[السند]:
أخرجه الطيالسيُّ في (مسنده) -ومن طريقه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٤٥) - عن شعبة عن عمرو بن عامر قال: سألت أنسًا ﵁ ... فذكره بنحوه.
ورواه النسائيُّ في (الصغرى ١٣١، والكبرى ١٦٨)، وأحمدُ في (المسند ١٣٠١٧)، وابنُ خُزيمةَ في (صحيحه)، وغيرُهُم من طرقٍ عن شعبةَ به.
ومدارُ إسنادِهِ عند الجميعِ على شعبةَ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ.
ولذا صَحَّحَهُ ابنُ خُزيمةَ، وقال الحازميُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ على شرطِ أبي داود، وأبي عيسى، وأبي عبد الرحمن، أخرجوه في كتبهم" (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ، صـ ٥٣).
قلنا: بل على شرطِ البخاريِّ، وقد أخرجه البخاريُّ في (صحيحه) كما سبقَ؛ ولذا قال مغلطاي: "وأما تحسين الحازمي حديث عمرو بن عامر، وعَزْوه إيَّاه إلى أصحاب السنن- فذهولٌ شديدٌ عن ذكره من كتابِ البخاريِّ" (شرح ابن ماجه ٢/ ١١٢).
والحديثُ صَحَّحَهُ العلامةُ أحمد شاكر في (تحقيق تفسير الطبري ١١٣٣٦)، والألبانيُّ في (صحيح النسائي ١٣١)، و (صحيح أبي داود- الأم ١/ ٣٠٥).
[تنبيه]:
وقع تصحيفان في المطبوع من ذكر الأقران لأبي الشيخ:
الأول: في شيخه، حيث جاء فيه: "سليمان بن عصام"، والصواب:
стр. 6548
"سلم بن عصام" كما في الأصل الخطي (ق ٣٧/ ب).
والثاني: في شيخ عبيد الله بن سعد، حيث جاء فيه: "عن عمر"، والصواب: "عن عمي" كما في المخطوط -أيضًا-.
رِوَايَةُ: «كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ».
• وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ: « ... كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ ... ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون قوله: «طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ» فمنكرٌ.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، وأعلَّهُ: البخاريُّ، والترمذيُّ.
وَضَعَّفَهُ: ابنُ الملقنِ، والمباركفوريُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]: [ت ٥٩ (واللفظ له) / عتب (صـ ٥٣)].
[السند]:
أخرجه الترمذي -ومن طريقه الحازميُّ في (الاعتبار) -: عن محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن حميد عن أنس به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأولى: محمد بن حميد الرازي، متهمٌ. انظر (ميزان الاعتدال ٣/ ٥٣٠).
стр. 6549
الثانية: سلمة بن الفضل؛ قال عنه الحافظ: "صدوقٌ، كثيرُ الخطأ" (التقريب ٢٥٠٥).
وقد أخطأَ في سندِهِ ومتنِهِ:
أما السند: فقد خالفه إبراهيم بن سعد، فرواه عن ابن إسحاق قال: حدثني شعبة عن عمرو بن عامر عن أنس به.
رواه أبو الشيخ في (ذكر الأقران ٣٠٦)، وأبو موسى المديني في (اللطائف ٣٥٩) من طرق عن عبيد الله بن سعد عن عمه عن أبيه إبراهيم بن سعد به.
وأما المتن: فقد زاد فيه زيادة: «طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ»، لم يأتِ بها غيرُهُ، فهذه الزيادةُ من مناكيره.
ولذا قال الترمذيُّ عقبه في (السنن): "حديثُ حُميدٍ عن أنسٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجهِ، والمشهورُ عند أهلِ الحديثِ حديث عمرو بن عامر الأنصاري عن أنسٍ".
وقال في (العلل): سألتُ محمدًا عن هذا الحديث، فقال: "لا أدري ما سلمة هذا، كان إسحاق يتكلَّم فيه، ما أروي عنه. ولم يَعرفْ محمدٌ هذا من حديثِ حُميدٍ" (العلل الكبير للترمذي ٢٩).
قال ابن الملقن: "ولم يعرفه البخاريُّ من هذا الوجه وجَهَّل راويه! " (التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤/ ٣٨٧).
قلنا: كذا قال، والبخاريُّ لم يرد تجهيل سلمة فهو مشهورٌ معروفٌ، ولكن البخاري يتعجبُ من نكارةِ حديثِهِ، كيف وقد نقلَ عن إسحاقَ أنه يتكلَّم فيه، وترجمَ له في (التاريخ الكبير ٤/ ٨٤) وقال: "عنده مناكير. وهنه عليٌّ".
стр. 6550
بينما أعلَّه المباركفوريُّ بعنعنةِ ابنِ إسحاقَ، فقال: تفرَّدَ به محمد بن إسحاق، وهو مدلسٌ، ورواه عن حميدٍ معنعنًا"! (تحفة الأحوذي ١/ ١٥٨)
وقال الألبانيُّ: "وسندُهُ ضعيفٌ؛ لعنعنةِ ابنِ إسحاقَ، ولأن شيخَ الترمذيِّ فيه محمد بن حميد الرازي ضعيفٌ" (صحيح أبي داود ١/ ٣٠٥).
رِوَايَةُ مُخْتَصَرًا
• وَفِي رِوَايَةٍ: سَأَلْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ، عَنِ الوُضُوءِ، فَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ [كُلَّهَا] (خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بِوُضُوءٍ (بِطُهُورٍ) وَاحِدٍ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ بما سبقَ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ.
وَصَحَّحَهُ لغيرِهِ: الألبانيُّ.
[التخريج]:
[د ١٧١ (واللفظ له) / جه ٥١٣ (والزيادة له) / حم ١٢٥٦٥ (والروايتان له) / ص (كبير ١٩/ ٢٠٠) / سرج ٣٤٦/ مخلص ٥١٨/ ناسخ ٨٦/ تمهيد (١٨/ ٢٣٩)].
[التحقيق]:
له طريقان عن أنسٍ:
الأول:
رواه سعيد بن منصور في (سننه) كما في (جمع الجوامع للسيوطي ١٩/
стр. 6551
٢٠٠) قال: حدثنا شريك بن عبد الله عن عمرو بن عامر عن أنس به.
ورواه أحمد، وأبو داود في (سننه)، وابن ماجه، وغيرهم، من طرقٍ عن شَريكٍ به.
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات غير شريك بن عبد الله النخعي، قال الحافظ: "صدوقٌ، يُخطئُ كثيرًا، تغيَّرَ حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة" (التقريب ٢٧٨٧).
قال الألبانيُّ: "وهذا إسنادٌ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ، غير أن شريكًا -وهو ابنُ عبد الله القاضي-كان سيئَ الحفظِ؛ لكنه لم يتفردْ به كما يأتي، فدلَّ ذلك على أنه قد حَفِظَ؛ فالحديثُ صحيحٌ" (صحيح أبي داود ١/ ٣٠٤).
الطريق الثاني:
رواه ابنُ شاهينَ في (ناسخ الحديث ٨٧)، "والسياق له"، وأبو طاهر المخلص في (المخلصيات ٥١٨): عن عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حميد الطويل، عن أنسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قُلْتُ لأَنَسٍ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ؟ قال: نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بالوُضُوءِ الوَاحِدِ مَالم نُحْدِثْ.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عللٌ، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ عليه في الروايةِ السابقةِ.
стр. 6552
رِوَايَةُ: إِنَّا لَنَحْفَظُ وُضُوءًا وَاحِدًا
• وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ: إِنَّا لَنَحْفَظُ وُضُوءًا وَاحِدًا».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا بهذا السياقِ.
[التخريج]: [ثوري ٣١٧].
