← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17027

ذيل الصواعق لمحو الأباطيل والمخارق

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (357 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وروى الإمام أحمد ومسلم عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة». وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: رجاله ثقات. وروى الطبراني أيضا في الأوسط عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» قال الهيثمي: رواه الطبراني عن شيخه مصعب بن إبراهيم بن حمزة الدهري، ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. وأيضا فإن التصديق بالتكهن من الإيمان بالجبت والطاغوت وقد قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. قال عمر ﵁: الجبت السحر والطاغوت الشيطان. وكذا قال الشعبي ومجاهد. وقد تقدم حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا وفيه «والكاهن ساحر» وعن علي ﵁ مثله وتقدم أيضا. وعن الشعبي أيضا: الجبت الكاهن، وقال محمد بن سيرين ومكحول: الجبت الكاهن والطاغوت الساحر. وقال سعيد بن جبير وأبو العالية: الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن. وقال الجوهري: "الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك". وقال جابر بن عبد الله ﵄: «الطواغيت كهان تنزل عليهم الشياطين» رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن.

стр. 72

ويشهد له قول الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ وقد تقدم قول قتادة أنهم الكهنة. والمقصود ههنا التحذير من تصديق الذين يتكهنون ويدعون علم الغيب، وبيان أن من صدقهم في ذلك فهو ممن آمن بالجبت والطاغوت شاء أم أبى. فليستيقظ الصواف من رقدته ولينتبه من غفلته ولا يكن كحاطب الليل يضع في حطبه الأفاعي القاتلة وهو لا يشعر، بل أن ضرر الأفاعي أوهى مما وضعه الصواف في رسالته من الأقوال الباطلة المتضمنة لمحادة الله تعالى ورسوله ﷺ ، واتباع غير سبيل المؤمنين، لأن ضرر هذه الأقوال الباطلة على الدين وضرر الأفاعي على البدن وشتان ما بين الضررين. الوجه الرابع: أن ما زعمه أعداء الله تعالى من معرفة الشهر الذي بدأ فيه العالم وتعيين اليوم الذي بدأ فيه من ذلك الشهر وتحديد عمر العالم وعمر الأرض - فكله تخرص مردود بقول الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ الآية. وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية. وفي الحديث الصحيح أن جبريل قال للنبي ﷺ «أخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها أعلم بأعلم من السائل» رواه الإمام أحمد ومسلم

стр. 73

وأهل السنن من حديث عمر ﵁. ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄. وإذا كان أشرف الملائكة وأشرف البشر لا يعلمان متى تقوم الساعة، فغيرهما من المخلوقين أولى وأحرى أن لا يعلموا ذلك فضلا عما يزعمه المتخرصون من معرفة الشهر الذي بدأ فيه العالم، وتعيين اليوم الذي بدأ فيه من ذلك الشهر، وتحديد عمر العالم وعمر الأرض. ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: الغيب يعلمه المهيمن وحده ... وعن الخلائق أجمعين مغيب وقال آخر: الزجر والطير والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال الوجه الخامس: أنه لم يجئ في كتاب الله تعالى ولا عن رسول الله ﷺ أن للأرض عمرا معلوما إذا انتهى زالت من مكانها وذهبت بالكلية. بل الذي يدل عليه القرآن العظيم أن الأرض لا تزال باقية إلى الأبد إلا أنها تبدل يوم القيامة. قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ فقد دلت هذه الآيات على أن الأرض لا تزال باقية على الأبد، وأما تبديلها يوم القيامة فقد قال تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قال

стр. 74

ابن كثير: "أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة". ثم ذكر الأحاديث والآثار الواردة في تبديل الأرض وهي كثيرة، فلتراجع في آخر تفسير سورة إبراهيم. وأما زعم الفلكيين أن عمر الأرض حوالي ألف وأربعمائة مليون سنة، فهو تخرص مردود عليهم. الوجه السادس: أن الصواف سمى رسالته المسلمون وعلم الفلك، وذكر في مقدمتها في صفحة ١٢ أن ما جمعه فيها هو مما تركه العلماء الأعلام، وقال في صفحة ٥١ و٦٥ أنهم سلفه الصالح، وقال في صفحة ٦٧ أنهم علماؤه الأعلام، وقد نقل في هذا الموضع الذي نرد عليه عن "جيمس أوثر" وعن الفلكيين أصحاب المراصد في "ليك ومونت ويلسون وبالومار" ونقل أيضا في صفحة ٤٠ عن "لابلاس" وفي صفحة ٤٣ عن "سيمون" وفي صفحة ٥٨ عن الدكتور "توماس جولد" وفي صفحة ٦٠ عن المرصد الأمريكي وعن الدكتور "دونالد مينزل" وفي صفحة ٧١ عن "اللورد افبري" وفي صفحة ٨٠ عن البريطاني "سبريل هازارد" وزميله " البروفيسور شميدت" وفي صفحة ١٠٨ عن "أرثر فندلاي" و"سيمون ينوك" وهؤلاء كلهم من الإفرنج ومع هذا فقد جعل الصواف تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وتحكمهم على الغيب من علوم المسلمين، بل ظاهر كلامه أنه يرى أنهم من المسلمين، ومن العلماء الأعلام والسلف الصالح، نعوذ بالله من تقليب الأفئدة والأبصار. وأما قوله: وجاء في أحد الكتب الهندية المقدسة الخ. فجوابه: أن يقال إنما تكون الكتب مقدسة إذا كانت منزلة من الله تعالى أو مأثورة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 75

فأما ما وضعه أعداء الرسل من عند أنفسهم وما توحيه الشياطين إليهم فهو باطل مردود وليس بمقدس. وكتاب الهند الذي نقل الصواف عنه تحديد عمر العالم هو من هذا الجنس الباطل المردود لما فيه من التحكم على الغيب والتعاطي لما استأثر الله بعلمه. وأما قوله: ويعتمد الفلكيون في عمر الكرة الأرضية على النظرية القائلة بأن شيئا حدث في الفضاء في قديم الزمان جعل المادة تتناثر من مركز مشترك واحد. فجوابه أن يقال هذا من تخرصات أهل الهيئة الجديدة وظنونهم الكاذبة. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. وقد ذكرت في الصواعق الشديدة ما ذكره الألوسي عن أهل الهيئة الجديدة في ذلك، وتعقبته بالرد، فليراجع ذلك في المثال الخامس عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة. وأما قوله: وقد دلت الدراسة التي استمرت ٢٠ عاما للضوء المنبعث من الكواكب البعيدة على أن هذه الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد في الفضاء، وأن سرعتها تزداد كلما ازداد ابتعادها. فجوابه: أن يقال هذا من جنس ما قبله من التخرصات والظنون الكاذبة

