← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الحجّ فابن مدرسة للشّيخ الجمّني، وحكى له أمره، ونشر له ذكره فأمره بالتّوجّه لبناء المدرسة المرادية بجزيرة جربة ونصب له محرابها الشّيخ الميقاتي سيدي أبي راوي من ذرّية سيدي عبد السلام / الأسمر وقبره بجربة مزار مشهور، فبنى لها دورا وبيت صلاة، وكمل بناؤها سنة خمس وثمانين وألف (٥٤٣)، وجعل له النّظر في الحبس وفوّض أمره إليه، فمكث الشّيخ يعلّم بها، وقدم عليه النّاس من كلّ فجّ عميق فبذل جهده في نشر مذهب إمام دار الهجرة (٥٤٤) فكان يختم المختصر في كلّ سنة مرّتين في تسعة أشهر بكدّ وجدّ، ويقرأ الحديث النّبوي في بقيّة السّنة. وكان ملازما للصّيام والقيام من قبل (٥٤٥) الفجر لإيقاظ أصحاب الخلوات من تلاميذه للقراءة والمطالعة والصّلاة. وكان قوته ممّا يأتيه من تمر بلاده ممّا ورثه من آبائه محترزا عن الأكل من حبس الزّاوية حتّى إنّه كان له وكيل (٥٤٦) على التّصرف فإذا أتى بشيء من غلاّت الحبس وأحضره للشّيخ رفع الشّيخ جلدا كان يجلس عليه ويلتفت لجهة أخرى ويأمره بوضع ما عنده وبعد ذلك يردّ طرف الجلد، وإذا أراد الوكيل أخذ شيء يصرفه رفع طرف الجلد والتفت كما فعل في القبض حتّى يأخذ الوكيل ما يحتاجه فيضعه فلا يرى الدّراهم في دخولها ولا في خروجها تحرّزا عن الحبس وبعدا عن الفتنة. وكان متجنّبا للمناصب بأسرها حتّى الإمامة ولم يسمع منه أنّه حلف بالله قطّ. وكان أوّلا مؤثرا للعزبة ثمّ تزوّج إمرأة نصفا، فقال لتلاميذه: من استطاع منكم التزوّج فليتزوّج، فكانت زوجته عونا له على طاعة الله، وكان لها ولد أحسن عشرة الشّيخ وأحبّه محبّة الولد لأبيه (٥٤٧). وعطف عليه الشّيخ فنالته بركته. وكان الشّيخ في غاية من التّعفّف (٥٤٨) أهدى إليه رجل شيئا من الحليب طلبا للبركة / فقال: ومن أين جاءك هذا؟ قال: عندي شويهات فقال: ومن أين أكلها؟

стр. 1052

قال: ترعى هنا في البلاد، فقال: كم هي؟ قال: إثنتي عشرة، فقال: إرفع لبنك فلا خير فيه فإنّ عندك إثني عشر لصّا (٥٤٩) يسرقون سواني (٥٥٠) النّاس إذ البلاد كلّها أملاك وأحباس وأهاليها محتاجون لعلف دوابهم. وله كرامات كثيرة منها أنّ إبراهيم (٥٥١) الشّريف لمّا توجّه لحرب طرابلس دخل جربة فشكى بعض النّاس بالشّيخ عمر ابن أخي الشّيخ سيدي إبراهيم فسجنه، فاغتمّ الشّيخ لظلم إبن أخيه فأتى لإبراهيم الشّريف شفيعا في إبن أخيه، فلم يعظم الشّيخ في عينه، ولم يقبل له شفاعة لعدم معرفته بقدره، فلمّا جنّ عليه الليل إضطربت أحواله ولم يهنأ (٥٥٢) نومه وتحيّر، وضاقت عليه الأرض بما رحبت من غير موجب، فتنّبه وعلم أنّ سبب ما نزل به ردّ الشّيخ غير مجبور الخاطر، فأمر السّجّان بسراح الشّيخ عمر من حينه، وأرسل للشّيخ فأحضره واسترضاه، وطلب منه العفو فعفا (٥٥٣) عنه. ولمّا تولّى سيدي حسين باي ﵀ وكان حاضرا في هذه القضيّة وعرف فضل الشيخ أظهر تعظيم الشّيخ وإكرامه، فبنى للزّاوية وكالتين وأجرى للزاوية إنعامات من قوت الطّلبة وتحبيسات وغير ذلك. وتفقّه بالشّيخ علماء أجلّة يخرج عددهم عن الحصر، ومن جملتهم الشّيخ الصّالح المكاشف سيدي علي الفرجاني (٥٥٤) نقل عنه أنّ الشّيخ كان يقرئ الإنس والجنّ معا، وشرح مختصر الشّيخ خليل بشرح لم يكمل. ولمّا عمّت بركاته وتزايدت خيراته امتدحه أهل / الفضل من شعراء زمانه كالشّيخ أبي عبد الله سيدي محمّد إبن المؤدّب الشّرفي - رحمه الله تعالى - فإنّه إمتدحه بقوله:

стр. 1053

[الطويل] تذكّرت عهدا من ليال تقضّت ... علينا بوصل ثمّ ألوت (٥٥٥) وولّت وعادت كأحلام تراءت لنائم ... فلمّا تولّى النّوم عنه تولّت أحنّ لذكراها وأصبو تشوّقا ... إليها وأرجو أن تمنّ بعودة ومن لي بها يوما تعود وتلتقي ... ونظفر يوما باجتماع الأحبّة ألا ليت شعري هل أفوز بوصل من ... له القلب يصبو كلّ يوم وليلة وأشتاق لقياه إذا ما ذكرته ... لعلّي أحظى من شذاه بنفحة بنفسي من بالعلم حاز مزيّة ... ورتبته فيها علت كلّ رتبة سما قدره بالعلم فخرا ورفعة ... ورفعته بالعلم أعظم رفعة أيا طالبا للعلم إن رمت تجتني ... ثمار علوم من رياض أنيقة فلا تعد إبراهيم ذا الفخر والعلا ... وذاك إبن عبد الله يا خير نسبة فشمّر وجدّ السّير واقطع مفاوزا ... إليه وخض بحرا وحطّ بجربة لتنظر نجما يهتدى بضيائه ... وشمسا إذا ما الليل أظلم ذرّت له منطق في الدّرس يعذب لفظه ... ويسحر ألبابا بأعظم (٥٥٦) رقّة يفوق لئالي (٥٥٧) الدّر درّا بنظمه ... ويخجل من حسناه كلّ يتيمة إذا مشكل يوما تعسّر فهمه ... جلاه وأبداه بأوضح حجّة وإن أمّه صاد من العلم يشتكي ... ظلما (٥٥٨) يلق بحرا يحوي كل ذخيرة (٥٥٩) فيا لك من بحر زلال إذا جرت ... جداوله بالعلم أروت وروّت فبادره واشرب من رحيق زلاله ... وغص بحره تظفر بكلّ فريدة وقبّل يديه والتمس من نواله ... وحيّي محيّاه بأزكى تحيّة سلام عليه كلّما لمع الضيا ... وغابت نجوم في السّماء وعنّت (٥٦٠) وما غرّدت (٥٦١) عند الصباح ترنّما ... حمائم في أعلى الغصون وغنّت (٥٦٢)

стр. 1054

وكانت ولادته ببلدة جمّنة سنة سبع وثلاثين وألف (٥٦٣)، وتوفّي ليلة الجمعة خامس أشرف الرّبيعين بمولده ﵊ سنة أربع وثلاثين ومائة وألف (٥٦٤)، فكانت مدّة إقامته بالمدرسة خمسين سنة، ولم يخلّف ﵀ عقبا ودفن بالمدرسة (٥٦٥). فلمّا سمع سيدي حسين باي ﵀ أمر ببناء قبّة على الشّيخ فبنيت وجاءت على أحسن ما ترى العين، وأبهج شيء عند النّفس مع أنّها بالحجر والجير، ولكن نور من الله قلّ أن يرى مثلها. قيل إنّ بعض الأمراء أمر بعض المهندسين ببناء قبّة على بعض الصّالحين فجاءت في غاية الحسن والبهجة فأمره السّلطان أن يبني له مثلها، فبنى قبّة لم ير عليها ما على قبّة الصّالح من النّور فغضب السّلطان وقال: إنّما أمرتك ببناء مثل الأخرى فما هذه؟ فقال: والله بذلت جهدي في إستقصاء الصّنعة في هذه أكثر من الأخرى، فهذه القبّة وأين الصّالح؟ لو نقلته لكانت كالأخرى، فتلك جسد بروحه وهذه جسد بلا روح، وشرف البقاع وحسنها إنّما هو بساكنها. ترجمة الشّيخ عمر بن محمّد الجمّني: وقام بالزّاوية بعد الشّيخ ﵀ الشّيخ الهمام الفاضل والعمدة الكامل إبن أخيه، وهو الشّيخ سيدي عمر بن محمّد - المقدّم الذّكر - فكان قيامه أحسن قيام، وله مشاركة تامّة في المعقول والمنقول. ترجمة الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الجمّني: وبعد وفاته / خلفه أخوه شيخنا الشّيخ أبو إسحاق سيدي إبراهيم بن محمّد، فقام بالزّاوية قيام أخيه ولحظه الباشا ﵀ لحظا قويّا وأحبّه لحب الشّيخ الأكبر،

стр. 1055

وأمر ببناء دور في الزّاوية فوق الدّور الذي بناه مراد باي - رحمه الله تعالى -. وفي أيّامه أرسل الشّيخ الصّالح سيدي عبد الرّحمان أبو سيف (٥٦٦) مكتوبا للشّيخ يأمره ببناء الفسقيه الكبيرة خارج الزّاوية تحت الوكالة الصّغرى، وأرسل من المال مائة دينار وقال: كلّما تزيده عرّفني به أرسل لك به، فبنيت وكانت من الأعمال النافعة المتقبّلة إن شاء الله تعالى. وفي أيّامه عظم النّفع وكثر الوارد على المدرسة حتّى بلغ عدّة الطّلبة سنة قراءتنا بها مائتين وسبعين طالبا، ما بين متعلّم للسّنّة ومتعلّم للقرآن الكريم، وعظم الإجتهاد مبلغا لم نره في غيرها شرقا ومغربا لأنّ عادتهم في قراءة المختصر أنّ يوم الإبتداء ينظر الطّلبة درسا من أوّله ودرسا من النّصف الثّاني وهو باب البيوع، فإذا جاء الليل دخل (٥٦٧) نجباء الطّلبة وتبع كلّ واحد منهم طائفة من المبتدئين فيقدّمون الدرس الأوّل إلى جوف اللّيل ثمّ يذهبون إلى خلواتهم لاستراحة النّوم، فإذا قرب الفجر جاء رجل عيّنه الشّيخ بيده عمود يضرب به أبواب الخلوات فيوقظهم ولا ينتقل عن باب خلوة حتّى يفتح صاحبها بابها، فإذا فتح باب خلوته إنتقل لغيرها، فتوقد المصابيح ويقدّمون لهم درس البيوع فيوافق / فراغهم طلوع الشمس، فيدخل سيدي أحمد بن عبد الصّادق (٥٦٨) بشرح الخرشي فيقرئ الدّرس الأوّل ثمّ يخرجون، ويرجع بعد الزّوال فيكمل الدّرس الثّاني، وإذا جاء الليل فعل المتقدّمون فعلهم الأوّل، فإذا أصبح الصّبح دخل سيدي إبراهيم بن محمد بالشّيخ عبد الباقي فيقرئ الدّرس الأوّل من المختصر ويخرج فيدخل سيدي أحمد بن عبد الصّادق فيقرئ ما قدّمه الطّلبة أوّل الليل، ويخرج قرب الزّوال فيأكلون نصيبا من تمر حبس الزّاوية ويسبغون وضوءهم، ويرجع سيدي أحمد بن عبد الصادق فيقرئ ما قدّمه الطلبة آخر الليل ثمّ يخرج فيدخل سيدي إبراهيم بن محمّد فيقرئ باب البيوع وهكذا يستمرّ الحال، فيقدّم المقدّمون ويقرئ سيدي أحمد ما قدّموه ويقرئ سيدي إبراهيم ما أقراه سيدي أحمد فتكون الختمة (٥٦٩) الواحدة بثلاث ختمات في تسعة أشهر، والذي يظهر فيه التأهّل من المقدّمين يجيزه الشّيخ ويرجع إلى بلاده، فيذهب كلّ سنة منهم

