Полный текст (357 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق
تأليف
الفقير إلى الله تعالى
حمود بن عبد الله التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد الخلائق أجمعين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد قرأ عليَّ فضيلة الشيخ/ حمود بن عبد الله التويجري مؤلفه القيم (ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق) فألفيته كتاباً جيداً في معناه أجاد فيه وأفاد، وبيَّن غلطات الأستاذ محمد محمود الصواف في كتابه (المسلمون وعلم الفلك) بما لا مزيد عليه، بارك الله فيه وفي علومه.
فإن الأستاذ الصواف ذكر في كتابه (المسلمون وعلم الفلك) أشياء لم يدل عليها دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا عقل سليم ولا يكاد يصدق بها من له أدنى مسكة من عقل فضلا عمن لديه أدنى علم بنصوص الكتاب والسنة ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
مثل قول الصواف عن أبي جعفر الطوسي: "وهل تعلم أن من علماء الهيئة المسلمين الذين رصدوا وألفوا وسهروا الليالي الطوال في مناجاة النجوم ورصد حركاتها وسكناتها الشيخ/ أبو جعفر نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف ... " إلى أن قال: "ولو أردنا أن نزيد لأتينا بالشيء الكثير من فعل سلفنا الصالح".
وحالة الطوسي معلومة عند أهل العلم قال عنه ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) في صفحة (٢٦٧) المجلد الثاني: " لما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر والإلحاد وزير الملاحدة النصير الطوسي وزير هولاكو شفى نفسه من أتباع الرسول ﷺ وأهل دينه، فعرضهم على السيف حتى شفى إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو فقتل الخليفة والقضاء الفقهاء والمحدثين، واستبقى
стр. 3
الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة، ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر في كتبه قدم العالم وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب ﷻ من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد البتة، واتخذ الملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك، فقال هي قرآن الخواص، وذلك قرآن العوام، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين، فلم يتم له الأمر".
وتعلم السحر آخر الأمر، فكان ساحراً يعبد الأصنام، قال ابن القيم في الكتاب المذكور نقلا عن مصارعة المصارعة للطوسي: "وأنه تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، وأنه لا يعلم شيئا، وأنه لا يفعل شيئا بقدرته واختياره، ولا يبعث من في القبور .... " إلى أن قال: "وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" انتهى.
فلا ينبغي حينئذ تعداده من المسلمين ولا من سلفنا الصالح.
ومثل قول الأستاذ الصواف: "إن الشمس تفقد أربعة ملايين طن من وزنها في الثانية الواحدة من احتراقها ولم تزل تجدد وزنها وحجمها".
فمن وزنها بذلك؟. ومن عرف مقدار ما تحرقه من ملايين الأطنان؟ .. ومن قدر هذا الزمان الذي تحرق فيه هذا العدد الهائل؟ ..
ومن ذلك نقله عن جيمس أوثر أن العالم بدأ يوم ٢٦ أكتوبر سنة ٤٠٠٤ قبل الميلاد، ولم يرده، بل نقله مقرا له ومرتضيا، فما الذي أدراه عن ذلك الشهر وعن ذلك اليوم وأنه هو اليوم السادس والعشرون من أكتوبر بحيث لم يتقدم يوما ولم يتأخر يوما؟ لا يعلم متى كان ذلك إلا الله.
وقال أيضاً: "جاء في أحد الكتب الهندية المقدسة أن عمر العالم هو ١.٩٧٢.٩٤٩.٠٥٦ ألف وتسعمائة واثنان وسبعون مليون وتسعمائة وتسع وأربعون ألفا وست وخمسون سنة".
стр. 4
وقال أيضاً: " إن الجهود التي يبذلها الفلكيون في العصر الحديث يمكن أن تعتبر أصح تقدير لعمر الكرة الأرضية فقد دلت آخر التقديرات القائمة أن عمر الكرة الأرضية حوالي خمسة آلاف وأربعمائة مليون سنة ٥.٤٠٠.٠٠٠.٠٠٠" وهذا تناقض كما ترى فلا يعلم متى كان ذلك غير من خلق هذا الكون وأوجده.
ونعوذ بالله أن نقول بقدم العالم كما يقوله بعض الفلاسفة ..
وقال أيضاً: " إن بعض العلماء أظهر أنه تمكن من احتساب النقص في سرعة دوران الأرض فوجد أن هذا النقص يبلغ حوالي ثانية واحدة كل مائة وعشرين ألف سنة " ثم قال الأستاذ الصواف: "وعليه فبعد ٤٣٢ مليون سنة ينقص دوران الأرض بمقدار ساعة وعندئذ يصبح مجموع ساعات الليل والنهار ٢٥ ساعة". فتصور هذا وأمثاله كاف في رده.
وقال أيضاً في عمر الشمس: " إنه خمسة آلاف مليون سنة، وأن نجوما سوف لا يصل نورها إلى كرتنا الأرضية في أقل من ألف وخمسمائة مليون سنة ضوئية" قال: "مع العلم بأن الضوء يسير في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر. وأن هذا الكون يتضمن خمسمائة مليون مليون من المجرات كما يقدر علماء الفلك، وفي كل مجرة مائة ألف مليون نجم".
إلى غير ذلك من الأشياء الكثيرة في كتابه، فلعل فضيلته يراجع كتابه ويصلح ما فيه من خطأ على ضوء الكتاب والسنة وما يؤيده العقل الصحيح، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في ضده، والله يوفق الجميع لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأن يسلك بنا صراطه المستقيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.،،،
الرئيس العام لإشراف الديني بالمسجد الحرام
عبد الله بن محمد بن حميد
٣/ ١١/ ١٣٨٩ هـ
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه. ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وحجة على المعاندين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فقد اطلعت على رسالة لمحمد محمود الصواف سماها (المسلمون وعلم الفلك) قد جمع فيها ما نشره في جريدة الدعوة من التعقيب على الشيخ عبد العزيز بن باز فيما يتعلق بجريان الشمس وسكون الأرض، وزاد على ذلك شيئًا كثيرًا من تخرصات أهل الهيئة الجديدة، وتخرصات أتباعهم في الأرض والشمس والقمر والكواكب، وهذه الرسالة مطبوعة في لبنان في جمادى الأولى سنة ١٣٨٧ هـ.
وقد كنت كتبت ردا على ما نشره في جريدة الدعوة وسميته (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة) وهو في الحقيقة رد على ما نشره في جريدة الدعوة وعلى رسالته المطبوعة معا، لأن ما في الرسالة المطبوعة هو نص ما نشره في الجريدة سوى ما زاده فيها من التخرصات وتحريف بعض الآيات وتأويلها على غير المراد منها.
