٢١/ ٤٩٥).
قال ابنُ تيميةَ: ((وقد ذكر عبد الرزاق أن معمرًا كان يرويه أحيانًا من الوجه الآخر، فكان يَضْطَرِبُ في إسناده، كما اضْطَرَبَ في متنه، وخالفَ فيه الحفَّاظَ الثقاتَ الذين رووه بغير اللفظ الذي رواه، ومعمرٌ كان معروفًا بالغَلَطِ، وأما الزُّهريُّ فلا يُعْرَفُ منه غَلَطٌ فلهذا بَيَّنَ البخاريُّ من كلامِ الزُّهريِّ ما دلَّ على خطأ مَعْمَرٍ في هذا الحديث))، ثم ذكر رواية سفيان وقوله: (بأنه ما سمعه من الزُّهريِّ إِلَّا عن عبيد الله به)، ثم ذكر فَتْوى الزُّهريِّ، انظر: (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
وقال أيضًا: ((اضطربتْ روايتُه في هذا الحديث إسنادًا ومتنًا فجعله عن سعيد بن المُسَيّب، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ، ورُويَ عنه في بعضِ طُرُقِهِ أنه قال: ((إِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وفي بعضِهَا: ((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، والبخاريُّ بَيَّنَ غَلَطَهُ في هذا)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥١٦).
وقال ابنُ القيم: ((اضْطَرَبَ حديثُ مَعْمَرٍ؛ فقال عبد الرزاق عنه: ((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وقال عبد الواحد بن زيادة عنه: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤْكَلْ))، وقال البيهقيُّ: عبد الواحد بن زياد أحفظُ منه -يعني: من عبدالرزاق-، وفي بعضِ طرقه: ((فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وكلُّ هذا غيرُ محفوظٍ في حديثِ الزُّهريِّ)) (تهذيب السنن ١٠/ ٢٢٨).
ثالثًا: أن الزُّهريَّ أَفْتَى بأن الجامدَ والمائِعَ سواءٌ، ولم يُفَرِّقْ كما سبقَ ذِكْرُهُ.
أن الزُّهريَّ سُئِلَ عن الدَّابةِ تموتُ في الزَّيتِ والسَّمْنِ، وهو جامدٌ أو غير
стр. 1367
جامدٍ، الفَأْرَةُ أو غيرُها، قال: ((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ)). أخرجه البخاري (٥٥٣٩).
قال ابنُ تيميةَ: ((فكيف يكون قد روى في هذا الحديث الفرق بينهما وهو يحتجُّ على استواءِ حُكْمِ النَّوعينِ بالحديث ورواه بالمعنى؟ ! والزهريُّ أحفظُ أهلِ زمانِهِ حتى يقالُ: إنه لا يُعْرَفُ له غَلَطٌ في حديثٍ ولا نِسْيَانٌ، مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثًا منه ... فلو لم يكنْ في الحديثِ إِلَّا نسيان الزُّهريِّ أو مَعْمَرٍ لكان نِسْبَةُ النسيانِ إلى مَعْمَرٍ أولى باتفاق أهل العلم بالرجالِ مع كثرة الدلائل على نسيانِ مَعْمَرٍ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٤).
وقال أيضًا: ((الزُّهريُّ الذي مدارُ الحديث عليه قد أفتى في المائِعِ والجامِدِ بأن تُلْقَى الفأرةُ وما قَرُبَ منها ويُؤكل، واستدلَّ بهذا الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه. فتبيَّن أن مَن ذَكَرَ عنه الفَرْقَ بيْن النَّوعَينِ فقد غَلِطَ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥١٧).
وقال أيضًا -بعد ذِكْرِهِ لتبويب البخاريِّ على الحديث، وهو ((بابُ إذا وقعتِ الفأرةُ في السَّمْنِ الجامِدِ أو الذَّائِبِ))، وبعد ذِكْرِهِ لفَتْوَى الزُّهريِّ-: ((ذكر البخاريُّ ﵁ هذا لِيُبَيِّنَ أن مَن ذكر عن الزُّهريِّ أنه رَوَى في هذا الحديث هذا التفصيل فقد غَلِطَ عليه؛ فإنه أجاب بالعموم في الجامِدِ والذائِبِ مستدلًا بهذا الحديث بعينه لا سيَّما والسَّمْنُ بالحجازِ يكون ذَائِبًا أكثر مما يكون جَامِدًا؛ بل قِيلَ: إنه لا يكونُ بالحجازِ جامدًا بحَال)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).
وقال ابنُ القيم: ((وحديث التَّفْرِيقِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ حديثٌ معلولٌ، وهو غَلَطٌ من مَعْمَرٍ من عِدَّةِ وجوه بيَّنَها البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذيُّ في (جامعه)، وغيرُهما، ويكفي أنَّ الزُّهريَّ ... سُئِلَ عن هذه المسألةِ فأَفْتَى
стр. 1368
بأنها تُلْقَى وما حولَها ويُؤكل الباقِي في الجامِدِ والمائِعِ والقليلِ والكثيرِ، واستَدلَّ بالحديث، فهذه فُتْيَاهُ، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه)) (إعلام الموقعين ١/ ٢٩٧).
وقال أيضًا: ((ذَكَرَ البخاريُّ فَتْوَى الزُّهريِّ في الدَّابةِ تموتُ في السَّمْنِ وغيرِه الجامِدِ والذَّائِبِ أنه يُؤكَل، واحتجاجه بالحديث من غيرِ تَفْصِيلٍ دليلٌ على أن المحفوظَ من روايةِ الزُّهريِّ إنما هو الحديثُ المطلقُ الذي لا تَفْصِيلَ فيه، وأنه مذهبُهُ فهو رأيه وروايتُه، ولو كان عنده حديث التَّفْصِيلِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ لأَفْتَى به واحتجَّ به؛ فحيثُ أَفْتَى بحديثِ الإطلاقِ واحتجَّ به دلَّ على أن معمرًا غَلِطَ عليه في الحديثِ إسنادًا ومتنًا)) (تهذيب السنن ١٠/ ٢٢٧).
وقال ابنُ حَجَرٍ تعليقًا على فتوى الزُّهريِّ: ((الزُّهريُّ كان في هذا الحكمِ لا يُفَرِّقُ بين السَّمْنِ وغيرِهِ ولا بيْن الجامِدِ منه والذَّائِبِ؛ لأنه ذُكِرَ ذلك في السُّؤالِ ثم استَدلَّ بالحديثِ في السَّمْنِ ... أما عدمُ الفَرقِ بين الذائِبِ والجامِدِ؛ فلأنه لم يذكرْ في اللفظ الذي استَدَلَّ به؛ وهذا يَقْدَحُ في صحةِ مَن زَادَ في هذا الحديثِ عنِ الزُّهريِّ التَّفْرِقَةَ بيْنَ الجامِدِ والذَّائِبِ -كما ذُكِرَ قَبْلُ عن إسحاقَ- وهو مشهورٌ من رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ)).
وقال أيضًا: ((الذي ينفصل به الحكم فيما يظهر لي بأن التقييد عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه من قوله، والإطلاقُ من روايتِهِ مرفوعًا؛ لأنه لو كان عنده مرفوعًا ما سَوَّى في فَتْوَاه بيْنَ الجامِدِ وغيرِ الجامِدِ، وليس الزُّهريُّ ممن يقالُ في حَقِّهِ: لعلَّه نسِي الطريقَ المفصلة المرفوعة؛ لأنه كان أحفظَ الناسِ في عصره، فَخَفَاءُ ذلك عنه في غايةِ البُعْدِ)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
стр. 1369
وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث:
فقد احتجَّ به الإمامُ أحمد بنُ حنبل: قال عبد الله بنُ أحمد: ((سَأَلْتُ أبي: عَنِ الفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ -أَوِ الزَّيْتِ-؟ فقال: حديثُ الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ -الذي يرويه مَعْمَرٌ- قال: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهُ، وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ، وإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وقال بعضُهم: ((فَلَا تَطْعَمُوهُ)))) (مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه عبد الله ١٦)، وانظر: (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٣).
وجَزَمَ ابنُ رجبٍ في (شرح العلل ٢/ ٨٤٠) بتصحيح الإمام أحمد لهذا الحديث.
وعقَّبَ ابنُ تيميةَ على احتجاجِ أحمدَ بهذا الحديث، فقال: ((وكان أحمدُ يحتجُّ أحيانًا بأحاديثَ ثم يتبيَّنُ له أنها معلولةٌ؛ كاحتجاجه بقولِهِ: ((لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)). ثم تبيَّنَ له بَعْدَ ذلك أنه معلولٌ فاستَدلَّ بغيرِهِ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٤).
وقال ابنُ تيميةَ أيضًا: ((إنه ظنَّ -أي: أحمد- صحةَ حديثِ مَعْمَرٍ فأَخَذَ به، وقدِ اطَّلع غيرُه على العلةِ القادحةِ فيه، ولو اطَّلع عليها لم يَقُلْ به؛ ولهذا نظائر كان يأخذُ بحديث ثم يتبيَّنُ له ضَعْفُهُ فيترك الأَخْذَ به وقد يتركُ الأَخْذَ به قَبْلَ أن تتبيَّنَ صحتُه فإذا تَبيَّنَ له صحته أَخَذَ به. وهذه طريقةُ أهل العلمِ والدِّينِ ﵃) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٧).
