Полный текст (357 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قلت وهذا التعريف يشمل شيئين:
أحدهما: التخرص عن الأجرام السماوية وما تحويه وهذا هو الذي عليه أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. والثاني دعوى معرفة ما يحدث في الكون من رياح وبرق ورعد وغير ذلك مما يكون من الحوادث في المستقبل، وهذا هو الذي كان عليه المنجمون في قديم الدهر وحديثه، وكلا الأمرين من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ومن القسم الثاني ما ذكره محمد فريد وجدي في كتابه (دائرة المعارف) حيث قال: كان لعلم الفلك في القرون الوسطى بأوروبا شأن كبير، ولكن في أخذ الطوالع ومعرفة طبائع الأوقات من نحوس وسعود.
قلت: وهذا وما ذكره الصواف في آخر كلامه الذي تقدم ذكره آنفا هو التنجيم المحرم بالإجماع.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية وحركات النجوم على الحوادث".
وقال الخطابي رحمه الله تعالى: "علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الريح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به، لا يعلم الغيب أحد سواه".
قلت: "ومن هذا الباب ما يذاع في كثير من الإذاعات من الأخبار عما سيكون في المستقبل من الغيوم والأمطار والرياح أو عدم ذلك، ويسمون
стр. 37
هذه الأخبار النشرات الجوية، وهي من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وكثيراً ما يتفق المنجمون على حدوث أمر في المستقبل، فيفضحهم الله تعالى ويبطل قولهم، ويجعل الأمر بعكس ما زعموه ليعلم الجاهلون بحالهم أنهم كذبة متخرصون ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
وقد ذكر المؤرخون من ذلك أخبارًا كثيرة منها ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة عن العماد الكاتب أنه قال: "أجمع المنجمون على خراب العالم في شعبان، لأن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان فيكون طوفان الريح في سائر البلدان" وذكر أن ناسا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات في الجبال ومدخلات وأسراب في الأرض خوفا من ذلك، قال: "فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها وأجمعوا عليها لم ير ليلة مثلها في سكونها وركودها وهدوئها، وقد ذكر ذلك غير واحد من الناس في سائر أقطار الأرض، وقد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الواقعة وغيرها أشعارًا كثيرة حسنة منها:
مَزِّق التقويمَ والزيـ ... ـجَ فقد بان الخطَا
إنما التقويم والزيـ ... ـج هباء وهوا
стр. 38
قلت للسبعة إبرا ... م ومنع وعطا
ومتى ينزلن في الميز ... ان يستولي الهوا
ويثور الرمل حتى ... يمتلي منه الصفا
ويعمُّ الأرض رجـ ... ـف وخراب وبِلى
ويصير القاع كالسـ ... ـقف وكالطود العرا
وحكمتم فأبى الحـ ... ـكم إلا من يشا
ما أتى الشرع ولا ... جاءت بهذا الأنبيا
فبقيتم ضحكة ... يضحك منها العلما
حسبكم خزيا وعا ... رًا ما يقول الشعرا
ما أطمعكم في الـ ... ـحكم إلا الأمرا
فعلى اصطر لاب بطـ ... ـليموس والزيج العفا
وعليه الخزي ما ... جادت على الأرض السما
وقد ذكر السيوطي هذا الخبر في تاريخه فقال: "وفي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة اجتمعت الكواكب الستة في الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم، وتوثيقها وسد منافذها عن الريح، ونقلوا إليها الماء والزاد، وانتقلوا إليها وانتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد، وهي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة، فلم يأت فيها شيء ولا هب فيها نسيم بحيث أوقدت الشموع فلم تتحرك فيها ريح تطفيها، وعملت الشعراء في ذلك، فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم:
قل لأبي الفضل قولَ معترفٍ ... مضى جمادى وجاءنا رجبُ
وما جرت زعزعًا كما زعموا ... ولا بدا كوكبٌ له ذنبُ
وما ذكره السيوطي في تعيين الشهر الذي اتفق المنجمون على هبوب
стр. 39
الريح العاتية فيه أنه جمادى الآخرة، يخالف ما ذكره ابن كثير عن العماد الكاتب أن ذلك في شعبان، ولعل الصواب ما ذكره السيوطي، ويشهد لذلك قول أبي الغنائم، والله أعلم.
وقد ذكر هذا الخبر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة، وذكر معه تسعة أخبار مما اتفق المنجمون على وقوعه، ففضحهم الله تعالى، وأبطل قولهم، وجعل الأمر بعكس ما زعموه.
وذكر أبياتًا حسانًا لأبي تمام وغيره من الشعراء في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجعه في مفتاح دار السعادة.
وقد حدثني بعض قضاة المدينة النبوية أن المنجمين في الهند في زماننا أجمعوا على أنه في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا - يكون في المدينة ريح عاصف، وظلمة وصواعق شديدة، ومطر عظيم وبرد كثير، فصدقهم الجهال فيما زعموه من هذا الباطل وارتقبوا وقوع ذلك، فلما جاء اليوم الذي وعدوا به كان الأمر فيه بعكس ما زعمه أعداء الله تعالى، فكانت الريح ساكنة لا تحرك شيئا وكان الجو صافيا جدا ولم يكن في ذلك اليوم غيم ولا شيء مما زعموا وقوعه.
قلت ولما كان في يوم الأربعاء الموافق لليوم الرابع من شهر ذي القعدة سنة ١٣٨٨ هـ أصاب مكة وجدة وما بينهما، وما بين مكة وجبل كرا - مطر عظيم وسيول جارفة، وقد ارتفع السيل في الحرم ارتفاعًا كثيرًا، وبلغ في باب الكعبة نحو ذراعين، وحمل سيارات كثيرة في شارع الأبطح، وصدم بعضها ببعض، ودخل بيوتًا ودكاكين كثيرة في مكة وجدة، وأفسد أموالا كثيرة. وقد أذاع المنجمون في بعض بلاد الكفر أنه سيصيب مكة في يوم الأربعاء من الأسبوع الثاني وهو الموافق لليوم الحادي عشر من الشهر
стр. 40
والسنة المذكورين آنفا مطر عظيم وسيل جارف يشبه ما أصابها في رابع الشهر.
وأذاع المنجمون في بعض بلاد الإفرنج أنه سيكون في بلاد الحجاز مطر عظيم يستمر أربعا وعشرين ساعة، وقد صدقهم الجهال في الزعم الكاذب وارتقبوا ما وعدوهم به من الطوفان، وزادهم فتنة وتصديقا بأقوال المنجمين أن الغيوم لم تزل متراكمة فوق مكة في تلك الأيام ولكن بدون مطر.
ولما كان في اليوم الثامن من ذي القعدة، وهو يوم الأحد أغلق الجهال بعض أبواب المسعى التي من جهة المشرق، ووضعوا عليها من جهة المسعى خشبًا غلاظًا لتمنعها أن تنفتح إذا جاءها السيل الذي وعد به المنجمون.
