بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الضروري في أصول الفقه
أو مختصر المستصفى
لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد المتوفى سنة ٥٩٥هـ
تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي
دار الغرب الإسلامي
بيروت الطبعة الأولى ١٩٩٤
стр. 2
مقدمة التحقيق
١- أما بعد حمدا لله معلم البيان, وموجب النظر والإستدلال, ومختص الإنسان بإقامة الحجج البالغة وضرب الأمثال, والصلاة على محمد خاتم الرسل ونهاية التمام والكمال فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت على جهة التذكرة, من كتاب أبي حامد ﵀ في أصول الفقه الملقب بالمستصفى, جملة كافية بحسب الأمر الضروري في هذه الصناعة ونتحرى في ذلك أوجز القول وأخصره , وما نظن به أنه صناعي. وقبل ذلك فلنقدم مقدمة نافعة في غرض العلم المطلوب ها هنا , ومنفعته فنقول:
٢-إن المعارف والعلوم ثلاثة أصناف (١) :
إما معرفة غايتها الإعتقاد الحاصل عنها في النفس فقط , كالعلم بحدث العالم , والقول بالجزء الذي لا يتجزأ وأشباه ذلك.
وإما معرفة غايتها العمل , وهذه منها كلية وبعيدة في كونها مفيدة للعمل. فالجزئية كالعلم بأحكام الصلاة والزكاة وما أشبههما من جزئيات الفرائض والسنن. والكلية كالعلم بالأصول التي تبنى عليها هذه الفروع من الكتاب والسنة والإجماع. والعلم بالأحكام الحاصلة
стр. 3
عن هذه الأصول على الإطلاق وأقسامها , وما يلحقها من حيث هي أحكام.
وإما معرفة تعطي القوانين والأحوال التي بها يتسدد الذهن نحو الصواب في هاتين المعرفتين , كالعلم بالدلائل وأقسامها , وبأي أحوال تكون دلائل وبأيها لا. وفي أي المواضع تستعمل النقلة من الشاهد إلى الغائب وفي أيها لا. وهذه فلنسمها سبارا وقانونا, فإن نسبتها إلى الذهن كنسبة البركار والمسطرة إلى الحس في مالا يؤمن أن يغلط فيه. (١)
٣- وبين أن كلما (٢) كانت العلوم أكثر تشبعا, والناظرون فيها مضطرون في الوقوف عليها إلى أمور يضطر إليها من تقدمهم, كانت الحاجة فيها على قوانين تحوط أذهانهم عند النظر فيها أكثر. وبين أن الصناعة الموسومة بصناعة الفقه في هذا الزمان وفي ما سلف من لدن وفاة رسول الله ﷺ وتفرق أصحابه على البلاد واختلاف النقل عنه ﷺ بهاتين الحالتين, ولذلك لم يحتج الصحابة ﵃ إلى هذه الصناعة كما لم يحتج الأعراب إلى قوانين تحوطهم في كلامهم ولا في أوزانهم.
стр. 4
٤-وبهذا الذي قلناه ينفهم غرض هذه الصناعة, ويسقط الاعتراض على أهل الصدر المتقدم ناظرين فيها, وإن كنا لا ننكر أنهم كانوا يستعملون قوتها, وأنت تتبين ذلك من فتواهم ﵃, بل كثير من المعاني الكلية الموضوعة في هذه الصناعة إنما صححت بالاستقراء من فتواهم مسألة مسألة.
٥- فأما أجزاء هذه الصناعة بحسب ما قسمت إليه في هذا الكتاب (١) فأربعة أجزاء: فالجزء الأول يتضمن النظر في الأحكام, والثاني في أصول الأحكام والثالث في الأدلة المستعملة في استنباط حكم حكم عن أصل أصل, وكيف استعمالها. والرابع يتضمن النظر في شروط المجتهد وهو الفقيه.
٦- وأنت تعلم مما تقدم من قولنا في غرض هذه الصناعة, وفي أي جنس من أجناس العلوم هي داخلة, أن النظر الخاص بها إنما هو في الجزء الثالث من هذا الكتاب, لأن الأجزاء الأخرى من جنس المعرفة التي غايتها العمل, ولذلك لقّبوا هذه الصناعة باسم بعض ما جعلوه جزءا منها, فدعوها بأصول الفقه. والنظر الصناعي يقتضي أن يفرد القول في هذا الجزء الثالث إذ هو مباين بالجنس لتلك الأجزاء الأخرى. ويقتصر من تلك على أحد أمرين:
-إما أن توضع بحسب أشهر المذاهب فيها، وهو ما يراه مثلا أهل السنة.
стр. 5
وإما أن يرسم ويعدد الاختلاف الواقع فيها، وتعطى الأحوال والقوانين التي بها تستنبط الأحكام بحسب رأي رأي في تلك الأصول.
وبالجملة كيف لزوم بعض تلك الآراء فيها عن بعض، ومناسبتها للفروع، حتى يقال مثلا كيف يكون الاستنباط على رأي الظاهرية وعلى رأي القائلين بالقياس. وبالجملة بحسب رأي رأي من الآراء المشهورة. وهذا الوجه هو الأنفع في هذه الصناعة، وبهذا النظر يكون لهذا الجنس من المعارف صناعة تامة وكلية وكافية في نظر الجميع من أهل الاجتهاد.
٧-لكن رأينا أن نجري في ذلك على عادة المتكلمين في هذه الصناعة، ونتحرى في تقسيمها الترتيب الواقع في هذا الكتاب (١) ، إذ هو أحسنها نظرا وأحرى أن يكون صناعيا، غير أننا سنشير إلى شيء من ذلك الغرض.
٨-ومما تقدم من قولنا يتبين غرض هذا الكتاب، ونسبته إلى سائر العلوم، ومرتبته، وما يدل عليه اسمه، وأقسامه. وهي الجمل النافع تقديمها للمتعلم عند شروعه في الصناعة. ولنبدأ من حيث بدأ.
٩- وأبو حامد قدم قبل ذلك مقدمة منطقية زعم أنه أداه إلى القول في ذلك نظر المتكلمين في هذه الصناعة في أمور ما منطقية، كنظرهم في حد العلم وغير ذلك. ونحن فلنترك كل شيء إلى موضعه، فإن من رام
стр. 6
أن يتعلم أشياء أكثر من واحد في وقت واحد لم يمكنه أن يتعلم ولا واحدا منها (١) .
стр. 7
القول في الجزء الأول من هذا الكتاب
стр. 8
صفحة فارغة في الأصل
стр. 9
١٠-وهذا الجزء الأول ينقسم إلى أربعة أقسام: وهي النظر في حد الحكم ,وفي أقسامه ,وفي أركانه, وفي مظهره.
القسم الأول
١١ - أما حد الحكم عند أهل السنة (١) فهو عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين بطلب أو ترك فإذا لم يرد هذا الخطاب لم تتعلق بالأفعال صفة تحسين أو تقبيح، فيكون الحسن والقبح على هذا ليس وصفا ذاتيا للأفعال. وذهبت المعتزلة إلى أن الحسن والقبيح وصف ذاتي للأفعال، فبعض ذلك مدرك بضرورة العقل كالكذب وشكر المنعم، وبعضه بانضمام الشرع كالطهارة والصلاة لما فيهما مثلا من اللفظ المانع من الفحشاء ومن النظافة. وفائدة معرفة هذا الاختلاف في هذه الصناعة تتصور عند النظر في القياس المناسب والمخيل وجميع أنواعه، وعند النظر في تصويب المجتهدين وتخطئتهم. أما أهل السنة فحجتهم أن الحسن والقبيح يطلق في عرف المتكلمين على معان.
