← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ولو أن شمس الأفق باهت بنورها ... دراري السّما ودّت لوانت لها قرص أمولاي دم فخرا وعزا (٢٠٥) وسؤددا ... فأنت الذي عن كلّ مجد له (٢٠٦) حرص بختم الشفا هنيت فلتبد ساحبا (٢٠٧) ... ذيول علا منها عليك غدت قمص فيا لك من حبر كشفت نكاته ... لنا فغدا في كلّ علم لنا شنص (٢٠٨) جزاك جزاء الله عنا بفضله ... نعيما بفردوس لولدانه قفص خدمت بمدحي روض مجدك مذ (٢٠٩) رأيت ... عن خدمة العلم الشريف لك الفحص فإنّك يا فخر الورى بحر سؤدد ... لفكري فيه عن لآلي الثنا غوص فدرّ مديحي فيك منه التقطته (٢١٠) ... وما كان إلاّ النضد (٢١١) لي فيه والوص ولو كان في وسعي جذبت النّجوم كي ... أحلّي بها مدحي لكم ولها رقص فها بنت (٢١٢) فكري غادة قد توشّحت ... بدرّ ثناء لم يحصه العدّ والخرص فخذها عروسا مهرها صالح الدعاء منك ... وشرطي لا يلاحظها خصّ عليك سلام الله ما هبّت الصّبا ... بروض وغنّى (٢١٣) فيه ورق له كصّ وصلّ وسلّم يا إلاهي على النبيء والآل (٢١٤) ... والأصحاب بالفضل قد خصّ [ـوا] ولم يزل مرضي السّيرة طيّب السّريرة إلى أن حضرته الوفاة شهيدا مبطونا يوم ثلاثة عشر خلت من رجب الحرام سنة ثمان وتسعين ومائة وألف (٢١٥) فقرأ ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَاُدْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢١٦) وأوصى أن يصلّي عليه تلميذه الشيخ سيدي أحمد بن سيدي أحمد بن حسن لما اعتقد فيه من الصلاح والفضل، وكان ذلك إشارة والله أعلم إلى توليته مشيخة المدرسة فكان ذلك، ثمّ تشهد شهادة الحقّ، وفارق الدّنيا - رحمه الله تعالى - وخرج خلف جنازته خلق ملأ الفضاء، ورثاه تلميذه الشّيخ علي ذويب بمرثية طويلة قرأها عند سرير نعشه قبل الصلاة عليه وهي هذه:

стр. 1017

[الكامل] ريب (٢١٧) المنون من البريّة دان (٢١٨) ... ورداه لم يظهره (٢١٩) منه يدان عجبا (٢٢٠) له أردى ولم يك (٢٢١) ذا يد ... ومهنّد صمصامة وسنان لم يثنه عن حكمه الجاري على ... غير المراد من الخليفة (٢٢٢) ثان بالله عاتبه على وثباته ... وثباته (٢٢٣) فيها الفظيع الجان أرأيت كيف دهى فهال فهاج (٢٢٤) في ... كلّ القلوب فوادح الأحزان ولمحت بدرا (٢٢٥) كيف سار مشيعا ... في الجوّ بالأملاك للرّحمان والنّاس طرّا حوله ودموعهم ... فاضت على الوجنات والأذقان ما لي أرى الأجفان غير قريحة ... والدّمع منها غير أحمر قان وعلام فارق لعننا (٢٢٦) دارا (٢٢٧) غدت ... مثوى النكاد وطارق (٢٢٨) الحدثان ليست بدار للقرار ولا لما ... ترجوه من أمن ونيل أمان كم نغّصت (٢٢٩) عيشا وكم قد فرّقت ... بين امرئ وأليفه المتدان وكم اغتدت (٢٣٠) وبدت مخادعة لمن ... قد أعجبته ولا خداع روان (٢٣١) تنمو فجائعها وتأتي بغتة ... كالصّلّ (٢٣٢) يكمن في الزهور لجان (٢٣٣) أبناؤها (٢٣٤) أحنت (٢٣٥) عليهم فاغتدوا ... صرعى بخالية من السّكّان ويل امرئ تلفيه مغرورا بها ... متلهّفا (٢٣٦) بوبالها الفتّان وتراه مسرورا بمن هو شائد ... لقصوره فيها ومن هو بان

стр. 1018

أبغض بها من مستقرّ نوائب ... ومحلّ أكدار ودار هوان أين الوصيّ مدينة العلم الرّضى ... والشّيخ ذو النّورين والشّيخان والأصبحيّ الفرد مفتي طيبة ... وعليهما (٢٣٧) المثني على النّعمان وأخو المكارم نجل إدريس الّذي ... قد سار للفسطاط من بغدان والمهتدي الصوفي مفخر (٢٣٨) حنبل ... والسيّد الحنفي والأخوان (٢٣٩) وبنو (٢٤٠) الحسين الأتقياء أولو الهدى ... والشيخ عبد القاهر الجرجان (٢٤١) والأشعريّ الشيخ والقاضي أبو ... بكر وسعد الدّين والعمران والسيّد السّند الفصيح لسانه ... والمرتضى عمرو أبو عثمان وأبو المعالي والإمام وجعفر ... والزاهد القرنيّ (٢٤٢) والحسنان (٢٤٣) / والسادة الأشراف من ملكوا الدّنا ... وحووا مناهم من بني (٢٤٤) مروان (٢٤٥) أيرى (٢٤٦) التّسلّي بالّذين ذكرتهم ... عن شيخنا في حيّز (٢٤٧) الإمكان لا والّذي أهدى لمن حملوا له ... ذاك السرير موفّر الغفران (٢٤٨) وأفاض - جلّ - على الألى معه مشوا (٢٤٩) ... ما راق من عفو ومن رضوان (٢٥٠)

стр. 1019

إن حلّ ذا الشيخ الجنان فكلّنا (٢٥١) ... يمسي لأشقى (٢٥٢) الحرق في (٢٥٣) نيران (٢٥٤) نحن الذين ننوح (٢٥٥) من فقدانه ... نوح الحمام على قضيب البان ونبين شجوا (٢٥٦) مجريا فوق الثرا ... دمعا يرى متواصل الفيضان (٢٥٧) بلدي صفاقس قد بدت لبّاسة ... ثوب الحداد (٢٥٨) بذلك الفقدان مرّت مفاخر مجدها ولطالما ... زهيت به وجلت على بلدان (٢٥٩) ما لي أرى سكّانها لم يسلبوا (٢٦٠) ... ألبابهم ويروا ذوي هذيان (٢٦١) يا أيّها الموت الذي بهجومه ... تبدي النّفوس نوى عن (٢٦٢) الأبدان هلاّ تركت أبا الشّذا أستاذنا ... الفهّامة العلاّمة الصّمدان شيخ المشايخ طيّب من فضله ... ذكراه طيّبة بكلّ مكان الخيّر الشرفيّ والهادي الذي ... ما إن له بين البرية (٢٦٣) ثان (٢٦٤) المهتدى لعقائد أثنى على ... تحريرهنّ تقدّس الديان (٢٦٥) خلت الديار من المعارف مذ خلت (٢٦٦) ... من ربّها النقّالة المعوان (٢٦٧)

стр. 1020

الطّاهر الآباء والآراب والأحلام ... والإخوان والخلاّن والأثوب البيض الّتي هبّ الشّذا ... منها على الأذيال والأردان ببيان منطقه البديع ونحوه ... ذكر الفتى البصريّ والشيخان وبفقهه الكرديّ أصبح صيته ... مستخرجا من ربقة النّسيان قد شاذ مذهب مالك وأبانه ... بعد اندراس رائق البنيان ودرى معارف بعد (٢٦٨) عشر قد مضت ... من سنّه لم يدرها الشّيخان أبدى وجوها للحديث بديعة ... خفيت عن العينيّ والكرمان وأبان (٢٦٩) حفظا فائقا (٢٧٠) ذا فطنة ... هزأت بفطنة أحمد الهمدان حبر ترحّل غير معتوب (٢٧١) ولا ... متصنّع أشر ولا منّان ومضى أبرّ مهذّب فهم أخا ... غلب (٢٧٢) إلى أسنى التّقى حنّان ومضى لطيفا طبعه ذا همّة ... شادت له للفخر خير منان (٢٧٣) أحيى بمبدع نحوه وببثّه ... فيمن تطلّبه أبا حيّان وأتى بمختار الخلاصة منه في ... درس أنار مفاخر الحيّان (٢٧٤) وألاح منطقه البديع بيانه ... نقدا لما انتخبوه في (٢٧٥) الميزان (٢٧٦) لهفي عليه أغرّ أفضل سيّد (٢٧٧) ... ذي سؤدد من دونه النّسران ندب بديع (٢٧٨) رثائه فرض على ... كلّ امرئ للشّعر (٢٧٩) غير معان حسّان أشعار تسرّ وطالما ... سرت فنون الشعر من حسّان لهفي على ذا الشّيخ طيّب الرضا ال ... ـشّرفي فخر أفاضل الأزمان طاب الثّناء عليه ذا (٢٨٠) حسن به ... في خجلة كم قد بدى الغمران كم مستفيد ذاد عنه ضلالة ... بهدى حجاه السّاطع البرهان (٢٨١)

