← Тараджим

Тараджим · id 17018

تراجم المؤلفين التونسيين

محمد محفوظ

Полный текст (1 769 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدّمة بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد فقد كنت منذ عهد الشباب الباكر مغرما بتتبع تراجم التونسيين، وإذا عثرت على كتاب في تراجمهم أو مقالة في مجلة أو صحيفة في ترجمة أحدهم فكأنما ظفرت بكنز، وينتابني الفرح والسرور. وكان من أول الكتب التي طالعتها وأنا يافع في المرحلة الأولى من التعليم الثانوي كتاب (المؤنس) لابن أبي دينار، وتاريخ مقديش (نزهة الأنظار) كما كنت ولوعا بتتبّع آثار التونسيين في الأدب والتاريخ والتراجم فطالعت في هذا الطور «زهر الآداب» لإبراهيم الحصري، و «عنوان الأريب» للشيخ محمد النيفر، و «المنتخبات التونسية» لحسن حسني عبد الوهاب. ولا داعي للإطالة بسرد أسماء الكتب، ويكفي منها ما يدل على الاتجاه في المطالعة والإقبال بشوق ولهف عليها وقد كنت لا أهمل أية فرصة للمطالعة بالاستعارة من الأفاضل الأكرمين، أو بغيرها من الوسائل التي تهيأت لي حتى أني أذكر أن الحاج سالم عبد الناظر الكوّاش (الفران) صناعة - وقد مارس هذه الصناعة بتونس العاصمة، وكوّن مكتبة بها مجموعة من المخطوطات الصالحة، تلاشى غالبها في قائم حياته، وأهديت بقيتها بعد وفاته إلى المدرسة الثانوية بطريق العين (مدرسة ١٥ نوفمبر) - أتذكر أني قصدته ذات مرة للطّلاع على مكتبته واستعارة ما يوافق مبتغاي، وبعد جلسة تحدّث فيها عن حياته ومعرفته لبعض أعلام تونس المرموقين المشهورين، وإقبال بعض رجال صفاقس على الاستعارة من مكتبته، لم تطب نفسه بتلبية رغبتي وبّل ظماء شوقي لصغر سني، وكان هذا الرجل ﵀ صعب المراس، ملتوي التفكير. وقد استمر هذا الاتجاه ينمو كلما تقدمت بي السن واتسع الاطلاع إلى أن دار بخلدي جمع تراجم المؤلفين التونسيين فشرعت في هذا العمل في ٢٧ جويليه ١٩٦٤ وأنجزت مجموعة من

стр. 2

التراجم رتبتها من أول الأمر على حروف المعجم، ثم جاءت أسباب قطعت مواصلة السير، منها تراكم مشاكل الحياة اليومية، زيادة عن ظهور بعض المؤلفات والبحوث الجديدة مما دعاني أحيانا إلى الإضافة أو التعديل والتنقيح، حتى أن بعض التراجم أعدت كتابتها مرتين أو ثلاثا، فقلت في نفسي: هذا عمل شاق لا آخر له. وكلما صدر كتاب جديد في تاريخ تونس أو في تراجم أعلامها أطالعه ثم أنتقي منه ما أريد من تراجم ومعلومات لها صلة بهذه التراجم، وقلت في نفسي: هذه مشقة أخرى مطالعة وانتقاء وإضافة، متى تنتهي هذه السلسلة المتلاحقة؟ أما لها من آخر؟ واعترى عزيمتي الضعف، وساورها اليأس وضؤل نشاطى في التدوين، ثم ان المطالعة والبحث والكتابة مع تعدد المشاريع توزع الجهد ولا تساعد كثيرا على الإنتاج ذي الوجهة المعيّنة والمادة الغزيرة والحجم الكبير، وانقطعت عن مواصلة العمل مدة تقرب من ثماني سنوات ثم بدا لي مراجعته ومواصلته حتى يتم وقلت في نفسي أنجزه ولو كان فيه بعض جوانب نقص شعرت بها من أول وهلة لقلة ما لديّ من مادة ووسائل. وغرضي من وضع هذا الكتاب هو سهولة الكشف عن تراجم المؤلفين التونسيين قدامى ومحدثين لذا رتّبته على حروف المعجم، أذكر اللقب العائلي، وإن اشتهر المترجم له بنسبته البلدية فقط اقتصرت على هذه النسبة. هذا وأشعر بأن التراجم متفاوتة في الكم والكيف وسبب ذلك أن بعض المترجم لهم لم تتوفر لدي المادة الكافية للإفاضة في ترجمتهم فاجتزأت بما وجدت وقد جالت بخاطري فكرة هي أن تبقى هذه التراجم مذكرة شخصية لي، وبعد التروي قلت في نفسي، إن إنجاز هذا العمل لا يخلو من فائدة للقاصرين أمثالي، ثم أنه إذا برز للوجود وتفضل الكاتبون الكرام والنقّاد ببيان ما فيه من جوانب نقص، كنت أنا أول المستفيدين من هذا البيان فأبذل جهدي لتلافي النقص في ملحق أو في طبعة ثانية إذا يسّر الله، وإذا بقي هذا التصنيف قابعا في زاوية من زوايا البيت أحرم من هذه الفوائد، ومثل هذا العمل عرضة للتحوير والتنقيح كلما ظهر جديد أو توفرت مواد لم تكن معروفة من قبل. وقد حاولت في كل ترجمة ذكر ما تيسّر لي من آثار المترجم له وعقبت كل ترجمة بذكر مصادرها ومراجعها ولم أهمل ذكر ما وقفت عليه من صحف ومجلات. وهذا التأليف أشبه شيء بالفهرس وقد سميته (تراجم المؤلفين التونسيين) وترجمت فيه للوافدين على تونس المتوفين بها، كما ترجمت فيه لعلماء إباضية من جزيرة جربة، ويلاحظ المتأمل أن بعضهم من ذوي الثقافة المحدودة وأن إنتاجهم ليس بذي قيمة كبيرة وأنّ بعضهم من نوابغ الأعلام ذوي المواهب الغزيرة والإنتاج الثري المتنوع الذين كان لهم فضل في إثراء المكتبة العربية الإسلامية، وقد عجبت من إهمال المؤرخين التونسيين - من غير الإباضية - ترجمتهم والتنويه بهم ولا داعي لهذا غير التعصب المذهبي، وقد سار في هذا الطريق بعض المعاصرين، وإخواننا الإباضية لا يبذلون جهدا كبيرا في التعريف بأنفسهم، وكتبهم مخطوطة محتكرة عندهم لا

стр. 3

يجدون في نشرها إلاّ قليلا منها لا تشبع نهم المتطلع المستشرف للمزيد، مع أن البعض منها وهو كثير يهم كل المسلمين والمثقفين بصفة عامة ككتب التفسير والتاريخ والتراجم، ولولا ما قام به بعض المعاصرين من التعريف بأعلامهم كالأستاذين الصادق بن مرزوق وفرحات الجعبيري الجربيين التونسيين وعلي يحيى معمر النفوسي الليبي لبقي كثير من هؤلاء الأعلام مغمورا في طي الخفاء والكتمان. ولهؤلاء الثلاثة فضل كبير في هذا الميدان وقد اعتمدت عليهم كثيرا في ترجمة أعلام مرموقين من جربة أو من نزلائها المتوفين بها. هذا والعناية بهم ما زالت محدودة المدى ضيّقة النطاق مع أن الكثير منهم جدير بكل تقدير وتنويه وحبذا لو يتفرّغ بعض الباحثين من شباب جزيرة جربة لإصدار دراسات خاصة في رسائل بحيث يخصص لكل واحد منهم رسالة أو يقع جمعهم في تأليف خاص يسمى (أعلام جربة) أو نحو ذلك حتى ينتشر ذكرهم ويشيع أمرهم ويصبح الجهل بهم أمرا لا يليق بكل مثقف متتبع لسير الحركة العلمية والحضارية بوطنه. وبودّي لو يخصص ملتقى ثقافي باسم أحد أعلام جربة الأجلاّء كالتلاتليّ أو سعيد بن تعاريت الأول أو الثاني، أو من الوافدين عليها المدفونين بها كأبي القاسم البرادي، والجيطالي، ويوسف المصعبي وابنه محمد، لأن الجزيرة أخرجت على مدار القرون أعلاما لهم مكانتهم لا في المذهب الإباضي فقط بل في التفكير الفلسفي الإسلامي، وفي التاريخ التونسي. وإذا كان للإمام ابن عرفة ملتقى سنوي في مدنين وللشيخ علي النوري ملتقى في صفاقس ولابن أبي الضياف المؤرخ ملتقى في سليانة وللقلصادي العالم الرياضي ملتقى في باجة فلماذا لا يكون بجربة ملتقى سنوي باسم البرادي أو الجيطالي أو ابن تعاريت، أو غيرهم من ذوي الآثار العلمية والتاريخية يبدو أن رواسب الماضي ما زالت تعمل عملها بدون شعور أو قصد، نرجو أن يقع التدارك في المستقبل القريب بحول الله. هذا ولا يفوتني أن أشكر كل من قدّم لي إعانة كبيرة أو صغيرة كالصديق الشاعر الأستاذ محمد الشعبوني في تاريخ وفيات بعض المعاصرين، أو تاريخ طبع إنتاجهم أو إعارة إنتاجهم المطبوع، والصديق الأستاذ الصادق بن مرزوق في ترجمة بعض علماء جزيرة جربة، والأستاذ عبد الله الزناد في ترجمة الشيخ محمد مخلوف المنستيري، والأستاذ محمد الحبيب السلامي في ترجمة قريبة شيخنا محمد المهيري، أشكرهم جزيل الشكر وهو غاية ما أملك «والغني بما ملك» كما قال قديما بديع الزمان الهمذاني، وجزاهم الله كل خير وأبقاهم ذخرا للمعرفة، ومن الأمانة العلمية عز وكل فائدة لصاحبها، علاوة عن خلق الاعتراف بالجميل لذويه، لا السطو على الفائدة ونسبتها إلى النفس في غير تورع ولا حياء تظاهرا بسعة الاطلاع وتدليسا على القارئ وغمطا لصاحب الحق والفضل. هذا رأيي وعقيدتي، مع أني اكتويت بشواظ من عقوق ولؤم بعض الأفاضل. فقد أعنت بعضهم إعانة متنوعة كبيرة في تأليف له في التاريخ، من إمداد بوثائق وكتب وترجمة من الفرنسية إلى العربية وترجمة لبعض الأشخاص وعلى ضوء ما أمددته به حور

стр. 4

الكتاب ونقّحه بعد أن كان على وشك تقديمه للطبع وكدت أكون شريكا له في التأليف، لكني تكرّمت بإعانته تشجيعا لأخ كريم فاضل ووضعت له فهرس المصادر والمراجع، ذكرت فيه ما لم يسمع به فضلا عن أن يراه حتى نوّه كاتب مقدمة الكتاب بأنه واسع الاطلاع، ومع هذا فإن هذا السيد لم يذكرني بكلمة واحدة في المقدمة، وكأنه أمر يشينه أو ينقص من علمه وفضله، ولم يتكرم بإهداء نسخة بعد طبع الكتاب كأن أتعابي أقل قيمة من نسخة منه وتألمت من هذا الموقف اللئيم غير المرتقب فكاتبته غاضبا وعائبا، وانقطعت كل صلة بيني وبينه ما يقرب من ثلاث سنوات، إذ توفي ﵀ وسامحه - في سبتمبر ١٩٧٨ وراودتني نفسي في أول الأمر كشف حقيقة الأمر وفضح تدليسه وتلبيسه ورفع النقاب عن أخلاقه ومبلغ علمه ولدي رسائل بخط يده تثبت بعض ما ادعيت لكنني عدلت عن هذا في إبانه لأنه طاعن في السن فخشيت أن يثقل هذا عليه إذ ربما لا يتحمل الصدمة ومع كل هذا فإن طبعي لم يسرق من طبعه ولا أتحول ولا أتغير، ولا أدعي بأني أتيت بما لم يسبقني به أحد ولكنني كشفت الستار عن بعض المغمورين ويسّرت السبيل أمام الباحثين. والله سبحانه هو الموفّق المعين ومسدّد الخطى لسلوك الطريق القويم. محمد محفوظ صفاقس في ١٩ شوّال ١٣٩٨ الموافق ل ٢١ نوفمبر ١٩٧٨

стр. 5

حرف الألف آرباش - (انظر: ٥٨ - الأندلسي) ١ - آغة (١٢٩٦ - ١٣٦٥ هـ) (١٨٧٦ - ١٩٤٦ م) مصطفى بن عباس بن مصطفى آغة. ولد في قصر جدّه ببلدة الكرم من الضواحي الشمالية لمدينة تونس، وكان جدّه مصطفى وزير الحرب في دولة المشير الأول أحمد باشا باي وهو شاعر وأديب. تعلّم في منزله على عادة الأسر الأرستقراطية في عصره، وتلقّى مبادئ العلوم العربية على أساتذة خواص كمحمد القرطبي، وعثمان بن المكي التوزري. ودراسته على هذين الأستاذين حببت إليه المطالعة والاستفادة من كتب الأدب، فأقبل بنهم على مطالعة الدواوين الشعرية قديمها وحديثها فتكونت له ملكة أديبة وكان آية في الذكاء صاحب دعابة ونكتة ونقد لاذع وقضى شبابه وصدرا من كهولته بقصره منعزلا عن المجتمع باستثناء بعض الأعيان الذين كانوا يزورونه لحضور مجالسه الأدبية كالشيخ أحمد بيرم الحنفي شيخ الإسلام، والأستاذ حسن قلاتي (بالقاف المعقدة) المحامي وحسن حسني عبد الوهاب الباحث المؤرخ، والشيخ محمد باش طبجي والأمير محمد الناصر باي، وغيرهم. وقد أسس مع بعض أصدقائه «النادي التونسي» الكائن بنهج الكوميسيون بإشراف الأستاذين: عبد العزيز الزاوش، وعلي باش حانبة. والملاحظ أن هذا النادي كانت تؤمه الطبقة الأرستقراطية وكانت تجري فيه الأحاديث السياسية، والمناقشات الأدبية وغيرها، وبرز من هذا النادي مشاريع تونسية عديدة كجمعية الآداب التمثيلية التي تأسست عام ١٩١٠، وجمعية قدماء الصادقية التي ظهرت عام ١٩٠٥، وجريدة «التونسي» التي صدرت عام ١٩٠٧ كما تفرّع عن هذا النادي «الحزب الإصلاحي» الملاين للاستعمار والذي يرضى بما يلقي إليه الاستعمار من فتات الإصلاحات، فقد قبل إصلاحات ١٣ جويلية ١٩٢٢ التي خوّلت تأسيس المجلس الكبير، والحجرات الاقتصادية، ومجالس الجهات الخمس، ومجالس العمل، وهذا الحزب لا يرى مانعا في سياسة المشاركة في المسئوليات مع الفرنسيين.

