هكذا تحرَّف عليه اسمُ هُنَيد إلى عُبيد، فقال ما قال، وعُبَيد غيرُ هُنَيد.
وتحرَّف اسمُه أيضًا على الحافظ الهَيْثمي، فقال: "ورجال البزَّارِ رجالُ الصحيح غير جُنَيد بن القاسم، وهو ثقة" (المجمع ١٤٠١٠).
هكذا وقع في المطبوع "جنيد"، ووثَّقه، وذلك يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون اسمُ هُنَيد تحرَّف على الهَيْثمي نفْسِه، وتوثيقُه هذا لراوٍ آخَرَ اسمُه جُنَيد، ويؤيد ذلك: أن الهيثمي قال في حديث آخَرَ لهُنَيد: "في إسناده هُنَيد بن القاسم، وهو مجهول" (المجمع ٦٦).
الاحتمال الثاني: أن يكون الهيثمي أراد بالتوثيق صاحبَنا هُنَيدًا فعلًا، وإنما تحرَّف اسمُه من النُّسَّاخ، ويؤيد ذلك أنه لا يُعرَف في الرواة الثقات مَن يسمَّى بجُنَيد بن القاسم، وعلى هذا الاحتمال يكون الهيثميُّ قد اضطرب في حكمه على هُنَيد، فوثَّقه هنا، وحكم عليه بالجهالة في موضع آخَرَ! وعلى الاحتمال الأول يَسلَم من هذا الاضطراب.
وأما تلميذُه الحافظ ابن حَجَر، فقال: "في إسناده الهُنَيد بن القاسم، ولا بأس به، لكنه ليس بالمشهور بالعلم" (التلخيص ١/ ٤٤، ٤٥).
وقال البُوصِيري: "هذا إسناد حسَن" (إتحاف الخيرة ٤/ ٤٣٤)، وقال في موضع آخَرَ: "هذا حديث حسَن" (إتحاف الخيرة ٧/ ٩١)! ! .
وحسَّن السُّيوطيُّ سندَه في (الخصائص الكبرى ٢/ ٣٧٦)، وقال عنه في موضع آخَرَ: "جيِّد" (مناهل الصفا / ٧٢)! ! .
قلنا: والراجح أن حال هذا الراوي لا يحتمل منه التفرُّد، لاسيما بمثل هذا الحديث، ولاسيما عن مثل عامر بن عبد الله بن الزبير، ولذا فتحسينُ حديثِه يحتاج إلى متابعة أو شاهدٍ معتبَر يقوِّيه، وإلا فهو منكر.
стр. 4587
فإن قيل: قد وُجد له ذلك، فقد قال البزَّار عَقِبه: "قد رُوي عن ابن الزُّبير من وجْه آخَرَ"، وقال البَيْهَقي عَقِبه أيضًا: "ورُوي ذلك من وجهٍ آخَرَ عن أسماء بنت أبي بكر، وعن سَلْمان"، وقال ابن حَجَر عَقِبه أيضًا: "وله شاهدٌ من طريق كَيْسان مولى ابن الزبير، عن سَلْمان الفارسي، رُوِّيناه في جزء الغِطْرِيف" (الإصابة ٦/ ١٥٢).
فالجواب: أمَّا شاهِدُ سَلْمان، فأخرجه الغِطْرِيفي في (جزء ابن الغِطْريف ٦٥) -ومن طريقه ابن عساكر في التاريخ (٢٠/ ٢٣٣، ٢٨/ ١٦٢) - والخطَّابي في غريب الحديث (١/ ٣١٥) مختصرًا، وأبو نُعَيم في (الحلية ١/ ٣٣٠) من طريق سعد أبي عاصم مولى سُلَيمان بن عليٍّ، عن كَيْسانَ مولى عبد الله بن الزبير، عن سَلْمان الفارسيِّ: أنه دخل على رسول الله ﷺ وإذا عبدُ الله بن الزُّبير معه طَسْتٌ يَشرَب ماءً فيه، فقال رسول الله ﷺ : ((مَا شَأْنُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ ))، قال: إني أحببتُ أن يكون من دم رسول الله ﷺ في جوفي، فقال: ((وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا قَسَمَ الْيَمِينِ)) اهـ، لفظ الغِطْرِيفي.
ولفظ أبي نُعَيم عن سعد قال: زعم لي كَيْسانُ مولى عبد الله بن الزُّبير قال: دخل سَلْمانُ على رسول الله ﷺ ، وإذا عبدُ الله بن الزُّبير معه طَسْتٌ يشرَبُ ما فيها، فدخل عبد الله على رسول الله ﷺ ، فقال له: ((فَرَغْتَ؟ ))، قال: نعم، قال سلمان: ما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((أَعْطَيْتُهُ غُسَالَةَ مَحَاجِمِي يُهْرِيقُ مَا فِيهَا))، قال سلمان: ذاك شَرِبه والذي بعثك بالحق، قال: ((شَرِبْتَهُ؟ ))، قال: نعم، قال: ((لِمَ؟ ))، قال: "أحببتُ ... " الخ، وهذا مرسَل.
وسنده ضعيف؛ فيه سعد بنُ زياد أبو عاصم مولى سُلَيمان بن عليٍّ، ذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٦/ ٣٧٨)، وقال أبو حاتم: "يُكتب حديثُه وليس
стр. 4588
بالمتين" (الجرح والتعديل ٤/ ٨٣)، واقتصر الذهبيُّ في (الميزان ٢/ ١٢٠) و (المغني ٢٣٣٩) على قول أبي حاتم، ولم يحْكِ غيرَه.
وشيخُه كَيْسان مولى عبد الله بن الزُّبير، لا يُعرَف إلا في هذا الحديث، ولم نجد مَن ترجم له بعد عناءٍ وطولِ بحث، ثم إن روايته عند أبي نُعَيم ظاهرُها الإرسال، فحالُ هذا الشاهدِ أضعفُ من حديث هُنَيْد، ومع ذلك قال صاحب (كَنز العمال ١٣/ ٢٠٢): "رجاله ثقات"! .
وأما الشاهد الثاني-حديث أسماء-، فساقطٌ لا يُفرَح ولا يُعتدُّ به، أخرجه البَغَوي في (معجم الصحابة ١٥٠٣) -ومن طريقه الدَّارَقُطْني في (السنن ١/ ٢٢٨)، وابنُ عساكر في التاريخ (٢٨/ ١٦٢) - عن محمد بن حُمَيد الرازي، عن عليِّ بن مجاهد، عن رَباحٍ النُّوبي مولى آلِ الزُّبير قال: سمِعْتُ أسماءَ بنت أبي بكر تقول للحَجَّاج: إن النبي ﷺ احتجَمَ، فدَفع دمَه إلى ابني، فشرِبه، فأتاه جبريلُ ﵇ فأخبره، فقال: ((مَا صَنَعْتَ؟ )) قال: كرِهتُ أن أَصُبَّ دمَك، فقال النبي ﷺ : ((لَا تَمَسُّكَ النَّارُ))، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، وقال: ((وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ)).
وسنده تالفٌ، فيه عللٌ:
الأولى: محمد بن حُمَيد هو الرازيُّ؛ رُمي بسرقة الأحاديث، وكذَّبه أبو زُرْعة وغيرُه (تهذيب التهذيب ٩/ ١٢٩ - ١٣١).
الثانية: عليُّ بن مجاهد الرازي؛ "متروك" كما في (التقريب ٤٧٩٠)، وكذَّبه يحيى بن الضُّرَيس وغيرُه كما في (الجرح والتعديل ٦/ ٢٠٥).
الثالثة: رَباح النُّوبي، قال فيه الذهبي: "ليَّنه بعضُهم، ولا يُدرَى مَن هو" (الميزان ٢/ ٣٨).
стр. 4589
ولذا ضعَّفه عبد الحق، وابنُ دقيق، وابن المُلَقِّن، وابن حَجَر، وغيرُهم، كما سيأتي بيانُه في موضعه من هذه الموسوعة، وانظر: (الأحكام الوسطى ١/ ٢٣٢)، و (البدر المنير ١/ ٤٧٨، ٤٧٩) و (التلخيص ١/ ٤٥).
[تنبيه]:
قال ابن الصلاح في كلامه على ((الوسيط)): "إن حديث عبد الله بن الزبير هذا لم نجد له أصلًا بالكلية"، نقله ابنُ المُلَقِّن في (البدر المنير ١/ ٤٧٩)، وتعجَّب منه، وقال ابن حَجَر: "كذا قال! وهو متعقَّب" (التلخيص ١/ ٤٥).
قلنا: ويمكن أن يُحمَل كلامُه على أنه لم يجد له أصلًا يحتجُّ به أو يعتمدُ عليه، والله أعلم.
* * *
[السند]:
رواه البخاري في (التاريخ الكبير ٤/ ٢٠٩) عن عبد العزيز الأُوَيْسي.
والبزَّار في (المسند ٣٨٣٤) عن إسحاق بن حاتم.
وأبو يَعلَى كما في (المطالب ٣٨٢٢) عن إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة.
والمَحَامِلي في (الأمالي ٥٢٦ رواية البيع) عن عليِّ بن شعيب.