стр. 1056

طائفة قد تفقّهوا في الدّين إلى قومهم يفقّهونهم وينشرون الفقه في الآفاق ويأتي في السّنة التي بعدها طائفة غيرهم وهكذا. وأقلّ ما أقرأ الشيخ سيدي إبراهيم بن محمّد ستّين ختمة، وتفقّه به خلائق لا يحصون كثرة من جميع الآفاق، ولم يبق هذه الأيام من ذلك الذي كان إلاّ بقايا، فإنّ الطاعون جرف أكثر الفقهاء من بلاد إفريقية سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٥٧٠)، وسبحان من لا تغيّره / الدّهور. ثمّ إنّ سيدي إبراهيم بن محمّد إمتحن بني جلود كبار الوهبية (٥٧١)، وذلك إنه ﵀ كان لحظه الباشا فاستنقذ أكثر النّاس من البدعة (٥٧٢) وأدخلهم في السّنّة، ورجع جملة من الخطب للسّنّة. فلمّا فرغت أيّامه ﵀ طلب بنو جلود أن يكونوا قيّادا على البلاد فأسعفوا بذلك لخفاء دسائسهم على الأمير، فلمّا تولّوا سعوا في الأرض ليفسدوا فيها (٥٧٣) فسعوا بسيدي إبراهيم وأظهروا باطلا في صورة حقّ وحلفوا بأيمانهم فانخدع الأمير لهم، وجعلوا على الشّيخ أموالا ثقيلة غرامة وضايقوه في استخلاصها منه، فالتجأ إلى النّاس واستلف منهم الأموال، فلمّا عجز خاف من السّجن بغضا منهم لرجال السّنّة، فكمن الشّيخ وأرسل خلف الرئيس أحمد غربال الصّفاقسي، وكان رجلا شجاعا مقداما مجاهدا لا يبالي بالرّجال بحرا ولا برّا، قلّوا أو كثروا، فلمّا حضر بين يديه كشف له الشّيخ عن حاله وما هو فيه فأخذت الرئيس أحمد حميّة السّنّة وغيرة الإسلام، فقال له: ما الذي تريد نفعله لك؟ قال: تخرج بي من هنا لصفاقس نذهب للأمير ونعتذر له ونكشف له عن تلبيسات هؤلاء الظّلمة المفترين (٥٧٤)، ونستشفع بأهل الفضل والخير، فقال له: على بركة الله، فلمّا جنّ عليه الليل التحف الشّيخ في صورة رجل من رجال البادية كي لا يعرف في الطّريق، ولمّا وصل البحر إلتحف بصورة إمرأة وحمله على ظهره ودخل به البحر لمّا جزر ماؤه، وكان دخوله من غير الإسقالة لئلاّ / يفطن به أحد، فلمّا وصل السّفينة أدخله فيها، واجتنبه النّاس لظنّهم أنّه حرمة مسافرة معهم، فأدخله في بيت في مؤخّر السّفينة وغلق عليه الباب وسافر به ولا شعور لبني جلود بذلك، فلمّا وصل

стр. 1057

لصفاقس ذهب لتونس واستشفع بإخوانه الفقهاء كالشّيخ أبي عبد الله سيدي محمّد الغرياني وأضرابه، فعرّفوا الأمير بحقيقة الشّيخ وسعيه في إحياء السّنّة وإماتة البدعة وما هو عليه من نشر العلم ونفع العباد به، وإنّ ما فعله به بنو جلود إنّما هو لبغضهم في السّنّة وأهلها، فقبل شفاعتهم في الشّيخ وفرح به وأكرم نزله وأزال ما كان عليه من الغرامة وردّ عليه ما بذله (٥٧٥) ظلما وأرجعه إلى وطنه مسرورا مجبورا، فأقام بزاويته حتّى حضرت منيّته سنة نيف وسبعين ومائة وألف (٥٧٦). ترجمة الشّيخ أحمد بن علي ابن عبد الصّادق الطرابلسي الحامدي: وأمّا الشّيخ (٥٧٧) أبو العبّاس سيدي أحمد إبن الشّيخ الصّالح سيدي علي بن عبد الصّادق الطرابلسي (٥٧٨) فإنّه ﵀ كان رجلا فاضلا فقيها محدّثا نحويا عارفا بالسّير والمغازي وأيّام النّاس ووقائعهم، له بمختصر الشّيخ خليل خبرة زائدة واعتناء كبير، وكان في غاية ما يكون من الفصاحة، كامل القامة، حسن الصّورة والسّيرة، ذا مروءة وشهامة وهمّة. كان والده من تلاميذ سيدي إبراهيم بن عبد الله الجمّني، وشرح صغرى الشّيخ السنوسي، والمرشد المعين وغير ذلك، فتفقّه سيدي أحمد صاحب التّرجمة بوالده المذكور، ثمّ رحل إلى مصر فتفقّه / بالشّيخ البليدي وغيره، وكان سريع الحفظ، وكثير النّقل، ولمّا رجع إلى طرابلس سعى به بعض الحسدة عند سلطانها فخاف البطش به ففرّ لفزّان فأقام عند أميرها عزيزا مكرّما حسن المثوى (٥٧٩) وجعله مستشارا في أحكامه، ما وافق منها الشرع أمضاه وما خالفه ردّه، فأقام عنده مدّة، فلمّا أحسّ بعدم الطّلب له وأمن من الشّر رجع إلى طرابلس وتزوّج بها واشتغل بالعلم، وصاحبه الشّيخ أبو عبد الله محمّد أبو عتور الصّفاقسي، فسعى به الحسدة، ففرّ لجزيرة جربة بنفسه، فنزل على الشّيخ سيدي إبراهيم الجمّني بن محمّد، فقبله وأكرم نزله، وعرّفه

стр. 1058

بحاله، فقال: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٥٨٠)، فاستشفع به لسلطان طرابلس في إرساله زوجه له، فقبل شفاعته وأرسلها له مع جدّها فاستقرّت به الدّار، وجعل له سيدي إبراهيم مرتّبا من الباشا ﵀ ليقرئ دروسا (٥٨١) بجامع الغرباء من جربة، ويقدّم للطّلبة حسبما مرّ آنفا، فانتظم حاله واستقامت أيّامه وبذل مهجته في العلم غاية البذل، وترك الدّنيا وما عليه أهلها، وكانت سنين مخصبة في أمن وعافية. وفي سنة سبع وستّين ومائة وألف (٥٨٢) كانت قراءتنا المختصر على شيخنا سيدي إبراهيم وشيخنا سيدي أحمد بن عبد الصّادق، وكان للشّيخ سيدي أحمد قوّة غوص على غوامض الفقه وحلّ عقد مشكله لقوّة حفظه ونقله وتفريغ سرّه، فاستفدنا منه خيرا كثيرا، وامتحنه أبناء جلود / كما امتحنوا سيدي إبراهيم إلاّ أنه لم يقدر على الفرار بنفسه فأشخصوه مقيّدا فحصل لنا من الغمّ ما لا يعلمه إلاّ الله. ولمّا وصل لتونس تلقّاه أبو عبد الله الشّيخ أبو عتّور فشفع له عند السّلطان فشفّعه فيه وأعطاه مدرسة ببير الحجار من تونس الذي استجدّها الباشا ﵀ وجعل له بها مرتبا يكفيه مؤنة عياله فرجع إلينا مسرورا مجبورا، ودخل جربة فاستخرج أهله وقدم علينا بهم في أمن وسلامة، فأنزلناهم بسيدي علي عبد النّاظر واكترينا لهم إبلا وبغالا وركبنا معهم لتونس، فحصل لنا بسفرنا معهم أنس وسرور حتّى أوصلناه تونس، فنزل بدار قرب المدرسة وودّعناه وسافرنا، فأقام بها إلى أن حضرت منيّته سنة نيف وتسعين ومائة وألف (٥٨٣) - رحمه الله تعالى -. ترجمة الشّيخ علي بن الشّاهد المنيي: ومن أجلّ من أخذ عن الشّيخ سيدي إبراهيم بن عبد الله الجمّني شيخنا سيدي علي ابن الشّاهد المنيي - رحمه الله تعالى - كان بإفريقية أشهر من نار (٥٨٤) على علم لأنّه طالت مدّته، وطارت فتاويه بها شرقا وغربا، وكان مسدّدا في فتاويه لا يتوقّف في

стр. 1059

الفتوى لأنّه أحضر موادها، وجعل على النّوازل قطع ورق علامة عليها، فإذا أتى السّائل يضع يده على الكتاب الذي يعلم فيه نازلته، ويفتح مظنتها (٥٨٥) فيجد كأنّه وضع العلامة بعد السّؤال، ولا يكتب جواب السّائل حتّى يقرأه عليه، فإذا فرغ من كتب الجواب ناوله السّائل ما تيسّر فيأخذه ويضعه تحت / جلد هو جالس عليه، وهكذا يفعل مع كلّ سائل، فإذا فرغ النّاس من أسئلتهم أتاه قريبه فيعطيه ما حضر فيأخذ ما يحتاجه من حطب وخضرة وزيت وفاكهة، ولحم إن فضل شيء للحم، فيضع ذلك على حمارة ويرجع لأهله. هذا شأنه ﵀ فكان متقلّلا من الدّنيا لا يأخذ منها إلاّ قدر الحاجة، ولمّا مات أعان أهل الفضل على كفنه. وكان تفقّه على الشّيخ الصّالح سيدي إبراهيم بن عبد الله الجمّني فتقدّم على أقرانه، واتّفق أنّ الشّيخ كان يوما في درسه فدخل إباضي (٥٨٦) يسأل ويقول: إنّكم معشر الأشعرية لا تكفّرون بالذّنب وتقولون بالشّفاعة للمذنبين مع أنّ إبليس أبلسه الله من رحمته، وختم عليه الشقاوة والخلود في النّار، ولم تقع منه إلاّ معصية واحدة هي عدم السّجود لآدم، فكيف بمن وقع في محرمات لا تحصى وفظائع لا تستقصى؟ وكان الشّيخ ﵀ مشغولا بتقرير مسألة فالتفت وقال: ما لهذا الرّجل؟ قالوا: هو يسأل عن كذا وكذا، فقال: من يجيبه منكم؟ فقال الشّيخ صاحب التّرجمة: أنا أجيبه بما نصّ عليه إبن عرفة - رحمه الله تعالى -: إنّ كفره وإبلاسه ليس من عدم السّجود بل من نسبة الباري - جلّ ثناؤه - لعدم الحكمة وتجويره وتخطئته في حكمه لأنّه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٥٨٧) ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٥٨٨)، ثمّ توعد بوقاحة ومعارضته لأحكام الحكيم العليم / فقال ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٥٨٩) إلى غير ذلك ممّا يدلّ على سوء أدبه مع الله، فقال: أجبه بذلك وأنت مفتي إفريقية، فكان غاية في فتواه. وأخذ عنه خلائق لا تحصى، وأخذنا عنه «كشف الأستار عن علم حروف الغبار» تأليف الشّيخ أبي الحسن علي القلصادي - رحمه الله تعالى - فلمّا أكملنا الجزءين

стр. 1060

الأوّلين وقف على جزء الجزور وقال: لا أزيد على هذا، فقلت: مرادنا ختم الكتاب، فقال: ها هنا وقف بنا شيخنا سيدي إبراهيم، فوقف ولم يزد. ولمّا امتحن مع إخوانه من فقهاء الأوطان في أيّام الباشا ﵀ بتغريبهم لتونس وطالت مدّة غربته ﵀ وتعسّر وجه الخلاص، وكان الباشا - سامحه الله - رجلا شهما صلبا تتنازعه نفسه للإنتقام فقال بحضرة الشّيخ أبي الحسن المترجم: مذهب أبي حنيفة عدم المؤاخذة بالتّهمة، والنّاس كثر شرّهم وكثرت فيه التّهم، وددت أنّي نجد في مذهب من المذاهب جواز المؤاخذة بالتّهمة لنقمع هؤلاء الفجرة أولي التّهم، فأجابه الشّيخ المترجم، بأنّ مذهب مالك على جواز المؤاخذة بالتّهمة، قال ابن عاصم في رجزه: [الرّجز] وإن يكن مطالبا من يتّهم ... فما لك بالسّجن والضّرب حكم. فأظهر الباشا الفرح والسرور وقال: أنا آخذ في هذه المسألة بمذهب مالك وأقلّده فيها والحمد لله أن حقّق الله / رجائي وذلك لأنّه كان يقول: نرجو من الله أن يكون كلّ من قتلته أو ضربته أو سجنته ما فعلت به ما فعلت إلاّ بوجه شرعي لا بتشفّ وغرض نفسي (٥٩٠) ثمّ قال: يا فقيه، قد عفوت عنك، إرجع لوطنك على ما كنت عليه من الفتوى، فرجع وأقام على حاله إلى أن أدركته منيّته بجربة سنة نيف وسبعين ومائة وألف (٥٩١). ترجمة الشّيخ الولي محمّد عبّاس: ومن مجاذيب صفاقس الشّيخ الصّالح العارف بالله أبو عبد الله سيدي محمّد عبّاس. كان ﵀ على قدم عظيم وأمر مشتبه على من لا يحسن الإعتقاد، قيل إنّ بعض النّاس [قال]: كيف يكون هذا من الأولياء ولم يظهر له كرامة ولا ما يوجب