стр. 76

وهذا القول الباطل مبني على قولهم أن سعة الجو غير متناهية، وأنه ليس فوقنا سموات مبنية. وقد استوفيت الرد على هذا القول الباطل في الصواعق الشديدة في المثال الثالث من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك. ولو كان الأمر على ما زعموه من نفي وجود السموات وأنه ليس فوقنا إلا فضاء لا نهاية له، وأن الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد فيه، لكان يختفي ضوؤها عن أهل الأرض شيئا فشيئا حتى لا يروا منها شيئا، ويكفي في معرفة بطلان قولهم ما يشاهده الناس من استمرار ضوء كل كوكب على حاله على ممر الأزمان. وأيضا فإن الله تعالى قال ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات مستديرة، وقرروا أن كل سماء محيطة بالسماء التي تحتها وما حوت، والكواكب قد جعلت زينة للسماء الدنيا بنص القرآن. فالسموات الشداد التي ليس لها فروج وليس فيها فطور محيطة بالكواكب من كل جانب ولا طريق لها إلى ما زعموه من الابتعاد المتوهم. وأيضا فإن الله تعالى قد جعل السماء سقفا لما تحتها من المخلوقات، وجعل الكواكب زينة لهذا السقف المحفوظ فقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ

стр. 77

الْكَوَاكِبِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ وهذه الزينة لا تزال على حالها ما بقيت الدنيا، فإذا قامت القيامة زالت هذه الزينة عن محلها وانتثرت على الأرض كما أخبر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ قال البغوي وغيره في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، وتكور في الشمس والقمر ثم يوقد فيكون هو جهنم). وروى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس ﵄ أنه قال (يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث ريحا دبورا فيضرمها نارا) وكذا ذكر البغوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄، قال ابن كثير: "وكذا قال عامر الشعبي". وفيما ذكرته ههنا من الآيات وقول حبر الأمة كفاية في رد ما زعمه أعداء الله تعالى من كون الكواكب لا تزال ممعنة في الابتعاد عن الأرض. وأيضا فإن الله تعالى قد جعل الكواكب زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها أهل الأرض في ظلمات البر والبحر. ولو كانت لا تزال ممعنة في الابتعاد عن الأرض كما زعمه أعداء الله تعالى لفاتت هذه المصالح منها،

стр. 78

وفي بقائها على حالها على مر الأزمان أوضح دليل على بطلان ما توهموه بعقولهم الفاسدة. وأما قوله وقد قضى الفلكيون في معرفة ذلك سبعة أعوام بالمراصد المذكورة يراقبون ٨٠٠ كوكب و٢٦ مجموعة من الكواكب. فواجبه أن يقال إن الله قد جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا. وما فيها لا يعلم إلا من طريق الوحي، وقد انقطع الوحي من السماء بموت النبي ﷺ . فأما المراصد والنظارات فهي أضعف وأعجز من أن يتوصل بها إلى العلم بما في السماء. وإنما يعتمد أعداء الله تعالى على تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة، وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وما زعموه من وجود المجموعات من الكواكب فهو باطل. وقد استوفيت الرد عليه في الصواعق الشديدة في المثال الثامن عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة فليراجع هناك. فصل قال الصواف في صفحة ٣٩: (علم طبقات الأرض) ولقد نشأ بسبب هذه التحقيقات على سمي (بعلم طبقات الأرض) وهو علم يختص بدراسة الأرض، ومعرفة تاريخها ونشأتها وعمرها، وكيف تكونت طبقاتها وما طرأ على كل طبقة من تغيير نتيجة لعوامل جيولوجية أو حيوية، وقد تمكن بعض العلماء من معرفة أشياء مهمة عن الأرض ومكوناتها وما تحت قشرتها وهو ما يسمونه بعلم الجيولوجيا، وكل هذه الدراسات تضيف في كل لحظة وحين أدلة مشرقة على عظمة الخالق ووجود الصانع الحكيم العليم القدير.

стр. 79

والجواب أن يقال أما دعوى معرفة تاريخ الأرض ونشأتها وعمرها وكيف تكونت طبقاتها وما طرأ على كل طبقة من تغيير، فذلك من التحكم على الغيب والتعاطي لما استأثر الله بعلمه قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. وليست هذه الأمور مما يدرك علمه بالعوامل الجيولوجية أو الحيوية، وإنما تعلم من طريق الوحي وقد انقطع الوحي بموت النبي ﷺ وقد قال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وأما قوله: وقد تمكن بعض العلماء من معرفة أشياء مهمة عن الأرض ومكوناتها. فجوابه أن يقال ليس للأرض ولا غيرها من المخلوقات خالق ومكون غير الله تعالى. قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. وإضافة التكوين إلى العناصر هو مذهب الطبيعيين الذين يزعمون أن الإيجاد والتكوين ناشئ عن الطبيعة، وذلك شرك بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق العناصر، وخلق ما تكون منها فلا يضاف التكوين إلى غيره. وأما قوله: "وكل هذه الدراسات تضيف في كل لحظة وحين أدلة مشرقة على عظمة الخالق ووجود الصانع". فجوابه أن يقال أن في القرآن والأحاديث الصحيحة كفاية وغنية في الدلالة على عظمة الخالق ووجود الصانع، ولا يحتاج معهما إلى ما سواهما من أقوال الناس وآرائهم فضلا عن تخرصات أعداء الله وظنونهم الكاذبة وتحكمهم على الغيب.

