← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1703

الضروري في أصول الفقه = مختصر المستصفى

ابن رشد الحفيد

Полный текст (114 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من جهة الصيغ, والثاني ما كان نصا من جهة المفهوم. وبمثل هذه القسمة ينقسم الظاهر والمجمل والمؤول. ١٥٦-ويشبه أن تكون قسمة الألفاظ إلى هذه الأصناف هي النافعة في هذه الصناعة. وينبغي أن ننظر فيها على عادتهم, ونبين في واحد واحد منها كونه دليلا شرعيا, ونفحص عما يظن به من الأقاويل أنه متردد بين أكثر من صنف واحد من هذه الأصناف. ولنبدأ من هذه الأقسام بما يوجد للفظ من جهة صيغته ومن هذه في المفردة والمركبة تركيب إخبار. ١٥٧- واللفظ كما قلناه إنما يكون نصا إذا فهم عنه في كل موضع معنى واحدا, وهذا يوجد في المفرد والمركب. أما مثال المفرد فكالإنسان والفرس والحيوان, وأما في المركب فمثل قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ وبالجملة كل ما تركب عن المفردات النصوص, ولم تكن الضمائر فيه محتملة أن تعود على معنى أكثر من واحد. ١٥٨- والمجمل من جهة الصيغة في مقابلة هذا. أما في الألفاظ المفردة فكمثل اسم العين الذي يقال باشتراك على عين الماء , وعلى عين الميزان, والعين التي يبصر بها, وغير ذلك. وربما قيل على الشيء وضده كالقرء الذي يعنى به مرة الطهر ومرة الحيض. وأما المجمل من جهة التركيب فما تركب عن مثل هذه الالفاظ , او كانت الضمائر التي يرتبط بها القول محتملة, كقوله ﵎: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ . فإن الضمير محتمل هنا أن يعود على الولي أو الناكح. ١٥٩- واسم البيان يقع عندهم في هذه الصناعة على كل ما يمكن أن تثبت به الأحكام, ويقع في الأفهام, من صيغة لفظ أو مفهومه, وما

стр. 72

سوى ذلك مما عددناه قبل على مراتبه في إفادة التصديق. وسنقول في كون واحد واحد منها دليلا شرعيا. ١٦٠- فأما المجمل فليس ببيان بإجماع , ولا يثبت به حكم أصلا. ويتطرق إلى هذا مسألة وهي: هل تجوز المخاطبة على معنى الأمر بالمجمل حتى يرد البيان, أو بالظاهر حتى يرد التخصيص, وذلك في وقت الحاجة؟ وهذه المسألة هي التي يرسمونها بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقد أجاز ذلك قوم, ومنعه آخرون. ونحن نقول في ذلك (١) : ١٦١- وهذه المسألة الفحص عنها لغوي, فلذلك ينبغي أن نجعل نظرنا فيها من الجهة التي تنظر في اللغة فنقول: إنه إذا استقرىء كلام العرب ظهر من أمرهم أنهم لا يخاطبون بالاسم المشترك إلا حيث يدل الدليل على المعنى المقصود من سائر ما يقال عليه ذلك الاسم , إما لقرينة حاضرة مبتذلة , أو موجودة في نفس اللفظ. فإن قول الله ﵎: ﴿فأصبحت كالصريم﴾ قد تقدم من صفات المشبه ما يدل على أن الصريم ههنا الليل. وكذلك إذا أرادوا بالصريم الصبح قالوا ضوء الصريم, وما أشبه ذلك. وبالجملة فالمخاطبة بالألفاظ المجملة والمخاطب يعلم قطعا أنها مجملة مما لم يقع بعد, ولو وقع لكان هذرا, اللهم إلا أن المخاطب بالاسم المجمل قد يخاطب به ويغلب على ظنه فهم ذلك عنه اتكالا منه على القرائن ولا يفهم ذلك عنه المخاطب, فهنا يصلح

стр. 73

الاستفهام من المخاطب والبيان من المخاطب وإن رأى المخاطب أن اقتضاء ذلك خوطب به لم يطلب منه في ذلك الوقت، أخر السؤال إلى وقت الحاجة فيتأخر البيان. فأما أن يرد الخطاب بالألفاظ المجملة والمخاطب لا يفهم عنه شيئا تعويلا من المخاطب على أنه سيبين ذلك المعنى المقصود عند وقت الحاجة فهو شيء كما قلنا لم يقع من عربي قط ولا من غيره. وبالجملة فليس تقع المخاطبة بالألفاظ المجملة اللهم إلا أن يراد بها اللغز والاستهزاء لطبيعة المخاطب (١) وكذلك ما كان مجملا من جهة مفهومه وأما الشرع فإنه لم يتصرف في ذلك بوضع عرفي. ١٦٢ وأما الظاهر أيضا من جهة الصيغة فحكمه عندي حكم الاسم المشترك، وذلك منه فيما قيل من أول الأمر علي شيء ما، وكان ظاهرا فيه ثم استعير وقتا ما لشيء ما آخر لشبهه بالمعنى الأول أو لتعلقه به بوجه من أوجه التعلق. فإن العربي إذا أطلق لفظ السماء لم يفهم عنه أبدا إلي السماء المكوكبة فإذا أراد بذلك المطر دل على ذلك بقرينة كقولهم: (ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) وكقولهم (إذا سقط السماء بأرض قوم) وإلا متى خوطب بمثل هذه الأسماء وأطلقت إطلاقا، والمراد بها غير ما هي راتبة عليه، لم يقع ذلك إلا غلطا، وإن قصد ذلك كان تغليطا، هذا إذا كان وقت الحاجة. وأما إن لم يكن وقت الحاجة فأي فائدة لمخاطبة يعتقد الإنسان منها خلاف ما يأتي به البيان. ويشبه أن يكون كذلك الظاهر من جهة المفهوم ١٦٣ وأما الظاهر من جهة الإبدال وذلك منه فيما يأتي من

стр. 74

الألفاظ العامة التي المراد بها ما تحتها، فالمخاطبة بها دون أن تقيد أو تقترن بها قرينة تدل على فهم ذلك المعنى المخصص قصدا بتأخير البيان فيها إلى وقت الحاجة، واقع لغة وشرعا، إذا فهم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا أيضا موضعا للسؤال، وأن المخاطب لم يكن قصده الإقتصار على ما خاطب به. وعلى ذلك ورد قوله : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فإنهم لم يزالوا يسألون والجواب يرد بالتخصيص إلى أن تعينت لهم البقرة المخصوصة. فأما إذا لم يعلم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا موضعا للسؤال فذلك غير واقع. وإنما ساغ مثل هذا في العام، ولم يسغ في المجمل، ولا في الجنس الأول من الظاهر لأن من عرف الشيء بأمر كلي فقد عرفه بوجه ما، مع أنه ينتظر معرفته بوجه أخص. وكثيرا ما تكون الأقاويل المؤلفة عن مثل هذه أبين من الأسماء أو مضطرا إليها فيما لم تكن لها أسماء كما اتفق في البقرة المأمور بذبحها. وعلى هذا تجوز المخاطبة بالأسماء العرفية قبل فهم المعاني التي يدل عليها بتلك الأسماء، اتكالا على أن المخاطبين يعلمون أن تلك الأسماء تدل على معان زائدة إلى ما كانت تدل عليه في الوضع الأول، وفائدة ذلك العزم على الأمر وبتأخر البيان إلى وقت الحاجة (١) كالأمر بالزكاة والحج قبل وجوبهما. وإذا أنت تصفحت الأشياء التي يحتج بها من يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة من غير تفصيل وجدتها داخلة تحت هذه التي عددناها، وكذلك إذا نظرت إلى ما يحتج به من يجوزه وجدت ذلك إنما هو في المجمل المحض الاحتمال، وفي الصنف الأول من الظاهر. وبالجملة فكلا الرأيين إذا أخذا بإطلاق كاذب بالجزء، على ما من شأنها أن تكذب الآراء المصححة بالاستقراء الذي