وصححه أيضًا محمد بن يحيى الذُّهْليُّ؛ فقال: ((وحديثُ مَعْمَرٍ أيضًا -عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ محفوظٌ))، قال: ((والطريقان عندنا محفوظان -إِن شاء الله- قال: لكن المشهور حديث
стр. 1370
ابن شهاب، عن عبيد الله)) (التمهيد ٩/ ٣٥).
وكانت حجَّتُه في ذلك أن مَعْمَرًا رواه على الوجهين، فقال: ((وحدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بُوْذَوَيْه -وكان من متثبتيهم (١) - أن معمرًا كان يرويه أيضًا عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)).
وقال أيضًا: ((ومما يصحح حديث مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد: أن عبدَ الله بنَ صَالحٍ حدثني، قال: حدثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عنِ ابنِ شِهَابٍ، قال: قال ابن المسيّب: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ؟ ... الحديث)).
قال الذُّهليُّ: ((فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسَيّب في هذا الحديث من غيرِ روايةِ مَعْمَرٍ، فالحديثان محفوظان)) (التمهيد ٩/ ٣٩، ٤٠).
قلنا: والذي استَدَلَّ به الذهليُّ على تصحيحِ روايةِ مَعْمَرٍ، لا يزيدُ روايته إِلَّا ضعفًا؛ فروايةُ مَعْمَرٍ للحديثِ على الوجهين دليلٌ على اضْطرابِهِ فيه، كما سبقَ ذلك عن شيخِ الإسلامِ وغيرِه.
وأما كونه يُرْوَى عن سعيدٍ مُرْسَلًا، فإن ثبتَ سندُهُ إلى سعيدٍ، فهو علةٌ أُخرَى لروايةِ مَعْمَرٍ (٢)؛ لأنه حينئِذٍ يكونُ هو المحفوظُ عن سعيدٍ، وَوَهِمَ
стр. 1371
مَعْمَرٌ فرواه موصولًا عن الزُّهريِّ، مع أن المحفوظَ عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بغيرِ هذا السياقِ.
لكن سنده فيه مقالٌ؛ فعبد الله بن صالح: ((ضعيف)). وذكر الإسماعيليُّ -كما في (الفتح ٩/ ٦٦٨) - أن الليثَ رواه عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، قال: بَلَغَنَا أَنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ جَامِدٍ ... الحديث.
وصحَّحه أيضًا أبو جعفر الطحاويُّ؛ فقال: ((يحتمل أن يكونَ كان عند الزُّهريِّ في هذا الباب عن سعيد بن المُسَيّب ما رواه عنه مَعْمَرٌ، وعن عبيد الله ما رواه عنه ابنُ عُيَينَةَ، ومالكٌ، فلا نجعل إحْدَى الروايتين دافعةً للأُخْرَى، ولكن نصححهما جميعًا، ونعمل بما فيهما)) (شرح مشكل الآثار ١٣/ ٣٩٦).
فنقولُ: إِنَّ سَعَةَ رِوايةِ الزُّهريِّ تُعْتبرُ قرينةً تدلُّ على صحةِ الوجهين عنه، ولكن مخالفةَ الراوي الواحدِ لجماعةٍ من الثقاتِ الحفَّاظِ، قرينةٌ أَقْوَى منها، تدلُّ على وَهْمِ الوجه الذي تفرَّدَ به.
قال الذهبي: ((إِن كان الحديثُ قد رواه الثبتُ بإسنادٍ، أو وَقَفَهُ، أو أَرْسَلَهُ، ورفقَاؤُهُ الأثباتُ يخالِفُونَه؛ فالعبرةُ بما اجتَمَعَ عليه الثقاتُ؛ فإن الواحدَ قد يَغْلَطُ، وهنا قد ترجح ظهور غَلَطِهِ، فلَا تعليل، والعبرةُ بالجماعةِ)) (الموقظة
стр. 1372
صـ ٥٢).
ومما يُؤكِّدُ أن الزُّهريَّ ليسَ له روايةٌ أُخْرَى: أنه لما سُئِلَ: عنِ الدَّابةِ تموتُ في الزَّيتِ أو السَّمْنِ؟ أَفْتَى بروايتِهِ عن عبيد الله بن عبد الله، بدون تَفْرِيقٍ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ، وقد تقدَّم بيانُ ذلك.
وصحَّحه أيضًا ابنُ حِبَّانَ؛ مُسْتَدِلًا بأن معمرًا رواه بالإسنادين كليهما. وقد تابعه ابنُ عُيَينَةَ -من روايةِ ابنِ راهويه عنه- عنِ الزُّهريِّ عن عبيد الله ... بنفسِ سِيَاقِ روايةِ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، فقال: ((ذِكْرُ الخبرِ الدَّالِّ على أن الطريقين اللَّذَينِ ذَكَرْنَاهُما لهذه السُّنَّةِ جميعًا محفوظان))، وسَاقَهُ من روايةِ عبد الرزاق عن مَعْمَرٍ ... بحديث أبي هريرة، قال عبد الرزاق: وأخبرني عبد الرحمن بنُ بُوْذَوَيْه، أن معمرًا، كان يَذكُرُ أيضًا عنِ الزُّهري، عن عبيد الله ..... )).
وقد تَعقَّبَهُ ابنُ القيم فقال -بعد ذِكْرِهِ رواية ابنِ راهويه عن سفيانَ-: ((إِنَّ كثيرًا مِن أهلِ الحديثِ جعلوا هذه الروايةَ مَوْهُومَةً معلولةً؛ فإن الناسَ إنما رووه عن سفيانَ عنِ الزُّهريِّ مثل ما رَواه سائرُ الناسِ عنه -كمالكٍ وغيرِهِ- من غيرِ تَفْصِيلٍ، كما رواه البخاريُّ وغيرُهُ.
وقد رَدَّ أبو حاتم البستيُّ هذا -وزعم أن روايةَ إسحاقَ هذه ليستْ مَوْهُومَةٌ- بروايةِ مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ، وهذا لا يَدُلُّ على أن حديثَ إسحاقَ محفوظٌ؛ فإن روايةَ مَعْمَرٍ هذه خطأٌ، كما قاله البخاريُّ وغيرُهُ، والخطأُ لا يحتجُّ به على ثبوتِ حديثٍ مَعْلُولٍ فكلاهما وَهْمٌ)). ثم ذَكَرَ روايةَ ابن بُوْذَوَيْه، وقال: ((فهذه مثل رواية سفيان، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، بالتَّفْصِيلِ، فتَصِيرُ وُجُوُهُ الحديثِ أربعةً: وجهان عن مَعْمَرٍ وهما:
стр. 1373
أحدهما: عبدالرزاق عنه، عن سعيد بن المُسَيّب، عن أبي هريرة، بذكرِ التَّفْصِيلِ.
والثاني: عبدالرحمن بن بُوْذَوَيْه عنه، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، بالتَّفْصِيلِ أيضًا.
ووجهان عن سفيان:
أحدهما: رواية الأكثرين عنه، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، بالإطلاقِ من غيرِ تَفْصِيلٍ.
والثاني: رواية إسحاقَ عنه، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ، بالتَّفْصِيلِ.
وأما روايةُ مَعْمَرٍ: فإنه خالَفَ أصحابَ الزُّهريِّ في حديثِهِ المفصّلِ، في إسنادِهِ ومتْنِهِ في حديثِ أبي هريرةَ، وخالَفَ أصحابَ الزُّهريِّ في المتنِ في حديث عبيد الله عن ابن عباس، ووافقهم في الإسناد، وهذا يدلُّ على غَلَطِهِ فيه، وأنه لم يحفظْهُ كما حفظَ مالكٌ، وسفيانُ، وغيرُهما، من أصحابِ الزُّهريِّ.
وأما حديثُ سفيانَ: فالمعروفُ عن الناسِ عنه: ما رواه البخاريُّ في (صحيحه) عن الحميديِّ، حدثنا سفيان، حدثنا الزُّهريُّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أنه سمع ابنَ عباس، عن ميمونةَ، فذكره من غيرِ تَفْصِيلٍ)) (تهذيب السنن ١٠/ ٢٢٨ - ٢٣٠).
وكذا صحَّحه ابنُ حزمٍ؛ حيثُ احتجَّ به في (المحلى ١/ ١٤٠ - ١٤١)، وقد ذكر في مقدمة كتابه: ((أنه لا يَحتجُّ إِلَّا بخبرٍ صحيحٍ)) (مقدمة المحلى صـ ٢).
стр. 1374
وكذا صحَّحه النوويُّ، فقال: ((ثبتَ أنه ﷺ قال في الفأرة تموتُ في السَّمْنِ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)))) (المجموع ١/ ١١٩).
وقال في موضعٍ آخر: ((رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ ولم يضعِّفْهُ، وذكره الترمذيُّ بإسنادِ أبي داود ثم قال: وهذا حديثٌ غيرُ محفوطٍ، وذكره البيهقيُّ من روايةِ أبي داود ولم يضعِّفْهُ، فهو وأبو داود متفقان على السُّكوتِ عليه مع صحةِ إسنادِهِ)) (المجموع ٩/ ٣٦).