стр. 1061

إعتقادا؟ وأنا أريد اليوم إختباره، وكان يوم جمعة وكان الشّيخ له دكّان قرب باب البحر يخلو فيه (فقال: أرقبه هل يصلّي الجمعة اليوم، فجاء الشّيخ وأطبق باب الحانوت) (٥٩٢) وبقي الرّجل ينتظر وقت الصّلاة، فلمّا أذن بالصّلاة وذهب النّاس بقي الحانوت على حاله، فأدخل الرّجل بصره خلال الباب ليبصر الشّيخ وما يصنع فما وجد في الحانوت أحدا فبقي متعجّبا، فلمّا إنصرف النّاس من صلاة الجمعة فتح الشّيخ باب حانوته وخرج وهو يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رجل أضاع ما فرض الله عليه من صلاة الجمعة لينظر ما يصنع محمّد عبّاس! هذا محمّد عبّاس صلّى الجمعة بالمسجد الحرام وهو أضاع ما فرض الله عليه وقد تقدّمت قصّته مع الشّيخ الشّرفي. وذكر / الشّيخ أبو عبد الله محمّد الغراب تلميذ الشّيخ النّوري إنّه قال: لمّا دخلت مصر وجدت رجلا صالحا يرميه الأصاغر بالحجارة ويشتمونه وهو يقاسي منهم أشدّ الأذية، قال: فوقفت أنظر متعجبا وقلت: كما يفعل أطفال المغرب بأهل الله يفعل أطفال المشرق بأولياء الله، فما استهمت الكلام إلاّ وقد قال لي: يا سيدي الحاج: من أي البلاد أنت؟ قلت: من تونس، فقال: من أي تونس؟ قلت: من صفاقس، فقال: الآن صلّينا على الشّيخ محمّد عبّاس بصفاقس، حياتكم الباقية، قال: فقيّدنا ذلك فكان كذلك. ولمّا انتقل (لرحمة الله) (٥٩٣) دفن بداره بحارة الصناع أمام القصبة (٥٩٤) وهو مشهور مزار، ولم نقف على تعيين سنة وفاته، فهو من أوّل القرن الثّاني عشر. ترجمة الولي عمر كمّون: ومن مجاذيب صفاقس سيدي عمر كمّون، بفتح عين عمر على جاري لهجة صفاقس (٥٩٥) فتح عين عمر وهي موجودة في بعض أهل الحضر حسبما نصّ عليه السعد

стр. 1062

في شرح التّلخيص عن بعض أهل العراق إنّهم يفتحون العين من عمر، وساق حكاية أنّه دخل عليه رجل ممّن غلب على لهجته فتح عين عمر، فلمّا نطق بذلك ضحك منه الحاضرون، قال: فلم يدر سبب ضحكهم، قال: فضممت عيني ففطن لذلك، فعجب الحاضرون من سرعة فهمه. كان - رحمه الله تعالى - في ابتداء أمره رجلا جزّارا ضاقت عليه الحيل في معيشته، فلمّا جاء أوان الرّبيع خرج النّاس لزيارة أهل الخير بالسّاحل (٥٩٦)، فخرج معهم من ضيق الحال ولمّا / وصل لبلاد جمّال وجد اللّيم الحلو (٥٩٧) فأخذ مقدار خمسين واحدة، وكان للشّيخ سيدي عامر المزوغي بنت مريضة إشتهت اللّيم الحلو فلم يجدوه مع شدّة الطّلب، فلمّا وصل لزاوية سيدي عامر (٥٩٨) بلغه الخبر فأهدى ما معه من اللّيم للشّيخ، فقال له الشّيخ: نلت جميع البركة فأدخله خلوته وألقمه ثديه فما رفع رأسه إلاّ وقد انجذب بهمّة الشّيخ فصار كالولهان، وساح في الأوطان لزيارة الصّالحين قدر سنتين، فلمّا كمل أوانه أشار عليه الشّيخ بالرّجوع إلى صفاقس، ولمّا رجع له صحوه قال: كانت لغير الله فصارت لله، ما كنت خرجت إلاّ لضيق حالي حتّى وسّع الله من فضله. ولمّا قدم الباشا لصفاقس أصابته حمّى يوم قوية، فخاف منها فسأل هل في البلد من الأولياء فدلّ هلى هذا الشّيخ، فأحضر بين يديه وشكا إليه مرضه، فوضع يده عليه وقال: لا بأس عليك، غدا - إن شاء الله - يحصل اللّطف والشّفاء، ففرح الباشا بذلك وخرج الشّيخ واشترى شيئا من السمك وطبخه بالسكنجبير المتّخذ من ماء الزبيب والخلّ الطّيب، وجعل فيه شيئا من حوار الأبزار، وبعد إستوائه ونضجه فتّت فيه شيئا يسيرا من خبز الشّعير، ولمّا ساغ شربه أمره بالأكل من فتت الخبز وشرب المرق، فتوقّف في أكل الشّعير فقال: كل وتوكّل على الله فإنّ أصل كلّ خير التّوكّل على الله، فتوكّل على الله وأكل ما تيسّر للبركة، وشرب من المرق بقدر الإستطاعة، ثمّ أمره بالرّقاد / وغطّاه بغطاء ثقيل، وقعد عند رأسه، ومنع خدّامه أن يتولّوا أمره، واشتعلت فيه حرارة الأبزار، وغاصت في أعماق بدنه بالسكنجبير، فلمّا اشتعلت الحرارة طلب كشف الغطاء

стр. 1063

فمنعه، فاشتدّ به الحال حتّى كادت نفسه تزهق وهو يصبّره، ويعلّله، ويعده بالفرج، وأنّ الفرج مع الصبر، فقويت الحرارة الغريزية بحرارة الأبزار وتلطفت بالسكنجبير فانهزم عارض البرد الذي كان أصابه وأمرضه، فخرج العرق البارد بعد استكمال نضج الخلط، وخمد (٥٩٩) البحران، وانتشرت الحرارة، وانتعشت القوى، فانبسط الباشا، ولمّا ابتل دثاره غيّره الشّيخ، وجعل كلّما ابتل شيء من العرق غيره بثياب نظيفة طيبة برفق بحيث لا يدخل البرد إلى الجسد، فلم يزل به حتّى إنقطع العرق وانتشرت الحرارة الغريزية الطّبيعية على سطح الجسد، فجعل يخفّف عليه الغطاء شيئا فشيئا حتّى تأنّس بالهواء وصحّ الجسم وزالت العلّة، ففرح الباشا بذلك وقوي اعتقاده في الشّيخ من حيث أنّه وعده بالعافية وقد يسّر الله بها بلطف على يد الشّيخ ورفقه، فلمّا سافر لتونس صار يقول: رأيت وليّا بصفاقس، وعظم أمر الشّيخ عند أهل حضرته، ثمّ أرسل له رسولا بفرس وأمره بالقدوم عليه ويستصحب ولديه معه فأبى الشّيخ من ركوب الفرس وقال: نفسي لا تساعدني على الرّكوب إلاّ على البعير، فأخذ بعيرا وجعل عليه محملا (٦٠٠) وجعل كلّ واحد من ولديه (٦٠١) في شقّ، وركب هو في الوسط / وسار فسبق الرّسول وأعلم الباشا بذلك فزاد اعتقاده، ثمّ قال للرّسول: أعرض (٦٠٢) له هذه الثّياب يتجمّل بها للقاء النّاس وعرّفه أنّي متلقّيه بأصحابي فأبى من لبسها وقال: يكفيني ما أنا عليه، فتلقّاه الباشا وفرح به، وأكرم نزله وأحسن مثواه، ولمّا جاء الليل فرشوا له من فروش الباشا شيئا نام عليه هو وإبنيه (٦٠٣)، وكانا صغيرين فاستيقظ الشّيخ فوجد أحدهما شخّ (٦٠٤) على الفراش، فارتاع الشّيخ وانتهر الولد وضربه فبكى، فسمع الباشا ببكائه فاستفهم عن بكائه، فاحتار الشّيخ في الجواب، فألحّوا عليه حتّى عرّفهم بالقضيّة، فإذا بقارع يقرع الباب فقال: يا سيدي هذا كنز وجدناه في مكان كذا، فما تأمر به؟ فضحك الباشا وقال: ما شاء الله ما ضرّنا هذا الشّخّاخ بل حصلت لنا به بركة،

стр. 1064

شخاخه بكنز إن ذا الخير كثير، فلمّا أصبح أعطاه ثمانمائة ريال وقال: خذ هذه إستعن بها على زمانك، فنزل بها فما أتى الليل إلاّ وقد فرّق جميعها، ثمّ جهّزه الباشا واعتقده، وبنى له زاوية (٦٠٥) بصفاقس داخل البلد تحت السّور في جنوبيها شرقا من باب البحر وهي معروفة. وبنى الشّيخ هناك قبرا كان أعدّه لدفنه، فمات الشّيخ سيدي محمّد المصري أحد مريديه فآثره به (٦٠٦) ولمّا حضرته الوفاة دفن خارج البلد على شاطئ البحر وقد صار الآن بوسط الربض وبنى عليه أهل الخير قبّة (٦٠٧) مشهورة به، وتصدّق عليه بعض أهل الخير / بداره فبيعت وبني بها تلك الآثار المحيطة بقبّته. وضاق به الحال مرّة من كثرة الزّائرين، فخرج يوما من باب البحر فلقيه رئيس (٦٠٨) جربي فقال له: إعطني سلما (٦٠٩) على خمسين قفيزا من الشّعير لدرس الأندر، فقال: وأين نادرك؟ فأشار إلى نادر كبير، فاطمأنّ الجربي ونقد ثمن الخمسين قفيزا، فلمّا درس النّاس أندرهم جاء الجربي إلى النّادر فوجد النّاس يدرسون فقال: أين الشّيخ كمّون صاحب النّادر؟ فقالوا له: ذاك فقير، ليس هذا له، فأشفق الجربي وأيس من ماله فذهب هائما، فلقي الشّيخ فقال: يا شيخ، النّادر لغيرك فأين الشّعير؟ فقال: كن هانئا وعن قريب يأتيك خلاصك، فاحتار الجربي وبقي بين الخوف والرّجاء، فبعد أيّام وإذا به أتاه وقال: أين تضع الشّعير؟ فقال له: في السّفينة وهي على شاطئ البحر، قال: فإذا بثلاثين جملا محمّلين شعيرا، فقال: ها هو شعيرك، فقال: وما تجيء هذه من الخمسين قفيزا؟ قال: تحصل البركة وتأخذ حقّك بالوفاء والتّمام، أرح قلبك وكن هانئا، وأحضر الكيلة (٦١٠) واكتال حتّى وصل ستّين قفيزا فقال الجربي: هذا ما تحمل سفينتي وليس عندي ما ندفعه في الزّائد، فقال له الشّيخ: لو سكتّ لكثر خيرك ولكن هذا نصيبك والعشرة زائدة على الخمسين خذها لوجه الله.

стр. 1065

قال حفيده: واشتدّ به الحال مرّة أخرى فباع أبواب داره لرئيس جربي فتعطّل سفره إلى أن تيسّر حال الشّيخ فجاء إلى الرّئيس الجربي وقال له: ردّ عليّ الأبواب / وخذ ما أعطيتني فأبى، فقال: إن لم تأخذ حقّها وتردّها أخذناها مجانا، واشتهرت القضيّة فأبى، فلمّا نام الجربي أدركته منيّته ليلا فأصبح ميّتا فأنزل رفقاؤه الأبواب وقالوا: خذ أبوابك لا حاجة لنا بها. ولم نقف على تعيين سنة وفاته إلاّ أنّه من أهل القرن الحادي عشر. ترجمة الولي شعبان زين الدّين: ومن مجاذيب صفاقس المتأخّرين سيدي شعبان زين الدّين. كان مشهورا بين النّاس بالصّلاح، والجذب غالب عليه، قال أبو عبد الله محمّد الشّرفي، الشّهير بالصّوفي: كانت طريقة سيدي شعبان أنّه يملأ حيضان ميضاة زاوية الشّيخ النّوري، فاتّفق أن ذكرت (٦١١) سيرته وذكروا أنّه من أولياء الله فأنكرت أن يكون من أولياء الله، ولم يطّلع علينا أحد إلاّ الله تعالى فيما قلنا، قال: فأتيت ليلة غرّني الليل وحسبت أنّه آخر الليل فإذا به نصف الليل، فدخلت الميضاة لنتوضّأ فإذا بسيدي شعبان يملأ الماء فناداني في تلك الظّلمة باسمي وقال لي: بماذا تتعلّق قدرة الله وكنت قاصرا في علم التّوحيد؟ فأكّد عليّ الطلب ولم نجد ما نجيبه به حتّى اقشعرّ جلدي وأخذتني هيبة ورعب، ففررت بنفسي وتبت إلى الله تعالى وسلّمت أمره وعلمت فضله. وهو من أهل القرن الثّاني عشر، مدفون بضريحه المشهور (٦١٢) به على شاطئ البحر تحت ركب البلد الجنوبي الشرقي. ترجمة الولي أبي عبد الله محمّد المسدّي: ومن مجاذيب صفاقس المشهورين الشّيخ أبو عبد الله / سيدي محمّد المسدّي. كان ﵀ من دار أصحاب دنيا عريضة، فأعرض عنها ولم يتعلّق بشيء منها سوى قميص وجبّة وقلنسوة، فيمشي بلا نعل. وكان معقول اللّسان لا يتكلّم إلاّ بكلام قليل