ولما كان في اليوم العاشر وهو يوم الثلاثاء أغلقوا جميع أبواب المسعى وردموها بالخشب، سوى مصراع واحد من جهة الصفا تركوه للناس يدخلون منه ويخرجون، وقد كنت أرى صنيعهم في الأبواب وأتعجب منه، ولا أدري ما مرادهم من ذلك؛ لأني لم أسمع بأكاذيب المنجمين عليهم، ولما كان بعد صلاة المغرب من ليلة الأربعاء جلست مع بعض العلماء في الحرم، فذكرت له ما رأيت من صنيعهم في أبواب المسعى، فأخبرني بما زعمه المنجمون من وقوع السيل العظيم المماثل لما وقع منذ أسبوع، فقلت كذب المنجمون وسيظهر كذبهم ويفتضحون إن شاء الله تعالى، وإني لأرجو أن تكون السماء في الغد صحوا ليس فيها قزعة، وبينما نحن جلوس إذ وقع علينا مطر خفيف، فانفض الجهال، وتسابقوا إلى الأبواب يخرجون من الحرم فعجبنا من صنيعهم ومن تلاعب الشيطان بهم، وقد نمنا تلك الليلة والغيوم متراكمة.
ولما خرجت لصلاة الصبح من يوم الأربعاء الذي وعد المنجمون بوقوع الطوفان فيه إذا السماء صحو ليس فيها قزعة، وقد أقمت بعد ذلك عدة أيام في مكة شرفها الله تعالى، والسماء لا تزال في تلك الأيام صحوا ليس فيها قزعة. فالحمد لله على إبطال قول المنجمين وإظهار كذبهم لعباده. ولقد
стр. 41
أحسن الشاعر حيث يقول:
دع المنجم يكبو في ضلالته ... إن ادعى علم ما يجري به الفلكُ
تفرد الله بالعلم القديم فلا ال ... إنسان يشركه فيه ولا المَلَكُ
ومن أكاذيب المنجمين زعمهم أن لكل واحد من أهل الأرض نجمًا في السماء، وقد روى أبو نعيم في الحلية عن محمد بن كعب القرظي أنه قال كذبوا والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم ولكنهم يتبعون الكهنة ويتخذون النجوم علة ثم قرأ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.
وقال البخاري في صحيحه: "قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به".
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه، وزاد في آخره: "وإن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير والأحمر والأبيض والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب" انتهى.
ورواه ابن أبي حاتم بنحوه وزاد في آخره: "وقضى الله أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون".
ورواه الخطيب في كتاب النجوم عن قتادة، ولفظه: "قال إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال جعلها زينة للسماء، وجعلها يُهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم به". ثم ذكر بقيته نحو ما في رواية عبد بن حميد وزاد في
стр. 42
آخره: "ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء".
وقد أورده الحافظ ابن حجر في تفسيره من رواية ابن أبي حاتم ثم قال: "هو كلام جليل متين صحيح" انتهى.
وقال الداودي: "قول قتادة في النجوم حسن إلا قوله: أخطأ وأضاع نصيبه، فإنه قصر في ذلك بل قائل ذلك كافر.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "صناعة التنجيم والاستدلال بها على الحوادث محرم بإجماع المسلمين، وأخذ الأجرة على ذلك - سحت، ويمنعون من الجلوس في الحوانيت والطرقات، ويمنع الناس أن يكرموهم، والقيام في منعهم عن ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله تعالى" انتهى.
هذا ما يتعلق بالمنجمين وعلمهم في الفلك والنجوم.
وأما أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم فقد سلكوا في علم الفلك والنجوم مسلكًا آخر، وذلك بما يزعمونه من معرفة مواد الأجرام العلوية، ومقادير أحجامها وأبعادها، وتحديد المدة التي يصل فيها نور كل منها إلى الأرض، وما يزعمونه أيضا من تعدد الشموس والأقمار، وما يزعمونه أيضا من وجود الجبال والوهاد والأودية في الشمس والقمر وسائر السيارات، وأن فيها مخلوقات نحو سكنة الأرض، وأن فيها بحارا وأنهارا، وأنهم قاسوا أكثر من ألف جبل في القمر، فوجدوا أن علو بعضها ينيف على عشرين ألف قدم، وأنهم يعرفون ما يحدث في القمر من البراكين والانفجارات، وكذلك ما يحدث في الشمس من الانفجارات، وما تفقده من وزنها في الثانية الواحدة من ملايين الأطنان بسبب احتراقها، إلى غير ذلك من التخرصات والتحكم على الغيب، والتعاطي لما استأثر الله بعلمه. قال الله تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ
стр. 43
أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية. وقال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وهذا الذي ذكرناه عن أهل الهيئة الجديدة من تعاطي علم الغيب إن لم يكن شرا من التنجيم فليس بدونه، ومع هذا فكثير من العصريين قد افتتنوا بما يقوله أهل الهيئة الجديدة من المزاعم الباطلة والتخرصات والظنون الكاذبة، ورأوا أن ذلك من تقدم العلم في اكتشاف الأمور الكونية، وكلما تخرص متخرص من الإفرنج في الأجرام العلوية بشيء، وزعم أنه اكتشفه - تلقوا قوله بالقبول والتسليم، وتمسكوا به أعظم مما يتمسكون بنصوص الكتاب والسنة، واشتد إنكارهم على من رد ذلك من المسلمين، وإذا رأوا ما يخالف أقوال أعداء الله تعالى من أدلة الكتاب والسنة أولوه على ما يوافق أقوالهم كأنهم معصومون من الخطأ والزلل أو كأنهم قد أوحي إليهم بما يزعمونه من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة.
وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وقد روى البخاري في التاريخ والطبراني وابن عبد البر وغيرهم، عن عصمة بن قيس صاحب رسول الله ﷺ أنه «كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب».
стр. 44
وذكر ابن عبد البر أيضا عنه أنه كان يتعوذ بالله من فتنة المشرق، فقيل له فكيف فتنة المغرب؟ قال: «تلك أعظم وأعظم».
وهذا الأثر له حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي فلا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف.
والواقع يشهد لهذا الأثر بالصحة فإن الفتن أول ما ظهرت في هذه الأمة ظهرت من قبل المشرق، ومن أعظمها شرا فتنة الجهمية والرافضة، وأما في زماننا فظهور الفتن من قبل المغرب أكثر، وذلك بسبب استيلاء بعض الدول الإفرنجية على أكثر الممالك الإسلامية، وبثهم فيها ثقافتهم المشؤومة وتعاليمهم المسمومة، فكان لهذه الثقافة والتعاليم أسوأ الأثر في تلك البلاد بحيث فسدت عقائد الأكثرين منهم، وظهرت فيهم الزندقة والإلحاد والاستهزاء بالعلوم الدينية وأهلها، وتعظيم ما يلقيه أعداء الله إليهم من ظنونهم وتخرصاتهم التي هي من وحي الشيطان وتضليله.
ومن تأمل ما دخل على المسلمين من الشر بسبب الفتن المشرقية، وما دخل عليهم من الشر بسبب الفتن المغربية - تبين له أن فتنة المغرب أعظم شرًا من فتنة المشرق، وأشد نكاية في هدم الإسلام وطمس أعلامه وإطفاء نوره، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فإن قيل أن أهل الهيئة الجديدة قد توصلوا إلى معرفة الأجرام السماوية وما تحويه بواسطة أرصادهم ونظاراتهم فيكون ذلك من قبيل المشاهدة، لا من قبيل الظن والتخرض وتعاطي علم الغيب.