وقد رأيت أن اتبع الرد بملحق في رد ما زاده في الرسالة المطبوعة من
стр. 6
التخرصات والتوهمات، وتحريف الكلم عن مواضعه، وأسأل الله المعونة والتوفيق لما يجب ويرضى، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
стр. 7
فصل
قال الصواف: (المسلمون وعلم الفلك).
والجواب أن يقال إن هذا العنوان خطأ ظاهر لأن غالب ما في الرسالة من الكلام في الأرض والسموات والشمس والقمر والكواكب ليس من أقوال المسلمين وعلومهم، وإنما هو من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وتوهماتهم.
وأهل الهيئة الجديدة ليسوا من المسلمين، وإنما هم من فلاسفة الإفرنج، وهم كوبرنيك البولوني وأتباعه في القرن العاشر والقرن الحادي عشر من الهجرة، وهرشل الإنجليزي وأتباعه في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الهجرة.
وغالب ما نقله الصواف عن الألوسي، فهو مما نقله الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة كما صرح بذلك في مواضع كثيرة من كتابه الذي سماه (ما دل عليه أهل الهيئة الجديدة وتخرصات أتباعهم فنسبة ذلك إلى المسلمين فرية عليهم، وتسمية الرسالة بهذا العنوان لا تطابق المسمى، وإنما المطابق له أن يقال (الإفرنج والتخرص في علم الفلك)، وسأنبِّه على ما يشهد لهذه المطابقة من تقوُّل الصواف إن شاء الله تعالى.
والذي حمل الصواف على نسبة ما في رسالته من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وتوهماتهم إلى المسلمين هو اعتقاده في أهل الهيئة الجديدة أنهم مسلمون، قد عرف أكثرهم بالتقوى والصلاح كما صرح بذلك في صفحة ٤٤، وقال في صفحة ٥١ وصفحة ٦٩ إنهم سلفه الصالح، وقال في صفحة ٦٧ وصفحة ١١٧ إنهم علماؤه الأعلام.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة أنه لا يخلو في زعمه هذا
стр. 8
من أحد أمرين: إما إرادة التمويه والتلبيس على الجهلة الأغبياء بما لا حقيقة له في نفس الأمر، وأما شدة الغباوة فيه حيث نبا فهمه عما صرح به الألوسي في صفحة ٢٣ و٣٣ و٣٤ و٤٦ و٥٩ و٩٥ من كون أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج.
فصل
قال الصواف في مقدمة رسالته في صفحة ١١ ما نصه:
"وحرصا مني على نشر العلم وبيان فضل علماء المسلمين الذين كان لهم الفضل الأكبر في تشجيع علم الفلك وبناء المراصد في مختلف البلدان رأيت أن أطبع هذا الرد في كتيب؛ ليطلع شبابنا على مفاخر أجدادهم وسبقهم للعالم في مختلف الميادين العلمية".
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها أن يقال: ليس ما نشره الصواف في رسالته بعلم، وإنما هي تخرصات وظنون كاذبة أوحاها الشيطان إلى أوليائه من فلاسفة اليونان وأتباعهم من فلاسفة الإفرنج المتأخرين، فاغتر بها أتباعهم ومقلدوهم من جهلة المسلمين، وظنوها علما صحيحا، وهي في الحقيقة جهل صرف لا يروج إلا على جاهل لا يميز بين العلم والجهل.
الوجه الثاني: أن علماء المسلمين منزهون عن تشجيع علم الفلك وبناء المراصد كما سيأتي بيان ذلك في الفصل الذي بعد هذا الفصل، وما زعمه الصواف ههنا فهو من الافتراء على علماء المسلمين.
الوجه الثالث: أن الذي نشره الصواف في رسالته كله من تخرصات
стр. 9
فيثاغورس اليوناني وأتباعه من فلاسفة الإفرنج المتأخرين، ومنهم كوبرنيك البولوني، وتيخوبراهي الدانماركي، وكبلر وغاليليه، ونيوتن الإنجليزي، وهرشل الإنجليزي، وداروين الإنجليزي. وهؤلاء كلهم من أعداء المسلمين، وليسوا من المسلمين فضلا عن أن يكونوا من أجداد المسلمين، كما توهمه الصواف، ومن زعم أن هؤلاء الفلاسفة من أجداد المسلمين فهو من أكذب الكاذبين.
الوجه الرابع: أن المفاخر كل المفاخر للذين حملوا علم الكتاب والسنة ونشروه في هذه الأمة وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، وأئمة العلم والهدى من بعدهم، فأما تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة فليست بمفاخر كما قد توهمه الصواف، وإنما هي معائب وجهالات وضلالات تزري بمن تعلق بها غاية الأزراء، وقد قال الله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأول هذه الآية الكريمة مطابق لأهل التخرصات والظنون الكاذبة، وآخرها مطابق لأهل العلم الحقيقي الذي هو علم كتاب والسنة.
الوجه الخامس: أن بناء المراصد من أفعال المنجمين من اليونان والصائبين، ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من المنحرفين عن الدين من هذه الأمة، وما كان هكذا فليس فيه فضل البتة، وليس هو من المفاخر كما قد توهمه الصواف، وإنما هو من المثالب والمعائب واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وروى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من تشبه بقوم فهو منهم» صححه ابن حبان، وقال
стр. 10
شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: إسناده جيد، وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن، وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث، وهذا يقتضي صحته عنده. قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ". انتهى.
فصل
وذكر الصواف في صفحة: "١٢ أن ما جمعه في رسالته فهو مما تركه العلماء الأعلام والخلفاء العظام".
والجواب أن يقال: ليس هذا بصحيح، فإن الخلفاء العظام على الحقيقة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه تكلم في علم الفلك بشيء فضلا عن القول بسكون الشمس ودوران الأرض عليها، وكذلك ما ذكره الصواف من الهذيان الكثير في الأرض والشمس والقمر والكواكب فإن هذا مما ينزه عنه أحاد العقلاء فضلا عن الخلفاء الراشدين ﵃.
وهؤلاء الخلفاء الأربعة هم القدوة بعد رسول الله ﷺ لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان والحاكم والذهبي.
стр. 11
ولا عبرة بمن حاد عن منهاج هؤلاء الخلفاء الراشدين من الملوك كالمأمون، فإنه قد اعتنى بتعريب كتب الأوائل وعمل الأرصاد، ففتح بذلك على الأمة باب شر عريض.
وقد ذكر السفاريني في كتابه (لوائح الأنوار البهية) عن الصلاح الصفدي أنه قال: "حدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية روَّح الله روحه كان يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال العلوم الفلسفية بين أهلها".
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في (تذكرة الحفاظ) في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس: "لما قتل الأمين، واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع، وأبدى صفحته، وبزغ فجر الكلام، وعربت كتب الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك، لا يلائم علم النبوة، ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية.
