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ؟ فَقَالَ: ((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا [مِنَ السَّمْنِ] فَاطْرَحُوهُ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وأما إسنادُهُ فالصحيح فيه: عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما قال البخاريُّ، والترمذيُّ، وأبو حاتم، والذهليُّ، والدارقطنيُّ، وابنُ عبد البر، وابنُ حجر.
[التخريج]:
[طا (رواية محمد بن الحسن ٩٨٤) / مي ٢١١٢ ((واللفظ له)) / منذ ٨٦٦ ((والزيادة له ولغيره)) / مشكل ٥٣٥٨/ حل (٣/ ٣٧٩) / مطغ ١٨٧/ برق (جمع ٤/ ٢٥٣)، (التحفة ١٢/ ٤٩١)].
[السند]:
رواه محمد بن الحسن الشيباني في (الموطأ) قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، به.
ورواه الدارمي، قال: حدثنا خالد بن مخلد، ثنا مالك، به.
ورواه ابن المنذر، والبرقاني، وأبو نعيم، من طريق القعنبي، عن مالك، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، غير أن الصواب فيه (عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ) كذا رواه جماهير أصحاب مالك، وكذا رواه ابنُ عُيَينَةَ وغيرُه عنِ الزُّهريِّ.
стр. 1352
ولذا اتفقَ النُّقَّادُ على أنَّ الصوابَ فيه: (عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ)، كما خرَّجه البخاريُّ ورجَّحَهُ - كما في (العلل الكبير للترمذي ٥٥٢) -، وكذا رجَّحَهُ الترمذيُّ في (السنن عقب رقم ١٩٠٤)، وأبو حاتم في (العلل ٤/ ٣٧٨، ٣٩٢) -، ومحمد بن يحيى الذُّهْليُّ وابنُ عبدِ البرِ -كما في (التمهيد ٩/ ٣٣ - ٣٥)، و (الاستذكار ٢٧/ ٢١٨ - ٢١٩) -، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٢٥٩)، وابنُ حجر في (الفتح ١/ ٣٤٤، ٩/ ٦٦٨).
روايةُ: يُقَوِّرُوا:
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَفْتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ؛ فَأَمَرَ أَنْ يُقَوِّرُوا مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ)).
[الحكم]: شاذٌّ بهذا السياق.
[التخريج]: [علقط (٩/ ٢٥٩/ ٤٠٠٧)].
[السند]:
رواه الدارقطني: عن أبي علي المالكيِّ، قال: حدثنا بُنْدَار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، به.
[التحقيق]:
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا شيخ الدارقطنيِّ وهو محمد بن
стр. 1353
سليمان أبو عليٍّ المالكيِّ، قَاضِي البَصْرةَ، قال فيه الذهبي: ((رَحَلَ الناسُ إليه .. وكان صَدُوقًا)) (تاريخ الإسلام ٧/ ٦١٤)، وقال في (الميزان ٣/ ٥٧٢): ((لا بأس به إِن شاء الله)).
لكن قال الحسن بن علي -المعروف بابنِ غُلَام الزُّهري-: ((ليس هو بذاك))، قال السَّهْمِي: ((قلت له: لأيِّ سَببٍ؟ قال: بلغني أنه كان قد حدَّثَ في أيام السَّاجِي، عنِ ابنِ أبي عُمَرَ العَدَنِيِّ، فبلغ بذلك الساجي، فقال: من أين له ابن أبي عمر، وإنما حَجَجْتُ قَبْلَهُ، وكان قد مَاتَ ابنُ أبي عمر))، قال: ((ثم أمسك، ولم يحدِّثْ بعد ذلك عنه بشيء، وكان قد أَفْسَدَهُ ابنُهُ)) (سؤالات السهمي ٦٨).
ولعلَّ لذلك استثنى فيه الذهبي، فمثله قد يُحسَّنُ حديثُه، لكن عند المخالفة فلَا، وقد خُولف هنا في سَنِدِهِ وَمتْنِهِ:
أما سنُدُه: فالمحفوظ فيه: (عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ) كما تقدَّم.
وأما مَتْنُهُ: فقد تفرَّد بهذا السياق، وقد رواه الثقاتُ الحفاظُ، عن مالكٍ، وابنِ عُيَينَةَ، وغيرهما، عن الزُّهريِّ به: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ .. ))، هكذا مبني للمجهول، وبلفظ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا))، وفي رواية: ((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطرَحُوهُ)) كما تقدَّم عند البخاريِّ وغيرِه، ولم يذكر أحدٌ منهم: ((يُقَوِّرُوا مَا حَوْلَها)).