ومع هذا قال في (خلاصة الأحكام ٤٣٠): ((حسن، رواه أبو داود))! .
قلنا: وهذا منهما اعتمادًا على ظاهر إسنادِهِ، كما هو ظاهر كلام النوويِّ.
والقولُ بصحَّتِهِ هو ظاهرُ صنيعِ الحافظِ ابنِ رَجبٍ؛ حيثُ قالَ في ((شرح العلل)). ((إذا رَوى الحفَّاظُ الأثباتُ حديثًا بإسنادٍ واحدٍ، وانفردَ واحدٌ منهم بإسنادٍ آخر، فإِنْ كَانَ المنْفَرِدُ ثقةً حافظًا، فحُكْمُهُ قريبٌ من حُكْمِ زيادةِ الثقةِ، في الأسانيدِ أو في المتُونِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك.
وقد تردَّدَ الحفَّاظُ كثيرًا في مثل هذا: هل يُرَدُّ قولُ مَن تَفَرَّدَ بذلك الإسنادِ، لمخالَفَةِ الأكثرين له، أم يُقبلُ قولُه لثقتِهِ وحفظِهِ؟ .
ويقوِّي قبول قولِهِ إِنْ كان المرويُّ عنه واسعَ الحديثِ، يمكنُ أن يَحْمِلَ الحديثَ من طرقٍ عديدةٍ كالزهريِّ، والثوريِّ، وشعبةَ، والأعمشِ)). وذكرَ مثالًا على ذلك، وقال في أثنَائِهِ: ((وهذا مما يَستَدِلُّ به الأئمةُ كثيرًا على صِحَّةِ روايةِ مَن انفردَ بالإسنادِ إذا رَوى الحديثَ بالإسنادِ الذي رَوى به الجماعةُ ... ))، ثم قال: ((مثالٌ آخرُ: رَوى أصحابُ الزُّهريِّ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، عنِ النبيِّ ﷺ حديث: (الفأْرة في السَّمْنِ)، ورواه مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ عنِ ابن المُسَيّب عن
стр. 1375
أبي هريرة.
فمن الحفَّاظِ من صحَّحَ كِلا القولين، ومنهم: الإمام أحمد، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهما، ومنهم مَن حَكَمَ بغلطِ مَعْمَرٍ، لانْفِرادِهِ بهذا الإسنادِ، منهم: البخاريُّ، والترمذيُّ، وأبو حاتم، وغيرُهم.
ويدلُّ على صحة رواية مَعْمَرٍ: أنه رواه بالإسنادين كليهما، وأما لفظ الحديث بالتَّفْرِيقِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ فقد ذكره مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ بالإسنادين معًا)) (شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٨ - ٨٤٠).
وقد سبقَ الجوابُ عن هذا فيما سبق. فالحمد لله على توفيقه، فهو وحْدَهُ الهادي للصواب.
تنبيهاتٌ:
الأول: قال البيهقيُّ-بعد ذِكْرِهِ حديثَ ابنِ عباسٍ عن ميمونةَ-: ((ورواه مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهريِّ تارة هكذا، وتارة عن سعيد بنِ المُسَيّب، عن أبي هريرةَ وزادَ فيه: ((فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ)) هكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ. وقال عبد الواحد، عن مَعْمَرٍ: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤكَلْ)) وكأنَّ هذا أصحُّ)) (السنن الصغير ٨/ ٣٦٣).
وقال أيضًا: ((رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، وقال في الحديث: ((فَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تُقْرَبُوهُ))، وعبد الواحد بن زياد أحفظُ منه، والله أعلم)) (معرفة السنن ١٩٣٦١).
وقال ابنُ حزم: ((فإن عبد الواحد بن زياد روى عن مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن ابنِ المُسَيّبِ، عن أبي هريرةَ -هذا الخبر- فقال: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، أو قالَ: ((انْتَفِعُوا بِهِ)).
стр. 1376
قلنا وبالله تعالى التوفيق: عبد الواحد قد شَكَّ في لفظة الحديث فصحَّ أنه لم يضبطه، ولا شَكَّ في أن عبدَ الرزاق أحفظُ لحديث مَعْمَرٍ. وأيضًا فلم يُخْتَلَفْ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ. ومَن لم يُخْتَلفْ عليه أحقّ بالضبطِ ممن اختُلِفَ عليه)) (المحلى ١/ ١٤١).
وقال ابنُ عبد البر: ((ولو أرادَ غيرَ الاستصباحِ لذكره، على أن عبدَ الرزاق أثبتُ في مَعْمَرٍ من عبد الواحد بنِ زياد، وهو الحُجَّةُ عليه وعلى مِثْلِهِ فيه)) (الاستذكار ٢٧/ ٢٢٥).
وقال ابنُ تيمية: ((إِنَّ قولَ مَعْمَرٍ في الحديث الضعيف ((فَلَا تَقْرَبُوهُ)) متروكٌ عند عامةِ السَّلفِ والخَلفِ من الصحابةِ والتابعينَ والأئمةِ؛ فإن جمهورَهم يُجوزِونَ الاستصباحَ به، وكثيرٌ منهم يجوِّزُ بيعَه أو تطهيره، وهذا مخالفٌ لقولِهِ: ((فَلَا تَقْرَبُوهُ)))) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٩٨).
الثاني: ذكر ابنُ رجب في (شرح العلل ٢/ ٨٤٠): أن الأوزاعيَّ تابعَ معمرًا في لفظ الحديث بالتَّفْرِيقِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ؛ ولم نقفْ على هذه الروايةِ للأوزاعيِّ، وأما الذي وقفنا عليه؛ روايته التي فيها تَقْيِيد السَّمْنِ بالجامِدِ، وليس التَّفْصِيلُ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ، وقد تقدَّم الكلامُ عليها في حديثِ ميمونةَ.
ولعلَّ ابنَ رجبٍ أرادَ المتابعةَ بالمعنى، فقدِ استخدمَ ذلك ابنُ حَجَرٍ، فذكرَ في (التلخيص ٣/ ٩) بعضَ الرواياتِ التي فيها تَقْيِيدُ السَّمْنِ بالجامِدِ، وجَعَلَها مُتابعةً للرِّوايةِ التي فيها التَّفْصِيلُ؛ فقالَ: ((وقد أَنْكَرَ جَماعةٌ فيه التَّفْصِيلَ اعْتمَادًا على عدمِ وروده في طريقِ مالكٍ ومَن تَبِعَهُ، لكن ذَكَرَ الدارقطنيُّ في (العلل): أن يحيى القطانَ رواه عن مالكٍ، وكذلك النسائيّ
стр. 1377
رواه من طريقِ عبدِ الرحمن، عن مالكٍ مُقَيَّدًا بالجامِدِ، وأنه أمرَ أنْ تُقَوَّرَ ومَا حولَها فيُرْمَى به. وكذا ذكره البيهقيُّ من طريقِ حجَّاجِ بنِ مِنْهَالٍ، عنِ ابنِ عُيَينَةَ مُقَيَّدًا بالجامِدِ، وكذلك أخرجه إسحاقُ بنُ راهويه في (مسنده)، عنِ ابنِ عُيَينَةَ، وَوَهِمَ مَن غَلَّطَهُ فيه ونَسَبَهُ إلى التَّغَيّرِ في آخر عمره، فقد تابعه أبو داود الطيالسيُّ فيما رواه في (مسنده) عنِ ابنِ عُيَينَةَ، والله أعلم)) (١).
وروايةُ ابنِ راهويه فيها التَّفْصِيلُ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ كما أخرجه ابنُ حِبَّان (١٣٩٢).
وقد سبقَ الكلامُ عنها وعمَّا ذكره الحافظُ مِن مُتابعاتٍ، في حديثِ ميمونةَ، فانظره هناك، فإنه مهم.
стр. 1378
روايةُ: ((تُؤْخَذُ وَمَا حَوْلَهَا بِدُونِ تَفْصِيلٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ مَاتَتْ (وَقَعَتْ) فِي سَمْنٍ؟ (١): فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ وَمَا حَوْلَهَا، فَتُطْرَحَ [-أَحْسِبُه قَالَ-: وَيُؤكَلُ الْبَاقِي])).
[الحكم]: صحيحُ المتن، وإسنادُهُ معلولٌ، وأشار إلى إعلاله البزار.
[التخريج]:
[ش ٢٤٨٧٨ ((واللفظ له)) / بز ٧٧٢٠ ((والزيادة له والرواية له ولغيره))، ٧٧٢١/ حق ٢٠٠٨ ((ولم يسق متنه)) / علقط (٣/ ٤٣١/ ١٣٥٧) / عصم ٤٥].
[السند]:
رواه ابنُ أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، به.
ورواه البزارُ (٧٧٢١): عن نصرِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا عبد الأعلى، عن مَعْمَرٍ، به.
ورواه البزارُ أيضًا (٧٧٢٠)، والدارقطنيُّ في (العلل) وأبو العباس
стр. 1379
العصميُّ: من طُرُقٍ، عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ، عن مَعْمَرٍ، به.