стр. 6

ونظرا لاختلاف وجهة النظر السياسية بين الحزب الدستوري القديم والحزب الإصلاحي فقد وقع الادعاء على الحزب الأخير بأنه يسعى لمناهضة اللغة العربية من خلال المسرحيات التي تقدمها جمعية «الآداب التمثيلية» المنتمية إليه، فأسس الحزب القديم لمناهضته جمعية «الشهامة» التي تولّى رئاستها الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وكان لهذا التنافس أثره في الحركة المسرحية فشاهدت الجماهير مسرحيات قدمتها فرقتا الحزبين. وكان المترجم له منتميا للحزب الإصلاحي متحمسا لمبادئه متحملا لكل مكروه في سبيلها نوّهت جريدتا هذا الحزب «البرهان» و «النهضة» بالمترجم له ونشرتا له مقالاته وأشعاره. وذكر الشيخ الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور في كتابه «الحركة الأدبية والفكرية في تونس» عمل المترجم له في الحزب الإصلاحي الذي تمسك بإصلاحات عام ١٩٢٢ على عهد المقيم العام لوسيان سان، وكان يرى أنها خير من لا شيء فيقول عنه وعن المعركة الحزبية والسياسية التي أرادها الاستعمار لتفريق الصفوف وإضعاف المقاومة والقضاء عليها « ... واحتضن مصطفى آغة نادي الحزب ونوّهت به جريدتهم. وكان من شغوفه الذاتي وتساميه الفلسفي واعتداده بحكم العقل والمنطق في كل شيء ما أبعد الشقة بينه وبين الحركة الشعبية، وعملت جريدة الحزب الإصلاحي على إغاظة الشاذلي خزنة دار في مناصرة مصطفى آغة وتقديمه فكان للمعركة الحزبية السياسية دخل كبير في الميدان الأدبي بالمفاضلة بين الشاعرين، كما كان بين الوطنيين والإصلاحيين بمصر بين حافظ وشوقي. واصطبغت قصائد كل من الشاعرين بصبغة المسلك الذي ارتضاه لنفسه فجاءت قصائد خزنة دار حماسية تفخر بالانتصارات وتثور في وجه الاعتداءات تصدر بمناسبة المواقع الكمالية وحفلات الهلال الأحمر وحوادث التنكر للوطنيين والابتهاج برجوع المبعدين وخروج المساجين ووصف المظاهرات وتشييع الوفود وانعقاد المجامع السياسية وتفيض كلها حماسا ووثوقا بانتصار الحق وحسن عاقبة الصدق ويقوم فنها الشعري على وحدة الغرض وتسلسل عناصره وطول النفس وتلافي القصر على طريق الأطناب فكانت قصائده كالخطب لها من الأثر في السامع وقت إنشادها ما لا يستطيع الناقد أن يكشف عنه ما لم يحدد الظروف التي مكنت لها من القبول، على أن النقد المنصرف للفن الصرف لا يستطيع أن يغطي على أسقام في التركيب، وزحافات في الأوزان، وابتذال في المعاني وحشو في الألفاظ، كانت الحرارة الفائضة من تلك القصائد تذيبها فلا يحسها السامعون. أما قصائد مصطفى آغة فقد كانت بمعزل عن هذه المؤثرات لم تشر إلى الحركة الوطنية بكلمة ولا جرى فيها ذكر زعيم ولا لفتة إلى السياسة بل تمحضت إلى النظر الفلسفي والوصف الاجتماعي، وأقيم هيكلها على تصوير المقامات وتخييل المحاورات بروح فلسفية ساخرة قانطة تنظر إلى البؤس المادي والشقاء العقلي اللذين حفا بحياة الناس كما ينظر المعري في «اللزوميات».وصوغها واضح جزل التركيب مستكثر من البديع، مطرد في الوصف

стр. 7

يتمشى مع تنقل الحوار وتسلسل الأحداث والمعاني فتتواصل فيه الأبيات لأنها جملة واحدة حتى يكثر فيها التضمين وربما يتعاصى عليه اتحاد الميزان الشعري مع ما يريد من جزالة وسهولة في التركيب فيتغلب على ذلك بزحاف أو خبن، وكثيرا ما يقع بسبب ذلك في إهمال القواعد النحوية فيلحن لحنا فاحشا، على أنه شاعر الحكمة السامية وصاحب الخيال البديع، حقيق بشعره أن يحتل منزلة الاعتبار في مقاييس الآداب العالمية إلا أنه قليل التفنن منسوج على منوال واحد». آثرنا نقل كلام الشيخ الفاضل بن عاشور على طوله لأنه فيه تحليل واف لخصائص شعر آغة ومميزاته غير أننا نلاحظ فيما يخص النظر الفلسفي في شعره أنه كان منعزلا عن المجتمع منطويا على نفسه فنمت عنده ملكة التأمل العقلي، وأودع شعره هذه التأملات العقلية وهي ليست بنظر فلسفي إلا على ضرب من التجوز. وهو لا يعرف الفلسفة ولا يتقيد بمذهب من مذاهبها ولا بأصولها. على أن هذه التأملات العقلية، وما يسري في أوصال شعره من حوار وقصص جعلته من المجددين في ذلك العصر ولفتت إليه الأنظار بالتقدير أحيانا وبالسخرية والدعابة أحيانا أخرى، فإن الأديب محمد الصالح المهيدي تندر عليه في جريدة «النديم» فإنه دعا التونسيين إلى الاستخفاف بما يكتبه هذا الشاعر من آراء وأفكار والضحك منها. ولو كان لشعره جلال النظر الفلسفي وعمقه لما تجاسر مثل المرحوم محمد الصالح المهيدي على الدعوة إلى الاستخفاف بشعره والضحك منه. ومن الملاحظ أن الخلاف الحزبي بينه وبين الشاذلي خزنة دار لم يحل دون ربط علاقات صداقة بينهما، فكان المترجم له يتصل به في محل سكناه ب «منوبة» ويقضي معه الأيام والأسابيع في المراجعة والمذاكرة. وأهم ما تعلمه من خزنة دار أوزان الشعر والعروض والقوافي، وكان متخصصا فيها. وكان من الولوعين بشعر خزنة دار ومن المهتمين بتراثه الفكري. والمترجم له ساهم في النشاطات الفكرية الاجتماعية والثقافية ابتداء من النادي التونسي بنهج الكومسيون إلى جمعية الآداب التمثيلية، إلى جوق التمثيل العربي الذي تأسس سنة ١٩٢١ واختير ضمن هيئته المسيرة، إلى الاتحاد المسرحي الذي عيّنه سنة ١٩٣٧ في لجنة فحص الروايات، إلى نشاطه في الجمعية الرشيدية التي تأسست سنة ١٩٣٤ وكلّفه رئيسها المؤسس لها السيد مصطفى صفر برئاسة لجنتها الأدبية التي اضطلعت بدور هام في ميدان تأليف الأغاني وانتقاء ألفاظها وتطهيرها من المعاني المبتذلة ونوازع الانحلال، وألف كثيرا من الأغاني ومن أشهرها قصيدته «هجر الحبيب» كما أنه غذى الإذاعة بمجموعة من أحاديثه الأدبية. آثاره: ١ - ديوان شعر طبع بالمطبعة التونسية سنة ١٣٣٩/ ١٩٢٠.

стр. 8

٢ - بيني وبين المعرّي: مجموعة أحاديث ألقاها بالإذاعة. هي عبارة عن حوار تتبع فيه «رسالة الغفران» وأبدى نقده لها. المراجع: - أدباء تونسيون، رشيد الذوادي (طبع تونس ١٩٧٢) ص ٩ - ٢٧. - الأدب التونسي في القرن الرابع عشر، زين العابدين السنوسي (ط أولى) ٢/ ٣ - ١٥. - الشعر التونسي المعاصر، محمد الصالح الجابري (ط تونس ١٩٧٤) ص ١٨١ - ٢٠٦. - الحركة الأدبية والفكرية في تونس، محمد الفاضل بن عاشور ص ١٤٥ - ١٤٧. - مجمل تاريخ الأدب التونسي، حسن حسني عبد الوهاب (ط تونس) ص ٣١٠ - ٣١٦. - الأعلام ٧/ ٢٤٥ وفيه مصطفى بن محمد بن مصطفى وترجمته أملاها عليه الأستاذ عثمان الكعّاك. Sadok Zmerli: Figures tunisiennes: les successeurs، pp .١٨١ - ٨٨١ . * * * ٢ - ابن الأبّار (٦٥٨ هـ١٢٨٠/ م) محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن الأبّار القضاعي البلنسي، نزيل تونس، أبو عبد الله الحافظ المحدث الأديب الكاتب الشاعر المؤرخ صاحب التآليف الكثيرة. أصل والده من أندة (١). ولد ببلنسية من بلدان شرق الأندلس، المدينة الجميلة ذات الخصب والهواء المعتدل (٢). وكان والد ابن الأبّار من أهل العلم، ديّنا تقيا، قرأ على طائفة من العلماء وأجازوه. قرأ عليه ابنه صاحب الترجمة القرآن بحرف نافع، وسمع منه أخبارا وأشعارا، ووجّهه وامتحن حفظه أيام الطلب وناوله جميع كتبه. قال ابن الأبّار في ترجمة والده (٣): «وكان ﵀ ولا أزكيه - مقبلا على ما يعنيه، شديد الانقباض، بعيدا عن التصنع، حريصا على التخلص، مقدّما في حملة القرآن، كثير التلاوة له والتهجد به، صاحب ورع لا يكاد يهمله، ذاكرا للقراءات مشاركا لأخذ المسائل، آخذا فيما يستحسن من الأدب، معدّلا عند الحكام، وكان

стр. 9

القاضي أبو الحسن بن واجب يستخلفه على الصلاة بمسجد السيدة داخل بلنسية، قرأت عليه القرآن بقراءة نافع مرارا، وسمعت منه أخبارا وأشعارا، واستظهرت عليه مرارا أيام أخذي على الشيوخ يمتحن بذلك حفظي وناولني جميع كتبه، وشاركته في أكثر من روى عنه ... ». ويتضح من هذا إن ابن الأبّار نشأ في وسط علمي، ووجّهه والده لطلب العلم. ومن أشهر أعلام بلنسية بل أعلام الأندلس الذين أخذ عنهم وتخرّج بهم في علوم الحديث التي منها معرفة أسماء الرجال وأنسابهم وتواريخهم، وتخرّج به في الكتابة أيضا الحافظ المحدّث الحافل الأديب صاحب الرواية الواسعة والتصانيف أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الحميري الكلاعي، لازمه عشرين سنة. ولم يكتف ابن الأبّار بالأخذ عن أعلام بلنسية بل جال في بلدان الأندلس للأخذ عن رجالها والرواية عنهم. وفي شيوخه كثرة ذكرهم ابن عبد الملك المراكشي في «الذيل والتكملة».وتوفي والده في ربيع الأول سنة ٦١٩/ ٢١ مارس ١٢٢٢ ولم يحضر جنازته لأنه كان غائبا عن مسقط رأسه في ثغر بطليوس، فقد جاء في أواخر ترجمته لوالده «وتوفي ببلنسية - وأنا حينئذ بثغر بطليوس - عند الظهر يوم الثلاثاء الخامس شهر ربيع الأول سنة ٦١٩ ودفن لصلاة العصر من يوم الأربعاء بعده بمقبرة باب بيطالة وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وحضر غسله أبو الحسن بن واجب وجماعته وكانت جنازته مشهودة، وأثنوا عليه جميلا نفعه الله بذلك». وابن الأبّار حريص على الرواية عمن تقدمت سنهم وعلا إسنادهم حتى بعد استكمال تحصيله وتجاوز طور الشباب، اتباعا لتقليد شاع في أوساط المحدثين، فقد لقي بتونس المقرئ الراوية أبا زكريا يحيى بن محمد بن عبد الرحمن البرقي المهدوي مصروفا عن قضاء المهدية (ت. سنة ٦٤٧/ ١٢٥١). وقد اجتمع البرقي في تونس بالحافظ أبي الخطاب عمر بن حسن الكلبي المعروف بابن دحية، وروى عنه، وروى عنه عبد المنعم بن عبد الرحيم الخزرجي المعروف بابن الفرس (١). ويبدو أن ابن الأبّار كان عارفا بمكانته قبل لقائه. وبعد استكمال تحصيله وإشباع نهمه من لقاء الشيوخ بالقطر الأندلسي رجع إلى مسقط رأسه بلنسية فتولى الكتابة لواليها أبي عبد الله بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن المعروف بالبياسي وقد نشأ هو وأخوه أبو زيد عبد الرحمن في بياسة، فعرفوا من أجل ذلك بالبياسيين. ولما خرج من بلنسية والتجأ إلى حلفائه القشتاليين خلفه على إمارة بلنسية أخوه أبو زيد عبد الرحمن، واستمر ابن الأبّار على خطته في الكتابة حتى إذا ضيق على هذا الأمير أبو جميل زيان بن أبى الحملات مدافع بن يوسف بن سعد بن مردنيش في بلنسية التجأ إلى حليفه جايم أو خايمة الأول ملك أراغون وصحبه كاتبه ابن الأبّار ثم رجع ابن الأبّار إلى بلنسية عند ما رآه يفضل الإقامة في بلاد ملك أراغون وعمل كاتبا لأبي جميل زيان بن مردنيش الوالي الجديد على بلنسية. وكان القطر الأندلسي في هذا العصر مختل الأوضاع تعصف به الحروب