فالجواب: أن يقال أن أرصاد أعداء الله ونظاراتهم أضعف وأعجز من أن يتوصل بها إلى اكتشاف ما في السماء الدنيا وهي مسيرة خمسمائة سنة فضلا
стр. 45
عن التوصل بها إلى اكتشاف ما يهذون به من المسافات التي تبلغ ملايين الملايين من السنين.
وقد ثبت بنصوص القرآن أن الشمس والقمر والكواكب في السماء قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة: "البروج هي الكواكب العظام" وقال البغوي: "هي النجوم الكبار" قال: "وسميت بروجًا لظهورها". وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ وقال تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ففي هذه الآيات النص على أن الشمس والقمر في السماء، والنص على أن الله تعالى جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا، ورجوما للشياطين.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي ﷺ أربعة من الصحابة، وهم عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد ﵃، وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا، وله حكم الرفع كنظائره.
وقد ذكرت هذه الأحاديث في الصواعق الشديدة مع الأدلة على سكون
стр. 46
الأرض وثباتها، فلتراجع هناك.
وإذا كان بين السماء والأرض هذا البعد الشاسع، فالتوصل بالأرصاد والنظارات إلى اكتشاف ما في السماء غير ممكن.
ولو فرض أن الأرض ليست بكروية، وأن وجهها مستوٍ ليس فيه مرتفع ولا منخفض، فهل يقول عاقل أن أهل الأرصاد في أوروبا يمكنهم أن يكتشفوا ما في الصين بأرصادهم ونظاراتهم، ويروا ما فيه من الجبال والوهاد والبحار والأنهار والأودية والمدن والقرى، ويقيسوا ما فيه من الجبال ويعرفوا قدر ارتفاعها؟
لا أظن أن عاقلا يقول بإمكان ذلك، بل إنه يبعد اكتشافهم لمسافة خمسة أيام في الأرض، فكيف بمسافة خمسمائة سنة في السماء؟ فضلا عما يزعمونه من اكتشاف ما يبعد عنهم بمسافة ملايين الملايين من السنين.
وليس العجب من هؤلاء الدجالين الذين يمخرقون على الناس ويوهمونهم بما يشبه أضغاث الأحلام من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة، وإنما العجب من أناس مسلمين ينتسبون إلى العلم والمعرفة، وهم مع هذا يصدقون أعداء الله في كل ما قالوه في الأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم، ولو كان مخالفا لما في القرآن والأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين، ويرون أن ذلك من تقدم العلم في اكتشاف الأمور الكونية.
وقد تقدم حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» وفي رواية رزين «من اقتبس بابًا من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر».
وتقدمت أيضا الأحاديث في الخوف على هذه الأمة من التصديق بالنجوم. وفي بعض الروايات «إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم وتكذيب بالقدر وحيف السلطان».
стр. 47
وتقدم أيضا ما رواه ابن مسعود وثوبان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «وإذا ذكر النجوم فأمسكوا» أي عن التصديق بها، كما تفيده الأحاديث المذكورة قبل هذا الحديث والله أعلم.
فصل
وذكر الصواف في صفحة ٣١ أبا جعفر المنصور، ثم قال "وهو الخليفة الثاني"
والجواب أن يقال هذا الإطلاق خطأ، لأن الخليفة الثاني على الإطلاق إنما هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فأما المنصور العباسي فلا يقال فيه أنه الخليفة الثاني على وجه الإطلاق، بل لابد من التقييد بأن يقال ثاني خلفاء بني العباس أي الخليفة الثاني من بني العباس.
فصل
وفي صفحة ٣١ أيضا ذكر الصواف عن بعض الفلكيين أن مدار الشمس بيضاوي الشكل - يعني أنه غير مستدير.
والجواب أن يقال هذا قول باطل مردود لمخالفته لمدلول الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الصحيح، قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، والفلك في اللغة هو الشيء المستدير.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "الأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع، فإن لفظ الفلك يدل على الاستدارة ومنه قوله تعالى ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄ في فلكة كفلكة المغزل، ومنه قولهم تفلك ثدي الجارية إذا استدار، وأهل الهيئة والحساب متفقون على ذلك".
стр. 48
وقال الشيخ أيضا: " قد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة". ثم ذكر الأدلة على ذلك، ومنها قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ثم ذكر كلام ابن عباس ﵄ الذي تقدم ذكره، قال: "وهذا صريح الاستدارة والدوران، وأصل ذلك أن الفلك في اللغة هو الشيء المستدير، يقال تفلك ثدي الجارية إذا استدار، ويقال لفلكة المغزل المستديرة فلكة لاستدارتها، فقد اتفق أهل التفسير واللغة على أن الفلك هو المستدير. والمعرفة لمعاني كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف، ومن اللغة التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب".
قال: "والحس مع العقل يدل على ذلك فإنه مع تأمل دوران الكواكب القريبة من القطب في مدار ضيق حول القطب الشمالي، ثم دوران الكواكب المتوسطة في السماء في مدار واسع، وكيف يكون في أول الليل وفي آخره - يعلم ذلك، وكذلك من رأى الشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها في الأوقات الثلاثة على بعد واحد وشكل واحد ممن يكون على ظهر الأرض علم أنها تجري في فلك مستدير" انتهى.
وقد جزم الصواف في صفحة ٤٩ أن الأفلاك مستديرة فنقض ما قرره في صفحة ٣١.
فصل
وفي صفحة ٣١ أيضا ذكر الصواف عن الفلكيين من أهل بغداد ممن كان في زمان الرشيد والمأمون أنهم شكوا في ثبات الأرض، بل قال بعضهم بحركتها.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن ما ذكره في هذا الموضع قد قرر خلافه في صفحة ٤٣، حيث قال: "كان أول من قال بحركة الأرض حول محورها كوبرنيكس في عام ١٥٤٣"
стр. 49
وقد كفانا الصواف مؤنة الرد عليه حيث رد هو على نفسه.
وما ذكره في صفحة ٤٣ قد ذكر مثله محمد فريد وجدي في دائرة المعارف فقال في الكلام على علم الفلك بعد أن ذكر المشتغلين به في زمان بني العباس وما بعده ما نصه:
"في كل هذه القرون كان مذهب بطليموس هو المعول عليه، وهو المذهب الذي يعتبر الأرض مركز الكون، فلما نشأ كوبرنيكس البروسي في منتصف القرن السادس عشر - أي الميلادي - أحيا مذاهب فيثاغورس الذي يفرض أن الشمس مركز المجموعة الشمسية، وأن الأرض وبقية السيارات تدور حولها".
وذكر محمد فريد أيضا في الكلام على الأرض: "أن فيثاغورس قال بدوران الأرض حول الشمس، فقبل الناس نظريته زمانا طويلا حتى نبغ الفلكي الاسكندر بطليموس الذي كان عائشا قبل الميلاد بنحو قرن ونصف، فقرر أن الأرض وإن كانت كروية إلا أنها ساكنة غير متحركة، وأن الشمس هي التي تدور حولها فراجت نظريته هذه في العقول وبقيت شائعة سائدة حتى ظهر الفلكي البولوني الشهير كوبرنيكس في القرن السادس عشر الميلادي، فقرر رأي فيثاغورس، وأيده بالأدلة الرياضية علماء الهيئة في كل مكان، ولا تزال هي السائدة إلى اليوم "انتهي.
قلت: إنما كانت سائدة عند فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من العصريين، فأما عند المتمسكين بالكتاب والسنة فهي باطلة مردودة لمخالفتها للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الصحيح، وقد ذكرت الأدلة على بطلانها في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.