[السند]:
قال محمد بن إسماعيل الفارسيُّ -راوي نسخة الثوري-: حدثني عبد الله بن الحسين المصيصي، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان عن عمرو بن عامر عن أنسٍ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ آفته: عبد الله بن الحسين المصيصي، قال ابن حبان: "يقلبُ الأخبارَ ويسرقُهَا، لا يجوزُ الاحتجاج به إذا انفردَ"، وذكر له بعضَ مناكيره، وقال: "هذا كتبناها عنه في نسخةٍ أكثرها مقلوبة" (المجروحين ٢/ ١٠ - ١١). وانظر (إرشاد القاصي والداني ٥٧٠).
стр. 6553
١٥٣٩ - حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللِهِ
◼ عَنِ الفَضْلِ بنِ مُبَشِّرٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، [فَإِذَا بَالَ أَوْ أَحْدَثَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِفَضْلِ طَهُورِهِ الخُفَّيْنِ]، فَقُلْتُ: [أَبَا عَبْدِ اللَّهِ] مَا هَذَا [أَشَيْءٌ تَصْنَعُهُ بِرَأْيِكَ]؟ فَقَالَ: (([بَلْ] رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ هَذَا، فَأَنَا أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
• وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ عَلَى ظُهُورِهِمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً إِلَى فَوْقُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا، وقَالَ: ((وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصْنَعُهُ، فَأَنَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُه)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وَضَعَّفَهُ: البوصيريُّ.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [جه ٥١٥ (واللفظ له) / طبر (٨/ ١٥٦) (والزيادات له)].
تخريج السياق الثاني: [منذ ٤٧٤ (واللفظ له) / حرب (طهارة ٢٧٦)].
[السند]:
قال ابن ماجه: حدثنا إسماعيل بن توبة، قال: حدثنا زياد بن عبد الله، قال: حدثنا الفضل بن مبشر، به.
ورواه الطبري في (تفسيره) قال: حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال، أخبرنا زياد بن عبد الله البكائي، به.
ورواه ابن المنذر: عن علي بن عبد العزيز، ثنا زكريا بن زحمويه، ثنا
стр. 6554
زياد بن عبد الله البكائي، ثنا الفضل بن مبشر، قال: رَأَيْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَتَوَضَّأُ ... الحديث.
ورواه حرب الكرماني في (مسائله) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الجزري، قال: ثنا زياد بن عبد الله، بسنده نحوه.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: الفضل بن مبشر؛ ضَعَّفَهُ جمهورُ النقادِ، انظر (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٨٥). ولذا قال ابن حجر: "فيه لين" (التقريب ٥٤١٦).
وبه ضَعَّفَ الحديثَ البوصيريُّ؛ فقال: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ الفضل بن مبشر ضَعَّفَهُ الجمهورُ" (مصباح الزجاجة ٢١٠).
الثانية: زياد بن عبد الله البكائي؛ ضعيفٌ إلَّا في روايته المغازي عن ابنِ إسحاقَ، كما ذهب إليه ابن معين وغيره، وفي (التقريب ٢٠٨٥): "صدوقٌ ثبتٌ في المغازي، وفي حديثِهِ عن غير ابنِ إسحاقَ لين". وهذا الحديثُ من غير روايته عن ابنِ إسحاقَ.
* * *
[الفوائد]:
قال بدرُ الدينِ العينيُّ:
"١ - قوله: ((أَرَأَيْتَ)) بمعنى: أخبِرني عن توضؤ ابن عمر.
٢ - قوله: ((طَاهِرًا)) حال من ابن عمر.
٣ - قوله: ((عَمَّ ذَلِكَ)) أصله: عن ما ذلك؟ وهو استفهامٌ، والمعنى: لأجل أي شيء كان توضؤه لكل صلاةٍ طاهرًا كان أو محدثًا.
٤ - قوله: ((فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ)) أي: قال عبد الله بن عبد الله. والضميرُ المنصوبُ في ((حَدَّثَتْهُ)) راجعٌ إليه، وفي بعضِ النسخِ: ((حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ))، والضميرُ المنصوبُ في ((حَدَّثَهَا)) راجعٌ إلى أسماءَ.
٥ - قوله: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُمَرَ بِالوُضُوءِ)) على صيغةِ المجهولِ، يعني: أمره اللهُ به.
٦ - قوله: ((فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ)) أي: لما ثقل التوضؤ لكلِّ صلاةٍ طاهرًا وغير طاهر على رسول الله ((أُمِرَ بِالسِّوَاكِ)) أي: باستعمالِهِ؛ لأن نفسَ السِّوَاكِ لا يؤمر به، وإنما يؤمر باستعماله، و ((أُمِرَ)) هذا أيضًا مجهولٌ.
٧ - قوله: ((يَرَى أَنَّ بِهِ قُوةً)) أي: يظنُّ أن به قُوةً يتحملُ الوضوء لكلِّ صلاةٍ طاهرًا كان أو غير طاهر" (شرح سنن أبي داود ١/ ١٥١ - ١٥٢).
[التخريج]:
[د ٤٨ (واللفظ له) / حم ٢١٩٦٠ (والزيادتان له ولغيره) / مي ٦٧٦/ خز ١٥، ١٤٨/ حب (حبير ١/ ١١٢ - ١١٣) (١) / ك ٥٥٦/ هق ١٦١/
رِوَايَةُ فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: (( ... أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأمُرُ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ [عَلَى طُهْرٍ وَعَلَى غَيْرِ طُهْرٍ]، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)).
[الحكم]: ضعيفٌ.
[التخريج]:
]
بز ٣٣٧٨، ٣٣٨٢ (واللفظ له) / هق ١٦١/ ضيا ٢٢٧ (والزيادة له ولغيره) / كما (١٤/ ٤٣٨) / فة (١/ ٢٦٣) [.
[التحقيق]:
هذا الحديثُ مدارُ إسنادِهِ على محمد بن إسحاق، وقد اختُلفَ عليه في إسنادِهِ ومَتْنِهِ اختلافًا كبيرًا على النحوِ التالي:
فرواه عنه جماعةٌ، وهم:
الأول: أحمد بن خالد الوهبيُّ، واختُلفَ عليه،
فرواه أبو داود في (سننه ٤٨) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبير ١٥٨) -، وابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٢٢٤٧) عن محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، قال: ((قلتُ: أَرَأَيْتَ تَوَضُّؤَ ابنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا، وَغَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْنِيهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ حَنْظَلَةَ بنِ أَبِي عَامِرٍ، حَدَّثَهَا ... )) بمتن الرواية الأولى.
стр. 6559
فالظاهرُ من هذه الرواية أن أسماء بنت زيد حَدَّثَتْ عبد الله بن عبد الله بن عمر به. وليس ابن عمر الصحابي، وعليه يُحمل عمل المزي حيثُ ذكر أسماءَ فيمَن روى عنه عبد الله بن عبد الله بن عمر (تهذيب الكمال ١٥/ ١٨١)، وأقرَّه العراقيُّ في (التقييد والإيضاح، صـ ٧٨).
وقد تابع محمد بن عوف على قوله هذا أبو زرعة الدمشقي وأحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، كما في (الأحاديث المختارة للضياء ٢٢٧)،
ولكن المزي ذكره في (تهذيب الكمال ١٤/ ٤٣٨)، وقال فيه: ((حَدَّثَتْهُ)).
وقد خالفَ أبو زرعة والحوطيُّ: محمدَ بنَ عَوفٍ في متنه فقالا فيه: «فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِمْ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلاةٍ».
والمخالفةُ في ذلك أن روايةَ محمد بن عوف قد بَيَّنَ فيها أن التخفيفَ كان لرسولِ اللهِ ﷺ ، وجاءَ فيه الأمر مبنيًّا للمجهولِ، بينما في هذه بَيَّنَ أن النبيَّ ﷺ هو مَن أَمَرَ بالتخفيفِ.
قلنا: وقد روى الحديثَ الدارميُّ في (مسنده ٦٧٦)، وابنُ خزيمةَ في (صحيحه ١٥، ١٣٨) عن محمد بن يحيى الذهليِّ.
كلاهما (الدارمي، والذهلي) عن أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قلت: أَرَأَيْتَ تَوَضُّؤَ ابنِ عُمَرَ ﵄ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا، أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّ ذَلِكَ؟ قَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، به.