إلى أن قال: "إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وتقدم عقول الفلاسفة، ويعزل منقول اتباع الرسل ويماري في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار وإياك ومضلات الأهواء ومحارات العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال المقريزي في كتاب الخطط: "وقد كان المأمون لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عَرَّبَ له كتب الفلاسفة، وأتاه بها في أعوام بضع عشرة ومائتين من الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها،
стр. 12
وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجرَّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة مالا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلاسفة ضلال أهل البدع، وزادتهم كفرا إلى كفرهم". انتهى.
وقد سار على منهاج المأمون في عمل الأرصاد كثير من الملوك المنحرفين مثل الحاكم العبيدي، وبعض بني بويه والسلاجقة، وهولاكو وتيمورلنك وأولغ بك.
فهؤلاء خلفاء الصواف الذين تركوا له ولأشباهه من علم الفلك وعمل الأرصاد ما تركوا، ومع ما كانوا عليه من الاعتناء بالأرصاد وعلم الفلك فقد كانوا على مذهب أهل الهيئة القديمة في القول بسكون الأرض وجريان الشمس، ولم يذكر عن أحد منهم أنه قال بتعدد الشموس والأقمار، ولا بغير ذلك مما يهذو به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم في أبعاد الكواكب ومقاديرها، وغير ذلك مما أودعه الصواف في رسالته، وزعم أنه مما تركه الخلفاء العظام، وهو بذلك قد افترى عليهم ونسب إليهم ما لم يؤثر عنهم، وإنما هو مأثور عن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم.
وأما زعمه أن ما جمعه في رسالته فهو مما تركه العلماء الأعلام.
فجوابه: أن يقال إن أعلم هذه الأمة على الإطلاق علماء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يتكلم أحد منهم في علم الفلك بشيء فضلا عن القول بحركة الأرض وثبات الشمس، والرجم بالغيب عن أبعاد الكواكب ومقادير أجرامها وغير ذلك مما أودعه الصواف في رسالته.
ثم التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم، ولاسيما الأئمة الأربعة وأقرانهم من أكابر العلماء، فهؤلاء هم العلماء الأعلام على الحقيقة، ولم
стр. 13
يقل أحد منهم بحركة الأرض وثبات الشمس، ولم يرجموا بالغيب عن أبعاد الكواكب ومقادير أجرامها، وغير ذلك مما أودعه الصواف في رسالته ونسبه إلى العلماء الأعلام، وهو بذلك قد افترى عليهم، ونسب إليهم ما لم يؤثر عن أحد منهم، وإنما هو مأثور عن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم، فهم في الحقيقة خلفاء الصواف الذين زعم أنهم عظام، وعلماؤه الذين زعم أنهم العلماء الأعلام.
فصل
وفي صفحة ١٢ حرف الصواف هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ فقال ولا تجعل في صدورنا غلا للذين آمنوا.
فصل
وفي صفحة ٢١ وما بعدها ساق رده على الشيخ ابن باز، وقرر فيه القول بثبات الشمس وحركة الأرض وسبحها في الفلك، وجعل ذلك من علوم المسلمين في الفلك. وهذا خطأ كبير فإن هذا القول الباطل من أقوال أهل الهيئة الجديدة وهم من فلاسفة الإفرنج المتأخرين، والمسلمون بريئون من هذا القول المخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
فصل
وفي صفحة ٢٨ سمى الأرض الكوكب الأرضي، وهذا من أقوال أهل الهيئة الجديدة وليس من أقوال المسلمين، وقد تعقبت ذلك في الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
стр. 14
فصل
وفي صفحة ٢٨ أيضا نقل الصواف عن الملحد الجهمي جميل صدقي الزهاوي أنه قال:
وما الأرض بين الكائنات التي ترى
بعينيك إلا ذرة صغرت حجما
ونحو ذلك قول الصواف في صفحة ٨٣ أن الأرض ما هي إلا فقاعة في محيط، وقوله أيضا في صفحة ١٠٩: "ولعل أدق وصف للأرض بالنسبة للكون هو أنها هباءة دقيقة لا ترى إلا بالمجهر في هذا الفضاء الفلكي الواسع بالنسبة إلى الأجرام السماوية المتناثرة في أنحاء الكون".
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: ما يدري جميلا الزهاوي أن الأرض كالذرة بين الكائنات التي يراها الإنسان بعينيه ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾، وما يُدري الصواف أن الأرض ما هي إلا فقاعة في محيط وأنها هباءة دقيقة لا ترى إلا بالمجهر في هذا الفضاء الفلكي الواسع، هل وجد ذلك في كتاب الله تعالى أو فيما صح عن رسول الله ﷺ ، أو أنزل عليه الوحي بذلك، وإذا كان كل هذا معدوما، فلا شك أنه وصاحبه قد قفوا ما ليس لهما به علم، وليس لهما مستند فيما زعماه سوى التخرص واتباع الكذب.
وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾.
стр. 15
الوجه الثاني: أن الله تعالى عظَّم شأن الأرض في كتابه، ونوه بذكرها أكثر مما عظم من شأن الشمس والقمر والكواكب، وقرن خلقها مع خلق السموات في عدة آيات من القران، وأخبر أنه خلقها وما فيها في أربعة أيام وأنه خلق السموات وما فيهن في يومين وذلك يدل على عظم الأرض.
وقد قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على عظم الأرض وسعتها.
وقد جاء في تعظيم خلق الأرض أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ .
منها ما رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلائق على أصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
стр. 16
ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس، قال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذه، وأشار بالسبابة، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، كل ذلك يشير بأصابعه، فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال الترمذي: "هذا حديث غريب صحيح".
ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى ﵇ يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال كل عبادك يقولون هذا، قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة - مالت بهن لا إله إلا الله» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «إن نبي الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة، قال لابنه: إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة - رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة، قصمتهن لا إله إلا الله ...» وذكر تمام الحديث.
ومنها ما رواه ابن مردويه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة
стр. 17
ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة».
والأحاديث الدالة على عظم الأرض كثيرة جدا وفيما ذكرته ههنا كفاية إن شاء الله تعالى.
وفيما ذكرته من الآيات والأحاديث أوضح دليل على عظم الأرض، وفيها أبلغ رد على من صغَّر الأرض وحقرها، وزعم أنها كالذرة أو كالفقاعة في المحيط أو كالهباءة التي لا ترى إلا بالمجهر بالنسبة إلى أجرام الكواكب، وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
الوجه الثالث: أن الله تعالى قال ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ وقال تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ قال البغوي وغيره في قوله تعالى ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾: أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض كما قال تعالى ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾.
وعن ابن عباس ﵄ قال (يكوَّر الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث ريحا دبورا فيضرمها نارا) رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف. وكذا ذكر البغوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄. قال ابن كثير وكذا قال عامر الشعبي.