وابن أبي خَيْثَمة في (التاريخ/ السفر الثاني ٢٨٦٦) عن إبراهيم بن حمزة المدني.
والطبراني في (الكبير ٦٤٣٤) من طريق إبراهيم بن حمزة، وأحمد بن صالح.
والرُّوياني في (المسند ٦٧٣) من طريق دُحَيْم عبد الرحمن بن إبراهيم.
وابن حِبَّان في (المجروحين ١/ ١٠٨) - ومن طريقه ابن الجوزي في (العلل ٢٨٥) - من طريق إبراهيم بن عبد الرحمن بن مَهْدي.
وابن عَدِي في (الكامل ٢٩٦) - ومن طريقه البَيْهَقي في (الكبرى ١٣٥٣٨) - من طريق سُرَيج بن يونس.
وأبو نُعَيم في (المعرفة ٣٥١٥) من طريق محمد بن زياد بن فَرْوة.
والبَيْهَقي في (الشُّعب ٦٠٧٠) من طريق محمد بن عُمر بن الوليد.
كلُّهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك، عن بُرَيْه (١) بن عُمر بن
стр. 4592
سفينة، عن أبيه، عن جدِّه، به.
وفي رواية البزَّار: "إبراهيم بن عمر"، وهذا هو الاسم، وبُرَيْه لقبٌ.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: بُرَيْه، وهو إبراهيم بن عُمَر بن سفينة؛ قال البخاري: "إسناده مجهولٌ" (التاريخ الكبير ٢/ ١٤٩)، وقال العُقَيلي: "لا يتابَع على حديثه، ولا يُعرَف إلا به" (الضعفاء ٢٠٩)، وقال ابن حِبَّان: "يخالف الثقاتِ في الروايات، ويروي عن أبيه ما لا يتابَع عليه من رواية الأثبات، فلا يحلُّ الاحتجاجُ بخبره بحال" (المجروحين ١/ ١٠٨)، ثم أعاده في (الثقات ٦/ ١١٩) وقال: "كان ممن يخطِئ"! ، قال ابن حَجَر: "فكأنه ظنَّه اثنين" (تهذيب التهذيب ١/ ٤٣٤)، وذكره الدارَقُطْني في (الضعفاء والمتروكين ١٠)، وقال: "لا يُعرف أبوه إلا به"، فإدخاله له في ضعفائه يَقْضي بضعفه عنده؛ ولذا قال الذهبي: "ضعَّفه الدارَقُطْني" (الميزان ١/ ٥١)، وفي (المغني ١٣٨)، وقال في موضع آخَرَ: "ضعَّفه النَّسائي" (الديوان ٢٢١)، وهذا النقل عن النَّسائي تفرَّد به الذهبيُّ إلا أن يكون أراد الدارَقُطْنيَّ، فسبقه القلم، والله أعلم. وقد قال الذهبي أيضًا في ترجمة عُمرَ والدِ بُرَيْه: "وتفرَّد بُرَيْه عن أبيه بمناكيرَ" (الميزان ٣/ ٢٠١).
وفي المقابل قال ابن عَدِي: "وإنما ذكرتُه في كتابي هذا-ولم أجد للمتكلمين في الرجال لأحد منهم فيه كلامًا-، لأني رأيتُ أحاديثَه لا يتابِعه عليها الثقاتُ ... وأرجو أنه لا بأس به" (الكامل ٢/ ٥١٤).
قلنا: كيف يكون لا بأس به وأحاديثُه لا يتابعُه عليها الثقاتُ؟ ! ثم إن غير
стр. 4593
واحد من المتكلمين في الرجال قبلَه قد تكلَّموا فيه وجهَّلوه كما سبق، ولذا قال ابن حَجَر: "مستور" (التقريب ٢٢١).
الثانية: عُمر بن سفينة؛ مختلَفٌ فيه، فقال فيه البخاري: "إسناده مجهول" (التاريخ الكبير ٦/ ١٦٠)، وقال العُقَيلي: "حديثه غير محفوظ، ولا يُعرَف إلا به" (الضعفاء ١١٦١)، وقال أبو حاتم: "شيخ" (الجرح والتعديل ٦/ ١١٣)، وذكر ابن عَدِي كلمةَ البخاري ثم قال: "وقد روَى ابن أبي فُدَيْك عن بُرَيْه عن أبيه عُمرَ أحاديثَ ... وهي أحاديثُ إفرادات، لا تُروَى إلا من طريق بُرَيْه عن أبيه" (الكامل ٧/ ٤٠٥)، وهذه الإفرادات عبَّر عنها الذهبيُّ بالمناكير كما تقدَّم، وسبَق قولُ الدارَقُطْني في بُرَيه بن عُمر: "لا يُعرَف أبوه إلا به"، ولذا قال الذهبي في عُمر: "لا يُعرَف" (المغني ٤٤٧٥) و (الميزان ٣/ ٢٠١).
وفي المقابل قال أبو زُرْعة: "صدوق" (الجرح والتعديل ٦/ ١١٣)، ووثَّقه العِجْلي في (الثقات ١٣٤٧)، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٥/ ١٤٩) وقال: "يخطئ"، وقال الحافظ: "صدوق" (التقريب ٤٩٠٨).
* والحديث ضعَّفه غيرُ واحد من أهل العلم:
فقال البخاري: "في إسناده نظرٌ" (التاريخ الكبير ٤/ ٢٠٩)، وقد سبَق أيضًا أنه حكَم على إسناده بأنه مجهول، وأقرَّه ابن عَدِي في ترجمة عُمر بن سفينة، وبيَّن أن أحاديث ابنِه عنه إفراداتٌ، يعني: غرائبَ، أو مناكيرَ كما صرَّح به الذهبيُّ.
وأعلَّه ابن حِبَّان في (المجروحين ١/ ١٠٨) بإبراهيمَ بنِ عُمر.
وضعَّفه عبد الحق بأن قال: "قال فيه أبو أحمد: إسنادٌ مجهول" (الأحكام
стр. 4594
الوسطى ١/ ٢٣٢)، وأبو أحمدَ هو ابن عَدِي، وهذه الكلمة هي في الأصل كلمةُ البخاري، أسنَدَها عنه ابنُ عَدِي كما سبق.
وقال ابن الجوزي: "حديث لا يصحُّ" (العلل ١/ ١٨١).
وقال ابن كَثير: "حديث ضعيف؛ لحالِ بُرَيه هذا، واسمه إبراهيم، فإنه ضعيف جدًّا" (الفصول في السيرة / ص ٣٠٥).
وعدَّه الذهبيُّ في مناكيرِ بُرَيه (الميزان ١/ ٣٠٦)، وانظر (٣/ ٢٠١).
وقال ابن طاهر القَيْسَرانيُّ: "رواه بُرَيه بن عُمَر بن سفينة ... ولم يتابَع بُرَيه على روايته" (ذخيرة الحفاظ ١١٦).
وقال ابن المُلَقِّن: "حديث ضعيف" (البدر المنير ١/ ٤٨٠).
وقال البُوصِيري: "هذا إسناد مجهول، لجهالة بعضِ رواته" (إتحاف الخيرة ٧/ ٩٢).
ومع كل ما سبق يقول الهَيْثمي: "ورجال الطبرانيِّ ثقاتٌ"!! (المجمع).
[تنبيه]:
جاء في رواية ابن حِبَّانَ لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال لسفينةَ: ((احْتَرَزْتَ مِنَ النَّارِ))، وقد روَى هذا الحديثَ عن بُرَيه عددٌ كبير من الرواة الثقات، ولم يذكر واحدٌ منهم هذه الجملةَ، ولم تَرِد إلا في رواية ابن حِبَّان، وهي عنده من طريق إبراهيم بن عبد الرحمن بن مَهْدي، فيحتمل أن تكون هذه الزيادةُ مِن قِبَلِه، فإن له مناكيرَ كما في (الكاشف ١٦٦) و (التقريب ٢٠٧).
* * *
стр. 4595
١٠٥٤ - حَدِيثُ أُمِّ سَعْدٍ:
◼ عَنْ أُمِّ سَعْدٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ((يَأْمُرُ بِدَفْنِ الدَّمِ إِذَا احْتَجَمَ)).
[الحكم]: إسناده ساقط. وضعَّفه ابن عبد البر، والذهبي، والهَيْثمي، وابن حَجَر. وقال الألباني: "موضوع".
[التخريج]:
[طس ٨٨٢ "واللفظ له" / سعد (١/ ٣٨٥) / تخث (السفر الثاني ٣٤٤٤) / صمند (إصا ١٤/ ٣٧٨) / صحا ٧٩٤٧]
[السند]:
رواه ابن سعد في (الطبقات)، قال: أخبرنا سعيد بن سُلَيمان، أخبرنا هَيَّاج بن بِسْطام، أخبرنا عَنْبَسَة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زَاذَان، عن أم سعد، به.
ورواه الطبراني في (الأوسط) عن أحمدَ الحُلْواني، عن سعيد، به.
ورواه ابن أبي خَيْثَمة في (التاريخ)، قال: حدثنا محمد بن بكَّار، قال، حدثنا هَيَّاج بن بِسْطام، به.