ورواه إسحاقُ، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، به، ولم يسقْ متْنَهُ، لكنه حَمَلَ روايةَ مَعْمَرٍ على روايةِ ابنِ عُيَينَةَ؛ كما سبقتِ الإشارةُ إليه.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، ظاهره الصحة لكنه معلولٌ، كما تقدَّم.
وأشار البزارُ إلى إعلاله فقال عقبه: ((وهذا الحديثُ لا نَعْلَمُ أحدًا رواه عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة إِلَّا مَعْمَرٌ وقد خُولِفَ في إسنادِهِ ومَتْنِهِ))! .
وهو يشيرُ إلى روايتِهِ التي فَصَّلَ فيها بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ، على المشهور عن مَعْمَرٍ، وإلا فهذا المتْنُ الذي ذَكَرَهُ مُوافِقٌ لما خرَّجه البخاريُّ وغيرُهُ من طريقِ مالكٍ وابنِ عُيَينَةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ.
وقال أبو العباس العصميُّ بإثْرِهِ: ((غريبٌ من حديثِ الزُّهريِّ، عن ابنِ المُسَيّبِ، لم يَرْوِهِ عنه إِلَّا مَعْمَرٌ، ويقالُ: إنه أخطأَ فيه)).
وقد سبقتْ أقوالُ الأئمة في إعلال هذا الطريق.
стр. 1380
رِوَايةُ ((سَمْنٍ جَامِدٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: (( ... وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ ... )).
[الحكم]: شَاذٌّ بلفظِ: ((جَامِدٍ)).
[التخريج]: [طس ٢٤٥٢/ حل (٣/ ٣٨٠)].
[السند]:
رواه الطبرانيُّ في (الأوسط) قال: حدثنا أبو مسلم، قال: نا أبو عمر الضرير قال: نا يزيد بن زُرَيْعٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّبِ، عن أبي هريرةَ، به.
ورواه أبو نعيم في (الحلية) من طريقِ أبي مسلمٍ الكَشِّيِّ، قال: حدثنا أبو عمر (١) الضريرُ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا أبا عمر الضرير فهو صدوق، كما في (التقريب ١٤٢١).
وقد خالفَ روايةَ الجماعةِ عن يزيدَ بنِ هارونَ؛ فلم يذكروا لفظةَ: ((جَامِدٍ)). وقد تقدَّم تَفْصِيلُ الكلامِ على هذه الرواية في حديثِ ميمونةَ.
وقال الطبرانيُّ: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد إِلَّا مَعْمَرٌ، ولا رواه عن مَعْمَرٍ إِلَّا يزيد وعبد الواحد بن زياد)) اهـ.
стр. 1381
كذا قال، وفيه نظر؛ فقد رواه عبدُ الرزاقِ، وغُنْدَرٌ، وابنُ بُوْذَوَيْه، وعبدُ الأَعلى، ومحمدُ بنُ دِينَارٍ، عن مَعْمَرٍ، وقد تقدَّمَ ذِكرُ رواياتهم عدا رواية ابنِ دينارٍ فها هي:
رِوَايةُ: ((إِنْ كَانَ مَائِعًا أُهْرِيقَ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنْ كَانَ مَائِعًا أُهْرِيقَ ... )).
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا اللفظ.
[التخريج]: [مشكل ٥٣٥٥].
[السند]:
قال الطحاويُّ: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي، قال: حدثنا محمد بن دِينَارِ الطَّاحِيُّ، قال: حدثنا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّبِ، عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ عدا محمد بن دينار الطَّاحِيّ، فَمُخْتَلَفٌ في أمره، ضعَّفَهُ ابنُ مَعين في روايةٍ، وكذلك النسائيُّ، وقالا في روايةٍ: ((ليس به بأسٌ))، وكذا قال أبو حاتم، وقال أبو زُرْعَةَ: ((صدوقٌ))، وضعَّفه الدارقطنيُّ، وقال مرة: ((متروك))، وقال العقيليُّ: ((في حديثه وَهْمٌ))، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات) ثم أعادَهُ في (المجروحين) وقال: ((كان يخطئُ ...
стр. 1382
فالإنصافُ في أمره تَرْكُ الاحتجاجِ بما انْفَردَ، والاعتبارُ بما لم يخالفِ الثقاتِ، والاحتجاجُ بما وافقَ الأثبات))، انظر: (تهذيب التهذيب ٩/ ١٥٥)، وقال الحافظ: ((صدوقٌ سَيِّئُ الحفظِ)) (التقريب ٥٨٧٠).
قلنا: وقد أُخِذَ عليه الخطأُ ومخالفةُ الثقاتِ في غيرِ مَا حديثٍ، وهو هنا قد خالفَ الثقات الذين رووه عن مَعْمَرٍ وهم: عبدُ الرزاقِ، وعبدُ الواحدِ، ويزيدُ بن زُرَيْع، وغيرُهم، رووه كلُّهم عن مَعْمَرٍ، ولم يذكر واحدٌ منهم قوله: ((أُهْرِيقَ))، وإنما ذكروا في مَتْنِهِ ما يخالُف هذا، وملخصه: أنه إِن كان مائِعًا يُنْتَفَعُ به في غيرِ الأَكْلِ، وقد سبقتْ رواياتُهم، فانظرها فيما سبق.
قال ابنُ الملقن: ((هذا الحديثُ مشهورٌ إِلَّا اللَّفظةَ الأخيرةَ، وهي ((فَأَرِيقُوهُ))، فلم أرها في كُتِبِ الحديثِ، وقال الخَطَّابِي: إنها جاءتْ في بعضِ الأَخْبَارِ)) (البدر المنير ٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
وقال ابنُ حَجَرٍ: ((قوله: ((فَأَريقُوهُ)). ذكر الخطابي أنها جاءتْ في بعضِ الأخبار ولم يسندها، وأصلُه في (صحيحِ البخاريِّ) ولفظُهُ: ((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ))، وفي لفظٍ: ((أَلْقُوهَا)))) (التلخيص الحبير ٣/ ٨).
وقال في (موافقة الخبر الخبر ١/ ١٥٣): ((تعبير المصنف -أيِ: ابنِ الحَاجبِ- بالإرَاقَةِ؛ لم أَرَهُ في شيءٍ من طُرُقِ الحديثِ، بل وقعَ في بعضِ طُرُقِهِ ما يَخَالِفه)).
[تنبيهات]:
الأولُ: ذَكَرَ ابنُ الملقن أنَّ أبا داود روى الحديثَ بلفظِ: ((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ))، (البدر المنير ٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
قلنا: والذي في السنن: ((وَلَا تَقْرَبُوهُ))، ولعلَّ ذلك سبقُ قلمٍ من ابنِ الملقن
стр. 1383
أو من النَّاسِخِ، كيف وقد ذَكَرَ في أولِ كلَامِهِ أن هذه اللفظة لا توجد في كتب الحديث، ولهذا علَّقَ بعضُهم على ذلك كما في حاشية إحدى المخطوطات: ((هذا من العجائبِ! قال في أول الكلام إن قوله: ((أَرِيقُوهُ)) ليست في كتب الحديث، وقال هنا: إِنَّ أبا داود رواه بإسنادٍ صحيحٍ، هذا سبقُ قَلَمٍ، وهو كما قال في أول كلامه ... )).
الثاني: وقعَ في (أطراف المسند ٩٤٥٩)، و (إتحاف المهرة ١٨٦٠٢) طريقٌ آخرُ لمعمرٍ عن أبي هريرة؛ فَذَكَرَ عنه، عن أيوبَ، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ. وقد اعتبرها الألبانيُّ روايةً أُخْرَى لأحمدَ معطوفة على روايةِ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المسَيّبِ.
وهذا السند غيرُ موجودٍ في النُّسَخِ الخطيةِ للكتابين المذكورين، وإنما أضافه محققو الكتابين من ط. الميمنية لـ (مسند أحمد)، وقد وقعَ فيها على سبيلِ الخطأ، تبعًا لخطأ بعضِ النُّسَّاخِ المتأخرينَ حيثُ انْتَقَلَ بَصَرُهُ إلى الحديثِ الذي يليه، كما نبَّه عليه محققو طبعة الرسالة. انظر: (مسند أحمد ١٣/ ٤٤/ حاشية ١).
стр. 1384
٢٤٨ - حَديثُ ابْنِ مَسْعُودٍ:
◼ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْله [أَيْ: مِثْل حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا مِنَ السَّمْنِ فَاطْرَحُوهُ))].
[الحكم]: صحيحُ المتن، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [حل (٣/ ٣٧٩)].