стр. 75

لا تستوفي فيه جميع الجزئيات. فأما أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة فذلك ما لا خلاف فيه (١) . وإذا قلنا في المجمل والنص فلنقل في الظاهر والمؤول. ٢) القول في الظاهر والمؤول من جهة الصيغة ١٦٤ والظاهر كما قلنا من جهة الصيغة قسمان: أحدهما الألفاظ المقولة من أول الأمر على شيء ثم استعيرت لغيره لتشابه بينهما أو تعلق بوجه من أوجه التعلق. أما الذي استعير لتشابه بينهما فمثل تسميتهم الفراش عشا، وأما الذي استعير لتعلقه بوجه آخر فكتسميتهم النبت ندى، لأنه عن الندى يكون. ومن هذا الصنف الكناية، كتعبيرهم عن الرجيع بالغائط وعن النكاح بالمسيس. ١٦٥- وأما القسم الثاني من أقسام الألفاظ الظاهرة فهي المبدلة، ونعني هنا بالمبدلة إبدال الكلي مكان الجزئي، والجزئي مكان الكلي. وعلى التحقيق فالتبديل يلحق جميع الألفاظ المستعارة، ثم تنقسم هذه الأقسام التي أحصيناها، لكن رأينا أن نخص هذا الصنف باسم التبديل، أعني الكلي والجزئي، وإن كان في الحقيقة كل مبدل مستعار وكل مستعار مبدل. ١٦٦ وهذان الصنفان إذا وردا بإطلاق في الشرع حملا على ظاهرهما حتى يدل الدليل على غير ذلك , وهو حملهما على المعنى المستعار, وهو المسمى تأويلا. وكون هذه الألفاظ ظاهرة في هذه الدلالات يعرف ذلك ضرورة من استقراء اللغة. وكونها دليلا شرعيا

стр. 76

يعرف بإجماع الصحابة على الأخذ بالظواهر, وأن الشرع لم يتصرف في ذلك بوضع عرفي. وأيضا فلو لم نصر إلى الأخذ بالظواهر لكان سيبطل كثير من العبادات لأن النصوص معوزة جدا. وبالجملة الضرورة الداعية إلى العمل بأخبار الآحاد هي ههنا الضرورة الداعية إلى العمل بظواهر الألفاظ. وهذه الألفاظ الظاهرة لها مراتب في الظهور. وكلما كان اللفظ أظهر احتيج في تأويله إلى دليل أقوى, وبالعكس متى كان اللفظ قليل الظهور انصرف إلى التأويل بأيسر دليل. ولنضرب في ذلك ثلاثة أمثلة, واحدا في الرتبة الأولى وثانيا في الرتبة الوسطى وثالثا في الرتبة الأخيرة, وذلك في صنفي الظاهر جميعا. ١٦٧- أما الذي في المرتبة الأولى من الأسماء المستعارة فمثل من حمل قوله : ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم﴾ . على أن اللباس ههنا المطر, فإن مثل هذا التأويل يحتاج إلى دليل فإن اللباس ظاهر جدا فيما يواري الإنسان, والثاني مثل حمل قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ . على أن الميزان ههنا العدل. والثالث مثل قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء.﴾ فإن بعض الفقهاء حمله على اللمس الذي باليد, وحمله بعضهم على الجماع. وهذا وإن كان الظاهر فيه اللمس باليد فقد يحتمل أن يراد به الجماع احتمالا قريبا, إذ ذلك من عادة العرب, وقد كنّى الله تعالى عن الجماع بالمسيس, وهو في معنى اللمس. ١٦٨- وبالجملة فمراتب الظهور في الألفاظ إنما هو بحسب كثرة الاستعمال وقلته, فإن بلغت كثرة الاستعمال في المعنى الذي استعير له أن يعادل استعماله في المعنى الأول بقي اللفظ بين الأول والثاني مشتركا ومجملا, ومهما نقصت كثرة الاستعمال في الثاني كان أظهر في الأول,

стр. 77

وربما كان التأويل في الظاهر بينا بنفسه, وربما احتيج إلى تبيين, وربما كان ذلك ظنا أكثريا, وربما كان قطعا. مثال ما كان من ذلك بينا بنفسه وكان قطعا قولهم: (وما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) , ومثال ما كان من ذلك بينا بدليل قطعي قوله تعالى: ﴿الرحمان على العرش استوى﴾ فإنه قد علم بدليل قطعي أن الاستواء ههنا ليس هو التمكن. ١٦٩-وأما الصنف الثاني من اللفظ الظاهر, وهو الذي سمّيناه المبدل, فهو أيضا صنفان: أحدهما اللفظ الكلي, والثاني اللفظ الجزئي. ولنجعل نظرنا من ذلك أولا في الكلي وهو العام. والعام أصنافه كثيرة, وقد نازع قوم في وجود معنى العموم في الألفاظ وكونه إذا ورد مطلقا ظاهرا في حصر جميع ما يدل تحته. ولا معنى لمنازعتهم, فإن الأمر ظاهر, بل هو شيء مشترك لجميع الألسنة واللغات. والشرع لم يتصرف في تغييره بوضع عرفي. والحجة على كونه دليلا شرعيا هي الحجة على كون الظاهر بما هو ظاهر دليلا شرعيا. وقد تقدم ذلك. ١٧٠-وأصناف هذه الألفاظ كثيرة: فمنها أسماء الجموع, دخلتها الألف واللام أو لم تدخلها. ومنها أسماء الأجناس والأنواع والأصناف إذا كان فيها الألف واللام ولم تكن في آخرها هاء التأنيث مثل الثمرة والنخلة والمرأة. ومنها من وما, إذا أوردت, وأين ومتى. ومنها حروف النفي. ومنها الألفاظ المؤكدة كقولهم كلهم وأجمعون. وهذه الأصناف إذا أطلقت إطلاقا حملت على الأكثر على عمومها إلى أن يدل الدليل على تخصيصها, ولها أيضا مراتب في الظهور, كما كانالصنف الأول. ولأدلتها أيضا مراتب بحسبها لأنه أبدا يشترط في الدليل المؤوّل أن يكون أقوى دلالة من صيغة اللفظ, مثال ما منها في:

стр. 78

١٧١- المرتبة الأولى من الظهور قوله ﷺ (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) حمله قوم على الأمة فلما لم يسغ لقوله ﷺ (فلها المهر وإنما مهر الأمة لسيدها) حملوه على المكاتبة وهذا يبعد من جهة التأويل. ١٧٢ المرتبة الثانية قوله ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام) (١) حمله قوم على القضاء والنذر وهذا التأويل أقرب من الأول. ١٧٣ المرتبة الثالثة قوله ﷺ (فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) حمله قوم على كل شيء حتى أخذوا الزكاة من الخضر، وقال آخرون هو مقصور على سائر الحبوب التي تؤخذ منها الزكاة. ١٧٤ فهذه أصناف ألفاظ العموم ومراتبها في الظهور وربما ورد اللفظ العام والمراد به الخاص، ويكون ذلك فيه بينا من أول الأمر، كقول القائل عندما يضرب ولده ليس في الأولاد خير. وربما كان ذلك ظنا أكثريا، وربما كان قطعيا، وذلك بحسب قرينة قرينة. وربما تبين ذلك بدليل. والدليل أيضا إما قطعي وإما أكثري، وربما علمنا أنه عام أريد به الخاص، ولم نعلم أي خاص هو، وربما كانت قوته قوة المجمل. ١٧٥ وقد بقي علينا أن نقول فيما يظن به من أصناف الألفاظ أن لها عموما، وليس لها عموم. أو فيما يظن منها أن ليس لها عموم ولها عموم، ونرسم في ذلك مسائل:

стр. 79

١٧٦- مسألة: العموم في الألفاظ إنما يتصور إذا كان من لفظ الشارع على سبيل الابتداء, أو رد عند السؤال على سبب خاص فأخرج مخرج | العام | (١) . مثل قوله ﷺ , وقد سئل عن بئر بضاعة فقال: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) فإن هذا القول ليس يحمل على بئر بضاعة وحده, بل على جميع المياه. وقد رأى قوم أن مثل هذا القول خاص ويقتصر به عن الشيء المسؤول عنه, وإن أخرج مخرج العموم. ولا معنى لقولهم, فإن الأمر في ذلك بين. ١٧٧- مسألة: ليس للاسم المشترك عموم لجميع ما يقال عليه, وإن كان قد يرى ذلك بعضهم مثل من حمل قوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾ على الأمرين جميعا, أعني النكاح واللمس بالجارحة التي هي اليد. وهذا يتبين خلافه باستقراء كلام العرب, فإنهم ليس يطلقون في مخاطبتهم اسم العين مثلا ويريدون به أن يفهم السامع عنهم جميع المعاني التي يقال عليها اسم العين. وأبين ما يظهر ذلك في الأسماء المقولة على المتضادات, اللهم إلا أن يدّعي مدّع أن ذلك مفهوم بالعرف الشرعي, لكن إن ادّعى ذلك فعليه إثباته. ١٧٨- مسألة: يدخل تحت لفظ الناس والإنسان العبد والكافر والذكر والأنثى. وأما المؤمنون فيدخل تحته العبد ولا يدخل تحته النساء, إذ هي صيغة خاصة بالمذكر. ١٧٩- مسألة: صرف العموم إلى غير الاستغراق جائز. وأما رده إلى ما دون أقل الجمع عند من يرى أن أقل ما يدل بلفظ الجميع عليه اثنان, فزعم أبو حامد أن ذلك ممتنع, وفيه نظر.