стр. 10

الداخلية والحروب الخارجية من الإسبان بقيادة ملك قشتالة وملك أرغوان بحيث أن حركة الاسترداد الإسبانية سجلت انتصارات متعددة واحتلت مدنا عديدة، وكانت الدولة الموحدية في طورها الأخير من الضعف والانحلال، وأفراد بيتها منقسمون على أنفسهم متعطشون إلى السلطة تعطشا محموما بدون إقامة وزن للظروف الحرجة والمصلحة العامة، وأمراء الطوائف من الأندلسيين يتحاربون ويستعينون بهذا وذاك من ملوك الاسبان للتغلب على خصومهم ويرضون في مقابل ذلك بأداء إتاوة سنوية وهي نوع من الحماية بعدها الاحتلال في الفرصة المؤاتية، ويظهر للمتأمل أن مصير الأندلس تقرر منذ العقود الأولى من القرن السادس الهجري. وكان شرقي البلاد الأندلسية هدفا لهجومات ملك أراغون خايما الأول فاستولى على كثير من القلاع حول بلنسية وشقر سنة ٦٣٣/ ١٢٣٦ وبنى حصن أنيشة قرب بلنسية ليعسكر فيه جنده استعدادا لحصار بلنسية، وقد حاول ابن مردنيش أن يبذل آخر جهوده فاستنفر أهل شاطبة وشقر، فانضموا إلى جند بلنسية، وهاجموا حصن أنيشة في العشرين من ذي الحجة سنة ٦٣٤/ ١٣ أوت ١٢٣٧ ولكنهم هزموا وقتل في المعركة كثير من الفقهاء والعلماء، ومن بينهم العلاّمة المحدّث أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي شيخ ابن الأبّار (١) وهو مقبل غير مدبر يحرض الفارين على القتال. وكانت هزيمة المسلمين أمام حصن أنيشة دليلا على قرب سقوط بلنسية فأخذ الناس في الانتقال منها. وفي رمضان سنة ٦٣٥/ ١٢٣٨ هاجم ملك أراغون بلنسية وضرب حولها حصارا قويا وأدرك المسلمون فيها أن لا طاقة لهم بصد المحاصرين وعزموا على الاستعانة بسلطان الدولة الحفصية في تونس وعند ذلك أرسل ابن مردنيش وفدا من أهل بلنسية إلى سلطان تونس أبي زكريا يحيى الحفصي وعيّن كاتبه ابن الأبّار من بين أعضاء الوفد في رجب سنة /٦٣٦ ديسمبر ١٢٣٨ وطالب الوفد السلطان أبا زكريا الحفصي بنجدتهم وأدى ابن الأبّار مهمته خير تأدية وأنشد بين يدي أبي زكريا الحفصي (٢) قصيدته السينية الطويلة وعدد أبياتها ٦٧ بيتا من البحر البسيط طالعها: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا «وفيها من التكلف ما يكاد يصرف قارئها عن الحال المحزن الذي قيلت فيه (٣)». «وهو فيها شاعر مملوء النفس بالعاطفة مغمور الفؤاد بالأسى بين وطن مغلوب، وملك بالرجاء مطلوب، فالمعاني متوفرة، ومجال القول ذو سعة، من أجل ذلك أطال وأجاد ووجد وجوه الكلام مختلفة، فصال وجال لكنه كان فيها الواصف الناقل ينتقل من هذا كله ولم يكن الخائل الذي يملك تلوين هذه الأوصاف المنقولة وترويقها لتروق حينا وتهول حينا آخر، فهذا

стр. 11

الخطب تفزع له النفوس وتجزع، وهو في حاجة إلى من يصوره فيحسن تصويره لا من يسرده فيحسن سرده. وإنك إذ تحس جزعا وهلعا عند سماعك هذه القصيدة أو قراءتها فليس شعر الشاعر مبعثه أو مأتاه ولكن ما انطوت عليه الأبيات من تلك الحقائق المتراصة التي أحسن الشاعر جمعها ولم يحسن وصفها» (١). ولكن القصيدة على أي حال حققت الهدف من إنشادها، وكان لها تأثير في نفس السلطان أبي زكريا فتحمّس وأرسل أسطولا إلى بلنسية مشحونا بالسلاح والقوت والمال. وكان الملك خايمة الأول قد ضيّق الحصار على بلنسية وراقب ميناءها، وحاول الأسطول الحفصي النزول في موضع جراو قرب بلنسية في ٤ محرّم ٦٣٦/ ١٨ أوت ١٢٣٨ فلم يستطع النزول لوجود الجنود النصارى «فأرسل قائد الحملة أبو يحيى بن أبي حفص عمر الهنتاتي المعروف بالشهيد إلى أبي زكريا الحفصي يعلمه بالحال، واتجه هو بالسفن إلى دانية وهي تابعة لابن مردنيش وأرسى فيها في ١٢ محرّم ٦٣٦/ ٢٦ أوت ١٢٣٨ وترك لأهلها الطعام والسلاح اللذين كان يحملهما أما المال فقد عاد به إذ لم يجد من يتسلمه منه» (٢). وكان الحصار محكما شديدا حول بلنسية، والقتال ضاريا عنيفا وأعداد جند النصارى تتزايد يوما بعد يوم «حتى أصبح معسكر ملك أراغون كأنه مدينة كبيرة، خفّ إليها التجار من كل صوب» (٣). وفي الوضع المتأزم اليائس استقر رأي زيان بن مردنيش على مفاوضة الأعداء لتسليم مدينة بلنسية، وتم التسليم في ١٧ صفر /٦٣٦ سبتمبر ١٢٣٨ وقد اشترك ابن الأبّار في المفاوضات وكتب العقد. وقد وصف ابن الأبّار موكب التسليم، وبعض ما تضمنه اتفاق التسليم وانتقال الناس من بلنسية وخروج ابن مردنيش من قصر الإمارة. قال: «ثم ملكها الروم ثانية بعد أن حاصرها الطاغية جاقم البرشلوني من يوم الخميس الخامس من شهر رمضان سنة خمس وثلاثين وستمائة إلى يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة ست وثلاثين وفي هذا اليوم خرج أبو جميل زيان بن مدافع بن يوسف بن سعد الجذامي من المدينة، فهو - يومئذ - أميرها في أهل بيته ووجوه

стр. 12

الطلبة والجند وأقبل الطاغية وقد تزيّا بأحسن زي في عظماء قومه من حيث نزل بالرصافة أول هذه النازلة فتلاقيا بالولجة (١) واتفقا على أن يتسلم الطاغية البلد سلما لعشرين يوما ينتقل أهله أثناءها بأموالهم وأسبابهم وحضرت ذلك كله وتوليت العقد عن أبي جميل في ذلك وابتدئ بضعفة الناس وسيروا في البحر إلى نواحي دانية، واتصل انتقال سائرهم برا وبحرا وصبيحة يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر المذكور كان خروج أبي جميل بأهله من القصر في طائفة يسيرة أقامت معه وعند ذلك استولى عليها الروم» (٢). وكان حزن المسلمين على سقوط بلنسية عظيما، وبكى ابن الأبّار مسقط رأسه بدمع غزير (٣) قال من رسالة له: «أما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليها الذي أخنى لبد أسلمها الإسلام. وانتظمها الانتثار والاصطلام، حين وقعت أنسرها الطائرة، وطلعت أنحسها الغائرة فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن (بسيط): كزعزع الريح صك الدوح عاصفها ... فلم يدع من جنى فيها ولا غصن واها وواها يموت الصبر بينهما ... موت المجاهد بين البخل والجبن أين بلنسية ومغانيها وأغاريد ورقها وأغانيها، وأين حلى رصافتها وجسرها، ومنزلا عطائها ونصرها، أين أفناؤها تندى غضارة وذكاؤها تبدو من خضارة، أين جداولها المنساحة وذمائلها، أين جناتها النفاحة وشمائلها، شد ما عطل من قلائد أزهى نحرها، وخلعت شعشعانية الضحى بحيرتها وبحرها، فأية حيلة لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان، وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان، ثم لم يلبث داء عقرها أن دب إلى جزيرة شقر فأمرّ عذبها النمير وذوى غصنها النضير، وخرست حمائم أدواحها وركدت نواسم أرواحها» (٤). وقد عدّد ابن الأبّار المدن الأندلسية التي سقطت بأيدي الاسبان، والتي يتوقع سقوطها « ... وتلك البيرة بصدد البوار، ورية في مثل حلقة السوار، ولا مرية في المرية وخفقها على الجوار إلى بنيات لواحق بالأمهات، ونواطق بهاك لأول ناطق بهات». وذهب ابن مردنيش إلى دانية ومعه ابن الأبّار، ثم رأى ابن الأبّار الانتقال إلى تونس

стр. 13

والاستقرار بها ليأسه من الوضع السيئ بالأندلس، ولحسن استقباله بتونس عند زيارته الأولى وتقديره وذيوع صيته (١) وأكرم أبو زكريا الحفصي وفادته وولاه كتابة العلامة، وهي عبارة عن التواقيع التي تضاف إلى المكاتبات السلطانية وترفع إلى السلطان ليضع عليها خاتمة (٢). تولّى ابن الأبّار هذه الخطة بعد وفاة أبي عبد الله محمد بن الجلاء البجائي (٣) سنة ١٢٤٠/ ٦٣٨ صاحب خطة الإنشاء والعلامة. وكان من المنتظر أن يلاقي النجاح والتوفيق لسابق تجربته في الخدمة بقصر الإمارة ببلنسية ولكنه لسوء أخلاقه وعدم احترازه من فلتات لسانه لم ينجح في الاضطلاع بهذه المهمة السامية وأخر وبعد تأخيره وتولية غيره كتابة العلامة لم يتقيد بدقة بما أعطي له من أوامر ولعل ذلك مبعثه الغرور. قال الزركشي (٤): «ثم أخر لسوء خلقه وإقدامه على التعليم (أي كتابة العلامة) في كتب لم يؤمر بالتعليم فيها». ومثل هذا التفصي من القيود والسير بما تمليه الشهوة والرغبة، وبعبارة أخرى عدم التقيد بأي رسم من رسوم الإجراءات والأنظمة الديوانية، ومثل هذا ربما نجد له مبررا إذا كان القائم بهذه الوظيفة غرا عديم التجربة، أما ابن الأبّار ذو التجربة السابقة فلا تفسير لسلوكه إلا الغرور وإذا كان هكذا فما له والاتصال بقصر له نظمه وتقاليده ويتقلد فيه وظيفة أخرى؟ وآل الأمر إلى تأخير السلطان أبي زكريا الحفصي لابن الأبّار عن كتابة العلامة وتقديم

стр. 14

أحمد بن إبراهيم بن عبد الحق الغساني التونسي المولد الأندلسي الأصل (١) وكان يكتب العلامة بالخط المشرقي (٢) بما نصه: «من الأمير أبي زكريا ابن الشيخ أبي حفص» (٣) وطلب من ابن الأبّار أن يقتصر على إنشاء الرسائل وكتابتها وأن يدع كتابة العلامة فيها لأحمد بن ابراهيم الغساني فلم يمتثل ما أمر به فبقي يكتب العلامة فعوتب في ذلك وروجع فاستشاط غضبا ورمى بالقلم من يده وأنشد متمثلا ببيت المتنبي: أطلب العز في لظى وذر الذل ... ولو كان في جنان الخلود وحمل الخبر إلى السلطان فصرفه عن العمل وأمره بلزوم بيته. وقد عزا بعض الباحثين (٤) نكتبه إلى أن سعاية بعض حساد ابن الأبّار من أهل تونس ممن ساءهم أن يروا المهاجرين الأندلسيين يحتلون أرفع المناصب في الدولة الحفصية ويزاحمونهم عليها بما يملكون من ثقافات ومواهب، أي أن هناك نزعة بلدية ضيقة لا تنظر بارتياح إلى تسنم الوافدين الغرباء من الأندلسيين أعلى المناصب وأن في هؤلاء غرورا واعتدادا بأنفسهم وثقافتهم وكونهم أهلها وأحق بها من غيرهم. وليس هذا صحيحا من كل وجه لأن ابن الغماز البلنسي ابن بلدة ابن الأبّار وتلميذ أبي الربيع الكلاعي مثل ابن الأبّار تولى قضاء الجماعة بتونس (ما يعادل بعض اختصاصات وزير العدل الآن) مرات وكتابة العلامة الكبرى، ولم تحدث له مشاكل أو سعايات لأن ابن الغماز كان رجلا هادئا عاقلا رزينا رضي الأخلاق، بعيدا عن مزالق فلتات اللسان والغرور والادعاء. وكان محل تقدير من جميع الأوساط، ولما مات تأسف الناس لفقده فرثوه بقصائد كثيرة جمعت في تأليفين لرجلين. إن إخفاق ابن الأبّار مردّه إلى حدة طباعه وسوء أخلاقه وغروره وعدم تحرزه من فلتات لسانه ومما يدل على عدم تحرزه من فلتات لسانه وعدم تقديره لما ينجرّ عنها من نتائج غير سارة، أنه لما قدم من بلنسية في الأسطول نزل ببنزرت وخاطب الوزير ابن أبي الحسين بغرض رسالته ووصف أباه في عنوان مكتوبه «بالمرحوم» ونبّه على ذلك فضحك وقال: «إن أبا لا تعرف حياته من موته لأب خامل» ونمي ذلك إلى الوزير فأسرّها في نفسه وراح يكيد له، وابن