стр. 80

قال الله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الآيات إلى قوله ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. وروى الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بنحوه قال المنذري: وإسناده حسن. وروى ابن ماجة أيضا عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 81

- ﷺ : «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ﷺ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. وإذا علم هذا فمن أقبح الجهل أن تجعل التخرصات والظنون الكاذبة من أعداء الله أدلة على عظمة الخالق ووجود الصانع، وأن يقال أنها أدلة مشرقة وهي في الحقيقة بعكس ذلك ظلمات بعضها فوق بعض. فصل وقال الصواف في صفحة ٣٩ و٤٠ و٤١ ما ملخصه: (خلق الأرض) قال الله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ هذه الآية من الآيات المعجزات التي أخبرت بمغيب لا يعلمه إلا الله. وجاء العلم الحديث يشير إلى ما أشارت إليه هذه الآية البليغة. فقد اختلفت الآراء العلمية منذ القديم على كيفية نشوء الأرض حتى توصل العلماء أخيرا بعد البحوث العميقة وبعد الاختراعات العجيبة للمراصد والمجاهر وبعد ستقدم الأرض وسميت بنظرية "لابلاس" هذه النظرية قررت أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام إنما كانت سديمًا في الفضاء وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم. وهذا هو الذي أشار إليه القرآن العظيم في الآية التي صرنا بها هذا الموضوع قبل "لابلاس" وقيل غيره من علماء الدنيا. ويؤيد هذه النظرية كما يقول العلماء أدلة كثيرة منها شدة حرارة باطن الأرض - إلى أن قال وبتقدم العلم أمكن إلى حد ما معرفة العناصر المكونة للشمس بتحليل لطيف

стр. 82

فلكل عنصر عند احتراقه لون خاص به. فوجد أنها تتكون من نفس العناصر التي تتكون منها الأرض. بل اكتشفت عناصر في الشمس قبل اكتشاف وجودها في الأرض. وبذلك قرر العلم اليوم ما قرره القرآن وأشار إليه قبل ألف وأربعمائة عام من أن الأرض والشمس والنجوم أي السماء والأرض وما فيهما أنما كانت سديما انفصل إلى أجزاء ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. والجواب أن يقال أما ما زعمه من توصل الفلكيين إلى معرفة كيفية نشوء الأرض فهو زعم باطل مردود بقول الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وكيفية خلق الأرض من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى أو من أطلعه على ذلك من المرسلين. قال الله تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية وقال تعالى ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾. وليس الغيب ما يتوصل إليه بالبحوث والمراصد والمجاهر والأبحاث الجيولوجية والتحاليل الأرضية كما زعمه الصواف. ومن ادعى علم الغيب بهذه الطرق فهو طاغوت، ومن صدقه فهو ممن آمن بالطاغوت شاء أم أبى. وأما نظرية "لابلاس" فليست بصحيحة كما زعمه الصواف وإنما هي ظن وتخرص وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. وقد ذكر الله تعالى خلق الأرض في مواضع كثيرة من القرآن وفصل ذلك في سورة حم السجدة فقال تعالى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ

стр. 83

فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. فلم يذكر ﵎ أن الأرض كانت سديمًا في أول الأمر ولا أنها انفصلت عن سديم. والسديم هو الضباب الرقيق قاله ابن منظور في لسان العرب وصاحب القاموس وغيرهما من أهل اللغة. وقد روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال ﷺ «خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد، ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة». وفي هذا الحديث بيان خلق السماء والأرض وما فيهما، وليس فيه ما يدل عل أن الأرض كانت سديمًا في أول الأمر، ولا أنها انفصلت عن السديم.

стр. 84

وروى ابن جرير أيضا عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال: «إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة» وهذا الأثر يدل على ما دل عليه الحديث قبله من تقدم خلق الأرض على خلق السموات. وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد: «قال خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلقت ثار منها دخان فذلك قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فسواهن سبع سموات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن فوق بعض». وفي الآيات التي ذكرنا مع حديثي ابن عباس وعبد الله بن سلام ﵃ دليل على أن الأرض خلقت قبل السماء، وما فيها من الشمس والقمر والنجوم. وقد صرح مجاهد أن الأرض خلقت قبل السماء، وهو إنما تلقي التفسير عن ابن عباس ﵄. وفي كل ما ذكرنا رد لما قررته نظرية "لابلاس" من أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام كانت سديمًا في القضاء وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم، وبيان أنها نظرية فاسدة، لا كما يزعم الصواف أنها نظرية صحيحة. وفي ذلك أيضا رد لما ذكره الألوسي في صفحة ٩٤ من كتابه الذي سماه "ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة" عن الفلاسفة المتأخرين أنهم ذهبوا إلى أن العالم كله كان قطعة واحدة فأصابته صدمة، فتفرق إلى ما يرى من الإجرام.

стр. 85

والظاهر أن هذه النظرية هي نظرية "لابلاس" التي ذكرها الصواف وإنما اختلف تعبيرهم عنها، وقد ذكرتها في الصواعق الشديدة في المثال الخامس عشر من الأمثلة على بطلان الهيئة الجديدة، وتعقبتها بالرد فليراجع هناك. وأما قوله: وجاء العلم الحديث يشير إلى ما أشارت إليه الآية البليغة. فجوابه أن يقال ليست تخرصات الفلكيين وظنونهم الكاذبة بعلم كما توهمه الصواف وأشباهه من العصريين وإنما هي تحكم على الغيب، وذلك هو الجهل على الحقيقة. وأما زعمه أن الآية من سورة الأنبياء أشارت إلى ما جاء في نظرية "لابلاس". فجوابه أن يقال ليس في الآية الكريمة ما يشير إلى أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام كانت سديمًا في الفضاء، وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم. وإنما الذي في الآية أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقهما الله، وقد اختلف المفسرون في المراد بذلك، قال ابن الجوزي: "وللمفسرين في المراد به ثلاثة أقوال: أحدها أن السموات كانت رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات، رواه عبد الله بن دينار عن ابن عباس ﵄ وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية والضحاك في آخرين. قلت وهذا مروي عن ابن عمر ﵄، رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ أن رجلا أتاه يسأله عن ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله

стр. 86

ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال فذهب إلى ابن عباس ﵄ فسأله فقال ابن عباس ﵄: نعم كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات. فرجع الرجل إلى ابن عمر ﵄ فأخبره، فقال ابن عمر: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علمًا، صدق. هكذا كانت قال ابن عمر ﵄: قد كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علما. قال ابن الجوزي: والثاني أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتقهما الله تعالى، رواه العوفي عن ابن عباس ﵄، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة. والثالث: أنه فتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعا، ومن السماء ست سموات فصارت سبعا. رواه السدي عن أشياخه وابن أبي نجيح عن مجاهد انتهى. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قال إن الله ﵎ كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا

стр. 87

رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يقول: أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يقول: أقواتها لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ يقول: قل لمن يسألك هكذا الأمر ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار، وجبال البرد ومالا يعلمه غيره، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا، تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب، استوى على العرش، فذلك حين يقول ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ويقول ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ رواه ابن جرير. فهذه أقوال المفسرين في تفسير الآية من سورة الأنبياء، وليس في شيء منها أن الأرض كانت في أول الأمر سديمًا ولا أنها انفصلت عن السديم. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه" انتهى. وقد اختلف المفسرون في مقدار الستة الأيام التي خلقت فيها السموات والأرض على قولين، قال ابن كثير: والجمهور على أنها كأيامنا هذه. وعن ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك وكعب الأحبار أن كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، واختار هذا القول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد فيه على الجهمية وابن جرير وطائفة من المتأخرين، والله أعلم. انتهى.