قلت ويشهد لهذا الأثر ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله الداناج قال حدثني أبو سلمة عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة» ورواه البزار من حديث عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري، في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث، قال: حدثنا أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - صلى الله
стр. 18
عليه وسلم - قال: «إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: وما ذنبهما؟ إسناده صحيح على شرط مسلم.
وروى أبو يعلى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» قال الهيثمي فيه ضعفاء قد وثقوا.
قلت وما تقدم عن أبي هريرة ﵁ يشهد له ويقويه
وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه وتكور فيه الشمس والقمر، ثم يوقد فيكون هو جهنم.
وروى الإمام أحمد وابن جرير والحاكم عن يعلى بن أمية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «البحر هو جهنم» قال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفيما ذكرنا دليل على عظم الأرض لأن الشمس والقمر والنجوم تنتثر يوم القيامة في البحر فيسعها كلها. ولو كانت الأرض كالذرة أو كالفقاعة في المحيط أو كالهباءة التي لا ترى إلا بالمجهر بالنسبة إلى أجرام الكواكب لما وسعت الأرض كوكبا واحدا ولا بعض كوكب، وهذا ظاهر البطلان لمخالفته لما دلت عليه الآيات والأحاديث التي ذكرنا والله أعلم.
الوجه الرابع: أن يقال إن جميلا الزهاوي كان جهميا كذابا أفاكا كما يعلم ذلك من كتابه الذي سماه الفجر الصادق، وهو في الحقيقة الفجر الكاذب والظلمة الحالكة، وقد رد عليه الشيخ العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله
стр. 19
تعالى شافيا كافيا في كتابه الذي سماه (الضياء الشارق. في رد شبهات الماذق المارق) ورد أيضا في آخره على من قرظ كتاب جميل بقصيدة أجاد فيها وأفاد وأولها:
كتاب حوى إفكا وزورا ومنكرا ... وكفرا وتعطيلا لرب الخلائق
فعطل أوصاف الكمال لربنا ... وعن كونه من فوق سبع الطرائق
وأنكر معراج الرسول حقيقة ... بذات رسول الله سحقا لمارق
وأنكر رؤيا المؤمنين لربهم ... فتبًا له تبا وسحقا لماذق
وسمى كتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله أزكى الخلائق
ظواهر لا تبدي يقينا لأنها ... على زعمه ظنية في الحقائق
فلا يستفيد المؤمنون بها الهدى ... ولكن بمعقولات أهل الشقاشق
فإن خالفت معقول من أسسوا لهم ... قواعد كفر شامخات الشواهق
فحق على كل امرئ بل وواجب ... تؤول عن مدلولها بالمخارق
وتصرف للمرجوح عن حكم راجح ... لأجل مقالات الغواة الموارق
وإلا فبالتفويض حتما لديهم ... إذا لم تؤول في خلاف الحقائق
وتفويضهم أبطالها عن حقائق ... تدل عليها بالمعاني الشقائق
стр. 20
إلى أن قال:
وقدم حكم العقل حتما بزعمه ... على النقل فيما قد رأى كل مارق
فتبًا لمن يبدي ثناء ومدحه ... لتأليفه أو ما قد حوى من شقاشق
فما كان فجرا صادقا في ظهوره ... ولكنه فجران يبدو لرامق
ووالله ما أبدى صوابا ولم يكن ... على المنهج الأسنى وليس برائق
وليس يروق الكفر إلا لزائغ ... عن الحق أو مستغرق بالعوائق
وجوَّز أن يدعى سوى الله بالرجا ... وبالخوف والتعظيم فعل المشاقق
وأن يستغيث المشركون بغيره ... وأن يلجؤوا في كل خطب مضايق
فتبا لعباد القبور الذين هم ... حماة ذوي الأهواء من كل مارق
فقد نبذوا الوحيين خلف ظهورهم ... وقد حكَّموا القانون بين الخلائق
ومع ما ذكرنا عن جميل الزهاوي من الأقوال الوخيمة والعقائد الباطلة الذميمة، فقد اعتمد الصواف على تخرصه وظنه الكاذب في تصغير الأرض وتحقيرها، وقرر ذلك في ثلاثة مواضع من رسالته. وهذا يدل على أنه كان مقبول القول عنده. وكفى بالرجل جهلا أن يعتمد على تخرص جميل الزهاوي وأشباهه من أهل الأهواء والبدع.
وما ذكره الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى عن جميل الزهاوي أنه سمى أدلة الكتاب والسنة ظواهر ظنية، وأنه يجب تأويلها أو تفويضها فقد قال الصواف مثله في صفحة ٢٢ و٢٣ من رسالته حيث زعم أن النصوص الدالة على جريان الشمس ظنية وليست قطعية الدلالة، قال والتوقف فيها أو تفويض الأمر فيها إلى الله أسلم وأحكم، ثم قال وفي التأويل مندوحة في الأمور غير القطعية خاصة في مثل هذه الأمور.
قلت: وهذه جرأة عظيمة على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ ، وقد رددت على هذا القول الباطل في الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
стр. 21
وقول جميل الزهاوي في تصغير الأرض وتحقيرها، وفي تسمية الأدلة من الكتاب والسنة ظواهر ظنية، وأنها تؤول أو تفوض - قد ذكره في كتابه الفجر الكاذب، وهذا نص كلامه.
قال: "وأما ما تمسكت به الوهابية من النقول التي تثبت الإشارة إليه تعالى فهي ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات فتؤول إما إجمالا ويفوض تفصيلها إلى الله كما عليه أكثر السلف. وإما تفصيلا كما هو رأي الأكثرين. فما ورد من الإشارة إليه في السماء محمول على أنه تعالى خالق السماء وأن السماء مظهر قدرته لما اشتملت عليه من العوالم العظيمة التي لم تكن أرضنا الحقيرة إلا ذرة بالنسبة إليها. وكذلك العروج إليه تعالى هو بمعنى العروج إلى موضع يتقرب إليه بالطاعة فيه. إلى غير ذلك من التأويلات) انتهى كلامه. وقد رد عليه الشيخ العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى فأجاد وأفاد.