стр. 1066

غير واضح الدّلالة يفهمه من لازمه، وزوّجه أهله فأبى، فعقدوا وزفّوا وبيّتوا معه الزّوجة فلم يلتفت إليها مع كثرة المراودة منها له، ثمّ رجعت إلى أهلها. وكانت له إشارات، فمنها أنّ النّاس كانوا في أيام المرحوم سيدي حسين باي في غاية الأمن، ولا يغلق باب البلد (٦١٣) إلاّ قريب العشاء لانتظار أرباب الفلاحة والبساتين، فصار الشّيخ يأتي لصاحب الباب ويقول له: إلى العشاء يا كلاب (٦١٤) كالمتوعّد المنهر، فلم تمض أشهر قلائل إلاّ وقد وقعت فتنة مع الباشا - رحمهما الله - فصار البوّاب يغلق من المغرب. ومن إشاراته ما حكاه معلّم الأطفال الفقيه سعيد أبو ريشة أنّه قال: كان يأتينا من السّحر إلى السّحر ويقرع بابنا ويقول: مال الباي (مال الباي) (٦١٥) بكلام غير واضح، فلم ندر مراده، فاستحدثنا بدارنا داموسا، فلمّا توسّطنا العمل فإذا بأزيار فخّار ملآنة بالرّيالات فأحضرنا قائد البلد فأرسل المال إلى الباي. ومنها أنّه قال لأمّ محمّد السيالة: إن ابنك سيصير قائدا، فقالت: إن صدقت بنيت لك روضة، فكان ما قال، فبنت له روضة قرب الشّيخ الوحيشي / على قبره، وتوفّي سنة نيف وخمسين ومائة وألف (٦١٦). ترجمة الولي أبي الفوز سعيد حريز: ومن مجاذيب أهل صفاقس ممّن أدركناهم الشّيخ أبو الفوز سيدي سعيد بن سعيد حريز، ذوا الكرامات المشهورة والإشارات المأثورة، أصل آبائه من بلد المحرس فانتقلوا لسكنى صفاقس، وبها ولد الشّيخ - رحمه الله تعالى -. كان سيّدا نبيلا وحصورا جليلا، نشأ مجذوبا معقول اللّسان بعقدة طبيعة، من شاهده تحقّق أنّه من الله لا بتصنّع كما يفعله بعض الملبسين، وقد يتكلّم قليلا فينادي الرّجل: يا عم، والمرأة: يا حنّة، وقد ينادي: يا عيش (٦١٧) لأكثر النّساء (٦١٨) وإن لم يكن إسما لها، وقد ينطلق (٦١٩) لسانه بالأسحار وجوف الليل بالأسوار والخلوات فينطق

стр. 1067

بكلام العارفين بالله بلفظ فصيح لا عقدة فيه ولا لكنة. وكان عقد لسانه في الخطاب عناية من الله لأنّه ﵀ كان ممّن أوقفه الله في باب المكاشفة. ويقصده النّاس من كلّ ناحية ويسألونه عن الأمور قبل ظهورها لهم، فإن أجاب بالواقع كلّ أحد فربّما كان الخبر بما يسوء النّاس فانعقد لسانه - رحمة (من الله) (٦٢٠) للخلق -، وكان مبشّرا بالمسرّة إشارة، وقد يبشّر بقدوم المسافر فيقول: جاء جاء، كاتما للمصيبة، فيبشّر أهل المسافر وأهل المريض ممّن كتب الله سلامته وعافيته، ومن تعسّرت عليها الولادة ودخل عليها دلّ على / خلاصها على أحسن حال، ولا تخطئ بشارته قطّ إذا قالها من عند نفسه، أمّا بالتّلقين وكثرة الإلحاح (٦٢١) فلا يفيد خبره شيئا، لأنّ الولي إذا أطلعه الله على شيء أنطقه به وإن أراد الله البشارة به ولا يحتاج لسؤال ولحّ، وإن لا فلا، فلا تأخذ من الولي إلاّ ما لاقاك به من غير مواعدة. وكان ﵀ حسن الخلق محبّبا عند جميع النّاس فيتحمّل منهم أذيّتهم ويقبلها بعفو وصفح، ويعامل الكبير والصغير، والحرّ والعبد، والذّكر والأنثى، والغني والفقير، والقريب والبعيد معاملة واحدة، وكلّ من أوقفه وقف له، ويضع ﵀ يده على صدره كالإشارة بأنّي ضامنك، وقد يسأل فيقال: أضامن؟ فيشير بيده أن نعم. وكان لا يقبل من أحد دينارا ولا درهما، ولم يمسّه قطّ، نعم إن وعده أحد من أهل الخير بشيء سرّا جاء ومعه نقيبه فيقول النّقيب: هل وعدت الشّيخ بشيء؟ فيقول: نعم، فيذهب الشّيخ ويتسلّم النّقيب ما فتح الله به. وله بعض أحبّة مخصوصين يقصدهم ويدخل دورهم غائبين وحاضرين ويأكل من طعامهم وربّما أشار لأهل المحلّ باستدعاء طعام فيحضر له ما تيسّر فيأكل ما قسم له، ولا يظهر الغضب قطّ إلاّ لمن وقع منه منهى عنه سرّا، فيضربه ضربة أو ضربتين أو ثلاثا وجيعات، وقد يعضّه عضّا شديدا فيفهم صاحب المعصية فيتوب من وفّقه / الله تعالى، وكان محبا لزيارة الصّالحين أحياء وميتين، ويسافر مع الناس لزيارة أولياء الساحل (٦٢٢)، وإذا عملوا السّماع أخذه الحال والتّواجد حتّى لا يملك نفسه ولا يضبط حسّه، ومهما

стр. 1068

حلّ (٦٢٣) بالنّاس أمر مهمّ من غزو أو دفع عدوّ كان معهم في جهد جهيد، وربّما نشّط من رآى منه كسلا محبّا لجميع المؤمنين، ويظهر التّحنّن والشّفقة عليهم، ويعتقده حتى أهل الكفر لما يرون فيه من عدم التّصنّع والتّلبيس، ظاهره كباطنه، ورؤيته تذكر الله وتشرح القلب المحزون، وتزيد الإيمان بالله ورسوله، ومحبّة في الدّين وأهله عن تجربة، ويلعب مع أطفال المسلمين ولو آذوه، ويحثّهم على اللعب الذي يكون من مبادئ الحرب ويشليهم (٦٢٤) على بعضهم ليدرّبهم على الجهاد ودفع العدوّ وصولته. وبالجملة فهو حبيب محبّب لجميع الخلق، وكلّ من لقيه أو دخل عليه محلّه حصل له من الفرح والسّرور ما لا يعلمه إلاّ الله. توفّي والده وهو صغير فكفلته أخته، ويسّر الله رزقه على أيدي أهل الخير ومن النّذور عند شدّة مرض أو تعسّر ولادة أو فقد مسافر، ويكون ذلك موافقا لما قضى الله وقدّر وقوعه من سلامة العاقبة، ومدّة حياته وأهله في سعة رزق ببركته، وكان في ظاهره ممنوعا (٦٢٥) من التدبير والتّصرّف، لم ينتقل عن أخلاق الصبيان فلا يستطيع / تغيير ما تدنّس من أثوابه ولا على إزالة ما تعلّق به من الأوساخ، بل تباشره أخته في جميع ضرورياته كما تباشر الصّبيّ، وقد يباشر ذلك أهل الخير من النّساء والرّجال فيغسلون رجليه ويديه ويقلعون الشّوك من رجليه لأنّه لم ينتعل قطّ، ويرجّلون شعر رأسه لأنّه لم يلبس قلنسوة قطّ، وكلّ من سأله إزالة شيء من شوك رجليه فرح بذلك ولو كان من ذوي الأقدار بل ربّما طلب أهل الخير أن يلوا ذلك منه فيسعفهم بمطلوبهم وحاله في لباس الصّيف حاله في الشّتاء الجبّة الخضراء والقميص. وكان يعود المرضى ويدعو لهم بخير بالإشارة، ويبسط يديه للدّعاء ويمسح بهما وجهه، وإذا قدم النّاس من أسفارهم تلقّاهم وأظهر الفرح والسّرور والإستبشار بسلامة المسلمين، وإذا غنموا زاد فرحا، وإذا سافروا ودعهم ويأخذون خاطره ويطلبون رضاه فيسعفهم بمسؤولهم، وله محبّة خاصة أكيدة في معتقديه ومحبّيه، ويدخل عليهم من غير إستئذان، ولا يحتشم أحد منهم بل يدخل الرّجل فيجده في داره فلا يتغيّر لذلك بل يظهر السّرور به لأنّه ممّن سلم المسلمون من يده ولسانه، وزهد فيما في أيدي النّاس من مال وحريم (الدّار والمدر) (٦٢٦) والنّساء

стр. 1069

والحجر عنده سواء لأنّه حصور لا شهوة لفرجه ولا لعينه ولا ليده ولا لقلبه، ينظر الحسناء بعين / الشوهاء (٦٢٧) لا يفرّق بينهما إلاّ بالطّاعة، فيحبّ أهل الخير ويظهر له المحبّة، ولا يعنف من استتر في معصية بل قد يشير بحيث لا يهتك السّتر إشارة يفهمها من وقع فيها كالضّرب كما تقدّم. وإذا نزل بالنّاس قحط واستسقوا كان في أوّلهم، وإذا كانت أفراح للمسلمين كان معهم. ولمّا وقع الطّاعون سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٦٢٨) بتونس قال بعضهم: قمت في جوف الليل وغرّني الوقت فخرجت فلم أجد أحدا في الطّرقات، فبينما أنا سائر وإذا بصوت رجل يتأسّف ويتحسّر ويقول: آه عليك يا بلدي، آه على إخواني المؤمنين وهو يتأسّف ويسترجع بصوت لا عقد فيه ولا لكنة فتقدّمت يسيرا فوجدته الشّيخ، فعن قريب وقع الطّاعون الجارف فذهب بأهل الخير والصّلاح، فعلى ذلك كان يتأسّف، فهو ﵀ كان ممّن جبله الله على حبّ الخير للمسلمين، وكل (٦٢٩) أحد يظنّ أنّه مختصّ منه بمحبّة زائدة على غيره أكثر ممّا يجده الأولاد من آبائهم لأنّ بعض الآباء قد يظهر ميلا ولا ميل عنده. وكان من أهل الخطوة قد شاهده بعضهم على عرفة، ورآه بعض المغاربة مقبلا في الطّريق بصفاقس وكان من الغرب الأقصى فقال: هذا الشّيخ من هذه البلاد؟ فقال له بعض الحاضرين: نعم، فقال: رأيناه على عرفة، فلمّا وصل الشّيخ أشار إليه أن أسكت مع أنّه / لم يفقد من بلده، ولم يسافر إلاّ لزيارة أولياء السّاحل مع إخوانه الزّائرين وهو صاحب درك (٦٣٠) البلد، وقد يقوم بعض النّاس ليلا فيجدونه (٦٣١) فوق السّور دائرا أو واقفا بين شرّافتين منه وقد يشاهد خارج البلد ولا يصبح إلاّ في داره. وقد ذكرت بعض النّساء الصّادقات أنّه إذا تعذّرت الولادة وأيس أهل المرأة من خلاصها وأراد الله خلاصها دخل هذا الشّيخ، فتارة تخلص بمجرّد حضوره، وتارة يضع يده على المرأة فيحسن الله خلاصها، فدخوله علامة على السّلامة. والكلام عليه يستدعي مؤلّفا مختصّا بل لا يكفي فيه مؤلّف واحد لأنّ كل أحد قد