أولها وأشهرها ما يوافق غرض المستحسن أو يخالفه. حتى يستحسن سمرة اللون مثلا واحد ويستقبحها آخر. وهذا أمر إضافى لا كالسواد والبياض الموجودين للأشياء بذاتها.
والثاني ما حسنه الشرع أو قبحه.
والثالث من معاني الحسن ما كان للإنسان مباحا فعله. وكل هذه أوصاف إضافية لا ذاتية. ومعنى ذلك أن ليس للحسن والقبح وجود
стр. 10
خارج العين.
١٢ـ وأما المعتزلة فاستدلوا على أن الحسن والقبح وصف ذاتي للأشياء باتفاق العقل على القول بهما من غير إضافة كحسن الصدق وقبح الكذب، وبالجملة من حيث هذه القضايا مشهورة ومتفق عليها. وظاهر أن الأمور المعقولة قد يلحقها أن تكون مشهورة، وأن ذلك غير منعكس.
١٣ـ والقول في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله. ويشبه ألا يكون في واحد من هذين القولين كفاية في الوقوف على هذه المسألة. وقد احتجت المعتزلة على أن مدرك الوجوب في بعض الأمور بالعقل كشكر المنعم وغير ذلك، فإن حصرها في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل عند دعائهم إلى النظر، لأنا ما لم نعلم وجوب النظر لم ننظر، وما لم ننظر لم نتحقق دعوى الشارع فيما دعا إليه، وما لم نتحقق دعواه فلا سبيل إلى الإيمان بما دعا إليه سواء كان المدعو إليه، في نفسه حقا أو لم يكن لا سبيل لنا على هذا الوجه إلى حصول العلم به.
١٤ـ وقد ألزم المتكلمون المعتزلة في كون مدرك وجوب النظر عقلا شكا ما، وهو أن وجوب النظر إن كان مدركا عقلا فلا يخلو أن يكون ذلك ضرورة أو اكتسابا، فإن كان (١) ضرورة لم يغفل أحد عن علم الله، وإن كان مكتسبا بنظر انعكس عليهم القول في مدرك وجوب النظر في دعوى الشرع، وذلك إلى غير نهاية.
١٥ـ والذي ينبغي عندي أن يقال في هذا الموضع فهو أن التصديق
стр. 11
بدعوى الشارع عند ظهور المعجزة وفق دعواه هو من جنس المعارف الضرورية، وأن التصديق يقع بمشاهدة ذلك اضطرارا أو بوجودها تواترا، وإنما يتصور وجوب النظر أو لا وجوبه في معرفته بنظر واستدلال. وتكلف ما سوى هذا من القول في هذا الموضع تشويش للعقائد أو عناء. ولو أن واحدا واحدا من المدعوين للشرع تكلف مثل هذه الشكوك عند النظر فيما دعا إليه الشرع لكان إيمان كثير من الناس مما لا يقع، ولو وقع لكان في النادر. وبالجملة فكأن يكون دعاء الله الناس إلى الإيمان بالشرع بمثل هذه الطرق في حق الأكثر من باب تكليف ما لا يطاق. وليس يلزم من كون المعرفة بذلك ضرورية ألا ينفك عن الإقرار بها أحد، فإنه كما أنه ليس من شرط المتفق عليه أن (١) يكون ضروريا كذلك ليس من شرط الضروري أن يكون متفقا عليه. وهذا كله ليس من هذا العلم (٢) .
١٦ـ أما من ذهب من المعتزلة إلى أن الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة فإنما أرادوا بذلك ما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح. ومن قال منهم أنها على الوقف فأراهم رأوا ذلك فيما لا يدرك من الأفعال الحسن والقبح فيه إلا بانضمام الشرع إلى العقل، كما تقدم من آرائهم.
وأما من قال من الناس إنها قبل ورود الشرع على الحظر فقول لا معنى له، وهو بين السقوط بنفسه (٣) .
стр. 12
القول في القسم الثاني من الجزء الأول
١٧ـ وهو يتضمن النظر في أقسام الأحكام وحدودها ومسائل تلحقها فنقول:
إن الحكم، وهوالذي تقدم رسمه، ينقسم إلى طلب وترك أو تخيير فيهما وهو المسمى مباحا. والطلب ينقسم إلى واجب وندب، والترك ينقسم إلى محظور ومكروه.
وحد الواجب أنه ما ورد خطاب الشرع بترجيح فعله مع توعد بالعقاب على تركه من حيث هو ترك له بإطلاق، وإنما زدنا في الحد قولنا: مع توعد بالعقاب على تركه، لأن الواجب على مذهب أهل السنة لا يتصور دون الضرر أو النفع، وزيادتنا فيه أيضا: من حيث هو ترك له بإطلاق، تحفظا من الواجب المخير.
والتوعد بالعقاب ربما ورد قطعا وربما ورد ظنا. وأصحاب أبي حنيفة يخصون الأول باسم الفرض والثاني باسم الواجب، ولا مشاحة في الأسماء إذا فهمت المعاني. وحد الندب أنه المرجح فعله من غير توعد بالعقاب على تركه. ومن حد الواجب نقف على حد المحظور لأنه مقابله، وكذلك من حد الندب نقف على حد المكروه. وحد المباح ما دل الشرع على التسوية بين فعله وتركه، وذلك إما أن يرد الخطاب بالتخيير فيهما، أو برفع الحرج عنهما أو يدل دليل العقل أنه على البراءة الأصلية بعدم الدليل الشرعي على تعلق حكم به، على ما سيأتي بعد.
فصل:
١٨- والواجب ينقسم إلى معين وإلى مخير بين أقسام محدودة، وذلك إما في الفعل وإما في الزمان. ويسمون الغير معين الفعل بين أقسام
стр. 13
محدودة الواجب المخير، والغير معين الزمان الواجب الموسع (١)
١٩- وقد أنكرت المعتزلة جواز مثل هذا الواجب عقلا ووقوعه شرعا، وقالوا إن كانت الخصال الثلاث في الكفارة مستوية في الصفة بالإضافة إلى صلاح العبد، فينبغي أن يوجب الجميع لتساويها في صلاح العبد، وهذا مبني على رأيهم في الصلاح والأصلح. وأيضا فلو سلمت لهم هذه القاعدة للزمهم نقيض ما وضعوا، وهو أنه إذا كان كل واحد منهما مساويا لصاحبه في وقوع الصلاح به فاستعمال جميعها عبث، وكذلك استعمال واحدة منها على التعيين، وهم لا يجوزون مثل هذا على الله، وكأنهم لم يتحفظوا بأصولهم في هذه المسألة، واحتجوا أيضا بأن علم الله متعلق بالذي يأتي العبد منها فهو متعين ضرورة في نفسه، ولا يتصور في هذا تخيير.
٢٠- والكلام في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله، بل يكفي من ذلك ههنا أن نقول: إن وقوع مثل هذا شرعا موجود كخصال الكفارة، وانعقاد الإجماع على اتباع
أوقات أكثر الصلوات. والذي أنكرت المعتزلة يلزمهم مثل ذلك في المباح، وبالجملة يلحق هذا الاعتراض الممكن بما هو ممكن.