стр. 1021

ومقرّه (٢٨٢) في ختمه (٢٨٣) أبدى (٢٨٤) له ... مدحا على رغم الحسود العان (٢٨٥) كتب البيان قد اعترتها كربة ... بمضيّه المهمي (٢٨٦) بكا الأجفان وبكت بكا الثّكلى عليه وقد بدت ... في بردة المتغرّب الحيران النّصح والإنصاف قد ذهبا معا ... بذهابه المذكي لظى الأشجان والفقه والتّحرير معه ترحّلا ... للرمس في طيّ من (٢٨٧) الأكفان واها لأكفان قد اشتملت على ... بحر تلاطم أو على لبنان لهفي على من كان أعلم عالم ... بدلائل الإعجاز للقرآن هاد لأسرار البلاغة مغرم ... بنهاية الإعجاز (٢٨٨) والإتقان صبّ بتلخيص المعاني مولع ... بمقاصد الإيضاح والتّبيان لهفي على (٢٨٩) من (٢٩٠) علمه انتفعت به ... أهل الذّكاء الكاملو (٢٩١) الإيمان لهفي على معشوق محراب به ... فضع الأسى لحسوده الشّيطان لهفي على عفّ الضّمير (٢٩٢) المرتدى ... بالفضل والعاري من النّقصان لهفي على فهم مدائح علمه ... أزرت بنظم قلائد العقيان لهفي على فطن أغرّ موفّق ... ذي مسطر مستحسن ولسان لهفي على نقاد ألفاظ حوت ... غرر البدائع صيرفيّ معان لهفي على حبر له لم يبد في ... أسنى الفضائل والفواضل ثان علم البلاغة والعقائد طالما ... أبداه عذب (٢٩٣) موارد ومجان هو ثالث الشّيخين في الفنّين بل ... هو خير أعلام الورى الأعيان حسد السما والأرض (٢٩٤) منذ مشت بها ... منه وأبدى طيبها القدمان فكأنه من عالم (٢٩٥) الأملاك لا ... من عالم يعزى إلى الإنسان بدروسه المثنى على تدقيقها ... وبورده كم أشرق الملوان

стр. 1022

قد ناح من فقدانه الإسلام مع ... أبنائه بالمدمع الهتّان وبكت (٢٩٦) زهور (٢٩٧) علومه وعفافه ... ووفاؤه المقصى عن (٢٩٨) التّبيان (٢٩٩) ورثته (٣٠٠) تحقيقاته الغرّ الّتي ... كانت به تعطى بديع بيان وتتيه بالقلم الذي أجراه (٣٠١) في ... أدراجه منه جليل (٣٠٢) بيان (٣٠٣) صادت صقور فهومه ما عنه قد ... عجزت مخالب فطنة العقبان (٣٠٤) قد كان حصنا للشريعة (٣٠٥) شامخا ... صعب الذّرى (٣٠٦) متمنّع (٣٠٧) الأركان قد (٣٠٨) كان سلوة كلّ ثكلان أخا (٣٠٩) ... لفظ تبيّن عقلة العجلان كم سرّت العلياء منه بفاضل ... من بكا كلّ نزاهة ريّان (٣١٠) سحبت فصاحته ذهول فهامة ... ومديد نسيان على سحبان قد كان مفتاح العلوم براحتي ... لبّ له متكامل الرجحان (٣١١) ومطالع الأنوار كم قد أشرقت ... في درسه النّفّاع ذي (٣١٢) الإحسان ما الأرمويّ حكاه قدما في الحجا ... وذكائه المستحسن الحسّان (٣١٣) قد كان (٣١٤) نور ذكائه يبدو إلى ... أهل النّهى في الدّرس ذا لمعان قد كان هذا الشيخ طيّبا أخا (٣١٥) ... تقوى منزّهة عن الخذلان حبرا (٣١٦) أفاد العالمين معارفا ... حسّانة بتلطّف وبيان (٣١٧) وأجاب لمّا أن دعاه إلاهه ... لجنان دار الخلد والحيوان ومضى حميدا للنّعيم مخلّدا ... جمّ العفاف كما مضى العمران (٣١٨)

стр. 1023

نوح الأنام على الموفّق طيّب ... مستحسن كبديع شدو قنان ما الصّبر محمود عليه وربّما ... يهجى امرؤ يشقى به ويعان كلّ امرئ من أهل خلّته له ... طرفان في بحر البكا غرقان غسلا بدمعهما الرّقاد وغادرا ... في الأرض سيّالا من الغدران كم من بكى (٣١٩) في القطر فاض عليه من ... إنسانه (٣٢٠) ناحت ومن إنسان يا ذا الّذي هو بالمضيّ لربّه ... وبذكره منّا بعيد دان أنرى نياما بعد فقدك في دجى ... ليل بمتّقد الأسى (٣٢١) يقظان فقدت علوم القطر منذ فقدت في ... هذا الزمان الغادر الخوّان القطر أظلم إذ محى عنه سنا ... علم رحيلك عنه للحنّان وتشرّدت عنه المفاخر كلّها ... وبدت عليه كآبة الثّكلان من للدّروس (٣٢٢) الغرّ (٣٢٣) بعدك في حمى ... قد كان ذا فخر على جرجان وعلى الدّيار لمصر طرّا تائها (٣٢٤) ... متهكّما بفخار تفتازان لم يبق للتّحقيق (٣٢٥) بعدك معتن ... في سائر الأقطار والبلدان من خير أعلام البريّة أنت في ... ذي الدّار دار الغم آخر فان ريّا مدائح دينك الموفور (٣٢٦) قد ... هبّت نسائمها (٣٢٧) على الأكوان كم طالب لمعارف أبدى بكا ... جمّا عليك وسيّء الأحزان (٣٢٨) ويتيمة شقّت عليك جيوبها ... جزعا كأرملة من الجيزان (٣٢٩)

стр. 1024

يهنيك أنّك غير مسؤول (٣٣٠) بذا ... ك (٣٣١) المشي من اسهالك الزّيّان (٣٣٢) فيه تيقّنّا سعادتك الّتي ... حيّت تشهّدك العظيم الشان كمد (٣٣٣) الحسود به وكلّ مذبذب ... غمر ردي أصله قرنان (٣٣٤) أنت السّعيد على الحقيقة والّذي ... أرضعت للتقوى أجلّ لبان أنت الشّهيد وأنت خير مبرا ... من كلّ ما يدعو إلى الشّنآن قد كنت للعلماء سلطانا له ... فضل دراه كلّ ذي سلطان أجرى عليك الطرف دمعا (٣٣٥) كاد أن ... يبدو بهدى (٣٣٦) الدّار ذا طوفان (٣٣٧) سأقول للقوم الألي (٣٣٨) باحثتهم ... بمباحث زهر الوجوه حسان أجروا الدّماء على المحاجر واتركوا ... ماء الشؤون (٣٣٩) لغير هذا الشان نبذت (٣٤٠) مفاتح جنّة الخلد الّتي ... تاقت لزورتكم إلى رضوان يبدو أمامك فاتحا أبوابها ... ويريك أسنى الحور والولدان فتكون بينهم أجلّ منعّم ... طرب وخير مخلّد جذلان تسعى عليك من الرحيق المشتهى ... ومعينها الولدان بالكيسان نلت الرّضى المهدى إليك كماله ... مننا موفّرة من المنّان يهنيك في تلك القصور تنعّم ... قد حزته في رحمة الرّحمان / فارقت دهرك شاكيا أفعاله ... وبنيه (٣٤١) أهل الزّيغ والكفران وقدمت مسرورا على مولاك ذا ... دين كدين حبيبه العدنان دام البكاء عليك من أهل الهدى ... في كلّ منزلة وكلّ مكان لو أنصفوك بدوا أسيل (٣٤٢) مآتم ... كمآتم ريت (٣٤٣) من السنوان من كلّ لاطمة لورد ناظر ... شمّاء غير مهانة وعوان ومبينة جزعا شديدا مبعدا ... عنها (٣٤٤) نفيس للحلي حصان

стр. 1025

أبا الشّذا المسرور في دار البقا ... بأوانس حور العيون (٣٤٥) غوان أبقيت فينا خيّرين حجاهما ... وذكاهما الوقّاد نقّادان (٣٤٦) كلّ يرى بعفافه ورشاده (٣٤٧) ... فخر الأحبة زينة الأقران سيحلّ في تلك المجالس عالما ... بمقاصد التفكير والإمعان (٣٤٨) ألفاظه المسرور سامعها ترى ... كالزهر منثورا (٣٤٩) بروض جنان (٣٥٠) يدعى الكبير وضدّه بين الورى ... بمحمّد وبعابد الرّحمان بهما عن الذكرى لفضل أبيهما ... قد تغتدي يوما أولي سلوان غمّي عليك أبا الشّذا (٣٥١) أظهرت ما (٣٥٢) ... ظهر الصّباح لمن له عينان إني لأضعفها وإن أصبحت ذا ... كمد عليك به الرّقاد جفان وأبين من دمعي سوابق تغتدي ... تجري لبعض الأرض في ميدان (٣٥٣) يبكي عليك محمّد في تونس (٣٥٤) ... ويرى رعاه الله ذا هيمان أيّ امرئ من بعد فقدك لا يرى ... في بردة المتحيّر الولهان إن التّلامذة الألي علّمتهم ... سلبوا النّهى فبدوا ذوى هذيان يجب البكاء عليك يا شمس الهدى ... أبدا على النسوان والذّكران رحم الإله لكم كريم حشاشة ... ما جال فيها الهم (٣٥٥) بالعصيان /