стр. 1070

شاهد من بركاته شيئا كثيرا، وتتبّع ذلك يطول، والمقصود هو الإعلام بأنّه كان من أولياء الله المقرّبين، صاحب الوقت في هذا القرن الثّاني عشر في بلده، هذا المحقّق عندنا، وكونه من الأوتاد أو الأبدال أو النّقباء أو النّجباء لا نعلمه إلاّ أنّ علامات الأقطاب لائحة عليه، وهو أنّه قريب بعيد، صاح مجذوب إلى غير ذلك من العلامات، وله كرامات متواترة عند النّاس تواترا معنويّا لأنّ كل أحد شاهد منه أمورا خارقة للعادة. والذي شاهدته من بعض كراماته أنّي كنت أصابني الربو وضيق النّفس في بعض السنين فاشتدّ بي الحال واستمرّت العلّة زمنا طويلا ثمّ تدارك / الله باللطف بعد اليأس. فلمّا جاءت السّنة الثانية وأوان المرض أصابني ما أصابني في السّنّة الأولى ورجعت إلى ما كنت فيه، وكانت ليلة عيد الأضحى، فاستسلمت للقضاء، وأيست من حضور صلاة العيد، وغلب على ظنّي أنّه تطول المدّة كالسّنة التي قبلها (٦٣٢)، فتعطّل النّفس وذهب النّوم، فلمّا ذهب من الليل ثلثاه وإذا بقارع يقرع الباب، فانتبهت الجارية وفتحت الباب فإذا بالشّيخ ﵀ داخل، فلم يقصد من الدّار أحدا غيري ولا علم أحد بحالي إلاّ الله تعالى، فوضع يده في ظهري وكشفه وجعل يدعكه قويا وأنا أقول: إتّق الله في كيف تكشف ظهري وأنا أخاف من الهواء والبرد، وقد زدت في الغطاء مخافة البرد، فلم يلتفت وجعل يكرّر ذلك الدّعك والضّرب، فلمّا علم أنّ الله أزال العلّة رفع يده وسأل أهلي إحضار ثياب العيد، وأشار لي باللباس والخروج فقلت: لا أخرج أخاف أن تطول علّتي فضرب على صدره يشير بأنّه ضامن ولا خوف من شيء أصلا، فلا زال يستنهضني للقيام وأنا أتقاعس وأميل للفراش وقد وطّنت نفسي على عدم الخروج فغلبني، ولبست ثيابي كرها وتوضّأت وخرجت فما حصلت إلاّ العافية التّامّة، وذهب ما كنت أجده، وتمّت العافية سنين متطاولة مع أنّي كنت متخوّفا من ذلك أشدّ الخوف، ولكنّ الله سلّم / وتفضّل بالعافية على يد هذا الشّيخ الصّالح. وكان ﵀ إندق فخذه، وهو عند الأطبّاء من أصعب الأمراض، فحضر الطّبيب وعصّبه بالجبائر كلّ ذلك ولم يسمع منه حرف ولا تأوّه، ولا أظهر وجعا ولا ضجرا، بل كان مستسلما لقضاء الله تعالى، فشفاه الله في أيسر زمان، وقام يمشي على قدميه كأن لم تصبه عثرة رجل فضلا عن دقّ الفخذ.

стр. 1071

ودخلت عليه يوما برمضان وهو يأكل فتناولت لقمة وأظهرت إرادة الأكل فأشار أن لا فقلت له: سبحان الله حرام علينا وحلال لك؟ فأشار أن نعم، فعلمت أنّ [الله] (٦٣٣) اصطفاه لحضرته واختصّه (٦٣٤) بكرامته وأذهله عن ضبط جوارحه للعبادة وأقامه في حضرة الشّهود وكلّ ميسّر لما خلق له. ولمّا جاء الطّاعون الجارف سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٦٣٥) لم يسلم منه أحد، فأخبرني الشّيخ الفقيه المدرّس الواعظ أخونا في الله تعالى أبو عبد الله الحاج الأبر سيدي محمد المزيو - أمدّ الله في حياته وأجرى الصّالحات على يديه ووفّقنا وإيّاه لما يحبّه ويرضاه - قال: لمّا أصبت بالطّاعون أشفقت على نفسي وكنت من محيّي الشيخ ومعتقديه ونتبرّك بدخوله ورؤيته فقلت في نفسي: غاب عنّي الشّيخ في مرضي هذا ولم يزرني مع أنّه كان لا يغيب عنّي في أيّام العافية، قال: فلمّا طلع النّهار فإذا به دخل ورفع عنّي السّتر ورجع من حيث جاء، ثمّ رجع من الغد / وجلس عندي قليلا وتناول قليلا من الخبز واللّبن، وفي اليوم الثّالث دخل معى في الفراش وقرن رجلى وجعلها بين رجليه، وأدار يديه بعنقي وتمرّغ عليّ حتّى خشيت زهوق روحي، وأخذه حال، وظننت أنّ الأجل قد حضر، فإذا بالعرق إنسكب ولم يرسلني حتّى أخذني النّوم، فانصرف ولم نشعر بانصرافه، فلمّا استيقظت أحسست بمبادئ العافية، ورجع من الغد ففعل مثل ذلك، وفي اليوم الثالث دخل معي في الفراش وأشار لي بيده إلى الغسل والكفن فقلت: أحضرت منيّتي؟ فأشار أن لا، بل أنا، فقلت: عافاك الله، نسأل الله أن يديم علينا التّمتّع بصحتك، فأشار بأنّ الأجل قد فرغ، وأخذ منّي العهد على أنّي أتولّى غسله وكفنه، وبسط يديه للدّعاء ثمّ مسح وجهه، فما خرج إلاّ والعافية زادت، فلما خرجت من المرض بعد أيّام قليلة وتمشّيت (٦٣٦) في الطّريق قيل لي: حياتك الباقية في الشّيخ، فذهبت للوفاء بالعهد، فوجدت بالدّار جمعا كثيرا من الفقهاء وغيرهم إبتدؤوا غسله فعرّفتهم بوصيّة الشّيخ فتنحّوا عنه، وغسلته وكفّنته، وحملنا سريره إلى الروضة التي إستجدّها له القائد علي الجلّولي - رحمه الله تعالى ورحم جميع المسلمين - وصلّى عليه كلّ من بقي من أهل البلد متعافيا، ودفن في وسط روضته (٦٣٧) المشهورة في

стр. 1072

الرّبض وذلك بشهر جمادى الآخرة من سنة تسع / وتسعين ومائة وألف (٦٣٨) وقد ناهز السّبعين سنة. ترجمة الولي أبي الحسن علي الجراية: ومن تلاميذ سيدي سعيد حريز الشّيخ العارف بالله تعالى أبي الحسن سيدي علي الجراية. كان في صغره من صيادي السّمك مع والده، قالت والدته: خرج مع والده على عادته لصيادة السّمك بجزيرة الكنائس بالبحر الغربي من البلد، (فلمّا نزلوا) (٦٣٩) نزل الشّيخ معهم فشرعوا في نصب العمل لأخذ السّمك، فبينما هم في العمل إذ دخل الشّيخ ملججا في لجّة البحر أكثر من القدر الّذي يأخذون منه السّمك، فظهر لوالده على بعد أنّه تلقّاه رجل من البحر، فلمّا رجع جاء على حال غير الحالة التي ذهب عليها وهو كالولهان ويتكلّم بكلام لا يفهم وعلى فيه زبد كالجمل الهائج، فلمّا وصل إلى القارب التي يحمل فيها العمل (٦٤٠) أراد والده إدخاله فيها فقال له شريكهم في العمل: ما لك تهدر وتحمق فعلى من تفعل هذا؟ وأظهر الكراهية والغضب على الشّيخ فانكسرت على رأسه قرية (٦٤١) القلاع فخاف ورجع عمّا صدر منه واستغفر الله وتاب، فلمّا رجعوا إلى البلد إستقبله الشّيخ سيدي سعيد حريز - رحمه الله تعالى - فأخذه معه وأدخله الخلوة فبقي عنده ما يقرب من خمسة أعوام ثمّ أخرجه وكساه جبّة خضراء، وهي في هذه الأعصار صارت شعار الصّالحين عوضا عن الخرقة شعار الصّوفية، فحمله لدار والدته فحجبه بها لمثل تلك (٦٤٢) المدّة، فكانت خلوته في دار / أمّه. وكان ملازم الصّوم والصّلاة لا يفطر إلاّ على زبيبة وقلب لوز مدّة احتجابه في خلوته، ثمّ خرج مختوما على فيه فلا يتكلّم إلاّ رمزا، فقدم رجل من أهل طرابلس يقال له محمود بن للّونة فاعتقد الشّيخ وصار يتردّد عليه وقال له: إنّي أريد الذّهاب لتونس للأمير سيدي علي باي يسرّح لي زوج مراكب قمح لأنّ بلادنا أصابها قحط فاسأل الله أن

стр. 1073

يجعل لي قبولا عند الأمير ليقضي لي ما قصدته، ففتح الشّيخ يديه إلى السّماء على صورة الدّعاء إشارة إلى أنّ الله يقضي له مآربه، وقال: إن يسّر الله عليّ الأمر آتيتك بجبّة خضراء وكان جالسا على دكّة من ألواح وأخشاب، فقال: ونعطيك هذه الألواح والأخشاب يستعملونها لك تابوتا، وكان قد ابتنى له القائد أحمد أبو ديدح قبّة بالرّبض قرب تربة شيخه فذهب إبن للّونة لتونس، وحصل له ما أراد، فلمّا رجع إلى صفاقس، أعطى للشّيخ ما وعده من الجبّة واللّوح والأخشاب فصنع من ذلك تابوتا وحملوه إلى التربة، فخرج الشّيخ معهم وكذلك سيدي سعيد حريز فجاءه وجذبه من أثوابه فلم يقم، فضربه بيده خمس ضربات وهو يضحك، فكانت مدّة احتجابه الحجبة الثّالثة خمسة أعوام بعدّة الضّربات، واتّصلت حجبته بوفاته. وكان ﵀ خفيف الرّوح على النّفس، خفيف المؤنة، حسن الصّورة، عليه نور زائد، كثير النّظافة، يمشي بلا نعل فلا يعلق به شيء من قذر الطّريق، / وإن علق به ما ندر بادر بغسله محافظة على نزاهة الظّاهر، كما هو محافظ على نزاهة الباطن ولمّا سار الشّيخ لزيارة الصّالحين من أهل السّاحل، واستمرّ لزيارة الصّالحين بتونس، خرج أبوه في صحبته ليتولّى خدمته والقيام بشأنه، وكان أبوه فقيرا عاجزا عن الكسب، فذهب به إلى الأمير سيدي علي باي - رحمه الله تعالى -، فلمّا قدم عليه أحبّه وأقبل عليه وقال: هذا رجل عليه سيماء (٦٤٣) الصّالحين فأخذه وأجلسه في حجره تبرّكا به، ثمّ سأل والده عن مطلوبه فعرّفه بضنك عيشه وقلّة ذات يده، فقال له: سل (٦٤٤) تعط، فقال: تجعل لي نصيبا من زكاة الحبوب نقتاته، ولتكن زكاة أبي عرادة فقال له: أعطيتك ذلك، فدعا بخير، ومدّ الشّيخ يده للدّعاء ونزل إلى تونس فصار أهل الخير يعطون والده ما تيسّر تبرّكا منهم بالشّيخ، فرآى الشّيخ ذلك فأشار إلى والده أن لا تأخذ شيئا وإلاّ قصمت ظهرك، فردّ على النّاس ما أعطوه، ولمّا أراد السّفر من تونس ذهب والده ليأخذ الظّهير من السّلطان فقال لهم السّلطان: اكتبوا له فإنّ الشّيخ علق حبّه بقلبي وما غاب عن بصري منذ رأيته حتّى في النّوم، فكتبوا له ورجع مجبور الخاطر بعد ما كساه هو ووالده وخديمه جبّة خضراء. وكان الشّيخ محبّا لتلاوة كتاب الله العزيز ومحبّا لأهل الله وخصوصا حملة القرآن،

стр. 1074

فيستمع للتّلاوة ويبكي ويظهر الخشوع والبكاء / والتّضرّع، فإذا سمع آية رحمة فرح واستبشر وبسط يديه للسّؤال، وإذا سمع آية عذاب غلبه الفزع والرّعب وأشار بيده إلى الإستعاذة منها. وكان محبا لكثرة الصّلاة محافظا على الفرائض في أوقاتها، محبّا لسماع الصّلاة على رسول الله ﷺ ، وكان محبّا للشّيخ سيدي طيّب الشّرفي ﵀ وللشّيخ فيه اعتقاد زائد، وكانا يتزاوران كثيرا، فإذا احتجب زاره الشّيخ في داره، وإذا خرج زار الشّيخ في مدرسته إن وجده وإلاّ ففي داره، وإذا كان يوم جمعة قرأ له الشّيخ دلائل الخيرات فيستمع له ويظهر السّرور عند سماع ذكر رسول الله ﷺ . ولمّا توفّي صار الشّيخ يذهب يوم الجمعة إلى ضريحه فيقرأ بإزاء قبره. وبعد وفاة الشّيخ ﵀ قام ولده الشّيخ سيدي عبد الرّحمان ﵀ مقام والده فيذهب لضريح الشّيخ الجرّاية فيقرأ دلائل الخيرات كوالده - رحمة الله على الجميع - ولمّا حضرت وفاته توجّه إلى القبلة بنفسه وأطبق عينيه وفاه بنفسه بعد أن أوصى أن يتولّى غسله، وكفنه الشّيخ سيدي طيّب الشّرفي، وتشهّد كلمة الحقّ وفارق الدّنيا - رحمة الله عليه - سابع ربيع أوّل المشرّف بولادته ﷺ سنة خمس وتسعين ومائة وألف (٦٤٥) وله من العمر أربعون سنة. وكتب بعضهم على تابوته قوله: [الطّويل] فهذا الّذي قد كان يعبد ربّه ... ويخشى إلى أن مات في خلواته / حليف التّقى والصّوم والصّمت دهره ... ففيها نجاة المرء من هفواته لقد مات في تسعين مع خمس خلت ... وألف ومائة قل ذاك عام وفاته ترجمة الولي أبي عبد الله محمّد أبو مغارة: وممّن رأيناه وعرفناه من مجاذيب الوقت الرّجل الصّالح العارف بالله تعالى أبو عبد الله سيدي محمّد أبو مغارة إبن الرّحّال السوسي. كان في ابتداء أمره قدم من بلد السّوس إلى صفاقس فأقام بها وحفر مغارة في وسط المقابر فينزل إليها ويبيت بها ليلا وحده منفردا فيدخل البلد نهارا يطلب قوته، فإذا جنّ اللّيل خرج وبات بها، فمن ثمّ سمّي أبا مغارة. ثمّ أخذ يتعلّم الحروف حتّى تمرّن عليها