стр. 1354
روايةُ ((أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ، فِي سَمْنٍ جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ، فِي سَمْنٍ جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ، ((فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُؤْخَذَ الفَأْرَةُ وَمَا حَوْلَهَا)).
[الحكم]: صحيحٌ دون قوله: ((جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ)) فشَاذٌّ.
[التخريج]: [طي ٢٨٣٩].
[السند]:
قال الطيالسي: ثنا سفيان بن عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين إِلَّا أَنَّ أبا داود الطيالسيَّ -وإِن كان ثقةً حافظًا- فهو مع ذلك كثير الخطأ، وقد أخطأ في هذا الحديث في إسنادِهِ ومَتْنِهِ:
فأما السندُ: فقد أسقط منه ميمونة، والصواب ذِكْرُهَا.
وأما المتنُ: فقد زاد فيه: ((جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ)) مخالفًا بذلك جميع الرواة عن ابنِ عُيَينَةَ؛ فلم يذكرْ أحدٌ منهم هذه اللفظة.
ولذا تكلَّم فيها ابنُ عبد الهادي في (المحرر في الحديث صـ ٤٦٩)، وابن حجر في (الفتح ١/ ٣٤٤). وقد تقدَّم نصُّ كلامهما، مع تفصيل الكلام على هذه الرواية عند تحقيق زيادة: ((جَامِدٍ)) في حديث ميمونة، فانظره هناك.
стр. 1355
[تنبيه]:
قال العقيلي في (الضعفاء ٢/ ٥٧٨): ((ورواه الأوزاعي، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، ولم يذكرا ميمونة))، وكذلك قال الدارقطني في (العلل ٩/ ٢٥٨) عن الأوزاعيِّ، وابن عبد البر في (التمهيد ٩/ ٣٥)، والذهبي في (تاريخ الإسلام ١٠/ ٣٠٨).
قلنا: الذي وقفنا عليه من روايتهما بذكر ميمونة كرواية الجماعة.
فقد أخرجه أحمد (٢٦٨٠٣) من طريق الأوزاعي.
وأخرجه ابنُ أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٣١٠١)، والطبرانيُّ في (الكبير ٢٤/ ٢٧) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، كلاهما: عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ.
стр. 1356
٢٤٧ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ((سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ (تَمُوتُ) فِي السَّمْنِ، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا؛ فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا؛ فَلَا تَقْرَبُوهُ)).
[الحكم]: مُخْتَلَفٌ فيه: فأعلَّه: البخاريُّ -وأقرَّه البغويُّ، وابنُ العربي، وغيرُهما-، والترمذِيُّ، وأبو حاتم، والعقيليُّ، وأبو العباس العصميُّ، وابنُ عساكر، وابنُ تيمية، وابنُ القيم، وابنُ عبد الهادي، والزركشيُّ، وابنُ حجر، والألبانيُّ. وحُكي إعلاله أيضًا عن أبي زُرْعَةَ، والدارقطنيِّ، وهو ظاهر كلام ابن عبد البر، وأشار إلى إعلاله أيضًا: ابنُ عُيَينَةَ، والبزارُ، والطبرانيُّ، وغيرُهم.
بينما احتجَّ به أحمدُ -ونقل عنه ابنُ رجبٍ تصحيحه-، وصححه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ، وابنُ حِبَّانَ، والطحاويُّ، وابنُ حزمٍ، والنوويُّ، وهو ظاهر صنيع ابنِ رَجبٍ الحنبليِّ، وسَكَتَ عنه أبو داود.
والراجح: أنه معلول سندًا ومتنًا، والصحيح: عن ميمونةَ بدون التفرقة بين الجامد والمائع، كما تقدَّم عند البخاريِّ وغيرِهِ.
[الفوائد]:
قال ابن عبد البر: ((في هذا الحديث معانٍ من الفقه منها ما اجتُمِعَ عليه، ومنها ما اختُلِفَ فيه:
فأما ما اجْتَمَعَ عليه العلماءُ من ذلك: أن الفأرة ومثلها من الحيوان كلّه يموتُ في سَمْنٍ جامدٍ أو ما كان مثله من الجامدات؛ أنها تُطْرَحُ وما حولَها
стр. 1357
من ذلك الجامد ويُؤكَلُ سائره إذا اسْتُيقِنَ أنه لم تَصِلْ الميتةُ إليه.