стр. 50
الوجه الثاني: لو فرضنا صحة ما زعمه الصواف من وجود من يشك في ثبات الأرض أو يقول بحركتها من الفلكيين الذين كانوا في زمان بني العباس فقولهم مردود عليهم؛ لمخالفته للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على سكون الأرض وثباتها، وقد ذكرتها في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.
فصل
وفي صفحة ٣٢ ذكر الحاكم العبيدي وسماه الخليفة الفاطمي.
والجواب: أن يقال ليس الحاكم وأهل بيته بخلفاء ولا فاطميين، وإنما هم ملوك جبابرة فجرة وأدعياء كذبة، وقد أوضح المحققون من العلماء أمرهم وكشفوا أسرارهم وهتكوا أستارهم، وأنا أذكر ههنا طرفا من كلام العلماء فيهم ليعلم من يسميهم خلفاء وينسبهم إلى فاطمة بنت رسول الله ﷺ أنه تائه في بيداء الجهالة والضلالة ومخالف لأهل الأمانة والعدالة، قال الذهبي رحمه الله تعالى: "كان العبيديون على الإسلام شرًا من التتر". قال: "وكانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا" انتهى.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية في أخبار سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة: "وفيها كان موت المهدي صاحب أفريقية، وهو أبو محمد عبيد الله المدعي أنه علوي وتلقب بالمهدي وبنى المهدية ومات بها".
قال ابن خلكان: "وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا، فقال صاحب تاريخ القيروان: هو عبيد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقال غيره هو عبيد الله بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقيل غير ذلك في نسبه". قال ابن خلكان: "والمحققون ينكرون دعواه في النسب".
стр. 51
قال ابن كثير: "وقد كتب غير واحد من الأئمة منهم الشيخ أبو حامد الاسفراييني والقاضي الباقلاني والقدوري أن هؤلاء أدعياء ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه، وأن والد عبيد الله المهدي هذا كان يهوديا صباغا بسلمية، وقيل كان اسمه سعد، وإنما لقب بعبيد الله زوج أمه بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمي القداح لأنه كحالا يقدح العيون.
وكان الذي وطأ له الأمر بتلك البلاد أبو عبد الله الشيعي، ثم استدعاه فلما قدم عليه من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سلجماسة فسجنه، فلم يزل الشيعي يحتال له حتى استنقذه من يده وسلم إليه الأمر، ثم ندم الشيعي على تسليمه الأمر وأراد قتله، ففطن عبيد الله لما أراد به فأرسل إلى الشيعي من قتله وقتل أخاه معه، ويقال إن الشيعي لما دخل السجن الذي قد حبس فيه عبيد الله هذا وجد صاحب سلجماسة قد قتله، ووجد في السجن رجلا مجهولا محبوسا، فأخرجه إلى الناس لأنه كان قد أخبر الناس أن المهدي كان محبوسا في سلجماسة، وأنه إنما يقاتل عليه، فقال للناس هذا المهدي، وكان قد أوصاه أن لا يتكلم إلا بما يأمره به وألا قتله فراج أمره، فهذه قصته وهؤلاء سلالته والله أعلم".
وقال ابن كثير أيضا في أخبار سنة اثنتين وأربعمائة:
"ذكر الطعن من أئمة بغداد وغيرهم من البلاد في نسب الفاطميين وأنهم أدعياء كذبة، وفي ربيع الآخر منها كتب ببغداد محاضر تتضمن الطعن والقدح في نسب الفاطميين وهم ملوك مصر، وليسوا كذلك، وإنما نسبهم إلى عبيد بن سعد الجرمي، وكتب في ذلك جماعة من العلماء والقضاة والأشراف والعدول والصالحين والفقهاء والمحدثين، وشهدوا جميعا أن الحاكم بمصر هو منصور
стр. 52
ابن تزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار - ابن معد بن إسماعيل ابن عبد الله بن سعيد - لا أسعده الله - فإنه لما صار إلى بلاد المغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي، وأن من تقدم من سلفه أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ولا يتعلقون بسبب، وأنه منزه عن باطلهم، وأن الذي أدعوه إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أحدا من أهل بيوتات علي بن أبي طالب توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبة. وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعا في الحرمين وفي أول أمرهم بالمغرب منتشرا انتشارا يمنع أن يدلس أمرهم على أحد، أو يذهب وهم إلى تصديقهم فيما ادعوه، وإن هذا الحاكم بمصر هو وسلفه كفار فساق فجار ملحدون زنادقة معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثنوية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسبَّوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية".
وكتب في سنة اثنتين وأربعمائة: "وقد كتب خطة في المحضر خلق كثير، فمن العلويين المرتضى والرضا وابن الأزرق الموسوي وأبو طاهر ابن أبي الطيب ومحمد بن محمد بن عمرو بن أبي يعلى، ومن القضاة أبو محمد ابن الأكفاني وأبو القاسم الجزري وأبو العباس ابن الشبوري، ومن الفقهاء أبو حامد الاسفراييني وأبو محمد ابن الكسفلي وأبو الحسن القدوري وأبو عبد الله الصيمري وأبو عبد الله البيضاوي وأبو علي بن حكمان، ومن الشهود أبو القاسم التنوخي في كثير منهم، وكتب فيه خلق كثير " هذه عبارة أبي الفرج ابن الجوزي.
قال ابن كثير: "ومما يدل على أن هؤلاء أدعياء كذبة كما ذكر هؤلاء السادة العلماء والأئمة الفضلاء، وأنهم لا نسب لهم إلى علي بن أبي طالب، ولا إلى فاطمة، كما يزعمون قول ابن عمر للحسين بن علي حين أراد الذهاب إلى العراق وذلك حين كتب عوام أهل الكوفة بالبيعة إليه، فقال له ابن عمر: "لا تذهب إليهم فإني
стр. 53
أخاف عليك أن تقتل، وأن جدك قد خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة على الدنيا، وأنت بضعة منه، وإنه والله لا تنالها لا أنت ولا أحد من خلفك ولا من أهل بيتك.
فهذا الكلام الحسن الصحيح المتوجه المعقول من هذا الصحابي الجليل يقتضي أنه لا يلي الخلافة أحد من أهل البيت إلا محمد بن عبد الله المهدي الذي يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى بن مريم، رغبة بهم عن الدنيا وأن لا يدنسوا بها، ومعلوم أن هؤلاء قد ملكوا ديار مصر مدة طويلة، فدل ذلك دلالة قوية على أنهم ليسوا من أهل البيت كما نص عليه سادة الفقهاء.
وقد صنف القاضي الباقلاني كتابا في الرد على هؤلاء وسماه "كشف الأسرار وهتك الأستار" بين فيه فضائحهم وقبائحهم ووضح أمرهم لكل أحد، ووضوح أمرهم ينبيء عن مطاوي أفعالهم وأقوالهم، وقد كان الباقلاني يقول في عبارته عنهم: هم قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض والله سبحانه أعلم". انتهى ما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى ما ملخصه: وهؤلاء القوم - يعني العبيديين - يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وكذلك النسب قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود وهذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم، وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لإخبار الناس وأيامهم حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم من القدح في نسبهم.