ففي هذا أن أسماءَ حَدَّثَتْ بِهِ ابن عمر الصحابي، ووافقا محمد بن عوف في متنه.
стр. 6560
ورواه كذلك الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار، وأحكام القرآن) عن إبراهيم بن أبي داود، واضطربتِ النسختان: ففي الأُولى قال: ((حَدَّثَتْنِيهِ))، وفي الأحكام، قال: ((حَدَّثَتْهُ)).
قلنا: قد جاءتْ رواية مبينة لمن حدثته أسماء، وأنه عبد الله بن عمر الصحابي وليس ابنه، عند ابن منده في معرفة الصحابة كما في (جمع الجوامع للسيوطي ٧/ ١٨٣) -ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) - فقال: أنا عبد الرحمن بن عبد الله البجلي، نا عبد الرحمن بن عمرو بن صفوان، نا أحمد بن خالد الوهبي عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن أسماء بنت زيد بن الخطاب عن عبد الله بن حنظلة، أن النبيَّ ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».
فوافق ابن صفوان الأكثرين على كون ابن عمر الصحابي هو مَن حَدَّثَتْهُ أسماء، وخالفَ الجميع في متنه فقال فيه: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».
قلنا: ومدار هذه الطرق على محمد بن إسحاق، وهو مدلسٌ، وقد عنعن في كلِّ الطرق.
ولذا قال النوويُّ: "هو حديثٌ ضعيفٌ، فيه محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى. وقد اختلفوا في توثيق ابن إسحاق مع اتفاقهم على أنه مدلسٌ، والمدلسُ إذا قال: (عن) لا يُحتجُّ به، والله أعلم" (الإيجاز في شرح سنن أبي داود، صـ ٢١٨).
وكذا قال العراقيُّ في (طرح التثريب ٢/ ٧٠)، والقسطلانيُّ في (المواهب
стр. 6561
اللدنية ٢/ ٣١٥)، وأقرَّه الزرقانيُّ في (شرح المواهب ٧/ ١١٧)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٢٦٥).
الثاني: يونس بن بكير، واختُلفَ عليه:
فرواه عبيد بن يعيش عنه قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، قَالَ: ((قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ ابنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلاةٍ طَاهِرًا أَو غَيْرَ طَاهِرٍ عَنْ مَا هُوَ؟ قال: أَخْبَرَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ حَنْظَلَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمرَ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَو غَيرَ طَاهِرٍ)).
أخرجه الحازميُّ في (الاعتبار، صـ ٥٣)، وقال: هكذا رواه مختصرًا، ثم ذكر متابعة أحمد بن خالد عند أبي داود، ثم قال: "وهو حديثٌ حسنٌ على شرطِ أبي داود، أخرجه في كتابه عن محمد بن عوف الطائي الحمصي، عن أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق.
مع أن رواية يونس هذه فيها مخالفة صريحة لرواية أبي داود في المتن، حيثُ ذكر فيها أن النبيَّ ﷺ هو الآمرُ بالوضوءِ والتخفيفِ.
وقد بَيَّنَ ذلك البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٥/ ٦٧ معلقًا) فقال: قال عبيد بن يعيش بسنده قال: ((أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَو غَيرَ طَاهِرٍ)).
وفيه مخالفة أيضًا في سنده حيث ذكر عبد الله بن عبد الله بن عمر أن أسماء أخبرت به عبد الله بن عمر الصحابي ﵁.
وقد جاء ذلك مبينًا عند أبي موسى المديني في (اللطائف من دقائق المعارف ٣٠٧) فرواه من طريق عبد الكريم بن الهيثم، ثنا عبيد بن يعيش،
стр. 6562
ثنا يونس -يعني ابنَ بُكيرٍ-، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵄، عن أسماء بنت زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن حنظلة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».
ثم قال: "هذا حديثٌ ثابتٌ أخرجه أبو داود السجستاني ﵀ في (سننه)، واختُلفَ في إسنادِهِ على وجوهٍ".
قلنا: ومداره -أيضًا- على ابنِ إسحاقَ، وهو مدلسٌ، وقد عنعن كما تَقَدَّمَ.
الثالث: إبراهيم بن سعد، واختُلفَ عليه:
فرواه أحمد في (مسنده ٢١٩٦٠) -ومن طريقه الضياء في (المختارة ٢٢٨) -، والحاكم في (المستدرك ٥٦٤) عن يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري، ثم المازني مازن بني النجار، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قلتُ له: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّ هُوَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ حَنْظَلَةَ بنِ أَبِي عَامِرِ الغَسِيلِ، حَدَّثَهَا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَو غَيرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنْهُ الوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ».
وتابع أحمد عليه: محمد بن منصور، ومحمد بن شوكر، كما عند ابن خزيمة في (صحيحه ١٥).
وكذا تابعهم: عبد الله بن أبي زياد القَطَواني كما عند الطبري في (تفسيره
стр. 6563
١١٣٢٨)، ولكنه ذكر فيه أن أسماء حَدَّثَتْ بِهِ عبيد الله بن عمر وليسَ أَبَاهُ.
وخالفهما: عمرو بن محمد الناقد كما عندَ البخاريِّ في (التاريخ الكبير ٥/ ٦٧ معلقًا) فقال في سنده عبد الله بن عبد الله بن عمر، واختصرَ مَتْنَهُ فقال: ((أمر بالوضوء ثم ترك بعد)).
وتابعه: إبراهيم بن سعيد الجوهريُّ كما عند البزار في (مسنده ٣٣٧٨، ٣٣٨٢) ولكن سقط ذِكْرُ عبد الله بن عبد الله بن عمر من الموضع الأول، ولفظه مخالفٌ لما رواه غيرُهُ حيثُ قال فيه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَتَرَكَ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ».
قال البزارُ عقبه: "وهذا الكلامُ لا نعلمُ أحدًا رواه عن النبيِّ ﷺ إلَّا عبد الله بن حنظلة بن الراهب".
قلنا: مداره على محمد بن إسحاق، وقد صرَّحَ بالتحديثِ كما عند أحمدَ وغيرِهِ؛ ولذا صَحَّحَهُ جمعٌ منَ العلماءِ؛ كابنِ خُزيمةَ حيثُ خرَّجه في (صحيحه).
وقال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ ولم يخرجاه".
وفي كونِهِ على شرطِ مسلمٍ نظر؛ إذ إن أسماء بنت زيد بن الخطاب لم يُخرجْ لها مسلمٌ، وكذلك عبد الله بن حنظلة، وابن إسحاق إنما خرَّجَ له مسلمٌ في المتابعاتِ.
ولذا قال الحافظُ ابنُ رَجبٍ: "وليسَ كما قالَ" (فتح الباري ٨/ ١٢٧).
وقال الزيلعيُّ: "وعبد الله بن عبد الله بن عمر وأخوه عبيد الله كلاهما ثقة، فأيًّا ما كان، فالسندُ صحيحٌ، وقد صرَّح ابن إسحاق فيه بالتحديث كما هو في رواية أحمد، فزالَ محذورُ التدليسِ" (تخريج الكشاف ١/ ٣٨١).
стр. 6564
وَصَحَّحَهُ: الحافظُ ابنُ كَثيرٍ في (تفسيره ٣/ ٤٥)، وابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٧/ ٤٣٦)، وأحمد شاكر في (تحقيق تفسير الطبري ١١٣٢٨).
وَحَسَّنَهُ: الحافظُ في (التلخيص ٣/ ٢٥٨)، وبدرُ الدينِ العينيُّ في (نخب الأفكار ١/ ٣٨٠)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ١/ ٨٣/ ٣٨).
قلنا: وهو كما قالوا لولا الاختلاف الشديد في سندِهِ ومتنِهِ المتقدم ذكره، وسيأتي مزيدٌ لذلك.