وكذلك أَجْمَعُوا: أن السَّمْنَ وما كان مثلُه إذا كان مَائِعًا ذَائبًا فماتتْ فيه فَأْرةٌ أو وقعتْ وهي ميتةٌ أنه قد نجس كلُّه، وسواء وقعتْ فيه مَيِّتَةٌ أو حيَّةٌ فماتت؛ يتنجس بذلك قليلًا كان أو كثيرًا، هذا قول جمهور الفقهاء وجماعة العلماء ...
واختَلَفُوا: في الزيت تقع فيه الميتة -بعد إجماعهم على نجاسته-: هل يستصبح به؟ . وهل يباع وينتفع به في غير الأكل؟ )) (التمهيد ٩/ ٤٠ - ٤١).
وقال ابن حجر: ((أَخَذَ الجمهورُ بحَديثِ مَعْمَرٍ الدالّ على التفرقة بين الجامدِ والذَّائِبِ، ونقل ابنُ عبد البر الاتفاقَ على أن الجامدَ إذا وقعتْ فيه ميتةٌ طُرِحَتْ وما حولَها منه إذا تحقق أن شيئًا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك منه، وأما المائِعُ: فاختلفوا فيه؛ فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله بملاقاة النجاسة)) (فتح الباري ١/ ٣٤٤).
وقد سبقَ في فوائد حديثِ ميمونةَ، أن شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميةَ انتصرَ لقولِ من يقولُ بأن المائعَ أيضًا لا يَنْجُسُ كُلّه، وحكمُهُ حُكْمُ الجامدِ. (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٢٧ - ٥٢٨).
[التخريج]:
[د ٣٧٩٤/ حم ٧٦٠١ ((واللفظ له))، ٧٦٠٢/ حب ١٣٨٨، ١٣٨٩/ عب ٢٧٩/ جا ٨٨٣ ((والرواية له)) / منذ ٨٦٧، ٧٧٩٥/ علقط (٣/ ٤٣٠ - ٤٣٢/ ١٣٥٧) / هق ١٩٦٥٣/ بغ ٢٨١٢/ تمهيد (٩/ ٣٧، ٣٨) / قناع ١٨٣/ فق (١/ ٥١٩)، (٢/ ٣٩٩) / محلى (١/ ١٤٠ - ١٤١) / تحقيق ١٤٧١/ خبر (١/ ١٥٣) / جهلي ١٧].
روايةُ: ((اسْتَصْبِحُوا بِهِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: (( ... وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ -أَوْ فَاسْتَنْفِعُوا بِهِ-)).
[الحكم]: معلولٌ سندًا ومتنًا.
[التخريج]: [مشكل ٥٣٥٤ ((واللفظ له)) / خصر (٣/ ٩٢) / حذلم (أول ٥٠)].
[التحقيق]:
هذا الحديث برواياته مداره على مَعْمَرِ بنِ رَاشد:
فرواه عبد الرزاق في ((المصنف)) -وعنه أحمد، وغيره-: عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، عن أبي هريرة به، بلفظ الرواية الأُولى.
ورواه أحمد عن محمد بن جعفر (غُنْدَر).
ورواه أبو يعلى عن محمد بن المِنْهَالِ.
ورواه البيهقي في (الكبرى) من طريق مُسَدَّدٍ.
ورواه في (المعرفة) من طريق محمد بن أبي بكر.
ثلاثتهم -ابن المنهال، ومسدد، وابن أبي بكر-، عن عبد الواحد بن زياد، كلاهما (غندر، وعبد الواحد): عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة به، بلفظِ الروايةِ الثانيةِ.
ورواه الطحاوي في (المشكل) عن فهد بن سليمان، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن مَعْمَرٍ به، بلفظِ الروايةِ
стр. 1360
الثالثةِ.
فمداره عند الجميع على مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّبِ، عن أبي هريرةَ، به.
وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، فرجاله كلُّهم ثقات رجال الشيخين، إِلَّا أنه معلولٌ سندًا ومتنًا؛ للعلل الآتية:
أولًا: أن الثقاتِ من أصحابِ الزُّهري وهم: (مالك، وابن عُيَينَةَ، والأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن إسحاق) رووه عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ به بلَا تَفْرِقَةٍ بيْنَ الجامدِ والمائِعِ، فخَالَفُوا معمرًا في السَّندِ والمتْنِ.