وأما جمهور المصنفين
стр. 54
من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه فإنه ذكروا نسبهم، وكذلك ابن الجوزي وأبو شامة وغيرهما من أهل العلم بذلك حتى صنف العلماء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، كما صنف القاضي أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في كشف أسرارهم، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى، بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلهية علي أو نبوته، فهم أكفر من هؤلاء.
وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المعتمد فصلا طويلا في شرح زندقتهم وكفرهم، وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الذي سماه "فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية، قال: "ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض".
وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون عليًا علي غيره، بل يفسقون من قاتله، ولم يتب من قتاله يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة، فهذه مقالة المعتزلة في حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة والجماعة، بل والرافضة الأمامية؟ مع أنهم من أجهل الخلق، وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح، ولا دنيا منصورة، فهم يعلمون أن مقالة هؤلاء مقالة الزنادقة المنافقين، ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شر من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية علي ﵁.
وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف، وقد تولى الخلافة غيرهم طوائف، وكان في بعضهم من البدعة والظلم ما فيه، فلم يقدح الناس في نسب أحد من أولئك كما قدحوا في نسب هؤلاء. ولا نسبوهم إلى الزندقة والنفاق كما نسبوا هؤلاء.
وقد قام من ولد علي طوائف من ولد الحسن وولد الحسين كمحمد بن عبد الله بن حسبن وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن وأمثالهما، ولم يطعن أحد لا من أعدائهم ولا من غير أعدائهم لا في نسبهم ولا في إسلامهم.
وكذلك الداعي القائم بطبرستان وغيره من العلويين، وكذلك بنو
стр. 55
حمود الذين تغلبوا بالأندلس مدة وأمثال هؤلاء، لم يقدح أحد في نسبهم ولا في أسلامهم، وقد قتل جماع من الطالبيين على الخلافة لاسيما في الدولة العباسية، وحبس طائفة كموسى بن جعفر وغيره، ولم يقدح أعداؤهم في نسبهم ولا دينهم، وسبب ذلك أن الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متداول مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه.
وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله ورسوله أمر لا يخفى، وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه وله هذه الشهرة لم يمكنه ذلك، فإن هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلماء.
وهؤلاء بنو عبيد القداح ما زالت علماء الأمة المأمونون علما ودينا يقدحون في نسبهم ودينهم، لا يذمونهم بالرفض والتشيع، فإن لهم في هذا شركاء كثيرين، بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية، ومن جنسهم الخرمية المحمرة وأمثالهم من الكفار والمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر".
إلى أن قال: "بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق ومعادة ما جاء به الرسول ﷺ دليل على بطلان نسبهم الفاطمي، فإن من يكون من أقارب النبي ﷺ القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء، فلم يعرف في بني هاشم ولا ولد أبي طالب بل ولا بني أمية من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام، فضلا عن أن يكون معاديا له كمعاداة هؤلاء، بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم يكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم، فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق - كيف يعادي دينه هذه المعاداة؟ ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطنا وظاهرا معادين لهؤلاء إلا من هو زنديق عدو الله ورسوله، أو جاهل لا يعرف ما بعث الله به رسوله، وهذا مما يدل على كفرهم وكذبهم في نسبهم ".
إلى أن قال: "وقد علم الناس من سيرة الحاكم ما علموا، وما فعله هشتكين الدرزي مولاه بأمره من دعوة الناس إلى عبادته
стр. 56
ومقاتلته أهل مصر على ذلك، ثم ذهابه إلى الشام حتى أضل وادي التيم بن ثعلبة.
والزندقة والنفاق فيهم إلى اليوم، وعندهم كتب الحاكم وقد أخذتها منهم وقرأت ما فيها من عبادتهم الحاكم، وإسقاطه عنهم الصلاة والزكاة والصيام والحج وتسمية المسلمين الموجبين لهذه الواجبات المحرمين لما حرم الله ورسوله بالحشوية، إلى أمثال ذلك من أنواع النفاق التي لا تكاد تحصى.
وبالجملة فاسم الباطن الذي يدعونه مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر بل هو جامع لكل كفر ".
إلى أن قال: "وبنوا أرصادا على الجبال وغير الجبال يرصدون فيها الكواكب يعبدونها ويسبحونها ويستنزلون روحانياتها التي هي شياطين تنزل على المشركين الكفار كشياطين الأصنام، ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة، قد انطفأ نور الإسلام والإيمان فيها حتى قالت فيها العلماء أنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب، والقرامطة الخارجون بأرض العراق الذين كانوا سلفا لهؤلاء القرامطة ذهبوا من العراق إلى المغرب ثم جاءوا من المغرب إلى مصر، فإن كفر هؤلاء وردتهم من أعظم الكفر والردة وهم أعظم كفرا وردة من كفر أتباع مسيلمة الكذاب ونحوه من الكذابين، فإن أولئك لم يقولوا في الإلهية والربوبية والشرائع ما قاله أئمة هؤلاء، ولهذا يميز بين قبورهم وقبور المسلمين كما يميز بين قبور المسلمين والكفار، فإن قبورهم موجهة إلى غير القبلة" انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضا في موضع آخر: "ثم الإسماعيلية الذين كانوا ملوك القاهرة، وكانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون، وهم عند أهل العلم من ذرية عبيد الله القداح. وقال فيهم أبو حامد الغزالي - في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم - "ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض".
стр. 57
وقد صنف القاضي وصف مذاهبهم في كتبه، وكذلك غير هؤلاء من علماء المسلمين، وهؤلاء الغالية كفار باتفاق المسلمين" انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضا في موضع آخر: "أئمة الباطنية كبني عبيد بن ميمون القداح الذين ادعوا أنهم من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر ولم يكونوا من ولده، بل كان جدهم يهوديا ربيبا لمجوسي، فأظهر التشيع، ولم يكونوا في الحقيقة على دين واحد من الشيعة لا الإمامية ولا الزيدية بل ولا الغالية الذين يعتقدون إلهية علي أو نبوته، بل كانوا شرا من هؤلاء كلهم، ولهذا كثرت تصانيف العلماء المسلمين في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وكثر غزو المسلمين لهم، وقصصهم معروفة، وابن سينا وأهل بيته من أتباعهم على عهد حاكمهم المصري، ولهذا دخل ابن سينا في الفلسفة. وهؤلاء يجعلون محمد بن إسماعيل هو الإمام المكتوم، وأنه نسخ شرع محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ويقولون أنهم آلهة، ولهذا أرسل الحاكم غلامه هشتكين الدرزي إلى وادي تيم الله بن ثعلبة بالشام، فأضل أهل تلك الناحية، وبقاياه فيهم إلى اليوم، يقولون بإلهية الحاكم وقد خرجهم عن دين الإسلام.
وقد ادعى الربوبية، وكتب باسم الحاكم الرحمن الرحيم، واستمال كثيرا من الجهال، وبذل لهم المال، ونادوه باسم الإله وصنف له بعض الباطنية كتابا ذكر فيه أن روح آدم انتقل إلى علي ثم إليه.
وهؤلاء الباطنية لهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار التتر، وأكفر من المشركين المحاربين من الإفرنج، وغيرهم فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا رسوله ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، ويتأولون كلام الله ورسوله على أمور يفترونها بدعوى أنها من علم الباطن، وليس لهم
стр. 58
حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه، ولا يرون الصلوات الخمس ولا صيام شهر رمضان ولا حج البيت الحرام ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك.