стр. 88

قلت: ويؤيد القول الأخير ما تقدم من حديث ابن عباس ﵄ أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض .... الحديث. وفيه أن الله تعالى خلق آدم وأسكنه الجنة وأخرجه منها في آخر ساعة من يوم الجمعة الذي هو آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، فهذا يدل على أن تلك الساعة كانت بقدر سنين كثيرة وأن تلك الأيام ليست كأيامنا هذه والله أعلم. وأما قوله: ويؤيد هذه النظرية أدلة منها شدة حرارة باطن الأرض. فجوابه أن يقال وأي دليل في شدة حرارة باطن الأرض على أنها كانت سديمًا في أول الأمر، أو أنها انفصلت عن السديم. وأما قوله: وبتقدم العلم أمكن إلى حد ما معرفة العناصر المكونة للشمس فوجد أنها تتكون من نفس العناصر التي تتكون منها الأرض. فجوابه أن يقال ليس هذا بعلم وإنما هو تخرص وظن كاذب ومنازعة للرب ﵎ فيما استأثر به من علم الغيب، وقد تقدم التنبيه على أن هذا هو الجهل على الحقيقة. وأما قوله: العناصر المكونة للشمس. فجوابه أن يقال ليس للشمس ولا غيرها من المخلوقات خالق ومكون غير الله تعالى. قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. وإضافة التكوين إلى العناصر هو مذهب الطبيعيين الذين يزعمون أن الإيجاد والتكوين ناشيء عن الطبيعة وذلك شرك بالله تعالى لأن الله تعالى هو

стр. 89

الذي خلق العناصر وخلق ما تكون منها فلا يضاف التكوين إلى غيره. وأما قوله فوجد أنها تتكون من نفس العناصر التي تتكون منها الأرض. فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال ما زعمه ههنا فهو تخرص وظن كاذب وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ومن هو الذي ذهب إلى الشمس، وحلل عناصرها، وقابل بينها وبين عناصر الأرض، حتى عرف مشابهة كل منهما للآخر. وعناصر الشمس من أمور الغيب التي لا تعلم إلا من طريق الوحي، ولم يأت عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ بيان عن عناصر الشمس، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ولو كانت عناصر الشمس مثل عناصر الأرض لكانت ترابا وأحجارا وماء مثل الأرض، ولو كانت كذلك لما كانت سراجا وهاجا كما وصفها الله بذلك في كتابه وإنما تكون باردة غير مضيئة. ولو كانت عناصر الأرض مثل عناصر الشمس لاحترق ما على الأرض ولم يمكن أن يعيش عليها شيء من الحيوانات ولا النباتات. الوجه الثاني: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا فقد زعم ههنا أنه بتقدم العلم أمكن إلى حد ما معرفة عناصر الشمس، فوجد أنها تتكون من نفس العناصر التي تتكون منها الأرض. ثم نقض ذلك في صفحة ٥٨ حيث ذكر عن الفلكيين أن الشمس إنما هي كرة هائلة من الغازات الملتهبة، وكل من هذين القولين باطل وضلال إذ لا مستند لهما سوى التخرصات والظنون الكاذبة.

стр. 90

وأما قوله بل اكتشفت عناصر في الشمس قبل اكتشاف وجودها في الأرض. فجوابه أن يقال دعوى اكتشاف العناصر في الشمس دعوى باطلة لا مستند لها سوى التخرصات والظنون الكاذبة. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. والشمس في السماء بنص القرآن، وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة بنص الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، فمن أين لبني آدم أن يكتشفوا عناصر الشمس من هذا البعد الشاسع. وأما قوله وبذلك قرر العلم اليوم ما قرره القرآن، وأشار إليه قبل ألف وأربعمائة عام من أن الأرض والشمس والنجوم أي السماء والأرض وما فيهما إنما كانت سديمًا انفصل إلى أجزاء ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. فجوابه أن يقال قد بينت مرارا أن ما سماه الصواف ههنا علما فليس بعلم وإنما هو جهل على الحقيقة. وأما قوله أن الأرض والشمس والنجوم كانت سديمًا انفصل إلى أجزاء. فجوابه أن يقال هذا قول باطل وقد تقدم رده قريبا، وحمل الآية من سورة الأنبياء على هذا القول الباطل من الإلحاد في آيات الله، وتحريف الكلم عن مواضعه. فصل قال الصواف في صفحة ٤١ - ٤٢: (حركة الأرض والشمس) قال الله ﵎: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ

стр. 91

قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. اعتبر اكتشاف حركة الأرض بدورانها حول نفسها وحول الشمس من أروع ما اكتشفه علم الفلك، وقد سبق القرآن هذا العلم بما يزيد على ألف عام ولم يصل العلم الحديث إلى ما قرره القرآن من حركة الشمس إلا أخيرا، واعتبر العلم اكتشاف هذه الحركة حدثا جديدا في كتاب الدنيا، لقد جمعت الآية الشريفة علما اعتبر اكتشافه في العصر الحديث نصرا للعلم والعلماء. إذ تقول الآية أن المجموعة الشمسية وما حولها تتحرك في الفلك وأن الشمس تجري إلى بعيد فيه وليس إلى قريب إذ لا ينبغي أن تلحق القمر بالنزول إلى فلكه وأنها تجري لمستقرها. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال ليس للأرض حركة كما زعمه الصواف تقليدا لكوبرنيك وهرشل وأتباعهما من فلاسفة الافرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من العصريين. والقول بحركة الأرض مخالف للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وقد ذكرت الأدلة على سكونها مستوفاة في أول الصواعق الشديدة فلتراجع هناك. وكل قول خالف ما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ وما أجمع عليه المسلمون فمضروب به عرض الحائط ومردود على قائله كائنا من كان. الوجه الثاني: أن الله تعالى فرق بين الأرض والشمس فأثبت للشمس الجريان في عدة مواضع من كتابه، وأثبت لها السبح في الفلك، ونص على أنه يأتي بها من المشرق، ونص على طلوعها ودلوكها وغروبها وتزاورها، ونص