стр. 80

١٨٠- مسألة: لفظ الجميع إذا ورد مطلقا فأقل ما يتناول الثلاثة فما فوقها, وهو فيها أظهر منه في الاثنين, وإنما يحمل على الاثنين بقرينة. والعجب ممن يحمل ألفاظ الجموع إذا وردت مطلقة على الاثنين, مع أن للاثنين صيغة خاصة. فأما أن لفظ الجمع قد يتجوز فيه ويراد به الاثنان, فذلك غير مدفوع. لكن على جهة الإبدال والتجوّز على نحو ما يفعل في سائر الألفاظ الراتبة على شيء ما. وإذا أنت تصفحت المواضع التي يحتجّ بها من يجوز ذلك وجدتها من هذا القبيل. لكن قد جرت عادة النظار في هذا الشأن عندما يتكلمون في دلالات الألفاظ ألا يفرقوا بين ما تدل عليه الألفاظ دلالة راتبة, وبين ما تدل عليه تجوزا واستعارة. فلذلك نراهم يقولون إن لفظ الجمع ينطلق على الاثنين كما ينطلق على الثلاثة فما فوقها. وهذا هو الذي غلط الناظرين في هذه الصناعة في هذه المسألة عندما يحتجون في ذلك بقول سيبويه وغيره من النحويين, وربما ورد من ذلك في كلام العرب. وليس هذا موجودا وحده في كلامهم, أعني أن يدل على الاثنين بصيغة الجمع. لكن قد يدل بذلك على الواحد وإنما يخرجون ذلك مخرج التعظيم كما يقولون هو كل الناس, وهو الفتى كل الفتى. ١٨١-ولأن هذه الألفاظ العامة كما تقدم قد ترد والمراد بها التخصيص, فربما كان ذلك فيها بينا من أول الأمر, وربما لم يكن بينا, بل يحتاج في ذلك إلى دليل, وذلك إما لفظ أو فعل وإما إقرار أو واحد من الأدلة المستعملة في هذه الصناعة فينبغي إذا أريد المصير إلى تخصيص العام بواحد واحد منها أن ننظر إلى أيها أقوى رتبة في غلبة الظن إليه. وقد اختلف الناس في تخصيص العام إذا ورد في شيء ثم ورد تخصيصه وذلك إما

стр. 81

بصيغة لفظ أو مفهوم أو بفعل أو إقرار, أن ذلك يجري مجرى التعارض, لأنه جائز مثلا أن يرد العام متأخرا عن المخصص, سواء كان لفظا أو فعلا أو إقرارا, فيكون ورود العام نسخا له, إلا أن يعلم أن التخصيص ورد بعد التعميم على جهة تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وإلى هذا ذهب داوود وأصحابه. ١٨٢- وقد احتج من أجاز تخصيص العام بمثل هذه الأدلة دون أن يعلم المتقدم منها والمتأخر بمصير الصحابة إلى ذلك, وحكمهم بالخاص على العام, فيكون على رأي هؤلاء حالة العام مع الخاص إحدى حالتين: إما أن يرد اللفظ العام وقد تقدمه الخاص, فيكون ذلك قرينة يخصص بها العام لاحتمال اللفظ لذلك. وإما أن يرد الخاص بعد العام فيكون محولا عليه. وبالجملة كما قلنا فينبغي لمن يجوز التخصيص بمثل هذه الأدلة أن يصير إلى أقواها رتبة في غلبة الظن. وهذا النوع من غلبة الظن قد يقع من جهة الألفاظ, ومن جهة النقل, كمن يجيز تخصيص العام بالنص ويمنعه في القرآن لكون القرآن مما ثبت تواترا, هذا إذا كان الخاص واردا بطرق الآحاد. ١٨٣-ولأن الاستثناء تخصيص ما للعام, إلا أن الفرق بينه وبين التخصيص أنه لا يرد منفردا عن المستثنى. ولذلك لا معنى لقول من أجاز تأخير الاستثناء, فقد ينبغي أن نقول في ذلك: وصيغ الاستثناء معروفة. فأما أصنافه التي يجب أن ننظر فيها ههنا فهي هذه: ١٨٤-الاستثناء منه متصل, وهو الذي المستثنى من جنس المستثنى فيه. ومنه مقطوع, وهو الذي المستثنى فيه من غير جنس المستثنى منه. وهذا يسميه أهل اللسان بالاستثناء المتقطع. وأيضا من

стр. 82

الاستثناء ما يرد بعد جملة واحدة مفيدة, ومنه ما يرد بعد جمل ونحن ننظر في هذين الصنفين جميعا فنقول: ١٨٥ إن الاستثناء الذي من جنس المستثنى منه مما لا خلاف فيه وإنما الخلاف في وقوع المستثنى من غير جنس المستثنى منه. وهذا قد منعه قوم وقالوا لا معنى لاستثناء ما لم يتضمنه القول المتقدم، وتسمية مثل هذا استثناء هذر. وأما الذين أجازوه فقد تمسكوا بوقوع ذلك لغة من ذلك قوله تعالى (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) وقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة حاضرة) وفي مثل هذا قول الشاعر: وأما بالربع من أحد إلا الأواري (١) والأواري ليس ينطلق عليها اسم أحد وقول الآخر:

стр. 83

وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس (١) ومن عادة العرب أن تقول: ما في الدار رجل إلا امرأة. وبالجملة فهو في كلامهم مشهور وموجود كثيرا. والفرقة الأولى دفعوا ذلك من جهة النظر، والثانية تمسكوا بالوجود ولم يقدروا أن يعطوا الجهة التي بها يصح ذلك في الكلام بما هو معروف من عادة العرب وينحل بها الشك المتقدم. ١٨٦ - ونحن نقول في ذلك: إن من عادة العرب، كما تقدم، إبدال الكلي مكان إلجزئي، والجزئي مكان الكلي اتكالا على القرائن وتجوزا. فالأعرابي مثلا إذا قال: ما في الدار رجل أمكن أن يفهم عنه فما سواه، فلذلك استثنى فقال: إلا امرأة، وكذلك قوله: وبلدة ليس بها أنيس. وعلى هذا الوجه الذي قلناه ليس يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه. لكن الفرق بينه وبين الأول أن ذلك استثناء من عموم ما اقتضاه اللفظ بصيغته، وهذا من عموم ما اقتضاه اللفظ بمفهومه لا بصيغته. وإذا تصفحت المواضع الواقع فيها مثل هذا الاستثناء وجدتها علي ما قلناه، وإلا كان خلفا في القول وهذرا لا تصح بمثله محاورة (٢) .

стр. 84

١٨٧ - وأما الاستثناء الذي يرد بعد جملة أكثر من واحدة منسوقة بالواو، فإن كانت الواو أعطت التشريك بينهما أو الجمع في معنى في واحد، فالأظهر فيه أن الاستثناء يعود على جميع المذكورين. وأما إن - كانت الواو تنسق من غير أن تعطي التشريك في معنى واحد، وكانت المعاني المنسوقة كثيرة، كقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) وكقوله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) . فالأظهر في - مثل هذا أن يتوقف حتى يدل الدليل من قرينة حال أو غير ذلك على الذي إليه يعود الاستثناء. ١٨٨ -وأما هل يكون المستثنى منه أقل من المستثنى، فهو شيء لم يقع في كلام العرب بعد، لأن وقوع مثل هذا يكاد أن يكون عيا، فإنه من خلف القول أن يقول الإنسان رأيت مائة إلا تسعة وتسعين. ١٨٩ - مسألة: إذا ورد العام مقيدا بصفة أو مشترطا فيه شرط ما فالمصير إلى العمل به على الجهة التي اشترط فيه مما لا ينبغى أن يقع فيه خلاف. وأما إذا ورد مطلقا في مكان، ثم ورد مرة أخرى في ذلك المكان مقيدا، وهو الذي يعرفونه بحمل المطلق على المقيد، كقوله ﵇: "لا نكاح إلا بشاهدين " وقوله ﵇: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل ". فقد رأى أكثر الناس في ذلك حمل المطلق على المقيد، ورأى بعضهم أن المطلق باق على إطلاقه، وإن التقييد محمول على التأكيد، وأنه ليس يعارضه إلا من جهة دليل الخطاب. والعموم أقوى من دليل الخطاب، أعنى العموم الذي في المطلق. وأما إذا ورد العام