٢١-وقد دفع بعض الفقهاء تسمية مثل هذا واجبا، وقالوا إنما يتصف بالوجوب في الزمان آخر الوقت، إذ فيه يقع العقاب على ترك إيقاع الصلاة فيه. ومثل هذا الاعتراض يلحق الواجب المخير، إلا أن
стр. 14
تعدم الخصلتان فحينئذ يتصور وجوب الثالثة. والذي ينبغي أن يقال في مثل هذا أنه يشبه الوجوب من جهة، والندب من أخرى. أما شبهه للوجوب فلأنه يرتفع الفرض بالصلاة في أول الوقت، وأما شبهه بالندب فما ذكر في الاعتراض.
٢٢-وهذه المنازعة لفظية، ولذلك سمي الواجب الموسع، وهو أيضا يفارق الندب من جهة أن تركه إنما يكون بشرط العزم على إتيانه مع الذكر، إذ كان اعتقاد الترك مطلقا حراما.
فصل:
٢٣-وكذلك اختلفوا فيما لا يتم الواجب إلا به هل يسمى واجبا. ووجه القول فيه أن هذا ينقسم إلى ما ليس للعبد في فعله اختيار كالقدرة على المشي مثلا، فهذا لا يوصف بالوجوب بل هو من شرط تكليف الوجوب، أو إلى ما للعبد في فعله اختيار، وهذا فينبغي أن يتصف بالوجوب كالطهارة المشترطة في الصلاة. وكأن وجوب مثل هذا إنما هو من أجل غيره لا من أجل ذاته، فتنشأ ههنا قسمة أخرى للواجب وهو أن منه ما هو واجب من أجل غيره ومنه ما هو واجب بذاته. والواجب أيضا ينقسم إلى ما يتقدر بقدر محدود وإلى ما لا يتقدر بقدر محدود، كمسح الرأس والطمأنينة في الركوع، والواجب من هذا هو أقل ما ينطلق عليه الإسم ويبقى الباقي ندبا ,وهذا إنما يتصور فيما وقع من الأفعال متتابعا أو متشافعا ,وبالجملة ما لم تقع أجزاؤه معا.
٢٤-فهذا هو القول في تحديد أنواع الأحكام وتقسيمها ,وقد بقي القول في مسائل كلية تلحقها.
стр. 15
فأول مسألة منها أنا نقول ,إذا مات المكلف في أثناء الوقت ولم يقض لم يمت عاصيا بإجماع السلف على ذلك. وقول من أثمه خطأ, فإنا نعلم قطعا أنهم كانوا لا يؤثمون من مات وقد مضى من الوقت مقدار ما تقع فيه الصلاة. فإن قيل فكيف يجوز الترك مع العزم وهو لا يعرف سلامة العافية، قلنا لا يجوز الترك مع العزم إلا إلى مدة يغلب على ظنه البقاء إليها، كما يجوز للمعزر أن يضرب إلى حد لا يغلب على ظنه الهلاك. ولذلك قال أبو حنيفة ﵀ لا يجوز تأخير الحج إلى سنة لأن البقاء إليها لا يغلب على الظن. وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر أو شهرين فجائز. والشافعي ﵀ يرى البقاء إلى سنة غالبا على ظن الشباب.
مسألة ثانية:
٢٦-الأحكام تنقسم إلى واجب كما تقدم ,ومقابله في الطرف الأقصى المحظور ,وهو الحرام, وبينهما متوسطان ,وهما (١) الندب والمكروه. وبين أن المتقابلات التي بينها متوسط ليس يلزم (٢) عن رفع أحدهما وجود الآخر، فلذلك أخطأ من زعم أن الوجوب إذا نسخ رجع إلى ما كان قبل من حظر. وإنما يكون ذلك لو لم يكن بين الواجب والحرام واسطة. وأبين من هذا أن يرجع إلى ما كان قبل من إباحة، إذ ليس يتضمنها جنس هذه المتقابلات الذي هو الطلب.
٢٧-وهنا يتبين (٣) سقوط قول من قال المباح مأمور به. وكذلك
стр. 16
يتبين أنه ليس من التكليف، إذ التكليف طلب ما فيه كلفة. ومن سماه تكليفا وذهب في ذلك إلى أنه الذي كلفنا اعتقاد إباحته في الشرع، أو أنه الذي اعتقاد كونه من الشرع، فهو مستكره في التسمية. وبالجملة فهذا النظر لغوي وهو أليق بغير هذا الموضع، ومما تقدم أيضا من هذا القول يتبين أن المندوب مأمور به إذ هو طلب ما واقتضاء. فأما من زعم أن الأمر إنما يطلق على ما في تركه عقاب، فهي دعوى لغوية, وعلى مدعيها إثبات ذلك عرفا شرعيا أو وضعا لغويا.
٧٦ /١ مسألة ثالثة: الحرام ضد الواجب
٢٨ - وإذا كان حد المتضادين أنهما اللذان لا يجتمعان في شيء واحد بالعدل في وقت واحد من جهة واحدة، فلا يجوز في الشرع تعلق الحظر والإيجاب بشيء واحد من جهة واحدة في وقت واحد. فأما تعلقهما بشيئين أو في وقتين فذلك ما لا خلاف فيه، ولا يرجع النهي عن أحدهما على الثاني بالفساد، سواء كان ذلك في شيئين أو في زمانين. وكذلك يلزم إذا تعلق النهي والإيجاب بشيء واحد من جهتين مثل أن يرد الأمر بشيء مطلقا، ثم يرد النهي عن ذلك الشيء بعينه مقيدا بصفة أو لعلة مصرح بها. إلا أنهم اختلفوا في مثل هذا الجنس هل يعود النهي بالفساد على الأصل الموجب من جهة ما قيد؟ فزعم أبو حامد ﵀ أن هذا ينقسم عندهم إلى ما يرجع إلى غير المنهي لسبب من خارج، وإلى ما يرجع إلى صفة في الشيء. فما يرجع إلى غير المنهي فلا يرجع على الأصل بالفساد، وأما الذي يرجع إلى صفة في المنهي عنه فذهب الشافعي إلى أنه يعود على الأصل بالفساد، وحيث أوقع الطلاق في الحيض صرف إلى الأضرار ألحقه بالقسم الأول. وأبو حنيفة لا يرى في الموضعين النهي يعود بفساد الأصل، سواء ورد المنهي عنه مقيدا
стр. 17
بصفة أو سبب من خارج، وزعم أن كون الحدث مبطلا للصلاة إنما ثبت بدليل الإجماع.
٢٩- وأنا أرى أن النظر في هذه المسألة إنما هو من جهة صيغة لفظ النهي، فإن من يدل عنده لفظة إيجابه مطلقا قرينة تخرج النهي عن الحظر إلى الكراهة (١) وأكثر من ذلك وروده في شيء لأمر ما من خارج بعد إيجاب ذلك الشيء مطلقا , وسنتكلم في هذا فيما بعد. وأما إذا نظر فيها حيث المعنى ,فإن ورود النهي عن الشيء مقيدا بأمر ما ,سواء كان سببا أو صفة ,بعد إيجابه مطلقا فإنه يعود على الأصل بالفساد من جهة ما هو مقيد. والذي فهمت هنا من ورود النهي عن الشيء مقيدا بعد إيجابه مطلقا ,هو بعينه ينبغي أن تفهمه في ورود الإيجاب بشيء ما مقيدا بعد النهي عنه مطلقا.
٣٠-والعجب من أبي حامد كيف جعل النظر في هذه المسألة في هذا الجزء من هذا الكتاب.