وقد روى البخاريُّ (٥٥٣٨) عن الحميديِّ عنِ ابنِ عُيَينَةَ، أنه قيل له: ((فإن معمرًا يُحَدِّثه، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّب، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعتُ الزُّهريَّ يقولُ إِلَّا عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، عن النبي ﷺ ، ولقد سمعتُه منه مِرارًا)).
وفي رواية: ((قال سفيانُ: كم سمعْنَاهُ منَ الزُّهريِّ يُعِيدُهُ وَيُبْدِئُهُ)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
ولذا قال الزرقاني: ((وفي البخاريِّ عنِ ابنِ عُيَينَةَ إنْكَارُهُ على مَعْمَرٍ إسناده)) (شرح الزرقاني على الموطأ ٤/ ٦٠٠).
ولهذا حَكَمَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ على روايةِ مَعْمَرٍ هذه بالخطأِ والشُّذُوذِ:
فقال البخاريُّ: ((وحديثُ مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّبِ، عن أبي هريرة، هذا خطأٌ؛ أخطأَ فيه مَعْمَرٌ))، قال: ((والصحيح حديث الزُّهري،
стр. 1361
عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (جامع الترمذي عقب رقم ١٩٠٤).
وقال أيضًا: ((حَديثُ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المسَيّبِ، عن أبي هريرة، وَهِمَ فيه مَعْمَرٌ، ليس له أَصْلٌ)) (العلل الكبير للترمذي ٥٥٣). وأقرَّه البغويُّ في (شرح السنة ١١/ ٢٥٨) وابن العربي في (عارضة الأحوذي ٧/ ٣٠٠).
وقال الترمذي: ((وروى مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوه -أي: نحو حديث ميمونةَ- وهو حديثٌ غيرُ محفوظٍ)) (الجامع عقب رقم ١٩٠٤).
وسئل أبو حاتم: عن طريقِ مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المُسَيّبِ، عن أبي هريرة.
وطريقِ عبد الجبار بن عمر، عن الزُّهريِّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه -وسيأتي قريبًا-؟ فقال: ((كلاهما وَهْمٌ، والصحيحُ: الزُّهريُّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (العلل ٤/ ٣٩٣).
وحَكَى ابنُ حجر أن أبا زُرْعَةَ الرازيَّ خطَّأَ روايةَ مَعْمَرٍ أيضًا، انظر: (التلخيص الحبير ٣/ ٨)، (موافقة الخبر الخبر ١/ ١٥٤) (١).
وحكى الحافظُ أيضًا، وابنُ تيميةَ، عنِ الدارقطنيِّ تَخْطِئَتِهِ لروايةِ مَعْمَرٍ،
стр. 1362
انظر: (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٠)، و (التلخيص الحبير ٣/ ٨) (١).
وقال العقيليُّ -بعد ذِكْرِهِ الخلافَ فيه-: ((والمحفوظُ حديث الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ، رواية مَالكٍ، وابنِ عُيَينَةَ، وابنِ بُوْذَوَيْه، عن مَعْمَرٍ)) (الضعفاء الكبير ٢/ ٥٧٨).
قلنا: ويعني بروايةِ ابنِ بُوْذَوَيْه: السندَ فقط؛ لموافقته رواية الجماعة، أما المتن فشَاذٌّ، كما تقدَّم بيانه.
وقال أبو العباس العصميُّ: ((غريبٌ من حديث الزُّهري عن ابن المُسَيّب لم يروه عنه إِلَّا مَعْمَرٌ، ويقالُ إنه أخطأَ فيه ... ، والصحيحُ من حديث الزُّهريِّ ما هو عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . ومنهم من قال فيه: عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (جزء أبي العباس العصمي صـ ١٦٧).
стр. 1363
وقال ابنُ عبد البر -بعد ذِكْرِهِ أوجه الخلافِ فيه على الزُّهريِّ-: ((والصحيحُ في إسناد هذا الحديث ما قاله مالكٌ في رواية يحيى ومَنْ تابعه)) (التمهيد ٩/ ٣٥) (١). أيْ: عن عبيد الله، عنِ ابن عباس، عن ميمونةَ.
وقال ابنُ عَساكرٍ: ((وحديثُ مَعْمَرٍ الذي يقولُ فيه، عن سعيدٍ؛ خطأٌ)) (الأربعون حديثًا من المساواة صـ ٢٥٧).