وقول جميل في تصغير الأرض وتحقيرها هو مما أخذه عن فلاسفة الإفرنج المتأخرين. وأما تسميته لأدلة الكتاب والسنة ظواهر ظنية وأنها تؤول أو تفوض فهو مما أخذه عن أهل الكلام الباطل الذي ذمه السلف وحذروا منه ومن أهله.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى. والرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار العلم وهذان مقدمتان الزندقة والتوقف في دلالتها شك يقتضي كفر المتوقف وقد قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فنفى الله الإيمان عمن لم يحكم الرسول وعمن وجد في نفسه حرجا من حكمه. وتأويلها بما يخالف ظاهرها وما دلت عليه تكذيب لها فهو من تحريف الكلم عن مواضعه من جنس تأويل القرامطة الباطنية الذي اتفق
стр. 22
سلف الأمة وأئمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب. وقد صنف الإمام أحمد كتاباً في الرد على هؤلاء وسماه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله انتهى.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في (إغاثة اللهفان) ومن حيله ومكائده الكلام الباطل والآراء المتهافتة والخيالات المتناقضة التي هي زبالة الأذهان ونحاتة الأفكار والزبد الذي يقذف به القلوب المظلمة المتحيرة التي تعدل الحق بالباطل والخطأ بالصواب. قد تقاذفت بها أمواج الشبهات. ورانت عليها غيوم الخيالات. فمركبها القيل والقال. والشك والتشكيك وكثرة الجدال ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه. ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه. يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. فقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا. وقالوا من عند أنفسهم فقالوا منكرا من القول وزورا. فهم في شكهم يعمهون. وفي حيرتهم يترددون. نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال فهم إليه يحاكمون. وبه يخاصمون. فارقوا الدليل. واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
ثم قال رحمه الله تعالى ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين. أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين. وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية في المناهج الفلسفية والطرق الكلامية فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشكاة القرآن. وأحالهم على منطق يونان. وعلى ما عندهم من الدعاوي الكاذبة العرية عن البرهان وقال لهم تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان. ومرت عليها القرون
стр. 23
والأزمان. فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان كإخراج الشعرة من العجين انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن الصواف قد سلك مسلك جميل الزهاوي وقلده فيما زعمه من تصغير الأرض وتحقيرها وتسمية الأدلة من الكتاب والسنة ظواهر ظنية وأنها تؤول أو تفوض. وجميل الزهاوي قد سار خلف فلاسفة الإفرنج المتأخرين وخلف أهل الأهواء والبدع المضلين. فهو عيال على هؤلاء وأولئك كما أن الصواف عيال عليه وعليهم ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ وقد قال الله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا﴾ قال البغوي في قوله ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيا وبعد وفاته إلى سنته. والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فان لم يوجد فسبيله الاجتهاد.
وقال ابن كثير في قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
قلت قد رواه ابن جرير في تفسيره عن مجاهد وميمون بن مهران وقتادة والسدي.
قال ابن كثير وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾. فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
стр. 24
وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر انتهى.
قلت ومن أعرض عن أدلة الكتاب والسنة على جريان الشمس وسبحها في الفلك ودؤبها في الجريان وزعم أنها ظنية وليست قطعية الدلالة وأنه ينبغي التوقف فيها أو تفويضها وإن في تأويلها عن ظاهرها مندوحة فلا شك أنه لم يرد الأمر المتنازع فيه إلى الله والرسول وإنما رده إلى فلاسفة الإفرنج المتأخرين وأتباعهم من المتخرصين المتبعين للظنون الكاذبة. من كان كذلك فهو ممن يشك في إيمانه بالله واليوم الآخر.
وأيضاً فقد قال الله تعالى ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
قال قتادة في قوله تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ قال صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم. وقال ابن كثير يقول صدقا في الأخبار وعدلا في الطلب فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة. وقوله ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة انتهى.
ومن أعرض عن أدلة الكتاب والسنة وتمسك بما سواهما من أقوال الناس وآرائهم فقد ابتغى حكما غير الله ورسوله ولم يؤمن بأن كلمة الله تعالى قد
стр. 25
تمت صدقا وعدلا.
ومن هذا الباب الإعراض عما أخبر الله به من جريان الشمس وسبحها في الفلك ودؤبها في الجريان وأنه يأتي بها من المشرق. وما أخبر به من طلوعها ودلوكها وغروبها. وما أخبر به رسول الله ﷺ من جريانها وطلوعها وزوالها وغروبها وغير ذلك مما جاء في الأحاديث الصحيحة. والعدول عن ذلك إلى ما تخرصه فلاسفة الإفرنج من ثبات الشمس وما تخيله الصواف بعقله من كونها تدور على نفسها كما تدور المروحة السقفية الكهربائية على محورها. فهذا التخرص والتخيل ناشئ عن ابتغاء حكم غير الله تعالى وعن عدم الإيمان بأن كلمة الله قد تمت صدقا وعدلا. ولو كان يرى وجوب التحاكم إلى الله تعالى ويؤمن بأن كلمة الله تعالى قد تمت صدقا وعدلا لما زعم أن أقل ما يقال في النصوص الدالة على جريان الشمس وسبحها في الفلك أنها ظنية وليست قطعية الدلالة وأن التوقف فيها أو تفويض الأمر فيها أسلم وأحكم وأن في تأوليها عن ظاهرها مندوحة. وما علم المسكين ما يلزم على هذا القول الباطل من تكذيب الله تعالى وتكذيب كتابه ورسوله ﷺ .
وقد جاء في صحيح البخاري عن علي ﵁ أنه قال (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) والذي يعرفه المسلمون من زمني النبي ﷺ إلى زماننا هذا عن الأرض والشمس والقمر هو ما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به رسول الله ﷺ من جريان الشمس والقمر وسبحها في الفلك ودؤوبهما في الجريان وما أخبر الله به ورسوله ﷺ وأجمع عليه المسلمون من استقرار الأرض وإرسائها بالجبال وجعلها أوتادا لها. فمن حدث الناس بهذا فقد حدثهم بما يعرفونه من أدلة الكتاب
стр. 26
والسنة والإجماع. ومن حدثهم بخلاف ذلك وقال في نصوص الكتاب والسنة أنها ظنية وليست قطعية الدلالة وأن التوقف فيها أو تفويض الأمر فيها أسلم وأحكم وأن في تأويلها عن ظاهرها مندوحة فقد حدث الناس بما لا يعرفونه وأغراهم على تكذيب الله تعالى وتكذيب كتابه ورسوله ﷺ .
فصل
وقال الصواف في صفحة ٢٨ ما نصه:
ما رأي فضيلة الأخ في بلاد (فنلندا) مثلا والشمس لا تغيب عنها لمدة ستة أشهر ويمضي عليها نصف سنة وهي طالعة مشرقة ثم تغيب وتبقى غائبة لمدة ستة أشهر أخرى ويمضي العام على هذه البلاد وأمثالها بيوم وليلة. ويومها نصف عام وليلتها النصف الثاني.