стр. 15

الأبّار يؤذي بلسانه ويتهكم في سخرية من لا يروق له «ويبدو أنه (١) كان ممن ينبزون الآخرين بالكلام القارص أو النقد المهين في خفية وتستر حاسبين أن أمرهم لا يفتضح وأمرهم في الحقيقة لا يخفى على أحد، ومن هنا لقبه خصومه بالفأر ويغلب على الظن أن وجهه كان صغيرا نحيلا، ومن هناك قال فيه أحد خصومه وهو أبو الحسن علي بن شلبون المعافري البلنسي [كامل]: لا تعجبوا لمضرة نالت جمي ... ع الخلق صادرة من الآبار أوليس فأرا خلقة وخليقة ... والفأر مجبول على الأضرار وبعد صرف ابن الأبّار عن خطته انتقل إلى بجاية لملاقاة ولي العهد أبي يحيى زكريا «وكان في أيام أبيه شابا مستضعفا دائم الخوف من إخوته محمد وابراهيم وعمر وأبي بكر (وكلهم ولي بعده) ومن أبناء عمه محمد بن عبد الواحد المعروف باللحياني لعظيم لحيته، ولهذا كان حريصا على أن يكسب لنفسه أنصارا يشدون أزره، فسره أن يتشفع به ابن الأبّار فكلّم أباه في أمره فأعاده إلى الرضا» (٢). وفي فترة الابتعاد عن الخدمة نظم القصائد الضارعة معتذرا وراجيا عفو السلطان أبي زكريا من زلقة: لمبشري برضاك أن يتحكما ... لا المال استثني عليه ولا الدما ندمي على ما ندّ مني دائم ... وعلامة الأوّاب أن يتندما وفي هذه الفترة ألف ابن الأبّار «إعتاب الكتّاب» «برسم السلطان أبي زكريا، وتذلل في فاتحته فأسرف في التذلل، وقصّ فيه حكايات كتّاب غضب عليهم الملوك والأمراء ثم عفوا عنهم وقبلوا أعذارهم واعتبوهم. أين هذا من تمثله منشدا: أطلب العز في لظى وذر الذل ... ولو كان في جنان الخلود بل ها هو ذا متضرع ذليل في الدنيا لا في دار الخلود! إن ابن الأبّار تحمله الحدة وسوء الخلق على عدم الانسجام بين مواقفه وأقواله وما كان أغناه عن التذلل والركوع لو أحسن ضبط نفسه ولم يكرع من ماء الغرور العكر. وتوفي السلطان أبو زكريا سنة ٦٤٧/ ١٢٤٨ وتولى بعده أبو عبد الله محمد الملقب بالمستنصر ثاني أولاده وقد رتب جماعة من العلماء والأدباء لمجالسته وكثير منهم أندلسيون

стр. 16

كابن عصفور وابن الأبّار وأبي بكر ابن سيد الناس وأبي المطرّف بن عميرة وغيرهم. وابن الأبّار لم يستفد من تجاربه في خدمته الديوانية مع ما فيه من خفة وطيش فألب الأعداء حوله لسلاطة لسانه وإيذائه به وغروره فلم يقصّر هؤلاء في نسج الدسائس له حتى أودوا بحياته ومنهم الوزير أحمد بن أبي الحسين، والكاتب أحمد بن إبراهيم الغساني، هذا زيادة عما في حياة القصر من رسوم تضيق بالفضول والغرور. وقد تمكّن خصوم ابن الأبّار وأضداده وفي مقدمتهم الوزير ابن أبي الحسين من إيغار صدر المستنصر عليه، فنفاه إلى بجاية سنة ٦٥٥/ ١٢٥٧. وفي مدة نفية ببجاية لقيه أبو الحسن علي بن سعيد الأندلسي وقال بعد أن أشار إلى قصيدته السينية وتوفيقه فيها وإعجاب الناس بها: «إلا أن أخلاقه لم تعنه على الوفاء بأسباب الخدمة، فقلصت عند ذلك النعمة، وأخر من تلك العناية، وارتحل إلى بجاية، وهو الآن عاطل من الرتب، خال من حلى الادب مشتغل بالتصنيف في فنونه، مثقل منه بواجبه ومسنونه، ولي معه مجالسات آنق من الشباب، وأبهج من الروض عند نزول السحاب (١). وفي هذه الفترة نقّح وزاد في كتابة «التكملة لكتاب الصلة» وأتم كتابه «الحلة السيراء» واستطاع ابن الأبّار أن يسترضي السلطان المستنصر فعاد إلى تونس. ولم تطل مدة إقامته بها حتى قتل. وذكروا في سبب قتله أنه جرى بالمجلس يوما ذكر مولد الواثق ابن السلطان المستنصر فلما كان من الغد جلب ابن الأبّار بطاقة يعرف فيها بساعة المولد والطالع (٢) فلما وقف عليه المستنصر قال: «هذا فضول ودخول فيما لا يعنيه من أمرنا» وأمر بتثقيفه بسقيفة القصبة، وبعث إلى داره أحمد بن إبراهيم الغساني وبينهما من العداوة ما يكون بين صاحب خطة أخذها أحدهما من الآخر فوجد في تقاييده أبياتا منها: طغى بتونس خلف ... سمّوه ظلما خليفة (٣) وحكى المرادي أن البيت الذي وجد له يقتضي هجاء الخليفة هو قوله: عق أباه وجفا أمه ... ولم يقل من عثرة عمه فلما قرأها السلطان أمر بضربه ضربا شديدا ثم قتل مرشوقا بالرماح، وأخذت كتبه

стр. 17

وتقاييده فأحرقت في موضع قتله وكانت خمسة وأربعين تأليفا وذلك في صبيحة يوم الثلاثاء ٢١ محرّم ٦٥٨ بمقصورة المحتسب خارج باب ينتجمي (١) ثم ندم السلطان بعد ذلك على قتله. قال المؤرخ ابن أبي الضياف: «وتركها شنعاء في ملوك الإطلاق» (٢). وقيل إن سبب قتله أنه وجد بين كتبه «كتاب في التاريخ» عثر فيه على ما يسيء إلى المستنصر أثار السلطان فقتله (٣). وسواء صحّت هذه الحكاية أو تلك في سبب قتله أو لم تصح فإنها لا تفقد دلالتها في عدم احتراز ابن الأبّار من فلتات لسانه وبدوات قلمه وإن الذين ربما دسوا بين أوراقه بيتي الشعر السالفين كانوا عارفين بنفسيته وأخلاقه بحيث إذا تعمدوا الكذب والوضع لا يكذبهم ما عرف عنه من صفات وأخلاق. ويصدق على ابن الأبّار أنه كان «غير عارف بزمانه ولا مقبل على شانه» لأنه جلب لنفسه عداوة رجال كان في غنى عنها، ولم يكن عارفا بشهوة ملوك الإطلاق في سفك دم من لا يروق لهم أو يخالفهم في الرأي الخلاف البسيط. ولا نبرئ المستنصر من جسارته على سفك الدماء وليس ابن الأبّار هو الوحيد الذي قتله بل قتل إبراهيم (٤) اللّلياني، ودبر اغتيال ابن عصفور الأشبيلي النحوي وقد بالغ المستنصر في شناعة الانتقام فلم يقتصر على الأمر بضرب ابن الأبّار وقتله، بل أحرق شلوه مع كتبه. وما ذنب الكتب حتى تحرق؟ ! نعوذ بالله من غضب يفقد معه صاحبه رشده واتزانه وكان بوسع المستنصر الاحتفاظ بمكتبة ابن الأبّار وضمها إلى مكتبة القصر وتيسير السبيل لمن يريد الاطلاع أو النسخ وهي كتب علمية بعيدة عن السياسة، ولا تدعو إلى الانتفاض أو الثورة أو الخلاف، وبوسعه التخلص من بعض كتب قليلة تسيء إليه ولا تروق له ككتاب التاريخ - على ما قيل - وكان هذا العمل الإجرامي الجنوني من المستنصر سببا في اتلاف مؤلفات ابن الأبّار بحيث لم يبق منها إلا القليل مما نسخه بعض الآخذين عنه وسمعه منه قبل قتله. ثناء العلماء عليه: قال ابن عبد الملك المراكشي: «وكان آخر رجال الأندلس براعة واتقانا وتوسعا في المعارف وافتنانا، محدّثا مكثرا ضابطا، عدلا ثقة، ناقدا يقظا، ذاكرا للتواريخ على تباين

стр. 18

أغراضها متبحرا في علوم اللسان نحوا ولغة وأدبا، كاتبا بليغا، شاعرا مفلقا مجيدا، عني بالتأليف وبحث فيه واعين عليه موفور مادته وحسن التهدي إلى سلوك جادته فصنف فيما كان ينتحله مصنفات برز في إجادتها، وأعجز عن الوفاء بشكر إفادتها» (١). وقال عبد الحي الكتاني (٢): «وهو عندي عديل ابن خلدون وابن الخطيب في الإنشاء وملكة الشعر، ويفوقهما بصناعة الحديث ومعرفته معرفة تامة، ليس للتونسيين من يشاركه ويضارعه فيها، ولفرط اعتنائه وعظيم اهتباله قال الغبريني في «عنوان الدراية (٣)»: لا يكاد كتاب من الكتب الموضوعة في الإسلام إلا وله فيه رواية بعموم أو خصوص». تلامذته: روى عنه صهره على بنته أبو الحسن عيسى بن لب، وأبو بكر بن أحمد ابن سيد الناس، وأبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد التجاني التونسي، ومحمد بن أبي القاسم بن رزين التجيبي نزيل تونس، ومحمد بن الجلاب نزيلها، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن برطلة، وعبد الله بن هارون (٤) الطائي القرطبي نزيل تونس. وابن الأبّار لم ينتصب للتدريس والإسماع في مسجد أو مدرسة، ولعل هؤلاء سمعوا منه في منزله بتونس. مؤلفاته: أغلب تآليفه في الحديث أو ما له صلة به كالمعاجم التي ألّفها عن بعض مشاهير محدثي الأندلس ولا يكاد المحدث يخلو من العناية بالتاريخ والتراجم، ولعل أول مؤلفاته كانت في الحديث كالمورد المسلسل، والمأخذ الصالح، ثم المعاجم، وتكملة كتاب الصلة الذي ألّفه قبل «معجم أصحاب أبي علي الصدفي» للإحالة عليه في هذا الكتاب، وتناوله بالتنقيح والزيادة في تونس وبجاية. ونذكر فيما يلي تآليفه مرتبة على حروف المعجم: ١ - حضار المرهج في إحضار المبهج على نحو كتاب أبي منصور الثعالبي. كذا قال ابن عبد الملك المراكشي ولم يبين أي كتاب من كتب الثعالبي نحا منحاه. ٢ - أربعون حديثا عن أربعين شيخا من أربعين مصنفا لأربعين عالما من أربعين طريقا إلى

стр. 19

أربعين تابعا عن أربعين صاحبا بأربعين اسما عن أربعين قبيلا في أربعين بابا. أبدى فيه اقتداره مع ضيق مجاله، ما عجز عنه الملاّحي من ذلك (١). ٣ - الاستدراك على أبي محمد القرطبي ما أغفله من روايات الموطأ. ٤ - إعتاب الكتّاب، حققه وعلّق عليه وقدّم له الدكتور صالح الأشتر وطبع بالمطبعة الهاشمية بدمشق سنة ١٣٨٠/ ١٩٦٠ من مطبوعات مجمع اللغة العربية، «وتسمية الكتاب توحي بالغرض الذي ألّف من أجله وتكشف عن موضوعه، فالأعتاب مصدر من «أعتب» وتقول «اعتبه» إذا أعطاه العتبى أي الرضى وأزال لومه وأرضاه وإعتاب الكتاب - إذن - إعطاؤهم العتبى بالرضى عنهم والعفو عن زلاتهم وإعادة الحظ والحقوق إليهم، وبذلك يلخص عنوان الكتاب غرضه وموضوعه والغاية من تأليف الكتاب أنه أراد أن يضرب للسلطان أبي زكريا الأمثال في حلم الملوك وعفوهم عن أخطاء كتابهم، فراح يبحث عن هذه الأمثال في تراجم الكتاب في الشرق والغرب الإسلاميين ويتقصاها ويجمعها، ويبرز في كل مثل إقالة الذنب ليحث بذلك السلطان على إقالة ذنبه، ومن هنا كان الكتاب في هيكله العام تراجم مقتضبة لهؤلاء الكتّاب وأخطائهم وعفو أسيادهم عنها. ولما كانت إقالة العثرة هي المحور الأساسي في تأليف الكتاب فقد أهمل المؤلف في ترجمة كل كاتب ما ليس له صلة بذلك المحور في حياتهم. ويمكننا تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول المقدمة: وفيها استعرض المؤلف موضوع كتابه ويشرح الغرض منه. القسم الثاني: تراجم الكتّاب وعددها خمس وسبعون ترجمة تختلف طولا وقصرا فبعضها يتسع حتى يشغل أكثر من خمس صفحات. ويضيق بعضها ويقصر فلا يزيد على أسطر قليلة أما تصنيفه التراجم فقد قسمت إلى قسمين ظاهرين: أولهما لتراجم الكتّاب المشارقة وثانيهما لكتّاب المغرب الإسلامي (شمالي افريقيا والأندلس) وإن لم تكن مراعاة هذا التقسيم دقيقة جدا ذلك أننا نجد في قسم المشارقة أمثال داود القيرواني وعبد الله بن محمد الزجالي الأندلسي، كما نجد في القسم الثاني ترجمة لكاتب صلاح الدين. وتتسلسل التراجم في كل من القسمين تسلسلا زمنيا ... وقد أهمل ابن الأبّار في كل ترجمة تحديد سني المولد والوفاة، والحق أن الكتاب يمثّل أسلوبا جديدا في فن التراجم، أسلوبا موجها وجهة خاصة.