وقال ابنُ تيميةَ -عن لفظة: ((التَّفْرِيقِ بن الجامدِ والمائِعِ في روايةِ مَعْمَرٍ)) -: ((هذه الزيادة وقعتْ خطأ في الحديث ليستْ من كلامِ النبيِّ ﷺ ، وهذا هو الذي تبيَّن لنا ولغيرنا، ونحنُ جازمون بأن هذه الزيادةَ ليستْ من كلامِ النبيِّ ﷺ ... ، والبخاريُّ، والترمذيُّ -رحمة الله عليهما-، وغيرُهما من أئمة الحديث؛ قد بيَّنُوا لنا أنها باطلةٌ، وأن معمرًا غَلِطَ في روايتِهِ لها عنِ الزُّهريِّ، وكان مَعْمَرٌ كثيرَ الغَلَطِ، والأثباتُ من أصحاب الزُّهري: كمالكٍ، ويونسَ، وابنِ عُيَينَةَ، خالفُوه في ذلك)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥١٦).
وقال ابنُ القيم: ((وحديثُ التَّفْرِيقِ بين الجامد والمائع حديثٌ معلولٌ، وهو غَلَطٌ من مَعْمَرٍ من عِدَّةِ وُجوهٍ بيَّنَها البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذيُّ في (جامعه)، وغيرهما، ويكفي أن الزُّهريَّ الذي روى عنه مَعْمَرٌ حديثَ التفصيلِ قد روى عنه الناسُ كلُّهم خِلافَ ما روى عنه مَعْمَرٌ، وسُئِلَ عن هذه المسألةِ فأفتى بأنها تُلقى وما حولها ويُؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدلَّ بالحديث، فهذه فُتْيَاهُ، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه)) (إعلام الموقعين ١/ ٢٩٧).
стр. 1364
وقال الزركشيُّ: ((المعروف في الحديث: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ))، أما التفرقة بين المائع وغيره فضعيفٌ)) (شرح مختصر الخرقي ٦/ ٧٠٠).
وقال ابنُ عبد الهادي-بعد ذِكْرِهِ لحديثِ أبي هريرةَ-: ((ورجالُه وإن كانوا رجالَ الصحيحين فإنه خطأٌ من وجوهٍ كثيرةٍ ... والصوابُ حديث الزُّهريِّ، عن عبيد الله)) (التنقيح ٤/ ٨٢).
وقال أيضًا: ((رواه أحمد، وأبو داود، وقال البخاريُّ: هو خطأٌ، وقال الترمذيُّ: هو حديثٌ غيرُ محفوظٍ، وقال أبو حاتم: هو وَهْمٌ)) (المحرر في الحديث ٨٣٧).
وقال ابنُ حجر: ((هذا حديثٌ غريبٌ تفرَّدَ به مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ، وخالفَ أصحابَ الزُّهريِّ في إسنادِهِ ... ولم يقعِ التفصيلُ في حديثِ ميمونةَ في مُعظَمِ الطرقِ)) (موافقة الخبر الخبر ١/ ١٥٣).
وحكم عليه الألبانيُّ بالشذوذِ، وقال: ((هذا إسنادٌ ظاهره الصحة، وليس كذلك، لأَنَّ معمرًا -وإن كان ثقةً- فقد خُولِفَ في إسنادِهِ ومتْنِهِ. أما الإسنادُ: فرواه جماعةٌ عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ؟ فَقَالَ: ((انْزِعُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ))، ثم ذَكَرَ روايةَ ابنِ بُوْذَوَيْه، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس ... وقال: ((ولَا يَشُكُّ مَن كان عنده عِلمٌ ومعرفةٌ بعلل الحديث، أن روايةَ مَعْمَرٍ هذه أصحُّ من روايتِهِ الأُولى؛ لموافقتها لرواية مالك ومَن تابعه ممن ذكرنا وغيرهم ممن لم نذكر، وأن روايتَه تلكَ شاذَّةٌ لمخالفتها لرواياتهم. وقد أشارَ إلى ذلك الحميديُّ في روايته، عن سفيان ... ، وأما المخالفة في المتن: فقد رواه
стр. 1365
الجماعةُ عن الزُّهريِّ باللفظ المتقدم: ((انْزِعُوهَا ومَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ)). ليس فيه التفصيل الذي في رواية مَعْمَرٍ: ((فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا ... إلخ)) (السلسلة الضعيفة ٤/ ٤٠ - ٤١/ ١٥٣٢).