والجواب أن يقال هذا من أوضح الأدلة على جريان الشمس وسيرها في البروج والمنازل. فإذا كانت في المنازل الشامية طلعت على ما تحت القطب الشمالي وغابت عما تحت القطب الجنوبي ولا تزال كذلك ما دامت في المنازل الشامية. فإذا رجعت إلى المنازل اليمانية غابت عما تحت القطب الشمالي وطلعت على ما تحت القطب الجنوبي ولا تزال كذلك ما دامت في المنازل اليمانية. ولو كانت الشمس ثابتة لا تفارق موضعها كما زعمه الصواف وأشباهه من المقلدين لأهل الهيئة الجديدة لما كانت تدور على البروج والمنازل وتطلع على ما تحت القطب الشمالي في الصيف وعلى ما تحت القطب الجنوبي في الشتاء وتكون بينهما إذا كانت في خط الاستواء. وقد قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ قال بحسبان ومنازل رواه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد توهم الصواف أن له حجة فيما ذكره ههنا وإنما هو حجة عليه كما لا
стр. 27
يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
فصل
وفي صفحة ٣٠ زعم الصواف أن الآيات من كتاب الله تعالى توجه الأفكار والأنظار إلى الفلك الأعظم الذي خلقه الله وأمرنا بالتفكر فيه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن الله تعالى لم يأمر عباده بالتفكر في الفلك وأن يوجهوا الأفكار والأنظار إليه وإنما أمرهم بالنظر والتفكر في خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات الدالة على عظمته وكمال قدرته وأنه الإله الواحد الأحد الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده دون من سواه قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا
стр. 28
أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في الكلام على الآيات من سورة آل عمران ومعنى الآية أن الله تعالى يقول ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هذه في ارتفاعها واتساعها وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار وحيوان ومعادن ومنافع مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص ﴿وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ أي تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر فتارة يطول هذا ويقصر هذا ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز العليم. ولهذا قال تعالى ﴿لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها وليسوا كالصم والبكم الذين لا يعقلون. الذين قال الله فيهم ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي يفهمون ما فيهما من الحِكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وحكمته واختياره ورحمته انتهى.
стр. 29
الوجه الثاني أن الله ﵎ ذكر الفلك في موضعين من القرآن لا غير. فقال تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى في سورة يس ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فذكر ﵎ من آياته الليل وسلخ النهار منه وجريان الشمس لمستقرها وتقدير القمر منازل وكلها من الآيات الدالة على عظمته وكمال قدرته. ولم يأمر ﵎ بالتفكر في الفلك لا في هذه الآيات ولا في غيرها من القرآن. فمن زعم أن الله تعالى أمر عباده بالتفكر في الفلك فقد افترى على الله الكذب. وكذلك من زعم أن الآيات من كتاب الله توجه الأفكار والأنظار إلى الفلك الأعظم فقد كذب على الله وعلى كتابه.
الوجه الثالث أن مراد الصواف بالأمر بالتفكر في الفلك وتوجيه الأفكار والأنظار إليه هو ما صرح به في صفحة ٢٥ من أن المراد به التحقيق العلمي والوصول إلى الأسرار الكامنة وراء هذه المخلوقات الكونية الهائلة. وما صرح به أيضا فيما نشره في جريدة الدعوة من أن المراد به النظر للبحث والعلم والتحقيق. يعني البحث عن الأجرام العلوية وعن مقادير أحجامها ووزنها وأبعادها ووصول نور كل منها إلى الأرض وما بينها من التفاوت في الحجم والوزن والبعد وعما فيها من جبال وبحار وسكان وغير ذلك مما توهمه أهل المراصد من فلاسفة الإفرنج وحشاه الصواف في رسالته, وزعم أن ذلك من العلم والتحقيق في علم الفلك وأن الله تعالى أمر عباده بالتفكر فيه وأن الآيات
стр. 30
من كتاب الله تعالى توجه الأفكار والأنظار إليه. وهذا من الكذب على الله وعلى كتابه كما تقدم تقريره وقد قال الله تعالى ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾.
فصل
وقال في صفحة ٣٠: إن علم الفلك كان من أول العلوم التي لفتت أنظار العلماء المسلمين وجلبت اهتمامهم وعنايتهم بها.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال لم يكن علم الفلك من أول العلوم التي لفتت أنظار علماء المسلمين وجلبت اهتمامهم وعنايتهم كما زعمه الصواف. بل ولم يكن من آخرها. وإنما العلوم التي لفتت أنظار علماء المسلمين وجلبت اهتمامهم وعنايتهم هي العلوم الشرعية التي قد اشتمل عليها الكتاب والسنة. وأعظمها وأهمها علم التوحيد فهو الذي كان المسلمون يهتمون به ويعتنون بتعلمه وتعليمه قبل العلوم كلها. وقد مكث النبي ﷺ في أول البعثة عشر سنين يدعو إلى التوحيد ويعتني بتعليمه وتبليغه. ثم بعد ذلك كان يعلم أمته أنواع العلوم الشرعية شيئا فشيئا حتى أكمل الله له الدين. وبلغ البلاغ المبين. وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
قال أبو ذر ﵁: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما (رواه الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه. قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة).
وروى الطبراني أيضا عن أبي الدرداء ﵁ نحوه. قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح.
стр. 31
ومع شدة حرصه ﷺ على تعليم أمته كل شيء فلم يُذكر عنه أنه كان يعلمهم البروج الإثني عشر ومنازل الشمس والقمر ودرجات الفلك وعرض البلدان وطولها والسمت والنظير وفصول السنة وأوقات الكسوف والخسوف وغير ذلك مما يعتني به الفلكيون فضلا عما يهذو به فلاسفة الإفرنج ومقلدوهم من ضعفاء البصيرة من المسلمين فيما يتعلق بالأرض والشمس والقمر والنجوم.
بل قد ثبت عنه ﷺ أنه ذم الكلام في النجوم. فروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة بأسانيد صحيحة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر وقال تعالى ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.
وروى رزين عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من اقتبس بابًا من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر».
قوله لغير ما ذكر الله أي من الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية وقال تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
ومن الاهتداء بها الاستدلال بها على جهة القبلة وعلى الجهات التي يقصدها المسافرون في البر والبحر.
فأما التخرص في معرفة مواردها ومقادير أجرامها وأبعادها وغير ذلك من الدعاوي الطويلة العريضة التي قد شغف بالخوض فيها أهل الهيئة الجديدة
стр. 32
ومقلدوهم من العصريين فذلك داخل في قوله ﷺ «من اقتبس علما من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر» بلا ريب والله أعلم.
وروي عنه ﷺ أنه نهى عن النظر في النجوم وعن مجالسة من ينظر فيها وأنه خاف على أمته من التصديق بها وأمرهم بالإمساك إذا ذكرت.
فروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «نهى عن النظر في النجوم».
وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا تجالسوا أصحاب النجوم» قال الهيثمي فيه هارون بن مسلم صاحب الحناء لينه أبو حاتم ووثقه الحاكم وبقية رجاله ثقات.
وروى أبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال خرجت مع رسول الله ﷺ من المدينة فالتفت إليها فقال: «إن الله قد طهر هذه القرية من الشرك إن لم تضلهم النجوم» قال الهيثمي فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه الناس وبقية رجاله ثقات.