ومدارَهُ- عند الجميع- على عَنْبَسَةَ، عن محمد بن زَاذَانَ، عن أم سعد، به.
قال الطبراني: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن أم سعد إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به عَنْبَسَة".
стр. 4596
[التحقيق]:
هذا إسناد ساقط؛ مسلسَل بالعِلل:
الأولى: عَنْبَسَة بن عبد الرحمن القرشي الأُمويُّ؛ قال الحافظ: "متروك، ورماه أبو حاتم بالوضع" (التقريب ٥٢٠٦).
وبه أعلَّ الحديثَ ابنُ حجر في (الإصابة ١٤/ ٣٧٨).
الثانية: محمد بن زَاذَانَ المَدَني؛ "متروك" أيضًا (التقريب ٥٨٨٢).
وأشار ابن عبد البر إلى علة أخرى في الإسناد، وهي:
الثالثة: الانقطاع بين ابن زاذانَ وأمِّ سعد، قال ابن عبد البر: "أم سعد بنت زيد ... روَى عنها محمدُ بن زاذانَ، يقال: إنه لم يسمع منها، وبينهما عبد الله بن خارِجة" (الاستيعاب ٤/ ١٩٣٨).
وقال المِزِّي بعد أنْ ذَكرَ روايةَ ابنِ زاذانَ عن أم سعد: "وقيل: عن محمد بن زاذان، عن عبد الله بن خارجة، عنها" (التهذيب ٣٥/ ٣٦٣).
قال ابن حَجَر: "وكذا وقع في معرفة الصحابة أن محمد بن زاذان لم يَسمع منها" (النكت الظراف/ مع التحفة ١٣/ ٨١).
ولكن ابن حجر بعد أن ذكر كلامَ ابنِ عبد البر السابقَ وفيه أيضًا قولُ ابن عبد البر: "لها عن النبي ﷺ أحاديثُ منها: ((أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِ الدَّمِ إِذَا احْتَجَمَ))، علَّق عليه ابنُ حجر قائلًا: "قلت: وصَلَه ابنُ ماجَهْ، والحَسن بن سُفيان، وأبو يَعلَى، وابن مَنْدَه، وغيرُهم" (الإصابة ١٤/ ٣٧٨).
فتعقَّبه الألبانيُّ قائلًا: "قلت: وهذا وهَمٌ من الحافظ ﵀؛ فإن ابن ماجَهْ لم يروِ لها هذا الحديثَ ولا غيرَه سوى حديثٍ واحدٍ في فضْل الخَل" (الضعيفة ٦٣٢٧).
стр. 4597
قلنا: يحتمل أن يكون مرادُ الحافظ هو مجردَ دفْعِ الانقطاع الذي أشار إليه ابنُ عبد البر في هذا الإسناد، بغض النظر عن المتن، فاستدَلَّ لذلك بأنه قد جاء عند ابنِ ماجَهْ وغيرِه ما يدلُّ على الاتصال بين ابن زَاذَانَ وأمِّ سعد، فإن ابن زاذانَ قد قال في حديث الخَلِّ الذي خرَّجه ابنُ ماجَه: "حدثتْني أمُّ سعد"، فذَكر السماعَ، وعلى هذا التأويلِ يكون الضميرُ في قوله: "وصَلَه" عائدًا على الإسناد، وحينئذ يكون الجوابُ على ذلك بأنه لا يُعتدُّ بسماعٍ جاء من طريق تالفٍ، والله أعلم.
وقد ضعَّف الحديثَ الذهبيُّ؛ فقال في ترجمة أم سعد: "لها حديثٌ واهٍ، في دفن دم المَحْجوم" (تجريد أسماء الصحابة ٣٨٩٦).
وقصَّر الهيثميُّ في الكلام على إسناد هذا الحديث، فقال: "فيه هَيَّاج بنُ بِسْطام، وهو ضعيف" (المجمع ٨٣٤١)! ! .
قلنا: نعم، هيَّاجٌ ضعيفٌ كما في (التقريب ٧٣٥٥)، ولكن قد تابعه اثنان، وإليك بيان حالِهما:
المتابِع الأول: غَسَّان بن مالك:
أخرج روايتَه ابنُ مَنْدَه-كما في (الإصابة) - قال: أخبرنا عليُّ بن محمد بن نصر، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا غَسَّان بن مالك، به.
وعليُّ بن محمد بن نصر هو ابن حَمْشَاذَ الحافظُ، ترجمَتُه في (السِّيَر ١٥/ ٣٩٨).
وشيخه محمد بن أيوبَ بن الضُّرَيس ثقة حافظ، ترجمته في (السير ١٣/ ٤٤٩).
فأما غسَّانُ، فمختلَفٌ فيه؛ فقال العُقَيلي: "مجهول" (الضعفاء ١٤٨٨)،
стр. 4598
وقال أبو حاتم: "ليس بقوي، بيِّنٌ في حديثه الإنكار" (الجرح والتعديل ٧/ ٥٠)، ولذا ذكره ابن الجوزي في (الضعفاء ٢٦٣٨).
وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٩/ ٢)، وقال ابن عَدِي في ترجمة ابنه خالد: "وأبوه معروفٌ ولا بأس به" (الكامل ٤/ ٣٣٥)، وكذا قال الذهبي في ترجمة خالد: "وأبوه صدوق" (تاريخ الإسلام ٦/ ٩٤١)، مع أنه اقتصر في ترجمة غَسَّانَ على قوله: "ليَّنَه أبو حاتم" (تاريخ الإسلام ٥/ ٦٥٣)، واعتمد كلمتَه في (الديوان ٣٣٣١) وغيرِه.
وفرَّق ابنُ حجر في (اللسان ٦/ ٣٠٧) بين الذي ليَّنَه أبو حاتم وبين الذي قال فيه العُقَيلي: "مجهول"، ولم يُصِبْ في ذلك.
المتابِع الثاني: عثمان بن عبد الرحمن:
أخرج روايتَه أبو نُعَيم في (المعرفة ٧٩٤٧)، قال: حدثنا أبو عَمرو بن حَمْدان، ثنا الحسن بن سُفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن عَمَّار، ثنا عثمان يعني: ابنَ عبد الرحمن، عن عَنْبَسَة به.
وابن حَمْدانَ ثقةٌ حافظ، ترجمتُه في (السير ١٦/ ٣٥٦)، ومِثْلُه الحسن وهو النَّسَوي، ترجمتُه أيضًا في (السير ١٤/ ١٥٧)، وابن عمَّار هو المُخَرِّمي المَوْصلي، ثقة حافظٌ أيضًا، ترجمتُه في (التقريب ٦٠٣٦).
فأما عثمان بن عبد الرحمن فهو الطَّرائِفي، صدوق، ووثَّقه ابنُ مَعِين وغيرُه، وإنما تُكلِّم فيه من أجل كثرةِ روايته عن الضعفاء والمجهولين، وترجمَتُه في (تهذيب التهذيب ٧/ ١٣٥)، و (التقريب ٤٤٩٤).
ورماه ابنُ حِبَّان في (المجروحين ٢/ ٧٠) بالتدليس عن الضعفاء، وردَّه الذهبي في (الميزان ٣/ ٤٥ - ٤٦)، ولو كان دَلَّسَ هنا لأسقط عَنْبَسَةَ من
стр. 4599
الإسناد.
فتانِكَ المتابَعتانِ تَمنعان مِن إعلال الحديث بهَيَّاج، ثم إنه لو لم يتابَع هَيَّاجٌ، فما كان ينبغي من الهَيْثمي أن ينُصَّ على ضعفه ويَدَعَ عَنْبَسَةَ وابنَ زَاذانَ المتروكين؛ ولذا تعقَّب الألبانيُّ ذاك الصنيعَ من الهَيْثمي، فقال بعد أن حَكَم على الحديث بالوضع وبيَّنَ علتَه: "وغفَل عنه الهَيثميُّ، فأعلَّه بمن دونه، فقال: ... "، وذكر كلامَ الهَيْثمي، ثم قال: "قلت: وهذا إعلالٌ قاصر؛ لأمرين، الأول: أنه لم يتفرَّد به ... والآخَر: أن عَنْبَسَة شرٌّ بكثير من هَيَّاج بن بِسْطام، فإن هذا قد وُثِّق، وقال الحافظ في "التقريب": "ضعيف"، فأين هذا من قوله المتقدِّمِ في عَنْبَسَة: إنه من المتروكين؟! ونحوه محمد بن زَاذانَ" (الضعيفة ٦٣٢٧).
[تنبيه]:
لم تُنسَب أمُّ سعد في رواية ابن سعد وابنِ مَنْدَه، وجاء في رواية الطبراني: "عن أم سعد، امرأةِ زيد بن ثابت"، بينما جاء في رواية ابنِ أبي خَيْثَمة وأبي نُعَيم: "عن أم سعد بنت زيد بن ثابت"، وهذا هو الذي اعتمده ابنُ عبد البر وابنُ الأثير وابنُ حَجر في ترجمتها، وأشار أبو نُعَيم وابنُ الأثير للوجه الآخَر تمريضًا.