وقد أشار إلى إعلاله بذلك أيضًا جماعة، كما سبقَ عنِ ابنِ عُيَينَةَ:
فقال البزارُ: ((وهذا الحديثُ لا نَعْلَمُ أحدًا رواه عنِ الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة إِلَّا مَعْمَرٌ، وقد خُولِفَ في إسنادِهِ ومَتْنِهِ)) (المسند ١٤/ ١٧٦).
وقال الطبرانيُّ: ((رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، عن أبي هريرة، ورواه أصحابُ الزُّهريِّ: عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباسٍ)) (المعجم الأوسط ٣/ ٢٥٧).
وذكر الماورديُّ أن حديثَ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ؛ أثبتُ من حديثِ أبي هريرةَ الذي فيه التفصيل بيْن الجامد والمائع، انظر: (الحاوي الكبير ١٥/ ١٥٧).
ثانيًا: أن معمرًا كان يضطرب في سندِهِ ومتنِهِ، فمرة يرويه كما هنا (عن الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة)، ومرة يرويه مثل رواية مالك ومَن معه.
وأما الاضطراب في المتن: ((فتارة يقول: ((إِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤْكَلْ))، وهذا يقول: ((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ وَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وهذا يقول: ((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وهذا يقول: ((فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ وَمَا حَوْلَهَا فَتُطْرَح)) فأطلق الجواب، ولم يذكرِ التفصيلَ، وهذا يُبينُ أنه لم يروه من كتابٍ بلفظٍ مضبوطٍ، وإنما رواه بحسب ما ظنَّه من المعنى فَغَلِطَ))، قاله ابن تيمية في (مجموع الفتاوى
стр. 1366
٢١/ ٤٩٥).
قال ابنُ تيميةَ: ((وقد ذكر عبد الرزاق أن معمرًا كان يرويه أحيانًا من الوجه الآخر، فكان يَضْطَرِبُ في إسناده، كما اضْطَرَبَ في متنه، وخالفَ فيه الحفَّاظَ الثقاتَ الذين رووه بغير اللفظ الذي رواه، ومعمرٌ كان معروفًا بالغَلَطِ، وأما الزُّهريُّ فلا يُعْرَفُ منه غَلَطٌ فلهذا بَيَّنَ البخاريُّ من كلامِ الزُّهريِّ ما دلَّ على خطأ مَعْمَرٍ في هذا الحديث))، ثم ذكر رواية سفيان وقوله: (بأنه ما سمعه من الزُّهريِّ إِلَّا عن عبيد الله به)، ثم ذكر فَتْوى الزُّهريِّ، انظر: (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
وقال أيضًا: ((اضطربتْ روايتُه في هذا الحديث إسنادًا ومتنًا فجعله عن سعيد بن المُسَيّب، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ، ورُويَ عنه في بعضِ طُرُقِهِ أنه قال: ((إِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وفي بعضِهَا: ((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، والبخاريُّ بَيَّنَ غَلَطَهُ في هذا)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥١٦).
وقال ابنُ القيم: ((اضْطَرَبَ حديثُ مَعْمَرٍ؛ فقال عبد الرزاق عنه: ((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وقال عبد الواحد بن زيادة عنه: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤْكَلْ))، وقال البيهقيُّ: عبد الواحد بن زياد أحفظُ منه -يعني: من عبدالرزاق-، وفي بعضِ طرقه: ((فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وكلُّ هذا غيرُ محفوظٍ في حديثِ الزُّهريِّ)) (تهذيب السنن ١٠/ ٢٢٨).
ثالثًا: أن الزُّهريَّ أَفْتَى بأن الجامدَ والمائِعَ سواءٌ، ولم يُفَرِّقْ كما سبقَ ذِكْرُهُ.
أن الزُّهريَّ سُئِلَ عن الدَّابةِ تموتُ في الزَّيتِ والسَّمْنِ، وهو جامدٌ أو غير
стр. 1367
جامدٍ، الفَأْرَةُ أو غيرُها، قال: ((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ)). أخرجه البخاري (٥٥٣٩).
