أن يحس مما هو معقول، أو مما شأن مناسبه أن يحس، إلا أنه غير ممكن الوجود، كعنز أيل وغير ذلك مما ليس له وجود خارج النفس، ولا فيما شأنه أن يحس بعد مما هو ممكن الوجود، بل إنما يحصل اليقين به فيما هو محصل الوجود في الزمان الحاضر، أو كان محصل الوجود في الزمان الماضي مما لم نحسه بعد، لأن ما أحسسناه أو كان لنا سبيل (١) إلى إدراكه بقياس يقيني، كحدث العالم، وغير ذلك، فلا غناء للتواتر فيه، لأنه إما أن يتواتر عندنا بحسب ما أحسسنا أو وقفنا عليه بالقياس، فذلك في حقنا فضل، وأما إن تواتر خلافه، فلا يقع لنا به تصديق.
وقولنا: وعند أحوال ما، تحفظ فيما تواتر ولم يقع اليقين به، ولذلك رام قوم لما شعروا بهذا أن يشترطوا في التواتر عددا يلزم عنه بالذات وأولا اليقين، حتى يكون هو السبب في الوقوع عنه، ومقتضيا له على جهة ما تقتضي الأسباب مسبباتها. فلما لم يتحصل لهم حدوده بأنه الذي يحصل عنه اليقين على أنه محصل الوجود في نفسه، وإن كان مجهولا عندنا. والمشاهدة بخلاف ذلك، فإنه يظهر أن العدد الذي يحصل عنه اليقين يزيد وينقص في نازلة نازلة ولو كان ههنا عدد ما بالطبع يحصل عنه اليقين بالذات وأولا لكنا سنحسه ونقف عليه. وبالجملة فإن كثرة المخبرين أحد القرائن التي تفيد التصديق، ولذلك يلزم أن يزيد وينقص بحسب ما تنضاف إليه من القرائن الأخر (٢) .
٧٦_ وإذا كان هذا هكذا، فلسنا نقدر أن نقول إن فاعل ذلك
стр. 37
التصديق بالنتيجة يحصل على المقدمات، أو على جهة ما نقول إن المعقولات الأول تحصل عن الحس. ومن ظن أن الحال في التواتر كالحال في المقدمات التجريبية، وهي التي يحصل اليقين بكلتيها عند التعمد لإحساس جزيئاتها، فمخطئ قطعا. بل التصديق الحاصل عن التواتر من الفعل النفس، وكأن نسبته إليها نسبة ... (١) وبالجملة [فلم يقع خلاف في التواتر يوقع اليقين إلا ممن لا يؤبه به، وهم السفسطائيون. وجاحد ذلك يحتاج إلى عقوبة، لأنه كاذب بلسانه على ما في نفسه. وإنما الخلاف في جهة وقوع اليقين عنه، فقوم رأوه بالذات، وقوم رأوه بالعرض، وقوم رأوه مكتسبا] (٢) مثل ما رآه أبو حامد ههنا ومن نحا نحوه من أن اليقين به إنما يحصل بعد مقدمتين: إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع. والثاني أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن هذه الواقعة. لكن أبو حامد يسلم أن هاتين المقدمتين لم تشكلا (٣) قط في الذهن بالفعل، ولا احتاج الإنسان إلى إحضارهما عند وقوع التصديق بالتواتر.
٧٧ –وإذا وضع هذا، فيما لا شك، هو المشاهد من أمر التواتر، فمن البين أنه ليس لهاتين المقدمتين في إيقاع اليقين غناء ,لأن ما ليس موجودا في النفس بالفعل فليس يكون سببا لوجود ما هو فيها بالقوة حتى تخرجه إلى الفعل. ولولا كون حصول المقدمة الكبرى في الشكل الأول في النفس بالفعل ما كانت سببا لحصول النتيجة عنها التي كانت منطوية فيها بالقوة.
стр. 38
فأي فائدة لاشتراط ما وجوده مثل هذا الوجود في إيقاع التصديق. ولهذا اشتراطنا في حد التواتر من غير أن ندري كيف حصل ولا من أين حصل. وبالجملة فالأخبار والشهادات على الأخبار لا تفيد إلا ظنا، وذلك يتفاوت بحسب تفاوت القرائن، حتى يحصل في بعضها اليقين. ولذلك اختلف الناس في مراتب التصديقات الواقعة عن الأخبار بحسب ما يقترن بها، كمن يجعل خبر الواحد بين يدي الجماعة، إذا أمسكوا عن تكذيبه مع أنهم عدد يمتنع في عرف العادة تواطؤهم على تسويغ الكذب، يتنزل منزلة التواتر إذا كان ما أخبر عنه مدركا لهم بالحس. وكذلك ههنا قرائن تضعف الظن الواقع بالأخبار حتى يكاد في بعض المواضيع يقطع بكذبها؛ كمن أخبر بقتل ملك البلدة في السوق ثم مر أهل السوق ولم يتحدثوا بذلك. ومن هذا الجنس رد أبي حنيفة ﵀ أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى من الأحكام، لأنه يرى أن ينقل نقلا مستفيضا. وكذلك رد مالك لكثير من الأحاديث إذا لم يصحبها العمل.
٧٨ – فهذا ما ينبغي أن يقال في مرتبة التصديق الحاصل عن الأخبار، وفي أي موضع غناؤها، وفي أيها لا.
٧٩- فأما خبر الآحاد بحسب ما حد في هذه الصناعة فهو مما لم ينته أن يفيد اليقين في موضع ما بخبر الواحد بحسب ما يقترن بذلك من قرائن (١) قلنا هذا وإن كان غير ممتنع فهو مما يقل وجوده ولعل ذلك يقع في حق شخص ما ونازلة ما. ولتفاوت هذا الظن الواقع في النفس عند اقتران القرائن بأخبار الآحاد رأى بعضهم أن خبر الواحد قد يفيد اليقين.
٨٠ –ويلحق بخبر الواحد بعد التكلم في حده التكلم في جواز
стр. 39
العمل به شرعا، والتكلم في شروط الناقلين له، والجرح والتعديل، وكيفية نقل الراوي عن مرويه.
الفصل الأول: في جواز العمل بخبر الواحد شرعا
٨١ - أما العمل بأخبار الآحاد فهو جائز عقلا وواقع شرعا.
أما جواز وقوعه شرعا، فإنه غير ممتنع أن ينصب الله تعالى غلبة الظن علامة للحكم، كنصبه سائر الأشياء علامات. وعلى هذا يتصور القضاء بالشهود، والحكم بالفتوى، واستقبال الكعبة إذا لم تعاين. وقد رأى بعضهم أن نصب غلبة الظن علامة للحكم في الشرع واجب عقلا، ولولا ذلك لسقطت أكثر الأحكام عن من لم يشافه رسول الله ﷺ .
وقول أبي حامد إن هذا ليس بقوي لأن لقائل أن يقول تسقط الأحكام في حق من لم يبلغه تواترها كما تسقط في حق من لم يسمع بالشرع ولا تواتر عنده، فليس عندي بمرضي. لأن انظواء الشرع نادر وقليل جدا حتى لا يكاد يقع هذا مع تطاول الزمان، بل باضطرار وقع نقله إلى جميع المعمورة تواترا. وإنما يشبه أن يقع مثل هذا في أول الإسلام، وليس كذلك العمل بأخبار الآحاد، لأنه ليس من ضرورة كل خبر أن ينقل تواترا، فلو اشترط في العمل به التواتر لأدى ذلك إلى تعطيل أكثر الأحكام عن أكثر المكلفين. وبالجملة لو لم يجب القضاء بالشهود والأيمان والحكم بالاجتهاد لما كان سبيل إلى رد المظالم والأخذ بالحقوق. وقد يستدل أيضا على وقوعه شرعا بإجماع الصحابة على العمل به، وتوقفهم في بعض الأخبار إنما كان اجتهادا منهم في طرقها. وإنفاذ رسول الله ﷺ الولاة إلى البلاد، وتكليف الناس تصديقهم، مما يقطع (به) على وقوعه شرعا.