وأم سعد هذه لا تُعرَف صحبتُها إلا من هذا الوجه غيرِ الثابت سندًا، قال الدارَقُطْني: "محمد بن زاذان شاميٌّ، عن محمد بن المُنْكَدِر، وأمِّ سعد الأنصاريةِ، وهي لا تُعرَف إلا به" (الضعفاء والمتروكون ٤٦٨).
* * *
стр. 4600
١٠٥٥ - حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ:
◼ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ((ادْفِنُوا دِماءَكُمْ وأشْعارَكُمْ وأظْفارَكُمْ، لَا تَلْعَبْ بِهَا السَّحَرَةُ)).
[الحكم]: إسناده ساقط. وقال الألباني: "موضوع".
[التخريج]:
[فر (ملتقطة ١/ ق ١٨)]
[السند]:
رواه الدَّيْلمي في (مسند الفردوس) - كما في (الغرائب الملتقطة) -: عن الحسن بن الحسين بن دُومَا، حدثنا أبو سعيد بن رُمَيْح، حدثنا محمد بن عَقِيل، حدثني إبراهيم بن محمد بن الحسين، حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن موسى، عن الحسن بن دينار، عن مُقاتِل بن حَيَّان، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ساقط؛ فيه علل:
الأولى: الحسن بن دينار؛ متروك، وكذَّبه غيرُ واحد من الأئمة، انظر: (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
الثانية: الحسن بن الحسين بن دُومَا، قال الخطيب: "كان كثيرَ السماع، إلا أنه أَفسد أمرَه بأنْ ألْحقَ لنفْسِه السماعَ في أشياءَ لم تكن سماعَه" (تاريخ بغداد ٣٧٦٥)، قال الذهبي: "يعني: زَوَّر" (الميزان ١/ ٤٨٥)، وقال في (تاريخ الإسلام ٩/ ٥٠٢): "ضعيف".
стр. 4601
الثالثة: إبراهيم بن محمد بن الحسين البخاري، ترجم له ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٢/ ١٣٠) وابن ماكولا في (الإكمال ٧/ ١٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
الرابعة: والد إبراهيم: محمد بن الحسين البخاري، ذكره ابن حِبَّان في (الثقات) وقال: "يُعتبَر حديثُه إذا بيَّن السماع في روايته". ولهذه العبارة ذَكره ابنُ حجر في المدلسين (التقديس ٩٤)، والشأن هنا ليس في تدليسه؛ فقد صرَّح بالسماع، وإنما الشأنُ في قول ابن حِبَّان: "يُعتبَر حديثُه" أي: في المتابعات، وليس ثَمَّةَ متابِعٌ؛ فلا يُحتجُّ بحديثه.
وأما شيخُه عيسى بنُ موسى فهو غُنْجار محدِّثُ بُخَارَى، مختلَفٌ فيه، وهو كما قال الذهبي: "صدوق في نفْسِه إن شاء الله، لكنه روَى عن نحو مائةِ مجهول"، وقد رماه ابن حِبَّان بالتدليس عن الثقات، ولو دلَّس لأسقط شيخَه، انظر: (الميزان ٣/ ٣٢٥)، (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٣٣).
وبقية رجال الإسناد ثقاتٌ مشهورون، فأبو سعيد بن رُمَيح حافظٌ ثقة، ترجمَتُه في (تاريخ بغداد ٢٦٢٣) و (السِّيَر ١٦/ ١٧٠)، ومحمد بن عَقِيل هو ابن الأَزْهر البَلْخيُّ، ثقةٌ حافظ، (السير ١٤/ ٤١٥)، ومُقاتِل بن حَيَّان ثقةٌ من رجال الصحيح (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٧٨)، وأبو الزُّبير هو محمد بن مسلم، من رجال الصحيح، وتقدَّم ذِكرُه مِرارًا.
والحديث ذكره الألباني في (الضعيفة ٢١٧٩)، و (ضعيف الجامع ٢٦٢)، وقال: "موضوع".
هذا وقد أشار الحافظ إلى إعلاله في (الغرائب الملتقطة ١/ ق ١٨)؛ حيث قال- عَقِبَه: "قلت: الحسن بن دينار ... وابن رُمَيح ... وابن دُومَا ... ".
стр. 4602
كذا ذَكَرهم وبيَّضَ لهم، ولم يقل فيهم شيئًا.
قال الألباني: "ويَكثر مِثْلُ هذا البياضِ فيه، وكأن الحافظ كان لا يستحضر بدقة حالةَ هؤلاء الرواةِ، فيُبيِّضُ لهم إلى أن يُراجِع، ثم عاجلَتْه المَنِيَّةُ، فلم يتمكَّنْ من ذلك" (الضعيفة ٥/ ٢٠٣).
* * *
стр. 4603
١٠٥٦ - حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ:
◼ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ((ادْفِنُوا شُعُورَكُمْ وَأَظْفَارَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ؛ لَا يَلْعَبْ بِهَا سَحَرَةُ بَنِي آدَمَ)).
[الحكم]: مرسَل، وهو ضعيف الإسناد جدًّا، وضعَّفه ابن حِبَّانَ وابنُ طاهر القَيْسَراني.
[التخريج]:
[حرب (طهارة ٤٢٧)]
[السند]:
أخرجه حرْب الكَرْماني في (مسائله)، قال: حدثنا عَمرو بن عُثمان، قال: حدثنا اليَمَان بن عَدِي، عن زُهَير بن محمد، عن الزُّهْري، عن قَبِيصَة بن ذُؤَيب، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد واهٍ؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: اليَمَان بن عَدِي الحِمْصي؛ ضعَّفه أحمدُ والدارَقُطْني (تهذيب التهذيب ١١/ ٤٠٦)، وقال البخاري: "في حديثه نظرٌ" (التاريخ الكبير ٨/ ٤٢٥)، وقال ابن حِبَّان: "كان ممن يُخْطئ، لم يفْحُش خَطؤُه حتى خرج به عن حد العدالة إلى الجرْح، ولا اقتصر منه على ما لم ينفَكَّ منه البَشَرُ فيكون محتجًّا به، فهو عندي يُترَك الاحتجاجُ بما انفرد من الأخبار، وإنِ اعتبَر بما وافق الثقاتِ معتبِرٌ لم أرَ بذلك بأسًا، روى عن زُهَير ... " وذكر له هذا الحديثَ وآخَرَ معه، (المجروحين ٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، وقال أبو أحمدَ
стр. 4604
الحاكمُ: "ليس بالقوي عندهم" (تهذيب التهذيب ١١/ ٤٠٦).
وفي المقابل: قال أبو حاتم: "صدوق" (الجرح والتعديل ٩/ ٣١١)، وقال ابن عَدِي: "لليَمَان أحاديثُ، يَروي عن الزُّبَيدي وعن غيره من أهل حِمص بأحاديثَ غرائبَ، وأرجو أنه لا بأس به" (الكامل ١٠/ ٤٩١)، وتوسَّط ابنُ حجر فقال: "ليِّنُ الحديث" (التقريب ٧٨٥٣).
قلنا: هو ضعيف، فلأبي حاتم قولٌ آخَرُ لم ينقُلْه أصحابُ التراجم، وهو قوله: "واليَمان هذا شيخٌ ضعيف الحديث" (علل الحديث ١١٤٣).
هذا، وقد نَقَل ابنُ الجوزي في (الموضوعات ٣/ ٧٦ - ٤٨٣) عن أحمدَ أنه نَسَب اليَمانَ هذا إلى وضْع الحديث! وهذا تفرَّد بنقله ابنُ الجوزي كما قال الألباني في (الضعيفة ٧/ ٢٧١)، والذي نراه- والله أعلم- أنه اشتبَه عليه كلمةُ أحمدَ: "رَفَعَ حديثَ التفليس" فقرأها ابنُ الجوزي: "وَضَعَ .. "! ، ولذا قال ما قال.
الثانية: زُهَير بن محمد، أبو المُنْذر العَنْبَري؛ تُكُلِّم في حفظه عامَّةً، وفي رواية الشاميِّين عنه خاصَّةً؛
فأمَّا بشأن الكلام في حفْظِه:
فقال أبو حاتم الرازي: "مَحَلُّه الصدقُ، وفي حفظِه سُوء، وكان حديثُه بالشام أَنْكرَ من حديثه بالعراق؛ لسوء حفظه ... فما حدَّث مِن كُتبه فهو صالح، وما حدَّث من حفظه ففيه أغاليطُ" (الجرح والتعديل ٣/ ٥٨٩)، وقال عثمان الدارِميُّ: "ثقة صدوقٌ، وله أغاليطُ كثيرة"، وضعَّفه أبو زُرْعة والنَّسائيُّ وغيرُهما (تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، وقال موسى بن هارون: "أرجو أنه صدوق، كثيرُ الخطإِ" (تاريخ دمشق ١٩/ ١٢٣)، وقال
стр. 4605
ابن عبد البر: "زُهَير بن محمد عندَهم سيِّئُ الحفظ، كثيرُ الغلط، لا يُحتجُّ به" (التمهيد ٢/ ١٤٥).