стр. 92

على أنها هي والقمر بحسبان وأنه سخرهما لعباده دائبين، والدؤوب إدامة السير كما نص على ذلك أئمة اللغة. وقد جاء عن النبي ﷺ في إثبات جريان الشمس وسيرها في الفلك أحاديث كثيرة صحيحة ذكرتها في الصواعق الشديدة. وأما الأرض فقد تضافرت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على سكونها وثباتها وأجمع المسلمون على ذلك، وأجمع عليه أهل الكتاب أيضا كما حكاه القرطبي عنهم في تفسيره، ودلت على ذلك الأدلة العقلية الصحيحة. فأبى الصواف وأشباهه من اتباع الإفرنج ومقلديهم إلا أن يجمعوا بين ما فرق الله ورسوله بينهما، وأن يخالفوا إجماع المسلمين، وهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ . وقد قال الله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. الوجه الثالث: أن الآيتين من سورة ﴿يس﴾ ليس فيهما ما يدل على حركة الأرض بوجه من الوجوه، ومن استدل بهما على حركة الأرض فهو مفتر على الله، وقد قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. الوجه الرابع: أن الآيتين حجة على الصواف وأشباهه من أتباع أهل الهيئة الجديدة، فإن فيهما النص على جريان الشمس إلى مستقرها، والنص على أنها تسبح في الفلك، وهذا يرد ما قرره الصواف في صفحة ٦١ من أن الشمس ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور وأنها مثل المروحة السقفية الكهربائية.

стр. 93

وقد جاء بيان جريان الشمس إلى مستقرها في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «تدري أين تذهب؟» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» متفق عليه واللفظ للبخاري ورواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والترمذي بنحوه، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. قال وفي الباب عن صفوان بن عسال وحذيفة بن أسيد وأنس أبي موسى انتهى. وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال يوما: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس» قالوا الله ورسوله أعلم قال: «إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها ارجعي ارتفعي اصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها» فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون متى ذاكم. ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». وهذا الحديث يوضح المراد من قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. وفيه الرد على تأول الآية على غير تأويلها كالصواف وأشباهه

стр. 94

من المتخرصين القائلين في كتاب الله بغير علم. فإن قيل إن الشمس لا تزال طالعة على الأرض، ولكنها تطلع على جهة منها وتغرب عن الجهة الأخرى، فأين يكون مستقرها الذي إذا انتهت إليه سجدت واستأذنت في الرجوع من المشرق؟ فالجواب أن يقال حسب المسلم أن يؤمن بما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، ويعتقد أنه هو الحق، ولا يتكلف ما لا علم له به من تعيين الموضع الذي تسجد فيه الشمس بل يكل علم ذلك إلى عالم الغيب والشهادة. وقد جاء في الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال «مستقرها تحت العرش». فهذا المستقر الذي أخبر به رسول الله ﷺ إذا انتهت إليه الشمس سجدت واستأذنت في الرجوع من المشرق فيؤذن لها، فإذا كان في آخر الزمان سجدت كما كانت تسجد فلم يقبل منها، واستأذنت في الرجوع من المشرق فلم يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها. وقد قال ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية في الكلام على حديث أبي ذر ﵁ وما جاء فيه من سجود الشمس ما ملخصه: لا يدل على أنها - أي الشمس - تصعد إلى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه وهو وقت نصف الليل فإنها تكون أبعد ما تكون من العرش لأنه مقبب من جهة وجه العالم، وهذا محل سجودها كما يناسبها، كما أنه أقرب ما يكون من العرش وقت الزوال من جهتنا، فإذا كانت في محل

стр. 95

سجودها استأذنت الرب ﷻ في طلوعها من المشرق فيؤذن لنا فتبدو من جهة المشرق، وهي مع ذلك كارهة لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم. فإذا كان الوقت الذي يريد الله طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها وتستأذن في الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها، فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها ثم تسجد فلا يؤذن لها، وتطول تلك الليلة فتقول: يا رب إن الفجر قد اقترب وإن المدى بعيد، فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا جميعا وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. وفسروا بذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قيل لوقتها الذي تؤمر فيه أن تطلع من مغربها، وقيل مستقرها موضعها الذي تسجد فيه تحت العرش، وقيل منتهى سيرها وهو آخر الدنيا. قلت: والقول الثاني أظهر ويؤيده ما تقدم من رواية مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أتدرون أين تذهب الشمس» الحديث. قال ابن كثير: "وعن ابن عباس ﵄ أنه قرأ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي ليست مستقرة فعلى هذا تسجد وهي سائرة" انتهى. وقال ابن العربي أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن. قلت: إنما ينكر ذلك من يرتاب في صدق النبي ﷺ . فأما من لا يشك في صدقه ويعتقد أنه كما أخبر عنه بقوله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فلا ينكر ذلك ولا يرتاب فيه. الوجه الخامس: أن يقال من المزاعم الباطلة والتخرصات والظنون الكاذبة زعم الصواف وسلفه أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم أنهم اكتشفوا حركة

стр. 96

الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. الوجه السادس: أن يقال من قلب الحقائق زعم الصواف أن أهل الهيئة الجديدة من العلماء وأن تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة من العلم، والصحيح المطابق للواقع أن يقال أنهم الجاهلون المحادون لله ولرسوله ﷺ وأن تخرصاتهم هي الجهل الكثيف. العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فلان ولا يغتر بأباطيل أعداء الله وتخرصاتهم ويرى أنها علوم رائعة إلا من هو ما أجهل الناس. الوجه السابع: من جراءة الصواف على الله تعالى وعلى القول في كتابه بغير علم زعمه أن القرآن قد سبق جهل أهل الهيئة الجديدة إلى القول بحركة الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، وهذا من الافتراء على الله تعالى، وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