[السند]:
رواه أبو نعيم قال: حدثنا محمد بن علي بن حُبَيْشٍ، ثنا (حبان) (١) بن إسحاق البلخيُّ، ثنا محمد (أبو) (٢) عبد الرحمن الترمذيُّ، ثنا عبد الملك بن الماجشون، ثنا مالك بن أنس، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ مسعود، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ عبد الملك بن الماجشون هو ابنُ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو ((ضعيف)). ضعَّفه الأئمةُ كلُّهم،
стр. 1385
وشذَّ ابنُ حِبَّانَ فذكره في (الثقات ٨/ ٣٨٩)، فقال الأَثْرمُ: ((قلتُ لأحمدَ: إِنَّ عبدَ الملك ابنَ الماجشون يقولُ في سَنَدٍ أو كذا، قال: مَنْ عبد الملك؟ ! عبد الملك من أهل العلم! مَن يَأْخُذُ مِن عبد الملك؟ ! ))، وقال السَّاجِي: ((ضعيفٌ في الحديثِ، وقد حدَّثَ عن مالكٍ بمناكير))، وقال مصعبٌ الزبيريُّ: ((كان يُفْتِي، وكان ضعيفًا فى الحديث))، وقال أبو داود: ((كان عبد الملك الماجشون لا يَعْقِلُ الحديثَ))، وقال ابنُ البَرْقِيِّ: ((دعاني رجلٌ إلى أن أَمْضِي إليه فجئْنَاهُ، فإذا هو لَا يَدْرِي الحديثَ إيش هو)) (تهذيب التهذيب ٦/ ٤٠٨)، وتساهلَ فيه الحافظُ فقال: ((صدوقٌ له أَغْلَاطٌ في الحديثِ)) (التقريب ٤١٩٥). ونحوه قولُ الذَّهبيِّ في (الكاشف ٣٤٦٣): ((رَأْسٌ في الفقه، قليلُ الحديثِ، صدوقٌ))، وأَبْعَدَ جِدًّا في ((السير)) حيث تأوَّلَ قولَ أبي داود السابقِ، فقالَ: ((يعني: لم يكن من فُرْسَانِهِ، وإلَّا فهو ثقةٌ في نفسه))! (السير ١٠/ ٣٦٠). ويُؤكِّدُ ما قَرَّرْنَاهُ أن الذهبيَّ حينما ذكره في (الميزان ٥٢٢٦) وذَكَرَ أقوالَ المضَعِّفِينَ، لم يجدْ في المقَابِلِ قَوْلَ مُوثِّقٍ يذكره، سوى قول ابنِ عبد البر: ((كان فقيهًا فصيحًا دارتْ عليه الفُتْيَا في زمانه)). وهذا لا علاقةَ له بالحديثِ.
قلنا: وقد أخطأَ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث، والمحفوظُ عن مالكٍ: ما رواه عنه الحفَّاظُ مِن أصحابِهِ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ به، كما تقدَّم.
ولذا قال الدارقطنيُّ: ((وروي عن عبد الملك بن الماجشون، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ مسعودٍ، عنِ النبيِّ ﷺ ، وذلك وَهْمٌ مِن رَاويه)) (العلل ٩/ ٢٥٩).
وكأن الدارقطنيَّ يرى أنَّ الْوَهْمَ فيه ممن دون عبد الملك، ولكن
стр. 1386
ابنَ حُبَيْشٍ ((ثقة ثبت)) كما في (تارخ بغداد ٤/ ١٤٥)، وأبو عبد الرحمن الترمذيُّ ((صدوق)) (التقريب ٥٧١٠)، وحبان روى عنه جمع، منهم: العقيليُّ صاحب (الضعفاء)، فإلصاقُ الْوَهْمِ بعبد الملك أَوْلى؛ لضَعْفِهِ لَا سيَّما عن مالكٍ، والله أعلم.
стр. 1387
٢٤٩ - حَديثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ:
◼ عَنِ الزُّهْرِيِّ: عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ، وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ غَيرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أَوْ غَيرِهَا؟ قَالَ: ((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ))، عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
[الحكم]: صحيحُ المتن، وإسنادُه ظاهره الإرسال.
[التخريج]: [خ ٥٥٣٩].
[السند]:
قال البخاري: حدثنا عَبْدَانُ، أخبرنا عبد الله، عن يُونُسَ، عنِ الزُّهريِّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن ظاهره الإرسال، وقد سبقَ موصولًا من طريق مالك، وابنِ عُيَينَةَ، وغيرهما، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ.
وقوله في آخر هذا الحديث: ((عن حديث عبيد الله بن عبد الله))، قد يُفْهَمُ منه أنه موصولٌ أيضًا، واكتفى بالإشارةِ إليه لشهرته، ولعلَّ لذلكَ اسْتَجَازَ البخاريُّ إخراجَه في (صحيحه).
قال ابنُ حجر: ((قوله: (عن حديث عبيد الله بن عبد الله). يعني: بسنده، لكن لم يظهر لنا هل فيه ميمونةُ أو لَا؟ )) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
стр. 1388
وقال العينيُّ: ((كلمةُ ((عن)) تتعلَّقُ بقوله: ((بلغنا)) أي: بلغنا عن حديث عبيد الله)) (عمدة القاري ٢١/ ١٣٨).
وقال القسطلانيُّ: ((وهذا بلاغٌ صورتُهُ صورة المرسلِ أو الموقوف، لكنه مذكور بالإسنادِ المرفوعِ أولًا وآخرًا)) (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ٨/ ٢٩٤).
وقد أخرجَ أبو نُعَيمٍ هذه الروايةَ من طريقِ البخاريِّ موصولةً عنِ ابنِ عباسٍ عن ميمونةَ، قال الحافظُ: ((وأغربَ أبو نُعَيمٍ في (المستخرج) فسَاقَهُ من طريقِ الفربريِّ عنِ البخاريِّ عن عَبْدَانَ موصولًا بذكرِ ابنِ عباسٍ وميمونةَ بالمرفوعِ دُونَ الموقوفِ، وقال: أخرجه البخاريُّ عنْ عبدانَ وذكرَ فيه كلامًا)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
وقد يُفْهَمُ من قولِ الزُّهريِّ أيضًا أنه عن عبيد الله مرسلًا، ومما يدلُّ على ذلك أن الإسماعيليَّ أخرجه -كما في (الفتح ٩/ ٦٦٩) - من طريق نُعَيمِ بن حمَّادٍ، عنِ ابنِ المباركِ؛ عن يونسَ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن النبِّي ﷺ فذَكرَه مرسلًا.
وقال الدارقطنيُّ في (العلل): ((ورواه يونسُ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: بلغنا أن رَسُولَ اللهِ ﷺ ... )). وهو الحديث التالي:
стр. 1389
٢٥٠ - حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ:
◼ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ: ((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا مِنَ السَّمْنِ فَاطْرَحُوهُ)).
[الحكم]: صحيحُ المتن، وإسنادُهُ مُرسَلٌ.
[التخريج]:
[طا (رواية أبي مصعب ١٨٤٤) / معيل (إمام ٣/ ٤٦٦)، (الفتح ٩/ ٦٦٩) / علقط (١٥/ ٢٥٩/ ٤٠٠٧) معلقًا/ عق (٢/ ٥٧٨) معلقًا/ تمهيد (٩/ ٣٥) معلقًا].
[السند]:
رواه أبو مصعب: عن مالكٍ، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بنِ مسعودٍ، به.
وأخرجه الإسماعيليُّ من حديث مَعنٍ، عن مالك، به.
وعلَّقَهُ الدارقطنيُّ في (العلل) عن إسحاقَ الأنصاريِّ، عن معنٍ، به.
وأخرجه الإسماعيليُّ: من طريق نُعَيمِ بنِ حمَّادٍ، عنِ ابنِ المباركِ، عن يونسَ، عنِ الزُّهريِّ، به.
وعلَّقَهُ العقيلُّي، وابنُ عبد البر: عن عُقَيْلٍ، عن الزُّهريِّ، به.
وعلَّقَهُ الدارقطنيُّ في (العلل) عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، مرسلًا.
стр. 1390
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا نُعَيم بن حمَّاد فمن رجالِ البخاريِّ وَحْدَه؛ وقال فيه الحافظ: ((صدوقٌ يخطئُ كثيرًا)) (التقريب ٧١٦٦)، وقد تُوبع كما في هذه الروايةِ والتي قبلها، ولكن إسناده مرسلٌ، وقد رُوِيَ موصولًا كما تقدَّم، وهو الصحيح.
قال الدارقطنيُّ -بعد ذكره أوجه الخلافِ فيه على الزُّهريِّ-: ((والصحيحُ: عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (العلل ٩/ ٢٥٩).
وذكر الخلافَ فيه على الزُّهريِّ ابنُ عبد البر أيضًا وقال: ((والصحيحُ في إسنادِ هذا الحديث ما قاله مالكٌ في رواية يحيى ومَنْ تابعه)) (التمهيد ٩/ ٣٥). يعني: عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ.
وكذا صحَّحَ الروايةَ الموصولةَ: البخاريُّ، والترمذيُّ، وأبو حاتمٍ، وغيرُهم، كما قد تقدَّم نقلُه عند الكلامِ على حديثِ ابن عباسٍ.
وقال ابنُ حَجَرٍ بعد أن ذكر الاختلاف على مالك في الوصل والإرسال: ((هذا الاختلاف لا يضر لأَنَّ مالكًا كان يصله تارة ويرسله تارة، ورواية الوصل عنه مقدَّمة قد سمعه منه معنُ بنُ عيسى مرارًا وتابعه غيرُه من الحفَّاظِ، والله أعلم)) (فتح الباري ١/ ٣٤٤).