стр. 1026

وسقى الغمام ثرى يحلّ ببطنه ... فيه لكم متقدّس الجثمان ما ناحت الثّكلى وحولق موجع ... وتناوحت ريح على الأفنان (٣٥٦) ورآى الورى شأن امرئ برثائكم ... يعلو وأبكى نائح الورشان. وتولّى مشيخة المدرسة بعده نجلاه المتقدّما الذكر، ثم انتقلا لرحمة الله تعالى شهيدين بالطاعون سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٣٥٧). ترجمة الشّيخ أحمد بن أحمد الشّرفي: فتولّى مشيختها بعدهما الشيخ الإمام الهمام العمدة الثقة الثبت الحجّة أبو العباس سيدي أحمد ابن سيدي أحمد الشرفي المفتي المقدّم الذكر، نال من العلوم الدينية الحظ الأوفر عربية بأنواعها وفقها وحديثا وتفسيرا وأصولا وتوحيدا وقراءة وتجويدا وحسابا وفرائض وميقاتا، وحاز سياسة أبيه وسيرته الحسنة بل فوق ذلك، وفاق أهل العصر في الفتاوى والأحكام والتّوثيق، ومع ذلك فهو متحمّل للأذى، صفوح عن الزّلاّت، حاز رياسة بلده لقيامه بنوازلهم ومعضلات وقائعهم، وله زيادة اشتغال بالعلم، فيعلم بالمدرسة والجامع الأعظم. تفقّه وأخذ العلم عن شيخه الشيخ سيدي طيب وشقيقه الشيخ سيدي حسن المذكورين أولا وغيرهما ببلده، ثم ارتحل لتونس سنة سبع وستين ومائة وألف (٣٥٨)، وأقام بها سبع سنين، فأخذ عن الشيخ أبي عبد الله سيدي محمد الغرياني، وشيخنا سيدي عبد الله السوسي، وشيخنا سيدي محمد الشحمي، وشيخنا سيدي قاسم المحجوب، ومن في تلك الطبقة من علماء تونس / وعن الشيخ أبي عبد الله سيدي محمد الهدة السوسي حين إقامته بتونس، وأخذ القراءات والتجويد عن الشيخ سيدي حمودة إدريس التونسي، وله شرح على أبيات نظمها شيخه المذكور في توجيه أوجه الآن (بسورة يونس إذ ركبت مع «آمنت به» على قراءة الإمام نافع من رواية ورش من طريق الأزرق (٣٥٩)

стр. 1027

سمّاه تحفة الاخوان (٣٦٠) في توجيه أوجه الآن) (٣٦١) فأفاد فيه وأجاد، وبيّن توجيهها على غاية المراد مستشهدا على ذلك بكلام حرز الأماني للشاطبي، وبيّن من أين تؤخذ تلك الأوجه منه، وبحث فيه مع صاحب غيث النفع للشيخ النّوري - رحمه الله تعالى - وأرسله إلى شيخه المذكور فأجازه فيه بكلام نثر ونظم، وأطلع عليه غيره من علماء (٣٦٢) الفن فأجازوه كذلك، وله بعض كتابة وتقريرات على شرحي الشيخ عبد الباقي والشيخ الخرشي على مختصر العلامة سيدي خليل وعلى كفاية الطالب على الرّسالة وغير ذلك. وجرت بينه وبين الشيخ عبد السلام المسدي الشهير بالأزهري سؤالات وأجوبة نحوية نظما ونثرا. وقد ينظم الشعر قليلا فمن نظمه قوله: [المتقارب] إلاهي سألتك بالمصطفى ... شفيع الخلائق يوم المعاد لتغفر ذنبي وتسترني ... ولا تفضحنّي يوم التّناد فأنت الحليم وأنت الرّحيم ... وأنت الغفور لذنب العباد وله غير ذلك في هذه المعنى (٣٦٣)، ولم يزل قائما بالعلم حق القيام أعانه الله على ما أولاه وأمد في عمره وأجرى الصّالحات على يديه / وسدّد نظره ووفّقه للحق وأعانه عليه (٣٦٤). ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد بن حسن الشّرفي: ولم يعقب أخوه الشيخ سيدي حسن من الذكور إلاّ نجله الأسعد أبا عبد الله الشيخ سيدي محمد، فبعد ما أخذ عن الشيخ سيدي طيّب وعمّه الشيخ سيدي أحمد وغيرهما من فقهاء بلده انتقل إلى تونس فأخذ عن فقهائها، وأخذ عنا شرح رسالة إستعارات

стр. 1028

السّمرقندي لشيخنا أبي العباس سيدي أحمد الدمنهوري - رحمه الله تعالى - فسأل وأجاد واستفاد، وله إجازة من شيخه أبي عبد الله سيدي محمد الغرياني بن علي بعد ملازمته له مدة وأراد الرجوع إلى بلده، كما أجازه غيره نظما ونثرا كما سأل هو نظما، ثمّ رجع إلى وطنه بما ناله من علوم الدين، فحاز منصب أبيه علما وفهما وفتوى، فهو نسخة من أبيه وما كان من فضائله فهو فيه، وفّقه الله للصّواب والصّالحات، وأعانه على ما هو قائم به من الطاعات. وله عدّة دروس بمقام الشّيخ أبي يحيى الضابط والمدرسة (٣٦٥) وغير ذلك، نفع الله به المسترشدين. ترجمة الشّيخ محمّد المغربي: وقد أسلفنا من تفقّه على الشيخ سيدي طيّب وأن منهم الشيخ أبا عبد الله الحاج الأبر سيدي محمد المغربي، أصله من خنقة سيدي ناجي (٣٦٦) ذهب أولا لمصر وتفقّه بها، ثمّ رجع إلى صفاقس فلازم الشيخ في مدرسته سنين كثيرة، وأخذ (٣٦٧) عنه الشيخ عبد الباقي (٣٦٨) على العزية في صغر السن بعد الفراغ من تعلّم القرآن، فحصل لنا به النفع، ثمّ إنّه إنتقل لمدينة القيروان فأقام بها ونشر العلم ونفع / المسترشدين بها وقبلوه وأكرموا نزله، وتفقّه به خلق كثير، وتوفي بها - رحمه الله تعالى -. ترجمة الشّيخ علي ذويب: ومن أجلّ من أخذ عنه ممّن تقدّم الأديب الأريب الشيخ أبو الحسن علي ذويب أحد شعراء صفاقس المتأخرين، وله قصائد ومقطعات لا تحصى ولا تعدّ كثرة إلاّ أنّه غلب عليه الهجاء، فاستهجنه النّاس لذلك حتّى رموه عن قوس واحدة، وكان مغرما بعلوم الأدب، حتّى كأنّه لا يعرف إلاّ هو مع أنّ له حظّا وافرا من المنطق والكلام وعلوم

стр. 1029

البلاغة. وكانت له قوّة تعلّق بعلوم الأوائل كالطبّ والأغاني وغير ذلك، ومن شعره ما أرسل به إليّ مستعيرا لكتاب «شرح الصحائف» (٣٦٩)، لمؤلّفها ملك الحكماء ورئيس العلماء أفضل (٣٧٠) المتأخّرين شمس الملّة والدّين محمّد الحسيني السمرقندي (٣٧١) - رحمه الله تعالى - في علوم الكمال فقال: [الطويل] أيا ذا الّذي أضحى طراز المعارف ... وأعطى إلى التّدقيق أوفى العوارف وشوهد مغرى بالرّشاد ومغرما ... يبثّ دروسا تحت ذيل السّدائف (٣٧٢) ويا من غدا ذا سؤدد حسنت به ... مدائح قد وافته من كلّ واصف ومن ذكره للقلب مني مطرب (٣٧٣) ... كما يطرب النّشوان عزف المعارف ومن رمت صفو الودّ منه منزّها ... عن الدّخل الخافي وبعض الزخارف ومن لم يزل يبدي غريب مباحث ... لتحقيق علم من تليد وطارف ومن دام ممدوح البديهة لابسا ... من الكرم الموفور أبهى المطارف ومن صار أستاذا يقرّ لفضله ... أولو أدب أمسوا أجلّ الغطارف (٣٧٤) أعرني ما اشتاق الفؤاد لقربه ... وذاك - رعاك الله - شرح الصّحائف كتاب به أمحو حنينا موفّرا ... بنفسي إلى إحراز شرح المواقف بهمّتك العلياء أصبحت جامعا ... لكلّ كتاب منتهى كلّ عارف لقد حزت كتبا لم يحزها سواك من ... أفاضل كانت من سراة (٣٧٥) الخلائف فلا زلت محمودا لدى النّاس ملجأ ... لكلّ امرئ من طارق الجهل خائف ولا برحت آيات فهمك للنّهى ... تسرّ بما تهدي لها من لطائف عليك سلام الله ما ذرّ شارق ... وأطرب في الرّوحاء (٣٧٦) شذو الهواتف

стр. 1030

وتفقّه أيضا (٣٧٧) بصفاقس على شيخنا أبي الحسن سيدي علي الأومي وعنه تمكّن في علوم العروض أوّلا ثمّ رحل لتونس فأخذ عمّن لقيه وامتدح الأمراء بها وبغيرها وأجازوه على ذلك، وكان قليل الحظ لم يستقم له حال، وصرف من بلده لمصر بسبب امتداحه لبعض الناس وذمّ من لا يستحقّ الذّمّ، ثمّ تلطّف والده وسعى في رجوعه ولم يزل على ذلك حتّى أدركته منيّته بالطاعون سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٣٧٨) بصفاقس. ترجمة الشّيخ محمّد الزّواري: وأمّا شيخنا أبو عبد الله سيدي محمد الزواري فكان - رحمه الله تعالى - مكفوف البصر، ومع ذلك فهو ملازم لتعليم العلم وتعلّمه إلى وفاته، وأخذ أيضا عن شيخنا الأومي وشيخنا أبي عصيدة وغيرهم. وكان فقيها عابدا ملازما لتلاوة الكتاب العزيز ليلا ونهارا، فلا تراه إلاّ متعلّما أو معلّما أو تاليا للقرآن العظيم، وما زال كذلك إلى أن توفّي ﵀ بمرض الإستسقاء سنة نيف وسبعين ومائة وألف (٣٧٩). ترجمة الشّيخ أبي عبد الله محمّد المصمودي: وأمّا الشّيخ أبو عبد الله محمد المصمودي القاضي، فإنّه كان أوّلا معلّما للأطفال / ثمّ اشتغل بالعلم. وكان فقيها نحويا متكلّما عروضيا نظم قليلا، ذا عفّة وصلابة في الحقّ. تولّى القضاء أوّلا وصرف عنه عن غير موجب ثم أعيد للقضاء وصرف لضعف بصره. وتفقّه أيضا بشيخنا الأومي وغيره، ولم يخرج من بلده واستشهد بالطّاعون سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٣٨٠).