وفي المقابل: وثَّقه أحمد، وفي رواية قال: "مستقيم الحديث"، وفي ثالثة قال: "مقارِب الحديثِ"، وفي رابعة قال: "ليس به بأس"، واختلفَتِ الروايةُ عن ابن مَعِين في توثيقه وتضعيفه، والتوثيق أصَحُّ، انظر: (تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٩).
وأما بشأن الكلام في رواية الشاميِّين عنه:
فقال أحمدُ-وذَكرَ روايةَ الشاميِّين عنه-: "يَرْوُون عنه أحاديثَ مناكيرَ هؤلاء، ثم قال: ترَى هذا زهير بن محمد الذي يَرْوُون عنه أصحابُنا؟ ! ثم قال: أمَّا روايةُ أصحابِنا عنه فمستقيمةٌ" (تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٩)، وقال البخاري: روَى عنه أهلُ الشام أحاديثَ مناكيرَ، قال أحمد: كأنَّ الذي روَى عنه أهلُ الشام زهيرٌ آخَرُ، فقُلِب اسمُه" (التاريخ الكبير ٣/ ٤٢٧)، وقال البخاري: "ما روَى عنه أهلُ الشام فإنه مناكيرُ، وما روَى عنه أهلُ البصرة فإنه صحيح"، (تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٩)، وقال أيضًا: "أنا أتَّقي هذا الشيخَ، كأن حديثَه موضوع، وليس هذا عندي زهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يضعِّف هذا الشيخَ، ينبغي أن يكون قَلَبَ اسمَه أهلُ الشام، يَرْوُون عن زهير بن محمد هذا مناكيرَ" (علل التِّرْمذي ٧١٣)، وقال التِّرْمذي: قال ابن حَنْبل: "كأنَّ زهيرَ بن محمد الذي وقع بالشام، ليس هو الذي يُروَى عنه بالعراق، كأنه رجلٌ آخَرُ قَلَبوا اسمَه"، يعني: لِمَا يَرْوُون عنه من المناكير" (جامع التِّرْمذي ح ٣٢٩١)، قال ابن رجب: "يعني: سمَّوْا رجلًا ضعيفًا زهيرَ بن محمد، وليس بزهير بن محمد الخُراساني" (شرح العلل ٢/ ٨٢٢).
стр. 4606
وأما ابن عَدِي فقال: "لعل الشاميين حيث رَوَوْا عنه أخطأوا عليه، فإنه إذا حدَّث عنه أهلُ العراق فرواياتُهم عنه شِبْهُ المستقيم، وأرجو أنه لا بأس به" (الكامل ٥/ ١٤٢)، قال ابن رجب: "وفصْلُ الخطابِ في حال رواياته: أن أهل العراق يَرْوُون عنه أحاديثَ مستقيمة، وما خُرِّج عنه في الصحيح فمِن رواياتهم عنه، وأهل الشام يَرْوُون عنه رواياتٍ منكَرةً" (شرح علل التِّرْمذي ٢/ ٧٧٧).
قلنا: وهذا فيه نظرٌ من وجهين:
الأول: أنه قد جاءت المناكيرُ في حديث زُهَير من غير رواية الشاميِّين، كحديث ابن عُمر في قصة هَارُوتَ ومَارُوتَ، فهو من رواية يحيى بن أبي بُكَيْر البغداديِّ الكوفي عن زُهَير كما في (المسند ٢/ ١٣٤) وغيرِه، وقد حَكَم عليه غيرُ واحد بالنَّكارة، ومنهم الإمام أبو حاتم كما في (العلل ١٦٩٩)، وانظر أيضًا غيرَ هذا الحديثِ في علل الدارَقُطْني (١٩٥٧) مع مسند البزَّار (٨٣٣٤).
الثاني: أن الشيخين لم يُخرِّجا لزُهَير هذا احتجاجًا، فأمَّا البخاريُّ، فقد قال ابن حَجَر: "قد أَخرج له الجماعةُ، لكن له عند البخاري حديث واحدٌ في كتاب المَرْضَى ... ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ ... )) الحديثَ، وقد تابعه الوليد بنُ كَثير عند مسلم، وأخرج البخاريُّ في الاستئذان بهذا الإسناد إلى زُهَيْر ... حديثَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ ... )) الحديثَ، ولم يَنسب زُهَيرًا عنده، فذَكر المِزِّيُّ وغيرُه أنه زهير بن محمد، وقد تابعه عليه حفْصُ بن مَيْسَرة عندهما، والدَّرَاوَرْديُّ عند مسلم وأبي داودَ ... وليس له في البخاري غيرُ هذا" (مقدمة الفتح ص ٤٠٣).
قلنا: والحديثُ الأول- مع كونه انتقاءً كما هو ظاهرٌ- إنما خرجه
стр. 4607
البخاري في الشواهد، فقد أخرجه قبلُ من حديث عائشةَ (الصحيح ٥٦٤٠).
وأما مسلم، فقد قال الذهبي: "أخرجه مسلم في الشواهد، قال الحاكم: "وهذا ممن خَفِيَ على مسلم بعضُ حاله؛ فإنه ... ليس في الحديث بذاك"، انظر: (مَن تُكلِّم فيه وهو موثَّق ١١٨).
قلنا: عدمُ احتجاجِه به يدلُّ على أنه لم يخْفَ عليه ذلك، لاسيما وأنه لم يُكْثِر من تخريج حديثِه، إنما أخرج له حديثين، كلاهما لأبي سعيد، أوَّلُهما برقْم (١٨٨)، وله عنده شاهدٌ من حديث ابن مسعود برقم (١٨٧)، والثاني برقْم (٢١١) وله عنده شاهدان، أحدُهما من حديث ابن عباس (٢١٢) والثاني من حديث النُّعَمان بن بَشِير (٢١٣).
وعلى هذا فلم يُصِبِ الحافظُ في قوله: "وأفرط ابنُ عبد البر فقال: "إنه ضعيفٌ عند الجميع"، وتعقَّبه صاحبُ الميزان بأن الجماعة احتجُّوا به، وهو كما قال"! (المقدمة ص ٤٠٣).
وخلاصة ما سبق: أن رواياتِ الشاميين عن زُهَير بن محمد منكَرةٌ، وحديثنا هذا من رواية اليَمان بن عَدِي عنه، واليَمان شاميٌّ؛ فيُعَدُّ هذا الحديثُ من المناكير التي رواها الشاميون عن زُهَير.
وقد أشار أحمدُ والبخاريُّ إلى أن زُهَيرًا الذي روَى عنه الشاميون يحتمل أن يكون رجلًا آخَرَ ضعيفًا، غيرَ الذي يروي عنه البصريون، وعلى هذا القولِ فهذا الرجلُ علةٌ في الإسناد بلا ريب.
وعلى القول بأنه واحد، فقد اختلَف فيه النُّقادُ بين مُوَثِّق ومضَعِّفٍ، ومنهم مَن توسَّط فوثَّقه على لِينٍ أو سُوء حفظ فيه، وهذا هو الذي اعتمده
стр. 4608
الذهبي في (الديوان)، حيث قال: "زهير بن محمد التَّمِيمي الخراساني: ثقةٌ فيه لِينٌ" (ديوان الضعفاء ١٤٨٦)، وقال ابن حَجَر: "روايةُ أهلِ الشام عنه غيرُ مستقيمة، فضُعِّف بسببها ... وقال أبو حاتم: "حدَّث بالشام من حفظِه، فكثُرَ غلَطُه" (التقريب ٢٠٤٩).
العلة الثالثة: الإرسال؛ فروايةُ قَبيصَةَ بنِ ذُؤَيْب عن النبي ﷺ مرسَلةٌ، وإنْ كانت له رؤيةٌ؛ فقد وُلِد عامَ الفتح وأُتِي به رسولُ الله ﷺ ليدعوَ له بالبركة، (تهذيب التهذيب ٨/ ٣٤٦، ٣٤٧).
والحديثُ ذكره ابنُ القَيْسَراني في (تذكرة الحفاظ ٣٦) وأعلَّه باليَمان بنِ عَدِي وبالإرسال معًا، وذكره أيضًا في (معرفة التذكرة ٣٤).
* * *
стр. 4609
١٠٥٧ - حَدِيثُ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ:
◼ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: ((ادْفِنْهُ؛ لَا يَبْحَثْ عَلَيْهِ كَلْبٌ)).
[الحكم]: ضعيف؛ لإرساله أو إعضاله.
[التخريج]:
[مد ٤٤٩ "واللفظ له" / سعد (١/ ٣٨٥)]
[السند]:
رواه أبو داودَ في (المراسيل) عن محمد بن العلاء،
ورواه ابن سعد في (الطبقات) عن محمد بن مقاتِل،
كلاهما عن عبد الله بن المبارَك، عن الأَوْزاعي، عن هارونَ بنِ رِئاب، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله كلُّهم ثقاتٌ رجالُ الصحيح، لكنه مرسل، أو معضل؛ فهارونُ بن رِئاب قال فيه الحافظ: "ثقة عابدٌ من السادسة، اختُلِف في سماعه من أنس" (التقريب ٧٢٢٥).