[تنبيه]:
قال ابنُ دقيق العيد: ((وأخرجه الإسماعيليُّ من حديث معن، ولم يجاوز عبيد الله، وكذلك قال سعيد بن داود الزنبري، عن مالك عند الطبرانيِّ)) (الإمام ٣/ ٤٦٦).
قلنا: رواية الزَّنْبَرِيِّ عند الطبرانيِّ في (الكبير ٢٣/ ٤٢٩/ ١٠٤٢) و (الأوسط ٣٤١٣) متصلة.
стр. 1391
٢٥١ - حَدِيثُ ابْنِ الْمُسَيّبِ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: ((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ ... )) الحديث.
[الحكم]: مرسلٌ ضعيفٌ.
[التخريج]: [ذهلي (تمهيد ٩/ ٣٩ - ٤٠)].
[السند]:
رواه الذُّهليُّ -كما في ((التمهيد)) -: عن عبد الله بن صالح، قال: حدَّثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن شهاب، قال: قال ابنُ المسَيّبِ: بلغنا أن رسول الله ﷺ سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ؟ ... ولم يذكرْ مَتْنَه كاملًا.
وعلَّقَهُ العقيليُّ في (الضعفاء ٢/ ٥٧٨) عن الليث، به.
وذكر الإسماعيليُّ -كما في (الفتح ٩/ ٦٦٨) - أن اللَّيثَ رواه عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيِّبِ، قال: بَلَغَنَا ... الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا عبد الله بن صالح كَاتِبِ الليثِ، فالكلامُ فيه مَعْرُوفٌ، وفي (التقريب ٣٣٨٨): ((صدوقٌ كثيرُ الغلطِ، ثَبتٌ في كتابه، وكانت فيه غَفْلَةٌ)).
وقد وصله مَعْمَرٌ، عن سعيد، عن أبي هريرة، لكن روايتَه هذه معلولةٌ، كما تقدَّم بيانُه.
стр. 1392
٢٥٢ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ -أَوِ الْوَدَكِ-؟ فَقَالَ: ((اطْرَحُوهَا، وَاطْرَحُوا مَا حَولَهَا، [وَكُلُوهُ] إِنْ كَانَ جَامِدًا)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا؟ قَالَ: ((انْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ)).
[الحكم]: منكرٌ سندًا ومتنًا، والصحيحُ: عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، بلا تَفْرِقَةٍ بين الجامِدِ والمائِعِ. وأعلَّه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ، وأبو حاتم، وابنُ المنْذِرِ، وابنُ عَدِيٍّ، والدارقطنيُّ، وابنُ حزم، والبيهقيُّ، وأبو العباسِ العصميُّ، والإشبيليُّ، وابنُ الجوزيّ، وابنُ القطان، وابنُ القيسرانيّ، وابنُ القيمِ، وابنُ عبد الهادي، وابنُ الملقنِ، وابنُ حَجَرٍ. وأشارَ إلى ذلك الطبرانيُّ، وأبو نُعَيمٍ.
[اللغة]:
" (الوَدَك): هُو دَسَم اللحم ودُهنُه الذي يُستَخرَج منه". (النهاية لابن الأثير ٥/ ٣٦٨).
[التخريج]:
[طس ٣٠٧٧ ((والزيادة له)) / حل (٣/ ٣٨٠) ((واللفظ له)) / عد (٨/ ٤١٥ - ٤١٦) / عق (٢/ ٥٧٧) / قط ٤٧٨٩/ مقط (٢/ ٩٧٢) / طاو (تمهيد ٩/ ٣٦) / هق ١٩٦٥٨/ هقع ١٩٣٦٤/ هقغ ٣٩٦٩/ تحقيق ١٤٧٢/ خبر (١/ ١٥٥)].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه فيما يلي:
стр. 1393
رواية: "وَكُلُوا وَدَكَهُ":
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: ((أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ لَهُمْ، فَقَالَ: ((أَجَامِدٌ؟)). قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اطْرَحُوهَا، وَاطْرَحُوا مَا حَوْلَهَا وَكُلُوا وَدَكَهُ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ مَائِعٌ! قَالَ: ((انْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ)).
[الحكم]: منكرٌ سندًا ومتنًا، وأعلَّه الأئمةُ المذكورون آنفًا.
[التخريج]: [منذ ٨٨٤].
[التحقيق]:
هذا الحديث رُوِيَ من ثلاثةِ طرقٍ:
الطريق الأول:
رواه العقيليُّ، عن يحيى بنِ عثمانَ، قال: حدثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدثنا عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيُّ، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، به.
ورواه ابنُ المنْذِرِ، وابنُ عَدِيٍّ، والبيهقيُّ من طرقٍ، عنِ ابنِ وَهْبٍ.
كلاهما (ابنُ وهبٍ، وابنُ أبي مريمَ): عن عبد الجبَّارِ بنِ عمرَ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيِّ، ضعَّفه جماعةٌ من الأَئمةِ، بل قال النَّسائيُّ: ((ليس بثقة))، وقال الدارقطني: ((متروكٌ)) (تهذيب التهذيب ٦/ ١٠٤)، وقال الحافظ: ((ضعيف)) (التقريب ٣٧٤٢).
стр. 1394
ومع ضَعْفِهِ فقد خُولِفَ في سنده ومتنه:
فأما سنده: فقد رواه الثقاتُ الحفَّاظُ كمالكٍ، وابنِ عُيَينَةَ، وغيرِهما، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما تقدَّم في أول الباب.
وأما متْنُه: فقد رووه بلفظ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ)) دون تَفْرِيقٍ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ.
وقد سبقَ تقريرُ هذا الأمر في حديثِ أبي هريرةَ، وقد أَنْكَرَهُ الأئمةُ على مَعْمَرٍ -وهو من هو-، فكيف بعبد الجبار هذا؟ ! .
ولذا ضَعَّفَ روايتَه هذه جماعةٌ من العلماءِ:
قال الذُّهْلِيُّ: ((وهذا الإسناد عندنا غيرُ محفوظٍ، وهو خطأٌ، ولا يُعْرَفُ هذا الحديث من حديث سالم، وعبدُ الجبارِ ضعيفٌ جدًّا)) (التمهيد ٩/ ٣٦).
وسُئِلَ أبو حَاتِمٍ: عن طريق عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيِّ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه. وطَرِيقِ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المسَيّبِ، عن أبي هريرةَ؟ فقال: ((كلاهما وَهْمٌ، والصحيحُ: الزُّهريُّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ)) (العلل ٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
وقال ابنُ المنذرِ: ((وليس يجوزُ أن يُقَابَلَ بهذا الخبر -أي: حديث عبد الجبار- خَبر الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، وعنِ الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ؛ لأَنَّ عبدَ الجبار هذا ضعيفٌ وَاهِي الحَديثِ)) (الأوسط ٢/ ٤٢٩).
وعدَّ ابنُ عَدِيٍّ هذا الحديثَ من مَنَاكِيرِهِ، فأورده في ترجمتِهِ، ثم قال: ((وهذا
стр. 1395
بهذا الإسناد لا يرويه غير عبد الجبار هذا ... وعامةُ ما يرويه يخالفُ فيه، والضعفُ على رِوَايَاتِهِ بَيِّنٌ)) (الكامل ٨/ ٤١٦ - ٤١٧).
وقال الدَّارقُطْنِيُّ: ((رواه عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيُّ، عنِ الزُّهريِّ عن سالمٍ.
ورُوِيَ عنِ ابنِ جُرَيجٍ عن الزُّهري كذلك، وكلاهما (١) وَهْمٌ، والصحيحُ: عن عبيد الله، عن ابن عباس)) (أطراف الغرائب والأفراد ٢٩٧٧).
وقال في (العلل) بعد ذِكْرِهِ لطريقي عبدِ الجبار وابنِ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ: ((وخالفهما أصحابُ الزُّهري؛ فرووه عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، وهو الصحيحُ)) (العلل ٣٠٢٣)، وأقرَّه ابنُ عبد الهادي في (التنقيح ٤/ ٨٤)، وسيأتي الكلام على طريقِ ابنِ جُرَيجٍ.
وقال أبو العباس العصميُّ بعد رواية الحديث من طريق مَعْمَرٍ المتقدِّمِ: ((ورواه عبد الجبار بنُ عمر الأَيْلِيُّ، عنِ الزُّهريِّ، فقال: عن سالم، عن أبيه، وهو أيضًا وَهْمٌ)) (جزء أبي العباس العصمي صـ ١٦٧).
وقد أعلَّه بعبد الجبار أيضًا ابنُ حزمٍ في (المحلى ١/ ١٤٣)، والبيهقيُّ في (المعرفة ١٤/ ١٢٦)، وفي (السنن ١٩/ ٥٦٠) -وأقرَّه ابنُ المُلَقِنِ في (البدر المنير ٥/ ٢٦) -، والإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٣٧)، وابنُ طَاهِرٍ المقدسيُّ في (ذخيرة الحفاظ ٢/ ٧٤٤)، وابنُ القيم (تهذيب السنن ١٠/ ٢٣٠)، وابنُ حَجَرٍ في (موافقة الخبر الخبر ١/ ١٥٥).