стр. 1031

وأمّا شيخنا أبو عبد الله سيدي محمد الدّرناوي، فكان ﵀ انتقل أوّلا لمصر، فأخذ عن الشّيخ إبراهيم شعيب التّونسي وغيره، ثمّ قدم لصفاقس فأقام بالمدرسة ملازما لصحبة الشّيخ سيدي طيّب الشّرفي، ثمّ انتقل لتونس وصحب الشيخ أبا عبد الله محمد الشّحمي، وتزوّج بها، وتولّى مدرّسا بجامع الزيتونة، وانتقل لمذهب أبي حنيفة بعد أن كان مالكيا، وتولّى مشيخة المدرسة المرادية، وكان مكفوف البصر، ثمّ رجع لدرنة (٣٨١) وطنه وبها كانت وفاته. ترجمة الشّيخ عبد الرّحمان بكّار: وأمّا الشيخ أبو زيد السيد الحسيب النسيب الشّريف سيدي عبد الرّحمان بكّار فقد أخذ عن الشيخ سيدي طيّب (٣٨٢) وشيخنا الأومي، ثمّ انتقل بعد ما تمكّن من مذهب مالك وغيره من علوم الدين معقولا ومنقولا إلى القسطنطينية (٣٨٣) فتفقّه على فقهائها بمذهب أبي حنيفة ثمّ انتقل إلى مصر فاجتمع بعلماء المغرب والمشرق وأخذ علوم الفريقين وخلاصة المذهبين، فصار عمدة محقّقا ثبتا مدقّقا متفنّنا، أديبا شاعرا مجيدا فصيحا بليغا، ذو حظ وافر من المنطق والأصلين، فقيه، محدّث، مفسّر، أما العربية بأنواعها فهو إمامها، عارف بأيّام النّاس والسّير / والمغازي، حسن السّياسة والأدب، وساعة التاريخ هو شيخ رواق المغاربة بالجامع الأزهر (٣٨٤). وله عدّة تآليف وشعره شائع ذائع معروف في غاية الجودة والبلاغة، إمتدح النّاس مغربا ومشرقا، وأجيز على ذلك الجوائز الوافرة، وهو ممّن جاور الجامع الأزهر لأخذ العلم وتعليمه للمسلمين لا شغل له سوى ذلك، أعانه الله على ما أولاه وبلّغه من الدارين ما يتمنّاه (٣٨٥).

стр. 1032

ترجمة الشّيخ إبراهيم الخرّاط: وأمّا الشّيخ أبو إسحاق سيدي إبراهيم الخرّاط، فهو من أجلّ فقهاء صفاقس وشعرائها المجيدين، أخذ العلوم عن الشيخ سيدي طيّب الشّرفي، وشيخنا أبي الحسن سيدي علي الأومي، وشيخنا أبي عبد الله محمد الفراتي، إبن علي، وغيرهم من فقهاء بلده، فغرى من صغره بعلوم الأدب، وبرع في علوم البلاغة، والعروض، فبلغ أقصى الرّتب، وارتفع بذلك صيته على شعراء زمانه خصوصا وقد انقرض الشّعراء بالطّاعون، وبقي بعدهم على أنّهم لو بقوا ما نقص مقامه عمّا هو فيه من علوّ المقام، غير أنّه لا يخلو من نكبات الزّمان على جاري عادة الله تعالى في الأدباء ليكون مكفّرا لسيّئاتهم فضلا من الله ونعمة، إمتدح الأمراء غربا وشرقا، ونال منهم على ذلك العطايا الجزيلة، وله لطافة وسياسة زائدة تروّض (٣٨٦) كلّ صعب من الأمراء فضلا عمّن دونهم. وكان والده ﵀ الشيخ أبو العباس أحمد الخرّاط من مقدّمي البلد (٣٨٧) وأستاذيها، وكانت له سياسة حسنة ولطافة ومروءة، حمّالا لأذى الجفاة، صفوحا عن عوارض الزّلاّت، ومع ذلك فلم يسلم من أذى الحسدة والأعداء / فسعوا به إلى الأمير بتونس سيدي علي باي إبن سيدي حسين باي - رحم الله جميعهم - فأمر بسجنه فاشتدّ به الحال وضاقت به الحيل، فاتّفق أن مولاي علي ابن مولاي محمّد إبن مولاي إسماعيل قدم من الغرب لقابس متوجّها لحجّ بيت الله الحرام، فتلقّاه الشيخ أبو إسحاق سيدي إبراهيم الخرّاط بقابس وامتدحه بقصيدة بليغة مستشفعا به إلى السّلطان بتونس، فقبله مولاي علي المذكور، وفرح به وأكرم نزله وكتب له كتابا إلى السّلطان بتونس مستشفعا في الشيخ أبي العبّاس المقدّم، فأخذ الشيخ أبو إسحاق الكتاب وذهب به إلى تونس فقبله السلطان وقبل الشفاعة، وحسن خلاص الشيخ أبي العباس من محنته ببركة ولده. وله قصائد ومقطعات كثيرة جمعها بنفسه في ديوان، فمن غرر قصائده القصيدة المشار إليها قوله (٣٨٨):

стр. 1033

[الطويل] إذا رمت إدراك العلا فاسلك الصّعبا ... وبالنّفس خاطر للخطير ودع رهبا وزر ربع من تهوى ولو كان نائيا ... على أيّ حال فيه كن هائما صبّا ألم ترني ملّكت للحبّ مهجتي ... ولم يعطني مثقال ودّ ولا حبّا لي الله كم خاطرت في سبل الهوى ... بنفس تعاف الورد إن لم يكن صعبا ففي درك الآمال أستقصر الخطى ... وفي موقف الأهوال أستصغر الخطبا يلين بما في مهجتي الصخر (٣٨٩) من جوى ... ويذبل ممّا حلّ بي يذبل رهبا وما لان قاسي القلب يوما ولا صفا ... كنقش الصفا إسماعه مني العتبا له (٣٩٠) نقرات (٣٩١) حين (٣٩٢) أشكو ولفتة ... تحيّر لبّي فانظروا الظّبي والضّبّا ترجّج أطماعي بباسم ثغره ... فصحّح يأسي كسر مقلته الغضبا فيا مانعي وردا بلحظي غرسته ... ووردا شهيّا (٣٩٣) من لماه احتمى عذبا إذا كان عذب الثّغر بالدّرّ يشترى ... فخذ فيه من أجفاني الؤلؤ الرّطبا بعدنا وما ينسي البعاد لأنّني ... أحمّل أشواقي النسيم إذا هبّا تعلّلني الذكرى فأغدو معاتبا ... عليل نسيم الرّوض يسعى لكم خبّا ومن عجبي أني بخدّك قد أرى ... على الجمر نملا (٣٩٤) من عذارك قد دبّا حرام بأن ألقاك مؤتمن الحشا ... وألحاظك المرضى ترى الفتك بي ندبا فكم لي إذ (٣٩٥) تسطو بها من وسائل ... وسائل دمعي ما رحمت له سكبا وحقّك لولا الحبّ (٣٩٦) لم يند مدمعي ... ولو سامني دهري النّوائب والخطبا ولو فاض لي غرب الدّموع بأسره ... تخلّصت بالمولى الّذي ملك الغربا أبي الحسن المولى علي بن مالك ال ... ـمغارب مولانا محمد قد شبّا هو الأسد الحامي هو الغيث (٣٩٧) إذ همى ... هو المعقل السامي هو المرتقى الرّتبا مليك إذا ما شنّ (٣٩٨) في الحيّ غارة ... سباهم ولا شدّوا حزاما ولا حقبا

стр. 1034

وأنزلهم بالسّبي عن خيلهم وعن ... نجائب (٣٩٩) صاروا يؤمرون لها حلبا مليك إذا ما سار فوق بسيطة ... رأيت لديه البسط والأمن والخصبا يعطر أنداء إذا ماس عطفه ... ويرهب أعداء إذا اقتحم الحربا له رتبة (٤٠٠) فوق السّماكين قد سمت ... وسلطنة داست بوطأتها الشّهبا تقاصر عنها للذّراع ذراعه ... وجاوزت الجوزا وروّعت القلبا إذا ما جرى في مجلس ذكره (٤٠١) همت ... سحائب واستسقت (٤٠٢) به البقعة الجدبا أمولاي يا من في العلا حاز رتبة ... أبت منه إلاّ أن يدوس بها القطبا لعمري أصبت الرّأي حيث توجّهت ... ركابك للبيت الحرام الذي تحبى وقد سرت من فاس إليه بعسكر ... أراك إذا ما سرت فيه زها عجبا ذعرت قلوب الطّير والوحش والمها ... بسيرك في أرض بكم ملّئت ركبا كان الذي في مثلها قال واصفا ... رآك بها لمّا قطعت لها حدبا (٤٠٣) تصدّ الرّياح الهوج (٤٠٤) عنها مخافة ... ويفزع فيها الطّير أن يلقط الحبّا طلابك للأمواه في القفر والفلا ... يودّ (٤٠٥) بعزم الحزم لو فتّش السّحبا ودوسك بالخيل الصّوافن (٤٠٦) بنتها ... يلين حمى مرعى كليب له جنبا (فسر حيثما قد (٤٠٧) شئت ملكا معظّما ... فإنك حزب الله أكرم به حزبا ودم كعبة الآمال والأمن للورى ... فأنت الّذي اخضرّت به السّنة الشّهبا) (٤٠٨) وأنت الذي فيه يردّد منشد ... غدا سائرا شوقا وداعي الندا لبّى إذا لم تبلّغني إليكم ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا

стр. 1035

بجاهك إنّي مستجير ولائذ ... على أنّني مولاي (٤٠٩) لم أقترف ذنبا ولكن أرى قوما عليّ تغلّبوا ... وفيّ إلى الباشا عليّ وشوا كذبا غياثك لي إذ عنك دلّتني الورى ... وقالوا بملك الغرب لذ تأمن العطبا فجئت ولا والله غيرك قاصدا ... تشفّع لي فالنّصر من نحوكم هبّا ومن نبّهت أصواته عمر نيّم ... ومن تحمه يوما كليب وقى الرّهبا فصدّق ظنون الناس فيك فإنهم ... رأوني فقالوا حصّل الحرم الرّحبا وفز بثواب الحجّ والمدح والثنا ... فيا لك من ملك قضى الفرض والندبا فلا زلت محروس الجناب (٤١٠) مملّكا ... ولا زلت فرّاجا عن الوجل الكربا وصلّ على طه الشفيع محمد ... وسلّم وزد مولاي آله والصّحبا وصورة الكتاب الذي استشفع فيه هذا لفظه: المحبّ الأسمى (٤١١) والأعز الأحمى (٤١٢) الأمير على تونس السيد علي باي أرشدك الله ورعاك، وسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد فإنّ الأجل الفقيه السّيّد إبراهيم الخرّاط الصفاقسي ورد على مقامنا الكريم قاصدا الإستيجار بجنابنا العليّ بالله تعالى في أن نستشفع لك في ذنب والده وأن لا تؤاخذه عن خطيئة صدرت منه هفوة فأريد منك أن تكون قابلا شفاعتي فيه ولا بدّ، والله تعالى يكون لك بذلك وليّا ونصيرا، وهذا ما نؤكّد عليك به فاجتهد في كمال غرضنا من أجله، والله تعالى يحفظك ويرعاك والسلام (٤١٣). ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي الأومي: ومن أجلّ فضلاء صفاقس وأعيانها شيخنا وأستاذنا وقدوتنا وملاذنا الشيخ الإمام الحاج الأبر العالم العلم العلاّمة الهمام القدوة العمدة المتقن المتفنّن المحقّق المدقّق أبو الحسن سيدي علي (٤١٤) الأومي - رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، وجعل في مقعد صدق مستقرّه ومثواه -.

стр. 1036

كان ﵀ إماما في المعقول والمنقول، حاز من علوم الشّريعة الأصول وفروعها، والأحاديث وعلومها، والتفاسير وفنونها، وطرق القراءات والتجويد ووجوهها، والعلوم الأدبية العربية ظاهرها ومكنونها، ومن العلوم الرياضية منطقا وحسابا وهندسة ومساحة وهيئة وميقاتا كنوزها، ومن دقائق الحكمة مفتاح رموزها. كان - رحمه الله تعالى - تعلّم في صغره القرآن العظيم على شيخ البركة سيدي عبد الله الجمّوسي، فكان يحبّه ويجله كثيرا، ويدني مجلسه منه في صغر سنّه لما تفرّس أو كوشف له من الخير فيه، ثمّ علّمه ما تيسّر تعليمه من النحو والفقه والتوحيد، ثم ارتحل للقيروان فأخذ عن شيخنا أبي محمد سيدي عبد الله السوسي (٤١٥) ما تيسّر له / من فقه وحساب وفرائض ومنطق وتوحيد وغير ذلك، ثمّ ارتحل لتونس، ثمّ ارتحل لمصر فلقي الرجال كالشيخ الحفناوي والشيخ البليدي، والشيخ الملوي (٤١٦) والشيخ العمروسي (٤١٧) شارح مختصر خليل، وشيخنا أبي العباس أحمد الدمنهوري، وشيخنا أبي الحسن علي الصّعيدي (٤١٨)، وشيخنا سيدي حسن الجبرتي (٤١٩) في آخرين من فضلاء مصر، ثمّ (٤٢٠) حجّ الفرض، وقدم لصفاقس بعد مقامه بمصر خمس سنين فأتى بعلوم جمّة فبثّها ونفع الله به خلقا كثيرا. وكان ﵀ نصوحا، لا يقرئ إلاّ بتحقيق ولا يقرئ مختصر خليل إلاّ بحضور مادّة واسعة كالشّرح الكبير والصّغير للشيخ الخرشي وبالشيخ الأجهوري والشيخ العمروسي (٤١٧) والشيخ التتائي وغير ذلك من الشروح، وبحدود إبن عرفة وشرحها للشيخ الرصاع، وهكذا في جميع العلوم لا يقرئها إلاّ بحضور ما يمكن حضوره من المواد. وكان أتى من مصر بخزانة كتب واسعة استعان بها على بثّ العلوم وتحقيقها، وأخذ عنه خلائق

стр. 1037

كالشيخ سيدي طيّب الشّرفي، ومن نسب للفضل غيره كشيخنا سيدي محمد الزواري، والشيخ القاضي أبي عبد الله محمد المصمودي، والشيخ أبي الحسن علي ذويب، والشيخ أبي زيد سيدي عبد الرّحمان بكّار، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم الخرّاط، والشيخ أبي الحسن علي الغراب. وكان ﵀ ذا همّة وعفّة وصيانة، قد سدّ باب الطّمع من جميع الخلق في متاع الدّنيا، وارتفع عن المناصب كلّها، طلبه أهل بلده في تولّي القضاء، فأبى، فكتبوا فيه وثيقة بأنّه هو الأليق بنا، فأبطل جميع ما عملوه / فولّوا الشيخ كمّون - حسبما مرّت الإشارة إليه -. ولمّا احتمى من القضاء ألزموه بالتّدريس في الجامع الأعظم فأسعفهم وجعلوا له مرتّبا يستعين به من المجابي المخزنية (٤٢١) فأبى أن يقبله، فلقيه شيخنا أبو عصيدة (٤٢٢) وقال: ما لك امتنعت من المرتّب وهو إعانة؟ فقال: هو من المجابي المخزنية وأكثرها ظلم، وكلّ لحم نبت من حرام فالنار أولى به (٤٢٣)، فباسطه وقال: خذ به فحما واحرقه تحت القدر فقال: هو إستعانة، والإستعانة لا تكون إلاّ بالله وما أذن الله فيه، فجعلوه له من الجزية فرضيه، وكذا جعل له شيء من زكاة الحبوب يقتاته هو وعياله، وكان صابرا على الشّدّة حتّى وسّع الله عليه بالكفاف، وكان مائلا للخمول جدّا ولا يصلّي إماما إلاّ في مسجد مهجور إحتسابا، فسألناه عن ذلك فقال: لإحياء بيت من بيوت الله هجره النّاس لقلّة ما يعود عليهم فيه من الدّنيا، ولا يعرف للأمراء بابا ولو للشّفاعة، لأنّ الزّمان قد فسد، وبطلت عند أهله شفاعة الشّافعين، فوقوف العالم على أبوابهم لا فائدة فيه، فلذا نبذهم ظهريا، وجعلهم نسيا منسيا، والتّحدّث بهم شيئا فريا.

стр. 1038

وكان أوّلا قد يتحمّل بعض الشهادات، فلمّا كثر طغيان (٤٢٤) العامّة في بعض المنتصبين لتحمّل الشهادة أعرض عن ذلك تعفّفا وتكرّما كما فعل ذلك سيدي طيّب الشّرفي ﵀. وكان ممّن سلم المسلمون من لسانه ويده، كثير الإنجماع في بيته، لا يخرج إلاّ لدرس يقرئه أو زيارة الصالحين والأقربين، وطالت مدّته وضعفت بنيته، وقلّ تناوله للغذاء فصار جلدا ملائما لعظم، فما خرج من الدنيا حتى ترك جميع لذّاتها وزهرتها، وتوجّه لله بقلب سليم، معرضا عن الدنيا وأهلها. (قال فيه تلميذه البارع والأسد الضارع أبي الحسن علي الغراب) ﵀ حيث قال: [الكامل] [خذ من فنون العلم (٤٢٥) كلّ عويص (٤٢٦) ... فالعلم يعلي قدر كل رخيص سيّما البيان فإنه لأجلّها ... قدرا، وأشرفها على التّخصيص (٤٢٧) إذ كان (٤٢٨) إيضاحا لها وملخّصا ... مفتاح باب السعد في التّلخيص ولمشكل التنزيل تبيانا وعن ... معناه كشّافا لدى التّنقيص فاشحذ سهام الفكر في تحصيله ... تكسى من العليا كلّ قميص وعليه فاحرص (٤٢٩) لا تملّ فإنّه ... لم يحوه في الناس غير حريص (٤٣٠) واعكف على الكتب (٤٣١) التي منه حوت ... عزّ (٤٣٢) القواعد سيما (٤٣٣) التّلخيص إذ قد حوى لشواهد (٤٣٤) الفنّ التي ... عنهنّ يغيب فكر كلّ قنيص،