стр. 40
٨٢- فأما قول الله عزوجل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم) (التوبة: من الآية١٢٢) فرأى بعضهم أنها قاطعة في العمل بأخبار الآحاد إذ طائفة تقع على النفر اليسير الذين لا يحصل اليقين بقولهم وأبو حامد يرى أنها ليست بقاطعة إلا في وجوب الإنذار قال: وليس يلزم من وجوبه عليهم وجوب العمل به كما يجب على الشاهد الواحد إذ الشهادة لا يعمل بها وقال وبمثل هذا الاعتراض يضعف التمسك بقوله ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ وبقوله) : ﷺ نضر الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها) الحديث، وهذا القول منه لا معنى له لأنه ما فائدة وجوب الإنذار إذا لم يجب العمل بنقلهم وليس يشبه هذا الشاهد فإنه إنما وجب عليه أداء الشهادة رجاء أن يأتي من عنده مثل شهادته فيقع العمل بها. اللهم إلا أن يقول القائل عسى إن وجد الإنذار إنما لزم الآحاد ليتكثروا حتى يقع العلم الضروري بقولهم لكن هذا ينكسر مما تقدم من أن ذلك كان يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام وإنما يشبه أن يظن أن الآية ليست بقاطعة ولا نصا في العمل بأخبار الآحاد من جهة أن الطائفة اسم يقع على النفر اليسير والعدد الكثير الذي يمكن أن يقع على اليقين بقولهم بدليل قوله (لا تزال طائفة من أمتي) الحديث. لكن الآية أظهر في أنه ليس المراد بالطائفة ههنا من يحصل العلم بنقلهم.
الفصل الثاني: في شروط الراوي وصفته
٨٣- وإذ قد تبت العمل بخبر الواحد فلا بد من ذكر الشروط التي يقبل بها ويجب العمل به إذ ليس كل خبر يجب العمل به. فأولها أن خبر الواحد يعمل به وإن لم يعمل بشهادته لأن اشتراط العدد إذا
стр. 41
ثبت العمل به مما يجب على مدعي ذلك إثباته شرعا ولا يصح في مثل هذا حمله على الشهادة قياسا. واستظهار الصحابة ﵃ بالعدد في واقعتين أو ثلاث فذلك اجتهاد منهم لأحوال خاصة بتلك النوازل وبالجملة فاشتراط العدد ليس بشرط عندنا.
٨٤-وأول الشروط أنا لا نقبل خبر الصبي, لأنه لا يخاف الله, فلا نأمن عليه الكذب. وأما إذا كان طفلا عند السماع, ثم نقل الحديث بعد بلوغه, فهو مقبول بدليل إجماع الصحابة على العمل بالأحاديث من غير فرق بين من سمع في الصغر أو بعد البلوغ. وقول من قال تقبل شهادة الصبيان في الجنايات التي تقع بينهم, فإنما حمله على ذلك الاستدلال بالقرائن لكثرتهم, ولذلك اشترط في شهادتهم قبل أن يتفرقوا.
٨٥-ومن الشروط أن يكون ضابطا, فإن من كان مغفلا يقع منه في الأكثر الغلط. وأما كونه مسلما فلا خلاف في اشتراطه ذلك, لأن الكافر لا تقبل روايته لأنه متهم في الدين. وإن كانت تقبل شهادة بعضهم على بعضهم عند أبي حنيفة, فلا مخالف في رد روايته, وبالجملة فالاعتماد في ردها على الإجماع.
٨٦-وأما اشتراط العدالة فغير مختلف فيه, لكن ما يدل عليه اسمها مختلف فيه فذهب قوم وهم الأكثرون أن العدالة حالة في النفس يلزم عنها اجتناب ما نهي عنه في الشرع نهي تحريم أو نهي كراهة وإتيان ما أمر به في الشرع أمر وجوب أو أمر ندب من غير أن يخل بذلك.
٨٧ وبالجملة فيشترط فيه تجنب كل ما يقدح في دينه مما لا يمتنع عليه الكذب مع إتيانه وهذا يختلف بحسب نظر المجتهدين ولكن لا
стр. 42
خلاف في أنه لا تشترط فيه العصمة كما لا يكفي في ذلك اجتناب الكبائر وذهب قوم إلى أن عدالة عبارة عن إظهار الإسلام مع أنه لا يعلم فاسقا دون بحث عن سيرته وسريرته
٨٨ أما أصحاب المذهب الأول فاحتجوا بأن قالو كما أن المجهول الكفر لا يجوز نقله كذلك المجهول الفسق ولأولئك أن يقولوا (١) إن المجهول الكفر ليس تعرف منه حالة يغلب بها على الظن حسن الثقة به وليس كذلك المعروف من إظهار الإسلام، وقد احتجوا أيضا لذلك برد الصحابة أخبار المجاهيل كرد عمر ﵁ خبر فاطمة بنت قيس ورد علي قول الأشجعي وما ظهر من طلب رسول الله ﷺ العدالة والثقة فيمن كان ينفده إلى البلاد.
٨٩ وأما ما احتج به أهل الفرقة الثانية فقبوله ﷺ شهادة الأعرابي في رؤية الهلال مع أنه لم يعرف منه إلا الإسلام ولأولئك ألا يسلموا أنه كان مجهولا عند الله واحتجوا أيضا بأن الصحابة قبلوا قول من لم يعرفوهم بالفسق وعرفوهم بالإسلام.
٩٠ وبالجملة فقد احتج كل فريق منهم بحجج، وهي وإن كانت ظاهرة بحسب دعواه فهي مع هذا محتملة للتأويل والمسألة اجتهادية لا قطعية. وبالجملة فالمقصود فيما يظهر من العدالة إنما هو غلبة الظن بالصدق وذلك يختلف بحسب اختلا ف قرائن الأحوال. فينبغي إذن فيما لم ينصب الشرع فيه علامة محدودة بطريق قطعي لغلبة الظن بالصدق ألا نحد فيها حدا بل يوكل ذلك إلى نظر المجتهدين، فإنه رب مجتهد تجتمع عنده قرائن يغلب بها على ظنه صدق إنسان ما ليس تجتمع
стр. 43
لإنسان آخر.
٩١ وأما الفاسق المتأول وهو الذي لا يعرف فسق نفسه فقد اختلفوا فيه. فمن رأى أن الفسق إنما يمنع القبول للتهمة فلا يتصرف عنده رده إلا أن يكونوا فسقه في إجازة الكذب. ومن رأى أن الفسق بنفسه هادم للقبول لموضع التهمة أجاز شهادة بعضهم على بعض والأول مذهب الشافعي والثاني مذهب القاضي. ويشبه أن يكون مذهب الشافعي أقيس ويشهد له قبول الصحابة ﵃ أخبار الخوارج.
٩٢ والفاسق المتأول ربما علم فسقه بدليل قطعي وربما علم فسقه بدليل ظني. وينبغي أن يكون قبول رواية من علم فسقه بدليل ظني أولى ولذلك يقول الشافعي أفسق الحنفي الشارب للنبيذ ولا أرد شهادته.
٩٣ فهذه هي الأشياء التي تشترط في الراوي وأما الأشياء التي يقع بها الترجيح فتكاد لاتتناهى..
الفصل الثالث: في الجرح والتعديل
٩٤ فيه أربعة فصول:
٩٥ الفصل الأول: اشترط قوم العدد في المزكي قياساعلى الشهادة وبعض لم يشترطه قياسا على قبول رواية العدل وهو الأظهر.
٩٦ الفصل الثاني: في ذكر سبب الجرح والتعديل. قال الشافعي يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل. إذ قد يرى واحد جرحة ما لا يراه الآخر. وأما العدالة فليس لها إلا سبب واحد. ورأى
стр. 44
قوم نقيض هذا لتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر. وقال القاضي لا يجب ذكر السبب فيهما تعويلا على المزكي. وقال قوم لابد من ذكر السبب فيهما جميعا وهو الأحوط عندي إذ العدالة والتجريح (١) مختلف فيهما كما تقدم. وأما إذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح هو المقدم لأنه اطلاع على زيادة لم يطلع عليها المعدل إلا أن يكون يعنى تشخيص ما أثبته الجارح فحينئذ يتعارض الجرح والتعديل.
٩٧ الفصل الثالث: في نفس التزكية والتعديل. وذلك يتصور وقوعه على أربعة أنحاء: إما بالقبول أو بالرواية عنه أو بالعمل بخبره أو بالحكم بشهادته. وأعلاها صريح القول بتعريف وجه عدالته ودون ذلك أن يروي عنه خبرا. وهذا إنما يصح علي رأي من يكفي عنده في التعديل نفس التزكية هذا إذا فهم من حالة التجريح عن الثقات عنده وأما العمل بالخبر فليس بتعديل إذ قد يمكن أن يعمل بدليل آخر إلا إن علمنا أنه عمل بذلك الخبر من طريق ذلك الناقل. وهذا أيضا على رأي من لا يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل. وأما الحكم بشهادته فذلك أقوى من تزكيته. وأما تركه الحكم بشهادته أو خبره فليس جرحا, إذ قد يتوقف في شهادة العبد أو روايته سبب آخر فهو كالجرح المطلق.
٩٨ الفصل الرابع: في تعديل الصحابة ﵃.