وقد رواه عبيد الله بن سعد عن عمِّه يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني شعبة عن عمرو بن عامر الأنصاري قال: سمعتُ أنس بن مالك يُحَدِّثُ أن رسولَ اللهِ ﷺ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فقلتُ لأَنسٍ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ قال: نعم. قُلْتُ: فَأَنْتُمْ؟ قال: كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.
فخالفَ الجميعَ في سندِهِ ومتنِهِ كما هو مبينٌ.
الرابع: سعيد بن يحيى اللخمي.
فرواه عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت له: أَرَأَيْتَ تَوَضَّأَ ابنُ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ عَمَّ ذَاكَ؟ قال: قال: حدثنيه أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ حَنْظَلَةَ بنِ أَبِي عَامِرٍ حَدَّثَنَا: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهرًا أَو غَير طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لكُلِّ صَلَاةٍ.
أخرجه الفسويُّ في (المعرفة ١/ ٢٦٣) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبير ١٥٨) -.
قلنا: خالف سعيدٌ اللخميُّ- أحمدَ ومن تابعه في سندِهِ حيثُ ذكرَ أن أسماءَ
стр. 6565
حَدَّثَتْ بِهِ عبيد الله بن عمر، وكذا في متنه حيث قال: ((فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ -أي: الصحابة- أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لكُلِّ صَلَاةٍ)).
وكذا عنعن فيه ابن إسحاق.
الخامس: سلمة بن الفضل.
أخرجه الطبري في (تفسيره ١١٣٢٩)، (واللفظ له)، وابن قانع في (معجمه) عن عبد الله بن أحمد. كلاهما (الطبري وعبد الله): عن محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانة قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري قال: ((قُلْتُ لعُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: أَخْبِرْنِي عَنْ وُضُوءِ عبدِ اللهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ... ثم ذكرَ نحوه.
فزادَ في سندِهِ محمد بن طلحة بن ركانة بين ابن إسحاق ومحمد بن يحيى.
ومحمد بن حميد متهمٌ ساقطٌ. انظر (ميزان الاعتدال ٣/ ٥٣٠).
وسلمة بن الفضل الأبرش: "صدوقٌ، كثيرُ الخطأِ"، كما في (التقريب).
ولكن تابع سلمةَ عليُّ بنُ مجاهدٍ:
أخرجه أبو نعيم في (السواك) -كما في (الإمام لابن دقيق ١/ ٣٥٣) -: عن ابن هارون، عن جعفر الفريابي، عن محمد بن حميد، عن سلمة بن الفضل، وعلي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، به.
فرجع هذا الطريق أيضًا إلى محمد بن حميد الرازي، وهو متهمٌ.
ومع هذا اعتمدَ بعضُهم على هذه الروايةِ في إثباتِ أن ابنَ إسحاقَ لم
стр. 6566
يسمعْهُ من محمد بن يحيى، كما أشارَ لذلك ابن عساكر في (الأطراف) -كما في (تحفة الأشراف ٤/ ٣١٥) -، ونقل في (تاريخه ٢٧/ ٤٢١) عن ابن منده، فقال: ((قال ابن منده: رواه يونس بن بكير وغيرُهُ عن محمد بن إسحاق، كذا قال يونس بن بكير، ورواه إبراهيم بن سعد وسعيد بن يحيى سعدان اللخمي عن ابن إسحاق فقالا: عن محمد بن يحيى عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ تَوَضُّؤَ ابنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ أسماءُ بِنتُ زَيدٍ عن عبدِ اللهِ بنِ حَنظلةَ». ورواه سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن محمد بن يحيى بن حبان قال: قُلْتُ لعبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ... فذكر مثلَ ما قالا إلَّا أنه قَالَ: عبد الله. وزادَ في الإسنادِ ابن ركانة)).
وقال ابن دقيق العيد: "واعلم أن هذا الحديثَ قد قِيلَ: إن عليَّ بنَ مجاهدٍ وسلمةَ بنَ الفضلِ رويَاه عنِ ابنِ إسحاقَ، فأدخلا فيه بينه وبين محمد: محمد بن طلحة، فعلى ظاهر هذا لا يكون روايته عن محمد بن يحيى سماعًا منه" (الإمام ١/ ٣٦٩).
وقال مغلطايُ: ((وهو مع ذلك منقطعٌ فيما بين محمد بن إسحاق ومحمد بن يحيى بن حبان، نَصَّ على ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله تعالى بقوله -إثر قول أبي داود المتقدم-: "كذا رواه علي بن مجاهد وسلمة بن الفضل، وأدخلا بينه وبين محمد: محمد بن طلحة")) (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ١١٥).
وكذا أشارَ إلى ذلك ابنُ كَثيرٍ في (جامع المسانيد ٥/ ١٧٠).
قلنا: قد أجابَ الضياءُ عن ذلك فقال: "وأما روايةُ علي بن مجاهد وسلمة بن الفضل وزيادتهما محمد بن طلحة- فلا تؤثر فإن فِي رواية الإمام أحمد عن
стр. 6567
يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، وقد رواه زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان" (المختارة ٩/ ٢٦٧).
وثَمَّ جوابٌ آخرُ اغْفِلَ عنه من أشار إلى هذه العلة، وهي أنها جاءتْ من قِبَلِ محمد بن حميد الرازي، وقد تقدم القولُ فيه، وأنه متهمٌ فيما ينقلُ، والله أعلم.
خلاصة ما سبق:
بعد هذا العرض المفصل لطرق الحديث، قد تَبَيَّنَ أن مدارَها على محمد بن إسحاق، وقد اختُلِفَ عليه اختلافًا شديدًا في سنده ومتنه كما تقدم؛ ولذا قال أبو موسى المديني: "واختُلف في إسنادِهِ على وجوهٍ" (اللطائف).
وقد سبقه إلى ذلك ابن منده، كما نقله عنه ابن عساكر في (تاريخ دمشق)، وسبقهما إلى ذكر الخلاف البخاري في (التاريخ الكبير ٥/ ٦٧)، وكذا أبو داود حيثُ قال عقب إخراجه: "إبراهيم بن سعد رواه، عن محمد بن إسحاق، قال عبيد الله بن عبد الله".
وقال المزي: "وقد اختُلف فيه على محمد بن إسحاق ... " (تهذيب الكمال ١٤/ ٤٣٨).
ومع هذا الاختلاف الشديد فقد انفردَ ابنُ إسحاقَ بكونه أمر بالسواك لكل صلاة، مخالفًا بذلك ما جاء في الصحيحين أنه قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»، وابنُ إسحاقَ لا يتحملُ ذلك، كما هو معلومٌ.
إلا أن يُقالَ: إن ذلك خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ كما ذهبَ إليه جماعةٌ، ويجابُ عنه بما ذكره العراقي في (طرح التثريب ٢/ ٧٠)، والقسطلاني في (المواهب
стр. 6568
اللدنية بالمنح المحمدية (٣/ ١٥٩) فقالا: "والخصائصُ لا تَثبتُ إلا بدليلٍ صحيحٍ، والله أعلم".
قلنا: ومثل هذا الحديث من أحاديث الأحكام، والخصائصُ التي ينفردُ بها محمد بن إسحاق لا تُقبلُ؛ وذلك أن ابن معين قال: "ما أُحب أن أحتج به في الفرائض" (الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٧/ ١٩٤).
وقال عبد الله بن أحمد: "كان أبي يتتبعُ حديثَهُ ويكتبُهُ كثيرًا بالعلوِ والنزولِ، ويخرجه في المسند، وما رأيتُهُ أنفَى حديثَه قط. قيل له: يُحتج به؟ قال: "لم يكن يُحتج به في السنن" (تاريخ بغداد ٢/ ٢٩).
وقال الذهبيُّ: "ما انفردَ به ففيه نكارة " (ميزان الاعتدال ٣/ ٤٧٥).
وقال عنه أيضًا: "وأما في أحاديثِ الأحكامِ، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شَذَّ فيه، فإنه يُعَدُّ منكرًا" (سير أعلام النبلاء ٧/ ٤١).
وقدِ انفردَ ابنُ إسحاقَ بهذا الحديثِ بل اضطربَ في إسنادِهِ ومتنِهِ كما سبقَ.