والطبقة السادسة عند ابن حَجَر هي طبقةُ الذين عاصروا صغارَ التابعين، لكن لم يثبت لهم لقاءُ أحدٍ من الصحابة، ولذا قال الألباني: "ضعيف لإرساله، بل إعضاله؛ فإن هارون بن رِئاب قد اختُلِف في سماعه من أنس، فإذا لم يثبُتْ سماعُه منه ترجَّح الإعضالُ؛ لأن أَنَسًا متأخِّرُ الوفاة كما هو معروف، فإذا لم يسمع منه، فلَأَنْ لا يصحَّ له السماعُ من غيره أَوْلى" (السلسلة الضعيفة ٢١٨٠).
* * *
стр. 4610
١٠٥٨ - حَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ:
◼ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِدَفْنِ الشَّعَرِ وَالظُّفُرِ وَالدَّمِ)).
[الحكم]: ضعيف، وهو مرسَل أو منقطع.
[التخريج]:
[ش ٢٦١٧٤]
[السند]:
رواه ابن أبي شَيْبة في (المصنف)، قال: حدثنا وَكِيع، عن عبد الجبار بن عبَّاس، عن رجل من بني هاشم، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه أو إعضاله؛ فإن كان الرجل الهاشميُّ صحابيًّا، فهو منقطع-أو معضل- بين عبد الجبار وبينه؛ فإن عبد الجبار من أتباع التابعين، ومُعْظم شيوخِه من صغار التابعين ومَن عاصرهم.
وإن كان الرجل الهاشميُّ من شيوخ عبد الجبار الذين أدركهم؛ فالإسناد مرسَل، أو معضل؛ إذْ ليس لعبد الجبار روايةٌ عن أحد من الصحابة.
وعبد الجبار هو ابن العباس الشِّبَاميُّ، مختلَفٌ فيه؛ فقال أحمد: "أرجو أن لا يكونَ به بأسٌ، وكان يتشيَّع"، وقال ابن مَعِين: "ليس به بأس"، وقال ابن أبي حاتم: "سألت أَبي عن عبد الجبار بن العباس الشِّبَامي، فقال: "ثقة"، قلتُ: "لا بأسَ به"؟ ، قال: "ثقة" (الجرح والتعديل ٦/ ٣١)، وقال العِجْلي: "صُوَيْلِح، لا بأس به، وكان يتشيَّع" (الثقات ١٠٠٤).
стр. 4611
وفي المقابل قال أبو نُعَيم: "لم يكن بالكوفة أكذبُ منه" (الميزان ٢/ ٥٣٣)، وقال ابن سعد: "كان فيه ضعفٌ" (الطبقات ٦/ ٣٤٦)، وقال العُقَيلي: "لا يتابَع على حديثه" (الضعفاء ٢/ ٥٧٨)، وقال ابن حِبَّان: "كان ممن ينفرد بالمقلوبات عن الثقات، وكان غاليًا في التشيُّع، وكان أبو نُعَيم يقول: "لم يكن بالكوفة أكذبُ من عبد الجبار بن العباس وأبي إسرائيلَ المُلَائي" (المجروحين ٢/ ١٤٥)، وقال ابن عَدِي: "ولعبد الجبار هذا غيرُ ما ذكرتُ، وعامَّةُ ما يرويه مما لا يُتابَع عليه (الكامل ٨/ ٤٢٠)، ورماه ابن الجوزي بالوضع، (الكشف الحثيث ٤٢٢)، وحكَى ابنُ حَجَر هذا الخلافَ في (تهذيب التهذيب ٦/ ١٠٣)، ثم لم يَزِدْ في (التقريب) على قوله: "صدوق يتشيَّع"! (التقريب ٣٧٤١).
* * *
стр. 4612
١٠٥٩ - حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ:
◼ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ((كَانَ يُعْجِبُهُ دَفْنُ الدَّمِ)).
[الحكم]: معضَل، وسنده ضعيف، وضعَّفه البَيْهَقي.
[التخريج]:
[جل (ترجل ١٥٥)]
[السند]:
رواه الخَلَّال في (الترجُّل)، قال: أخبرني عِصْمَة بن عصام ومحمد بن الصَّبَّاح، حدثنا يحيى بنُ اليَمان، عن سُفيانَ، عن ابن جُرَيج، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: الإعضال؛ فابن جُرَيج من الطبقة السادسةِ ممن عاصروا صغارَ التابعين، ولم يسمع أحدًا من الصحابة.
الثانية: يحيى بن اليَمان هو أبو زكريا العِجْلي؛ تُكُلِّم في حِفْظه عامَّةً، وضُعِّف في الثَّوريِّ خاصةً، ضعَّفه أحمدُ وغيرُه، كما تجدُه في (تهذيب التهذيب ١١/ ٣٠٦، ٣٠٧)، وهذا من حديثه عن الثوري. وقال فيه الحافظ: "صدوق عابدٌ يُخْطئ كثيرًا، وقد تغيَّر" (التقريب ٧٦٧٩).
والحديث أعلَّه البَيْهَقيُّ في (الآداب ٢/ ٢٥٧) بالانقطاع.
هذا، ولو كان يصِحُّ في دفن الشعر والأظفارِ شيءٌ لَمَا اعتمدَ الإمام أحمدُ على أثرٍ موقوف عن ابن عُمر، وليس سندُه بذاك، فقد ذكر الخَلَّال في (التَّرجُّل ١٥٢) عن مُهَنَّا، قال: سألتُ أحمدَ عن الرجل يأخذ من شعره ومن
стр. 4613
أظفاره، أيَدْفِنُه أو يُلْقيه؟ قال: يَدفِنُه. قلت: بَلَغك فيه شيءٌ؟ قال: كان ابنُ عُمر يدفِنه. قلت: عمَّن هذا الحديثُ؟ فحدثني أحمدُ: عن عبد الرحمن بن مَهْدي، عن العُمَري، عن نافع، عن ابن عُمر: كان يفعلُه. اهـ.
قلنا: والعُمَري هذا هو عبد الله بن عُمر بنِ حفْص أخو عُبيدِ الله، وهو ضعيف كما سبق مرارًا، (التقريب ٣٤٨٩).
* * *
стр. 4614
١٦٠ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي النَّهْيِ عَنْ نَتْفِ الشَّعَرِ مِنَ الْأَنْفِ
١٠٦٠ - حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ الْمَازِنِيِّ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ الْمَازِنيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا تَنْتِفُوا الشَّعَرَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأَنْفِ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْأَكِلَةَ، وَلَكِنْ قُصُّوهُ قَصًّا)).
[الحكم]: موضوع، وحكم بوضعه السُّيوطيُّ، وتبِعَه ابنُ عِرَاق.
[التخريج]:
[طبن ٣٠٩ "واللفظ له" / طبسي (ق ٢٧/ ب) (١)، (سبل الهدى والرشاد للصالحي ١٢/ ١٢٦) / فر (ملتقطة ٣/ ق ١٥٢) (ذيل اللآلئ ٧١٦)]
[السند]:
رواه أبو نُعَيم في (الطب)، قال: أخبرنا أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن حَمْدان الطَّرائِفي، حدثنا محمد بن العباس التِّنِّيسي (٢)، حدثنا الحسين بن الفضل، حدثنا الحسين بن عَلْوانَ الكَلْبيُّ، عن حَرِيز (٣) بن عثمان، عن
стр. 4615
عبد الله بن بُسْر (١) المَازِني، به.
وأحمد بن محمد هو الحافظ ابن السُّنِّي، والحديث في كتابه الموسوم أيضًا بـ (الطب النبوي)، فقد عزاه له الصالحيُّ في (سُبُل الهدى والرشاد ١٢/ ١٢٦)، وخرَّجه من مخطوطته (ق ٢٧/ب) محقق (الطب النبوي) لأبي نُعَيم، وقد تُوبِع عليه ابنُ السُّنِّي:
فرواه الدَّيْلميُّ في مسنده كما في (الغرائب الملتقطة) و (الذيل ٧١٦)، من طريق أحمد بن جعفر بن حَمْدان، عن محمد بن حَمْدان بن سُفيان- وهو الطَّرائِفي-، عن محمد بن العباس بن خَلَف، عن الحسين بن عَلْوان، به.
فسقَطَ من سنده الحسينُ بن الفضل، ولا ندري أسقط من الناسخ؟ أم من أحد شيوخ الدَّيْلمي؟ أم هو اختلافٌ على الطَّرائِفي؟ ! .
[التحقيق]:
هذا إسناد تالفٌ؛ فيه الحسين بن عَلْوان، وهو كذاب وضَّاعٌ، كذَّبه أحمدُ وابنُ مَعين والنَّسائيُّ والدارَقُطْني، وقال ابن حِبَّان وابنُ عَدِي وغيرُهما: "يضع الحديثَ" (المجروحين ١/ ٢٩٧)، (الكامل ٤٨٨) (الضعفاء والمتروكون للدارقطني ١٩٠) (اللسان ٢٥٧٤).
وبهذا أعلَّه السُّيوطي، فذكر الحديثَ في (الزيادات على الموضوعات ٧١٦)، وقال عَقِبه: "ابن عَلْوان يضع الحديث"، وبه أعلَّه ابن عِرَاقَ أيضًا في (تنزيه الشريعة ٢/ ٢٨٠).