والذي عليه جماهير الأمة والمعتمد عليهم أن عدالتهم مقطوع بها بتعديل الله جل وعز لهم وتعديل رسوله في غير ما آية من كتاب الله
стр. 45
جل وعز ما حديث عنه ﷺ .
٩٩ وقد ذهبت طوائف من الخوارج والمعتزلة والقدرية وبالجملة أهل البدع والزيغ إلى رد شهادتهم وروايتهم بعد ما شجر بينهم الشتات وظهرت الحروب بينهم والخصومات, وذلك عند أهل السنة محمول على أن كل مجتهد إما غير مأثوم وإما مصيب بحسب الرأيين. وذهب قوم من أهل السنة أن قتلة عثمان مخطئون قطعا, لكن جهلوا خطأهم, وكانوا متأولين. والفاسق المتأول لا ترد شهادته على رأي الأكثر.
١٠٠-وقد بقي علينا من القول في الخبر الواحد القول في كيفية نقل الراوي عن مرويه, وذلك يتصور وقوعه على خمس مراتب:
١٠١-المرتبة الأولى: قراءة الشيخ عليه ليحدث عنه, وبذلك يصح قوله على الحقيقة حدثنا وأخبرنا وسمعته, وهي أعلى المراتب.
١٠٢-المرتبة الثانية: أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت. فهذا خالف فيه بعض أهل الظاهر, لكن عند الأكثر سكوته وإقراره إياه يتنزل منزلة قوله. هذا إذا كان بحيث لا يخال سكوته لغفلة أو إكراه أو ما أشبه ذلك. إلا أنهم اختلفوا هل يقول حدثنا مطلقا, أو سمعت فلانا. والصحيح أنه لا يجوز, لأن ذلك كذب محض, إلا أن يعلم بقرينة حال منه أو تصريح أنه يريد بذلك القراءة على الشيخ.
١٠٣-المرتبة الثالثة: الإجازة, وهو أن يقول أجيز لك أن تروي عني الكتاب الفلاني, أو ما صح عندك من تعيين مسموعاتي. ولا يجوز في مثل هذا إطلاق القول بحدثنا أو أخبارنا إلا تجوزا.
١٠٤-المرتبة الرابعة: المناولة, وصورتها أن يقول الشيخ خذ هذا الكتاب وحدث به عني. ومجرد المناولة دون اللفظ لا معنى له,
стр. 46
فهي زيادة تكلف, وهي في الحقيقة إجازة. وهي وإن لم تفد معرفة عين الطريق الموصل, فهي تفيد معرفة صحة الخبر.
١٠٥-المرتبة الخامسة: الاعتماد على الخط بأن يجد بخطه مكتوبا إني رويت عن فلان كذا وكذا. فهذا لا يجوز أن يروى عنه لأن الخط يشتبه. وأما إذا قال الشيخ: هذا خطي , قبل قوله , ولكن لا يروي عنه ما لم يأذن له بالقول أو بقرينة حال وأما إذا قال عدل: هذه نسخة صحيحة من كتاب البخاري فرأى فيها حدثنا , فليس له أن يروي عنه. ولكن هل يلزمه العمل به , أما إذا كان مقلدا فعليه أن يسأل المجتهد ولا خلاف , وإن كان مجتهدا فقال قوم لا يجوز العمل به , لأن أصحاب الرسول ﷺ كانوا يحملون الصحف إلى البلاد , وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامل الصحف. ولكن على الجملة فلا ينبغي أن يروي إلا ما سمع بعد المعرفة , فإن الذي رواهم لم يشك في شيء مما أخذوه عنه , فإن شك في شيء تركت روايته.
١٠٦- وقد يتفرع عن هذا مسائل منها: إذا كان في مسموعاته حديث يغلب على ظنه أنه سمعه هل يجوز له أن يرويه؟ أما إذا شك فلا خلاف في أنه لا يجوز له , وأما إذا غلب على ظنه أنه سمعه فقد قال قوم يجوز أخذه عنه , لأن الاعتماد في هذا الباب على غلبة الظن , وهو بعيد , لأن غلبة الظن إنما تتصور في كون الشيخ صادقا. وكذلك غلبة الظن في الشهادة إنما تتصور في حق الحاكم , وأما الشاهد فينبغي أن يشهد على القطع فيما القطع فيه ممكن , وكذلك الراوي.
١٠٧- ومنها إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع بكذب الراوي فإنه لا يعمل به , ولكن لا يصير الراوي مجرحا , لأنهما عدلان
стр. 47
تعارض قولهما. وأما إذا أنكر إنكار متوقف فيعمل بالخبر , لأن الراوي جازم في أنه سمعه , والشيخ ليس هو قاطعا بتكذيبه وهما عدلان. وذهب الكرخي إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطله , واحتج بأن الشيخ ليس يجب عليه العمل
إذا رواه له العدل وهو لا يذكره , وهذا لا يتصور في الراوي , لأنه قاطع , وأما غيرهما فحالته بين حالتيهما. ويشبه أن يكون أغلب على ظنه صدق الراوي للنسيان الغالب على الإنسان , مع أن الشيخ ليس بقاطع بكذبه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وجماهير المتكلمين , وهو يشبه عندهم شك الشيخ في زيادة في الحديث أو إعراب فيه.
١٠٨- ومنها إذا انفرد ثقة بزيادة في الحديث عن جماعة ثقات حفاظ فقيل: تقبل الزيادة , لأنه لو انفرد دونهم بحديث قبل. وكذلك الزيادة. وأنت تعلم أن الأمر ليس كذلك , لأن انفراده دونهم بزيادة , في حديث رووه , مع أنهم حفاظ قرينة تضعف الظن الواقع بالزيادة , وليس كذلك إذا انفرد بحديث دونهم , فلذلك رأى بعضهم ألا تقبل الزيادة , ورأى بعضهم أن تقبل , لكن ليس لهذه العلة التي تقدمت بل لأن أولئك ليسوا بقاطعين على نفي الزيادة , ويمكن أن يكونوا (١) دخلوا في المجلس وقد مضى من الحديث شيء , ويمكن أن يكونوا حاضرين ويفوت أسماعهم لشاغل أو عارض وبالجملة فهي مسألة اجتهادية , ويتفاوت الظن فيها بحسب نازلة نازلة وحديث حديث.
١٠٩- ومنها نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ , فقوم أجازوه للعالم العارف بمواقع الخطاب , وقال قوم لا يجوز له إلا بإبدال القوم بما يرادفه ويساويه في المعنى , كما نبدل القعود مثلا بالجلوس مما لا يشك في
стр. 48
ترادفهما لا فيما يحتاج في ذلك إلى استدلال. وقد احتج الفريق الأول بالإجماع على جواز شرح المعاني التي في الشرع للعجم بلسانهم , قالوا فإذا جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها أن يجوز بالعربية أولى وأحرى , ولم يفصلوا بين ما كان إبدال اللفظ بغيره بينا بنفسه وبين ما يحتاج في ذلك إلى استدلال. قالوا وكذلك كان سفراء رسول الله ﷺ يبلغون أوامره إلى غير العرب.
١١٠- وأنا أرى أن فهم ما تدل عليه الألفاظ إذا كان في محل الاجتهاد فلا يجوز للمجتهد العمل به حتى ينقل إليه لفظ الشارع , وإلا عاد المجتهد من حيث هو مجتهد مقلدا , اللهم إلا أن يقول ذلك المعنى صحابي فهذا يرجع القول فيه إلى ما تقدم من الخلاف المذكور في ذلك. وأما المجتهد المقلد فيجوز له عندي إبدال اللفظ بلفظ غيره عند من يقلده لأن ذلك اجتهاد ما , وعلى هذا حال شرح العربية وتبديلها بالعجمية. وأما تجويز نقل بعض الخبر فهو [عندي جائز , إذا كان مفيدا ومكتفيا بنفسه وغير محتاج في فهمه إلى ما قبله , أو كان ليس يوجب صدق (١) ما حذف منه , تردد المفهوم عنه بين معنيين أو أكثر من ذلك , وسواء [جوزنا] الأمر في هذا عند من أجاز نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ أو لم يجزه] (٢) .