هذا وقد يعلُّ هذا الحديث بعلةٍ أُخرى، وهي: الإرسالُ؛ فقد ذكرَ البخاريُّ عبدَ اللهِ بنَ حنظلةَ فيمن بعد الصحابة كما نقله الحافظ في (الإصابة ٦/ ١١١).
وقال إبراهيمُ الحربيُّ: "ليستْ له صحبةٌ" (تهذيب التهذيب ٥/ ١٩٣).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ في ترجمته من الاستيعاب: "أحاديثُهُ عندي مرسلةٌ" (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/ ٨٩٣).
стр. 6569
وقال الذهبيُّ: "أدركَ النبيَّ ﷺ وَصَحِبَهُ، ورَوى عنه، وهو من صغارِ الصحابةِ" (تاريخ الإسلام ٢/ ٦٥٦)، وقال أيضًا: ((وقد رَأى النبيَّ ﷺ يَطُوْفُ بِالبَيْتِ عَلَى نَاقَةٍ)) (سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٢١)،
وقال إبراهيم بن المنذر: ((تُوفي رسولُ اللهِ ﷺ وله سبع سنين" (تاريخ الإسلام ٢/ ٦٥٦).
وقال ابن حجر: "له رؤيةٌ" (التقريب ٣٢٨٥)، وقال في (الإصابة ٦/ ١٠٩): "قد حفظ عنِ النبيِّ ﷺ ، ورَوى عنه".
قلنا: ومجرد رؤيته للنبيِّ ﷺ تكفي لبلوغه شرف الصحبة عند الجمهور، ولكنه لم يسمعْ من النبيِّ ﷺ ، فحديثُهُ مرسلٌ، كما قال ابنُ عبدِ البرِّ.
وهل يُعَدُّ مرسلُهُ حجةٌ كمراسيلِ بقية الصحابة الذين سمعوا من النبيِّ ﷺ ؟
قال ابنُ حَجرٍ في (نكته على كتاب ابن الصلاح): "قد وُجِدَ في منقولاتٍ كثيرةٍ أنَّ الصحابةَ من النساءِ والرجالِ كانوا يُحضرونَ أولادهم إلى النبيِّ ﷺ يتبركون بذلك، لكن هل يلزمُ من ثُبوتِ الرؤيةِ له الموجبة لبلوغه شريف الرتبة بدخوله في حَدِّ الصحبةِ، أن يكون ما يرويه عنِ النبيِّ ﷺ لا يُعَدُّ مرسلًا؟
هذا محل نظر وتأمل. والحقُّ الذي جَزَمَ به أبو حاتم الرازي وغيره من الأئمة أن مرسلَهُ كمرسلِ غيره، وأن قولَهم: (مراسيل الصحابة ﵃ مقبولة بالاتفاق إلا عند بعض من شذ) إنما يعنون بذلك من أمكنه التحمل والسماع، أما من لا يمكنه ذلك فحكم حديثه حكم غيره من المخضرمين الذين لم يسمعوا من النبيِّ ﷺ . والله أعلم" (النكت ٢/ ٥٤١). وانظر أيضًا (فتح الباري ٧/ ٣ - ٤)، و (الإصابة ١/ ١٢ - ١٣).
* * *
стр. 6570
٢٤٢ - بَابُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ: صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ
١٥٤١ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ».
[الحكم]: مختلفٌ فيه:
فَصَحَّحَهُ: الترمذيُّ، والبيهقيُّ -في أحد قوليه-، وابنُ الصَّلاحِ، والنوويُّ، وابنُ التركمانيِّ، وابنُ الملقنِ، والسيوطيُّ، والمُناويُّ، والشوكانيُّ، والألبانيُّ.
وأعلَّه أبو حاتم بأنه مختصرٌ من حديثِ أبي هريرة الذي أخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والترمذيُّ، وغيرُهُم فيمن شَكَّ وهو في الصلاة هل أحدثَ أم لا، «فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، وبذلك جَزَمَ ابنُ خُزيمةَ، والبيهقيُّ -في قوله الآخر-، وتبعهم: ابنُ دَقيقِ العيدِ، وابنُ عبدِ الهادي، وابنُ حَجرٍ، والألبانيُّ.
والراجح: أنه معلولٌ بهذا اللفظِ.
[التخريج]:
[ت ٧٥ (واللفظ له) / جه ٥١٩/ حم ١٠٠٩٣/ خز ٢٩/ طي ٢٥٤٤
стр. 6571
/ ش ٨٠٨١/ طس ٦٩٢٩/ طهور ٤٠٤/ طهور (زوائد المروزي ٤٠٥) / جا ٢/ جعد ١٥٨٣/ هق ٥٧٤، ١٠٦٥/ هقخ ٣٨٧، ٦٠٢، ٦٠٣، ٦٧٣/ تمام ١٤٨٧/ نجار (١٨/ ١٧٣) / تحقيق ٢٢٨/ غلق (٢/ ١١١ - ١١٢) / طوسي ٦٤/ أصبهان (٢/ ٢٥٣) / وزير ٤٧/ آجر (فوائدق ١٠٠/ ب)].
[التحقيق]: انظره عقب الرواية الآتية:
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ رِيحٍ».
[الحكم]: معلولٌ بهذا اللفظِ.
[التخريج]: [حم ٩٣١٣، ٩٦١٤].
[التحقيق]:
رواه أبو داودَ الطيالسيُّ وعليُّ بنُ الجعدِ، قالا: حدثنا شعبة عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، به.
وأخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والباقون من طرق عن شعبة به.
وعند أحمد (٩٣١٣) من رواية غندر، وأيضًا (٩٦١٤) من رواية يحيى القطان، كلاهما عن شعبة به، بلفظ السياقة الثانية: «إِلَّا مِنْ حَدَثٍ».
стр. 6572
وقد أخطأَ بعضُهم على شعبةَ فأدخلَ بينه وبين سهيل واسطة:
فرواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٦٩٢٩)، وأبو نُعيمٍ في (تاريخ أصبهان ١٦١٠) من طريق أبي يوسف الصيدلاني، ثنا يحيى بن السكن، ثنا شعبة، عن إدريس الكوفي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
قال الطبراني: "لم يُدخِلْ أحدٌ ممن رَوى هذا الحديث عن شعبة بين شعبة وسهيل: إدريس، إلا يحيى بن السكن".
قلنا: ويحيى بن السكن ليس بالقويِّ، ضَعَّفَهُ صالح جزرة، بينما ذكره ابن حبان في (الثقات)! (لسان الميزان ٨/ ٤٤٧).
والصوابُ ما رواه أصحابُ شعبةَ الثقات الأثبات، وعلى رأسهم: غندر، والقطان، وابن مهدي، وابن الجعد، وغيرهم، عن شعبة عن سهيل به، بغير واسطة كما سبقَ.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ غير سهيل بن أبي صالح فمن رجال مسلم.
ولذا قال الترمذيُّ: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
وقال البيهقيُّ: "هذا حديثٌ ثابتٌ، قدِ اتفقَ البخاريُّ، ومسلمٌ على إخراجِ معناه من حديث عبد الله بن زيد، وأخرجه مسلمٌ أيضًا من حديثِ سُهيلٍ كما سبقَ ذِكْري له في مسألة خروج الريح من القُبلِ وإيجاب الوضوء منه" (الخلافيات ٢/ ٣١٤).
وقال في موضع آخر: "وهو صحيحٌ ثابتٌ" (الخلافيات ٢/ ٣٦٢).
стр. 6573
وقال ابنُ الصلاحِ: "إسنادٌ حسنٌ ثابتٌ" (البدر المنير ٢/ ٤١٩).
وقال النوويُّ: "رواه الترمذيُّ وغيرُهُ، بأسانيدَ صحيحةٍ" (الخلاصة ٢٥٨، والمجموع ٢/ ٣).
وقال ابنُ دَقيقِ العِيدِ: "إسنادُهُ على شرطِ مسلمٍ" (الإمام ٢/ ٢٦٧)، غير أنه سيذهب إلى القول باختصاره كما سيأتي.