وهؤلاء يدعون المستجيب لهم أولا إلى التشيع والتزام ما توجبه الرافضة وتحريم ما يحرمونه، ثم بعد هذا ينقلونه درجة بعد درجة، ينقلونه في الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام، وأن المقصود هو معرفة أسرارهم وهو العلم الذي به تكمل النفس كما تقول الفلاسفة الملاحدة، فمن حصل له هذا العلم وصل إلى الغاية، وسقطت عنه العبادات التي تجب على العامة كالصلوات وصيام رمضان وحج البيت وحلت له المحرمات التي لا تحل لغيره" ثم ذكر ما تقدم عن أبي الغزالي أنه قال فيهم: "ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض". انتهى.
فصل
وذكر الصواف في صفحة ٣٧ عن عبد الرزاق نوفل أنه نقل عن الفلكيين أنهم قالوا بأن الأرض كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس، وتتبعها في سيرها أينما سارت، قال: وهي تدور بنا حول نفسها مرة كل أربع وعشرين ساعة.
والجواب أن يقال هذا قول باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الصحيح وقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة فليراجع هناك.
فصل
وقال في صفحة ٣٨ أن الأرض تدور حول الشمس في فلك يبلغ محيطه
стр. 59
٥٨٠ مليون ميل، فمعدل سرعتها في هذه الحركة يبلغ ٦٠ ألف ميل في الساعة أو بنحو ألف ميل في الدقيقة، والنظام الشمسي كله بما فيه الأرض ينهب الفضاء نهبا بسرعة لا تقل عن ٢٠ ألف ميل في الساعة أي أكثر من ٣٠٠ ميل في الدقيقة متجهة نحو برج هركيوليس.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أن إثبات مثل هذه الأمور يحتاج إلى نص قاطع من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله ﷺ ، ولم يقم على شيء تخرصوه دليل البتة لا من المنقول ولا من المعقول الصحيح، وقد انقطع الوحي من السماء بموت النبي ﷺ ، ولم يبق مع المدعين سوى التخرصات والظنون الكاذبة، وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقد جمعت هذه الآية الكريمة بين الأمر باتباع ما أنزل الله، والنهي عن اتباع ما سوى ذلك من أقوال المتخرصين.
الوجه الثاني: أن يقال ليس للأرض فلك تدور فيه كما زعم ذلك أهل الهذيان والتخرص، وإنما الفلك للشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ
стр. 60
كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
قال ابن جرير: "قوله ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يقول: وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل".
وقال ابن كثير: "قوله ﵎: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء. قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "والله سبحانه قد أخبر بأن الشمس والقمر والليل والنهار كل ذلك يسبح في الفلك فقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. والفلك هو المستدير كما ذكر ذلك من ذكره من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين، والمستدير يظهر شيئا بعد شيء، فيراه القريب منه قبل البعيد عنه".
وقال الشيخ أيضا: "لفظ الفلك يدل على الاستدارة وعلى سرعة الحركة كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى".
وقال أيضا: "والسباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر أهل اللغة". انتهى.
وأما الأرض فإنها ساكنة ثابتة لا تتحرك ولا تزول من موضعها فضلا عن أن يكون لها فلك تدور فيه، وقد ذكرت الأدلة على سكونها في الصواعق الشديدة فلتراجع هناك.
وأما تحديدهم لمحيط فلك الأرض الذي توهموه بعقولهم الفاسدة بما ينيف على سبعين ألف سنة، وتحديدهم أيضا لمعدل سرعتها في الساعة والدقيقة، وما
стр. 61
زعموه أيضا من النظام الشمسي وسرعة سيره في الساعة والدقيقة واتجاهه نحو هركيولس - فكله هذيان لا يقوله عاقل، ونسبة هذا الهذيان إلى المسلمين فرية بلا مرية.
وقد قال الله تعالى ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة ما ذكره العلماء من الإجماع على أن السموات مستديرة، وما ذكروه أيضا من الإجماع على أن الأرض مثل الكرة، وبيان أنها مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة، وذكرت أيضا النص على أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وأن كسف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، فلو كان للأرض فلك يبلغ محيطه ٥٨٠ مليون ميل كما زعم ذلك من زعمه من فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ضعفاء البصيرة من المسلمين لكان مدارها من فوق الكرسي بمسافة بعيدة، وهذا ظاهر البطلان.
وأيضا فالسموات السبع الشديدة البناء التي ليس لها فروج وليس فيها فطور قد أحاطت بالأرض من كل جانب، والكرسي من فوق السموات قد أحاط بالجميع فلا طريق للأرض إلى اختراق السموات والكرسي، والصعود إلى ما فوق ذلك حتى يتهيأ لها الدوران في الفلك الذي توهموه بعقولهم الفاسدة.
وإنما قال أعداء الله ما قالوه من هذا الهذيان الذي يضحك منه كل عاقل
стр. 62
لأنهم يرون أن سعة الجو غير متناهية، وإنه ليس فوقنا سموات مبنية شداد كثف كل واحدة منهن خمسمائة سنة، والأرض في وسط السماء الدنيا منهن وكل سماء منهن محيطة بما تحتها وما حوت.
وقد وجد أعداء الله لتخرصاتهم وهذيانهم قبولا عند الأغبياء من المسلمين، وهذا أكبر مقاصد أعداء الله فإنهم حريصون على إضلال المسلمين وردهم إلى الكفر كما أخبر الله عنهم بذلك في قوله تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وفي هذه الآية الأخيرة الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وفي الآيات التي قبلها التحذير من طاعة أعداء الله تعالى والإصغاء إلى تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة التي تصد عن سبيل الله تعالى، وتورد من أصغى إليها موارد العطب، فمن تمسك بالكتاب والسنة حصلت له الهداية في الدنيا والسعادة في الآخرة، ومن أعرض عنهما وتمسك بظنون الناس وتخرصاتهم فقد ضل وشقي في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
قال ابن عباس ﵄: من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا
стр. 63
ولا يشقى في الآخرة. ثم تلا هذه الآية ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ رواه رزين وغيره.
وقال الله تعالى ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وإذا علم هذا فلابد للمتكلم فيما يتعلق بالأرض والسموات والشمس والقمر والنجوم من أحد أمرين: إما التمسك بما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ في ذلك وما أجمع المسلمون عليه من ذلك، ونبذ التخرصات والظنون الكاذبة وراء الظهر، وأما التمسك بتخرصات أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم ونبذ ما عارض ذلك من أدلة الكتاب والسنة والإجماع وراء الظهر. فليختر المرء ما يناسبه من أحد الأمرين، فأما الجمع بينهما فغير ممكن لأنهما ضدان فلا يجتمعان، وكثير من العصريين المفتونين بتخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة يرومون الجمع بين ما أخبر الله به ورسوله ﷺ وبين تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة وذلك بحمل الآيات والأحاديث على غير محاملها لتتفق مع ظنون أهل الهيئة الجديدة وتخرصاتهم فيجمعون
стр. 64
بين قبول الباطل وبين الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى نص على جريان الشمس في مواضع من كتابه، ونص أيضا على أنها تسبح في الفلك، ونص أيضا على أنه يأتي بها من المشرق، ونص أيضا على طلوعها وتزاورها ودلوكها وغروبها. وقال تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ والدأب إدامة السير كما نص على ذلك أئمة اللغة وقرر معناه أهل التفسير، وفي هذه الآيات أوضح دليل على أن الشمس تجري وتدور على الأرض لقيام معايش العباد ومصالحهم.