стр. 20

ويشير ابن الأبّار في أغلب الأحيان إلى مصادره التي ينقل منها، وقد كان أمينا في نقله حتى ليبدو لنا في كتابه جمّاعة يجمع وينقل ويحاول أن يربط ويضم أطراف ما يجمعه وينقله ويضيف إلى ذلك وهنالك إشارات إلى السلطان أبي زكريا وولي عهده أبي يحيى. أما ابن الأبّار المؤلف حقا فلا يظهر إلا في التراجم التي خص بها بعض الكتّاب الأندلسيين الذين عرفهم في حياته معرفة شخصية. والقسم الثالث: خاتمة المؤلف وفيها يعلن ابن الأبّار غايته بعد تقديمه الكتاب إلى السلطان أبي زكريا فجميع تلك الأمثلة التي ضربها لعفو الملوك عن زلاّت كتّابهم هي دون عفو السلطان أبي زكريا عن زلته. ولكتاب «إعتاب الكتّاب» قيمة محققة فهي مصدر تاريخي يكشف لنا عن حياة عدد كبير من الكتّاب والوزراء في الدول العربية والإسلامية وقد يقدم لنا أحيانا معلومات لا نجدها في مصدر آخر تزيدنا علما بتلك الشخصيات السياسية التي لعبت أدوارا هامة في تاريخ الحضارة الإسلامية وتنير لنا جانبا من النظم والتقاليد التي كانت متبعة في تنظيم الدواوين وأعمالها في دول العالم الإسلامي. وكتاب «الإعتاب» بذلك كله يأخذ مكانه إلى جانب كتاب «الوزراء والكتّاب» للجهشياري وكتاب «الفخري في الآداب السلطانية» لابن الطقطقى و «كتاب الوزراء للصايي (١)». وقد مهّد محقق الكتاب ببحث مستفيض عن عصر ابن الأبّار وحياته ومؤلفاته، وتحليل واف لكتاب «إعتاب الكتّاب». ٥ - إعصار الهبوب في ذكر الوطن المحبوب. ولعله يتعلق ببلده بلنسية، وما حاق بها من محن أدت إلى سقوطها بين يدي ملك أراغون، والملاحظ أن كلمة وطن عند القدامى ليس لها اتساع في المدلول كما في عصرنا بحيث تشمل القطر كله بل إن كلمة «الوطن» عندهم مرادفة لكلمة «مسقط الرأس». ٦ - الانتداب للتنبيه على زهر الآداب. ٧ - الإيماء إلى المنجبين من العلماء (أي من أهل الأندلس). ٨ - إيماض البرق في شعراء الشرق. ٩ - برنامج رواياته. ١٠ - كتاب التاريخ، وكان سبب قتله وإحراق كتبه لما وجد فيه من أمور تسيء إلى المستنصر حسب رواية المقري.

стр. 21

١١ - تحفة القادم - عارض به زاد المسافر لأبي بحر صفوان بن إدريس، كذا قال ابن عبد الملك المراكشي. ولعله جمع مادته بالأندلس وأظهره بتونس. والعنوان يدل على الغرض وظرفه. وهو «كتاب في تراجم الشعراء يضم مائة من الشعراء وأربع من الشاعرات من أهل الأندلس من رجال القرنين الخامس والسادس مع قطع مختارة من أشعارهم (١)». وقد اختصره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم البلفيقي باسم «المقتضب من تحفة القادم» طبع في القاهرة سنة ١٩٥٧ بتحقيق الأستاذ إبراهيم الأبياري. وهو مختصر سيء الصنيع استغنى البلفيقي فيه عن معظم النثر ولم يبق منه إلا هيكلا جافا يتكون من أسماء وبضعة أشعار (٢). ١٢ - التكملة لكتاب الصلة، ألّف ابن الأبّار هذا الكتاب قبل «معجم أصحاب أبي علي الصدفي» كما يفهم من الإحالة عليه في «المعجم» في مواضع متفرقة. ألّفه بإشارة من شيخه أبي الربيع الكلاعي. قال الدكتور حسين مؤنس «والراجح - على حسب ما استبان لي - أن كتاب «التكملة» كتب على فترات، ففيه مواد يبدو بوضوح أنها كتبت قبل سنة ٦٣٠/ ١٢٣٢ - ١٢٣٣، وأخرى كتبت بعد هذا التاريخ، وقبل هجرة ابن الأبّار إلى المغرب، وثالثة كتبت وهو في بجاية وهذا معقول بالنسبة لكتاب كبير مثل «التكملة».صحيح أنه يفهم من فاتحة الكتاب كما نشرها محمد بن شنب في «المجلة الافريقية» (سنة ١٩١٨) ص ٣١٧ إن الفراغ من كتاب «التكملة» كان في أوائل المحرّم سنة ٦٣١/ ١٢٣٣ - ٣٤ - لكن في الكتاب مواد كتبت وابن الأبّار في تونس أو بجاية مما يدل على أن الأبّار فرغ من صورة أولى للكتاب أول محرّم سنة ٦٣١ ثم عاد إلى الكتاب ووضعه في الصورة التي وصلت إلينا وهو في بجاية للمرة الثانية (٣). وانتهى من تأليفه سنة ٦٤٦ وهو مطبوع نشر القسم الكبير (٤) فرانشيسكو كوديرا من حرف (ح) إلى نهاية الكتاب في مجلدين في مدريد بين عامي ١٨٨٨ - ١٨٨٩ ونشر القسم الأول الباقي منه محمد بن أبي شنب والفريد بال في الجزائر سنة ١٩٢٠ ونشره عزت العطار الحسيني في القاهرة سنة ١٩٥٥ وصدر منه جزءان وفي أثناء طبع الجزء الثاني مات الناشر، ولم يتم طبع البقية. والكتاب في تراجم علماء الأندلس مرتب على حروف المعجم حسب الطريقة المغربية، على خلاف كتاب ابن الفرضي، و «الصلة» لابن بشكوال، كما سار على الطريقة المغربية في

стр. 22

الترتيب أبو العباس بن فرتون في كتابه «الذيل على الصلة» ومكمله أبو جعفر بن الزبير في كتابه «صلة الصلة» والطريقة المغربية تتفق مع الطريقة المشرقية إلى الزاي وبعده عند أهل المغرب والأندلس: ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ وي (١). وإذا كان كتاب «التكملة» مرتبا على الحروف فإنه قد روعي في هذا الترتيب الطبقات بأن يذكر المتقدم وفاة على سابقه ولو كان في ذلك إخلال بالترتيب المعجمي الدقيق في مراعاة أسماء الآباء والأجداد مع الاسم اي ما يسمى بمراعاة الثواني والثوالث، ولولا الفهارس المسهلة للمراجعة لأضاع الباحث وقتا كثيرا في البحث عن ترجمة اسم في حرف من الحروف بتتبع الأسماء المشتركة ولم يوف ابن الأبّار ومن سبقه بشرط الترتيب على الطبقات «وقد كان من الاتقان في العمل أن بنوا كتبهم على ترتيب الطبقات أن يعمدوا إلى أقدم من باسم أوله حرف الباب موتا فيصدرون به ويتبعونه مشاركيه في الاسم كما يفعلون في المفاريد، ثم يفعلون ذلك في الأسماء اسما اسما، فلم يفعلوا ذلك بل نجد أول مذكور في الترجمة السابقة متأخر الوفاة عن أول مذكور في الترجمة الثانية بل في الثالثة فصاعدا، وذلك موجود كثيرا لمن يلتمسه في كتبهم (٢). واعتبر ابن الأبّار في الترتيب زمن رواية الراوي عن شيوخه مع وفاة من قبله ومن بعده فيذكره بينهما، وفيه من الخلل في الترتيب ما فيه لأن الراوي قد يكون زمن الرواية صغير السن ثم يعمر ما شاء الله أن يعمر فلا يكون من ذلك طبقة حسب ترتيب الوفيات. قال ابن عبد الملك المراكشي: «ومما وجدت أبا عبد الله بن الأبّار يعتبر في التطبيق زمن رواية الراوي عن شيوخه بعد وفاة من قبله ومن بعده فيوسطه بينهما فيجعل الراوي سنة عشرين وخمسمائة مثلا بين من توفي سنة تسع عشرة وبين من توفي سنة إحدى وعشرين ولعل الراوي سنة عشرين كان طفلا صغيرا أو ابن خمس عشرة أو عشرين ثم يعمر بعد ما شاء الله ويبلغ الثمانين أو التسعين وخمسمائة وستمائة وكيف يسوغ الحكم بأنه من تلك الطبقة على مراعاة ترتيب الوفيات (٣). وسار ابن الأبّار ومن سبقه على ذكر الأسماء النادرة في المفاريد وذلك في كل حرف وعلى ذكر الغرباء في كل حرف بعد الفراغ من ذكر الأندلسيين، والغرباء - في اصطلاحهم - وهم الطارئون على الأندلس من غيرها سواء كان أصلهم منها أو من غيرها (٤). ولا حظ الناقد المتلمح ابن عبد الملك المراكشي بأن مصطلحهم في الغرباء خارج عن عرف المحدّثين والمؤرّخين فإن نسبة الراوي إلى بلد والديه ونشأ وقرأ وروى عنه أو فارقه ثم عاد

стр. 23

إليه نسبة صادقة بكل اعتبار من هذه الاعتبارات التي ذكرها العلماء، وقد اشترك في استعمالها المتقدمون والمتأخرون فأما إن كان ناقلة بعد مولده فما بعده على تدريج الأحوال إلى غيره فإن المتقدمين راعوا موضع استقراره فهم إنما ينسبونه إلى البلد الذي صار مستقره (١) إلى أن قال: «فعلى هذا كان عمل المتقدمين أئمة المحدثين وتبعهم في ذلك المتأخرون ما عدا أبا الوليد بن الفرضي وتابعيه وهلم جرا». واضطرب ابن الأبّار في خصوص الغرباء فقد عدّ بعضهم أندلسيا استكثارا أو تعصبا وذكر في الغرباء من لم يدخل الأندلس، قال ابن عبد الملك المراكشي: «وقد اضطرب عمل أبي عبد الله بن الأبّار في هذا اضطرابا ينافي شهير نبله ومعروف تيقظه وتحفظه من متعلقات النقد وأسبابه فجرى في معظم كتابه على اصطلاح أبي الوليد بن الفرضي ومن تبعه وخالفهم في بعضه فذكر في الأندلسيين جماعة من الناقلة إليها عمل المتقدمين المفروغ من تقريره تشبعا واستكثارا وإفراطا في التعصب الذي كان الغالب عليه حتى غلا فيه ويكفيك ما ختم به رسم أبي عبد الله بن عيسى بن المناصف ﵀ بعد أن ذكره في الأندلسيين وذكر من أحواله ما رأى أن يذكره به قال: «مولده بتونس وقيل بالمهدية وهو أصح».ثم قال: وذكره في الغرباء لا يصلح ضنا به على العدوة (٢) وحسبك ما احتمل هذا القول من الشهادة على قائله بما لا يليق بأهل الإنصاف من العلماء واستحكام الحسد المذموم، واحتقار طائفة كبيرة من الجلة العدويين (٣)». ومن تشبّع ابن الأبّار واستكثاره في الغرباء من لم يعرف دخولهم الأندلس كأبي المعالي الخراساني. «وكم من شاهد على أبي عبد الله بن الأبّار بفاضح التشبّع في كتابه كذكره أبا المعالي الخراساني ورواية أبي زيد الفزاري عنه وقوله إنه لا يدري أين لقيه، فما الذي يسوغ له أفراده برسم في كتابه (٤).» وذكر ابن الأبّار في «التكملة» كثيرا من العباد غير معروفين بالعلم استكثارا وهم ليسوا من شرط كتابه ولا كتابي سلفيه «ابن الفرضي وابن بشكوال» وكذلك ذكر طائفة كبيرة ليست من شرط كتابه ولا «كتابي الشيخين أبي الوليد بن الفرضي وأبي القاسم بن بشكوال لأنهم لم يرسموا بفن من فنون العلم، وإن ذكروا بصلاح وخير واجتهاد في العبادة وانقطاع إلى أعمال

стр. 24

البر فلذكرهم مجموع آخر يشملهم مع من كان على مثل أحوالهم (١). وفي «التكملة» أحيانا التكرار وقلب النسب، ومما أخل به أي إخلال أن ذكر ابن أحمد ابن سعيد بن مطرف التجيبي من أهل قلعة أيوب، نزيل مدينة فاس، ويعرف بابن البيراقي، ويكنى أبا عبد الله، روى عن أبي محمد بن عتّاب، وكان من أهل العلم صاحب دفاتر ودواوين نفيسة، حدّث عنه أبو حفص عمر بن محمد، وتوفي في حدود الأربعين وخمسمائة عن بعض أصحابنا انتهى إليهم» (٢) ثم قال بعد مائة وتسعة وستين اسما واثر من توفي بعد أربع وثمانين ما نصه: «محمد بن أحمد بن مطرّف بن سعيد التجيبي يكنى أبا عبد الله، وروى عن ابن عتّاب، أخذ عنه ابنه عمر بن محمد انتهى إليهم» (٣) وهذا هو المذكور قبل لا محالة (٤). هذه بعض الانتقادات والمآخذ على كتاب «التكملة» التي لا حظها الناقد كاتب التراجم ذي المنهج الدقيق ابن عبد الملك المراكشي. وقد ألمّ ابن الأبّار في مقدمة «التكملة» بما زاده واستدركه على ابن الفرضي وابن بشكوال ومخالفته لهما على الحروف حسب الطريقة المغربية لا المشرقية فقال: «ولم أقتصر على الابتداء من حيث انتهى ابن بشكوال، بل تجاوزته إلى الفرضي، أتولى التقصي وأتوخى الإكمال، وربما أعدت من تخيفا ذكره وما تعرفا أمره، وخالفتهما في نسق الحروف فجريت على النهج المعروف». وكتاب التكملة استتمام لما بدأ به أبو الوليد عبد الله بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي (٣٥١ - ٤٠٣/ ٩٦٢ - ١٠١٢) من التراجم لعلماء الأندلسيين، وواصل العمل أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الأنصاري (٤٩٤ - ٥٧٨/ ١١٠٠ - ١١٨٢) ثم استتم ما فاته في كتاب لم يصل إلينا هو كتاب «ذيل الصلة» ذكره ابن الأبّار في «معجم أصحاب أبي علي الصدفي» ثم جاء ابن الأبّار فتصدى لاستكمال ما فات سابقيه ومواصلة التراجم إلى أيامه (٥). ثم واصل العمل أبو العباس أحمد بن يوسف بن أحمد المعروف بابن فرتون السلمي الفاسي ثم السبتي (٥٨٠ - ٦٦٠/ ١١٨٤ - ١٢٦٢) في كتابه «الذيل على صلة ابن بشكوال» وهو مفقود. ثم واصل هذا العمل الجليل أبو جعفر أحمد بن إبراهيم المعروف بابن الزب (٦٢٧ - ٧٠٩/ ١٢٢٩ - ١٣٠٨)