стр. 97

الوجه الثامن: من قرمطة الصواف زعمه أن الآية من سورة ﴿يس﴾ تقول أن المجموعة الشمسية وما حولها تتحرك في الفلك، وأن الشمس تجري إلى بعيد فيه، وليس إلى قريب، إذ لا ينبغي لها أن تلحق القمر بالنزول إلى فلكه. وهذا من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه. وأين في الآية من سورة ﴿يس﴾ أو غيرها من آيات القرآن ذكر المجموعة الشمسية وما حولها. وأين في الآية أن الشمس تجري في الفلك إلى بعيد فيه وليس إلى قريب. وأين في الآية أن الشمس لا ينبغي له أن تلحق القمر بالنزول إلى فلكه. وقد تقدم قريبا حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ في بيان المراد من قول الله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ والعمدة عليه لا على ما خالفه. وليس فيه ما يشير إلى أن هناك مجموعة شمسية، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان ولا أئمة العلم والهدى من بعدهم، وإنما قال ذلك أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج معتمدين على أرصادهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة، وتلقى ذلك أتباعهم من العصريين بالقبول والتسليم، وقد قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. وأما قوله تعالى ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فمعناه كما قال مجاهد: "لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب

стр. 98

هذا وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا". وقال عكرمة: "يعني أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل". الوجه التاسع: أن القول في القرآن بمجرد الرأي حرام شديد التحريم، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى الترمذي أيضا وأبو داود وابن جرير والبغوي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال رسول الله ﷺ «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد خطأ» قال الترمذي هذا حديث غريب. قال: "وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا، أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم، ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا، وروى أيضا عن مجاهد أنه قال: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت". انتهى كلام الترمذي. وقال البغوي: "قال شيخنا الإمام قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه، وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم، وأما التفسير وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته

стр. 99

من طريق النقل" انتهى. ولا يخفى على من له أدنى علم وفهم أن ما زعمه الصواف في معنى الآيتين من سورة ﴿يس﴾ لم يكن من طريق النقل الثابت، وإنما هو تخرص وتخبط بمجرد الرأي فهو بذلك متعرض للوعيد الشديد. الوجه العاشر: أن يقال من الخطأ ما يستعمله الصواف وكثير من العصريين من إضافة القول إلى القرآن أو إلى بعض الآيات منه كقول الصواف في صفحة ٤٢ (إذ تقول الآية أن المجموعة الشمسية إلى آخره) وقوله في صفحة ٤٣ (هذا قول القرآن). وهذا الصنيع منه خلاف ما كان عليه ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وكذلك التابعون وتابعوهم بإحسان فإنهم ما كانوا يقولون قال القرآن كذا ويقول القرآن كذا. ولا قالت الآية كذا وتقول الآية كذا، وإنما كانوا يقولون قال الله كذا ويقول الله كذا. فيضيفون القول إلى قائله المتكلم به وهو الله تعالى، والقرآن كلام الله وقوله، وليس الكلام هو المتكلم القائل حتى يضاف القول إليه. ولعل السبب في إضافة كثير من العصريين القول إلى القرآن أو إلى بعض الآيات منه هو ما كان عليه بعضهم من الميل إلى قول الجهمية في القرآن أنه مخلوق، وأن الله تعالى لا يتكلم ولا يقول فهم لذلك يقولون قال القرآن كذا ويقول القرآن كذا وقالت الآية كذا وتقول الآية كذا فرارا من أن يقولوا قال الله ويقول الله، ومن لم يكن منهم على رأي الجهمية فهو مقلد لمن كان على رأي الجهمية في العدول عن إضافة القول إلى قائله، والله أعلم. فصل قال الصواف في صفحة ٤٢ وحركة الأرض وردت في غير هذه الآية

стр. 100

فيقول المولى سبحانه في سورة النمل ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ فضرب الله المثل بحركة الأرض بمرور الجبال وهي أبرز ما عليها، وليس ذلك في يوم القيامة إذ يقول جل شأنه أن في القيامة لن تكون هناك جبال ففي سورة طه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ وفي سورة الواقعة ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال لم يرد في القرآن ما يدل على حركة الأرض بوجه من الوجوه، وما زعمه الصواف وأشباهه في الآية من سورة النمل وغيرها من الآيات أنها تدل على حركة الأرض فكله من الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَاتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ وفي هذه الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن ألحد في آيات الله تعالى ووضع كلامه على غير مواضعه. وهلا قرأ الصواف ما قبل الآية وما بعدها حتى يعلم أنه لا متعلق له في الآية الكريمة وإن ما ذكر فيها من مرور الجبال مثل السحاب إنما يكون بعد النفخ في الصور وليس قبله. وهلا قرأ قول الله تعالى ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقوله تعالى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ إلى قوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. وقوله تعالى ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ ففي هذه الآيات أوضح دليل على أن

стр. 101

تسيير الجبال ومرورها مثل مر السحاب إنما يكون يوم القيامة. وقد أوضح الله ذلك في آيات كثيرة من القرآن سوى ما ذكرنا ههنا. وقد ذكرتها مستوفاة في الصواعق الشديدة مع الرد على من استدل بالآية من سورة النمل على حركة الأرض وسيرها فلتراجع هناك. الوجه الثاني: أن الله تعالى ذكر في القرآن مرور الجبال وسيرها، ولم يذكر عن الأرض مرورا وسيرا أبدا، ولو كان الأمر على ما زعمه الصواف وأشباهه من أتباع أهل الهيئة الجديدة لنص ﵎ على سير الأرض ومرورها ولم يخص الجبال بالنص دون الأرض. وقد قال الله تعلى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. وتخصيص الجبال بالمرور يدل على أن ذلك خاص بها دون الأرض. وقد أوضح الله ذلك بقوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ وقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. فصل قال الصواف في صفحة ٤٢ - ٤٣ ما نصه كما ورد في القرآن أن الله رب المشرق والمغرب، وأنه رب المشرقين والمغربين، وأنه رب المشارق والمغارب. أي أن المشرق والمغرب يختلف يوما عن يوم فهناك أقصى وأقرب مشرقين، وأقصى وأقرب مغربين بينهما مشارق ومغارب، هذا قول القرآن الكريم من ألف وأربعمائة سنة. فما قول العلم؟ كان أول من قال بحركة الأرض حول محورها العالم "كوبرنيكس" في