٣١-وأما من أجاز الصلاة في الوادي والحمام وأعطان الإبل فإنما ينبغي له أن يصرف النهي الوارد فيها عن التحريم إلى الكراهة، على مذهب من يرى أن ورود النهي عن الشيء مقيدا بأمر ما من خارج بعد إباحته ,أو الأمر به مطلقا ,قرينة يخرج بها لفظ النهي عن التحريم إلى الكراهة ,هذا إذا كان ممن يرى أن صيغة النهي تقتضي التحريم , وأما من لا يرى ذلك فالأمر عليه سهل. وأما من أبطل الصلاة في الأرض المغصوبة لكونها حركات وأكوانا منهيا (٢) عنها ,فلجهله بحدود
стр. 18
المتضادة ,لأن الإيجاب والنهي تعلق بها من جهتين مختلفتين. ولذلك ما وقع إجماع الصحابة ﵃ على ترك أمر الظلمة بإعادة الصلوات عند التوبة. وتلك الحركات والأكوان هي من جهة مأمور بها ,ومن جهة منهي عنها. وكذلك السجود بين يدي الصنم على غير جهة القصد هو من جهة حرام ,ومن جهة متقرب به.
مسألة رابعة:
٣٢-اختلف الناس في وجوب الشيء هل هو حظر لضده ,وحظره وجوب لضده, فنقول:
٣٣-إنه إذا حد المتضادان بحسب حدهما , ولم يسامح في تسميتهما ,فوجوب الشيء حظر لضده ,لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما تقدم ,وسواء كان ذلك فعلا أو تركا. وهذه المسألة إنما تتصور في التضاد الشرعي. وأما التضاد المحسوس فهو مما لا يصلح التكليف إلا بتركه ,وهو من شروط الفعل.
٣٤-وأما المحظور فإذا كان مما كان ليس له ضد ,أو مما له ضد إلا أن بينهما متوسطا ,فليس يلزم عن حظره إيجاب شيء ما. وأما إذا كان لا يخلو الشيء من أحدهما, ولم يكن بينهما متوسط ,فحظره إيجاب لضده ,هذا أيضا إذا كان التضاد شرعيا ,وأما إذا كان حسيا فهو من شرط التكليف.
٣٥- فعلى هذا ينبغي أن يتناول السؤال والجواب في هذه المسألة. وهنا انقضى القول في القسم الثاني من هذا الجزء.
стр. 19
القول في القسم الثالث من الجزء الأول
٣٦-هذا القسم يتضمن النظر في أركان الحكم ,وهي ثلاثة: الحاكم ,والمحكوم عليه ,والمحكوم فيه.
٣٧-أما الحاكم فهو المخاطب بالإيجاب. ومن شروطه ,مع كونه متكلما ,نفوذ الحكم على الإطلاق. وإنما يصح ذلك بين المالك والمملوك والخالق والمخلوق ,وهو تعالى. وكل من لزمت طاعته فإنما لزمت بإيجاب الله تعالى كالسلطان والأب وما أشبههما. وهو القادر على العقاب والثواب إذ لا يتصور الإيجاب أو النهي من غير قادر عليهما. وتثبيت هذا في علم الكلام.
٣٨_وأما المحكوم عليه فله شرطان هما (١) أن يفهم الخطاب الوارد بأمر أو نهي، إذ من ليس يفهم الخطاب لا يصح منه اقتضاء وجوب الطلب. فإن قيل فقد وجبت الزكوات والغرامات على الصبيان، قلنا المكلف هو. الولي بشرط الاستعداد لقبول العقل. وكذلك أخذهم بالصلاة قبل البلوغ، الأب هو المأمور بذلك، لا يفهم خطاب الشرع إلا من يعرف الشارع، ولا يعرف الشارع إلا من يعرف الله، وهذا الشرط مدركه العقل. ومن هنا يتبين سقوط تكليف الناسي والغافل والمجنون والسكران. فإن قيل فكيف يقع طلاق السكران عند من يجوزه؟ قلنا ذلك على جهة التغليظ، إذ كان هو الذي جنى على نفسه باختياره بعد شرط التكليف وهو العقل. وليس يتصور مثل هذا في المجنون، وتعلق من تعلق في جواز خطابه بقوله ﵎: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فإنه إن سلم ظهور ذلك في
стр. 20
الآية فليس يصادم بالظواهر القطعيات. ولها تأويلات:
٣٩ _أحدهما أنها خطاب مع المستثنى.
٤٠ _والآخر أنه إنما وقع المنع من إفراط الشرب في أوقات الصلاة ,وذلك خطاب في وقت الصحة ,وقبل أن تحرم الخمر.
٤١-فأما الاعتراض الذي يلحقون هنا وهو كيف يكون الله آمرا في الأزل لعباده ومن شرط الآمر أن يكون المأمور موجودا ,وكذلك كونه آمرا للسكران في حال سكره وللمجنون والصبي ,على شرط أن يفيق ذلك ويصح ذلك ويبلغ هذا ,فالجواب عنه ليس مما يمكن في هذا الموضع ,ولا هو خاص بهذا النظر. والقول فيه مبني على قواعد تحتاج إلى تمهيد طويل وفحص كثير. وكما قلنا أنه ليس ينبغي أن نفحص عن كل شيء ولا عن أشياء كثيرة في موضع واحد ,بل ينبغي أن يفرد بالقول كل واحد منها في الموضع اللائق به ,والذي يحمل على هذا حب التكثير بما ليس يفيد شيئا.
٤٢-وأما الشرط الثاني فهو البلوغ ,وهذا الشرط مدركه الشرع. فإن قيل فقبل أن يحتلم الصبي بزمان يسير أليس هو عاقلا؟ فإن انفصال النطفة عنه لا تزيده عقلا؟ قلنا: لما كان ذلك مما يخفي دركه في شخص ,ويختلف وقته, نصب الشرع لذلك علامة توجد على الأكثر دالة عليه.
٤٣-وأما المحكوم فيه وهو الفعل فإنه ما جاز كونه مكتسبا للعبد باختياره مع اعتقاد اكتسابه طاعة وامتثالاً.
٤٤-وينبغي أن يعلم أن الأمور المتكسبة للإنسان هي التي له أن يأتي منها أي الضدين شاء ,مثل أن القيام مكتسب له وله أن يقوم أو
стр. 21
يقعد. وإذا كان معنى الاكتساب هذا فلا معنى لاستثنائهم من هذا –كما زعموا-وجوب النظر المعرف ,إذ لا يمكن فيما زعموا قصد إيقاعه طاعة قبل المعرفة بوجوبه ,لأن وجوب النظر كما سلف من قولنا يحصل ضرورة لكون المنظور فيه معلوما بالضرورة ,وليس لإنسان اختيار في وقوع التصديق بوجوبه عند ظهور المعجزة. وكذلك أيضا لا معنى لاستثنائهم من ذلك إرادة الطاعة ,وقولهم إن الإرادة لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت الإرادة إلى إرادة وتسلسل الأمر ,فإن الإرادة شوق ,وحدوث الشوق للإنسان كالضروري ,إذ كان فاعله التصديق بالرغبة والرهبة ,فشرط الفعل الشرعي أن يكون مكتسبا أولا ,ثم ثانيا أن يكون السبب في اكتساب اعتقاد وجوب الأمر لأشياء أخر مما يجوز له أن يفعل.