стр. 85

مقيدأ في مكان غير المكان الذي أطلق فيه فلا معنى لحمله على التقييد إلا بدليل أو قرينة حال. ١٩٠ - فهذا هو القول في الصيغ العامة، وفي أي الأحوال تحمل كل عمومها، وفي أيها لا. وبقي علينا القول في الصنف الثاني من الظاهر، وهو الألفاظ الخاصة، فلنقل فيها: ٣) القول في الألفاظ الخاصة: ١٩١ - وهذه منها ما هي أسماء أشخاص، ومنها ما هي أسماء أجناس وأنواع. وقولنا في مثل هذه الألفاظ خاصة إنما هو بالإضافة، فإن الخاص إنما يقال بالإضافة إلى العام الذي فوقه، والعام بالإضافة إلى الخاص الذي تحته. وهذه الألفاظ إذا كانت أسماء أشخاص فإنها تحمل على ما تقتضيه صيغها من المعنى الخاص دون أن تحمل على ما يعم ذلك المعنى الخاص، وهي في ذلك ظاهرة، كما كانت ألفاظ العموم ظاهرة في عمومها، إلى ان يرد دليل التخصيص. وكذلك إذا كانت أسماء أجناس وأنواع فإنها كما كانت ظاهرة في تعميم ما تحتها، كذلك هى ظاهرة في تخصيص معانيها التى دلت عليها أو لا بصيغها عما هو أعم منها إلى أن يدل دليل التعميم، وهنا أيضا مراتب في الظهور. وكما أن من عادتهم إبدال الكلي العام مكان الجزئي الخاص، كذلك من عادتهم ههنا إبدال الجزئي الخاص مكان العام تعويلا في ذلك على القرائن. وهذا أيضا ربما كان بينا بنفسه وقطعأ، وربما كان ظنيا أكثريا، وربما لم يكن بينا بنفسه وربما كان بينا بنفسه أنه مبدل ولم يكن بينا أي كلى أبدل الجزئى مكانه. مثال ما كان من ذلك بينا بنفسه وقطعا قوله تعالى: (ولا تقل لهما أف) . وقوله ﵇: (أدو الخائط

стр. 86

والمخيط " (١) . ومثل ما كان من ذلك بينا بنفسه ولم يكن قطعا النهى عن دخول المسجد بريح الثوم أو عن الشرب بآنية الفضة. ومثال ما لم يكن من ذلك بينا بنفسه فنهيه ﵇ عن ببع البر بالبر الأربعة المذكورة. فإن قوما حملوه على المقتات وآخرون على المطعوم، وآخرون على المكيل، وقوم قصروا الحكم على النص. ١٩٢ - فهذا هو القول في الألفاظ المجملة والنصوص الظاهرة والمؤولة من جهة صيغها، وقد بقي القول في ذلك من جهة المفهوم. ٤) القول في دلالات الألفاظ بمفهومها: ١٩٣ - واللفظ كا تقدم من قولنا إنما يصير دالا بمفهومه عندما تحذف بعض أجزائه، أو يزاد فيه أو يستعار ويبدل، ولذلك لا تكون دلالته عند ذلك إلا من جهة القرائن، فإن كانت القرينة غير متبدلة وقاطعة على مفهومه سمي أيضا ههنا نصا، وإن كانت ظنية أكثرية سمي أيضا ظاهرا، وإن كانت ظنية غيرمترجحة سمي مجملا، وطلب دليله من موضع آخر. وقد تقدمت أمثلة ذلك في المستعار والمبدل، والذي بقى علينا القول فيه ها هنا هو ما كان كذلك من أجل الحذف فنقول: ١٩٤ - أما مثال ما كان من ذلك بمنزلة النص فقوله تعالى: (واسأل القرية التى كنا فيها) . فإنه يعلم قطعا أنه أراد أهل القرية، وكذلك قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) . فإن المفهوم ههنا

стр. 87

قطعا إنما هو النكاح. ومثال ما هو من هذا الجنس كالظاهر قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام ". فإنه محتمل أن يريد لا صيام كامل ويحتمل أن يريد انتفاء قبول الصيام أصلا وهو الأظهر. ومثال ما يظن به مجملا قوله ﵇: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" فإنه متردد يين إدراك فضيلة الصلاة أو حكمها أو وقتها. ومن أشهر ما يدخل قي هذا الجنس النوع الذي يعرفونه بدليل الخطاب وهو أن يرد الشىء مقيدا بأمر ما، أو مشترطا فيه شرط ما (١) ، وقد علق به حكم، فيظن أن ذلك الحكم لازم لذلك الشىء من جهة ما هو مقيد وموصوف، وأن الحكم مرتفع عنه بارتفاع تلك الصفة ولازم نقيضه. وهذا الجنس تحته أصناف. وقد اختلفوا في كونها أدلة شرعية، فبعضهم لم يجز ذلك في جميعها أصلا، وبعض أجاز ذلك في كلها، وبعض أجازه في البعض ونفاه عن البعض، ونحن نقول في ذلك: ١٩٥ - أما أصنافه فمنها أن يرد الشيء مقيدا بصفة كقوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة". ومنها أن يرد مشترطا فيه شرط ما بأحد حروف الشرط، كقوله: من دخل الدار فاعطه درهما، وهذا عندهم أقوى في المرتبة. ومنها أن يرد الحكم محصورا بأحد؟ حروف الحصر، وهي إنما والألف واللام، في مثل قوله ﵇: ("إنما الولاء لمن أعتق ". وفي مثل قوله: المال لزيد. ومنها في أن يقيد الشىء بصفة غائية، وتلك هي التى يدل عليها بحتى وإلى، وهذا الصنف كأن جميعهم قد أقر بالقول به مثل

стр. 88

قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) و (حتى تنكح زوجا غيره) . وقوله تعالى: (وأتموا الصيام إلى الليل) . فإنه يكاد أن - يعلم أن الليل بخلاف النهار في انتفاء الصوم عنه، وكذلك حال الحائض إذا طهرت بخلافها قبل أن تطهر، وكذلك المطلقة إذا نكحت زوجا. وهذا النوع من الكلام وجميع أصنافه ينبغي أن يعتقد أن فيه ما يشبه النص ويقوى قوته، وذلك حيث يعلم أن ذلك الحكم إنما تعلق بالشىء من جهة ما قيد أو اشترط فيه ذلك الشرط. وفيه ما يشبه الظاهر، وفيه ما يشبه المجمل، وسنشير إلى مراتب القرائن التي يترتب بها هذا الترتيب في الدلالة في كتاب القياس. ١٩٦ - وهنا انتهى الكلام في الأخبار وأجزائها، وبعد ذلك فلننظر فى الأوامر والنواهي ٥) القول في الأوامر والنواهي: ١٩٧ - وينبغي أن ننظر أيضا في هذه هل تنقسم القسمة المتقدمة، أعنى هل يوجد فيها النص والظاهر والمجمل، وإن كان ذلك موجودا فيها فهل ذلك من جهة صيغها أو من جهة مفهومها. والكلام المفيد كما قيل ينقسم إلى خبر وأمر وطلبة ونداء وتضرع. وظاهر أن الأمر والطلبة والتضرع ليس لواحد واحد منها في اللسان العربى صيغ خاصة، وإنما تتميز بقرائن الأحوال. فإذا كان من رئيس إلى مرؤوس كان أمرا، وإن - كان من مرؤوس إلى رئيس كان تضرعا، وإن كان من مساو إلى مساو كان طلبة. ولكل واحد من هذه الثلاثة مقابل. فمقابل الأمر النهي وليس لمقابل الطلب والتضرع اسم.

стр. 89

١٩٨ - وقصدنا نحن ههنا من هذه الأقسام أن نتكلم في الأمر والنهي، إذ الاقتضاء الشرعى ليس يتصور وقوعه على جهة الطلب اللهم إلا أن نجعل الطلب ههنا كأنه اسم جنس ينقسم إلى الواجب والندب، لكن الأولى أن يكون الأمر ينقسم هذه القسمة. وقد اختلفوا في معاني الأوامر العامة بالنفس هل لها صيغ خاصة تدل عليها بالذات وأولا، وإن كان لها صيغ فهل تقتضي الإيجاب أو الندب على جهة النص، أم هي أظهر في أحدهما ومصروفة إلى الثاني بالتأويل، على جهة ما يؤول الظاهر، أو هى مجملة بين الإيجاب والندب. وكذلك اختلف الذين رأوا أن لها صيغا دالة في هل تقتضى أيضا بصيغها الفور، أم التراخي، أم هي مترددة يين ذلك. وكذلك أيضا هل تقتضى التكرار أم الفعل مرة واحدة. ١٩٩ - ونحن نبتدىء بالنظر في ذلك بأن نتأمل كيف حالها في الوضع اللغوي والعرف الشرعى فنقول: ٢٠٠ - أما أن للاقتضاء صيغا في كلام العرب فذلك ما لا يدفعه أحد، كقولهم "اخرج انطلق "، وإن كان قد تأتى هذه الصيغ في كلامهم والمقصود بها التهديد والكف عن الفعل، كقوله تعالى: (كلوا وتمتعوا قليلا) . ولكن بالجملة هى أظهر في الإذن، وإنما تدل على التهديد باستعارة. وكذلك أيضا إذا أرادوا النهى قرنوا بهده الصيغ حرف لا، فصار مجموعها يدل بشكله وصيغته على النهي. فأما هل في تدل هذه الصيغ بذاتها وضعا لغويا على الأمر فذلك مما لا يتبين فيها، وأحرى من ذلك أن تكون لها صيغ تدل بها على الوجوب أر الندب، لأن هذه المعاني هى معان شرعية وليست بمعان جمهورية. فأما بالعرف الشرعى فهى لا شك متضمنة معنى الأمر، ؤأما هل تتضمن الوجوب