١١١- ومنها النقل المرسل والمسند. وهذا قد اختلفوا فيه , فذهب مالك وأبو حنيفة والجماهير إلى أن المرسل مقبول ومعمول به , وذهب الشافعي والقاضي إلى أنه غير مقبول وصورته أن يقول: قال رسول الله ... ﷺ
стр. 49
من لم يعاصره , أو قال أبو هريرة من لم يعاصره. أما الفريق الأول فاحتجوا بأن رواية العدل تعديل، لا سيما فيما يصرح به، كقوله عن الثقة عندهم، فروجعوا بان رواية العدل ليست بتعديل إلا أن يعلم من قرينة حاله أنه لا يجرح إلا عن عدل أو يصرح بعدالته ثم إذا علم من قرينة حاله أنه لا يجرح إلا عن عدل او صرح بعدالته فليس بتعديل ما لم يذكر ما العدالة عنده. وهذا عندي غير لازم على مذهب الشافعي والقاضي على ما تقدم لكن عساهم لا يسلمون التعديل المطلق إلا فيمن عرفت عينه , إذ من لم تعرف عينه ممكن أن لو سمي عرفناه بفسق. وقد احتج الفريق الأول أيضا في قبول المراسيل بإجماع الصحابة والتابعين على جواز العمل بالمراسيل لكن نوزعوا في نفس الإجماع , إذ لم يتصل ذلك عن جميعهم , وسكوت من سكت منهم ليس يتنزل منزلة من قال , لا سيما في ما كان في محل الاجتهاد كما سيأتي من بعد. وأيضا فإن من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لأنه في الأكثر لا يحدث إلا عن صحابي , وكلهم عدل , وكذلك مراسيل التابعين إذ في الأكثر إنما يروون عن صحابي. لكن المختار عند من لا يقبل المراسيل أن لا يقبل مرسل الصحابي أو التابعي حتى يعلم بصريح لفظه أو قرينة حال أنه لا يروي إلا عن صحابي. وأما ما يمكن أن يحتج به على من منع قبول المراسيل من العنعنة وإجرائها مجرى المسند مع إمكان أن يكون بين الراوي والمروي غيره , فلهم أن يجيبوا عن ذلك بأن العنعنة إنما أجريت مجرى المسند حيث تقترن قرائن تدل على أنه سمع منه , أو يصرح بذلك , ومتى لم يصرح بذلك ولا دلت على ذلك قرائن فهو متردد بين المرسل والمسند.
١١٢- وأما قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى كحديث مس الذكر وما أشبهه فقد تقدم القول في وجه الاسترابة به , لأن ما
стр. 50
تعم به البلوى ينتشر ويستفيض بحسب عرف العادة. وقد رد هذه القرينة من أجاز العمل بأخبار الآحاد فيما تعم به البلوى بأن الاستفاضة إنما تلزم في ما تعبد فيه رسول الله ﷺ بإشاعته في الجميع , وأما ما تعبد به باتصاله إلى الآحاد ورد الخلق إلى أخبارهم فلا يلزم ذلك فيه. ويحتجون لتجويز ردهم إلى أخبار الآحاد في بعض النوازل مع إمكان استفاضة ذلك بتجويز ردهم إلى القياس فيما يمكن أن ينص عليه كمسألة الربا وأشباهها. قالوا وليس عموم البلوى علة الإشاعة والاستفاضة , بل علة ذلك جهة التكليف.
١١٣- وأنا أرى أن تبليغه ﷺ فرضا من فروض الله مما هو واجب على الأعيان واحدا , وسكوته عن تبليغه لمن يراوحه ويغاديه من أصحابه صلى الله عليهم وسلم اتكالا منه ﷺ على أنه إن وصلهم ذلك الخبر عملوا به , وإن لم يصلهم فهو ساقط في حقهم غير معلوم من قرائن أحواله ﷺ مع حرصه على التعليم والتبيين. وسواء جاز وقوع مثل هذا عقلا أو لم يجز هو مما يكاد يقطع بامتناع وقوعه شرعا عند تصفح أحواله ﷺ في البيان والتبيين. وإنما الحق أن بعض الأخبار ليس يمكن فيها أن تصل إلينا إلا بطرق الآحاد , وإن عمت بها البلوى فيما سلف واستفاضت , وبعضها يمكن ان تصل بهذا وهذا، وبعضها ممتنع أن تصل بغير التواتر , وذلك يختلف في نازلة نازلة وقضية قضية , وذلك بحسب الزمان والمكان وغير ذلك من العوائق. ولذلك ربما انقدح للمجتهد في بعض الأخبار القول برده لعموم البلوى , وربما لم ينقدح له رده , ولا سيما في فروض الكفايات. وينبغي أن يقال في كل موضع بحسب ما يحتمل الأمر المقول فيه , فإن رد الإنسان طرق الآحاد فيما تعم به البلوى في كل موضع غير صواب , إذ يتفاوت ذلك بحسب القرائن وكذلك العمل بها على الإطلاق. وليس لهذا التقسيم طبيعة التقابل حتى
стр. 51
يجعل طرفي نقيض ويتكلم عليها كل واحد من الفريقين على أن الصدق منحصر في أحدهما. وأنت تعلم أن كثيرا ما يفعلون هذا في كثير من هذه المسائل.
١١٤- وهنا انتهى النظر في الأصل الثاني وهو السنة , وينبغي أن تعلم أن هذين الأصلين يلحقهما النسخ , ولنقل في ذلك.
стр. 52
القول في الناسخ والمنسوخ
١١٥- وقد اختلف في حد النسخ فحده المتكلمون بأنه الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان الحكم ثابتا مع تراخي الخطاب الدال على ارتفاعه. وإنما اشترطوا فيه هذه الفصول لأنهم يجوزون على الله تعالى رفع الحكم في وقت ما بعد الأمر به على التأبيد مثلا , وبالجملة فيجوز عندهم النسخ قبل التمكن من الفعل. وحده آخرون بأنه الخطاب الكاشف عن مدة انقضاء العبادة , اعتقادا منهم أن النسخ إنما يرد مبينا فيما لم يقصد به من أول الأمر عموم جميع الزمان ولا استغراقه. وحده أيضا آخرون بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص زائل على وجه لولاه لكان ثابتا. وهذا الحد وإن كان فيه تثبيج , لأنهم جعلوا المرفوع مثل الحكم ولم يجعلوه الحكم نفسه , فإنما اضطرهم إلى ذلك أنهم لا يجوزون على الله تعالى النهي عن الشيء الواحد بعينه بعد الأمر به.
١١٦-وبالجملة فالنظر فيما يجوز من هذا على الله تعالى وما لا يجوز لا يخص الفقيه بما هو فقيه. والذي يكفي الفقيه من هذا أن يسلم أن في الشرع أحكاما رفعت بعد الأمر بها ويعتقد ذلك سواء كان ذلك كشفا عن انقضاء مدة العبادة أو لم يمكن, وإن وقوع مثل هذا شرعا مما ثبت تواترا. وأما تجويز وقوعه عقلا فليس يخصه النظر فيه ولا في جهة جوازه, فلنبدأ من ذلك بالضروري في هذه الصناعة, والقول في ذلك يشتمل على مسائل:
١١٧-إذا نسخ بعض العبادة أو شرط من شروطها أو سنة من سننها هل هو نسخ لأصل العبادة أم لا؟ وهذه المسألة قد اختلفوا فيها, والحق أن رفع البعض رفع للكل, لأن الكل إنما هو كل ببعضه, والعبادة
стр. 53
إنما هي مأمور بها من جهة ما تحتوي على جميع أجزائها. وبالجملة رفع الجزء رفع للكل, لأنه لا يبقى كلا وذلك فيما لا يتبعض. ويشبه أن يكون كذلك رفع الشرط, لأنه الذي به تتم العبادة. وأما رفع السنة فليس يلزم عنها رفع وجوب العبادة.
١١٨- مسألة: الزيادة على النص نسخ عند قوم, وليست بنسخ عند القوم. والمختار أن الزيادة إذا صار بها المزيد غير ما كان قبل وثانيا بالعدد فهي نسخ, مثل الصلاة إن صح فيها أنها فرضت أولا ركعتين ثم زيد فيها. فأما إذا كانت الزيادة مباينة للعبادة المزيد عليها بالنوع فبين أنها ليست بنسخ, كإيجاب الصلاة مثلا, ثم إيجاب الزكاة. وكذلك إن كانت الزيادة مع المزيد عليه واحدة بالنوع ولم يصر المزيد عليه بها غيرا بالشخص فليست أيضا بنسخ, كزيادة عشرين جلدة في الحد مثلا على ثمانين, وإن كان أبو حنيفة ﵀ يرى مثل هذا نسخا.
١١٩-مسألة: ليس من شرط النسخ إثبات بدل المنسوخ يقوم مقامه ويتنزل منزلته, وذلك جائز على مذهب أهل السنة, وواقع شرعا, كنسخ ادخار لحوم الأضاحي, وتقدمه الصدقة أمام المناجاة. وأما قول الله ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ - فإنها وإن كانت ظاهرة في إثبات بدل المنسوخ المتنزل منزلته فيمكن أن يتأول قوله ﴿نأت بخير منها﴾ - أي نأتي بآية أخرى, وإن لم تتضمن بدلها الآية المنسوخة في الحكم, بل تتضمن حكما آخر ليس ببدل للحكم المرفوع.