стр. 1075

واستخرج الخطّ كما يتعلّم الأطفال من غير داع يدعوه بل سوق إلاهي، فلمّا استمرّ على الخطّ صار لا يسمع بآية من كتاب الله واعظة زاجرة إلاّ كتبها، وكتب سورة «يس» و «المفصل»، وأضاف إلى ذلك مواعظ بعض الصّالحين ممّا يناسب تلك الآيات الكريمة كقوله: [مجزوء الرمل] إنّما الدّنيا كبيت ... نسجتها (٦٤٦) العنكبوت إنّما يكفيك منها ... أيّها الرّاحل قوت ثمّ بعد مدّة إنتقل لجربة، فحفر بها مغارة تحت الأرض كما فعل بصفاقس، ونزل بحفرها حتّى وصل الماء فوجده عذبا فصار يملأ منها ويسقي النّاس مجانا. وله إشارات كثيرة، فمنها أنّه إذا ملأ الماء وصبّه على وجه الأرض إستبشر النّاس بقرب نزول الغيث، فإن صبّ كثيرا نزل الغيث الكثير، وإن صبّ قليلا نزل القليل، وإذا صرخ في الأسواق دلّ على نزول بلاء بالمسلمين / جرّب مرارا فصحّ، وكان يكثر الغلث (٦٤٧) في إشاراته ولا يفهمها إلاّ من مارسه، وربّما لا تفهم إشاراته إلاّ بعد وقوع ما أشار به، فمن إشاراته أنّه وقعت قرّة شديدة بالشّتاء بات النّاس منها في كرب فأصبح الشّيخ مصفرّ الوجه من شدّة البرد لأنّه كثيرا ما يدخل البحر لغسل ما يلحقه من الوسخ والقمل، فيأتي المحاويج (٦٤٨) فيأخذون ثيابه ولا يتركون منها إلاّ ما يواري السّوءة فيلبسه ويدخل الأسواق فيكسوه أهل الخير، فلما نزلت القرّة أذاه البرد أذى شديدا، فجاء وجلس بجانبي واشتكى البرد وتمنّى ما يقي به مهجته من الثّياب، وكنت في شغل، فخطر في بالي أنّي إذا أفضيت (٦٤٩) أذهب إلى محلّي أعطيه برنسا قديما كان عندي، فما استتممت الخاطر إلاّ وهو ينادي، وكان يسمّيني بسيدي عبد العزيز التّبّاع، وقال لي: هل تعرف مناسك الحج؟ فقلت: نعم! فقال: كم أركانه؟ فقلت: قل نسمع، وقلت: لعلّه يتكلّم بكلام غير ما يقوله (٦٥٠) الفقهاء، فقال: هي أربعة، فقلت: نعم، وهي كذلك، فقال: أوّلها الإحرام، والإحرام يمنع المخيط بالعضو، فقلت: نعم، ثمّ دخل وخرج وزاد في

стр. 1076

الكلام لغوا ثمّ رجع وقال: الجديد يحبّه الرّبّ، ويفرح به القلب، ثمّ دخل في كلامه وخرج وجعل يكرر الإحرام وممنوعاته فسرى ذهني للبشارة بحجّ جديد، ثمّ فكرت في مقتضى الحال الموجب لكلامه فإذا هو البرد / وأنّي خطر ببالي أنّي نكسوه برنسا قديما فهذه إشارة منه لترك هذا البرنس لأنّه مخيط قديم، وأنّه يطلب عباءة جديدة كما يلبسه المحرم، فلمّا استقر في ذهني هذا المعنى التفتّ إليه وقلت له: أركان الإحرام أربعة نشير إليه أنّي قد فهمت إشارته، فأعرض عنّي وكأنّه لم يصدر منه ما قال، ثمّ خاطب نفسه مكنيا عني بقوله: هذا ما بقي يفوته شيء، قاع، ولفظة قاع (٦٥١) يستعملها أهل السّوس (٦٥٢) لمعنى الإحاطة والشّمول فكأنّه يقول: لا يفوته شيء من الأشياء كلّها، فلمّا فهمت مراده إشتريت عدّة عبائن (٦٥٣) وخيّرته في جميعها فاختار واحدة تليق بحاله فأخذها ودعا بخير وانصرف. ومن إشاراته أنّي كنت خائفا فوات شيء يترتّب عليه ضرر كثير في الدّين والدّنيا، وتحيّرت من ذلك كثيرا مدّة، وارتقبته فأبطأ مجيئه ولحقني من ذلك حرج في الصّدر، وفكّرت في شأنه ليلا ونهارا حتّى أقلقني وطلبت من الله الخلاص وتطمين السّرّ، ولم يطلع على سرّي إلاّ علاّم الغيوب، فبينما أنا جالس ذات يوم وإذا به ينادي: من يكسوني قميصا يرى الآية الكبرى، فنادى بذلك فلم يجبه أحد ولا فهم له أحد مقصودا، فألهمني الله إلى مراده وقلت: هذا رجل من رجال الله ساقه الله وكانت ليلة عيد الفطر، وهذا عريان يطلب سترا، ولعلّ الله / يجعل على يديه الفرج وهذا بشارة من الله بحصول المقصود، فلا بدّ من جبره لعلّ الله يجبرنا، فناديته وقلت له: أحقّا ما تقول؟ فقال: نعم، نعم، نعم، فأكّدت عليه، فقال: جرّب ترى، فناولته قميصا جديدا يليق به وأكملت (٦٥٤) بقيّة يومي ونمت وأنا بين اليأس والرجاء، فو الله ما أصبح الصّبح إلاّ وقد أتى البشير بحصول المقصود فكان يوم سرور بعيد الإسلام وبحصول ما كنت خائفا فواته. ومنها أنّه دخل عليّ خارجي (٦٥٥) حال قراءتي مختصر الشّيخ خليل (٦٥٦) وباحثني في

стр. 1077

مسألة الكلام، وقال: كيف تقولون بقدم كلام الله، والله يقول: ذكر محدث (٦٥٧) فأجبته بأن الحدوث في تنزيله ولا يلزم منه حدوثه في نفسه فإنّ المعنى القائم بالذّات الأقدس باق على ما هو عليه من القدم، والحادث هو التّنزيل على أنّ النّازل اللّفظ الدّال عليه، ونزول اللّفظ الدّال نزول المعنى من حيث الدّلالة، فالحادث والنّازل هو اللفظ، ثمّ أكثر من تخليطاتهم، وأجبته عمّا سأل فخرج وانصرف وبقيت كالمتفكّر في هذا المذهب وفي حال أهله، وتعجّبت من قوم يرغبون بأنفسهم عن المنهج القويم ويرضون لأنفسهم بشنائع البدع، فما مضت ساعة أو ساعتان فإذا به قادم من السّوق كأنّه طالب لأمر أو كأنّ سائقا يسوقه وهو يتلو قوله تعالى ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٥٨) ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٥٩) فحمدت الله وازددت يقينا وتحقّقت أنّ مذهب السّنّة لا يعلمه إلاّ خواص خلق الله، ورسخت مسائل السّنّة في قلبي رسوخا أغنى عن الدّليل من حيث أنّ الله أطلع هذا الشّيخ عن هذا الخاطر وألهمه للنّطق بهذه الآية الكريمة المناسبة لحال ما كنّا فيه، وتبيّن لي أنّه من الرّجال العارفين بالله، القائمين على الحقّ ومذهب السّنّة. ومنها أنّي كنت متوجّها لبرّ المشرق (٦٦٠) فجاء بعض الإخوان وقال لي: قم لنأخذ خاطر الشّيخ وتحصل لنا بركة زيارته، ومن عادته أنّه لا يحب من يأتيه لمكانه مخافة كثرة النّاس عليه، ولأنّه إذا كشف الله له عن شيء من حال أحد وسخّره الله للإعلام به قصده وأشار إليه من غير أن يتعرّض له السائل وإن لم يطلعه أو لم يسخّره فلا فائدة في السّؤال، فلمّا رآنا قادمين عليه أظهر الإعراض عنّا وكأنّه ما رآنا ولا عرفنا قطّ، وكان كثيرا ما ينشد كلام العارفين بالله ويتواجد بذلك، وكان رفيقي يعرف من ذلك الكلام الّذي يقوله الشّيخ ويتواجد به، فلمّا رآى إعراض الشّيخ تكلّم صاحبي بذلك الكلام على الصّناعة الّتي يقول الشّيخ بها فإذا بالشّيخ تلقّف ذلك الكلام وصار يقول هو بنفسه واعتراه حال وتمادى في كلامه وحاله، فلمّا فرغ وسكن ما به إنبسط لنا بعض انبساط فعند ذلك قال له / زوّد أخانا هذا صالح دعائك، فإنه متوجّه للسّفر، فقال: أعطاه

стр. 1078

الصّالحون إثنتي عشرة خبزة، وبسط يديه للدّعاء والفاتحة، وبسطنا أيدينا لذلك، فدعا ما تيسّر وقرأنا فاتحة الكتاب وانصرفنا، فلم ندر هذه الإثنتي عشرة ما هي، بل ولم نلتفت إليها كبير التفات، فلمّا عملنا على السّفر إستعمل الأهل خبزا للسّفر فلمّا أحضروه عدّوه من غير وعد ولا سؤال وأنا أنظر فإذا هو إثنتا (٦٦١) عشرة خبزة. فلمّا شرعنا في السّفر جعلنا نأكل كلّ يوم واحدة فما فرغت الإثنا (٦٦١) عشرة خبزة إلاّ وإسكندريّة أمامنا في إثني عشر يوما، وكان ربح المال إثني عشرة مائة، ومدّة الغيبة عن الأهل إثني (٦٦٢) عشر شهرا. ومن إشاراته أنّي تزوّجت بصفاقس، ودخلت جربة بعد ذلك فجلست بإزاء بعض الإخوان فإذا بالشّيخ وارد علينا، وسأل الأخ: أين كان هذا؟ فقال له: تزوّج بصفاقس، فقال له الشّيخ: أعطوه ناصريا وموزونتين فلم نلتفت لقوله ولم نفهم مراده، فقال ذلك الأخ: لا تلد لك هذه المرأة إلاّ ولدا ذكرا وبنتين، فو الله ما وقع إلاّ ما أشار إليه، وانتقلت لرحمة الله بالطّاعون. ولقيته يوما في مكان خال فوقف وقال: كانت شينة وتعود إن شاء الله زينة، وكرّر ذلك فعلمت أنّ الله ساقه لي وأنّ هذه بشارة بالهداية في ساعة إجابة، فسألته الدّعاء الصّالح زيادة على ما قال، فزادني / فمن تلك السّاعة والحمد لله أقبل الله بقلبي للخير ولم نزل (٦٦٣) نجد بركة ذلك الدّعاء وإنّا نتوسّل إلى الله العظيم بنور وجهه الكريم، وبنبيّه الرّحيم، وبملائكته المقرّبين، والشّهداء والصّالحين أن نقبل (٦٦٤) بقلوبنا لما يحبّه ويرضاه. وكان - رحمه الله تعالى - يطلب قوته من النّاس، وقد يسأل شيئا معيّنا فتارة يعين قليلا وتارة يعين كثيرا، وعادة النّفس أن تسمح بالقليل وتبخل بالكثير، فيقول: لا عليك، القليل بالمكسب القليل، والكثير بالكثير، فو الله ما يكون إلاّ ما يقول، فلمّا جربنا ذلك صرنا نتمنى أن يسأل الكثير لأنّ النفس تحبّ المال حبّا جمّا ولا يرغب أحد عن فضل الله. هذا بعض ما شاهدت من إشاراته ولو تتبّعنا جميعها لطال بنا الحال، وفي هذا القدر كفاية. ومن أغرب ما وقع أنّه قدم أبناء جلود قيادا على جربة، وسعوا في قطع أعيان أهل