وأشارَ إلى إعلالِهِ الطبرانيُّ (عقب الحديث) بقوله: ((هكذا رواه عبد الجبار بن عمر، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، ورواه
стр. 1396
أصحابُ الزُّهريِّ: عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ)) (الأوسط ٣٠٧٧).
وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الأوسط)، وفيه: عبد الجبار بن عمر؛ قال محمد بن سعد: كان بإفريقية، وكان ثقةً، وضعَّفه جماعةٌ)) (المجمع ١٥٩٢).
الطريق الثاني:
رواه الدارقطنيُّ في (السنن ٤٧٨٩) -وعنه ابنُ الجَوزِيِّ في (التحقيق ١٤٧٢) - عن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، نا بكر بن سهل، نا شعيب بن يحيى، نا يحيى بن أيوب، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، به.
ورواه أبو نُعَيمٍ في (الحلية ٣/ ٣٨٠)، والبيهقيُّ في (السنن الكبرى ١٩٦٥٨)، وفي (الصغرى ٣٩٦٩) من طريقين، عن بكر بن سهل، به.
فهذا الطريق مداره على بكر بن سهل، وقد ضعَّفه النَّسائيُّ، وقال مَسْلَمَةُ: ((تكلَّمَ الناسُ فيه وضعَّفُوه من أجل الحديث الذي حدَّثَ به عن سعيد بن كثير، عن يحيى بن أيوب، عن مُجَمِّعِ بن كعب، عن مَسْلَمَةَ بن مَخْلَدٍ رفعه: ((أَعْرُوا النِّسَاءَ يَلْزَمْنَ الْحِجَالَ))))، أما الذَّهبيُّ فقال: ((حَمَلَ الناسُ عنه، وهو مُقَارِبُ الحَالِ)). انظر: (لسان الميزان ٢/ ٣٤٥).
قلنا: وهو إلى الضعف أقرب، كما ذهب إليه الألبانيُّ في غيرِ ما موضع من كتبه، ومما يدلُّ على ضَعْفِه أنه اضطربَ في إسنادِهِ:
فرواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٣٠٧٧) -ومن طريقه ابنُ حَجَرٍ في (موافقة الخبر الخبر) - قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: نا شعيب بن يحيى، قال:
стр. 1397
أنا عبد الجبار بن عمر، عن ابنِ جُرَيجٍ (١)، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، به.
فأبدل عبد الجبار بن عمر بيحيى بن أيوب، وعبد الجبار ضعيفٌ، كما تقدم.
ويحيى بن أيوب: وثَّقَهُ جماعةٌ، وتكلَّمَ فيه بعضُهم لسوءِ حفظه، ولخص الحافظُ الكلامَ فيه فقالَ: ((صدوقٌ ربما أخطأَ)) (التقريب ٧٥١١).
وقد عَدَّ بعضُ العلماءِ هذا الحديثَ من مناكير يحيى:
قال الدارقطنيُّ عنه: ((في بعض حديثه اضطراب، ومن مناكيره: عن ابنِ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا: ((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ)))) (تهذيب التهذيب ١١/ ١٨٧).
وسبقَ عنه أنه قال عن هذا الطريق أنه: ((وَهْمٌ، والصحيحُ: عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ)) (أطراف الغرائب والأفراد ٢٩٧٧)، وبنحوه في (العلل ٣٠٢٣).
وقال ابنُ المُنْذِرِ: ((وقد رَوى بعضُ أهلِ مِصْرَ، عن يحيى بن أيوبَ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عمر نحو هذا الحديث، قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: في حديثه -يعني: يحيى بن أيوب- الوَهْمُ، كان يُحَدِّثُ من حِفْظِهِ)) (الأوسط ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).
وقال أبو نُعَيمٍ: ((وروى ابنُ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ، مخالفًا الجماعةَ))،
стр. 1398
فذكره، ثم قال: ((غريبٌ من حديثِ الزُّهريِّ؛ لم يروه عنِ ابنِ جُرَيجٍ إِلَّا يحيى بن أيوب)).
وقال البيهقيُّ: ((ورُوِيَ عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عنِ ابنِ شِهَابٍ هكذا، والطريقُ إليه غيرُ قَويٍّ)) (السنن الكبرى ٩/ ٥٩٤)، وأقرَّه ابنُ عبد الهادي في (التنقيح ٤/ ٨٤)، وابنُ الملقن في (البدر المنير ٥/ ٢٦).
وقال في (المعرفة): ((ورُوِيَ من وجهٍ آخر عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عنِ ابنِ شهاب، وهو ضعيفٌ)) (معرفة السنن ١٩٣٦٥)، وكذلك قال ابنُ القيم في (تهذيب السنن ١٠/ ٢٣٠).
وأعلَّه بيحيى أيضًا: ابنُ الجَوزِيِّ في (التحقيق ٢/ ١٨٨)، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٣٧)، وأقرَّه ابنُ القطان في (بيان الوهم والإيهام ٤/ ٧٦).
ونقل الذهبيُّ عنِ ابنِ القطان قوله: ((من غرائبِ يحيى بن أيوب: روايتُه عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، مرفوعًا ... فذكره)) (الميزان ٤/ ٣٦٣)، وانظر: (التلخيص ٢/ ١٥٦).
وقال ابنُ حَجَرٍ: ((تفرَّد به -أي: يحيى بن أيوب- عنِ ابنِ جُرَيجٍ، ويحيى صدوقٌ، ولكن رِوَايتَه هذه شاذَّةٌ)) (التلخيص الحبير ٢/ ١٥٦).
وقال في (موافقة الخبر الخبر ١/ ١٥٥): ((هذا حديثٌ غريبٌ، وقع في روايته (يحيى بن أيوب) بدل (عبد الجبار بن عمر)، ويحيى بن أيوب صدوقٌ له أوهام، وأما عبد الجبار بن عمر فضعيفٌ عندهم، وقد ذكر ابنُ عَدِيٍّ في ترجمته: أنه تَفَرَّدَ بهذا عنِ الزُّهريِّ)).
стр. 1399
[تنبيه]:
رَوَى ابنُ الجَوزِيِّ هذا الحديث في (التحقيق)، وضَعَّفَهُ بيحيى بنِ أيوبَ وشعيبَ بنِ يحيى؛ فقال: ((فيه: يحيى بنُ أيوبَ، قال أبو حاتم الرازيُّ: لا يُحتجُّ به، قال: وشعيبُ بنُ يحيى ليس بمعروفٍ)).
قلنا: أما تضعيفه بيحيى بن أيوب الغافقيِّ فهو كما قال، وقد سبقه بذلك ابنُ المنذرِ، والدارقطنيُّ وغيرُهما.
وأما قولُ أبي حاتمٍ عن شعيبَ بنِ يحيى أنه ليس بمعروف، كما في (الجرح والتعديل ٤/ ٣٥٣)، فقد عَرَفَهُ غيرُه، فذكره ابنُ حِبَّانَ فى (الثقات ٨/ ٣٠٩) وقال: ((مستقيم الحديث)). وهذا من توثيقِ ابنِ حِبَّانَ المقبولُ الذي لا مَغْمَزَ فيه، كما تقدَّم تقريرُه، وقال ابنُ يونسَ: ((كان رجلًا صالحًا غلبتْ عليه العِبادةُ))، وصَحَّحَ له ابنُ خزيمةَ وغيرُه. انظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٥٨).
ولذا قال الذهبيُّ: ((ثقةٌ عَابِدٌ)) (الكاشف ٢٢٩٥). وقال الحافظ: ((صدوقٌ عَابِدٌ)) (التقريب ٢٨٠٨). وانظر: (البدر المنير ٥/ ٢٤).
الطريق الثالث:
رواه الدارقطنيُّ في (المؤتلف والمختلف) عن محمد بن إبراهيم بنِ نَيْرُوْزَ، حدثنا أحمد بن داود المكيُّ، حدثنا خِدَاشُ بنُ الدَّخْدَاخِ، حدثنا ابنُ لَهيعةَ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن سالم، عن أبيه، به.
قال الدارقطنيُّ: ((تفرَّد به ابنُ لهيعة، عن أبي الأسود، لا أَعْلَمُ حدَّثَ به غير خِدَاش بن الدَّخْدَاخ الغوريّ)) (أطراف الغرائب والأفراد ١/ ٥٣٠).
стр. 1400
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: خِدَاشُ بنُ الدَّخْدَاخِ؛ ضعَّفه الدارقطنيُّ، كما في (لسان الميزان ٣/ ٣٥٣).
وفيه أيضًا: عبدُ الله بنُ لهيعةَ، و ((العمل على تضعيفِ حديثِهِ)) كما قال الذهبيُّ، وستأتي ترجمتُه موسعة في باب: ((ما رُوِيَ في أن بقاءَ أثرِ دَمِ الحيضِ في الثَّوب لا يضرُّ)).
ومع ضعْفِه قد اضطربَ فيه: فرواه تارة أُخرَى عن أبي الزبير، عن جابرٍ، وسيأتي الكلامُ على هذا الطريق قريبًا.
ثم إِنَّ لحديثِ ابنِ عمر علةً أُخرَى، وهي أن المحفوظَ عنِ ابنِ عمر الوقفُ.