٤٥-وأما الشيخ أبو الحسن فليس من شرط الفعل عنده أن يكون مكتسبا ,بل يرى أن ليس هنا فعل مكتسب للإنسان أصلا ,وأن ما يظهر كون الإنسان فاعلا للشيء فأمر مصاحب ولاحق لا أن الإنسان لذلك الفعل سبب لا قريب ولا بعيد، حتى تكون نسبة ذي القدمين مثلا إلى المشي هي بعينها نسبة العادم للقدمين. وهذه مخالفة للحس ورأي غريب جدا عن طباع الإنسان (١) . وقد بين أبو المعالي في (الرسالة النظامية) الوجه الذي به يصلح في الشرع أن يقال إن للإنسان اقتدارا واكتسابا. ومن لم يكن عنده للإنسان اقتدار على شيء ما، جاز عنده تكليف ما لا يطاق وبحق ما فعل ذلك لأنه ليس على رأيه ههنا شيء
стр. 22
يطاق. والذي ينبغي أن نقول ههنا أن تكليف ما لا يطاق ممتنع عقلا وشرعا. أما شرعا فلقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) . وأما عقلا فلا متناع قيام المحال بالنفس. وأن من الشرط المأمور به أن يكون مفهوما ومتصورا مكانه عند الآمر والمأمور.
٤٦_ وقد يلحق آخر هذا الجزء مسائل:
٤٧_ فمنها هل المكره على وفق التكليف أو خلافه مختار حتى يثاب على الواحد ويعاقب على الآخر؟ ونحن نقول في ذلك: أما المكره على وفق التكليف فقد يشبه أن يظن به أنه مختار من جهة أن له أن يأتي بخلاف ما أكره عليه محتملا لما به أكره. وهذا التفاوت بحسب ما يلحق المكره من الأذى. لكن إن لم يأت ذلك معتقدا إتيانه طاعة وامتثالا لم يثب عليه، فإن اعتقد ذلك أثبت عليه. وإن كان سبب تحريكه إلى الفعل الإكراه، فإنه إذا أخذ في الفعل واعتقد وقوعه طاعة أثيب عليه. وعلى هذا الوجه جاء إكراه الكفار على الإيمان بالقتل في الشرع. وبالجملة فالتوعد بالعقاب هو إكراه ما على هذا الوجه. ومثل هذا يتصور في أن يكون الإنسان يصده عن الامتثال عناد أو غير ذلك من الأسباب المانعة. وبالجملة الأمّارة بالسوء كثيرا ما تصد الإنسان عن الواجب مع اعتقاد وجوبه. وأما المكره على مخالفة الشرع مثل الإكراه على قتل مسلم، أو ترك الصلاة، فالسؤال فيه في موضعين: ... أحدهما هل إذا فعل بمقتضى الإكراه أثم أم لا؟
والثاني: إن احتمل الإكراه ولم يفعل بمقتضاه هل يثاب أو يأثم، فإن لنفس المرء عليه حقا، والذي ينبغي أن يقال في ذلك هو أن الإكراه تتفاوت مراتبه لتفاوته ما به يقع الإكراه، ومدرك مراتب هذا التفاوت، والمقايسة بينه وبين مخالفة الأمر وترجيح أحدهما على الآخر، مدرك
стр. 23
شرعي، ولا سيما إذا كان ما به يقع الإكراه من نوع المكره عليه، مثل أن يكره بالقتل على القتل، وبالجملة فهذه المسألة اجتهاديه.
٤٨_ ومنها: هل المقتضى بالتكليف الكف كما يقتضي الفعل. والجواب أن الترك صنفان: صنف يلحق الإنسان عند تركه التلبس بضد، فهذا لا يثاب عليه كالصيام. وصنف لا يلحق الإنسان عند تركه التلبس بضد، فهذا لا يثاب عليه. وإلحاق مسألة مسألة بهذين الصنفين نظر فروعي.
٤٩_ ومنها: هل يتوجه الأمر بالشيء قبل حصول شرطه، كالأمر بالصلاة، فيعاقب على تركه من غير حصول شرطه، هذا إذا كان الشرط شرعيا كأمر المحدث بالصلاة في حين إحداثه، أو لا يتوجه الأمر بالشيء إلا حصول شرطه كالأمر بالصلاة في حين الطهارة؟
ونحن نقول:
إذا كان الشرط مكتسبا للإنسان باختياره فجائز أن يؤمر الإنسان بالشيء على تقدير حصول شرطه ويعاقب على تركه، وإن لم يأت بشرطه كتارك الصلاة يعاقب عليها وإن لم يتوضأ قط، وبذلك ورد الشرع، وقد دل دليل الإجماع على لحوق العقاب للمكذب بالرسل، قبل المعرفة بالله وإن كانت شرطا للإيمان بالرسل، وقد تمسك قوم في هذا بقوله : (ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين) ، وراموا أن يثبتوا أنه نص في الآية، وهي وإن لم تكن نصا فهي ظاهرة، لأنه محتمل أن يريد ها هنا بالمصلين المؤمنين كما قال ﵇: (نهيت عن قتل المصلين) . وما امتنع وقوع مثل هذا عنده عقلا صرف الظاهر إلى التأويل كالعادة في الظاهر المحتمل.
стр. 24
٥٠_ وقد احتج من منع التكليف بمثل هذا بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة مع استحالة وقوعهما فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله. وهؤلاء القوم اشتبه عليهم الشرط الشرعي بالشرط الوجودي. وليس الأمر كذلك فهذا المكلف إنما يتوجه إليه الأمر بالشيء قبل حصول شرطه على تقدير حصول شرطه، وهو مستطاع له ومكتسب بخلاف الشرط الوجودي.
٥١_ أما احتجاجهم بأن الكافر إذا أسلم انتفى وجوب الصلاة والزكاة عنه، فلا حجة فيه، لأن مصيرنا إلى سقوط وجوبها بالإسلام إنما هو بدليل الشرع وإنما أوجبنا القضاء على المرتد دون الكافر، لأن القضاء إنما يجب بأمر مجرد فليتبع فيه الدليل الشرعي، ولذلك قد يؤمر بالقضاء من لا يؤمر بالأداء، وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء.
٥٢_ ومما يلحقون بهذا الباب مسألة رابعة وهي:
كما أنه لا يجوز إتيان الأمر بالجمع بين الضدين كذلك لا يجوز إتيان الأمر بالتخلي عنهما، إذا لم يكن بينهما وسط.
٥٣_ ولكن ها هنا فيما زعموا مسائل جزئية توقع شكا في هذه المسألة الكلية وهي: من توسط أرضا مزدرعة مغصوبة فيحرم عليه المكت ويحرم عليه الخروج، إذ في كل واحد فساد زرع الغير، فهو عاص بأيهما فعل. وكذلك من سقط على صدر صبي محفوف بصبيان، وعلم إن مكث قتل من تحته وإن انتقل قتل من حواليه. ومثل هذه المسائل فهي اجتهادية، وليست مما يوقع شكا في أنه لا يجوز. ورود الأمر بالتخلي عن الضدين. ويشبه أن يقال فيها هو غير مكلف في هذا الحال، ويشبه أن يقال في المسألة الأولى يخرج لتقليل الضرر وفي
стр. 25
الثانية يمكث، فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا من حي. ويحتمل أن يقال يتخير، ولاسيما إذا لم يترجح أحد الفعلين في قلة الضرر على الثاني.
وهنا انقضى القول في الفعل وهو القسم الثالث من الجزء الأول من هذا الكتاب.