стр. 1079

السّنّة أخرجوا هذا الشّيخ من البلاد فأركبوه في سفينة وأمروا بإخراجه لصفاقس كرها عليه، فسمع بذلك شيخنا أبو إسحاق سيدي إبراهيم بن محمّد الجمّني فأرسل من ردّه من البحر فنزل ودخل السّوق وهو ينادي: أنا لا أخرج منها، بنو جلود هم الخارجون منها، فلم تمض أيّام قليلة إلاّ وقد جاء أمر من الأمير بعزلهم فأخرجوا كرها عليهم، ولم يرجعوا إليها بعد، وانقطع أثرهم بل وعقبهم، نعوذ بالله من التّعرّض لمساخط أولياء الله /. ولمّا ظهرت بركاته للخاص والعام من المالكية والوهبية (٦٦٥) إعتقده الفريقان، وبنى له بعض رؤساء الوهبية (٦٦٥) قبّة، فلمّا وقع الطّاعون بجربة سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٦٦٦) إنتقل لرحمة الله ودفن بها. وكان ﵀ يقول: التي ما رأيناها حسبناها (٦٦٧) ما كانت، وهذا هو معنى قول من قال: معذور من شاهد ومعذور من لم يشاهد. وكان يقول أيضا: كلمة من غير فيك تنفعك، وهذا أيضا حقّ، فإنّ من بسط لك عند غيرك عذرا أو أثنى عليك نفعك، وإذا أثنيت على نفسك أو بسطت عذر نفسك لم ينفعك. وكان يقول: الرّاحة في الشّهوة، والأمر كما قال، لأنّ الشّهوة ملائمة للطّبع ومن حصل له ملائم طبعه إستراح. وكان يقول: هذه الدّار الفم (٦٦٨) فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وفارقت الجنة بالمنقصات وسرعة الزّوال. ترجمة الولي أبي العبّاس أحمد التّاجوري: ومن مجاذيب الوقت ممّن رأيناه وعرفناه الشّيخ أبو العبّاس سيدي أحمد التاجوري. كان - رحمه الله تعالى - من تاجوراء، قرية من عمل طرابلس، قدم لصفاقس، وكان متجرّدا عليه عباءة صوف، فأخبرني أبو الحسن الحاج علي الشّرفي قال: لمّا قدم

стр. 1080

الشّيخ من طرابلس كنت بالباب الجبلي نكتري أجراء (٦٦٩) لحصاد الزّرع فاكتريت جماعة، فقال لي رجل حاضر: زد معهم هذا الطرابلسي، فقلت له: أتطلع (٦٧٠) مع النّاس؟ فقال: نعم، فطلع وعمل مع النّاس، فلمّا حضر الأكل إمتنع من الأكل فسأله بعض النّاس فقال: هذا طعام / لجماعة ولم يخصني بشيء فلا آكل، فتورّع حيث لم يعيّن له طعاما يخصّه، قال: وبات الليل كلّه مع من لا يرى، فلمّا قدم بعض الأجراء قال: أنت اكتريت رجلا وليّا من أولياء الله شاهدنا من أحوال هذا الرّجل ما لم نشاهد من أحوال النّاس. وقال أيضا: كلّما أقام عندي لم يأكل شيئا من مشتهيات الأطعمة، وقد يقيم العشرة الأيّام وأكثر بلا أكل ولا شرب ولا ينتقل عن موضعه، وربما مشى كمشي المقيّد ولا يتكلّم بكلمة واحدة، وإذا طلب الأكل أكل ما حضر من ميسور الطّعام، وقد يأكل في بعض الأحيان أكلا ذريعا ويشرب كثيرا خارجا عن المعتاد. وكان على الضّدّ من الشّيخ سيدي سعيد حريز، فإذا قدم على محلّ دلّ على حدوث أمر مكروه: موت أو مرض أو غير ذلك، فهو واقف في باب النذارة، والشّيخ حريز في باب البشارة، وكان كثيرا ما يلازم سقائف الحمّامات ومستوقداتها، ودخل عليه سيدي سعيد حريز يوما فضرب الشّيخ التّاجوري ضربا وجيعا فأخذ الشّيخ التّاجوري حجرا عظيما فرماه به وقال: أنت في بسط ولبس الملف (٦٧١) وأنا في حالتي هذه وتزيد عليّ، وذلك لأنّ الغالب على الشّيخ التاجوري القبض والاسقام. وكان مكشوف الرّأس حافي الرّجل كثيرا ما يتّزر ويتردّى بفوط الحمّام، وقد يحلق جميع شعر رأسه وذقنه وشاربه حتّى لا يبقى فيها شعرة واحدة. وله إشارات / كثيرة، فمنها أنّه عرضت لنا مسئلة تعسّر على إخواننا فهمها لكثرة شبهها، فطلبوا منّي تحريرها على وجه يزيل الشّكوك والشّبه، فكتبت بقدر الإستطاعة، فلمّا فرغت من الكتابة وقف عليّ وقال: إسقني الماء فإنّي عطشان، فأتيته بشيء من الماء العذب الطيّب فأخذه بيده وردّه وقال: هذا غير سائغ أريد غيره وذهب عنّي، فلمّا

стр. 1081

عرضت التّقرير على إخواني الطّلبة قالوا: لا نفهم هذا ولا نقبله فرجعت وقررت المسألة بوجه غير الأوّل، فأتاني الشّيخ التّاجوري والذي فعله أوّلا فعله ثانيا، والذي فعله إخواننا الطلبة بالتّقرير الأوّل فعلوه بالتّقرير الثّاني، فعدت ثالثا في التّقرير، ولمّا فرغت فعل معي كما فعل أوّلا وثانيا، وردّ الطّلبة التّقرير، وجعلت أعود في التّقرير وهو يطلب الماء ويردّه، ويردّ الطّلبة التّقرير لوجود من يخالف لاستناده لبعض الشّبه، فكلّما قطعت شبهة عارض بأخرى، فاحتجت لقطعها إلى أن انقطعت الشّبه بأسرها، وانزاحت العلل بأجمعها، وتقرّرت المسألة سالمة من الشّوب والدّخل، وظهر الحقّ الذي لا لبس معه ولا خفاء، فلقي بعض الطّلبة فقال له: قل للشّيخ هكذا الأمر نعم ما صنع البارحة، لأنّ تقرير المسألة كان ليلا، فلمّا جلست بمحلي (٦٧٢) الذي أجتمع فيه بالإخوان وإذا / بالشّيخ واقف على الباب وهو يقول: ناولني طعاما، فناولته شيئا من التّمر فجعل يأكل ويستزيد حتّى استكفى، فقال: يكفي، فلمّا حضر إخواننا عرضت عليهم التّقرير فأذعن من كان يخالف وقالوا بأجمعهم: لم يبق لبس ولا خفاء، فهذا تقرير في غاية الوضوح، ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ (٦٧٣) فظهر لي أنّ الشّيخ التّاجوري أطلعه الله عمّا نحن فيه، وأنّ طلب الماء وردّه إنّما كان إشارة لعدم كفاية التّقارير الأولى، وقبول التمر وأكله إشارة لرضى السّامع بالتّقرير الأخير، فحمدت الله على الوصول لإظهار الحقّ بوجه مبين، وزاد اعتقادي في الشّيخ. وكنت متردّدا في أمر نفعله بنفسي أو ننوّب فيه غيري، ثمّ عزمت على إرسال غيري لأنّي كنت أعمل الميعاد في المسجد الأعظم بقراءة تفسير القرآن العظيم، وتقرير أحاديث النّبي الكريم عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم لنفع نفسي وإخواني المؤمنين، فخشيت أنّي إذا باشرته يعوقني عن المقصود فعزمت توجيه غيري، فأتيت يوما المسجد على عادتي فلمّا دخلت المسجد وجدته جالسا بالصّحن، وكان معي بعض الإخوان، فقال الشّيخ: إسقني ماء فقلت لذلك الأخ: إذهب وأنه بشيء من الماء يشربه فقال الشّيخ: بل إذهب أنت / برجلك حافيا من غير نعل، فاستعفيته فلم يعفني ولم يرضى منّي إلاّ بالذّهاب بنفسي، فذهبت لدكّان بعض الحلاّقين قرب المسجد وأتيته بماء فشربه، واستزادني فزدته مرّة وأخرى، فلمّا أكثر علي أرسلت ذلك الأخ فذهب وأتاه بما كفاه،

стр. 1082

فلمّا أردت بعد ذلك توجيه غيري لذلك الأمر الذي قصدت تعسّر الأمر حتّى ذهبت بنفسي وباشرت أوّله ثمّ أرسلت من أتمّه، فكان ذلك من الشّيخ إشارة لما وقع، وأحواله وأفعاله وأقواله كلّها إشارة. ووقع في سنة من السّنين جدري أفنى الأطفال، فتأسّف النّاس على فقد أطفالهم فقال لهم: هذا الكرباع (٦٧٤) وما زال الدّلاّع، فما (٦٧٥) كان إلاّ يسيرا وجاء الطّاعون الجارف. وأخبرني العمدة الثّقة سيدي عبد السّلام الغراب، وكان من مريدي الشّيخ ومحبّيه، أنّه سمع من الحاج محمود الشّرفي صاحب الحمام أنّه قال: غاب الشّيخ عنّي ذات يوم فقدم عليّ رجل لا أعرفه ولا رأيته قطّ فقال لي: أين الشّيخ التّاجوري؟ فقلت له: عن قريب يحضر إن شاء الله، ما شأنك؟ فقال: أخبرني عن أحواله، هل جار على جسده الحكّة؟ قلت: نعم، قال: هل جار عليه القمل؟ قلت: نعم، قال: هل جار عليه النمل؟ قلت: نعم (٦٧٦)، فقال لي: إذا فرغ من هذه الثلاث دخل ديوان الصّالحين، ثمّ انصرف / فلم أره بعد، قال: وشأن النّمل معه غريب وذلك أنّه بقي يلتمّ (٦٧٧) عليه من جميع جهات جسده حتّى صار جسده أسودا بالنّمل ولا بقي شيء من جسده ظاهر، فأقام على ذلك ثلاثة أيّام ثمّ ذهب عنه. وقال أيضا: جاءني الشّيخ وأعطاني نصف ريال وقال: إحفظه عندك، قال: فحفظته، ثمّ بعد نحو عشرة أيّام جاءني رجلان عليهما لباس أهل طرابلس فسألاني عن الشيخ فقلت لهما: عن قريب يحضر (إن شاء الله) (٦٧٨) قال: فبعد ساعة دخل الشّيخ فنظر إليهما وسكت فلم يقدر منهما أحد على خطابه، ثمّ بعد ساعة قال أحدهما: يا أخي والدتنا تسلّم عليك، فأعرض عنه ولم يخاطبه، ثمّ قال: يا حاج محمود أين نصف الرّيال؟ قال (٦٧٩): فأحضرته له، قال: فخذ به خبزا، قال: ففعلت [فقطعه أطرافا، قال: ففعلت] (٦٨٠) ثمّ قال لهما: خذا هذا الخبز واعزما من حيث جئتما، فاشتكوا إليه

стр. 1083

بأنّ إبن عمّهما تغلّب عليهما وافتكّ لهما زاويتهما وسوانيها، فقال لهما: قوما وضرب بيده في الهواء ثمّ قال: من هنا للبحر، ولا تقيما لحظة واحدة، فخرجا قال: ثمّ (٦٨١) بعد مدّة وإذا بمكتوب جاءني منهما فيه: يا حاج محمود إنّا خرجنا من عندكم للبحر، فوجدنا سفينة مسافرة لجربة، فلمّا ركبنا غلبتنا الرّيح فألجأتنا (٦٨٢) لرأس المخبز / فنزلنا لطرابلس، ووجدنا إبن عمّنا مقطوع الظّهر لأنّه ركب حمارا، فسقط عنه، فانقطع ظهره، فسألنا عن السّاعة الّتي وقع عليه فيها فإذا هي الوقت الذي ضرب الشّيخ بيده في الهواء (٦٨٣) والسّلام. هذا ما حضرنا من إشاراته والأمر أوسع والإشارة تكفي، وتوفّي - رحمه الله تعالى - سنة خمس ومائتين وألف (٦٨٤)، ودفن بجانب تربة القيّاد الجلاّلة (٦٨٥) - رحمة الله عليهم وعلى أموات المسلمين أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين -. خاتمة النّاسخ: كمل «نزهة الأنظار في عجائب التّواريخ والأخبار»، تأليف الشّيخ الإمام، وقدوة الأنام، ومجلي الظّلام، علاّمة زمانه، وفريد دهره وأوانه، حامل قول التّحقيق، ومالك أزمة التّوفيق، قدوة الأفاضل، ومجلي المعاضل، بقيّة السّلف، وعمدة الخلف، شيخنا وأستاذنا، وشيخ شيوخنا، الحاج النّاسك الأبر أبو الثناء محمود مقديش، الصّفاقسي أصلا ووطنا وقرارا، أسبل الله علينا وعليه جلابيب ستره بجاه سيّدنا محمّد ﷺ نبيّه وعبده، ونسأل الله المنّان بفضله أن ينفع به من تسبّب فيه ومن كتبه وقرأه، وأن يجعلنا من حزبه وأتباعه / وأن ينفعنا به وبأمثاله، ورحم الله عبدا قرأه ورأى فيه نقصا أو تحريفا أو زيادة أو غلطا أو تقديما أو تأخيرا فقلّ أن ينجو من ذلك لأنّ كاتبه قاصر عن ترتيب الكلام بمحالها فأصلحه ليحصل الثّواب للجميع، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النّصير، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيء

стр. 1084

المصطفى الكريم، وعلى آله وأصحابه الطّاهرين الطّيّبين، وسلّم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدّين، ووافق الفراغ من نسخه من الأصل بخطّ المؤلّف ﵁ ونفعنا به - يوم الأربعاء ثاني عشر من شعبان سنة ١٢٣٨ (٦٨٦) ثمان وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة النّبويّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام وأزكى التّحيّة. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، آمين، آمين، آمين. كمل النسخ وانقضا ... وفعلنا الذي وجب رحم الله من قرا ... ودعا للّذي كتب وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما دائما أبدا والحمد لله ربّ العالمين.