стр. 25

في كتابه «صلة الصلة» ثم واصله محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي (١)، (٦٣٤ - ٧٠٣/ ١٢٣٧ - ١٣٠٣) في كتابه «الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة» وهو أسدها منهجا وأغزرها مادة، وختمه ابن الخطيب بكتابه «عائد الصلة» (٢). وهذه الكتب كلها ما عدا الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي تتبع منهجا واحدا في الترجمة فتذكر الرجل باسمه الكامل وكنيته ونسبته وبلده الذي ولد فيه أو الذي منه أصله والبلد الذي سكنه إن كان قد نزل بلدا آخر ثم شيوخه وما قرأ عليهم، ثم تلامذته ومن أخذ عنه وتختم الترجمة بتاريخ الوفاة ومكانها وتاريخ الميلاد ومكانه إذا تيسّر. وهذه في الحقيقة ليست تراجم بالمعنى المعروف وإنما هي سجلات بالأسماء وتواريخ الميلاد والوفيات والشيوخ فلا تعطي فكرة واضحة عن المترجم له إلا فيما ندر فليس فيها إلا القليل جدا من إشارات إلى حياة الرجل وما وقع له أو صفاته وخصائصه كرجل له صفات وخصائص بل ليس فيها إلا في القليل أيضا تلك الطرائف والحكايات الصغيرة التي نجد نماذج منها في «تاريخ القضاة» للخشني أو في «رياض النفوس» أو «الإحاطة» لابن الخطيب أو سلسلة الوفيات المشرقية التي بدأت بابن خلكان، ومن ثم فإن قيمتها للتاريخ السياسي والاجتماعي للأندلس بل فائدتها في التعريف بالرجال أنفسهم قليلة، ولكنها على أي حال أكثر فائدة من المواد التي يتضمنها الكثير من كتب علي بن سعيد وكتاب «الخريدة» للعماد الأصفهاني أو «الكتيبة الكامنة» لابن الخطيب، فهذه مجموعة مختارات وليست بتراجم أو مواد ذات قيمة تاريخية وفي هذه الحدود تتساوى كتب ابن الفرضي وابن بشكوال وابن الأبّار وابن الزبير في الدقة والاتقان وربما شف ابن بكشوال على صاحبيه في تراجمه بسبب ملكته التاريخية الواضحة، وابن الأبّار على هذا الاعتبار واحد من أعلام مؤرخي العلم بالأندلس ومرجع من المراجع التي لا يستغني عنها مؤرخ خلال القرنين السادس والسابع الهجريين بصفة خاصة (٣). ١٣ - كتاب الحلة السيراء ابتدأ ابن الأبّار تأليف هذا الكتاب في تونس عقب استقراره بها فهو في فاتحته يتحدث عن شعر السلطان أبي زكريا يحيى وولي عهده أبي يحيى، وكانا يقرضان الأبيات منه بين الحين والحين وقد صنفه ابن الأبّار تمجيدا لشاعرية السلطان وابنه وتدليلا على أن قول الشعر من خصال كبار الخلفاء والسلاطين والأمراء، فهذا الكتاب مثل كتاب «إعتاب الكتّاب» كتاب مناسبة ولكنها كانت مناسبة سعيدة لأنها أتاحت الفرصة لهذا الحافظ الواعي أن يسجل شيئا من محفوظه الغزير.

стр. 26

وفي الكتاب إشارة إلى أنه كان ما زال مشتغلا بكتابته سنة ٦٤٦/ ١٢٤٩ - ٤٩ وهي السنة التي توفي فيها ولي العهد أبو يحيى، وربما يكون قد أتمه قبل وفاة أبي زكريا ولكن العجلة التي تبدو في الباب الأخير من الكتاب تدل على أنه أتمه بعد هذه السنة بمدة قصيرة، وفي الغالب أيام إقامته الثانية ببجاية (١). وهو بدون شك أحسن كتب ابن الأبّار وأعظمها فائدة بل هو من عيون ما ألف أهل الأندلس قاطبة ومن المراجع التي لا يستغني عنها من يؤرخ له أو يكتب من أي ناحية من نواحي الحياة فيه. وقد ذهب بعض المحدثين إلى أن عنوان الكتاب الكامل «الحلة السيراء في شعر الأمراء» ولم نجد هذا في المخطوط ولا عند الموثوق فيهم (٢) ممن كتبوا عنه، ولهذا جعلنا عنوان الكتاب «الحلة السيراء» فحسب، ولو أن إكماله بعبارة «في شعر الأمراء» معقول. وجدير بالملاحظة أن شعر الكتاب ليس كله لأمراء بل فيه الكثير من شعر الوزراء والكتّاب وأصحاب الجاه والعلماء وهذا الشعر كله جيد مما يدل على ملكة ابن الأبّار كناقد للشعر عارف بالجيد منه وغير الجيد ولكن أهم من الشعر في الكتاب نثره، فهو تراجم غاية في الفائدة لعدد كبير من الشخصيات التاريخية في المغرب والأندلس من القرن الأول الهجري إلى القرن السابع مع مادة تاريخية لا بأس بها عن أعلام مشارقة من أهل القرن الأول كان لهم صيت في فتوح المغرب والأندلس. وفي كل هذه المواد يبدو لنا ابن الأبّار مؤرخا فحلا واسع الاطلاع نافذ النظر صادق الحكم وإذا استثنينا بعض المواد الأولى التي ينسب فيها ابن الأبّار شعرا إلى عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان، وبعض أجزاء الباب الأخير الخاص بمن لم يؤثر عنه شعر، تبينا أن مادة التراجم كلها متعادلة من حيث القيمة والغزارة والأصالة، غنية بكل ما ينفع المؤرخ ولا أذكر أني قرأت لغير ابن الأبّار في الأندلس شيئا يدل على سعة النظر على هذه الصورة، فهو متمكن غزير المادة سواء كتب عن خلفاء بني العباس أم أمراء الأندلس وخلفائها أو أمراء الطوائف ومن عاصرهم، وهو ليس غزير المادة فحسب، بل ناقدا لا يمر بخطاء في تاريخ أو اسم إلا استدرك عليه، وتبدو منه بدوات هنا وهناك تدل على أنه كان بالفعل من أعلم الناس بتاريخ المسلمين السياسي والعلمي والأدبي. ومن حسن الحظ أن ابن الأبّار تخلص من السجع بعد فراغه من فاتحة الكتاب فجاء

стр. 27

أسلوبه قويما رصينا بليغا يرتفع إلى أعلى مستويات أساليب العربية الصافية وأسلوبه هذا أشبه أسلوبه في «إعتاب الكتّاب» (١). حقق الكتاب وقدم له معرّفا بابن الأبّار وعصره وتآليفه الدكتور حسين مؤنس الباحث المؤرخ المشهور، وطبع بالقاهرة سنة ١٩٦٣ في جزءين. ١٤ - خضراء السندس في شعراء الأندلس من أول فتحها إلى آخر عمره. ١٥ - درر السمط في خبر السبط على طريقة أبي الفرج بن الجوزي (كذا في الذيل والتكملة) قال ابن الأحمر (٢). لكنه تشتم (منه) رائحة التشيع، وتستطلع منه أنباء الشقاوة إذ تمنعه عن الطعن والتضيّع ط. بتحقيق محسن جمال الدين عمارة، مط. المعارف بغداد ١٩٧٤، ١٤ ص مستل من مجلة البلاغ ع ٥ س ٤ و ٥ (مجلة المورد العراقية ج ٢ مجلد ١٠، ص ٤٥١، ١٩٨١). ولعل ابن الأبّار في كتابيه «درر السمط» و «معدن اللجين في مراثي الحسين» أبدى عطفا لما أصاب أهل البيت من ظلم وتنكيل لذلك قال من قال: إنهما تشتم منهما رائحة التشيع وابن الأبّار لم يكن شيعيا بالمعنى الاصطلاحي المعروف، ولا دائنا بمذهب من مذاهب الشيعة من النص الجلي على إمامة علي، والقول بالرجعة، ولو كان شيعيا دائنا بما سبق ذكره لاستغلّ الفرصة خصومه وأضداده للطعن عليه والحط منه والازدراء به ولكان سببا في تبرير قتله. وصلتنا من هذا الكتاب نسخة خطية وحيدة تعود إلى القرن الثاني عشر الهجري، وكان السيد عامر غديرة قد حققها وترجمها للفرنسية وأعدها للطبع وقدمها لنيل ديبلوم الدراسات العليا بباريس (٣). ١٦ - ديوان شعر على الحروف. ١٧ - شرح صحيح البخاري - قال ابن عبد الملك المراكشي: «كان قد شرع فيه فعاقه عن إتمامه ما ختم به محتوم حمامه». ١٨ - الشفاء في تمييز الثقات من الضعفاء، مقصور على أهل الأندلس. ١٩ - فضالة العباب ونفاضة العيّاب - في أرجوزة ابن سيدة ومن نحا منحاه في ما أسمك على حروف المعجم. ٢٠ - قصد السبيل في ورد السلسبيل، في المواعظ والزهد - أربعة مجلدات.

стр. 28

٢١ - قطع الرياض في بديع الأغراض، مجلدان ضخمان. ٢٢ - المأخذ الصالح في حديث معاوية بن صالح في أخباره ورواياته، وربما كان من أوائل مؤلفاته (ينظر المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي ص ١٨٦). ٢٣ - مجموع رسائله. ٢٤ - مختصر أحكام ابن أبي زمنين. ٢٥ - مظاهرة السعي الجميل ومحاذرة المرعى الوبيل في معارضة ملقى السبيل (١) لأبي العلاء المعري. قال ابن عبد الملك المراكشي «على حروف المعجم نظم ما ينثر بعد نثر ما ينظم» نشره الدكتور صلاح الدين المنجد ضمن سلسلة «رسائل ونصوص» رقم ٣ ط دار الكتاب الجديد بيروت ١٩٦٣. ٢٦ - معجم أصحاب أبي داود الهاشمي. ٢٧ - معجم أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي. وهو كتاب في تراجم الرواة عن القاضي الشهيد أبي علي الحسين بن محمد بن فيرة الصدفي يعرف بابن سكرة وابن دراج السرقسطي، فقد في حرب كتندة سنة ٥١٤/ ١١٢١ رتّب ابن الأبّار الأسماء فيه على حروف المعجم على طريقة الأندلسيين والمغاربة. وقد سبقه القاضي عياض إلى جمع معجم في شيوخ شيخه أبي علي الصدفي فتممه وزاد عليه، قال ابن الأبّار في مقدمة هذا الكتاب «وبعد فهؤلاء الرواة عن القاضي أبي علي بن سكرة الصدفي السرقسطي ويعرف بابن دراج، سموت إلى جمع أسمائهم وأبيات من مكانهم مما أمكن ذكره من أنبائهم مباهيا بهم وبعصرهم، ومناغيا أبا الفضل عياض في جمع شيوخه وحصرهم، ولا غرو فنحوه في المعجم الذي صنع نحوت، وفوز قدمي بإخلاص كرمي رجوت، ليكون هذا لذلك تتمة وليهون الوقوف عليهم مؤتمن وأيمة، وهم بين صاحب في الأخذ عنه راغب، وتلميذ على السماع منه راتب، ومن شيوخه من شذّ، واعتقده في وقته الفذ، فكتب من روايته، وخصه بحظ من عنايته، ذلك لاختصاصه بقربة هي ما هي، ورتبة في العدالة بلغت التناهي». «وابن الأبّار في «المعجم» دقيق الدقة كلها دقيق في رسم الأسماء وتواريخ الميلاد وتعدد الشيوخ، ودقيق أيضا في المنهج الذي اتبعه فهو يرتب أسماء المترجم لهم على حروف المعجم مع بعض اختلاف قليل مقصود كإيراد اسم أحمد قبل إبراهيم، وهو بعد أن يفرغ من حرف يحصي عدد من ذكرهم فيه وإذا أهمل حرفا ينبّه إلى أنه لم يجد فيه «معروفا من هؤلاء الرواة

стр. 29

ولا مكثرا» أو «ليس في هؤلاء الرواة من أول اسمه دال أو ذال» وعدة المذكورين في الحروف الثلاثة: الجيم والحاء والخاء ثلاثة عشر منهم في «التكملة» تسعة رجال «وعدد التراجم التي في هذا المعجم ٣١٥ (١). وترجم لبعض الغرباء الوافدين على الأندلس كأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد النفطي ويعرف بابن الصائغ، دخل الأندلس وله رحلة إلى المشرق، وعمر بن أحمد بن عبد الله بن أحمد التوزري نزيل بجاية، وعلي بن عبد الله بن داود اللمائي المعروف بالمالطي نزيل المهدية. ويذكر أحيانا عقب الترجمة حديثا يرويه عن شيخه أبي علي الصدفي بالإسناد المتصل إلى رسول الله ﷺ ، ويبين أبو علي أحيانا ما فيه من علو. ويذكر في الترجمة من روى عن المترجم له والتراجم تختلف طولا وقصرا، فبعضها لا يتجاوز بضعة أسطر وبعضها في نحو الصفحة والنصف هذا إلى ضبط في الألقاب والأنساب وتفسير معناها إن كان أصلها غير عربي وتحديد مكان البلد الذي ينتمي إليه المترجم له، ولا يهمل ذكر مؤلفات المترجم له. والكتاب ألّفه ببلنسية، وربما زاد فيه زيادات بعد خروجه منها على ما يستفاد من ترجمة يعقوب بن حماد الأغماتي من أهل تلمسان وذلك عند الكلام عن سند حديث كأن يقول: «وقد حدثني القاضي أبو الخطاب بن واجب بجامع بلنسية جبرها الله (٢)» وهذه الجملة ربما توحي بأنها سقطت بأيدي العدو. والمعجم نشره فرانشيسكو كوديرا وطبع بمدريد سنة ١٨٨٦ وأعادت طبعه بالأوفسيت مكتبة المثنى ببغداد بدون تاريخ. ٢٧ - معجم أصحاب أبي علي الغساني. ٢٨ - معجم أصحاب أبي عمر بن عبد الله. ٢٩ - معجم أصحاب أبي عمرو المقري. ٣٠ - معجم شيوخ أبي الحسين أحمد بن محمد بن السراج. ٣١ - معجم شيوخه. ٣٢ - معدن اللجين في مراثي الحسين قال الغبريني (٣) «ولو لم يكن له من التآليف إلا الكتاب المسمى بكتاب اللجين في مراثي الحسين لكفاه».