стр. 4616
وفي سنده أيضًا: محمد بن العباس بن خَلَف، لم نجد مَن ترجم له، وعلى كلٍّ، فإنْ سَلِمَ الحديثُ منه؛ فهو مِن وضْع ابنِ عَلْوانَ كما ذهب إليه السُّيوطيُّ، وبهذا يتبيَّنُ ما في كلام شهاب الدين القَلْيوبي مِن نظرٍ، حيث نقل عنه الطَّهْطاويُّ ذِكْرَه لهذا الحديث في كتابه (البدور المنورة في معرفة رتبة الأحاديث المشتهرة)، بلفظ: ((لَا تَنْتِفُوا شَعَرَ الْأَنْفِ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْجُذَامَ، وَلَكِنْ قُصُّوهُ قَصًّا))، وقال: "ضعيف، وقيل: حسن (! )، ورُوي أنه: يُورِثُ الْأَكِلَةَ" (حاشية الطهطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٤٢).
والحديث ذكره العَجْلُوني في (كشف الخفاء ٢/ ٤٤٤)، مشيرًا إلى أنه لا يثبُتُ، فقال: "ومما لم يثبتْ ما أخرجه الدَّيْلَميُّ عن أنس ... "، فذكر حديثًا، ثم قال: "ومنه ما رُوي عن عبد الله بن (بُسْر) من النهيِّ عن نتْف الشعرِ من الأنف؛ فإنه يُورِثُ الْأَكِلَةَ ... "، لكن عزاه النجم للدَّيْلَمي، ولم يتعقَّبْه".
[تنبيه]:
ذكر ابن حَجَر تحت هذا البابِ حديثَ: "نَبَاتُ الشَّعَرِ فِي الْأَنْفِ، أَمَانٌ مِنَ الْجُذَامِ" (المطالب ٢٤٩٧)، وربما نُوزِع في ذلك؛ فقد قال المُناوي: "دلالةُ ذلك إنما هي على أن صحَّة مَنبِتِ باطنِ الأنف لا يجامعُها الجُذامُ، فإنه يُسقط شعرَه، وحُدوثُه فيه يدلُّ على عدم فساد المَنبِت، فما دام فيه فالمنبِتُ صحيحٌ، والعلةُ منتفيةٌ" (الفيض ١/ ١٩٩).
وعلى كلٍّ، فسيأتي تخريجُ الحديث المذكورِ في موضعه من الموسوعة إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 4617
١٦١ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي حَلْقِ الْقَفَا
١٠٦١ - حَدِيثُ عُمَرَ:
◼ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا [بِالْمُوسَى] إِلَّا لِلْحِجَامَةِ)).
[الحكم]: منكر، قاله ابن عَدِي- وأقرَّه ابنُ القَيْسَراني والإشْبيليُّ وابنُ القَطَّان-، وهو ظاهر صنيع أبي حاتم وأبي زُرْعة وابنِ حِبَّانَ والبَيْهَقيِّ. وضعَّفه السُّيوطي والألباني.
[الفوائد]:
قال إسحاق بن منصور الكَوْسَج: سألتُ أحمدَ عن حلق القفا؟ فقال: "لا أعلمُ فيه حديثًا، إلا ما يُروَى عن إبراهيمَ أنه كرِه" (مسائل أحمد وإسحاقَ رواية الكَوْسج ٣٤٨٨)، (الترجُّل للخلال ٧٣).
وقال أبو بكر المَرْوزي: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بنَ حَنْبل-: يُكره للرجل أن يحلق قفاه أو وجهَه؟ فقال: "أما أنا فلا أَحْلِق قفاي، وقد رُوي فيه حديثٌ مرسَلٌ عن قتادةَ (١) فيه كراهيةٌ، قال: إن حلْق القفا مِن فعل
стр. 4618
المجوسِ، ورُخِّص في وقت الحجامة" (الورع للمروزي ٥٨٧)، (الترجل للخلال ٧٥).
وعلى فرْض صحتِه، قال الطبراني: "معناه عندي- والله أعلم-: أنه ﵇ استقبح أن يُفْرَد حلْقُ القفا دون حلْقِ الرأس" (المعجم الصغير ١/ ١٦٦).
وقال ابن عبد البر: "كان مالكٌ ﵀ يكره حلْقَ القفا، وما أدري إنْ كان كرِهه مع حلْق الرأس أو مفردًا، وهذا ليس من شرائع الأحكام، ولا من الحلال والحرام، والقول في حلْق الرأس يُغْني عن القول في حلْق القفا، والقول في ذلك واحدٌ عند العلماء، والله أعلم. وقد يجوز أن تكون كراهيةُ مالكٍ لحلْق القفا هو أن يُرفَع في حلْقه حتى يُحلَق بعضُ مؤخَّرِ الرأس على ما تصنعه الرومُ، وهذا تشبُّهٌ؛ لِأنَّا قد رُوِّينا عن مالك أنه قال: أول مَن حلق قفاه عندنا دراقس النصراني" (التمهيد ٦/ ٧٩).
[التخريج]:
[طس ٢٩٦٩ "واللفظ له" / طص ٢٦١ / طش ٢٦٧١ / معر ٦٤٦ / مجر (١/ ٤٠١) / عد (٥/ ٤٧٥) "والزيادة له ولغيره" / أصبهان (١/ ٣٩٨)، (٢/ ٢٠٧ - ٢٨٠) / كر (٥٦/ ٢٠٤)، (٧١/ ٣١٤)، (٧٣/ ١٤) / حلب (٤/ ١٨١٣)]
[التحقيق]: انظر الكلامَ عليه بعد الرواية التالية.
стр. 4619
رِوَايَة: ((حَلْقُ الْقَفَا مِنْ غَيْرِ حِجَامَةٍ مَجُوسِيَّةٌ))
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((حَلْقُ الْقَفَا مِنْ غَيْرِ حِجَامَةٍ مَجُوسِيَّةٌ)).
[الحكم]: ضعيف جدًّا، وضعَّفه الألباني.
[التخريج]: [معر ٦٤٦ "واللفظ له" / كر (٥٦/ ٢٠٤)].
[التحقيق]:
هذا الحديث مدارُه على قَتادةَ، ورُوي عنه على عدة أوجُهٍ:
الوجه الأول: رُوي عن قتادةَ، عن الحسن، عن أنس، عن عُمر بن الخطاب ... به.
أخرجه الطبراني في (الأوسط)، وفي (الصغير)، وفي (مسند الشاميين)، - ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخه ٧١/ ٣١٤)، وابن العَدِيم في (تاريخ حلب) - قال: حدثنا إسماعيل بن قيراط الدمشقي، حدثنا سُلَيْمان بن عبد الرحمن ابن بنت شُرَحْبيل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، به.
ورواه ابن عَدِي في (الكامل): من طريق عباسٍ الخَلَّال، عن سُلَيمان بن عبد الرحمن، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن بَشير، عن قتادة ... به.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه سعيد بن بَشير؛ وهو ضعيفٌ خاصَّةً في قَتادةَ، وانظر (تهذيب التهذيب ٤/ ١٠)، و (التقريب ٢٢٧٦).
وذكره ابن حِبَّان في ترجمته من (المجروحين ١/ ٤٠٠)، فكأنه يراه من
стр. 4620
مناكيره، وتَبِعه ابن طاهر المقدسي فذكره في (تذكرة الحفاظ ٩٣٤) وقال: "رواه سعيد بن بَشِير، عن قتادةَ ... وسعيدٌ ضعيفُ الحديث في قَتادة".
واستدل به البَيْهَقي في (الخلافيات) على ضعْف سعيد بن بَشير؛ حيث ذكره مع عدة أحاديثَ أخرى تفرَّد بها سعيدٌ، ثم قال: "وفي هذا غُنْيَةٌ لمن تدبَّره على ضعْف حالِه" (مختصر الخلافيات ١/ ٢٥٥).
وذكره ابن عَدِي أيضًا في ترجمة سعيد، ثم قال: "وهذا لا يرويه عن قتادةَ غيرُ سعيد بن بَشير، وهو متْنٌ منكَر عن سعيد، رواه الوليد بن مسلم" (الكامل ٥/ ٤٧٦)، وأقرَّه ابن طاهر المقدسي في (ذخيرة الحفاظ ٥٨٣٢)، وعبدُ الحق الإشْبيلي في (الأحكام الوُسطى ٤/ ٢٠٣)، وأقرَّه ابنُ القَطَّان، وزاد علةً أخرى، وهي سُلَيْمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ابن بنت شرحبيل، فقال: "ولم يبيِّن - يعني: الإشْبيليَّ- أنه من رواية سُلَيْمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ابن بنت شرحبيل، عن الوليد بن مسلم، عنه، وسُلَيْمان مغفَّل" (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٢٢٣).
ولمَّا سأل ابنُ أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، قال: "هذا حديث كذِبٌ بهذا الإسناد! يمكن أن يكون دخل لهم حديثٌ في حديث، ورأيتُ هذا الحديثَ في كتاب سُلَيْمانَ بن شُرَحْبيل، فلم أكتبه، وكان سُلَيْمان عندي في حَيِّزٍ، لو أن رجلًا وَضَعَ له لم يَفْهَم" (العلل ٢٤٦٢). وأقرَّه أبو موسى المَدِيني في (اللطائف ص ٩٩).