١٢٠- مسألة: يجوز النسخ بالأخف والأثقل, وذلك جائز عقلا وواقع شرعا. مثال نسخ الأخف بالأثقل نسخ التخيير بين الصوم والفدية بالإطعام بتعيين الصيام, وتحريم الخمر ونكاح المتعة, ونسخ
стр. 54
صوم عاشوراء بإيجاب رمضان.
١٢١- مسألة: الآية إذا تضمنت حكما يجوز نسخ تلاوتها دون حكمها ونسخ حكمها دون تلاوتها ونسخها جميعا, وذلك جائز عقلا وواقع شرعا. أما جوازه عقلا فإن التلاوة تتضمن معنيين: أحدهما قراءتها وكتبها في المصحف والصلاة بها. والثاني ما فيها من الأحكام. وكل واحد من هذين المعنيين جائز أن يكلفه الإنسان دون الثاني, وجائز أن يرفعا معا بحسب ما تقتضيه مذاهب أهل السنة. وأما الذي يدل على وقوعه سمعا فقوله تعالى- ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ - الآية. وقد نسخ حكمها بتعيين الصوم وبقيت تلاوتها. وكذلك قوله ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ -منسوخ بقوله ﵇ *لا وصية لوارث*- لكن في هذا نظر, لأن من الناس من لا يجوز نسخ القرآن بالسنة. وأما نسخ التلاوة وبقاء الحكم فقد تظاهرت الأخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء حكمها, لكن عندي في هذا نظر, لأنه ينبغي أن يقبل أن مثل هذا كان في القرآن حتى يتواتر ولا يقبل ذلك بطرق الآحاد.
١٢٢-مسألة: الإجماع لا ينسخ به, إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي, وإن توهم أن شيئا ما منسوخ بالإجماع فذالك دليل على ناسخ سبق لم يبلغنا.
١٢٣-مسألة: نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة, والآحاد بالآحاد, والآحاد بالمتواتر, مما لا خلاف فيه. فأما نسخ المتواتر بالآحاد فقد اختلفوا فيه, والمختار أنه جائز عقلا وواقع شرعا في زمن النبي ﷺ بتحول أهل مسجد قباء إلى الكعبة بخبر الواحد, وقد كان ثابتا عنهم التوجه إلى بيت المقدس بطريق قطعي, وبالجملة فإنفاد رسول الله ﷺ ﷺ -
стр. 55
رسله إلى الأطراف بالناسخ والمنسوخ مما تواتر. فأما وقوع ذلك بعده ﷺ فممتنع بإجماع الصحابة على أن القرآن لا يرفع بخبر الواحد , وبالجملة التواتر. ويشبه أن تكون العلة في ذلك قرائن تقترن بخبر المخبرين عن رسول الله ﷺ في حياته ليس تقترن بالمخبرين عنه بعد موته ﷺ من إمكان مراجعته واستفهامه وغير ذلك.
١٢٤- وأما نسخ المتواتر من القرآن بالمتواتر من السنة فإنه قد نقل عن الشافعي وعن قوم من أهل الظاهر أنهم كانوا لا يجوزون ذلك بدليل قوله ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ - وهذه الآية وإن كانت ظاهرة فيما رأوا فقد قلنا في ما سلف أنه يمكن أن لا تتضمن الآية الواردة بدل الآية المنسوخة في الحكم , وتكون السنة هي المتضمنة بدل حكم المنسوخة. ومن يجوز ذلك فقد احتج بنسخ قوله تعالى - ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ - بقوله ﵇ – "لا وصية للوارث" – وكذلك احتجوا بقوله ﵇ أيضا " قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة (١) وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٢) وهو نسخ ﴿فأمسكونهن في البيوت﴾ وهذه الاحتجاجات قد يتمكن أن يتطرق إليها الاحتمال وليست قاطعة.
١٢٥- ويشبه أن يكون الذي أصار القائلين بهذا إلى امتناع ذلك مع ما تقدم من حجتهم ,ما نجد في أنفسهم من ترجيح التصديق الواقع عن تواتر الكتاب , إذ هو أرفع مراتب التواتر , وأن ما عدا ذلك من
стр. 56
الأحاديث فإنها تواترت فلا يمتنع أن يكون التصديق بها مقصرا عن التصديق بالكتاب. وليس بمحال على ما يرى كثير من الناس أن يتفاضل التصديق اليقيني لاسيما فيما سبيله النقل , فأما ما نقل عن الشافعي ﵀ أنه كان لا يجوز نسخ السنة المتواترة بالقرآن , فلا معنى له , إذا أخذ على ظاهره , اللهم إلا أن يتأول ذلك , فإن وجوه التأويل لا تضيق.
١٢٦- مسألة: لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المظنون , كما لا يجوز بخبر الواحد. وقد احتج من أجاز ذلك بجواز تخصيص القياس للنص المتواتر. وهذا إذا سلم فليس بحجة , إذ التخصيص بيان والنسخ رفع. وبالجملة فالحجة في ذلك إجماع الصحابة على إبطال كل رأي مخالف للنص , فكيف النص المتواتر. وحديث معاذ إذ قال اجتهد رأيي عند عدم النص وتزكية رسول الله ﷺ له على ذلك , فأما إذا تناقض نصان قاطعان وأشكل فهل يقضى بتأخر أحدهما بخبر الآحاد؟ فيه نظر , والمسألة في محل الاجتهاد.
١٢٧- مسألة: لا ينسخ الحكم بقول الصحابي نسخ حكم كذا ما لم يقل سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. هذا إذا كان الحكم ثابتا بخبر الواحد , لأن كثيرا ما يظن بما ليس بنسخ أنه نسخ , كما ظن قوم أن الزيادة على النص نسخ. وأما إذا كان الحكم ثابتا بطريق التواتر فليس قول الصحابي بنسخ وإن نقل ألفاظ رسول الله ﷺ , لأن الآحاد لا ينسخ به التواتر كما تقدم.
١٢٨- وبالجملة فينبغي أن تعلم أن للنسخ شرائط يتضمنها الحد المتقدم وهي منطوية فيه أولها: أن يكون المرفوع حكما شرعيا لا عقليا كالبراءة الأصلية التي ترتفع بإيجاب العبادات. والثاني أن يكون النسخ بخطاب لا أن يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت يقتضي
стр. 57
دخوله. وبالجملة فتلحقه شرائط تعتبر فيه بحسب حد حد من حدود النسخ التي عددناها وتخرج عنه شرائط.
١٢٩- مسألة: إذا تعارض نصان قاطعان فلم يعلم أيهما ناسخ لصاحبه. فالوقوف على ذلك ليس يكون بشيء سوى النقل وذلك يمكن بطرق: أحدها أن يكون في لفظ أحدهما ما يدل على نسخ الآخر , كقوله عيه السلام "كنت نهيتكم عن كذا فافعلوه ". الثاني أن يعلم التاريخ فيهما. وقد تقع معرفة ذلك بأن تجتمع الأمة على نسخ أحدهما. وما سوى هذا مما يظن أنه نسخ فليس بنسخ, مثل تأخر الراوي في الإسلام , وتأخره في السن أو انقطاع صحبته.
تم القول في الناسخ والمنسوخ.
стр. 58
القول في الأصل الثالث من أصول الأدلة وهو الإجماع
١٣٠- والإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ على حكم شرعي وسواء كان ذلك الحكم مما صرح به صاحب الشرع ﷺ فدثر ولم ينقل, أو لم يصرح به, فوقع الإجماع منهم على ذلك لقرينة حال أو دليل أو غير ذلك مما يوجب الاتفاق. أما ما صرح به النبي ﵇ ونقل نقل تواتر فلا غناء للإجماع في تصحيحه. وأما ما نقل نقل آحاد فإن الإجماع ينقله من رتبة الظن إلى رتبة القطع. وأما ما لم يصرح به أو صرح به ولم يبلغنا فإن الإجماع يستعمل دليلا قاطعا في تثبيته. أما وقوع مثل هذا شرعا فموجود وأما اطلاعنا عليه فذلك يمكن بأحد وجهين: أما إن كان المجمعون معاصرين لنا فبلقائهم. وأما إن كانوا ممن (١) سلف فبالنقل المستفيض الذي يوقع التصديق.