فقد أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ٢٤٨٨٢)، وابنُ المنذرِ في (الأوسط ٧٧٩٦)، والطحاويُّ في (المشكل ١٣/ ٤٠٠) من طُرُقٍ، عن نافعٍ، عن صفيةَ بنتِ أبي عبيد: ((أَنَّ جَرًّا لِآلِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ عِشْرُونَ فَرْقًا مِنْ سَمْنٍ، أَوْ زِيَادَةٌ، وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَمَاتَتْ، فَأَمَرَهُمَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِهِ)).
هكذا موقوفًا، وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم.
وأخرجه عبدُ الرَّزاقِ (٢٨٧)، وابنُ أبي شيبةَ (٢٤٨٨١)، والطحاويُّ في (المشكل ١٣/ ٣٩٩) وغيرُهم من طُرُقٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بنحوه.
وهذا إسنادُهُ صحيحٌ على شرطهما، وقال الحافظُ: ((سندُهُ على شرطِ الشيخين إِلَّا أنه موقوفٌ)) (الفتح ٩/ ٦٧٠).
لذلك رجَّحَ العلماءُ هذه الروايةَ الموقوفةَ.
فقال البيهقيُّ: ((والصحيحُ عنِ ابنِ عمرَ، من قولِهِ، في فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي
стр. 1401
زَيْتٍ؟ قَالَ: اسْتَصْبِحُوا بِهِ، وادْهُنُوا بِهِ أُدُمَكُمْ)) (معرفة السنن ١٩٣٦٥)، وأقرَّه ابنُ القيم في (تهذيب السنن ١٠/ ٢٣١).
وقال ابنُ حَجَرٍ: ((ووقعَ التَّفْصِيلُ فيه أيضًا في رِوايةِ عبدِ الجبارِ بنِ عمرَ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، وقد تقدَّم أن الصوابَ في هذا الإسناد أنه موقوفٌ)) (فتح الباري ٩/ ٦٦٩).
[تنبيه]:
ذَكَرَ ابنُ التركمانيِّ حديثَ ابنِ عمرَ -من طريق يحيى بنِ أيوبَ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ به- وأَتْبَعَهُ بتضعيفِ البيهقيِّ، وعبدِ الحقِّ الإشبيليِّ، ثم قالَ: ((وقد جاءَ لهذا السَّندِ شَاهدٌ بسندٍ رجاله ثقات؛ فقال الطحاويُّ في كتابيه (المشكل) و (اختلاف العلماء): ثنا فهد بن سليمان، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّبِ، عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ: عَنْ فَأَرَةٍ؟ ... )) (الجوهر النقي ٩/ ٣٥٤).
وفي قوله نظر؛ لأمرين:
الأول: أن رِوايةَ مَعْمَرٍ -التي استشهد بها- معلولةٌ سندًا ومتنًا، كما أعلَّها كثيرٌ من أهل العلم كما تقدَّم، فهي روايةٌ خطأٌ، والخطأُ لا يُسْتشهدُ به، قال ابنُ القيم: ((روايةُ مَعْمَرٍ هذه خطأٌ كما قاله البخاريُّ وغيرُه، والخطأُ لا يُحتجُّ به على ثبوتِ حديثٍ معلولٍ)) (تهذيب السنن ١٠/ ٢٢٨).
الثاني: أن روايةَ ابنِ جُرَيجٍ روايةٌ مُنْكَرةٌ لضعفِ الطريقِ إليه، ومخالفتها لروايةِ الثقاتِ عن الزُّهريِّ، وأن الصحيحَ فيه أنه من قولِ ابنِ عمرَ كما تقدَّم، فهي أيضًا لا تَصلُحُ في الشواهدِ ولا المتابعاتِ.
стр. 1402
٢٥٣ - حَدِيثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: ((سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الطَّعَامِ -أَوِ الشَّرَابِ- أَطْعَمُهُ؟ قَالَ: لَا، زَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ كُنَّا نَضَعُ السَّمْنَ فِي الْجِرَارِ، فَقَالَ: ((إِذَا مَاتَتِ الْفَأْرَةُ فِيهِ فَلَا تَطْعَمُوهُ)).
[الحكم]: متنه منكرٌ، وإسناده ضعيفٌ، وضعَّفه الهيثميُّ.
[التخريج]: [حم ١٤٦٨٣].
[السند]:
رواه أحمد: عن الحسن الأشيب، ثنا ابنُ لهيعةَ، ثنا أبو الزبير، قال: سألتُ جابرًا ... الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ ابنِ لهيعةَ كما تقدَّمَ، وبه أعلَّه الهيثميُّ فقال: ((رواه أحمد، وفيه ابنُ لهيعةَ؛ وهو ضعيفٌ)) (المجمع ١٥٨٩).
وقد اضطربَ فيه ابنُ لهيعةَ؛ فرواه تارة أخرى عن أبي الأسود، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، كما تقدَّمَ في حديثِ ابنِ عمرَ.
ومع ضعْفِهِ، ففي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ، وهي قوله: ((لَا تَطْعَمُوهُ))، والذي في (الصحيح) -كما عند البخاريِّ وغيرِه-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ)).
стр. 1403
٢٥٤ - حَدِيثُ مَكْحُولٍ:
◼ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي زَيْتٍ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: ((اسْتَصْبِحُوا بِهِ، وَلَا تَأْكُلُوهُ)).
[الحكم]: ضعيفٌ لإرساله.
[التخريج]: [ش ٢٤٨٩١].
[السند]:
رواه ابنُ أبي شيبةَ: عن عبد الوهاب الثقفيِّ، عن بُرْدٍ، عن مَكْحُولٍ به مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، إِلَّا أنه مرسل، مكحول من صغار التابعين لم يُدركْ زمنَ النبيِّ ﷺ .
стр. 1404
٢٥٥ - حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ:
◼ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالزَّيْتِ؟ قَالَ: ((اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضعَّفه: ابنُ الجوزيِّ، وابنُ الملقنِ، وابنُ حَجَرٍ.
والصوابُ فيه الوقفُ على أبي سعيد -مع ضَعْفِهِ أيضًا-، كما أشارَ لذلك الدارقطنيُّ، ونصَّ عليه البيهقيُّ، وأقرَّه ابنُ القيم، وابنُ عبد الهاديِّ، وابنُ الملقنِ.
[التخريج]: [قط ٤٧٩٠ ((واللفظ له)) / هق ١٩٦٦٠/ تحقيق ١٤٧٣].
[السند]:
رواه الدارقطنيُّ -ومن طريقه البيهقيُّ، وابنُ الجَوزِيِّ- قال: حدثنا عمر بن محمد بن القاسم النيسابوريُّ، نا محمد بن أحمد بن راشد الأصبهانيُّ، نا محمد بن عبد الرحيم البرقيُّ، نا عمرو بن سلمةَ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن أبي هارونَ، عن أبي سعيدٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: أبو هارونَ العبديُّ، اسمه عُمَارَةُ بنُ جُوَيْنٍ؛ فيه كلامٌ شَدِيدٌ لخَّصَه الحافظُ في (التقريب ٤٨٤٠) بقوله: ((متروكٌ، ومنهم من كذَّبَهُ)).
وبه أعلَّه ابنُ الجوزيِّ في (التحقيق ٢/ ١٨٨)، وابنُ الملقنِ في (البدر ٥/
стр. 1405
٢٥)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ٢/ ١٥٧).
وفيه علةٌ أُخرَى: وهي ضعفُ سعيدِ بنِ بشيرٍ، فهو ((ضعيف))، كما في (التقريب ٢٢٧٦).
وقد أخطأَ في رفعِ هذا الحديث:
فقد أخرجه عبد الرزاق (٢٨١، ٢٨٢) عن مَعْمَرٍ.
وأخرجه ابنُ المنذر (٨٧٢، ٧٧٩٧)، والدارقطنيُّ (٤٧٩١) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى ١٩٦٦١) - من طريقين عن الثوري، كلاهما (الثوري، ومعمر): عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيد موقوفًا.
وقد أشارَ إلى خَطَئِهِ هذا الدارقطنيُّ فقال عقبه: ((رواه الثوريُّ عن أبي هارونَ موقوفًا على أبي سعيد)). ثم ساق الرواية الموقوفة، ومن طريقه رواها البيهقيُّ، ثم قال: ((هذا هو المحفوظ موقوف))، وأقرَّه ابنُ عبد الهادي في (التنقيح ٤/ ٨٤)، وابنُ الملقن في (البدر المنير ٥/ ٢٦).
وقال في (المعرفة ١٩٣٦٦): ((ورُوِيَ عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيدٍ، مرفوعًا وموقوفًا، والموقوفُ أَصحُّ)). وأقرَّه ابنُ القيم في (تهذيب السنن ١٠/ ٢٣١).
[تنبيه]:
ليس معنى قولهم: أن الموقوفَ أصحُّ أو هو المحفوظ؛ أنه صحيح في نفسه، بل هو ضعيفٌ جدًّا أيضًا؛ لأَنَّ مداره على أبي هارونَ العبديِّ وهو متروكٌ كما تقدَّم، وإنما هذا تصحيح نسبي، يعني: أن أصحَّ الروايتين عنه هي الموقوفة.