стр. 1039

إيجازه عن كلّ مختصر غني، (٤٣٥) ... وعن المطول عند ذي التّمحيص، لكن إذا ما كنت آخذه على ... تاج الأيمة كامل التّخويص (٤٣٦) أعني (٤٣٧) أبا الحسن علي من غدا ... يعزي إلى الأومي لدى التّخصيص هو من بمضمار (٤٣٨) البلاغة قد حوى ... حلب (٤٣٩) السباق لدى (٤٤٠) ذوي التّفريص أما العلوم فإنه لرميمها (٤٤١) ... أحيا ومنها حلّ كلّ عويص (٤٤٢) (وملخص المعنى إذا أبدى الخفا ... منها يلخّص أيّما تلخيص) (٤٤٣) ومتى أراد وصل معنى معرض ... أفكاره وصلت (٤٤٤) بلا تربيص جمع الفضائل كلّها فأكرم (٤٤٥) به ... من طود علم نال كلّ قنيص (٤٤٦) ما عيب شيء منه إلاّ أنّه، ... عند السؤال، مشتّت التّنقيص فذوو الفضائل حين يذكر فضله ... تكسى من الأرداء (٤٤٧) كلّ قميص لا خير فيمن راح ينكر فضله ... لكنّه من معشر التّنقيص بيت العفاف منزّه ذو همّة، ... عليا، وصلب الدّين غير شكيص لا زال من بحر الجزالة، والهدى ... خلا لزائره، وعذب قريص (٤٤٨)

стр. 1040

وفي علوم الدّين والدّنيا اقتدى (٤٤٩) ... نورا منيرا ساطع التّمحيص (٤٥٠) وكفاه (٤٥١) في الدّارين ما من شأنه ... أن يهدى بالعلم كلّ حريص (٤٥٢) واختم إلاهي لجمعنا بسعادة ... من بعد عيش طاب غير نكيص (٤٥٣) واجعل شريف العلم نور خدودنا ... وشفيعنا في غد يوم خصيص (٤٥٤) ثمّ الصّلاة على النّبيء محمّد ... ما غرّدت ورقاء فوق العيص (٤٥٥) وممّا أنشده أيضا الشّاعر الأديب البارع الأريب الشّيخ أبو العبّاس أحمد أبو علي الصّفاقسي لمّا ازداد للشّيخ مولود لولده الشّيخ أحمد ﵏ هذه القصيدة حيث قال: [الكامل] بشراك (٤٥٦) بالنّجل السّعيد الفاضل ... ولك الهناء بذي الغلام الكامل نجم تزايد والسّعود طوالع ... غرّاء حلّت في أجلّ منازل سرّ الأحبّة والعدا قد ساءهم ... بمفاخر كثرت وقدّ عادل حصّنته بالواحد الحي الذي ... ما أن يرى عنّا دعاه بغافل يا أحمد الأومي الّذي قد سرّني ... خلف له وسما بخير أوائل إنّي سررت بنجلكم فكأنني ... خلت الحبيب من السّرور بواصل فالله يجعله سعيدا مسعدا ... ويفوز كالجدّ الأصيل الواصل لله من سلف ومن خلف حوى ... كلّ المكارم فوق قول القائل أكرم بمولود الفخار محمّد ... قد جاء في الشهر المنير الحافل بالسّعد والأفراح أقبل والرّضى ... زاد المؤرخ والهناء الشامل] (٤٥٧) ومن كراماته ﵀ ما أخبرني به نجله الشّيخ المدرّس الفقيه النّبيه العدل العمدة أبو الثناء سيدي محمود - أبقاه الله وأعانه على طاعته وتقواه - فقال: إنّ الشّيخ

стр. 1041

لمّا قلّ تعاطيه الغذاء نادى في حصّة من الليل فلبّيناه فقال: إئتوني الآن باللبن الحليب، ولم يكن الوقت أوان حليب، فاعتذرنا له بأنّ الحصّة قد تمكّنت من جوف الليل، والوقت ليس أوان حليب، فاصبر للصّبح نبحث لك عمّا طلبت، وأمّا الآن فلا ندري أين نذهب، فقال: لا بدّ من حضوره في هذه السّاعة، وألحّ في الطّلب حتى أزعجنا وأقلقنا، ففوّضنا الأمر لله وصبرنا لعدم الحيلة، والصّبر حيلة من لا حيلة له، فإذا بقارع يقرع الباب في جوف الليل فخرجنا فوجدنا بعض الأقارب وقد أهدى لنا شيئا من الحليب وقال: ناولوه للشّيخ، فناولناه إيّاه وشكرنا الله تعالى على هذه النّعمة أن أعطاه الله سؤله. وذكر من حضر وفاته قال: إنّه عند خروج روحه ﵀ غشيهم رائحة طيّبة لم يشكّوا فيها ولا طيب مع أحد من الحاضرين، وشاهدته بعد خروج روحه فوجدت جسده جلدا ملائما لعظم ليس فيه من اللحم شيء، وهو علامة على أنّ جسده لا يبلى. لأنّه من العلماء العاملين الذين ورد فيهم أنّ الأرض لا تأكل أجسادهم، وقد قالوا: إنّ الرّجل الصّالح يذهب دمه ولحمه في حياته فيبقى جسده على حاله بعد موته ولا يبلى وإن كان ذا لحم ودم كمن قتل ظلما بقوته ودمه ولحمه فتح الله / في جسده خرقا لطيفا تنصب منه المواد الموجبة للتّعفن حتّى تجفّ موادّه ويبقى جسده على حالة لا تغيّره الأرض. وخرج من الدّنيا ولم يتبعه من جميع النّاس إلاّ حسن الثّناء، ولم يسمع من أحد تعرّض لجنابه بسوء ولو قلامة ظفر لأنّ الإنسان لا يخلو من ضدّ وحسود، ولكن الله سلّمه من طعن الطّاعنين وذلك مصداق قوله ﵊: «ازهد ما في أيدي النّاس يحبّك النّاس، وازهد في الدنيا يحبّك الله» (٤٥٨) أو كما قال ﵊. توفّي ﵀ بجمادى الأولى من سنة أربع ومائتين وألف (٤٥٩).

стр. 1042

ترجمة الشّيخ الأديب أبي الحسن علي الغراب: ومن أجلّ أعيان أدباء صفاقس المتأخّرين المشهورين في عصرنا من شاع صيته مشرقا ومغربا، واتّفق على فضله وعلو مقامه بلاغة وأدبا، الشّيخ الأجلّ أبو الحسن علي البارع، شهر الغراب. كان ﵀ آية من آيات الله مؤيدا في نظمه ونثره واشتهر بذلك، وهو فقيه عدل ذو (٤٦٠) حظّ من علوم الحساب، والميقات، والمنطق، وأمّا علوم التّاريخ وأيّام النّاس وعلوم البلاغة فحدّث عن البحر ولا حرج، وأمّا تورياته وتشبيهاته واستعاراته وكناياته فأمر مشهور، ومن وقف على كلامه إعترف بفضله ونباهة شأنه، وألحقه بالشّعراء المجيدين المتقدمين. وله ديوان كبير (٤٦١) وما في أيدي النّاس من كلامه يغني عنه لأنّ النّاس كان لهم إعتناء زائد بكلامه، فكلّما قال شيئا تلقّوه سرعة بالقبول، وشهد بفضله أولو الفضل / شرقا وغربا. قال الشّيخ أبو القاسم الأديب المصري: لا أعلم أحدا في هذه الأعصار المتأخّرة أدرك شأو الغراب لا من المشارقة ولا من المغاربة، والحقّ ما قاله، فإنّ جميع الأدباء ذوي الفضل والإنصاف مقرّون بفضله وعلو طبقته. ولمّا رحل أستاذنا أبو الحسن سيدي علي الأومي لمصر للقاء الأفاضل والأخذ عنهم وكان أبو الحسن الغراب من تلاميذه كتب أبو الحسن الغراب قصيدة إمتدح بها الجامع الأزهر وعلماءه (٤٦٢) ونوّه بشأن الشّيخ الحفناوي محشي الأشموني (٤٦٣)، فلمّا وقف الشّيخ الحفناوي على القصيدة وظهرت له بلاغتها وفضل قائلها وبراعته وقوّة عارضته في الفنون الأدبية قال ﵀: «كم في الزّوايا من المزايا»، عنى بالزوايا أركان البيوت من

стр. 1043

الإنزواء والإنضمام (٤٦٤)، ولا شكّ أنّ صفاقس بالنّسبة لمشاهير الأمصار كالزّاوية من البيت، والأمصار المشهورة كالصّدر من البيت، فكان الشّيخ أبا الحسن الغراب ﵀ بآدابه مزيّة من مزايا الدّهر، وفريدة من فرائد العصر، ملقاة بزاوية من زوايا الأرض. ومن غرر قصائده ما أنشده في مدح السّفن التي أنشأها المرحوم الباشا سيدي علي باي إبن المرحوم سيدي حسين باي للجهاد بقوله - رحمه الله تعالى وعفا (٤٦٥) عنّا وعنه بفضله وكرمه آمين -: [الطويل] بشائر في الإسلام زاد بها عزا، ... [وآيات نصر نورها يذهب الرّجزا بها قوي الدّين القويم وإنّما] (٤٦٦) ... بها الكفر ولّى مدبرا وانثنى عجزا وبال على أهل الصليب وحزبهم ... ومن جحدوا من عابدي اللات والعزّى (٤٦٧) بفلك لغزو الكفر بالبحر أجريت (٤٦٨) ... يسابق أفلاك السماء جريها وخزا (٤٦٩) / يفوز بأجر من علاها، ومغنم، ... إذا ضربوا في البحر، أو ركبوا غزّى (٤٧٠) عليها لواء العزّ والنصر خافق (٤٧١) ... ولكن جموع (٤٧٢) الكافرين بها تخزى إذا لقي الإسلام كفرا بها ترى ... جميع العدى أسرى وأعناقهم حزّى (٤٧٣) عليها من الرّحمان حرز من العدى (٤٧٤) ... على أنّها للمسلمين غدت حرزا