وقد نص رسول الله ﷺ على جريان الشمس وطلوعها وارتفاعها وزوالها ودنوها من الغروب وغروبها، وأخبر أنها تذهب بعد الغروب حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ثم يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، وكل ذلك يدل على دوران الشمس على الأرض على الدوام ورد ما هذى به المتخرصون من كون النظام الشمسي ينهب الفضاء نهبا بسرعة متجها نحو برج هركيوليس.
الوجه الرابع: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا، فقد ذكر في هذا الموضع أن النظام الشمسي ينهب الفضاء نهبا بسرعة متجهة نحو برج هركيوليس، وذكر في صفحة ٤٣ أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء تحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض، وقال في صفحة ٦١ أن الشمس ثابتة ومتحركة في آن واحد ثابتة على محورها، ومتحركة حول هذا المحور، أي دائرة حول نفسها ومثلها مثل المروحة السقفية الكهربائية، وهذا تناقض عجيب، وهكذا الباطل لا تجده إلا مختلفا ينقض
стр. 65
بعضه بعضا كما قال الله تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
فصل
وقال الصواف في صفحة ٣٨: "أما عمر الأرض فقد بدأ الإنسان تكهناته عنه من آماد بعيدة، ففي القرن السابع عشر، قال أحد المفكرين واسمه جيمس أوثر أن العالم بدأ يوم ٢٦ أكتوبر سنة ٤٠٠٤ قبل الميلاد، وجاء في أحد الكتب الهندية المقدسة أن عمر العالم ١٩٧٢٩٤٩٠٥٩ سنة، وفي العصر الحديث بدأت الجهود التي يبذلها الفلكيون في المراصد تلتقي عند أدق رقم يمكن أن يعتبر أصح تقدير لعمر الكرة الأرضية، فقد دلت آخر التقديرات القائمة على دراسات فلكية وأبحاث علمية في مراصد ليك ومونت ويلسون وبالومار على أن عمر الكرة الأرضية حوالي ٥٤٠٠٠٠٠٠٠٠ سنة، ونسبة الخطأ في تقدير هذا الرقم يقرب من ٢٠ %، ويعتمد الفلكيون في عمر الكرة الأرضية على النظرية القائلة بأن شيئا حدث في الفضاء في قديم الزمان جعل المادة تتناثر من مركز مشترك واحد، وقد دلت الدراسة التي استمرت ٢٠ عاما للضوء المنبعث من الكواكب البعيدة على أن هذه الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد في الفضاء، وأن سرعتها تزداد كلما ازداد ابتعادها، وقد قضى الفلكيون في معرفة ذلك سبعة أعوام بالمراصد المذكورة يراقبون ٨٠٠ كوكب و٢٦ مجموعة من الكواكب".
والجواب عن هذا من جوه أحدها: أن يقال أن التكهن من أمور الجاهلية وليس من علوم المسلمين، ومع هذا فقد أدخله الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين، وهذا من أكبر الخطأ وأعظم الفرية، وقد قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ
стр. 66
اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة: "هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة".
والوجه الثاني: أن التكهن هو التحكم على الغيب والتعاطي لما استأثر الله بعلمه.
قال ابن منظور في لسان العرب: "كهن له وتكهن له قضى له بالغيب". وكذا قال صاحب القاموس. قال ابن منظور: "ويقال كهن لهم إذا قال لهم قول الكهنة. ونقل مرتضى الحسيني في تاج العروس عن التوشيح أن الكهانة ادعاء علم الغيب، قال: "ومثله في ضوء النبراس، وأفعال ابن القطاع، والإرشاد.
وقال الخطابي: "الكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن".
وقال ابن الأثير: "الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار".
قلت: ويقال أيضا للذي يدعي علم الغيب العراف والحازي.
قال الجوهري: "العراف الكاهن".
وقال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: "العراف الذي يحدس ويتخرص".
وقال ابن الأثير: "العراف المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله به".
وقال ابن منظور في لسان العرب: "يقال للحازي عراف" قال: "والعراف الكاهن". وفي الحديث «من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ » أراد بالعراف المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
стр. 67
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: "العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم كالحازي الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف" انتهى.
إذا علم هذا فكل من ادعى شيئا من علم الغيب فهو طاغوت كافر ومن صدقه فهو ممن آمن بالطاغوت.
وقد أخبر الله تعالى عن الكاهن بأنه أفاك أثيم، وفي هذا أبلغ ذم للكهان وأبلغ تحذير من تصديقهم فيما يدعونه من علم الغيب قال الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ قال قتادة: "هم الكهنة يسترق الجن السمع ثم يلقون إلى أوليائهم من الإنس".
وقال ابن كثير على قوله ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: "أي كذوب في قوله وهو الأفاك أثيم، وهو الفاجر في أفعاله، فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة" انتهى.
وقد روى البزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له» قال المنذري إسناده جيد، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة.
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، قال المنذري وإسناده حسن.
وروى عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من اقتبس بابًا من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر،
стр. 68
المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر» وروي عن علي ﵁ أنه قال «الكاهن ساحر والساحر كافر» ذكره الذهبي في كتاب الكبائر.
وروى الطبراني عن ابن الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لن ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرًا» قال المنذري والهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
قلت: وقد رواه ابن مردويه وأبو نعيم والبغوي بنحوه، ولفظ البغوي «من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة».
الوجه الثالث: أن الصواف ذكر أقوال المتكهنين في بدء العالم ومدة عمره وعمر الأرض وأقرها وذلك يدل على رضاه بهذا التكهن وتصديقه به، وتلك مصيبة من أعظم المصائب على هذا المسكين لو كان يعقل.
فقد روى الإمام أحمد وأهل السنن والبخاري في التاريخ الكبير عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضا أو أتى امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ » وفي رواية بعضهم «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ».
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرح التوحيد: "ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان". قال: "وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة أو يتوقف فيه فلا يقال: يخرج عن الملة، ولا ما يخرج، وهذا أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى.
وقال القرطبي: "المراد بالمنزل الكتاب والسنة" انتهى.
стр. 69
وروى الإمام أحمد أيضا والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » قال الحاكم صحيح على شرطهما جميعا ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى البزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ليس منها من تطير أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » قال المنذري إسناده جيد، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرح التوحيد: "كل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطاها، فقد برئ منه رسول الله ﷺ ، لكونها أما شرك كالطيرة أو كفر كالكهانة والسحر، فمن رضي بذلك وتابع فهو كالفاعل لقبوله الباطل واتباعه" انتهى.
وروى البزار أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال «من أتى كاهنًا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » قال المنذري إسناده جيد قوي.
وروى البزار أيضا وأبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ قال «من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » قال المنذري إسناده جيد. وقال الهيثمي رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا هبيرة بن يريم وهو ثقة، ورواه البزار أيضا والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه قال الهيثمي: ورجال الكبير والبزار
стр. 70
ثقات، وقال المنذري: رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات.