١٣١- وأما الدليل على كون الإجماع حجة فمأخوذ من جهة النقل من الكتاب والسنة. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ الآية. وهذه أقوى آية في التمسك بالإجماع. ومنها قوله ﵎: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ . وقوله: ﴿كنتم خر أمة أخرجت للناس﴾ . وقوله تعالى: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ .
وهذه الآيات وإن لم تكن واحدة واحدة منها نصا في كون الإجماع دليلا شرعيا فإنها بمجموعها تقتضي لهذه الأمة التعظيم والتشريف واتباع سبيلهم وموافقتهم والنهي عن مخالفتهم والخروج عن جماعتهم.
стр. 59
وبالجملة إذا أضيف إلى هذه الآيات ما ورد من أحاديث الأخبار في وجوب العصمة لهذه الأمة , وإن لم تكن تواترت في اللفظ فهي متواترة في المعنى , كقوله ﵇: " لا تجتمع أمتي على خطأ " وقوله ﵇" لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطأ ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " (١) . وقوله ﵇ " يد الله مع الجماعة " , إلى ما سوى ذلك من الأحاديث , ثبت على القطع كون الإجماع دليلا شرعيا. (٢)
١٣٢-وأما من احتج على كون الإجماع حجة بدليل العقل فضعيف, لأنه وإن كان يبعد اجتماع الكثير على الكذب, فغير بعيد اجتماعهم على الخطأ. بل تقول لو بقي من أهل الاجتهاد اثنان أو ثلاثة وأجمعوا على رأي وقع الإجماع بهم لشهادة الشرع لهم بالعصمة, من حيث ينطلق عليهم اسم الأمة في ذلك الوقت.
١٣٣-وإنما اشترطنا في حده المجتهدين, لأن العوام وإن تصور دخولهم في الإجماع فإنما ذلك في الأمور التي نقلت نقل تواتر كالصلوات الخمس والصوم والزكاة, أو فيما كانوا (٣) فيه مستصحبين وتابعين لإجماع المجتهدين, فلذلك لا غناء لإجماعهم في تصحيح
стр. 60
شيء, بل العوام أبدا متبعون للمجتهدين وموافقون لهم, إذ كان ذلك فرضهم. فإن سمّي مثل هذا إجماعا لم يمتنع, لكن مثل هذا ليس بأصل يستعمله المجتهد.
١٣٤- فأما عدد المجمعين فليس فيه شرط سوى أن يكونوا جميع المجتهدين من أهل العلم الموجدين في عصر واحد, لأنا لو اشترطنا إجماع أهل الأعصار, من سلف منهم ومن هو حاضر ومن سيأتي, لم يقع إجماعا.
١٣٥-فأما إن أجمع أهل عصرنا على أمر لم يجمع عليه من سبقهم هل ينعقد الإجماع أم لا؟ ففيه موضع نظر. أما ما سكت عليه أهل العصر المتقدم, ولم ينقل عنهم فيه قول, فإجماع من بعدهم منعقد ضرورة. وأما إذا نقل فيه عن من سلف خلاف, فها هنا موضع القول. وقد اختلف الناس في ذلك, والوقوف عليه يكون من جهة صيغ الألفاظ الواردة في معنى العصمة لهذه الأمة كقوله ﵇ (لن تجتمع أمتي على الضلال) , وسائر الأحاديث التي أوردناها, فإنها وإن لم يمكن حملها على العموم, إذ هو من الممتع أن يتناول ههنا لفظ الأمة من سيأتي, فهو حجة في عموم ما بقي داخلا تحت تناول اللفظ. فبأي جهة ليت شعري يخرج من شرط الإجماع أهل العصر المتقدم, وعموم ما بقي من دلالة اللفظ يتناولهم, اللهم إلا عند من يرى أن العام إذا خصص فليس بحجة في عموم ما بقي.
١٣٦-فأما أهل الظاهر فليس يتصور معهم هذا الخلاف لأنهم يرون الإجماع إنما هو اتفاق الصحابة ﵃ على حكم ما. وذلك لازم لأصولهم. لأنهم لا يجوزون الإجماع بالقياس. وإذا كان هذا هكذا فإنما يقع الإجماع عندهم إما لأثر قد عفا ولم يصل إلينا ,
стр. 61
وإما لقرائن وأحوال مشاهدة منه ﷺ , ومثل هذا لا يتصور في غير الصحابة. وأما من يجوز وقوع الإجماع عن القياس فيلزمه الخلاف المذكور وسنبين هذا في كتاب الاستنباط, إذا تبين ما هو المعنى الذي يعنونه بالقياس في هذه الصناعة.
١٣٧-وأما هل يتناول أيضا لفظة الأمة جميع الشخوص المجتهدين في ذلك العصر حتى إن شذ منهم واحد لم يكن إجماعا, أم يراد به الأكثر, فالظاهر من الصيغ الواردة في ذلك تناول جميعهم. وبالجملة فالنظر في هذه الأحوال المشترطة في الإجماع يشبه أن يكون اجتهاديا. وأما إذا نقل عن أكثرهم أيضا قول, وسكت الباقون فمختلف فيه. والأظهر كما يقول الشافعي ألا ينسب إلى ساكت قول قائل, اللهم إلا أن يعلم من قرائن أحوال الساكتين أن سكوتهم ربما كان رضي منهم بالقول واتفاقا عليه, فإن الإنسان قد يسكت لأسباب شتى: إما أنه ليس عنده في ذلك الوقت في الشيء رأي, وإما إن كان عنده رأي في الشيء فقد تمنعه عن التصريح به موانع: منها أنه لعله يرى أن الحكم في محل الاجتهاد, أو أن كل مجتهد مصيب, أو هيبة ما, أو غير ذلك من قرائن تقترن له.
١٣٨-وإذا كان هذا هكذا وكان من شرط الإجماع اتفاق جميع المجتهدين الموجودين في ذلك العصر, فمن رأى إجماع أهل المدينة حجة لأنهم الأكثر في أول الإسلام فلا معنى له. لكن حذاق المالكيين إنما يرونه حجة من جهة النقل وهذا إذا بني فيه أن يجعل حجة فيما يظهر لي, فينبغي أن يصرح فيه بنقل العمل قرنا بعد قرن حتى يوصل بذلك إلى زمن رسول الله ﷺ , فيكون ذلك حجة بإقراره له ﷺ . مثل أن يقولوا: هكذا وجدنا آباءنا يفعلون, إلى أن ينتهي ذلك إلى زمن
стр. 62
رسول الله ﷺ ﷺ . مثل ما اتفق لمالك مع أبي يوسف بحضرة الرشيد في مسألة الصاع. وإلا متى لم يشترط هذا, ولم يحتفظ به, لم يكن ممتنعا أن يكون إجماعهم على أمر حملهم عليه بعض الخلفاء والأمراء. وبالجملة فالحكم في الشرع بمثل هذا الحكم بين أنه ليس يرجع إلى أصل مقطوع به في الشرع على ما شأنها (١) أن ترجع إليه الأمارة الظنية, اللهم إلا أن يصرح بنقل العمل كما قلنا فيكون من باب النقل (٢) .
١٣٩-وأما من يشترط في الإجماع انقراض عصر المجتهدين دون أن يقطع بينهم خلاف فليس تقتضيه صيغ الأحاديث الواردة بكون الإجماع حجة, بل من خالف من بعد وقوع الإجماع
стр. 63
في لحظة ما فغير ملتفت إليه ومقطوع بخطئه.
١٤٠-فهذا هو القول في الإجماع ما هو, وسائر ما يشترط فيه بأوجز ما أمكننا, وسائر ما يلحقه من المسائل والاعتراضات التي كثر أبو حامد بذكرها فقد يقف عليها بسهولة من تصور من الإجماع هذا المقدار الذي كتبناه.
стр. 64
القول في الأصل الرابع
١٤١- وهو دليل العقل في استصحاب براءة الذمة عن الواجبات , وسقوط الحرج عن الخلق فيما لم يأت فيه أمر أو نهي , كسقوط الصلاة السادسة مثلا , وأكل شوال وما أشبه ذلك. وبالجملة فتسمية هذا دليلا تجوز فيه العبارة. والذي أصارهم إلى هذا تكلفهم أن يجعلوا السمعيات في وجوب الدليل في حالتي النفي والإثبات كوجوب ذلك في العقليات , حتى تراهم يضطربون , فمرة يقولون: "عدم الدليل دليل " , ومرة يقولون: " ثبت بالقياس أو بالإجماع إن لم يلف دليل عليه في الشرع فتستصحب فيه البراءة الأصلية ". والصواب غير هذا , لأن ما كان طريق وجوده السمع فهو على العدم محمول حتى يرد غير ذلك , والعدم فيه أشهر. وما كان هذا إما أن لا يطلب من الناس دليل عليه أصلا , وأما إن طلب فدون دليل المثبت , كالحال في المدعي والمدعى عليه.