стр. 30

٣٣ - المورد المسلسل في حديث الرحمة المسلسل (١). «وهذا الحديث قد رويته مسلسلا من طرق مذكورة في غير هذا الموضع، وكلفني من أوجب حقه وأوثر وفقه تخريج أسانيده فيه وجمع طرقه المتصلة فاجتمع لي من ذلك جزء رسمته بالمورد المسلسل في حديث الرحمة المسلسل (٢). ولعله من أوائل مؤلفاته. ٣٤ - هداية المتعسف في المؤتلف والمختلف، مقصور على أهل الأندلس. ٣٥ - الوشي القيسي في اختصار الفيح القسي والأصل للعماد الكاتب الأصبهان. وقد خصّ ابن الأبّار بتآليف الدكتور المرحوم عبد العزيز عبد المجيد: ابن الأبّار حياته وكتبه في ٣٨٤ ص ط بتطوان ١٩٥١. المصادر والمراجع: - اتحاف أهل الزمان لابن أبي الضياف ١/ ١٦١. - أزهار الرياض للمقري ٣/ ٢٠٥. - الأعلام للزركلي ٧/ ١١٠، ١١٠، ١٠/ ٢٠٩. - اختصار القدح المعلى في التاريخ المحلّى لابن سعيد الأندلسي اختصره محمد بن عبد الله بن خليل تحقيق إبراهيم الأبياري (ط القاهرة ١٩٥٩) ص ١٩١، ١٩٧. - إيضاح المكنون ١/ ٩٧، ١٠٧، ١٤٨، ٤١٩؛ ٢/ ٢٠٥، ٢٣٥، ٢٣٦. - كشف الظنون ٣٧٢. - بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين لروبير برانشفيك (بالفرنسية) ٢/ ١٨٤. - تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/ ٨٤، ١٧٧. - تاريخ ابن خلدون ٦/ ٢٨٣، ٢٨٥. - تاريخ الدولتين للزركشي (ط تونس ١٢٨٩) ص ٢٠، ٢١، ٢٧. - تاريخ الفكر الأندلسي تأليف جنثالث بلنثيا، نقله عن الاسبانية حسين مؤنس (ط مصر ١٩٥٥) ص ٢٧٤، ٢٨٠. - تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٤٦١. - الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي ٦/ ٢٥٣، ٢٧٥ (أورد القصيدة السينية كاملة وقطعا من شعره ونثره وقائمة بأسماء مؤلفاته). - ذيل مرآة الزمان للقطب اليونيني ٢/ ١٧٣.

стр. 31

- شجرة النور الزكية ١٩٥، ١٩٦. - شذرات الذهب ٥/ ٢٩٥. - العبر للذهبي ٥/ ٢٤٥. - عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية لأحمد الغبريني تحقيق رابح بونار (ط الجزائر ١٩٧٠) ص ٢٠٧. - الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية لابن القنفذ القسنطيني تحقيق محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي (ط تونس ١٩٦٦) ص ١١٦، ١٢٦، ١٢٧ تعليقات المحققين في آخر الكتاب ص ٢٣٢، ٢٣٣. - فهرس الفهارس والإثبات لعبد الحي الكتاني ١/ ٩٩. - فهرس معجم شيوخ الدمياطي لجورج فاجدا (بالفرنسية) ص ١٠٩. - فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (ط محمد محيي الدين عبد الحميد) ٢/ ٤٥٠، ٤٥٢. - كشف الظنون ١/ ٢٨٦، ٣٧٢. - مستودع العلامة ومستبدع العلامة لأبي الوليد بن الأحمر (المط المهدية بتطوان المغرب الأقصى سنة ١٣٨٤/ ١٩٦٤) ص ١٢٨. - معجم المطبوعات ١/ ٢٦، ٢٧. - معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١٠/ ٢٠٤. - مقدمة إعتاب الكتّاب للدكتور صالح الأشتر. - مقدمة الحلة السيراء للدكتور حسين مؤنس. - مقدمة المقتضب من تحفة القادم للأستاذ إبراهيم الأبياري. - نفح الطيب تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ٣/ ٣٤٨، ٣٥٠. - هدية العارفين لاسماعيل باشا البغدادي ٢/ ٢٧. - الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي ١/ ٣٥٥، ٣٥٨. - الوفيات لابن قنفذ ص ٥٠. - دائرة المعارف الإسلامية (ط جديدة بالفرنسية) ٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥. * * * ٣ - الإبّياني (١) (٢٥٢ - ٣٥٢ هـ) (٢) (٨٦٥ - ٩٦٤ م) عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق التميمي الأبّياني التونسي، أبو العباس. تفقه

стр. 32

بيحيى بن عمر، وأحمد بن أبي سليمان المعروف بابن الصواف، وحمديس القطان، ويحيى بن عبد العزيز، وحماس بن مروان، وغيرهم، وصحب لقمان بن يوسف، وذاكر أبا بكر بن اللبّاد وروى عنه الأصيلي، وأبو الحسن اللواتي، وسعيد بن ميمون، وأبو الحسن القابسي، وابن أبي زيد وغيرهم. كان من شيوخ أهل العلم وحفاظ مذهب مالك من أهل الخير يميل إلى مذهب الشافعي وكان صالحا ثقة مأمونا عاقلا حليما نبيلا فصيحا، جيد الاستنباط. كان أبو محمد عبد الله ابن أبي زيد إذا نزلت به نازلة مشكلة كتب بها يبينها إليه، كان يدرس الواضحة لابن حبيب ولما وصل إلى مصر تلقاه نحو من أربعين فقيها لم يكن فيهم أفقه منه. قال ابن شعبان: ما يزال بالمغرب علم ما دام فيه أبو العباس وقال: من أراد أن ينظر إلى فقيه فلينظر إليه وقال: ما يزال أهل المغرب بخير ما دام بين أظهرهم. وما عدا النيل منذ خمسين سنة أعلم منه. وكان أبو الحسن القابسي يقول: ما رأيت بالمشرق ولا بالمغرب مثل أبي العباس، كان يفصل المسائل كما يفصل الجزار الحاذق اللحم. وكان يحب المذاكرة في العلم ويقول: دعونا من السماع، ألقوا المسائل! وكان قليل الفتوى كثير التواضع، وله فراسة لا تكاد تخطئ ويذكر أنه قال لأبي الحسن القابسي وهو يطلب عليه: والله لتضربنّ إليك آباط الإبل من أقصى المغرب. فكان كما قال. كتب إليه أبو العباس أبو الفضل فضل بن نصر الباهي المعروف بابن الرائس [كامل]: ماذا تريك حوادث الأزمان ... وصروفها وطوارق الحدثان وأشد ما ألقى وأنضج للحشا ... عدم الوفاء وجفوة الإخوان هذا أبو العباس واحد عصره ... وفقيهه والفائت الأقران أنفت به أخلاقه عن وصلنا ... وسلامنا في السر والإعلان إني أتيتك شاكيا ومخبرا ... أشكو إليك حوادث الأزمان فكتب إليه الأبّياني: دهرك - يا أبا الفضل - ذو تقلاب ... بريد العجائب والعجاب فكن جليس بيتك مستوحشا ... من الناس والأهل حتى الإياب له ترتيب السماسرة - مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس. نشره مع التعاليق اللازمة في مجلة (العرب) عثمان الكعاك (ينظر تأليفه العلاقات بين تونس وإيران ص ٤١ (تونس ١٩٧٤) وطبع بمطبعة العساني ببغداد ١٩٦٥ ص ٣ - ٢٢ مستلّ من مجلة كلية الشريعة ١١/ ١٩٦٥ باسم

стр. 33

رسالة في السمسرة والسمسار وأحكامه (مجلة المورد م ١٠ ج ٢، ١٩٨١ ص ٢٦٧) [وطبع بدار الغرب الإسلاميّ، بيروت ١٩٩٢ بتحقيق محمد العروسي المطوي]. المصادر والمراجع: - ترتيب المدارك للقاضي عياض، تحقيق أحمد بكير محمود (ط بيروت ١٣٨٧/ ١٩٦٧) ٣/ ٣٤٧ - ٣٥٢. - الديباج المذهب لابن فرحون ١٣٦. - شجرة النور الزكية ٨٥. - طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي، تحقيق الدكتور إحسان عباس (دار الرائد العربي بيروت ١٩٧٠) ص ١٦٠. - بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين لهادي روجي إدريس (بالفرنسية) ٢/ ٧١٥ - ٧١٦. - الأعلام ٤/ ١٦٦ (ط ٥/). * * * ٤ - الأبّي ( ... ٨٢٧ أو ٨٢٨ هـ) (١٤٢٥ أو ١٤٢٤ م) محمد بن خلفة (١) بن عمر الوشتاتي (٢) الأبّي (٣)، من نبغاء تلاميذ الإمام ابن عرفة، ليم ابن عرفة على كثرة اجتهاده وإتعابه لنفسه في النظر والمراجعة لإعداد درسه في الفقه فقال: «كيف أنام الليل وأنا بين أسدين، الأبّي بفهمه وعقله، والبرزلي بنقله» ويستفاد من هذا أنه ذو عقل تحليلي ناقد، وذو ملكة جيدة في الاستنباط. سكن مدة طلبه للعلم بتونس في المدرسة الشماعية، والمدرسة التوفيقية المسماة أيضا بمدرسة الهواء كما يستفاد من كتابته في شرح صحيح مسلم (إكمال إكمال المعلم) ٦/ ٣٣ - ٣٤، ٧/ ٦٧ حيث جاء فيه ما نصه: «قلت: كان من حلقة الشيخ (أي ابن عرفة) وأصحابنا الطلبة رجل يسمى عرفة، وكان متطلبا ناسكا وهو حينئذ كهل، وأنا في سن ما بعد البلوغ بيسير ساكن بمدرسة التوفيق».

стр. 34

وبعد استكمال تحصيله بقي مقيما بتونس ودرس بها وأخذ عنه جماعة من الأعلام كالقاضي عمر القلشاني، وابن ناجي، وعبد الرحمن الثعالبي الجزائري. وكان فقيها نظارا مشاركا في عدة علوم، قال عنه معاصره الحافظ ابن حجر: «عصرينا بالمغرب محمد بن خلف (كذا) الأبّي الأصولي، عالم المغرب بالمعقول». وكان مع وفور عقله وجودة فهمه يحكى عنه من سلامة الفطرة ما يخرجه إلى حد الغفلة. تولى التدريس مدة بتونس، ثم ولي قضاء الجزيرة القبلية سنة ٨٠٨/ ١٤٠٦ في عهد السلطان أبي فارس عبد العزيز بن أحمد الحفصي. مؤلفاته: ١ - إكمال الإكمال، وإكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، والمعلم بفوائد مسلم للإمام المازري، والأبّي جعل كتابه تكملة لما فات القاضي عياض في شرحه «إكمال المعلم» ولهذا سمى الأبّي شرحه «إكمال إكمال المعلم» وهو شرح نفيس على صحيح مسلم، ضمنه كثيرا من الفوائد والتحقيقات مع زيادات على الشروح المتقدمة عليه وذكر في خطبته أنه ضمنه كتب شراحه الأربعة المازري وعياض والقرطبي والنووي مع زيادات مكملة وتنبيهات ورمز «بالميم» للمازري و «العين» لعياض و «الطاء» للقرطبي و «الدال» لمحيي الدين النووي ولورود أسماء هؤلاء الشارحين كثيرا في شرحه وأشار بلفظ الشيخ لشيخه الإمام ابن عرفة، ونقل عن شيخه ابن عرفة أنه قال: «ما يشق عليّ شيء في الفهم كما يشق عليّ كلام عياض في بعض مواضع من الإكمال» فأزال تلك الصعوبات. قال الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني (١): «وشرحه يغني عن شروحهم الأربعة ولا تغني عن شرحه لما فيه من الأبحاث الرائقة، والتحقيقات الفائقة، يعلم ذلك من أطّلع عليه وكان من أهله وهو خزانة علم ينفق منه الفقير كيف يشاء من نحو وتصريف وأصول وفروع وكلام ومصطلح وميزان (منطق) وتاريخ ومعان وبيان وحقائق وإشارات ومناقب ورقائق ومواعظ وقواعد إلى غير ذلك». وقد أهمل الأبّي شرح مقدمة صحيح مسلم حتى قال الشيخ محمد بن محمد بن يوسف السنوسي في شرحه المكمل لشرح الأبّي المسمى «مكمل إكمال الإكمال»: «رحم الله الشيخ الأبّي ونفع به لقد كان من حقه أن يعتني بشرح المقدمة التي احتوت على علوم ومشكل أسماء ولغات تحتاج إلى ضبط وشرح أكثر من اعتنائه بشرح التراجم لأنها ليست من وضع مسلم

стр. 35

ولأنها في غنية عن الشرح غالبا، فتكميل الفائدة بشرح المقدمة كان أولى». ومقدمة صحيح مسلم من أقدم ما كتب في علم مصطلح الحديث، وللأبّي عناية بالفقه والعقائد في شرحه مع إهمال الكلام غالبا عن رجال الإسناد، على ما في هذا الأمر من جليل النفع في الصناعة الحديثية، قال العلاّمة المرحوم محمد زاهد الكوثري: «ولهذا لم يكن شرحه وافيا بالمرام ولا مطفئا من غلة الباحثين الأوام، إلى أن قام أحمد شبير العثماني الهندي بشرحه في كتاب سماه «فتح الملهم في شرح صحيح مسلم» صدر منه ثلاثة أجزاء من خمسة، وحالت منيته دون إتمام طبعه وهو أحسن شرح لصحيح مسلم». والأبّي يتعرض - عند ما تعن له المناسبة - إلى أحوال طائفة من العلماء التونسيين، ويجلب أحيانا آراءهم وفتاواهم في بعض المسائل، وما يروى عنهم من حكايات ونكت، كما يتعرض أحيانا لتواريخ بعض النظم كالقضاء والسكة ولذا لا يستغني عنه الدارس للتاريخ التونسي وبالخصوص العصر الحفصي. وقد كنت تتبعت مجلداته السبعة وأخذت منها ما له صلة بالتاريخ، وفي أثناء مذاكرة مع صديق ألّف كتابا في تاريخ تونس العام تحدثنا عن شرح الأبّي على مسلم، وبينت له فائدته للمعتني بالتاريخ وما جردته منه، فاشتاقت نفسه للاطلاع عليه فأعرته إياه، وقد أعاد كتابة العصر الحفصي على ضوء ما أمددته به وبغيره من الوثائق، وحلى هوامش كتابه بالنقل عن الأبّي، ولم يشر أدنى إشارة إلى صاحب الفضل، ولما صدر كتابه لم يتكرم بإهداء نسخة، فعجبت من لؤم الرجل وقلة أمانته ونكرانه للجميل فقطعت كل صلة به قبل وفاته بنحو ثلاث سنوات. طبع الكتاب في ٧ م بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٧ وعلى نفقة السلطان عبد الحفيظ. ٢ - تفسير القرآن العظيم، دوّن فيه ما سمعه من دروس شيخه ابن عرفة الذي اعتمد على ابن عطية والزمخشري وبقية المفسرين، واعتمد على علماء اللغة والأصول والمنطق مع إبداء رأيه. منه نسخ عديدة بالمكتبة الوطنية بتونس: ١) نسخة رقم ١٠١١٠ أصلها من المكتبة الأحمدية الزيتونية. وهي نسخة تامة على غاية من الجمال والاتقان والضبط. وهي وإن لم تكن مؤرخة جديرة بكل ثقة، نسخها فيما يبدو الشيخ القاضي المفتي محمد بن سلامة (ت ١٨٥٠) للوزير حسين خوجة (ت ١٢٧٤/ ١٨٥٧). وهي نسخة كاملة في ٢٣٩ ورقة ٢) نسخة برقم ١٠٧٧١ أصلها من المكتبة الاحمدية نهايتها: «تم الجزء الأول من تفسير الإمام أبي عبد الله محمد الأبّي».وهي مؤرخة بآخر شوال /١١٢٨ سبتمبر - أكتوبر ١٧١٦ في ٢٣٦ ورقة.