وَصَحَّحَهُ ابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ٤١٩)، و (خلاصة البدر المنير ١٥٢)،
ورمز السيوطيُّ لصحته، كما في (فيض القدير ٦/ ٤٤٠)، و (التنوير شرح الجامع الصغير ١١/ ١٦٩) (١). وتبعه المُناوي فَصَحَّحَهُ في (التيسير ٢/ ٩٧٠).
ولكن الحديث بهذا اللفظِ معلولٌ، اختصره شعبةُ اختصارًا مُخِلًّا، وخالفه بقيةُ أصحاب سهيل؛
قال أبو حاتم الرازيُّ: "هذا وهمٌ، واختصرَ شعبةُ متنَ هذا الحديثِ فقال: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ». ورواه أصحاب سهيل، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ رِيحًا مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَخْرُجَنَّ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» " (العلل ١٠٧).
وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ وقال: "وهو -والله أعلم- حديثٌ مختصرٌ بالمعنى من حديثٍ أطول منه أخرجه مسلمٌ ... " (الإمام ٢/ ٢٦٧)،
стр. 6574
وكذا أقرَّه ابنُ عبدِ الهادي في (تنقيح التحقيق ١/ ٣١٦)، وابنُ حَجرٍ في (تغليق التعليق ٢/ ١١١).
وبوَّب عليه ابنُ خُزيمةَ في (صحيحه) بقوله: "باب ذكر خبر رُوي مختصرًا عن رسول الله ﷺ أوهم عالمًا ممن لم يميز بين الخبر المختصر والخبر المتقصى أن الوضوء لا يجب إلا من الحدث الذي له صوت أو رائحة"، ثم ذكر هذا الحديث، ثم أردفه بباب "ذكر الخبر المتقصى للفظة المختصرة التي ذكرتها والدليل على أن النبي ﷺ إنما أعلم أن لا وضوء إلا من صوت أو ريح عند مسألة سئل عنها في الرجل يخيل إليه أنه قد خرجت منه ريح فيشك في خروج الريح. وكانت هذه المقالة عنه ﷺ : «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» جوابًا عما عنه سُئِلَ فقط لا ابتداء كلام، مسقطًا بهذه المسألة إيجاب الوضوء من غير الريح التي لها صوت أو رائحة؛ إذ لو كان هذا القول منه ﷺ ابتداء من غير أن تقدمته مسألة كانت المقالة تنفي إيجاب الوضوء من البول والنوم والمذي؛ إذ قد يكون البول لا صوت له ولا ريح، وكذلك النوم والمذي لا صوت لهما ولا ريح، وكذلك الودي"، ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ؛ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ، فَلَا يَخْرُجَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» " (الصحيح ١/ ١٨ - ١٩).
وقال البيهقيُّ أيضًا: "وهذا مختصرٌ، وتمامه فيما أخبرَنا أبو عبد الله الحافظ ... فذكر أصل الحديث" (السنن الكبير ١/ ٣٥٤).
لكن تعقبه ابن التركماني؛ فقال: "وفي كلام البيهقيِّ نظر؛ إذ لو كان الحديثُ الأولُ مختصرًا من الثاني لكان موجودًا في الثاني مع زيادة، وعموم الحصر المذكور في الأول ليس في الثاني، بل هما حديثان مختلفان" (الجوهر النقي
стр. 6575
١/ ١١٧).
وبنحوه ذكر ابن الملقن في (البدر المنير ٢/ ٤٢٠).
وزاد الشوكانيُّ قائلًا: "وشعبةُ إمامٌ حافظٌ واسعُ الروايةِ، وقد رَوى هذا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة على الحصر، ودينُهُ وإمامتُهُ ومعرفتُهُ بلسانِ العربِ يَرُدُّ ما ذكره أبو حاتم" (نيل الأوطار ١/ ٢٣٩).
ولكن يجابُ عن ذلك بأمورٍ:
الأول: أن شعبةَ وإن كان إمامًا حافظًا وله مزيدُ اعتناءٍ بالمتونِ كما أشارَ إلى ذلك الدارقطنيُّ فقال: "وكان شعبةُ ﵀ يغلطُ في أسماءِ الرجالِ لاشتغالِهِ بحفظِ المتنِ" (العلل ٥/ ٤٦٨).
فليسَ من شأنِ الحافظِ أن لا يُخطئ، فقد نقلَ الأثرمُ عن أحمدَ أنه قال: "كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، وربما وهم في الشيء" (تاريخ بغداد ١٠/ ٣٥٩)، وهذا الوهم لا ينزله من مرتبته في الإتقان والحفظ. وقال أبو داود: "سمعتُ أحمدَ يقولُ: أخافُ أن شعبة لم يكن يقوم على الألفاظ، هو ذا يُختلفُ عليه" (سؤالات أبي داود لأحمد ٥٤٨).
وقد روى شعبة حديثنا هذا مرة بلفظ: «إِلَّا مِنْ صَوْتٍ»، ومرة: «إِلَّا مِنْ حَدَثٍ»، مما يقوي ما خشيه أحمد ﵀.
كما أن لشعبةَ غير ما حديث أخطأَ في متنه ولم يتوانَ العلماءُ في تخطئته، من ذلك أن الخطيبَ ذكرَ في (الكفاية) حديثًا رواه إسماعيل بن عُلية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».
فرواه شعبة عن إسماعيل بسنده: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ» -أي: مطلقًا-، فأنكر إسماعيل بن عُلَيَّةَ شيخ شعبة عليه ذلك، وَوَهَّمه فيه، وتابعه
стр. 6576
عليه الخطيب، فرَوى بسنده إلى الرامهرمزي عن أبي يحيى العطار، قال: سمعتُ إسماعيلَ بنَ عُلَيَّةَ، يقول: "روى عني شعبةُ حديثًا واحدًا فأوهم فيه، حَدَّثْتُهُ عَنْ عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ»، فقال شعبةُ: ((إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ)).
قال الخطيبُ: "أفلا ترى إنكار إسماعيل على شعبة روايته هذا الحديث عنه على لفظ العموم في النهي عن التزعفر؟ وإنما نهى عن ذلك للرجالِ خاصة، وكأنَّ شعبة قصد المعنى، ولم يفطن لما فطن له إسماعيل؛ فلهذا قلنا: إن روايةَ الحديثِ على اللفظِ أَسْلمُ من روايتِهِ على المعنى" (الكفاية ١/ ١٦٧ - ١٦٨).
وهذا الكلامُ ذكره الرامهرمزيُّ في (المحدث الفاصل صـ ٣٨٩) فقال عقبه: "وكان شعبة حفظ عن إسماعيل، فأنكر إسماعيل لفظ التزعفر؛ لأنه لفظ العموم، وإنما المنهي عنه الرجال، وأحسب شعبة قصد المعنى، ولم يفطن لما فطن له إسماعيل، وشعبة شعبة".
فانظر إلى قوله: "وشعبة شعبة"، كأنه يشيرُ إلى جلالتِهِ في هذا العلم، ومَن ذا الذي يَسْلَمُ من الخطأ.
ثانيًا: أن شعبة قد خولف من أصحاب سهيل، وعلى هذا اعتمد أبو حاتم في توهيم شعبة، فقد رواه عن سهيل جماعة، وهم:
١ - جرير بن عبد الحميد كما عند مسلم (٣٦٢)، وغيره.
٢ - حماد بن سلمة عند أبي داود (١٧٧)، وأحمد (٩٣٥٥)، وغيرهما.
٣ - عبد العزيز بن محمد الدراوردي كما عند الترمذي (٧٥)، وابن خزيمة في (صحيحه ٢٤)، والبزار في (مسنده ٩٠٦٤)، وغيرهم.
стр. 6577
٤ - زهير بن معاوية عند أبي عَوانةَ في (المستخرج ٨١٣).
٥ - خالد بن عبد الله الواسطي كما عند ابن خزيمة في (صحيحه ٢٤)، وغيره.