стр. 26
القول في القسم الرابع:
٥٤_ هذا القسم يتضمن القول في أن ها هنا أسبابا مظهرة للأحكام ولصفات تتصف بها الأحكام، كالصحة والفساد، وتتضمن شرح ما تدل عليه هذه الأسماء، وهو أربعة فصول:
٩٣/١ الفصل الأول: في الأسباب المظهرة للأحكام
٥٥_اعلم أن الشرع قد نصب للأحكام علامات تتضمن وقوعها كما تتضمن العلل الحسية معلولاتها، وبهذه الأسباب نتوصل إلى معرفة وقوع الأحكام، وإلا كان إثباتها محالا. والقول في تفصيل الأحوال التي بها تكون مقتضية للأحكام هو في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
الفصل الثاني: فيما يدل عليه اسم الصحة والبطلان في الأحكام
٥٦_ إعلم أن هذا يطلق في العبادات على أوجه مختلفة، فالصحة تنطلق عند المتكلمين على ما وقع على وفق الشرع، وجب القضاء أو لم يجب؛ وعند الفقهاء عما أجزأ وأسقط القضاء، حتى أن الصلاة من ظن أنه متطهر صحيحة في اصطلاح المتكلمين، لأن القضاء لازم بأمر متجدد. وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها إذا فهم الغرض. وأما في العقود فينطلق الفساد على كل حكم لم يتضمن أحد ما به يتم الحكم، سواء كان ذلك شرطا أو سببا، والصحة مقابل هذا. اللهم إلا أن أصحاب أبي حنيفة فإنهم يخصون باسم الفاسد ما كان مشروعا في أصله ممنوعا في وصفه. لكن قد تقدم من قولنا أن كل ممنوع بوصفه ممنوع بأصله وعائد عليه بالفساد من جهة ما هو متصف. وبالجملة
стр. 27
فالأحكام إنما تتصف بالصحة إذا فعلت بالأمور والأحوال التي اشترط الشرع في فعلها، والفساد بخلاف ذلك.
٩٥/١ الفصل الثالث: في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة
٥٧_ اعلم أن الواجب إذا أدي في وقته سمي أداء، وإذا فعل مرة على نحو من الخلل ثم فعل ثانيا سمي قضاء. وقد يطلق اسم القضاء على معان غير هذه بعضها أقرب إلى هذا المعنى، وبعضها أبعد. فمنها ما يترك سهوا حتى يخرج وقته فهذا أيضا يسمى قضاء حقيقة، لكن يفارق الأول بحط الإثم عن فاعله. ومنها ألا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض. وقد أشكل هذا على طائفة حتى ألزموا وجوب الصوم على الحائض بدليل وجوب القضاء، والإجماع يرد هذا فإنها لو ماتت قبل أن تطهر لم تأثم، ومنها حالة المريض والمسافر فإنهما من حيث لهما أن يصوما أشبه فرضهما الواجب الموسع. وقد كان ينبغي ألا يسمى هذا قضاء مجاز، لما في ذلك من فوات الوقت الأول المشهور.
٥٨_ وفي المسافر والمريض مذهبان غير هذا: أحدهما مذهب أهل الظاهر أنهما لو صاما لم يصح صومهما لقوله : (فعدة من أيام أخر) والثاني مذهب الكرخي أن الواجب أيام أخر، ولكن لو صاما رمضان صح، كمن قوم الزكاة على الحول. وكلا هذين القولين إنما يبنيان على من لا يرى أن في الآية حذفا، وأن التقدير: فافطر فعدة من أيام أخر، وإن ذلك محمول على الرخصة. وستبين هذه المسألة مما يقال في الجزء الثالث من هذا الكتاب. فأما ما يحتمل أن يسأل عنه من يرى
стр. 28
ذلك محمولا على الرخصة من جواز وقوع صيام المريض الذي يخاف على نفسه الهلاك والضرر العظيم، فتلك مسألة اجتهادية تحتمل الوجهين، وهي خارجة عن هذا الغرض.
٥٩_ وقد أطلق القاضي ﵀ اسم القضاء على ما يتركه الإنسان متعمدا مع غلبة ظنه وبالإخترام قبل أدائه الفعل إذا انكشف خلاف ما ظن، لأنه يقدر الوقت بحسب غلبة الظن. وهذا لا معنى له، لأنه ليس يكون ظنه بالاخترام سببا لخروج الوقت في نفسه.
الفصل الرابع: في العزيمة والرخصة
٦٠_ اعلم أن العزم في الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى، والرخصة عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر أو عجز عنه، مع قيام السبب المحترم، كتحليل جرعة خمر للشرق، والميتة للمضطر. وقد تطلق الرخصة على معان غير هذه بعضها أقرب إلى هذا وبعضها أبعد.
٦١_ وهنا انتهى النظر في الجزء الأول من هذا المختصر، وتلوه كتاب أصول الأحكام.
стр. 29
القول في الجزء الثاني من هذا الكتاب
стр. 30
صفحة فارغة في الأصل
стр. 31
٦٢ـ وهو يتضمن النظر في الأصول التي تستند إليها هذه الأحكام وعنها تستنبط.، وهي أربعة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، ودليل العقل على النفي الأصلي، وتسمية مثل هذا أصلا تجوز، إذ ليس يدل على الأحكام بل على نفيها. فأما قول الصحابة وشريعة من قبلنا فمختلف فيه. فلنبدأ من ذلك بالكتاب، وننظر أولا في حقيقتة، ثم فيما يحصره، ثم في ألفاظه، ثم في أحكامه.
الأصل الأول
٦٣_ فأما حقيقتة ومعناه (فهو الكلام القائم بذات الله تعالى، وهو صفه قديمة من صفاته) (١) ، والقول في إثبات هذه الصفة وتخليصها من غيرها من الصفات هو من علم الكلام.
٦٤_ فأما ما يحصره فهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. وإنما قيدناه بالمصاحف لأن الصحابة ﵃ بلغوا في الاحتياط في نقله بالكتب. واشترطنا في نقله التواتر لأنه المفيد لليقين. وليعلم أيضا أن ما هو خارج عنه مما لم ينقل نقل تواترا فليس منه، إذ يستحيل في عرف العادة أن يهمل بعضه أو ينقل نقل آحاد مع استفاضته في الجماعة التي لا يصح عليها الإغفال والإهمال وهم الذين يقع بنقلهم التواتر، ولهذا ما كانت الزيادات التي لم تنقل نقل تواتر ليست توجب عند الأكثر عملا، خلافا لأبي حنيفة، كالتتابع في الكفارة وما أشبهه. وليست هذه متنزلة منزلة أخبار الآحاد، لأن الخبر لا معارض له ولا دليل على كونه كذبا. وإذا لم تجعل
стр. 32
هذه الزيادات من القرآن احتملت أن تكون مذهبا لصاحب، واحتملت الخبر وما يتردد بين هذين الاحتمالين فلا يجوز العمل به. ولهذا قطع القاضي ﵀ بتخطئه الشافعي ﵀ في جعله باسم الله الرحمان الرحيم آية من كل سورة، مع كونها من النمل، إذ لو كان ذلك كذلك لنقل إلينا تصريحا كونها من القرآن، ولم يقع في ذلك خلاف. وللشافعي أن يتمسك بأن جعلها في أول سورة بأمر رسول الله ﷺ ونزولها في أول كل سورة قرائن توهم أنها من القرآن، فلو لم تكن منه لصرح بذلك. وليس كذلك التعوذ والقنوت وما أشبه ذلك مما لم يصرح بكونه من القرآن. وبالجملة فهي مسألة اجتهادية ولذلك لم يكفر القاضي بها ومع ذلك فهي قليلة الغناء في الاستنباط عنها (١) .
والشافعي إنما أوجب قراءة بسم الله الرحمان الرحيم في الصلاة للأخبار الواردة بذلك (٢) .