стр. 90

أو الندب فقد اختلفوا في ذلك، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن الأوامر ظاهرة في معنى الإيجاب في الشرع ومصروفة إلى الندب بدليل. وذهب. بعضهم إلى التوقف في ذلك وأنها مجملة. وينبغى أن يستقرأ ذلك في الشرع، وينظر كيف كان قبول الصحابة ﵃ للأوامر إذا وردت مجردة عن القرائن. ويشبه أن يكون حملها على الإيجاب أحوط، إذ قد عرف من قرائن أحوال الشرع أن الأوامر فيه على جهة الجزم والقطع. وأما من جعل ذلك على أقل ما يدل عليه الأمر وهو الندب، لأنه زعم أن ذلك هو الذي يلزم الأمر دائما، فلا معنى له. ٢٠١ - والواجب والندب معنيان اثنان، فإما أن يكون اللفظ مشتركا بينهما، أو أظهر في أحدهما. وإما إن لم يصح فيها وضع شرعي فصيغ الأوامر مجملة بين الندب والإيجاب حتى يدل الدليل على أحدهما. وأما هل تدل صيغها على الفور أو التراخى فليس ذلك موجودا فيها، وإنما يتكل الأمر في ذلك على قرائن الأحوال. ولذلك إذا أشكل على المأمور حسن أن يستفهم بمتى، وكذلك لا يقتضي تكرار الفعل، وإنما تقتضى أقل ذلك مرة واحدة وهي كالظاهرة فيها، ويحتمل بعد أن ترد الزيادة. ٢٠٢- وقد يتعلق بالكلام في هذا مسائل نحن نرسمها على عادتهم. ٢٠٣ - مسألة: إذا ورد الأمر بالشىء بعد الحظر، ذهب قوم أن ذلك قرينة تصرف الاقتصار الذي شأنه أن يقع لو ورد (١) مجردا، إما على جهة الندب وإما على جهة الندب إلى الإباحة. وذهب قوم إلى أن، ذلك ليس بقرينة بل تبقى صيغة الاقتضاء على مفهومها الأول. قال أبو حامد والمختار أنه إذا كان النهي عارضا لعلة وعلقت صيغة أفعل بزواله،

стр. 91

كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الحرج، وإن احتمل أن يكون ندبا أو إباحة، لكنه أظهر فيما ذكرنا. ٢٠٤ - مسألة: مذهب الفقهاء أن وجوب القضاء لا يفتقر إلى أمر محدد. ومذهب المحصلين أن الأمر بعبادة في وقت معين لا يقتضى القضاء، لأن تخصيص العبادة بالزمان كالصلاة في وقت الزوال والصيام في رمضان كتخصيص الحج بالمكان والصلاة بالجهة. وإذا فقد الشرط المأمور به ارتفع الأمر إذا كان ورود الأمر بالشىء من جهته. ٢٠٥ - مسألة: ذهب الفقهاء إلى أن الأمر يقتضى وقوع الجزاء بالمأمور به إذا امتثل من غير أن يلزم قضاء. وقال آخرون لا يقتضى إلا جزاء بدليل أن من أفسد حجه مأمور بالإتمام ولا يجزئه بل يلزمه القضاء. والصواب أن يقال إن الأمر يقتضى إجزاء المأمور به إذا أدي بكماله ووصفه وجميع شروطه، وأما إن تطرق إليه خلل كالحج الفاسد فلا يدل الأمر على الإجزاء. فهذا هو القول في صيغ الأمر. ٢٠٦ - وينبغى أن تعلم أن القول في صيغ النهى كالقول في الأمر،، وأن مسائله معادلة لتلك. فمن يحمل صيغة الأمر على الإيجاب يحمل صيغة النهى على الحظر والتحريم على فساد المنهى. وسواء كان النهى في الشىء مطلقا أو مقيدا بصفة أو شرط، فإنه يعود النهي بفساد الأصل من جهة ما قيد به واشترط. ٢٠٧ - وهذه هي المسألة التي تقدم ذكرها في الجزء الأول، وقلنا ن الأليق بالتكلم فيها هو هذا الموضع.

стр. 92

٢٠٨ - وأما من كان عنده صيغة الأمر مترددة لين الإيجاب والندب، فإنه يلزمه أن يكون لفظ النهي أيضأ مترددا بين الحظر والكراهة، وسواء ورد في أصل الشىء مطلقا أو مقيدا بصفة أو سبب خارج عنه. اللهم إلا أن بعض الناس ممن يرى أن للأمر والنهي صيغة تقتضى الإيجاب، والحظر يجعل كونها، إذا وردت في شيء مقيد بسبب ما خارج عن الشيء، قرينة تخرج بها الصيغ عن كونها مفيدة للإيجاب والحظر إلى الندب والكراهية. فهذا هو القول في الأدلة المتلقاة من جهة الألفاظ. ٢٠٩ - وقد بقي علينا القول في القرائن الدالة كسكوته وإقراره ﷺ ، لكن قبل ذلك يجب أن ننظر في الدليل الذي يعرفونه بالقياس. ٦) القول في القياس: ٢١٠ - وينبغي أن ننظر فيه هل هو دليل شرعى أم لا، وإن كان دليلا شرعيا فهل هو من جنس ما تقدم أم لا، ونجعل سبيلنا قي الفحص عن ذلك مما يدل عليه اسم القياس عندهم في هذه الصناعة فنقول: إنهم يرسمون هذا المعنى بأنه حمل شيئين أحدهما على الاخر في إثبات حكم أو نفيه، إذا كان الإثبات أو النفى في أحدهما أظهر منه في الآخر، وذلك لأمر جامع بينهما من علة أو صفة (١) . والشىء الذي وجود الحكم

стр. 93

فيه أظهر يسمونه الأصل، والشىء الذي يوجب له الحكم من أجل وجوده في الأصل يسمونه الفرع. والصفة الجامعة بينهما أو السبب يسمونه العلة. ٢١١ - وينبغى أن لا تأخذ علينا لقولنا حمل شيئين، ولم نقل معلومين على رسمهم، من قبل أن الشىء - زعموا - لا ينطلق على المعدوم، فإن المعدوم يكاد لا يقاس عليه. وأيضا فلو سلمنا لهم هذا لم يكن ممتنعا أن يسمى المعدوم شيئأ إذ كان له وجود قي النفس، لأنا نقول من الأشياء ما هو في النفس كحاله خارج النفس، ومنها ما هو في النفس من غيرأن يكون خارج النفس. وبالجملة فقد كان ينبغى للمتكلمين ألا يشاحوا المعتزلة في مثل هذا. وكذلك أيضا لا يلتفت إلى قولهم: لأمر جامع بينهما من صفة أو سبب أو نفيهما عنهما. فإن النفي من جهة ما هو نفى لا يوجب حكما واحدا لشيئين، اللهم إلا من جهة أن النفي في مواضع قوته قوة العدم، والعدم تابع لصفة ما تقتضي حكما لشيئين. وقد جمح بنا القول عما كنا قصدنا إليه من أول الأمر فلنرجع إلى حيث كنا فنقول: ٢١٢ - إنه إذا تؤمل هذا المعنى الذي يعنونه بالقياس في هذا الموضع ظهر أن ذلك ليس بقياس، وأنه من جنس إبدال الجزئى مكان الكلي (١)