قال ابنُ تيميةَ: ((فكيف يكون قد روى في هذا الحديث الفرق بينهما وهو يحتجُّ على استواءِ حُكْمِ النَّوعينِ بالحديث ورواه بالمعنى؟ ! والزهريُّ أحفظُ أهلِ زمانِهِ حتى يقالُ: إنه لا يُعْرَفُ له غَلَطٌ في حديثٍ ولا نِسْيَانٌ، مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثًا منه ... فلو لم يكنْ في الحديثِ إِلَّا نسيان الزُّهريِّ أو مَعْمَرٍ لكان نِسْبَةُ النسيانِ إلى مَعْمَرٍ أولى باتفاق أهل العلم بالرجالِ مع كثرة الدلائل على نسيانِ مَعْمَرٍ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٤).
وقال أيضًا: ((الزُّهريُّ الذي مدارُ الحديث عليه قد أفتى في المائِعِ والجامِدِ بأن تُلْقَى الفأرةُ وما قَرُبَ منها ويُؤكل، واستدلَّ بهذا الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه. فتبيَّن أن مَن ذَكَرَ عنه الفَرْقَ بيْن النَّوعَينِ فقد غَلِطَ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥١٧).
وقال أيضًا -بعد ذِكْرِهِ لتبويب البخاريِّ على الحديث، وهو ((بابُ إذا وقعتِ الفأرةُ في السَّمْنِ الجامِدِ أو الذَّائِبِ))، وبعد ذِكْرِهِ لفَتْوَى الزُّهريِّ-: ((ذكر البخاريُّ ﵁ هذا لِيُبَيِّنَ أن مَن ذكر عن الزُّهريِّ أنه رَوَى في هذا الحديث هذا التفصيل فقد غَلِطَ عليه؛ فإنه أجاب بالعموم في الجامِدِ والذائِبِ مستدلًا بهذا الحديث بعينه لا سيَّما والسَّمْنُ بالحجازِ يكون ذَائِبًا أكثر مما يكون جَامِدًا؛ بل قِيلَ: إنه لا يكونُ بالحجازِ جامدًا بحَال)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).
وقال ابنُ القيم: ((وحديث التَّفْرِيقِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ حديثٌ معلولٌ، وهو غَلَطٌ من مَعْمَرٍ من عِدَّةِ وجوه بيَّنَها البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذيُّ في (جامعه)، وغيرُهما، ويكفي أنَّ الزُّهريَّ ... سُئِلَ عن هذه المسألةِ فأَفْتَى
стр. 1368
بأنها تُلْقَى وما حولَها ويُؤكل الباقِي في الجامِدِ والمائِعِ والقليلِ والكثيرِ، واستَدلَّ بالحديث، فهذه فُتْيَاهُ، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه)) (إعلام الموقعين ١/ ٢٩٧).
وقال أيضًا: ((ذَكَرَ البخاريُّ فَتْوَى الزُّهريِّ في الدَّابةِ تموتُ في السَّمْنِ وغيرِه الجامِدِ والذَّائِبِ أنه يُؤكَل، واحتجاجه بالحديث من غيرِ تَفْصِيلٍ دليلٌ على أن المحفوظَ من روايةِ الزُّهريِّ إنما هو الحديثُ المطلقُ الذي لا تَفْصِيلَ فيه، وأنه مذهبُهُ فهو رأيه وروايتُه، ولو كان عنده حديث التَّفْصِيلِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ لأَفْتَى به واحتجَّ به؛ فحيثُ أَفْتَى بحديثِ الإطلاقِ واحتجَّ به دلَّ على أن معمرًا غَلِطَ عليه في الحديثِ إسنادًا ومتنًا)) (تهذيب السنن ١٠/ ٢٢٧).
وقال ابنُ حَجَرٍ تعليقًا على فتوى الزُّهريِّ: ((الزُّهريُّ كان في هذا الحكمِ لا يُفَرِّقُ بين السَّمْنِ وغيرِهِ ولا بيْن الجامِدِ منه والذَّائِبِ؛ لأنه ذُكِرَ ذلك في السُّؤالِ ثم استَدلَّ بالحديثِ في السَّمْنِ ... أما عدمُ الفَرقِ بين الذائِبِ والجامِدِ؛ فلأنه لم يذكرْ في اللفظ الذي استَدَلَّ به؛ وهذا يَقْدَحُ في صحةِ مَن زَادَ في هذا الحديثِ عنِ الزُّهريِّ التَّفْرِقَةَ بيْنَ الجامِدِ والذَّائِبِ -كما ذُكِرَ قَبْلُ عن إسحاقَ- وهو مشهورٌ من رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ)).