стр. 1044

فمن لجهاد (٤٧٥) الكافرين بها استوى ... بأجر جزيل راح أو مغنم يجزى (٤٧٦) لقد كان جيد البحر في الغزو عاطلا ... إلى أن أتت هذي الشّواني (٤٧٧) له طرزا كأنّ الجواري المنشآت بيادق ... وكلّ غدا من هذه بينها فرزا (٤٧٨) تردّى بها الكفار ثوب مذلّة ... وقهر، وثوب العزّ منهم قد ابتزّا إذا سمع المستأمنون بغزوها ... نعى بعضهم بعضا لهم وله وعزى (٤٧٩) ألست تراهم حين جرّت وأدهشوا ... ثلاثة أيّام تكلّمهم رمزا (٤٨٠) صموتا فلم تحتسّ من أحد لهم ... إذا لاح أو تسمع له في الملا ركزا (٤٨١) إذا نشرت للطّرد أشرعة لها ... شهدت بها العقبان تختطف الوزا كأنّ صارخ البارود منها وبيضه (٤٨٢) ... رجوم هوت إثر الصّواعق بالأزرا طرايد (٤٨٣) كل كالطواويس خفقت ... وأعلامه مثل البروق إذا فزا جرى (٤٨٤) للأعادي بالجناحين طائرا ... ولا عجب فهو الغراب (٤٨٥) له المغزى لئن سودوا بالقار منه جوانبا ... فإنّ بياض الغنم في وجهه أجزا يصول بأبطال الجهاد كأنّهم ... عفاريت جنّ في الوغى (٤٨٦) حربهم وخزا إذا قارب الكفّار في الحرب (٤٨٧) إنّما ... ثعالب (٤٨٨) لاقتها أسود الشرى (٤٨٩) وكزا تشاهد بيض الهند حلّت رقابهم ... وتبصر للسمرا بأعينهم غمزا (٤٩٠)

стр. 1045

جوار بيض الهند والسمر حملها (٤٩١) ... تناجز شرك الرّوم في وضعها نجزا بحملة من منشآت مملك ... جميل المزايا سيفه يذهب الرجزا (٤٩٢) / أبي الحسن الباشا علي ابن مالك ... حسين الذي إحسانه يملك المرزا (٤٩٣) ألا أيّها المولى الذي عز رتبة ... ويطلب من رضوان ربّ العلى فوزا (٤٩٤) لتهنك سفن للجهاد صنعتها ... وفي مولد المختار أجريتها حفزا (٤٩٥) تيمّن بها واسعد (٤٩٦) فإن لها بكم (٤٩٧) ... نجاة لبرّ البرّ تبلغه وفزا فبالله مجراها (٤٩٨)، إذا ركبوا بها ... وبالله مرساها إذا وقفت (٤٩٩) ركزا (٥٠٠) لكم منشآت الغزو في البحر أجريت (٥٠١) ... ولي منشآت المدح في مجدكم (٥٠٢) تعزى حكى كلّ فلك منشأ في ابتهاجه ... ربى، وصواريه به السرو والأرزا عجبت! وقد جرّوه للبحر إنّما ... من البحر قد جروا إلى البحر مفتزا ولو أن نوحا يركب الفلك ثانيا ... لما اختار في الدنيا سواه ولا اعتزا لكم مولد المختار جاء مهنّئا ... بفلك نجاة مثله في الورى عزا وقال: بعزّ الدّين والغنم ثق به ... وأرّخ: «به يحوى الغنائم والعزا» (٥٠٣). وذلك سنة ألف ومائة وست وسبعين (٥٠٤).

стр. 1046

وكان أبوه أوصى لذكوره وذكور أخويه بثلث مخلفه، وله هو ذكر واحد، ولكلّ واحد من أخويه عدّة ذكور، فبعد وفاة والده طلب الشّيخ أبو الحسن أن يكون قسمة الوصيّة على عدّة جهات: أولاد الموصي لينوب والده ثلث الوصيّة، وطلب إخوته قسمتها على عدّة رؤوس الجهات الثلاث ليضعف حصّة ولده فتنازعوا في ذلك، وادّعى (٥٠٥) الشّيخ أبو الحسن المذكور أنّ العرف إنّما جرى بالقسمة على الجهات، واستفتى المفتيين في ذلك، فأجابه شيخنا أبو الحسن علي بن الشاهد المينيي مفتي جربة ﵀ بالعمل بمقتضى العرف، حسبما هو مطلوب الشّيخ أبي الحسن، وبذلك / أجاب الشّيخ الشّرفي - رحمه الله تعالى - وقرّر أن عرف البلد جرى بذلك، وعليه العمل عندنا ببلد صفاقس، وحكم الشّيخ أحمد لولو قاضي صفاقس بما أجاب به المفتيان، ورفع الخلاف في النّازلة. ثمّ توجّه الشّيخ أبو الحسن لتونس ليحكم له قاضي الحضرة، وكان العمدة الهمام الشّيخ سعادة (٥٠٦) مفتي تونس من مشايخ الشّيخ أبي الحسن، وعلم أنّ الدّعوى لا تتمّ إلاّ بعد وقوف الشّيخ سعادة عليها، وأنّه لا بدّ من أخذ فتواه، فاستفتاه معتذرا عن تقديم غيره في الإستفتاء وتأخيره هو، ناظما لسؤاله في أعذب نورية، وأحسن توفية، وأوجز عبارة، وألطف إشارة بقوله: [الكامل] يا سيّدا (٥٠٧) ساد الأنام بفضله، ... فسما على زهر السّما وزياده ألقت إليه المشكلات سلاحها ... من طوعها قهرا بغير (٥٠٨) إراده ما جاء بابك للإفادة (٥٠٩) سائل ... إلاّ سمحت له بخير (٥١٠) إفاده ومن (٥١١) أتى مستنجد من دهره ... ما عوده إلاّ بخير إعاده (٥١٢)

стр. 1047

نظم الأفاضل درهم في عقدنا ... ولقد رجوت بكم تمام قلاده فلذا (٥١٣) جعلتك للختام لأنّه ... ذو الفوز من يختم له بسعاده (٥١٤) فأجاب الشيخ سعادة ﵀ بقوله: [الكامل] حمدا لمن زان الوجود بعصبه (٥١٥) ... فضلاء في حل العويص وقاده فهم الكهوف لمن أتى مستنجدا ... ولهم بأسرار العلوم إفاده وصلاته وسلامه تترى (٥١٦) على ... من أوضح الدّين القويم وشاده (وجواب ناظمه كما قد نمّق ال ... ـمفتون أعلاه بغوا إرشاده (٥١٧) / فهو الصّحيح وما حكوا من أنّه ... عرف لديهم في البلاد وعاده يقضي به أيضا ويكفيك الذي ... قد أسندوا عزوا بغير (٥١٨) زياده ولربّما (٥١٩) نصّ الوصيّة يقتضي ... هذا تأمله تجده (٥٢٠) مفاده إذ الإشتراك والإنفراد لواحد ... قد عيّن الموصي بذاك مراده فاقبله يا من قد أتى بقريضة ... سحرا وحلانا بخير قلاده واعذر فنسجي هلهل لكنّه ... بقبولكم يكسى (٥٢١) حلي سياده فالله يمنحنا مواهب فضله ... وننال في الدّارين خير سعاده. وحكم بصحّة ما أجاب به الأشياخ قاضي الحضرة العمدة الهمام الشّيخ أبو العبّاس أحمد الطرودي الحنفي، وأشهد على ذلك بتاريخ أوائل رمضان المعظّم قدره بالإنزال من شهور عام ستّة وخمسين ومائة وألف (٥٢٢). وكانت وفاته ﵀ سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف (٥٢٣).

стр. 1048

ترجمة الشّيخ أبي الحسن علي المصمودي: ومن فقهاء العصر شيخنا أبو الحسن سيدي علي المصمودي. كان ﵀ فقيها، نحويا، عارفا بالنّوازل والأحكام، فرضيا منتصبا لتحمّل الشّهادة، فكان عمدة في التّوثيق والأحكام، ولا يقبل من الشّهادات إلاّ الخالصة من التّمويهات والتّوجيهات والإحتمالات والتّلبيسات، وطلب للقضاء وشهد فيه أهل البلد بأنّه أهل له وأنزلوا بذلك أمرا من السّلطان بتونس، فذهب للسّلطان واعتذر واستعفى فعوفي. وتفقّه بأبي عبد الله الشّيخ سيدي محمّد كمّون وغيره إلاّ أنّ اعتماده عليه. وأخذ عنه أبو عبد الله الشّيخ محمّد المصمودي القاضي، ولمّا أراد أخذ النّحو عنه شرط عليه أنّ كل قاعدة / تعلّمها ولحن في جزء من جزئيّاتها ضربه عشرة أسواط كالمعلّم مع أطفال المكتب، فقبل ذلك منه، وانتفع به في أقرب مدّة، وكان حسن التّعليم لقوّة نصحه وشدّة حرصه. وكان عالي الهمّة لا يبالي بأولي الأحكام والأمراء، منقبضا عن النّاس إلاّ بقدر الحاجة، ذا عفّة وصيانة. توفّي - رحمه الله تعالى - شهيدا بالطّاعون سنة تسع وتسعين ومائة وألف (٥٢٤). ترجمة الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم الجمّني: ومن أجلّ أعيان المتأخّرين الشّيخ شيخ شيوخنا أبو إسحاق سيدي إبراهيم الجمّني - رحمه الله تعالى -. وهو إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم (٥٢٥) بن أبي بكر بن عمر بن محمّد بن عبد الله ابن منصور بن عبد العزيز بن معين نزيل الجديدة، قرية من قرى المدينة المشرفّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام، وانتقل معين المذكور ونزل جمّنة، قرية من قرى نفزاوة، واستوطنها وتناسل منه أجداد الشّيخ سيدي إبراهيم، وهم أجلّة أعيان، وكان والده عبد الله فقيها صالحا، وكذا جدّه للأب إبراهيم كان على قدم الأفاضل، وكذا جدّه للأمّ سيدي علي بن حامد، وهو الّذي كان أخذ على الشّيخ الخرّوبي