٦٥-وأما النظر في ألفاظه فمنها حقيقة ومجاز، ووجود ذلك فيه بين من حيث هو بلغة العرب ولسانها. وبالجملة فما أظن لسانا ولا لغة
стр. 33
تعرى من ذلك، وإن كانت الألسنة تتفاوت في ذلك. وأما نفي بعضهم أن يكون في ألفاظه شيء ليس في لغة العرب وجوزه بعضهم فالوقوف على ذلك قليل الغناء فيما نحن بسبيله. وبالجملة إن كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها فقد عربته العرب تعريبا وغيرته تغييرا استوجب به اللفظ كونه من لغتها ومنسوبا إليها.
وفي ألفاظه محكم ومتشابه كما قال ، وقد اختلف الناس في المتشابه، والأولى أن يظن أن الألفاظ المتشابهة هي التي يمكن حملها على معنى أكثر من واحد، أو التي يوهم حملها على الظاهر تعارضا فيها، أو الألفاظ التي لم تتقدم للعرب مواضعة ولا اصطلاح على معانيها كالحروف التي في أوائل السور، أو جميع هذه.
стр. 34
القول في الأصل الثاني وهو السنة
٦٦_ وقول رسول الله ﷺ حجة لدلالة المعجزة على صدقه، وهو حجة بنفسه على من سمعه مشافهة.
فأما نحن فلم يبلغنا قوله ﷺ إلا على لسان المخبرين، إما بطريق التواتر، وإما بطريق الآحاد. ولذلك ينقسم القول في الأخبار إلى هذين القسمين، ويعمهما بيان مراتب ألفاظ الصحابة ﵃ في نقل الأخبار عنه ﷺ ، وهي مراتب:
٦٧_فأولها أن يقول الصحابي سمعت رسول الله ﷺ ، أو حدثني، أو أخبرني أو شافهني، فهذا لا يتطرق إليه احتمال.
٦٨_المرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله كذا أو حدث بكذا. فهذا ظاهره النقل، إذا صدر عن الصحابي وليس نصا صريحا، إذ ممكن أن يكون حدث به عن رسول الله ﷺ . لكن رأي أكثرهم العمل بمثل هذا جائز للقرائن الدالة على ذلك، لاسيما إذا صدر ذلك عن من كثرت صحبته.
٦٩_ المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي أمر رسول الله بكذا، ونهى عن كذا، أو فرض كذا، وأوجب كذا. فهذا يتطرق إليه احتمالان: أحدهما في سماعه كما في قوله تعالى، والثاني في فهمه عن الخطاب الأمر أو الوجوب، إذ صيغة الأمر مختلف فيها. ولذلك رأى داوود ومن تبعه من أهل الظاهر ألا حجة في قوله ما لم ينقل لفظه ﷺ . وقد احتج عليهم أن هذا نظر من حيث فهم الألفاظ. وإنما وقع الخلاف فيها بيننا من حيث أنا لسنا بفصحاء ولا بحجة على الكلام العربي. وأما الصحابي من حيث أنه عربي فكيف يتوهم عليه الغلط في
стр. 35
صيغة الأمر، مع أن به تقوم الحجة عند الاختلاف فيها.
٧٠_ وإنا نرى أن تصحيح الألفاظ في لسان ما عند من لم يكن من أهل ذلك اللسان إنما يحصل بأحد أمرين: إما باستقراء كلامهم، أو النقل عنهم إذا استفاض ذلك فيهم. وعلى هذا لا يصح الاحتجاج بقول الواحد حتى يستفيض قوله. وأما هل يشترط في اللغة التواتر أو تكفي في الآحاد؟ فذلك مختلف فيه. ويشبه أن يكفي في كثير منها نقل الآحاد، وإلا لم يكن سبيل إلى الوقوف على أكثر دلالات الألفاظ لو اشترط في نقل كل واحدة منها التواتر.
٧١_ المرتبة الرابعة: أن يقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا. فهذا يتطرق إليه، مع ما سبق من الاحتمالات، احتمال آخر وهو أن الأمر بذلك عساه أن يكون غير النبي ﷺ من الأئمة والأمراء، وفي معنى هذا قولهم: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا.
٧٢_ المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي كانوا يفعلون كذا، فأضاف الفعل إلى عهد رسول الله ﷺ . فهذا أيضا يحتمل أن يكون بلغ ذلك رسول الله ﷺ ، وهو الأظهر، فأقره. ويحتمل أن يكون لم يبلغه.
٧٣_ فقد ظهر من هذا ما هو إخبار عن رسول الله ﷺ ، وما ليس بإخبار.
٧٤_ والآن فقد بقي تبيين طريق انتهاء الأخبار إلينا، وذلك إما أن يكون نقل تواتر أو آحاد. ولنقل فيهما وفي مرتبة التصديق الحاصل عنهما، ولنبدأ من ذلك بالتواتر، فنقول:
٧٥_ إن التواتر هو خبر مستفيض يحصل عنه اليقين في أمور ما وعند أحوال ما من غير أن ندري من أين حصل ولا كيف حصل ولا متى حصل. وإنما قلنا: في أمور ما، لأنه ليس يحصل فيما ليس شأنه
стр. 36
أن يحس مما هو معقول، أو مما شأن مناسبه أن يحس، إلا أنه غير ممكن الوجود، كعنز أيل وغير ذلك مما ليس له وجود خارج النفس، ولا فيما شأنه أن يحس بعد مما هو ممكن الوجود، بل إنما يحصل اليقين به فيما هو محصل الوجود في الزمان الحاضر، أو كان محصل الوجود في الزمان الماضي مما لم نحسه بعد، لأن ما أحسسناه أو كان لنا سبيل (١) إلى إدراكه بقياس يقيني، كحدث العالم، وغير ذلك، فلا غناء للتواتر فيه، لأنه إما أن يتواتر عندنا بحسب ما أحسسنا أو وقفنا عليه بالقياس، فذلك في حقنا فضل، وأما إن تواتر خلافه، فلا يقع لنا به تصديق.
وقولنا: وعند أحوال ما، تحفظ فيما تواتر ولم يقع اليقين به، ولذلك رام قوم لما شعروا بهذا أن يشترطوا في التواتر عددا يلزم عنه بالذات وأولا اليقين، حتى يكون هو السبب في الوقوع عنه، ومقتضيا له على جهة ما تقتضي الأسباب مسبباتها. فلما لم يتحصل لهم حدوده بأنه الذي يحصل عنه اليقين على أنه محصل الوجود في نفسه، وإن كان مجهولا عندنا. والمشاهدة بخلاف ذلك، فإنه يظهر أن العدد الذي يحصل عنه اليقين يزيد وينقص في نازلة نازلة ولو كان ههنا عدد ما بالطبع يحصل عنه اليقين بالذات وأولا لكنا سنحسه ونقف عليه. وبالجملة فإن كثرة المخبرين أحد القرائن التي تفيد التصديق، ولذلك يلزم أن يزيد وينقص بحسب ما تنضاف إليه من القرائن الأخر (٢) .