قلت وقد ذكر الذهبي في الميزان عن ابن عدي أنه قال في قيس بن الربيع عامة رواياته مستقيمة والقول ما قال شعبة وأنه لا بأس به وقال عفان كان ثقة.
قلت وعلى هذا فحديثه حسن.
وقد أورده الهيثمي أيضا في آخر كتاب المناقب من مجمع الزائد فقال. وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد برأ الله هذه الجزيرة من الشرك ما لم تضلهم النجوم» رواه البزار وأبو يعلى بنحوه والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات.
стр. 33
وروى أبو يعلى وابن عدي والخطيب في كتاب النجوم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أخاف على أمتي من بعدي خصلتين تكذيبًا بالقدر وتصديقًا بالنجوم».
قال المناوي في شرح الجامع الصغير وهو حسن لغيره.
وروى الطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم وتكذيب بالقدر وحيف السلطان» قال الهيثمي فيه ليث بن أبي سليم وهو لين وبقية رجاله وثقوا.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني عن جابر بن سمرة ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «ثلاث أخاف على أمتي الاستسقاء بالأنواء وحيف السلطان وتكذيب القدر وتصديق بالنجوم».
وروى عبد بن حميد عن رجاء بن حيوة أن النبي ﷺ قال «أخاف على أمتي ثلاثا حيف الأئمة وإيمانًا بالنجوم وتكذيبًا بالقدر».
وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا». قال الهيثمي فيه مسهر بن عبد الملك وثَّقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح.
وروى الطبراني أيضاً عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ مثله. قال الهيثمي وفيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف.
стр. 34
قلت قد ذكر الذهبي في الميزان عن ابن عدي أنه قال أرجو أنه لا بأس به. وروى حميد بن زنجويه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ثم انتهوا، وتعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا».
وروى حميد بن زنجويه أيضا عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر ﵁ «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ثم أمسكوا، وتعلموا من النسب ما تصلون به أرحامكم، وتعلمون ما يحل لكم من النساء ويحرم عليكم ثم انتهوا».
وروى حميد بن زنجويه أيضا عن ابن عباس ﵄ أنه قال «رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق».
وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وفيها دليل على أن علم النجوم علم محظور وشعبة من شعب السحر ما عدا الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر.
ويستفاد منها أيضا أنه لا يجوز التصديق بما يزعمه المنجمون وأهل الهيئة الجديدة من علم النجوم لأن مزاعمهم فيها مبنية على الرجم بالغيب ولا يجوز التصديق بذلك.
الوجه الثاني: أن يقال لو كان علم الفلك من أول العلوم التي لفتت أنظار علماء المسلمين وجلبت اهتمامهم وعنايتهم لما كان الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم يهملونه. ولكنه علم لا يخلو في الغالب من تعاطي علم الغيب وما كان كذلك فهو علم مُرْدٍ مهلك، وما سلم منه من تعاطي علم الغيب فهو علم كثير العناء قليل الجدوى.
стр. 35
الوجه الثالث: أن علم الفلك نوعان أحدهما معرفة البروج الإثني عشر ودرجات الفلك ومنازل الشمس والقمر، وعرض البلدان وطولها، ومعرفة السمت والنظير، وفصول السنة وما تقطعه الشمس في اليوم والليلة من درجات الفلك، وما يقطعه القمر منها، ومعرفة السنة الشمسية والسنة القمرية وما بينهما من التفاوت، ومعرفة أوقات الكسوف والخسوف.
وهذا النوع هو الذي كان يشتغل به علماء الفلك قبل ظهور أهل الهيئة الجديدة، وهو علم كثير العناء قليل الجدوى يصد المشتغل به عما هو أهم منه من العلوم الدينية، ولم يكن الصحابة ولا التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم يتعلمون من هذا النوع إلا ما تدعو الحاجة إليه لمعرفة القبلة، والاهتداء في ظلمات البر والبحر، وأما ما سوى ذلك من علم الفلك فلم يكونوا يشتغلون به فضلا عن الاهتمام والعناية به.
وعلى هذا فقول الصواف أن علم الفلك كان من أول العلوم التي لفتت أنظار علماء المسلمين وجلبت اهتمامهم وعنايتهم قول لا أساس له من الصحة.
النوع الثاني: تخرص أهل الهيئة الجديدة في الأرض والأجرام العلوية وما تحويه، وهذا النوع مبني على تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وتعاطي علم المغيبات حرام شديد التحريم فضلا عن أن يكون من أول العلوم التي لفتت أنظار علماء المسلمين وجلبت اهتمامهم وعنايتهم كما زعمه الصواف، ومدار رسالة الصواف على هذا العلم المحرم كما لا يخفى على من نوَّر الله قلبه بنور العلم والإيمان.
فصل
قال الصواف في صفحة ٣٠ (علم الفلك)
ثم عرفه بأنه علم يبحث عن الأجرام السماوية وما تحويه وما تنتظمه من نجوم وكواكب وما يحدث في الكون من رياح وبرق ورعد.
стр. 36
قلت وهذا التعريف يشمل شيئين:
أحدهما: التخرص عن الأجرام السماوية وما تحويه وهذا هو الذي عليه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. والثاني دعوى معرفة ما يحدث في الكون من رياح وبرق ورعد وغير ذلك مما يكون من الحوادث في المستقبل، وهذا هو الذي كان عليه المنجمون في قديم الدهر وحديثه، وكلا الأمرين من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ومن القسم الثاني ما ذكره محمد فريد وجدي في كتابه (دائرة المعارف) حيث قال: كان لعلم الفلك في القرون الوسطى بأوروبا شأن كبير، ولكن في أخذ الطوالع ومعرفة طبائع الأوقات من نحوس وسعود.
قلت: وهذا وما ذكره الصواف في آخر كلامه الذي تقدم ذكره آنفا هو التنجيم المحرم بالإجماع.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية وحركات النجوم على الحوادث".
وقال الخطابي رحمه الله تعالى: "علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الريح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به، لا يعلم الغيب أحد سواه".