стр. 94

والدليل على ذلك أن الأصل إنما تعلق به الحكم بالنص أو بالإجماع، فإن صرح بالعلة الموجبة للحكم، وكانت أعم من الأصل، فهذا يلتحق بالعام، - مثل قوله ﷺ في سؤر الهرة: "إنها ليست بنجس لأنها من الطوافين عليكم أو الطوافات " (١) ولها أيضا مراتب، وقد أجاز مثل هذا كثير ممن نفى القياس. وأما إذا لم يكن صرح بالعلة الموجبة للحكم واقتضاها مفهوم - اللفظ، وكانت أعم من الأصل، كان من باب إبدال الجزئي مكان الكلى (٢) وعند ذلك أيما صح بالاجتهاد أو بالحس أنه داخل تحت ذلك الكلي ألحقنا به ذلك الحكم. ومثاله نهيه ﷺ عن الشرب في آنية الفضة، فإن المفهوم منه السرف، فلذلك ألحقنا به آنية الذهب. ٢١٣ - وإذا كان هذا هكذا، وكان ما يعنونه بالقياس في هذه الصناعة في الأكثر راجعا إلى ما تقتضيه الألفاظ بمفهوماتها، وكانت الألفاظ إنما تقتضي ذلك بالقرائن التي تقترن بها، ولكن ليس أي قرينة - اتفقت لكن القرائن التى يشهد الشرع بالالتفات إلى جنسها، فإن الحال في ذلك كالحال في المخاطبة الجمهورية. فكما أن القرائن التى يعول عليها الأعرابي عند مخاطبة غيره تكون معلومة عند المخاطب، وقد عرف التفات المخاطب في حين مخاطبته إليها، كذلك ينبغى أن يكون في الشرع. ونحن نشير إلى واحدة واحدة منها، ونرتبها بحسب مراتبتها في البيان. ٢١٤ - ولأن القرائن كا تقدم من قولنا أحد ما يجعل القول كالنص بمفهومه، وذلك إذا كانت قاطعة في استعارته وإبداله، أو

стр. 95

كالظاهر بمفهومه إذا لم تكن قاطعة بل أكثرية، أو كالمجمل إذا كانت مترددة، فقد ينبغي ههنا أن نشير إلى مراتبها وإن كانت عسيرا ما تنضبط فنقول: ٢١٥ - أما المرتبة الأولى وهى في حكم النص فأن يكون المسكوت، عنه أحرى من المنطوق به في تعلق الحكم به كقوله تعالى: (إن الله لا يظم مثقال ذرة) ، وقوله : (ولا تقل لهما أف) . ومثل هذا قوله ﵇: "أدوا الخائط والمخيط "، وما أشبهها، ولهذا عرض في البيان. وهذا يسمونه بفحوى الخطاب، وأكثرهم ليس يسميه قياسا (١) . ٢١٦ - المرتبة الثانية: أن يكون المسكوت عنه في معنى المنطوق به قي الحكم، كقوله ﵇: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي" " (٢) ، فان الأمة تلتحق بالعبد وهي في معناه. وهذا يسمونه بالقياس في معنى الأصل. ولهذا ايضا عرض في الظهور وقلة الظهور (٣) . ٢١٧ - المرتبة الثالثة: وهذه المرتبة من جنس الثانية، أعنى أنها ظاهرة، لكنها في أكثر المواضع تضعف عن مرتبتها في البيان، فلذلك جعلناها ثالثة. وهي أن يكون المسكوت عنه يلتحق بالمنطوق به لمصلحة

стр. 96

جامعة قد شهد الشرع لجنسها بأنه مصلحة. وهذا يسمونه القياس المخيل والمناسب. ولهذا الجنس مراتب في القرب والبعد، فمتى كان قريبا جدا سموه المناسب الملائم، وهنا انتهى كثير من القائلين بالقياس. ومتى كان متوسطا في القرب والبعد لم يطلقوا عليه اسم الملائم، وسموه المناسب والمخيل. ومتى كان بعيدا جدا وأعم شىء، كقولنا مصلحة، فإن كثيرا من القائلين بالقياس لا يقول به. ومثل هذا يراه بعض الفقهاء في طلاق المريض أنه لا يقطع الميراث. وحق لهذا الصنف أن يرفض ولا يجعل دليلا شرعيا لأنه كثيرا ما تتشعب المصالح وتختلف، وذلك بحسب وقت وقت وحالة حالة. والقائلون بمثل هذا ليس هم في الحقيقة مستنبطين عن الشرع، بل هم شارعون. ومثل هذا قول بعضهم: يحدث للناس أحكام بقدر ما أحدثوا من الفجور، أو قول شبيه بهذا. وقد عذل مالك ﵀ على هذا، لأنه كثيرا ما يلتفت إلى هذا الجنس (١) . ٢١٨ - المرتبة الرابعة: وهى التى يعرفونها بقياس الشبه (٢) وهو أن يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به، لا لأنه أولى، ولا لأنه في معناه، ولا لعلة مناسبة، بل يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به لشبه بينهما يظن به

стр. 97

أنه يحتوي على علة جامعة بينهما للحكم من غير أن يوقف عليها. ويشبه أن يكون جل ما يقع في هذا الجنس مجملا، إلا أن يلتحق بالمرتبة الثالثة وهي التى في معنى الأصل ومثل هذا قوله ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر الأربعة المعلومة إلا هاء بهاء (١) ، فإن قوما قالوا أراد بذلك المقتات، وقوما قالوا المطعوم، وقوما قالوا المكيل. وهذا كله ظن منهم، فإن الاقتيات أو الكيل أو الطعم صفة حاصرة للأمر المناسب الموجب للتحريم، وهى بالجملة فيما يظهر لي أبعد قرينة يصار إليها إلى أن يفهم عن اللفظ الجزئى المعنى الكلى، ولهذا كثير من الناس اقتصر بمثل هذا الحديث على مقتضى اللفظ. ٢١٩ - وينبغي أن تعلم أن أجناس المفروضات تتفاوت في ظهور هذه القرائن فيها، ولهذا لم يجز أبو حنيفة القياس في الحدود والكفارات وهو في الأمور الضرورية أيين كالبيع والنكاح وما شاكلهما. وربما كان اللفظ، كما تقدم من قولنا، أول ما يرد لا يعلم هل هو خاص أبدل بدل، العام، وفي بعضها يعلم ذلك، ولكن لا يعلم أي كلي أبدل بدله. ٢٢٠ - والقائلون بالقياس يستعملون في هذا الموضع من أجناس القياس النوع الذي يعرفونه بالسبر والتقسيم (٢) وربما استعمل بعضهم، ؤ لكن هم الأقل، الطرد والعكس وينبغي أن نبين كيف يستعملون ذلك.

стр. 98

٢٢١- أما السبر والتقسيم فيما لم يعلم هل هو لفظ جزئى أخرج مخرج الكلي أم لا، فهو أن نقول: لا يخلو أن يكون هذا اللفظ الجزئي - أخرج مخرج الكلى أم هو على أصله، ثم نبين أنه ليس على أصله، فينبغي بعد ذلك أن نستنبط أي كلى أريد به، وذلك بأن نقسم جميع المعاني الكلية التي يغلب على الظن أنه أريد بذلك اللفظ الجزئي، ونبطل واحدا واحدا منها، حتى نبقى واحدا، فنحكم أن ذلك هو الكلي المراد بذلك الجزئي. وإن كان ظاهرا من أول الأمر أنه لفظ جزئى أبدل بدل الكلى، ولم يكن ظاهرا أي كلى هو، استعملنا السبر والتقسيم في استنباطه. ٢٢٢ - فأما الطرد فهو أن يرد الحكم متعلقا بأمر ما فنحكم بوجوده لأمر آخر للتشابه الذي نجده بينهما. ونطرده فيه، ونحكم لأجل ذلك بأنه لفظ أخرج مخرج الجزئي والمراد به ذلك الكلي الذى تشابها به. وقد يشد هذا الموضع بأن يستعمل فيه الوجود والارتفاع، وذلك أن أي كلى وجد الحكم بوجوده وارتفع بارتفاعه فهو مناط الحكم وهذا هو الذي يسمونه العكس، وأكثر القائلين بالقياس مجمعون على إبطال استنباط مناط الحكم بالطرد والعكس. ٢٢٣ - وبالجملة فإنه مما يظن أن أكثر المواضع التي يستعمل القياس فيها القائلون بالقياس في الشرع ليس يستعملونه في استنباط حكم مجهول عن معلوم، على جهة ما يستنبط عن المقدمات المعقولة مطلب مجهول، لكن في تصحيح إبدال الألفاظ في مكان مكان ونازلة نازلة، فإن الأنواع التى يسمونها بالقياس المخيل والمناسب وقياس الشبه هي قرائن تدل عندهم على إبدال الألفاظ، وليست أقيسة (١) ، ولا يوجد لها

стр. 99

فعل القياس، وإن كان لم يتميز للناظرين في هذه الصناعة أمر هذا التميز، وذلك ظاهر من أقاويلهم التي يستعملونها في مناقضة القائلين برد القياس، وهم المسمون عندهم اهل الظاهر، لأن هؤلاء القوم ألزموا القائلين بالقياس أمرا لم يجدوا عنه محيصآ، وهو أن ما سبيل المعرفة به الوحي والأمر من الله فإنه ليس للعقول في إثبات شيء من ذلك وإبطاله مدخل، وأيضا فإن الأحكام ليست صفات ذوات فتدركها العقول. وبالجملة كل ما طريقه التوقيف لا مدخل للقياس فيه، وإنما طريق المعرفة به السمع كاللغات وغير ذلك. وهذا إنما هو لازم لمن يقيس على أصل لم يتضمن باللفظ قط التنبيه على الأصل، مثل قياس حد الخمر على القذف. وأما من يقيس على أصل يتضمن بمفهومه علة الأصل، وإن لم - يتضمن ذلك بصيغة اللفظ، فليس يلزمه هذا الاعتراض. وأكثر مقاييس الشرع هى من هذا الباب، ولذلك لو فهموا هذا المعنى لأمكنهم الانفصال عنهم (١) . ٢٢٤ - وأما أهل الظاهر ومن يجوز الاستدلال بظواهر الألفاظ من جهة صيغها، فقد ينبغى له ألا ينكر القياس الذي في معنى الأصل، لا والمخيل والمناسب الملائم إذا شهد الشرع بالالتفات إلى جنسه القريب. فإن هذه كلها قرائن نظير الألفاظ ظاهرة بمفهوماتها،