وقال أبو زُرْعة الرازيُّ: "باطلٌ، ليس هذا من حديث الوليد" (سؤالات البَرْذَعي له ٤٧٢).
قلنا: كأنهما يشيران إلى أن هذا الحديث مما أُدخل على سُلَيْمان بن
стр. 4621
عبد الرحمن، لكن قد تُوبِع سُلَيْمانُ على روايته هذه من إبراهيمَ الحَوْرَاني، ومحمد بنِ أبي السَّري، كما عند ابن حِبَّان في (المجروحين ١/ ٤٠١)، كلاهما عن الوليد، به، والله أعلم.
قلنا: وقتادة والحسن، معروفان بالتدليس، وقد عنعنا.
الوجه الثاني: رُوي عن قَتادةَ، عن أنس، عن عُمر، به، بدون ذكر الحسن.
ذكره ابن أبي حاتم في (العلل ٢٤٦٢)، والبَرْذَعي في (سؤالاته لأبي زُرعة ٢/ ٥٤): من رواية سُلَيْمان بن عبد الرحمن، عن الوليد بن مسلم، عن قتادة ... به.
وهذا الإسناد هو إسنادُ الوجه السابقِ نفْسُه، إلا أنه سقَطَ منه ذِكرُ "الحسن"، فهذا خلافٌ على سُلَيْمان بن عبد الرحمن، فهو ضعيف كسابقه.
الوجه الثالث: رُوي عن قتادة، عن الحسن، عن عُمر بن الخطاب، مرفوعًا، بلفظ: ((حَلْقُ الْقَفَا مِنْ غَيْرِ حِجَامَةٍ مَجُوسِيَّةٌ)). هكذا بإسقاط أنس.
أخرجه ابن الأعرابي في (معجمه تحت رقم ٦٤٦) - ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخه ٥٦/ ٢٠٤) -: عن محمد بن الوليد، عن محمد بن أبي السَّري العسقلاني، قال: نا عُمر بن عبد الواحد، عن رَوْح بن محمد، عن قتادة ... به.
قال ابن أبي السَّري: فذكرْتُه للوليد، فقال: حدثنا رجل، عن قتادة، عن الحسن، عن عُمر بن الخطاب، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا مِنْ غَيْرِ حِجَامَةٍ)).
قال ابن أبي السَّري: "فكنا نرى أن الوليد دلَّسه عن عُمر بن عبد الواحد".
стр. 4622
وهذا إسناد ضعيف؛ مسلسَلٌ بالعِلل:
الأولى: الانقطاع؛ فإن الحسن البصري لم يدرِكْ عُمر بنَ الخطاب، فقد وُلد لسنتين بَقِيَتا من خلافة عُمرَ. انظر (الطبقات الكبرى لابن سعد ٩/ ١٥٧).
وبها أعلَّه الألباني، فقال: "منقطع؛ لأنه- أي: الحسن- لم يسمع منه" (الضعيفة ٣٤٩٦).
الثانية: رَوح بن محمد؛ لم نقف له على ترجمة، سوى أن المِزِّي ذكره في شيوخ عُمر بن عبد الواحد (التهذيب ٢١/ ٤٤٨).
ولذا قال الألباني: "لم أعرفْه" (الضعيفة ٣٤٩٦).
الثالثة: محمد بن الوليد الرَّمْلي؛ ترجم له ابنُ عساكر في (تاريخه ٥٦/ ٢٠٤)، والذهبيُّ في (تاريخ الإسلام ٦/ ٨٣٠)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
والحديث رمز لضعفه السُّيوطي في (الجامع الصغير ٩٤٦٢)، وصرَّح بذلك في (الجامع الكبير / مسند عمر ٤٢٧).
وضعَّفه الألباني بلفظَيْه في (الضعيفة ٣٤٩٦، ٤٧٢٧).
[تنبيهان]:
الأول: اقتصر السُّيوطيُّ في عزوه الحديثَ في (الجامع الصغير) على ابن عساكرَ، فتعقَّبه المُناويُّ في (فيض القدير ٣/ ٣٩٦) فقال: "ظاهر صنيعِ المصنِّف أنه لم يَرَهُ مخرَّجًا لأحد من المشاهير الذين وَضع لهم الرموزَ، مع أن الطبراني والدَّيْلميَّ خرَّجاه باللفظ (المذكور)، فكأنه ذَهَلَ عنه". وتبِعه
стр. 4623
الصَّنْعاني في (التنوير ٥/ ٣٧٩).
قلنا: كذا قال، وفيه نظرٌ؛ فلم يخرِّجْه بهذا اللفظِ سوى ابنِ الأعرابي في (معجمه)، ومن طريقه رواه ابن عساكر، أما الطبرانيُّ فبغير هذا اللفظ.
الثاني: عزاه السُّيوطي هذا الحديثَ في (الجامع الكبير / مسند عمر ٤٢٧) للطبراني في الأوسط وابنِ عساكرَ، وزاد: ابنَ مَنْدَه في غرائب شُعبة، وابنَ النَّجَّار، كلُّهم من حديث عُمر.
وتصحَّف في المطبوع من (كَنز العمال ١٧٣٧٥) إلى: "عن عليٍّ"!
стр. 4624
١٠٦٢ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا إِلَّا فِي الْحِجَامَةِ)).
[الحكم]: منكَر، وأنكره الدارَقُطْني، وأبو موسى المَدِينيُّ.
[التخريج]:
[قطغ (لسان ٧/ ٥٥٢) / مديني (لطائف ١٥٧، ١٥٨)].
[السند]:
أخرجه الدارَقُطْني في (غرائب مالك) - كما في (لسان الميزان) -، ومن طريقه أبو موسى المَدِيني في (اللطائف ١٥٧)، قال: حدثني أحمد بن محمد اليَامُوري، حدثنا جعفر بن محمد الحسَني، حدثنا محمد بنُ نَهَار، سمِعتُ الرِّيَاشي، سمِعتُ الأصمعيَّ قال: كنت عند مالك فدخل الأَوْزاعيُّ، فقال له مالك: حديثٌ تَرويه عن يحيى بن أبي كثير في حلْق القفا, فحدَّث عن يحيى، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة ... به.
وأخرجه أبو موسى المَدِيني في (اللطائف ١٥٧) أيضًا: من طريق آخَرَ، عن عليِّ بن سِراج، عن محمد بن نَهَار، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف منكَر؛ آفتُه محمد بن نهار، وبه ضعَّفه الدارَقُطْني، فقال: "هذا باطلٌ لا يصحُّ عن مالك، ولا عن الأوزاعي، ومحمد بن نَهار ضعيفٌ" (لسان الميزان ٧٥٠٦).
وقال أبو موسى: "هذا حديث غريبٌ بهذا الإسناد، لم يروِه إلا محمدُ بن
стр. 4625
نَهار، وليس بالقوي" (اللطائف ١٥٧).
قلنا: وقد وقفنا له على إسنادٍ آخَرَ عن الأوزاعي؛
قال أبو موسى المَدِيني في (اللطائف ١٥٨): ويُروَى بسندٍ آخَرَ عن الأوزاعي: أخبرنا أحمد بن محمد بن فَضْلُويه- فيما أَذِن لي وكتبْتُه من خطه-، أنا أحمد بن محمد بن أحمد الأديب، أنا عليُّ بن أحمد بن مِهران الصَّحَّاف المَدِيني، أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن شزرة الخطيب المَدِيني، ثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم المَدِيني إملاءً سنة عشرين وثلاثمائة، حدثني أبو سعيد الحسن بن عليٍّ العَدَوي ببغدادَ، ثنا عثمان بن عَمرو الدَّبَّاغُ، ثنا ابن عُلَاثة، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة ﵁، به.
وهذه إسناد تالفٌ بمَرَّة؛ فيه أبو سعيد الحسن بن علي العَدَويُّ الملقَّبُ بالذِّئْب، وهو كذاب وضَّاع؛ قال عنه ابن حِبَّان: "يروي عن شيوخٍ لم يَرَهم، ويضع على مَن رآهم الحديثَ ... حدَّث عن الثقات بالأشياء الموضوعاتِ ما تَزيد على ألف حديثٍ سوى المقلوباتِ" (المجروحين ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، وقال ابن عَدِي: "كان يضع الحديث، ويسرق الحديث، ويُلزِقه على قوم آخرين، ويحدِّث عن قوم لا يُعرَفون، وهو متَّهم فيهم أن الله لم يخلقهم ... وحدَّث عنهم عن الثقات بالبواطيل ... وعامَّةُ ما حدَّث به العدويُّ- إلا القليلَ- موضوعاتٌ" (الكامل ٣/ ٥٤٨، ٥٥٧ - ٥٥٨)، وقال الدارَقُطْني: "متروك" (سؤالات السَّهْمي ٢٥٣)، وقال الذهبي: "جريءٌ على وضع الأسانيد والمتون" (تاريخ الإسلام ٧/ ٣٥٣).