٦ - محمد بن جعفر بن أبي كثير كما عند البيهقي في (الكبير ٧٦٥).
٧ - علي بن عاصم كما في (السنن الكبير للبيهقي ٣٤٢١)، و (الجزء الأول من حديث ابن شاذان انتقاء أبي القاسم الأزجي (ق ١١٦/ أ).
٨ - أبو كُدَيْنة يحيى بن المهلب عند الطبراني في (الأوسط ١٥٦٥).
ثمانيتهم (جرير، وحماد، وزهير، وعبد العزيز، وعلي، وخالد، ومحمد، وأبو كدينة) عن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة مطولًا، واللفظ لمسلم: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
ورواية الجماعة لا شَكَّ أَوْلى بالقبولِ لعدمِ اجتماعهم على الخطأ، بخلافِ الواحدِ، فإن العددَ الكثيرَ أَوْلى بالحفظِ منه.
ثالثًا: قد مَرَّ أن أبا حاتم وابن خزيمة وغيرهما قد ذهبوا إلى توهيم شعبة فيه، ولا شَكَّ أنهم أعلم بمخارج الأسانيد وضبط المتون ومعرفة الخطأ؛ ولذلك لم يتوانَوا في بيانِ الخطأ مع مكانةِ شعبةَ عندهم؛ فأبو حاتم هو القائل: " كان شعبةُ بصيرًا بالحديثِ جدًّا، فهمًا له كأنه خُلِقَ لهذا الشأن" (الجرح والتعديل ١/ ٢٢٩).
رابعًا: في الحديث المختصر معنى الحديث المطول حيثُ إن كليهما وَرَدَ في نقضِ الطهارة بالصوتِ والريحِ، غير أن المختصرَ حَصَرَ الحُكْمَ في ذلك فأخلَّ، فخرجَ من النواقضِ ما هو مجمعٌ عليه كالبولِ والمذي وغيرهما،
стр. 6578
وكذا المختلف فيه كالنوم وغيره، وليس من شرط المختصر أن يوجد في الأول بلفظه كما ذهبَ إليه ابن التركماني، وإنما كون معناه موجودًا -وإن أخطأ الراوي فيه- دليل على اختصاره، والله أعلم.
والحديثُ ذكره الشيخ الألباني في تحقيقه للمشكاة فقال: "سندُهُ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، لكن أعلَّه البيهقيُّ وغيرُهُ بأنه مختصر .. وقال، وأما هذا اللفظ فتفرَّدَ به شعبةُ ووَهِم فيه، وكأنَّ الترمذيَّ أشارَ إلى ذلك حيثُ عَقَّبَ هذا اللفظ باللفظِ المتقدمِ وبنى الحُكْمَ عليه لا على هذا، ولم يُعْجِبْ هذا ابن التركماني ورجَّحَ أنهما حديثان مختلفان، والأقربُ الأول" (مشكاة المصابيح ١/ ١٠٢، حاشية رقم ١).
وذكر نحوه في (الإرواء ١/ ١٥٣) ثم قال: "لكن له شاهد من حديث السائب كما تقدم، برقم (١٠٧)، والله أعلم".
قلنا: وحديثُ السائبِ الذي أشارَ إليه الشيخُ، ضعيفٌ لا يصحُّ، كما سيأتي بيانُهُ قريبًا.
[تنبيه]:
وقع في المطبوع من (الطهور ٤٠٤) لأبي عبيد: ثنا يزيد بن هارون عن سعيد عن سهيل بن أبي صالح به.
فقال محققه: "لم يتابع سعيدًا إلا شعبة"! !
قلنا: لو دقق المحقق أكثر؛ لعلم أن هناك تحريفًا، فالمذكور في السند هو شعبة وليس سعيدًا، ولقد رجعنا إلى النسخة المخطوطة (ق ٤٤/ أ) فوجدناه شعبة كما توقعنا، ويدلُّ على ذلك -أيضًا- أمور:
١) أن الذي يَروي عن سهيل ويسمَّى سعيدًا هو: سعيد بن عبد الرحمن
стр. 6579
الجُمَحي.
وسعيدٌ هذا ليس له في هذا الحديث ناقة ولا جمل.
٢) أن هذا اللفظ المختصر إنما يُعرفُ من روايةِ شعبةَ كما ذكره أبو حاتم، وابن خزيمة، والبيهقي. ومن طريقه خرَّجه جلُّ من أخرجَ الحديثَ ممن ذكرناهم في التخريج.
٣) أن يزيد بن هارون لا يُعرفُ بالروايةِ عن سعيدٍ الجُمَحيِّ هذا، وإنما هو مشهورٌ بالروايةِ عن شعبةَ؛ ولذا لم يحتج إلى أن ينسبه في الإسنادِ، بخلاف روايته عن سعيد؛ فإن يزيدَ روى عن جماعةٍ كلهم يسمَّى سعيدًا، فإذا روى عن أحدهم احتاج لأن يبينه وينسبه.
٤) أن أبا بكر المروزيَّ راوي كتاب الطهور لأبي عبيد- أتبع هذا الحديث بطريق من زياداته على الكتاب، فقال: "حدثنا عاصم بن علي عن شعبة، بهذا الإسناد".
فهذا يؤكِّدُ أن المذكورَ في طريقِ أبي عبيد إنما هو شعبةُ، وليسَ سعيدًا؛ لأن المروزيَّ وقف بالإسناد عند أولِ شيخٍ من شيوخِ أبي عبيدٍ وقال: "بهذا الإسناد" أي: بنفسِ إسنادِ المصنف، وهذه عادة من يزيد على كتاب شيخه الذي يرويه عنه، والله أعلم.
وانظر روايات هذا الحديث، وباقي أحاديث هذا الباب في باب "لا وضوء من الشك حتى يستيقن".
стр. 6580
١٥٤٢ - حَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ خَبَّابٍ
(عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ السَّائِبَ بنَ خَبَّابٍ يَشُمُّ ثَوْبَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: مِمَّ ذَلِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ رِيحٍ أَوْ سَمَاعٍ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وَضَعَّفَهُ: مغلطايُ، والهيثميُّ، والبوصيريُّ، والعينيُّ، والسنديُّ.
[التخريج]:
[جه ٥١٦/ حم ١٥٥٠٦/ طهور ٤٠٦/ ش ٨٠٨٢ "واللفظ له"/ مش (خيرة ٥٩٤/ ١) / تخث (السفر الثاني ٩٦٠) / حث ٨٦/ طب (٧/ ١٤٠/ ٦٦٢٢) / طش ١٣٥٤/ صبغ ١٥٢١/ قا (١/ ٢٩٨) / صحا ٣٤٦٠/ صمند (١/ ٧٤٩، ٧٥٠) / كك (٢/ ق ٨/ ب) / كما (١٠/ ١٨٥ - ١٨٦)].
[التحقيق]:
الحديثُ له طريقان:
الأول:
أخرجه ابن أبي شيبة -وعنه ابن ماجه- قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، ... به.
ورواه الحارثُ، والبغويُّ، وابنُ أبي خيثمة، والطبرانيُّ، وأبو أحمد الحاكمُ، وابنُ منده، وابنُ قَانعٍ، وأبو نُعَيمٍ، والمزيُّ، من طريقِ ابنِ عياشٍ به.
стр. 6581
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة؛ "واهٍ" كما قال الذهبيُّ في (الكاشف ٣٤٠٢)، قال أبو زرعة: "مضطربُ الحديثِ، واهي الحديث"، وقال أبو حاتم: "هو عندي عجيبٌ، ضعيفٌ، منكرُ الحديثِ، يُكتبُ حديثُهُ"، وقال الجوزجانيُّ: "غيرُ محمودٍ في الحديثِ"، وقال أبو داود: "ليس بشيءٍ"، وقال النسائيُّ: "ليس بثقةٍ، ولا يُكتبُ حديثُهُ". وقال الدارقطنيُّ: "حمصيُّ متروكٌ" (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٤٩). وقال الحافظُ: "ضعيفٌ، ولم يَرْوِ عنه غير إسماعيل بن عياش" (التقريب ٤١١١).