وقال أيضًا: ((الذي ينفصل به الحكم فيما يظهر لي بأن التقييد عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه من قوله، والإطلاقُ من روايتِهِ مرفوعًا؛ لأنه لو كان عنده مرفوعًا ما سَوَّى في فَتْوَاه بيْنَ الجامِدِ وغيرِ الجامِدِ، وليس الزُّهريُّ ممن يقالُ في حَقِّهِ: لعلَّه نسِي الطريقَ المفصلة المرفوعة؛ لأنه كان أحفظَ الناسِ في عصره، فَخَفَاءُ ذلك عنه في غايةِ البُعْدِ)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
стр. 1369
وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث:
فقد احتجَّ به الإمامُ أحمد بنُ حنبل: قال عبد الله بنُ أحمد: ((سَأَلْتُ أبي: عَنِ الفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ -أَوِ الزَّيْتِ-؟ فقال: حديثُ الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ -الذي يرويه مَعْمَرٌ- قال: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهُ، وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ، وإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وقال بعضُهم: ((فَلَا تَطْعَمُوهُ)))) (مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه عبد الله ١٦)، وانظر: (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٣).
وجَزَمَ ابنُ رجبٍ في (شرح العلل ٢/ ٨٤٠) بتصحيح الإمام أحمد لهذا الحديث.
وعقَّبَ ابنُ تيميةَ على احتجاجِ أحمدَ بهذا الحديث، فقال: ((وكان أحمدُ يحتجُّ أحيانًا بأحاديثَ ثم يتبيَّنُ له أنها معلولةٌ؛ كاحتجاجه بقولِهِ: ((لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)). ثم تبيَّنَ له بَعْدَ ذلك أنه معلولٌ فاستَدلَّ بغيرِهِ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٤).
وقال ابنُ تيميةَ أيضًا: ((إنه ظنَّ -أي: أحمد- صحةَ حديثِ مَعْمَرٍ فأَخَذَ به، وقدِ اطَّلع غيرُه على العلةِ القادحةِ فيه، ولو اطَّلع عليها لم يَقُلْ به؛ ولهذا نظائر كان يأخذُ بحديث ثم يتبيَّنُ له ضَعْفُهُ فيترك الأَخْذَ به وقد يتركُ الأَخْذَ به قَبْلَ أن تتبيَّنَ صحتُه فإذا تَبيَّنَ له صحته أَخَذَ به. وهذه طريقةُ أهل العلمِ والدِّينِ ﵃) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٧).
وصححه أيضًا محمد بن يحيى الذُّهْليُّ؛ فقال: ((وحديثُ مَعْمَرٍ أيضًا -عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ محفوظٌ))، قال: ((والطريقان عندنا محفوظان -إِن شاء الله- قال: لكن المشهور حديث
стр. 1370
ابن شهاب، عن عبيد الله)) (التمهيد ٩/ ٣٥).
وكانت حجَّتُه في ذلك أن مَعْمَرًا رواه على الوجهين، فقال: ((وحدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بُوْذَوَيْه -وكان من متثبتيهم (١) - أن معمرًا كان يرويه أيضًا عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)).
وقال أيضًا: ((ومما يصحح حديث مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد: أن عبدَ الله بنَ صَالحٍ حدثني، قال: حدثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عنِ ابنِ شِهَابٍ، قال: قال ابن المسيّب: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ؟ ... الحديث)).
قال الذُّهليُّ: ((فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسَيّب في هذا الحديث من غيرِ روايةِ مَعْمَرٍ، فالحديثان محفوظان)) (التمهيد ٩/ ٣٩، ٤٠).
قلنا: والذي استَدَلَّ به الذهليُّ على تصحيحِ روايةِ مَعْمَرٍ، لا يزيدُ روايته إِلَّا ضعفًا؛ فروايةُ مَعْمَرٍ للحديثِ على الوجهين دليلٌ على اضْطرابِهِ فيه، كما سبقَ ذلك عن شيخِ الإسلامِ وغيرِه.
وأما كونه يُرْوَى عن سعيدٍ مُرْسَلًا، فإن ثبتَ سندُهُ إلى سعيدٍ، فهو علةٌ أُخرَى لروايةِ مَعْمَرٍ (٢)؛ لأنه حينئِذٍ يكونُ هو المحفوظُ عن سعيدٍ، وَوَهِمَ