стр. 100

وإن لم تكن بصيغها، ولا معنى لقول من لا يرى الظاهر إلا في الصيغة. ٢٢٥ - وقد رام القائلون بالقياس أن يثبتوه من جهة إجماع الصحابة على ذلك، فنقلوا عن كثير منهم أقاويل تدل فيما زعموا على القول بالقياس، فعاندهم أهل الظاهر في موضعين: أحدهما: في نفس الإجماع، وذلك أنه لم ينقل ذلك عن جميعهم، وليس ينسب إلى ساكت قول قائل كما تقدم. والثاني: أنه لو وقع منهم في ذلك إجماع لما ورد عن التابعين في ذك خلاف. وأيضا فقد تمسك أهل الظاهر بأحاديث نقلت عن الصحابة في دفع القياس. وبالجملة فلم يقدر القائلون بالقياس أن - يصححوا الإجماع الذي ادعوه في ذلك. وأيضا فإن الألفاظ الواردة عن الصحابة قي القياس محتملة، ويشبه إذا تؤملت أن يظهر من أمرها هذا المعنى الذي قلناه في القياس، وإن ذلك إنما كان منهم اجتهادا في مفهوم الألفاظ. والذي يشبه أن يكون لأهل الظاهر فيه مدفع استنباط. الإبدال والاستعارة بطريق السبر والتقسيم أو بغيرها من الطرق، إذا لم تكن هنالك بعض القرائن التى عددناها. وينبغي لمن أجاز ذلك أن يجيزه في جميع الألفاظ المبدلة أو المستعارة والمحذوفة، وبالجملة المغيرة. وكما أن هذه القرائن قد يعمم بها الخاص كذلك قد يخصص بها العام. ٢٢٦ - فقد ظهر من هذا القول ما هو المعنى المدلول عليه باسم القياس في هذه الصناعة، وفي أي جنس دخوله من أجناس الأدلة الشرعية، وفي أي المواضع يستعمل، وفي أيها لا. وقد بقي علينا من طرق الأدلة الشرعية الدليل الذي هو فعله ﷺ وإقراره. وهذان الصنفان ليس هما أدلة من جهة صيغ الألفاظ أو مفهوماتها، بل من جهة ما هي قرائن. ونحن نقول في واحد واحد منها، وما قوته.

стр. 101

٧) القول في الإقرار: ٢٢٧ - أما إقراره ﷺ على فعل فعل بمشاهدته وعلم قطعا أنه رآه فأقره، فإنه يدل على جواز وقوع ذلك الفعل على تلك الصفة بايجابه إن كان حكما شرعيا، أو على إباحة ذلك إن تخيل فيه أنه محظور لثبوت عصمته ﷺ فيما دعا إليه، وفيما أقر عليه. ٨) القول في الفعل: ٢٢٨ - أما أفعاله ﷺ فعلى ضروب: أحدها ما كان بيانا لعام أو مجمل، فذلك منه ﷺ محمول على حكم ذلك العام، إن كان مندوبا - إليه فالفعل مندوب إليه، وإن كان واجبا فواجب. وذلك بدليل قوله ﵇:. "صلوا كا رأيتموني أصلى وخذوا عنى مناسككم ". ٢٢٩ - والثاني في مقابل هذا وهوأن يعلم بقرينة حال أو لفظ، كالمتوسط بين هذين، وهو ما ورد من أفعاله ﷺ من غير أن يعلم أن ذلك تفسير منه لمجمل أو بيان لعام أو مختص به. وهنا اختلف الناس فقوم رأوا حملها على الوجوب، وقوم على الندب، وقوم رأوا التوقيف، وهو المختار عند أبى حامد، لأن الفعل لا صيغة له. وأما من حمله على الوجوب فقد استشهد على ذلك بظواهر، لكنها محتملة، مثل قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة) . وأما من رأى أنها على الندب فتمسكا باقتداء الصحابة به ﷺ قي أفعاله، لخلعهم نعالهم في الصلاة لما خلع، وتوقفهم عن الحلق عام الحديبية حتى حلق. وللقائلين بالوجوب أيضا التمسك بمثل هذا من أفعال الصحابة ﵃. ويمكن أن نقول ردا على هؤلاء ممن لا يرى الفعل حكما بأن

стр. 102

هذا إنما كان من فعل الصحابة فيما علموا أنه بيان منه ﷺ للمفروضات " أو المندوبات، وذلك إما بقرائن أحوال أو بقول. وبالجملة فالمسألة اجتهادية. والأظهر ألا يكون لهذا النوع من فعله ﷺ حكم لتردده بين الإيجاب والندب والإباحة، وكونه مختصا به. وإذا وردت أفعاله ﵇ تفسيرا أو بيانا لعام وتعارضت، كان حكمها حكم القولين إذا تعارضا، وسيأتي القول في هذا وكذلك إذا تعارض الفعل والقول. وهنا انتهى القول في الجزء الثالث من هذا الكتاب.

стр. 103

القول في الجزء الرابع

стр. 104

صفحة فارغة في الأصل

стр. 105

٢٣٠- وهو يشتمل على ثلاثة فصول: فصل في الاجتهاد، وفصل في التقليد، وفصل في ترجيح الأدلة. ٢٣١- الفصل الأول: في الاجتهاد وينقسم القول فيه إلى النظر في المجتهد، والمجتهد فيه، ونفس ير الاجتهاد. أما الاجتهاد فهو بذل المجتهد وسعه قي الطلب بالآلات التي تشترط فيه. وأما حد المجتهد فهو أن يكون عارفا بالأصول التي يستنبط عنها، وأن تكون عنده القوانين والأحوال التي بها يستنبط. ولأن الأصول ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع فقد ينبغي أن نقول فيما يكفيه من معرفة واحد واحد منها. ٢٣٢ - أما ما يكفيه من معرفة الكتاب فمعرفة الآيات المتضمنة للأحكام، ومعرفة الناسخ منها من المنسوخ، وهي نحو: خمس مئة آية، هذا على وجه التخفيف، والأفضل له معرفة الكتاب كله. وقد رخص له في حفظ الآيات المتضمنة للأحكام إذا كانت مواضعها معلومة عنده بحيث إذا وردت المسألة في أمر ما عالم أين يطلبها. ٢٣٣- وأما ما يكفيه من معرفة السنة، فمعرفة الأحاديث التي تتضمن الأحكام. وقد يخفف عنه في أن لا يحفظها، بل يكفيه أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتضمنة للأحكام يرجع إليه وقت الحاجة إلى الفتوى، والأفضل له أن يحفظها. وأما معرفة صحة أسانيدها، فإن هو عول في صحتها على من يحسن ظنه به كالبخاري ومسلم كان مقلدا، وان هو أيضا احتاج أن يعدل الرواة ويتبع سيرهم وأحوالهم وأوقاتهم طال عليه وتشعب جدا، ولاسيما ما تباعد الزمان. والتخفيف عنه في ذلك أن يكتفي بتعديل الإمام في ذلك إن علم مذهبه في التجريح والتعديل، وكان ذلك موافقا لمذهبه.