стр. 102

عام ١٥٤٣ أي بعد تاريخ القرآن بألف سنة وقرر أن ما يظهر للناس من حركة الشمس والنجوم إنما هو ناتج من دوران الأرض، وقد اتهمه رجال الدين عندئذ بالكفر والمروق عن الدين، وتوالت بعد ذلك أبحاث علماء الفلك حتى وصلوا إلى ما قرره القرآن الكريم، وليس هناك أبلغ ولا أدق مما يقوله حجة علم الفلك العالم "سيمون" من أن أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور هي حقيقة أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا فلن تصل مجموعتنا الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف المليون سنة من وقتنا الحاضر. أليست هذه إحدى معجزان القرآن العلمية؟ والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أن الظاهر من صنيع الصواف حيث ذكر المشرق والمغرب، والمشرقين والمغربين، والمشارق والمغارب، ثم عقب ذلك برأي "كوبرنيكس وسيمون" أنه يرى أن المشرق والمغرب والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب - للأرض؛ لأنها هي التي تدور على الشمس على حد زعمهم الكاذب وتقريرهم الفاسد الذي ذكره ههنا عن "كوبرنيكس" وهو أن ما يظهر للناس من حركة الشمس والنجوم إنما هو ناتج من دوران الأرض، وهذا من قلب الحقيقة ومن الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم عن مواضعه. الوجه الثاني: أن يقال ليس في الآيات التي ذكر الله فيها المشرق والمغرب والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب ما يدل على حركة الأرض ودورانها بوجه من الوجوه، وإنما هي حجة على من أنكر جريان الشمس في الفلك وسيرها من المشرق إلى المغرب كل يوم، وسواء من زعم أنها ساكنة لا تتحرك أصلا

стр. 103

ومن زعم أنها ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور مثل المروحة السقفية الكهربائية، ومن قال أنها ومجموعتها تجري في الفضاء بسرعة عظيمة نحو برج النسر. ومن قال أنها ونظامها تنهب الفضاء نهبا بسرعة عظيمة متجهة نحو برج هركيوليس، فكل هؤلاء متخرصون وضالون عن الحق، وفي الآيات التي أشرنا إليها أبلغ رد عليهم. وقد قال الله تعالى ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ وقال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية. ثم قال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ فذكر ﵎ في الآية الأولى أنه يأتي بالشمس من المشرق، وأضاف في الآية الثانية والآية الثالثة المطلع والمغرب إليها فدل على أن المراد بالمشرق والمغرب عند الإطلاق مشرق الشمس ومغربها، وكذلك المراد بالمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب، وهذا أمر معلوم بالضرورة عند كل عاقل كما أنه معلوم بالمشاهدة أيضا، وقد قرر ذلك المفسرون وأئمة اللغة. قال ابن كثير في تفسير سورة الرحمن عند قوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾: يعني مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء. وقال في الآية الأخرى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾: وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾: وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب. وقال أيضا في تفسير سورة الصافات: وقال تعالى في الآية الأخرى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر.

стр. 104

وقال ابن منظور في لسان العرب: "وقوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أحد المغربين أقصى ما تنتهي إليه الشمس في الصيف والآخر أقصى ما تنتهي إليه في الشتاء، وأحد المشرقين أقصى ما تشرق منه الشمس في الصيف وأقصى ما تشرق منه في الشتاء، وبين المغرب الأقصى والمغرب الأدنى مائة وثمانون مغربا، وكذلك بين المشرقين" وفي التهذيب: "للشمس مشرقان ومغربان فأحد مشرقيها أقصى المطالع في الشتاء والآخر أقصى مطالعها في القيظ، وكذلك أحد مغربيها أقصى المغارب في الشتاء وكذلك في الجانب الآخر، وقوله جل ثناؤه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ جمع لأنه أريد أنها تشرق كل يوم من موضع وتغرب في موضع إلى انتهاء السنة". وفي التهذيب: "أراد مشرق كل يوم ومغربه فهي مائة وثمانون مشرقا ومائة وثمانون مغربا، والغروب غيوب الشمس غربت الشمس تغرب غروبا ومغيربانا غابت في المغرب، وكذلك غرب النجم وغرب" انتهى. الوجه الثالث: أن ما ذكره الصواف عن كوبرنيكس وسيمون ليس بعلم كما زعم ذلك في قوله "فما قول العلم" وإنما هي تخرصات وظنون كاذبة أوحاها الشيطان إليهم وفتنهم بها وفتن بها أتباعهم والمقلدين لهم من الجهلة الأغبياء الذين لا يسمعون ولا يعقلون ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. وقد قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا

стр. 105

لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ وقال تعالى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. الوجه الرابع: أن كلام الصواف ينقض بعضه بعضا فقد ذكر ههنا أن أول من قال بحركة الأرض حول محورها "كوبرنيكس". وذكر في صفحة ٣١ أن بعض الفلكيين في زمن العباسين قالوا بحركة الأرض، وهذا تناقض. والصحيح ما ذكره ههنا، وهذه الأولية بالنسبة لإحياء مذهب فيثاغورس اليوناني بعد أن كان عاطلا مهجورا من قبل زمان المسيح بنحو مائة وخمسين سنة، وأما على الإطلاق فالأولية لفيثاغورس فهو أول من قال بحركة الأرض ودورانها حول الشمس. ومن تناقض الصواف أيضا أنه ذكر في هذا الموضع أن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة لنا على الأرض. وقال في صفحة ٣٨ أن النظام الشمسي كله ينهب الفضاء نهبا بسرعة متجهة نحو برج هركيوليس، وقال في صفحة ٦١ أن الشمس ثابتة ومتحركة في آن واحد، ثابتة على محورها ومتحركة حول هذا المحور أي دائرة حول نفسها مثل المروحة السقفية الكهربائية، وهذا تناقض عجيب. وقد تقدم التنبيه عليه، وهذه الأقوال المتناقضة كلها باطلة كما هو موضح فيما تقدم وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى. الوجه الخامس: أن ما زعمه الصواف من كون "سيمون" حجة في عام الفلك مردود. وكذلك غير "سيمون" من الفلكيين فليس قول أحد منهم