[٢٢١/١] ١٤٢- والاستصحاب في هذه الصناعة يطلق على وجوه: أحدها استصحاب البراءة الأصلية الذي تقدم. والثاني استصحاب العموم حتى يرد تخصيص. والثالث استصحاب النص حتى يرد نسخ. والرابع استصحاب حكم عند أمر قرنه الشرع به لتكرر ذلك الأمر. والخامس استصحاب الإجماع , أو بالجملة الحكم الشرعي الثابت بالنقل في موضع يظن أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيره في نفسه, كبيع أم الولد وما أشبه ذلك. وهذا الاستصحاب يراه أهل الظاهر وهم لازمون في ذلك لأصولهم , لأن من لا يجوز في الشرع النوع من النظر الذي يسمى عند أهل هذه الصناعة بالقياس, فالأشياء كما أنها عندهم على البراءة الأصلية حتى يرد دليل السمع , كذلك إذا ورد دليل الشرع بقي على حكمه وإن تغيرت أوصافه حتى يرد دليل الارتفاع.
стр. 65
وكان الحال ههنا بالعكس في استصحاب البراءة الأصلية لأن هناك كان العدم أظهر فوجب الدليل على المثبت, وههنا الوجود أظهر فوجب الدليل على النافي. وأما من يرى القياس في الشرع فيلزمه ألا يقول بمثل هذا الاستصحاب , لأن له أن يقول نحن مكلفون بالنظر بالقياس فيما ليس فيه نص, وهذا قد تغير وصفه , فله حكم ما لم يرد فيه نص , إذ تغير الوصف يوجب تغير الحكم.
وهنا انقضى القول في الأصل الرابع وهو منتهى الكلام في الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو المشتمل على أصول الأدلة.
وقد يظن أن ههنا أصولا غير هذه نحن ذاكروها: منها قول الصحابي يظن به أنه حجة وليس بحجة , لأن من لم تثبت عصمته لم يجز تقليده , فالعصمة إنما تثبت بالمعجزة أو بقول صاحب المعجزة فيه إنه معصوم. وقد تفرق الناس في ذلك على أقوال: فبعضهم خص بذلك بعض الصحابة , وبعضهم رآه في كل صاحب. وبالجملة فالصاحب مجتهد من المجتهدين , لكن النفس أميل إلى أقوالهم لما انضافت إليهم من القرائن , وهي التي أوقعت من رأى أقوالهم حجة في ذلك.
ومنها شرع من قبلنا , والدليل على أنه ليس بأصل أنه لو كان كذلك لكان نقله من فروض الكفايات | ... على الأمة أن يذهب عليها في وقت ما فرض من فروض الكفايات بدليل العصمة | (١) لهم, ولو كان فرضا من فروض الكفايات لأخبر به الصحابة ونقل إلى اليوم. فأما ما منها في الكتاب ونحن مأمورون به فإنما نحن مأمورون به من جهة ما هو
стр. 66
في الكتاب لا من جهة ما هو شرع من قبلنا.
١٤٦- ومنها الاستحسان والاستصلاح وهذان إن أريد بهما نوع من أنواع القياس, جلي أو خفي مما يجوز في الشرع على الجهة التي يجوزه القائلون به, فهو على رأيهم أصل , وأما إن لم يرد به ذلك فليس بأصل. وبالجملة النظر في المصالح قد ندب إليها الشرع لكن بمقدار ما وبحد ما, وهو ما شهد لنا بكونها أو كون جنسها مصلحة (١) . وأما هل القياس أصل فسيأتي القول فيه فيما بعد.
١٤٧- وهنا انتهى النظر في الجزء الثاني من هذا العلم والحمد لله.
стр. 67
القول في الجزء الثالث من المختصر
стр. 68
صفحة فارغة في الأصل
стр. 69
١٤٨- وهذا الجزء هو النظر فيه أخص بهذا العلم على ما قدمنا فيما سلف, وهو ينقسم بحسب الأشياء التي يقع بها الفهم عن النبي ﷺ , وذلك إما لفظ أو قرينة.
١٤٩- واللفظ ينقسم إلى ما يدل على الحكم بصيغته , وإلى ما يدل بمفهومه ومعقوله.
١٥٠- والقرينة تنقسم إلى قسمين: أحدهما فعله ﷺ , والآخر إقراره على الحكم
١) القول في النص والمجمل من جهة الصيغة
١٥١- ولنبدأ من ذلك بالنظر في الألفاظ فنقول:
إن العادة قد جرت عندهم في هذه الصناعة أن يقسموا الألفاظ والأقاويل إلى المجمل والنص والظاهر والمؤول. وينبغي أن ننظر في واحد واحد من هذه الأقسام, ونبين المعنى الذي يدلون عليه في واحد واحد منها, فنقول:
١٥٢- إن الألفاظ منها مفردة ومنها مركبة, والمفرد إما اسم وإما فعل وإما حرف. والمركبة ما تركب من هذه وكان يدل جزءه على جزء من المعنى. ومن هذه ما هو غير مستقل بنفسه في الفهم, ومنها ما هو مستقل بنفسه. وهذا ينقسم إلى أمر ونهي وطلبة وتضرع ونداء.
١٥٣- والألفاظ , سواء كانت أسماء أو حروفا أو أفعالا أو مفردة أو مركبة, منها ما يفهم عنها بصيغها في كل موضع معنى واحدا أبدا, وهذه بعض ما يعنون بالنص في هذه الصناعة, ولنسمه نحن النص من جهة الصيغ. ومنها ألفاظ يمكن أن يفهم عنها أكثر من معنى واحد, وهذه إذا كانت دلالتها على جميع المعاني بالسواء, حتى لا يفهم أحدها
стр. 70
إلا بدليل أو قرينة فهو أيضا بعض ما يعنون بالمجمل في هذه الصناعة, ولنسمه نحن مجملا من جهة الصيغ. ومن هذه الألفاظ ما يقال من أول الأمر على شيء منها ويكون أشهر في الدلالة عليه, ثم يستعار حينا ما لشيء آخر لشبهه بالمعنى الأول, أو يبدل بعضها مكان بعض اتكالا في ذلك على قرينة تفهم المعنى المستعار أو المبدل. وهذه إذا وردت خلوا من القرائن حملت على وضعها الأول, وهي ما يعنون في هذه الصناعة بالظاهر, ولنسمه نحن على عادتنا الظاهر من جهة الصيغ. وإذا دلت القرائن على استعارتها أو تبديلها فهو بعض ما يسمى في هذه الصناعة مؤولا, ولنسمه المؤول من جهة الصيغ. وفي هذا الصنف تدخل الأسماء العرفية, وهي أسماء استعملت في الوضع على أشياء ثم نقلت في الشرع إلى أشياء أخرى لشبهها بالمعاني الأول أو لتعلقها بها بوجه من أوجه التعلق. وهذه إذا وردت في الشرع كانت ظاهرة في المعاني الشرعية, ولم تحمل على المعاني اللغوية إلا بالتأويل (١) .
١٥٤- ومن هذه الألفاظ والأقاويل ما تدل بمفهوماتها لا بصيغها وذلك لتغييرها بالنقص والحذف أو الزيادة, وكذلك أيضا بالتبديل والاستعارة. وهذا الصنف من الألفاظ يسمى مجازا.
١٥٥- وهذه يوجد فيها أيضا ما يشبه النص والمجمل والظاهر والمؤول, وإنما يوجد ذلك فيها من جهة القرائن لا من صيغها. فيكون إذا النص المستعمل في هذه الصناعة يعنى به صنفان: أحدهما ما كان نصا
стр. 71
من جهة الصيغ, والثاني ما كان نصا من جهة المفهوم. وبمثل هذه القسمة ينقسم الظاهر والمجمل والمؤول.
١٥٦-ويشبه أن تكون قسمة الألفاظ إلى هذه الأصناف هي النافعة في هذه الصناعة. وينبغي أن ننظر فيها على عادتهم, ونبين في واحد واحد منها كونه دليلا شرعيا, ونفحص عما يظن به من الأقاويل أنه متردد بين أكثر من صنف واحد من هذه الأصناف. ولنبدأ من هذه الأقسام بما يوجد للفظ من جهة صيغته ومن هذه في المفردة والمركبة تركيب إخبار.
١٥٧- واللفظ كما قلناه إنما يكون نصا إذا فهم عنه في كل موضع معنى واحدا, وهذا يوجد في المفرد والمركب. أما مثال المفرد فكالإنسان والفرس والحيوان, وأما في المركب فمثل قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ وبالجملة كل ما تركب عن المفردات النصوص, ولم تكن الضمائر فيه محتملة أن تعود على معنى أكثر من واحد.