قلت: "ومن هذا الباب ما يذاع في كثير من الإذاعات من الأخبار عما سيكون في المستقبل من الغيوم والأمطار والرياح أو عدم ذلك، ويسمون
стр. 37
هذه الأخبار النشرات الجوية، وهي من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وكثيراً ما يتفق المنجمون على حدوث أمر في المستقبل، فيفضحهم الله تعالى ويبطل قولهم، ويجعل الأمر بعكس ما زعموه ليعلم الجاهلون بحالهم أنهم كذبة متخرصون ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
وقد ذكر المؤرخون من ذلك أخبارًا كثيرة منها ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة عن العماد الكاتب أنه قال: "أجمع المنجمون على خراب العالم في شعبان، لأن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان فيكون طوفان الريح في سائر البلدان" وذكر أن ناسا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات في الجبال ومدخلات وأسراب في الأرض خوفا من ذلك، قال: "فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها وأجمعوا عليها لم ير ليلة مثلها في سكونها وركودها وهدوئها، وقد ذكر ذلك غير واحد من الناس في سائر أقطار الأرض، وقد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الواقعة وغيرها أشعارًا كثيرة حسنة منها:
مَزِّق التقويمَ والزيـ ... ـجَ فقد بان الخطَا
إنما التقويم والزيـ ... ـج هباء وهوا
стр. 38
قلت للسبعة إبرا ... م ومنع وعطا
ومتى ينزلن في الميز ... ان يستولي الهوا
ويثور الرمل حتى ... يمتلي منه الصفا
ويعمُّ الأرض رجـ ... ـف وخراب وبِلى
ويصير القاع كالسـ ... ـقف وكالطود العرا
وحكمتم فأبى الحـ ... ـكم إلا من يشا
ما أتى الشرع ولا ... جاءت بهذا الأنبيا
فبقيتم ضحكة ... يضحك منها العلما
حسبكم خزيا وعا ... رًا ما يقول الشعرا
ما أطمعكم في الـ ... ـحكم إلا الأمرا
فعلى اصطر لاب بطـ ... ـليموس والزيج العفا
وعليه الخزي ما ... جادت على الأرض السما
وقد ذكر السيوطي هذا الخبر في تاريخه فقال: "وفي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة اجتمعت الكواكب الستة في الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم، وتوثيقها وسد منافذها عن الريح، ونقلوا إليها الماء والزاد، وانتقلوا إليها وانتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد، وهي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة، فلم يأت فيها شيء ولا هب فيها نسيم بحيث أوقدت الشموع فلم تتحرك فيها ريح تطفيها، وعملت الشعراء في ذلك، فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم:
قل لأبي الفضل قولَ معترفٍ ... مضى جمادى وجاءنا رجبُ
وما جرت زعزعًا كما زعموا ... ولا بدا كوكبٌ له ذنبُ
وما ذكره السيوطي في تعيين الشهر الذي اتفق المنجمون على هبوب
стр. 39
الريح العاتية فيه أنه جمادى الآخرة، يخالف ما ذكره ابن كثير عن العماد الكاتب أن ذلك في شعبان، ولعل الصواب ما ذكره السيوطي، ويشهد لذلك قول أبي الغنائم، والله أعلم.
وقد ذكر هذا الخبر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة، وذكر معه تسعة أخبار مما اتفق المنجمون على وقوعه، ففضحهم الله تعالى، وأبطل قولهم، وجعل الأمر بعكس ما زعموه.
وذكر أبياتًا حسانًا لأبي تمام وغيره من الشعراء في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجعه في مفتاح دار السعادة.
وقد حدثني بعض قضاة المدينة النبوية أن المنجمين في الهند في زماننا أجمعوا على أنه في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا - يكون في المدينة ريح عاصف، وظلمة وصواعق شديدة، ومطر عظيم وبرد كثير، فصدقهم الجهال فيما زعموه من هذا الباطل وارتقبوا وقوع ذلك، فلما جاء اليوم الذي وعدوا به كان الأمر فيه بعكس ما زعمه أعداء الله تعالى، فكانت الريح ساكنة لا تحرك شيئا وكان الجو صافيا جدا ولم يكن في ذلك اليوم غيم ولا شيء مما زعموا وقوعه.
قلت ولما كان في يوم الأربعاء الموافق لليوم الرابع من شهر ذي القعدة سنة ١٣٨٨ هـ أصاب مكة وجدة وما بينهما، وما بين مكة وجبل كرا - مطر عظيم وسيول جارفة، وقد ارتفع السيل في الحرم ارتفاعًا كثيرًا، وبلغ في باب الكعبة نحو ذراعين، وحمل سيارات كثيرة في شارع الأبطح، وصدم بعضها ببعض، ودخل بيوتًا ودكاكين كثيرة في مكة وجدة، وأفسد أموالا كثيرة. وقد أذاع المنجمون في بعض بلاد الكفر أنه سيصيب مكة في يوم الأربعاء من الأسبوع الثاني وهو الموافق لليوم الحادي عشر من الشهر
стр. 40
والسنة المذكورين آنفا مطر عظيم وسيل جارف يشبه ما أصابها في رابع الشهر.
وأذاع المنجمون في بعض بلاد الإفرنج أنه سيكون في بلاد الحجاز مطر عظيم يستمر أربعا وعشرين ساعة، وقد صدقهم الجهال في الزعم الكاذب وارتقبوا ما وعدوهم به من الطوفان، وزادهم فتنة وتصديقا بأقوال المنجمين أن الغيوم لم تزل متراكمة فوق مكة في تلك الأيام ولكن بدون مطر.
ولما كان في اليوم الثامن من ذي القعدة، وهو يوم الأحد أغلق الجهال بعض أبواب المسعى التي من جهة المشرق، ووضعوا عليها من جهة المسعى خشبًا غلاظًا لتمنعها أن تنفتح إذا جاءها السيل الذي وعد به المنجمون.
ولما كان في اليوم العاشر وهو يوم الثلاثاء أغلقوا جميع أبواب المسعى وردموها بالخشب، سوى مصراع واحد من جهة الصفا تركوه للناس يدخلون منه ويخرجون، وقد كنت أرى صنيعهم في الأبواب وأتعجب منه، ولا أدري ما مرادهم من ذلك؛ لأني لم أسمع بأكاذيب المنجمين عليهم، ولما كان بعد صلاة المغرب من ليلة الأربعاء جلست مع بعض العلماء في الحرم، فذكرت له ما رأيت من صنيعهم في أبواب المسعى، فأخبرني بما زعمه المنجمون من وقوع السيل العظيم المماثل لما وقع منذ أسبوع، فقلت كذب المنجمون وسيظهر كذبهم ويفتضحون إن شاء الله تعالى، وإني لأرجو أن تكون السماء في الغد صحوا ليس فيها قزعة، وبينما نحن جلوس إذ وقع علينا مطر خفيف، فانفض الجهال، وتسابقوا إلى الأبواب يخرجون من الحرم فعجبنا من صنيعهم ومن تلاعب الشيطان بهم، وقد نمنا تلك الليلة والغيوم متراكمة.
ولما خرجت لصلاة الصبح من يوم الأربعاء الذي وعد المنجمون بوقوع الطوفان فيه إذا السماء صحو ليس فيها قزعة، وقد أقمت بعد ذلك عدة أيام في مكة شرفها الله تعالى، والسماء لا تزال في تلك الأيام صحوا ليس فيها قزعة. فالحمد لله على إبطال قول المنجمين وإظهار كذبهم لعباده. ولقد
следующие страницы →