стр. 106

وتخرصه حجة على غيره. وقد أجمع المسلمون على أن الرسول ﷺ هو الحجة. قال مجاهد ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح. واختلف العلماء في قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف منهم، والصحيح أنه حجة. واختلف الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الاحتجاج بقول عمر بن عبد العزيز ﵁، والصحيح أنه ليس بحجة. وأما من سواه من التابعين ومن بعدهم، فلا خلاف أنه لا حجة في قول أحد منهم. وإذا كانت أقوال علماء المسلمين بعد الصحابة ليست بحجة، فأقوال فلاسفة الإفرنج وتخرصاتهم أولى وأحرى أن لا تكون حجة، ولاسيما في الأخبار عن الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا طريق الوحي فإن أقوالهم فيها وتخرصاتهم مردودة عليهم بلا توقف. الوجه السادس: أن يقال من قلب الحقائق وصف هوس "سيمون" وهذيانه بأنه من أعظم الحقائق التي اكتشفها العقل البشري في كافة العصور، وكفى بالرجل جهلا وغباوة أن يرى الهوس والهذيان من أعظم الحقائق. الوجه السابع: أن يقال أن العقول البشرية أضعف وأعجز من أن تكتشف ما في السماء الدنيا التي بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وهي عن اكتشاف ما هو أبعد من ذلك أضعف وأعجز، فضلا عن اكتشاف البرج

стр. 107

الذي زعمه "سيمون" في هوسه وهذيانه وحدد بعده الشاسع تحديد من ذهب إليه وقاسه أو من كان معه نص عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ يطابق ما قاله. والتحقيق أن ما قاله "سيمون" هو الجهل والهوس والهذيان الذي يشبه هذيان المجانين، ومع هذا فقد صادف هوسه وهذيانه آذانا مصغية إليه وقلوبا فارغة من العلم النافع بل منكوسة ترى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، ولم يقف أهلها عند هذا الحد بل جعلوا كتاب الله ملعبة لهم يلحدون فيه ويتأولونه على ما يوافق تخرصات المتخرصين وهذيان المبرسمين، عافانا الله وإخواننا المسلمين مما ابتلاهم به. الوجه الثامن: أن البروج كلها في السماء الدنيا بنص القرآن قال الله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة: البروج هي الكواكب العظام، وقال البغوي: هي النجوم الكبار مأخوذ من الظهور يقال تبرجت المرأة أي ظهرت. وقال أيضا: وسميت بروجا لظهورها. وقال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ففي هذه الآيات كلها النص على أن الكواكب في السماء، وفي الآية من سورة الصافات وما بعدها النص على أنها في السماء الدنيا.

стр. 108

والنسر من جملة الكواكب الثوابت التي قد جعلت زينة للسماء الدنيا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» رواه عن النبي ﷺ أربعة من الصحابة وهم عبد الله بن عمرو وأبو هريرة والعباس وأبو سعيد ﵃، وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ موقوفا وله حكم الرفع كنظائره. وفي الآيات التي ذكرنا مع هذه الأحاديث أبلغ رد على ما هذى به "سيمون" في بعد النسر. الوجه التاسع: قال بعض السلف أن ارتفاع العرش عن الأرض السابعة خمسون ألف سنة، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄. ولو كان الأمر في بعد النسر على ما زعمه "سيمون" لكان محله فوق العرش وهذا من أبطل الباطل فإنه ليس فوق العرش شيء سوى الله تعالى. الوجه العاشر: أن الله تعالى قال ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات مستديرة وقرروا أن كل سماء محيطة بالسماء التي تحتها وما حوت، والشمس في السماء بنص القرآن، وسيأتي ما يدل على أنها في السماء الدنيا، وعلى هذا فالسموات الشداد التي ليس لها فروج وليس فيها فطور قد أحاطت بالشمس من كل جانب، فليس لها طريق تنفذ منه وتذهب نحو البرج الذي توهمه "سيمون"

стр. 109

بعقله الفاسد. الوجه الحادي عشر أن الله تعالى قال ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقال تعالى مخبرا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. وفي هذه الآيات النص على أن الشمس في السماء. وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح، وجعلها رجوما للشياطين، وحفظا من كل شيطان رجيم». وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال «خلق الله سبع سموات، وخلق فوق السابعة الماء، وجعل فوق الماء العرش، وجعل في السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم». وفي الآيات التي ذكرنا مع هذين الحديثين ومع ما تقدم في الوجه الثامن من النصوص على أن الكواكب في السماء الدنيا أبلغ رد على ما هذى به "سيمون" في بعد النسر عن الشمس. وعلى هذا فنقول على سبيل الفرض والتقدير لو كان النسر ثابتا في موضع من السماء لا يزايله ثم سارت الشمس نحوه لوصلت إليه في يوم واحد أو أقل من ذلك، لأنها تقطع الفلك في يوم وليلة وتقطع من كل موضع منه إلى ما يقابله من الناحية الأخرى في اثنتي عشرة ساعة، والمسافة بين جرمين يضمهما سماء واحد لا تكون أكثر من نصف الفلك والله أعلم.

стр. 110

الوجه الثاني عشر: أن يقال أن القرآن منزه عن تخرصات كوبرنيكس وهوس سيمون وهذيانه، وما زعمه الصواف من كون القرآن الكريم قد قرر ذلك وأنه من معجزات القرآن العلمية فهو كذب على الله وعلى كتابه. وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. وأين في القرآن أن للأرض محورا وأنها تدور حوله، وأن ما يظهر للناس من حركة الشمس والنجوم إنما هو ناتج من دوران الأرض؟ وأين في القرآن أن للكواكب السيارة أقمارا، وأن هناك مجموعة شمسية، وأن الشمس والكواكب السيارة وأقمارها تجري في الفضاء نحو برج النسر بسرعة غير معهودة للناس على الأرض يكفي لتصويرها أننا لو سرنا بسرعة مليون ميل يوميا فلن تصل مجموعتنا الشمسية إلى هذا البرج إلا بعد مليون ونصف مليون سنة من وقتنا الحاضر؟ أما يستحي الصواف من إيراد هذا الهذيان الذي يضحك منه الصبيان فضلا عن العقلاء؟ أما يستحي من الجراءة العظيمة على الله وعلى كتابه؟ أما يخاف أن يلحقه الوعيد الشديد الذي توعد الله به المفترين عليه. الوجه الثالث عشر: أن يقال أن تخرصات كوبرنيكس وهوس سيمون ليست من علوم المسلمين، ومع هذا فقد أدخلها الصواف في علم الفلك الذي نسبه إلى المسلمين، وهذا من أكبر الخطأ وأعظم الفرية.
следующие страницы →