١٥٨- والمجمل من جهة الصيغة في مقابلة هذا. أما في الألفاظ المفردة فكمثل اسم العين الذي يقال باشتراك على عين الماء , وعلى عين الميزان, والعين التي يبصر بها, وغير ذلك. وربما قيل على الشيء وضده كالقرء الذي يعنى به مرة الطهر ومرة الحيض. وأما المجمل من جهة التركيب فما تركب عن مثل هذه الالفاظ , او كانت الضمائر التي يرتبط بها القول محتملة, كقوله ﵎: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ . فإن الضمير محتمل هنا أن يعود على الولي أو الناكح.
١٥٩- واسم البيان يقع عندهم في هذه الصناعة على كل ما يمكن أن تثبت به الأحكام, ويقع في الأفهام, من صيغة لفظ أو مفهومه, وما
стр. 72
سوى ذلك مما عددناه قبل على مراتبه في إفادة التصديق. وسنقول في كون واحد واحد منها دليلا شرعيا.
١٦٠- فأما المجمل فليس ببيان بإجماع , ولا يثبت به حكم أصلا. ويتطرق إلى هذا مسألة وهي: هل تجوز المخاطبة على معنى الأمر بالمجمل حتى يرد البيان, أو بالظاهر حتى يرد التخصيص, وذلك في وقت الحاجة؟ وهذه المسألة هي التي يرسمونها بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقد أجاز ذلك قوم, ومنعه آخرون. ونحن نقول في ذلك (١) :
١٦١- وهذه المسألة الفحص عنها لغوي, فلذلك ينبغي أن نجعل نظرنا فيها من الجهة التي تنظر في اللغة فنقول: إنه إذا استقرىء كلام العرب ظهر من أمرهم أنهم لا يخاطبون بالاسم المشترك إلا حيث يدل الدليل على المعنى المقصود من سائر ما يقال عليه ذلك الاسم , إما لقرينة حاضرة مبتذلة , أو موجودة في نفس اللفظ. فإن قول الله ﵎: ﴿فأصبحت كالصريم﴾ قد تقدم من صفات المشبه ما يدل على أن الصريم ههنا الليل. وكذلك إذا أرادوا بالصريم الصبح قالوا ضوء الصريم, وما أشبه ذلك.
وبالجملة فالمخاطبة بالألفاظ المجملة والمخاطب يعلم قطعا أنها مجملة مما لم يقع بعد, ولو وقع لكان هذرا, اللهم إلا أن المخاطب بالاسم المجمل قد يخاطب به ويغلب على ظنه فهم ذلك عنه اتكالا منه على القرائن ولا يفهم ذلك عنه المخاطب, فهنا يصلح
стр. 73
الاستفهام من المخاطب والبيان من المخاطب وإن رأى المخاطب أن اقتضاء ذلك خوطب به لم يطلب منه في ذلك الوقت، أخر السؤال إلى وقت الحاجة فيتأخر البيان. فأما أن يرد الخطاب بالألفاظ المجملة والمخاطب لا يفهم عنه شيئا تعويلا من المخاطب على أنه سيبين ذلك المعنى المقصود عند وقت الحاجة فهو شيء كما قلنا لم يقع من عربي قط ولا من غيره. وبالجملة فليس تقع المخاطبة بالألفاظ المجملة اللهم إلا أن يراد بها اللغز والاستهزاء لطبيعة المخاطب (١) وكذلك ما كان مجملا من جهة مفهومه وأما الشرع فإنه لم يتصرف في ذلك بوضع عرفي.
١٦٢ وأما الظاهر أيضا من جهة الصيغة فحكمه عندي حكم الاسم المشترك، وذلك منه فيما قيل من أول الأمر علي شيء ما، وكان ظاهرا فيه ثم استعير وقتا ما لشيء ما آخر لشبهه بالمعنى الأول أو لتعلقه به بوجه من أوجه التعلق. فإن العربي إذا أطلق لفظ السماء لم يفهم عنه أبدا إلي السماء المكوكبة فإذا أراد بذلك المطر دل على ذلك بقرينة كقولهم: (ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) وكقولهم (إذا سقط السماء بأرض قوم) وإلا متى خوطب بمثل هذه الأسماء وأطلقت إطلاقا، والمراد بها غير ما هي راتبة عليه، لم يقع ذلك إلا غلطا، وإن قصد ذلك كان تغليطا، هذا إذا كان وقت الحاجة. وأما إن لم يكن وقت الحاجة فأي فائدة لمخاطبة يعتقد الإنسان منها خلاف ما يأتي به البيان. ويشبه أن يكون كذلك الظاهر من جهة المفهوم
١٦٣ وأما الظاهر من جهة الإبدال وذلك منه فيما يأتي من
стр. 74
الألفاظ العامة التي المراد بها ما تحتها، فالمخاطبة بها دون أن تقيد أو تقترن بها قرينة تدل على فهم ذلك المعنى المخصص قصدا بتأخير البيان فيها إلى وقت الحاجة، واقع لغة وشرعا، إذا فهم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا أيضا موضعا للسؤال، وأن المخاطب لم يكن قصده الإقتصار على ما خاطب به. وعلى ذلك ورد قوله : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فإنهم لم يزالوا يسألون والجواب يرد بالتخصيص إلى أن تعينت لهم البقرة المخصوصة. فأما إذا لم يعلم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا موضعا للسؤال فذلك غير واقع. وإنما ساغ مثل هذا في العام، ولم يسغ في المجمل، ولا في الجنس الأول من الظاهر لأن من عرف الشيء بأمر كلي فقد عرفه بوجه ما، مع أنه ينتظر معرفته بوجه أخص. وكثيرا ما تكون الأقاويل المؤلفة عن مثل هذه أبين من الأسماء أو مضطرا إليها فيما لم تكن لها أسماء كما اتفق في البقرة المأمور بذبحها. وعلى هذا تجوز المخاطبة بالأسماء العرفية قبل فهم المعاني التي يدل عليها بتلك الأسماء، اتكالا على أن المخاطبين يعلمون أن تلك الأسماء تدل على معان زائدة إلى ما كانت تدل عليه في الوضع الأول، وفائدة ذلك العزم على الأمر وبتأخر البيان إلى وقت الحاجة (١) كالأمر بالزكاة والحج قبل وجوبهما. وإذا أنت تصفحت الأشياء التي يحتج بها من يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة من غير تفصيل وجدتها داخلة تحت هذه التي عددناها، وكذلك إذا نظرت إلى ما يحتج به من يجوزه وجدت ذلك إنما هو في المجمل المحض الاحتمال، وفي الصنف الأول من الظاهر. وبالجملة فكلا الرأيين إذا أخذا بإطلاق كاذب بالجزء، على ما من شأنها أن تكذب الآراء المصححة بالاستقراء الذي
стр. 75
لا تستوفي فيه جميع الجزئيات. فأما أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة فذلك ما لا خلاف فيه (١) .
وإذا قلنا في المجمل والنص فلنقل في الظاهر والمؤول.
٢) القول في الظاهر والمؤول من جهة الصيغة
١٦٤ والظاهر كما قلنا من جهة الصيغة قسمان: أحدهما الألفاظ المقولة من أول الأمر على شيء ثم استعيرت لغيره لتشابه بينهما أو تعلق بوجه من أوجه التعلق. أما الذي استعير لتشابه بينهما فمثل تسميتهم الفراش عشا، وأما الذي استعير لتعلقه بوجه آخر فكتسميتهم النبت ندى، لأنه عن الندى يكون. ومن هذا الصنف الكناية، كتعبيرهم عن الرجيع بالغائط وعن النكاح بالمسيس.
١٦٥- وأما القسم الثاني من أقسام الألفاظ الظاهرة فهي المبدلة، ونعني هنا بالمبدلة إبدال الكلي مكان الجزئي، والجزئي مكان الكلي. وعلى التحقيق فالتبديل يلحق جميع الألفاظ المستعارة، ثم تنقسم هذه الأقسام التي أحصيناها، لكن رأينا أن نخص هذا الصنف باسم التبديل، أعني الكلي والجزئي، وإن كان في الحقيقة كل مبدل مستعار وكل مستعار مبدل.
١٦٦ وهذان الصنفان إذا وردا بإطلاق في الشرع حملا على ظاهرهما حتى يدل الدليل على غير ذلك , وهو حملهما على المعنى المستعار, وهو المسمى تأويلا. وكون هذه الألفاظ ظاهرة في هذه الدلالات يعرف ذلك ضرورة من استقراء اللغة. وكونها دليلا شرعيا