٧٦_ وإذا كان هذا هكذا، فلسنا نقدر أن نقول إن فاعل ذلك
стр. 37
التصديق بالنتيجة يحصل على المقدمات، أو على جهة ما نقول إن المعقولات الأول تحصل عن الحس. ومن ظن أن الحال في التواتر كالحال في المقدمات التجريبية، وهي التي يحصل اليقين بكلتيها عند التعمد لإحساس جزيئاتها، فمخطئ قطعا. بل التصديق الحاصل عن التواتر من الفعل النفس، وكأن نسبته إليها نسبة ... (١) وبالجملة [فلم يقع خلاف في التواتر يوقع اليقين إلا ممن لا يؤبه به، وهم السفسطائيون. وجاحد ذلك يحتاج إلى عقوبة، لأنه كاذب بلسانه على ما في نفسه. وإنما الخلاف في جهة وقوع اليقين عنه، فقوم رأوه بالذات، وقوم رأوه بالعرض، وقوم رأوه مكتسبا] (٢) مثل ما رآه أبو حامد ههنا ومن نحا نحوه من أن اليقين به إنما يحصل بعد مقدمتين: إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع. والثاني أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن هذه الواقعة. لكن أبو حامد يسلم أن هاتين المقدمتين لم تشكلا (٣) قط في الذهن بالفعل، ولا احتاج الإنسان إلى إحضارهما عند وقوع التصديق بالتواتر.
٧٧ –وإذا وضع هذا، فيما لا شك، هو المشاهد من أمر التواتر، فمن البين أنه ليس لهاتين المقدمتين في إيقاع اليقين غناء ,لأن ما ليس موجودا في النفس بالفعل فليس يكون سببا لوجود ما هو فيها بالقوة حتى تخرجه إلى الفعل. ولولا كون حصول المقدمة الكبرى في الشكل الأول في النفس بالفعل ما كانت سببا لحصول النتيجة عنها التي كانت منطوية فيها بالقوة.
стр. 38
فأي فائدة لاشتراط ما وجوده مثل هذا الوجود في إيقاع التصديق. ولهذا اشتراطنا في حد التواتر من غير أن ندري كيف حصل ولا من أين حصل. وبالجملة فالأخبار والشهادات على الأخبار لا تفيد إلا ظنا، وذلك يتفاوت بحسب تفاوت القرائن، حتى يحصل في بعضها اليقين. ولذلك اختلف الناس في مراتب التصديقات الواقعة عن الأخبار بحسب ما يقترن بها، كمن يجعل خبر الواحد بين يدي الجماعة، إذا أمسكوا عن تكذيبه مع أنهم عدد يمتنع في عرف العادة تواطؤهم على تسويغ الكذب، يتنزل منزلة التواتر إذا كان ما أخبر عنه مدركا لهم بالحس. وكذلك ههنا قرائن تضعف الظن الواقع بالأخبار حتى يكاد في بعض المواضيع يقطع بكذبها؛ كمن أخبر بقتل ملك البلدة في السوق ثم مر أهل السوق ولم يتحدثوا بذلك. ومن هذا الجنس رد أبي حنيفة ﵀ أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى من الأحكام، لأنه يرى أن ينقل نقلا مستفيضا. وكذلك رد مالك لكثير من الأحاديث إذا لم يصحبها العمل.
٧٨ – فهذا ما ينبغي أن يقال في مرتبة التصديق الحاصل عن الأخبار، وفي أي موضع غناؤها، وفي أيها لا.
٧٩- فأما خبر الآحاد بحسب ما حد في هذه الصناعة فهو مما لم ينته أن يفيد اليقين في موضع ما بخبر الواحد بحسب ما يقترن بذلك من قرائن (١) قلنا هذا وإن كان غير ممتنع فهو مما يقل وجوده ولعل ذلك يقع في حق شخص ما ونازلة ما. ولتفاوت هذا الظن الواقع في النفس عند اقتران القرائن بأخبار الآحاد رأى بعضهم أن خبر الواحد قد يفيد اليقين.
٨٠ –ويلحق بخبر الواحد بعد التكلم في حده التكلم في جواز
стр. 39
العمل به شرعا، والتكلم في شروط الناقلين له، والجرح والتعديل، وكيفية نقل الراوي عن مرويه.
الفصل الأول: في جواز العمل بخبر الواحد شرعا
٨١ - أما العمل بأخبار الآحاد فهو جائز عقلا وواقع شرعا.
أما جواز وقوعه شرعا، فإنه غير ممتنع أن ينصب الله تعالى غلبة الظن علامة للحكم، كنصبه سائر الأشياء علامات. وعلى هذا يتصور القضاء بالشهود، والحكم بالفتوى، واستقبال الكعبة إذا لم تعاين. وقد رأى بعضهم أن نصب غلبة الظن علامة للحكم في الشرع واجب عقلا، ولولا ذلك لسقطت أكثر الأحكام عن من لم يشافه رسول الله ﷺ .
وقول أبي حامد إن هذا ليس بقوي لأن لقائل أن يقول تسقط الأحكام في حق من لم يبلغه تواترها كما تسقط في حق من لم يسمع بالشرع ولا تواتر عنده، فليس عندي بمرضي. لأن انظواء الشرع نادر وقليل جدا حتى لا يكاد يقع هذا مع تطاول الزمان، بل باضطرار وقع نقله إلى جميع المعمورة تواترا. وإنما يشبه أن يقع مثل هذا في أول الإسلام، وليس كذلك العمل بأخبار الآحاد، لأنه ليس من ضرورة كل خبر أن ينقل تواترا، فلو اشترط في العمل به التواتر لأدى ذلك إلى تعطيل أكثر الأحكام عن أكثر المكلفين. وبالجملة لو لم يجب القضاء بالشهود والأيمان والحكم بالاجتهاد لما كان سبيل إلى رد المظالم والأخذ بالحقوق. وقد يستدل أيضا على وقوعه شرعا بإجماع الصحابة على العمل به، وتوقفهم في بعض الأخبار إنما كان اجتهادا منهم في طرقها. وإنفاذ رسول الله ﷺ الولاة إلى البلاد، وتكليف الناس تصديقهم، مما يقطع (به) على وقوعه شرعا.
стр. 40
٨٢- فأما قول الله عزوجل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم) (التوبة: من الآية١٢٢) فرأى بعضهم أنها قاطعة في العمل بأخبار الآحاد إذ طائفة تقع على النفر اليسير الذين لا يحصل اليقين بقولهم وأبو حامد يرى أنها ليست بقاطعة إلا في وجوب الإنذار قال: وليس يلزم من وجوبه عليهم وجوب العمل به كما يجب على الشاهد الواحد إذ الشهادة لا يعمل بها وقال وبمثل هذا الاعتراض يضعف التمسك بقوله ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ وبقوله) : ﷺ نضر الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها) الحديث، وهذا القول منه لا معنى له لأنه ما فائدة وجوب الإنذار إذا لم يجب العمل بنقلهم وليس يشبه هذا الشاهد فإنه إنما وجب عليه أداء الشهادة رجاء أن يأتي من عنده مثل شهادته فيقع العمل بها. اللهم إلا أن يقول القائل عسى إن وجد الإنذار إنما لزم الآحاد ليتكثروا حتى يقع العلم الضروري بقولهم لكن هذا ينكسر مما تقدم من أن ذلك كان يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام وإنما يشبه أن يظن أن الآية ليست بقاطعة ولا نصا في العمل بأخبار الآحاد من جهة أن الطائفة اسم يقع على النفر اليسير والعدد الكثير الذي يمكن أن يقع على اليقين بقولهم بدليل قوله (لا تزال طائفة من أمتي) الحديث. لكن الآية أظهر في أنه ليس المراد بالطائفة ههنا من يحصل العلم بنقلهم.
الفصل الثاني: في شروط الراوي وصفته
٨٣- وإذ قد تبت العمل بخبر الواحد فلا بد من ذكر الشروط التي يقبل بها ويجب العمل به إذ ليس كل خبر يجب العمل به. فأولها أن خبر الواحد يعمل به وإن لم يعمل بشهادته لأن اشتراط العدد إذا