стр. 36

٣) نسخة برقم ٢١٢٦٩ غير تامة. ٤) نسخة مصورة برقم ٩٣٤٥٣. ثلاث نسخ في المكتبة العامة بالرباط رقم ٢٠٣٠ مبتورة الآخر، رقم ٢٠٢٨ مبتورة الأول. وهذه النسخ الثلاث أصلها من مكتبة الشيخ عبد الحي الكتاني. وتوجد منه نسخة مصورة في معهد جامعة الدول العربية، القاهرة رقم ١١٦. ٣ - شرح المدونة. المصادر والمراجع: - الأعلام ٦/ ٣٤٩. - البدر الطالع للشوكاني ٢/ ١٦٩. - برنامج المكتبة العبدلية ٢/ ٣٣ - ٣٤. - تاريخ الدولتين للزركشي ١٠٧. - تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد لمحمد بن الخوجة، ص ٦٦، ٧٧، ١٧١. - تبصير المنتبه ١/ ٢١. - الحلل السندسية ٣/ ٦٨٦/١ - ٦٨٧. - درة الحجال ٢/ ٢٨٥. - شجرة النور الزكية ص ٢٤٤. - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/ ١٨١ (نقل عن تبصير المنتبه للحافظ ابن حجر، وفيه كما في المطبوع من تبصير المنتبه محمد بن خلف وسبق النقل عن نيل الابتهاج «خلفة» وضبطها نقلا عن ابن حجر). - الضوء اللامع للسخاوي ١١/ ١٣٣ (قسم الأنساب). - عنوان الأريب ١/ ١١٤ - ١١٥. - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ٤/ ٨٦. - فهرسة الكتب المخطوطة المحفوظة في خانة الجامع الأعظم بالجزائر لمحمد بن أبي شنب، ص ١ - ٣٨. - كشف الظنون ٥٥٧، ١٢٥٦. - معجم المطبوعات ٣٦٣. - معجم المؤلفين ٩/ ٢٨٧. - مقالات الكوثري ٨٢ - ٨٣. - ملتقى ابن عرفة (ط تونس ١٩٧٧) ص ٦٨، ٣٨٨ - ٣٩٦ (بحث للأستاذ سعد غراب عنوانه: تفسير ابن عرفة ورواياته أو مدخل لدراسة تفسير ابن عرفة الورغمي). - نزهة الأنظار لمحمود بن سعيد مقديش ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠. - نيل الابتهاج لأحمد بابا التنبكتي بهامش الديباج المذهب ص ٢٨٧. - هدية العارفين ٢/ ١٨٤ (وفيها تخليط غريب، محمد بن خلف الإلبيريّ القرطبي، وقيل خليفة الوشتاتي،

стр. 37

أبو عبد الله الأبّي المالكي، أين الأبّي من القرطبي؟ وليس هناك أندلسي واحد ينسب إلى وشتاتة). - أبو عبد الله الأبّي وكتابه الإكمال، تأليف د. عبد الرحمن عون ٥١٢ ص (الدار العربية للكتاب، تونس ١٩٨٤) وفيه ترجمة مستفيضة للمؤلف. - توشيح الديباج لبدر الدين القرافي ص ٢٠٤ - ٢٥٠ (دار الغرب الإسلامي بيروت، ١٩٨٣). - بلاد البربر الشرقية في عصر الحفصيين (بالفرنسية) لروبير برانشفيك ٢/ ٣٧٥.ويلاحظ أنه ألّف الإكمال في سنة ٨٢٣ كما ذكره في ٢/ ٣٦٠ (إكمال الإكمال). * * * ٥ - الأجدابي (١) ( ... ٤١٢ هـ) ( ... ١٠٤٠ م) الحسين بن أبي العباس عبد الله بن عبد الرحمن الأجدابي القيرواني، الفقيه كاتب مناقب جماعة من العلماء الصلحاء. أخذ ببلده القيروان عن ابن أبي عقبة، وتميم بن أبي العرب التميمي، وهو من طبقة ابن أبي زيد، والقابسي، وجبلة بن حمود. رحل إلى مصر، والحجاز، وأخذ عن علمائها. وممن أخذ عنه بالقيروان ابن سعدون، وأبو بكر المالكي، وأبو محمد عبد الحق، ووالده كان عالما فاضلا عارفا بالتاريخ، وكان في كل فن واحد وقته مع صحبة الصالحين، وكان ثقة وتوفي في جمادي الأولى سنة ٣٨٤/ ٩٢٤، ودفن بباب سلم (٢). وللمترجم له تأليف في مناقب ربيع القطان، وإبراهيم السبائي، وأحمد بن نصر بن زياد الهوّاري، وأبي الفضل عباس بن عيسى الممسي. المصادر والمراجع: - ترتيب المدارك ٤/ ٦٢١ - ٦٢٢. - شجرة النور الزكية ٩٨.

стр. 38

- معالم الإيمان ٣/ ٢١٢. - وينظر أيضا عن ترجمة الوالد وابنه بلاد البربر الشرقية في عهد الزيريين (بالفرنسية) ٢/ ٧٢٥. * * * ٦ - إدريس (١) (كان حيا بعد سنة ١١٧٧ هـ) (١٧٦٤ م) محمد شهر حمودة بن محمد إدريس الحسني الشريف التونسي، أبو عبد الله من علماء القراءات. أخذ عن الشيخ محمد الحرقافي المقرئ الصفاقسي نزيل تونس وتلميذ الشيخ علي النوري وأخذ عن غيره. وكان مواظبا على القراءة في يومي العطلة الأسبوعية: الخميس والجمعة. وعنه أخذ القراءات أحمد بن أحمد الشرفي الصفاقسي. له نظم في أوجه الآن، ولا سيّما إن ركبت مع آمنتم أو آمنت، وذلك على رواية الأزرق عن ورش، اعتمادا على ما ذكره الشيخ علي النوري في كتابه «غيث النفع» وجعل لهذه الأوجه جدولا تستخرج منه. وهذا النظم شرحه تلميذه أحمد بن أحمد الشرفي في رسالة «تحفة الأخوان بشرح أوجه الآن» وهذا النظم والجدول المصاحب له في ورقتين صغيرتين منفصلتين عن الشرح المذكور وكلاهما في المكتبة الوطنية بتونس. * * * ٧ - الأذري (٤٢٣ (٢) هـ) (١٠٣٢ م) الحسين بن عبد الله بن حاتم الأذري، أبو عبد الله، نزيل القيروان، المتكلم الأشعري وتلميذ القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني.

стр. 39

والأذري بفتح الهمزة في أوله وفتح الذال المعجمة، نسبة إلى أذربيجان وهو إقليم واسع من مدنه المشهورة تبريز، وقيل في النسبة إليه أذري (بسكون الذال) لأنه عند النحويين مركب من أذر وبيجان، فالنسبة إلى الشطر الأول وقيل في النسبة إليه أذربي (فتح الهمزة والذال وسكون الراء) وكل قد جاء. وقد تحرفت نسبته إلى «الأزدي» لدى الكتاب قديما وحديثا. ورد ذكره ثلاث مرات في كتاب «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» تأليف حافظ دمشق ومؤرخها أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (ت سنة ٥٧١/ ١١٧٦) المرة الأولى جاء نسبه محرفا إلى «الأزدي». «وقرأت فيما رواه الشيخ الزاهد أبو محمد عبد القادر بن محمد الصدفي القيرواني المعروف بابن الخياط قال: «أنا الشيخ الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي القيرواني قال: أنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن حاتم الأزدي (كذا) صاحب القاضي الجليل أبي بكر بن الباقلاني (١)». وفي المرة الثانية جاء نسبه على الوجه الصحيح «الأذري» ونقل المؤلف ترجمته بالإسناد المتصل عن الفقيه أبي عبد الله محمد بن موسى بن عمار الميورقي (٢) «إلا أنه (أي الباقلاني) خلف من بعده من تلاميذه جماعة كثيرة تفرقوا في البلاد، أكثرهم بالعراق وخراسان، ونزل منهم إلى المغرب رجلان أحدهما أبو عبد الله الأذري ﵁ وبه انتفع أهل القيروان، وترك بها من تلاميذه مبرزين مشاهير جماعة أدركت أكثرهم. وكان رجلا ذا علم وأدب، أخبرني بعض شيوخنا عنه ﵀ أنه قال: لي خمسون عاما متغربا عن أهلي ووطني، ولم أكن فيها إلا على كور جمل أو بيت فندق أطلب العلم آخذا له أو مأخوذا عني. وقال لي غيره من شيوخنا: ما قدر أحد من تلاميذه أن يعطيه على تعليمه شيئا من عرض الدنيا وكان يقول تعليم هذا العلم أوثق أعمالي عندي، وأخاف أن تدخله داخلة إن أخذت عليه أجرا، ولا أحتسب أجري إلا على الله. ولقد كان يتركنا في بيته ونحن جماعة، ثم يذهب إلى السوق فيشتري غداءه أو عشاءه، ثم ينصرف به في يده فكنا نقول له: «يا سيدنا الشيخ نحن شباب جماعة كلنا نرغب في قضاء حاجتك، نسألك بالله العظيم إلا ما تركتنا وقضاء حاجتك في المهم العظيم فكيف في هذا الأمر اليسير؟ ! نسألك بالله العظيم ألا تركتنا وقضاء حوائجك فإن هذا من العار العظيم علينا». فكان يقول لنا: «بارك الله فيكم! ما يخفى عليّ أنكم تسارعون لهذا الأمر، ولكن قد علمتم عذري، وأخاف أن يكون هذا من بعض أجري على تعليمي».

стр. 40

وتوفي بالقيروان غريبا، رحمة الله تعالى عليه ورضوانه. والمرة الثالثة ورد ذكره في أواخر ترجمة أبي الحسن علي بن داود الداراني الدمشقي المقرئ (ت سنة ٤٠٢/ ١٠١١) «وسمعت الشيخ الفقيه الإمام أبا الحسن علي بن المسلم بن محمد بن علي بن الفتح السلمي يحكي عن بعض شيوخه أن أبا الحسن بن داود لما كان يصلي بجامع دمشق تكلم فيه بعض الحشوية (١)، فكتب إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني إلى بغداد يعرفه بذلك ويسأله أن يرسل إلى دمشق من أصحابه من يوضح لهم الحق بالحجة، فبعث القاضي تلميذه أبا عبد الله الحسين بن حاتم الأذري، فعقد مجلس التذكير في جامع دمشق في حلقة أبي الحسن بن داود، فذكر التوحيد، ونزه المعبود، ونفى عنه التشبيه والتحديد، فخرج أهل دمشق من مجلسه وهم يقولون: «أحد أحد! ».هذا معنى ما ذكره لي ﵀». وأقام أبو عبد الله الأذري بدمشق، ثم توجه إلى المغرب فنشر العلم بتلك الناحية، واستوطن القيروان إلى أن مات ﵀ (٢). ونستفيد من هذا النص أن الأذري كان داعية من الذين يعتمد عليهم القاضي أبو بكر الباقلاني في نشر مذهب الأشعري في العقائد في فترة حاسمة من الصراع النهائي بين المعتزلة والأشعرية وبين غيرها من الفرق المخالفة للأشعرية، وظروف قدوم الأذري إلى القيروان غامضة غير واضحة، هل كان بطلب من أهل القيروان أم أنه جاء تطوعا بإيعاز من شيخه الباقلاني؟ أسئلة لا نجد عنها جوابا مع العلم بأن مذهب الأشعري كان موجودا بالقيروان قبل قدوم الأذري، ومن ممثليه أعلام بارزون كأبي الحسن القابسي، وأبي عمران الفاسي (ولهما رحلة إلى الشرق اتصلا فيها بأبي ذر الهروي تلميذ القاضي الباقلاني، نزيل مكة) وابن أبي زيد القيرواني. وقد وقفت على مخطوطة من كتاب «تبيين كذب المفتري» ترجع إلى القرن الثامن الهجري من مكتبة الشيخ علي النوري بصفاقس (نقلت إلى المكتبة الوطنية بتونس في صائفة عام ١٩٦٩) وأصلها من أوقاف المدرسة القليجية بدمشق (٣) جاء بهامشها بخط ومداد مغايرين للنسخة معلومات مفيدة عن «الأذري» آثرت نقلها بنصها:
следующие страницы →