وقد رواه أبو نعيم في الحلية من حديث عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق - يعني السبيعي - قال حدثنا هبيرة بن يريم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ » ثم قال أبو نعيم رواه الثوري عن أبي إسحاق مثله، ورواه علقمة وهمام بن الحارث عن عبد الله موقوفا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرح التوحيد: "فيه دليل على كفر الكاهن والساحر لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك كفر أيضا "انتهى.
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: فيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وفيه توثيق في أحاديث الرقاق، وبقية رجاله ثقات.
قلت: وما تقدم من الأحاديث الصحيحة يشهد له ويقويه.
وروى الطبراني أيضا عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فإن صدقه بما قال كفر» إسناده ضعيف ولكنه يتقوى بما تقدم وما يأتي.
стр. 71
وروى الإمام أحمد ومسلم عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة».
وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: رجاله ثقات.
وروى الطبراني أيضا في الأوسط عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: رواه الطبراني عن شيخه مصعب بن إبراهيم بن حمزة الدهري، ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأيضا فإن التصديق بالتكهن من الإيمان بالجبت والطاغوت وقد قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾.
قال عمر ﵁: الجبت السحر والطاغوت الشيطان. وكذا قال الشعبي ومجاهد.
وقد تقدم حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا وفيه «والكاهن ساحر» وعن علي ﵁ مثله وتقدم أيضا.
وعن الشعبي أيضا: الجبت الكاهن، وقال محمد بن سيرين ومكحول: الجبت الكاهن والطاغوت الساحر. وقال سعيد بن جبير وأبو العالية: الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن.
وقال الجوهري: "الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك".
وقال جابر بن عبد الله ﵄: «الطواغيت كهان تنزل عليهم الشياطين» رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن.
стр. 72
ويشهد له قول الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ وقد تقدم قول قتادة أنهم الكهنة.
والمقصود ههنا التحذير من تصديق الذين يتكهنون ويدعون علم الغيب، وبيان أن من صدقهم في ذلك فهو ممن آمن بالجبت والطاغوت شاء أم أبى.
فليستيقظ الصواف من رقدته ولينتبه من غفلته ولا يكن كحاطب الليل يضع في حطبه الأفاعي القاتلة وهو لا يشعر، بل أن ضرر الأفاعي أوهى مما وضعه الصواف في رسالته من الأقوال الباطلة المتضمنة لمحادة الله تعالى ورسوله ﷺ ، واتباع غير سبيل المؤمنين، لأن ضرر هذه الأقوال الباطلة على الدين وضرر الأفاعي على البدن وشتان ما بين الضررين.
الوجه الرابع: أن ما زعمه أعداء الله تعالى من معرفة الشهر الذي بدأ فيه العالم وتعيين اليوم الذي بدأ فيه من ذلك الشهر وتحديد عمر العالم وعمر الأرض - فكله تخرص مردود بقول الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وفي الحديث الصحيح أن جبريل قال للنبي ﷺ «أخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها أعلم بأعلم من السائل» رواه الإمام أحمد ومسلم
стр. 73
وأهل السنن من حديث عمر ﵁.
ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁.
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄.
وإذا كان أشرف الملائكة وأشرف البشر لا يعلمان متى تقوم الساعة، فغيرهما من المخلوقين أولى وأحرى أن لا يعلموا ذلك فضلا عما يزعمه المتخرصون من معرفة الشهر الذي بدأ فيه العالم، وتعيين اليوم الذي بدأ فيه من ذلك الشهر، وتحديد عمر العالم وعمر الأرض.
ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
الغيب يعلمه المهيمن وحده ... وعن الخلائق أجمعين مغيب
وقال آخر:
الزجر والطير والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال
الوجه الخامس: أنه لم يجئ في كتاب الله تعالى ولا عن رسول الله ﷺ أن للأرض عمرا معلوما إذا انتهى زالت من مكانها وذهبت بالكلية. بل الذي يدل عليه القرآن العظيم أن الأرض لا تزال باقية إلى الأبد إلا أنها تبدل يوم القيامة. قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فقد دلت هذه الآيات على أن الأرض لا تزال باقية على الأبد، وأما تبديلها يوم القيامة فقد قال تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قال
стр. 74
ابن كثير: "أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة". ثم ذكر الأحاديث والآثار الواردة في تبديل الأرض وهي كثيرة، فلتراجع في آخر تفسير سورة إبراهيم.
وأما زعم الفلكيين أن عمر الأرض حوالي ألف وأربعمائة مليون سنة، فهو تخرص مردود عليهم.
الوجه السادس: أن الصواف سمى رسالته المسلمون وعلم الفلك، وذكر في مقدمتها في صفحة ١٢ أن ما جمعه فيها هو مما تركه العلماء الأعلام، وقال في صفحة ٥١ و٦٥ أنهم سلفه الصالح، وقال في صفحة ٦٧ أنهم علماؤه الأعلام، وقد نقل في هذا الموضع الذي نرد عليه عن "جيمس أوثر" وعن الفلكيين أصحاب المراصد في "ليك ومونت ويلسون وبالومار" ونقل أيضا في صفحة ٤٠ عن "لابلاس" وفي صفحة ٤٣ عن "سيمون" وفي صفحة ٥٨ عن الدكتور "توماس جولد" وفي صفحة ٦٠ عن المرصد الأمريكي وعن الدكتور "دونالد مينزل" وفي صفحة ٧١ عن "اللورد افبري" وفي صفحة ٨٠ عن البريطاني "سبريل هازارد" وزميله " البروفيسور شميدت" وفي صفحة ١٠٨ عن "أرثر فندلاي" و"سيمون ينوك" وهؤلاء كلهم من الإفرنج ومع هذا فقد جعل الصواف تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وتحكمهم على الغيب من علوم المسلمين، بل ظاهر كلامه أنه يرى أنهم من المسلمين، ومن العلماء الأعلام والسلف الصالح، نعوذ بالله من تقليب الأفئدة والأبصار.
وأما قوله: وجاء في أحد الكتب الهندية المقدسة الخ.
فجوابه: أن يقال إنما تكون الكتب مقدسة إذا كانت منزلة من الله تعالى أو مأثورة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 75
فأما ما وضعه أعداء الرسل من عند أنفسهم وما توحيه الشياطين إليهم فهو باطل مردود وليس بمقدس.
وكتاب الهند الذي نقل الصواف عنه تحديد عمر العالم هو من هذا الجنس الباطل المردود لما فيه من التحكم على الغيب والتعاطي لما استأثر الله بعلمه.
وأما قوله: ويعتمد الفلكيون في عمر الكرة الأرضية على النظرية القائلة بأن شيئا حدث في الفضاء في قديم الزمان جعل المادة تتناثر من مركز مشترك واحد.
فجوابه أن يقال هذا من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾.
وقد ذكرت في الصواعق الشديدة ما ذكره الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة في ذلك، وتعقبته بالرد، فليراجع ذلك في المثال الخامس عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة.
وأما قوله: وقد دلت الدراسة التي استمرت ٢٠ عاما للضوء المنبعث من الكواكب البعيدة على أن هذه الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد في الفضاء، وأن سرعتها تزداد كلما ازداد ابتعادها.
فجوابه: أن يقال هذا من جنس ما قبله من التخرصات والظنون الكاذبة
следующие страницы →