стр. 1085

فهرس ا لمصادر والمراجع * المصادر والمراجع العربية - أ - إتحاف أهل الزّمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان: أحمد بن أبي الضياف، تحقيق لجنة من كتابة الدّولة للشّؤون الثّقافيّة والأخبار، نشر كتابة الدّولة للشّؤون الثّقافية والأخبار، تونس، ١٩٦٣. الأتراك العثمانيون في شمال إفريقيا: عزيز سامح، ترجمة عبد السّلام أدهم، بيروت، ١٩٦٩. إتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفاء: المقريزي، تحقيق د. جمال الدّين الشيال، القاهرة، ١٩٦٧. أنباء الغمر في أنباء أبناء العمر: إبن حجر العسقلاني، النّسخة المطبوعة. آثار البلاد وأخبار العباد: زكرياء بن محمّد القزويني، بيروت، ١٩٦٠. الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل: محي الدّين الحنبلي، دار الجيل، لبنان، ١٩٧٣. إحياء التّذكرة في النّباتات الطّبّيّة والمفردات العطارية: رمزي مفتاح، القاهرة، ١٩٥٣. أخبار القضاة: محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع، تحقيق عبد العزيز مصطفى المراغي، القاهرة، ١٩٤٧ - ١٩٥٠. أخبار مكّة: الأزرقي، مكتبة خيّاط، بيروت - لبنان، ١٩٦٤. الأدّلة البيّنة النورانية عن مفاخر الدّولة الحفصية: إبن الشماع، تعليق عثمان الكعّاك، مطبعة العرب، تونس، ١٣٥٥/ ١٩٣٦. الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى: أحمد بن خالد الناصري السلاوي، الدّار البيضاء، ١٩٦٤. أطلس التاريخ الإسلامي: مازارد، ط.٢، آذار ١٩٥٦.

стр. 1086

الإعلام ب أعلام بي ت الله الحرام: قطب الدين النهروالي، ضمن الجزء الثالث من كتاب أخبار مكّة للأزرقي، مكتبة خيّاط، بيروت - لبنان، ١٩٦٤. الإعلام: خير الدّين الزركلي، الطّبعة الخامسة، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٠. إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء: محمّد راغب الطباخ، حلب، ١٣٤٢ هـ . أعمال الإعلام في من بويع قبل الإحتلام من ملوك الإسلام: لسان الدين إبن الخطيب، تحقيق وتعليق أ. ليفي بروفنسال، دار المكشوف، بيروت. - ب - البحرية في مصر الإسلامية: سعاد ماهر، دار الكتاب العربي للطّباعة والنّشر. البداية والنهاية: إبن كثير، مصر، ١٣٥١ - ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٢ - ١٩٣٩. برج غازي مصطفى بجربة: رشيد غريب، المجلّة التّاريخية المغربية، عدد ٤، ١٩٧٥. برنامج الوادي آشي: محمّد بن جابر، تحقيق محمّد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، أثينا، بيروت، الطّبعة الأولى، ١٤٠٠/ ١٩٨٠. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: جلال الدّين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، ١٩٦٤ - ١٩٦٥. البلغة في تاريخ أئمة اللغة: الفيروز آبادي، تحقيق محمّد المصري، دمشق، ١٩٧٢. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب: إبن عذاري المراكشي، تحقيق ج. س. كولان وليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت - لبنان، ٤ أجزاء. - ت - التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول: الشيخ منصور علي ناصف، دار إحياء التّراث العربي، بيروت. تاج العروس من جواهر القاموس: محمد مرتضى الزّبيدي، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت - لبنان. تاريخ الأدب الجغرافي العربي: أ. ي. كراتشكوفسكي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، الإدارة الثقافية في جامعة الدّول العربية، ١٩٥٧.

стр. 1087

تاريخ الإسلام: حسن إبراهيم حسن، القاهرة، ١٩٥٣. تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير الأعلام: الذهبي، مكتبة القدسي، القاهرة (ب. د. ت.). تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين: يوسف الشباح، ترجمة محمد عبد الله عينان، القاهرة، ١٩٤١. تاريخ التراث العربي: فؤاد سزكين، ترجمة محمد فهمي أبو الفضل، القاهرة، ١٩٧٠. تاريخ الجزائر العام: عبد الرحمان محمد الجيلالي، الجزائر، ١٩٥٥. تاريخ حاضرة قسنطينة: الحاج أحمد المبارك، الجزائر. تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ١٩٥٢. تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب (القسم الخاص من كتاب عيون الأخبار): الداعي إدريس عماد الدّين، تحقيق محمد اليعلاوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط.١، ١٩٨٥. تاريخ الدولة العلية العثمانية: محمد فريد بك المحامي، تحقيق د. إحسان حقي، دار النفائس، الطّبعة الأولى، ١٩٨١. تاريخ الدولتين: محمد بن إبراهيم الزركشي، تحقيق محمد ماضور، نشر المكتبة العتيقة، تونس، ١٩٦٦. تاريخ الشعوب الإسلامية: بروكلمان، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٤٨. تاريخ صفاقس: أبو بكر عبد الكافي، منشورات التعاضدية العمالية للطباعة والنشر، صفاقس، ١٩٦٦. تاريخ الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان، بيروت. تاريخ طرابلس: د. عمر عبد السّلام تدمري، مؤسّسة الرّسالة ودار الإيمان للطّباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ١٩٨٤. تاريخ عجائب الأخبار في التراجم والأخبار: الشّيخ عبد الرحمان الجبرتي، ط.٢، دار الجيل بيروت، ١٩٧٨، ٣ أجزاء. تاريخ اليعقوبي: دار بيروت ١٩٧٠، جزءان. تتمّة المختصر في أخبار البشر: زين الدّين عمر بن الوردي، تحقيق أحمد رفعت البدراوي، بيروت، ١٩٧٠.

стр. 1088

ت ح فة الأريب في الرّدّ على أهل الصّليب: عبد الرّحمان التّر ج مان، القاهرة. التّذكار لمن ملك طرابلس الغرب وما كان بها من الأخبار: إبن غلبون المصراتي، مصر، ١٣٣٩ هـ . تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب: داود بن عمر الأنطاكي، مصر، ١٣٧١/ ١٩٥٩. تذكرة الحفاظ: الذهبي، حيدر آباد، ١٣٣٣ - ١٣٣٤ هـ . تراجم المؤلفين التونسيين: محمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، ج.١: ١٩٨٢، ج.٢: ١٩٨٢، ج.٣: ١٩٨٤، ج.٤: ١٩٨٥، ج.٥: ١٩٨٦. ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك: القاضي عياض، تحقيق د. أحمد بكير محمود، بيروت، ١٩٦٧. تقريب التهذيب: إبن حجر العسقلاني، دار المعرفة، ط.٢، بيروت، ١٩٧٥. تكميل الصّلحاء والأعيان لمعالم الإيمان: محمّد بن صالح عيسى الكناني، تحقيق محمد العنابي، المكتبة العتيقة، تونس، ١٩٧٠. التنبيه والإيقاظ لما في ذيول تذكرة الحفاظ: أحمد رافع الطهطاوي، دمشق، ١٣٤٨ هـ . التّوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية والقبطية: محمد مختار باشا، تحقيق محمد عمارة، ج.١، ٢، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٤٠٠/ ١٩٨٠. - ج - جامع كرامات الأولياء: يوسف النبهاني، مصر، ١٣٢٩، القاهرة، ١٣٨١/ ١٩٦٢. الجامع للأصول: إبن الأثير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، نسخة مصورة طبعة القاهرة. جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس: الحميدي، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، القاهرة، ١٣٧٢/ ١٩٥٢. - ح - حاشية محمد بن عليان المرزوقي المطبوعة مع الكشاف للزمخشري. الحروب الصليبية في المشرق والمغرب: محمد العروسي المطوي، دار الغرب الإسلامي. حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة: جلال الدّين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ١٩٦٧ - ١٩٦٨.

стр. 1089

الحقيقة التاري خ ية للتّصوف الإسلامي: محم د بهلي النيال. حلّ الرموز (خط.): لتونسي مجهول. الحلل السّندسيّة في الأخبار التونسية: الوزير السّراج، تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، ١٩٨٤، ٣ أجزاء. حلية الأولياء: أبي نعيم الأصبهاني. حوليات ليبية: ترجمة محمد عبد الكريم الوافي، دار الفرجاني، طرابلس - ليبيا. حياة الحيوان الكبرى: الدميري، مصر، ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧. - خ - خريدة العجائب وفريدة الغرائب: عمر بن الوردي، مصر، بلا تاريخ. الخطط المقريزية: أحمد بن علي المقريزي، دار صادر بيروت، ط. أوفسيت عن النسخة القديمة، جزءان. الخلاصة التقية: الباجي المسعودي، تونس. - د - دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية: إبراهيم زكي خورشيد، أحمد الشنتناوي، عبد الحميد يونس، مؤسسة دار الشعب للنشر، القاهرة، ١٩٦٩، الطبعة الثانية. درة الحجال في أسماء الرجال: أحمد بن القاضي، تحقيق محمد الأحمدي أبو النّور، مصر، ١٣٩٠ - ١٣٩٤/ ١٩٧٠ - ١٩٧٤. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: إبن حجر العسقلاني، تحقيق محمد سيد جاد الحق، القاهرة، ١٣٨٥ - ١٣٨٧/ ١٩٦٦ - ١٩٦٧. دول الإسلام في التاريخ: شمس الدين الذهبي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، ١٩٨٥. الدّول الأغلبية: محمد الطالبي، ترجمة المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي، ١٩٨٥. الدّيباج المذهّب في معرفة أعيان المذهب: إبراهيم بن فرحون، مصر، ١٣٥١. ديوان علي الغراب الصفاقسي: تحقيق وتقديم محمد الهادي الطاهر المطوي وعمر بن سالم، الدّار التّونسية للنّشر، ١٩٧٣.

стр. 1090

ديوان المتنّبي (دا ر صادر بيروت). ديوان محمّد الشّرفي الصّفاق س ي: تحقيق وتقديم محمّد محفوظ، الدّار التّونسية للنّشر، تونس، ١٩٧٩. - ذ - ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان: حسين خوجة، تحقيق وتقديم الطاهر المعموري، الدّار العربية للكتاب، ليبيا - تونس، ١٣٩٥ - ١٩٧٥. - ر - رحلة التّجاني: أبي عبد الله بن محمد التجاني، تحقيق حسن حسني عبد الوهاب، المطبعة الرسمية، تونس، ١٩٥٨. رحلة العبدري: محمد بن محمد العبدري الحيحي، تحقيق محمد الفاسي، الرباط، (ب. د. ت.). الرّحلة العياشية: أبي سالم عبد الله العياشي، ط.٢ مصورة بالأوفسات، الرباط، ١٩٧٧. الرّوض المعطار في خبر الأقطار: محمد بن عبد المؤمن الحميري، تحقيق د. إحسان عباس، مكتبة لبنان، ١٩٧٥. رياض النفوس: المالكي، تحقيق البشير البكوش، دار الغرب الإسلامي، ١٩٨٣. - ز - زهر الرّبيع: إبراهيم الخرّاط، مخطوط السّيّد أحمد الجلّولي. - س - سياسة حمّودة باشا: رشاد الإمام، منشورات الجامعة التّونسية، ١٩٨٠. السيرة النبوية: إبن هشام، ط.١، دار الجيل، بيروت.
следующие страницы →