стр. 106

٢٣٤ - وأما الإجماع فأن يعرف جميع المسائل المجمع عليها، وقد يكفيه أن يعلم أن قوله في المسألة التي يفتى فيها ليس هو مخالفا للإجماع بأن يعلم أن قوله يوافق قول قائل. وقبل هذا كله فينبغي أن يكون عنده من علم اللغة واللسان ما يفهم به كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ولا يلحن. ٢٣٥- وقد اشترطوا مع هذا أن يكون عالمأ بعلم الكلام، وذلك أن تكون عنده الأدلة المعرفة بالله وبصفاته، والموصلة إلى العلم بحدث العالم، وغير ذلك مما يتضمن علم الكلام. وهذا إنما يلزم على رأي من يرى أن أول الواجبات النظر والاستدلال، وأما من لا يرى ذلك فيكفيه الإيمان بمجرد الشرع دون نظر العقل. وأما تفاريع الفقه فلا حاجة به إليها، لأن المجتهد هو الذي يولدها. ٢٣٦ - وهذه الشرائط بالجملة إنما هي في حق المجتهد بإطلاق الذي تمكنه الفتوى في كل نازلة، وأما من لم تكن عنده كل هذه الشرائط، وكان عنده بعضها، وكانت المسألة المنظور فيها يكفي فيها ما عنده من تلك الشرائط، جاز له الاجتهاد فيها، لأن نسبته إلى هذه المسألة نسبة المجتهد بإطلاق إلى جميع المسائل. ٢٣٧-وأما المجتهد فيه فهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي. وقد ينبغي أن ننظر ههنا في هذا الحكم المطلوب: هل هو متعين في نفسه ومكلف إصابته أم ليس ههنا حكم متعين يتوجه الطلب إليه، وإنما مناط التكليف في طلبه غلبة الظن، فيكون على هذا كل مجتهد مصيبا، وإن تضادت آراؤهم في الشيء الواحد، فنقول: ٢٣٨ - أما من يرى أن الأحكام صفات ذوات، سواء علمت بانضمام الشرع إليها أو قبله، أو كان فيها الصنفان جميعا على ما تراه

стр. 107

المعتزلة، فليس يمكنه تصويب كل مجتهد. وكذلك يلزم من لا يرى القياس في الشرع، فإن هؤلاء أيضا يرون أن ما لم يرد فيه خطاب الشرعي فهو على البراءة الأصلية من الإباحة، وما كان بهذه الصفة، أعني ما - ورد فيه خطاب شرعي، ففيه حكم متعين. ٢٣٩ - وأما نحن فقد سلف من قولنا أن مدارك أحكام الشرع الخطاب، وأن الخطاب منه ما يوجب الحكم بصيغته، ومنه بمفهومه. وإن الذي يعنون بالقياس داخل في هذا الجنس، وأن كلا هذين الصنفين - ينقسمان في وجوب العمل بهما إلى نص وإلى ظاهر. وإذا كان هذا هكذا لم يتصور أن يقال كل مجتهد مصيب، إذ كانت سبيل تلقي الأحكام الخطاب الوارد، وذلك في جميع أصنافه التي عددت من لفظ أو قرينة. وما كان سبيل المعرفة به الخطاب فثم لا شك حكم متعين، وهو الذي تعلق به الخطاب. وما لم يتضمنه الخطاب الوارد، ولا دلت عليه قرينة، فهو على البراءة الأصلية معفو عنه، وهو أحد أصناف المباح المنسوب إلى الشرع. وهذا معنى قوله : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) كان فيه حكم إلا وضمناه إياه وما لم يتضمنه بأحد الأدلة الشرعية فهو مصفوح عنه (١) . ٢٤٠ - وأبو حامد يرى هنا أن كل مجتهد مصيب، وقد عدد الأمور التي نوقض بها أن كل مجتهد مصيب وزيفها، إلا أنه لم يعدد في ذلك هذا الذي قلناه. وقد سلك هو في تثبيت أن كل مجتهد مصيب طريقين، ونحن نوقف على أن ما ألزم من ذلك غير لازم:

стр. 108

إحداهما أنه قال: لو كان ههنا حكم متعين فيما طريقه الاجتهاد لكان التكليف متعلقا بإصابته، ولو كان ذلك لكان عليه دليل قطعي. يفضي إليه، وإلا كان من باب تكليف ما لا يطاق، وقد تقدم امتناعه. ثم أخذ يبين أن الدلائل المستعملة قي الاجتهاد ظنية يحصل عنها النقيضان بالسواء، وإن الترجح فيها إنما هو بحسب ما طبع عليه شخص شخص من الميل في حكم حكم، ونازلة نازلة. ٢٤١ - والقول بمثل هذا كبيرة ومصير إلى التحكم في الشرع - بالأهواء والإرادات، نعوذ بالله من ذلك (١) . بل الأدلة الشرعية، كما تقدم من قولنا، إما قطعية، وإما ظنية أكثرية وجب العمل بها بالأصل المقطوع به. وما كان هكذا فالحكم لا شك يحصل عنها بذاتها، لا بحسب ما طبع عليه إنسان إنسان، بل بحسب دلالتها، ولذلك ما كان من الأدلة مترددا بين النقيضين على السواء سمي في هذه الصناعة مجملآ، ولم يجعل دليلا شرعيا أصلا. وبالجملة القول بأن ليس هنا أدلة يحصل عنها بذاتها الطلب، سواء كانت الأدلة عقلية أو شرعية، هو قول سوفسطائي (٢) جدا، وينبغي أن يتجنب، فإنه عيم الضرر في الشريعة.

стр. 109

وإذا كان هذا هكذا، وكان ههنا أدلة تفضي إلى المطلوب، لم يكن تكليف إصابته من باب ما لا يطاق. ٢٤٢ - وأما الطريقة الأخرى التي احتج بها فأخذها من الواجب، وذلك أنه كما قيل فيه هو ما في تركه عقاب قال: فلو كان الواجب في الشيء حكما متعينا لكان في ترك إصابته إثم، والإجماع قد انعقد على سقوط التأثيم عن المجتهدين، فلذلك يلزم عن انتفاء التأثيم انتفاء الخطأ. ٢٤٣ - ونحن نقول إنه ليس يلزم عن سقوط التأثيم انتفاء الخطأ، إذ الخطأ غير المتعمد مصفوح عنه في الشرع، وهو يقع به النسيان والغفلة والسهو. وقد قلنا غير ما مرة إن الأدلة الشرعية إما قطعيه، وإما أكثرية. أما القطعية فالطريق إليها مهيع، ووقوع السهو فيها والغلط يقل، فلذلك يشبه أن يلزم التأثيم فيها بلزوم الخطأ. وأما الظنية فالغلط كثيرا ما يقع فيها والسهو، فلذلك لم يلزم من الخطأ فيها التأثيم. والذي أخذ في حد الواجب بأنه الذي في تركه عقاب، إنما معنى ذلك أن العقاب يتعلق بتركه بعد المعرفة بوجوبه، فيما كان إلى المعرفة بوجوبه دليل قطعي. وأما من غلط أو سها فيما الغلط فيه معرض فلم يكن له سبيل إلى معرفة وجوبه، فكيف يلحق بمثل هذا تأثيم. وقد قال ﵇: " (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". ٢٤٤ - فإن قيل فسيلزم على هذا أن ما كان عليه دليل قطعي فأخطأه المجتهد على غير عمد أنه لا يأثم. قيل في هذا نظر. والفرق بينهما بين. فإن الدليل القطعي قلما يخفى على أحد ممن بلغ رتبة الاجتهاد، وإنما - يتصور خفاؤه (١) لهوى أو هوادة أو لشيء على خلافه أو غير ذلك من

стр. 110

العوارض النفسية. ولهذا مراتب بحسب مراتب الأدلة، ولذلك يكفر في بعضها، ويؤثم في بعض، ومدرك هذا التفاوت الشرع. ٢٤٥ - فقد تبين من قولنا أن ليس كل مجتهد مصيبا، وإنه إن أخطأ فعلى أي جهة لا يأثم، وإن المجتهد كلف إصابة ما هو في نفسه. ممكن الإصابة، وعفي عنه عند الخطأ رحمة له وصفحا عنه. ٢٤٦ - وقد بقى علينا من هذا الباب كيف حالة المجتهد، إذا تعارضت عنده الأدلة في مسألة ما، وإلى أي شيء يصير فنقول: إن الذي حكى في ذلك أبو حامد ثلاثة أراء: أحدها رأي من يرى التوقف والثاني الأخذ بالأحوط والثالث رأي القاضى وهو أن يتخير المجتهد، وهذا رأي ضعيف (١) لأن التخير إباحة، والأدلة المتناقضة في الأمر بالشيء الواحد هى أولى أن توقع الشك والحيرة من أن يظن بها أنها تنتجه. وكذلك التوقف لا معنى له، فإن في ذلك تعطيلا للأحكام. وأيضا فإنه غير ممكن في الأشياء التي ليس يمكن الإنسان فيها إلا أن يأتي، أحد الضدين، كالأحاديث الواردة مثلا قي الغسل من الماء، والغسل من التقاء الختانين، فإن مثل هذه الأحاديث إذا تعارضت لم يمكن فيها - التوقف، فإنه لا بد من المصير إلى أحدهما. وفي مثل هذا يخيل المصير إلى الأخذ بالأحوط. وهو وإن كان يخيل فيه أنه أولى لمكان النجاة من الذم، فكذلك يخاف لحوق الذم بزيادة ما ليس من الشرع في الشرع. ٢٤٧ - وللظاهرية في هذا قول رابع، وهو أن يرجع المجتهد عند تكافؤ الأدلة إلى البراءة الأصلية، لأن التكليف بالأدلة المتناقضة تكليف
следующие страницы →