ومن هذا الوجه ضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ:
فقال مغلطايُ: "إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لضعفِ رواته"، ثم أعلَّه بابن عياش وعبد العزيز. (شرح ابن ماجه ٢/ ١٢٧ - ١٢٩).
قلنا: إسماعيل بن عياش إنما ضُعِّفَ في غير أهل بلده، وهو ثقةٌ في الشاميين، وعبد العزيز شاميٌّ.
وقال الهيثميُّ: "رواه الطبرانيُّ في (الكبير)، وفيه: عبد العزيز بن عبيد الله، وهو ضعيفُ الحديثِ، ولم أرَ أحدًا وَثَّقَهُ، والله أعلم" (المجمع ١٢٥٠).
وكذلك ضَعَّفَهُ: البوصيريُّ في (الإتحاف ١/ ٣٧٤)، و (مصباح الزجاجة ١/ ٧٤) -وأقرَّه السنديُّ في (الحاشية ١/ ١٨٥) -، والعينيُّ في (العمدة ٢/ ٢٥٢).
وسيأتي عقب الطريق الثاني أن السائب بن خباب مختَلفٌ في صحبته.
الطريق الثاني:
أخرجه أحمد قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن
стр. 6582
محمد بن عبد الله بن مالك أن محمد بن عمرو بن عطاء ... به.
وأخرجه أبو عبيد قال: ثنا يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة، به.
وذكر مغلطايُ في (شرحه ٢/ ١٢٩) أن أبا عبيد ... أخرجه من طريق ابن أبي مريم وأبي الأسود عن ابن لهيعة به.
ورواه ابن منده في (المعرفة ١/ ٧٥٠) من طريق مروان بن محمد، عن ابن لهيعة، به نحوه. ثم قال: "ورواه ابن وهب".
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ أيضًا؛ فيه:
* عبد الله بن لهيعة، وهو سيئُ الحفظِ، والكلامُ فيه معروفٌ، وقد سبقَ مرارًا.
* ومحمد بن عبد الله بن مالك، روى عن أم سلمة وسهل بن سعد ومحمد بن عمرو بن عطاء، وعنه ابن لهيعة وعطاف بن خالد وغيرهما (التعجيل ٩٤٧)، وترجم له البخاريُّ في (التاريخ ١/ ١٢٧)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٣٦١).
وبقية رجاله ثقات، وفي صحبة السائب بن خباب اختلاف، وتحريره يطول، فانظر له: (التاريخ الكبير ٤/ ١٥١)، و (الأوسط للبخاري ٢/ ٩٠٥، ط. مكتبة الرشد)، و (الكنى لمسلم ٣١٩١)، و (الطبقات لابن سعد ٥/ ٨٨)، و (الكنى لأبي أحمد الحاكم ٢/ ق ٨/ ب)، و (الثقات لابن حبان ٤/ ٣٢٧، ٤/ ٣٠٦) -وقابله بما في (الثقات لابن قطلوبغا ٤٢٣٣) و (الإكمال لمغلطاي ٥/ ١٩٨، ١٩٩) -، و (المؤتلف والمختلف للدارقطني ١/ ٤٧٠)، و (الإكمال لابن ماكولا ٢/ ١٤٩)، و (الاستيعاب
стр. 6583
٢/ ٥٧١)، و (التهذيب ١٠/ ١٨٥)، و (الكاشف ١٧٨٩)، و (المقتنى ٣٧٦٤)، و (التقريب ٢١٩٥)، و (الإصابة ٤/ ١٩٩).
والحديثُ صَحَّحَهُ الألبانيُّ بحديثِ أبي هريرةَ السابق، فقال: "صحيحٌ بما قبله" (صحيح ابن ماجه ٤١٦).
وحديثُ أبي هريرةَ السابق تَبَيَّنَ أن راويه أخطأَ في متنه، والخطأُ لا يقوي غيره لأنه كالعدم.
[تنبيهان]:
الأول: وقعَ اختلافٌ في نسخ (سنن ابن ماجه) في اسم صحابي الحديث: فجاء في بعضِها (السائب) غير منسوب، وجاء في بعضها (السائب بن يزيد)، وهو وهم. والصوابُ أنه من حديث (السائب بن خباب) كما رواه أصحابُ المصادر الأخرى، وقد ذكره المزيُّ في (التهذيب) تحت ترجمة السائب بن خباب، وذكر أنه وقع عند ابن ماجه غير منسوب، ثم قال: "ذكر صاحب الأطراف -يعني ابنَ عساكر- هذا الحديث في مسند السائب بن يزيد، وذلك وهم منه، والله أعلم".
وَتَعَقَّبَهُ الحافظُ ابنُ حَجرٍ فقال: "لم يَهِمْ صاحب الأطراف؛ فإنه وقعَ في نسخٍ صحيحةٍ من ابن ماجه السائب بن يزيد، لكن الصواب: ابن خباب" (تهذيب التهذيب ٣/ ٤٤٧).
وقد صنعَ المزيُّ نفسه ما صنعه صاحب الأطراف؛ حيثُ ذكرَ هذا الحديث في (التحفة) في مسند السائب بن يزيد، ثم نقلَ عن أبي حاتم وغيرِ واحدٍ أنه: السائب بن خباب. (التحفة ٣/ ٢٦٠).
ومالَ الحافظُ مغلطايُ، وابنُ حَجرٍ إلى أن الوهم فيه من ابن ماجه،
стр. 6584
وليس من صاحب الأطراف. انظر (شرح مغلطاي ٢/ ١٣٠)، و (النكت الظراف ٣/ ٢٦١).
ووقع في رواية عند أبي عبيد في (الطهور ٤٠٦): "السائب بن خلاد"، وهو وهم أيضًا.
الثاني: وقع في المطبوع من كتاب (الطهور ٤٠٦) لأبي عبيد: عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الله عن محمد بن عمرو بن عطاء حَدَّثَهُ، قال: رأيتُ السائبَ، قال أحدهما: ابن خباب وقال الآخر: ابن خلاد".
هكذا قال: "محمد بن عمر وابن عطاء"، وهو تحريفٌ، وإنما هو: محمد بن عمرو بن عطاء، هكذا رواه أحمد وابن منده من طريق ابن لهيعة. ويدل على هذا التحريف قوله في السند: "حَدَّثَهُ، قال: فلو كان عن رجلين، لقال: "حَدَّثَاهُ، قالا".
وذكر مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ١٢٩) أن أبا عبيد أخرجه من طريق ابن أبي مريم وأبي الأسود عن ابن لهيعة به.
وهذا الإسنادُ سقطَ من مطبوع (الطهور). ومنه يتضح أن الخلافَ في تسمية الصحابي من الرواة عن ابن لهيعة.
стр. 6585
١٥٤٣ - حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ
◼ عَنْ أَبِي أَيُّوَبَ الأنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّما الوُضُوءُ مِمَّا وَجَدْتَ رِيحَهُ أَو سَمِعْتَ صَوْتَهُ، [وَذَرُوا الشُّبُهَاتِ])).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ، وعَدَّهُ ابنُ عَدِيٍّ في مناكير راويه، وتبعه ابنُ القيسرانيِّ.
[التخريج]: [عد (٢/ ٣١٦) "واللفظ له"/ فيل ١١٤ "والزيادة له"].
[السند]:
رواه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٢/ ٣١٦) قال: حدثنا زيد بن عبد العزيز بن حيان الموصلي، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أصرم بن حوشب، حدثنا زياد بن سعد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، به.
ورواه ابنُ فِيل في (جزء له): من طريق إبراهيم الجوهري، به (١).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ فيه أصرم بن حوشب؛ قال عنه يحيى بن معين: " كذابٌ خبيثٌ"، وقال البخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ وجماعةٌ: "متروكٌ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان يضعُ الحديثَ على الثقاتِ"، وقال الحاكمُ والنقاشُ: "يروي الموضوعات". انظر (لسان الميزان ١٣٠٥).