стр. 1049

الطرابلسي (٥٢٦)، لقيه (٥٢٧) وتتلمذ له (٥٢٨) فناوله السّبحة وألبسه الخرقة، وأضافه التّمر والماء، وأعطاه الورد وألزمه قراءته. ونسبة الشّيخ إلى جمّنة بكسر الجيم وفتح الميم المشدّدة بعدها نون فهاء تأنيث، ونسبه ينتهي إلى المقداد بن الأسود الكندي - رضي الله تعالى عنه - ووصل إلى الدّيار المصرية بإشارة من الأستاذ شيخ البركة سيدي علي الوحيشي - نفعنا الله / بهما - وكان دخوله مصر إثر وفاة سيدي علي الأجهوري سنة ستّ وستّين وألف (٥٢٩)، فقرأ على الشّيخ سيدي عبد الباقي الزّرقاني وحصل عنه فأجازه في النّحو (٥٣٠) والمنطق والبيان والأصول والتّوحيد، وأخذ عن الشّيخ أبي عبد الله سيدي محمّد الخرشي وأجازه في الحديث الشّريف وحجّ، وكان قبل ذلك أخذ عن الشّيخ العارف بالله سيدي عبد الله بن أبي القاسم الجلالي بضم الجيم نسبة إلى قرية بالمغرب (٥٣١)، واجتمع به في زاوية خنقة سيدي ناجي، ورحل إلى بلد زواوة ومكث بها ستّ سنين، وأخذ عن أكابر أجلّة منهم الشّيخ العالم الفاضل سيدي محمد السعدي، والشّيخ الفاضل العامل الزّاهد سيدي محمّد الغربي (٥٣٢) والشّيخ العالم النّحرير، والجهبذ الشهير الرّاضي (٥٣٣) سيدي أبو القاسم القاضي، وكانت له الكلمة العليا والأمر المطاع بجميع جبال زواوة، ثمّ سافر الشّيخ صاحب التّرجمة من بلاد زواوة إلى مصر فأقام بها تسع سنين، فأخذ عن أعيان الجامع الأزهر كالشّيخ ياسين، والشّيخ أبي الحسن علي الشبراملّسي (٥٣٤) وأخذ القراءات عن الشّيخ سيدي سلطان (٥٣٥) وعن الشّيخ أبي الحسن اللّقّاني، وعن الشّيخ إبراهيم

стр. 1050

الشبرخيتي، وعن الشّيخ أبي العبّاس أحمد البشبيشي (٥٣٦) وكان الشّيخ الخرشي يدعو له، ولازمه لزوما طويلا. ثمّ إستأذن مشايخه في النّقلة إلى بلاده بالمغرب، فأذنوا له، ويوم خروجه خرج معه الجمّ الغفير جبرا لخاطره وتعظيما لقدره. وكان انتقاله من مصر سنة خمس وسبعين / وألف (٥٣٧) ثمّ (٥٣٨) ركب البحر فهاج البحر، وغرقت السّفينة وطلع من كان بها سوى الشّيخ، فلم يطلع فغاص الغوّاصون فوجدوه في قعر البحر فأخرجوه مغمى عليه، فلمّا أفاق سأل عن كتبه وكانت كثيرة، فسلّي بسلامة نفسه، فرجع إلى مصر وجمع غيرها في مدّة إقامته بها وهو يعلّم النّاس وظهرت بركات الفتح على يديه ومال إليه أهل الخير والصّلاح. ثمّ رجع لبلده جمّنة ثمّ انتقل لجزيرة جربة فقصد جامع الغرباء بها يعلّم به النّاس. قيل (٥٣٩) إن إمام الجامع أخذه ما يأخذ الفقهاء من الغيرة فمنعه من الإقراء به فعزم على الإنتقال، فرآى في النّوم قائلا يقول له: «يا إبراهيم أعرض عن هذا» (٥٤٠) وقيل رآى قارئا يقرأ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ (٥٤١) ورآى الشّيخ خليلا فقال له: أنت ولدي ومنّي فاجتهد، فأقام ما شاء الله ساكنا هو ومن يقرأ عليه في أخواص من جريد (٥٤٢). فقدم وكيل المرحوم السّلطان مراد بن حمّودة باشا - رحمه الله تعالى - وكان من أهل قابس، فسأل عن الشّيخ وكان يعرفه فدلّ عليه، فوجده على تلك الحالة، فلمّا رجع لتونس أمره السّلطان بالحجّ نيابة عنه لشغله بأحوال رعيّته، وهو كاف في مذهب أبي حنيفة الذي هو مذهب مراد باي، فقال له: يا سيّدي إن أردت أجرا خيرا من

стр. 1051

الحجّ فابن مدرسة للشّيخ الجمّني، وحكى له أمره، ونشر له ذكره فأمره بالتّوجّه لبناء المدرسة المرادية بجزيرة جربة ونصب له محرابها الشّيخ الميقاتي سيدي أبي راوي من ذرّية سيدي عبد السلام / الأسمر وقبره بجربة مزار مشهور، فبنى لها دورا وبيت صلاة، وكمل بناؤها سنة خمس وثمانين وألف (٥٤٣)، وجعل له النّظر في الحبس وفوّض أمره إليه، فمكث الشّيخ يعلّم بها، وقدم عليه النّاس من كلّ فجّ عميق فبذل جهده في نشر مذهب إمام دار الهجرة (٥٤٤) فكان يختم المختصر في كلّ سنة مرّتين في تسعة أشهر بكدّ وجدّ، ويقرأ الحديث النّبوي في بقيّة السّنة. وكان ملازما للصّيام والقيام من قبل (٥٤٥) الفجر لإيقاظ أصحاب الخلوات من تلاميذه للقراءة والمطالعة والصّلاة. وكان قوته ممّا يأتيه من تمر بلاده ممّا ورثه من آبائه محترزا عن الأكل من حبس الزّاوية حتّى إنّه كان له وكيل (٥٤٦) على التّصرف فإذا أتى بشيء من غلاّت الحبس وأحضره للشّيخ رفع الشّيخ جلدا كان يجلس عليه ويلتفت لجهة أخرى ويأمره بوضع ما عنده وبعد ذلك يردّ طرف الجلد، وإذا أراد الوكيل أخذ شيء يصرفه رفع طرف الجلد والتفت كما فعل في القبض حتّى يأخذ الوكيل ما يحتاجه فيضعه فلا يرى الدّراهم في دخولها ولا في خروجها تحرّزا عن الحبس وبعدا عن الفتنة. وكان متجنّبا للمناصب بأسرها حتّى الإمامة ولم يسمع منه أنّه حلف بالله قطّ. وكان أوّلا مؤثرا للعزبة ثمّ تزوّج إمرأة نصفا، فقال لتلاميذه: من استطاع منكم التزوّج فليتزوّج، فكانت زوجته عونا له على طاعة الله، وكان لها ولد أحسن عشرة الشّيخ وأحبّه محبّة الولد لأبيه (٥٤٧). وعطف عليه الشّيخ فنالته بركته. وكان الشّيخ في غاية من التّعفّف (٥٤٨) أهدى إليه رجل شيئا من الحليب طلبا للبركة / فقال: ومن أين جاءك هذا؟ قال: عندي شويهات فقال: ومن أين أكلها؟

стр. 1052

قال: ترعى هنا في البلاد، فقال: كم هي؟ قال: إثنتي عشرة، فقال: إرفع لبنك فلا خير فيه فإنّ عندك إثني عشر لصّا (٥٤٩) يسرقون سواني (٥٥٠) النّاس إذ البلاد كلّها أملاك وأحباس وأهاليها محتاجون لعلف دوابهم. وله كرامات كثيرة منها أنّ إبراهيم (٥٥١) الشّريف لمّا توجّه لحرب طرابلس دخل جربة فشكى بعض النّاس بالشّيخ عمر ابن أخي الشّيخ سيدي إبراهيم فسجنه، فاغتمّ الشّيخ لظلم إبن أخيه فأتى لإبراهيم الشّريف شفيعا في إبن أخيه، فلم يعظم الشّيخ في عينه، ولم يقبل له شفاعة لعدم معرفته بقدره، فلمّا جنّ عليه الليل إضطربت أحواله ولم يهنأ (٥٥٢) نومه وتحيّر، وضاقت عليه الأرض بما رحبت من غير موجب، فتنّبه وعلم أنّ سبب ما نزل به ردّ الشّيخ غير مجبور الخاطر، فأمر السّجّان بسراح الشّيخ عمر من حينه، وأرسل للشّيخ فأحضره واسترضاه، وطلب منه العفو فعفا (٥٥٣) عنه. ولمّا تولّى سيدي حسين باي ﵀ وكان حاضرا في هذه القضيّة وعرف فضل الشيخ أظهر تعظيم الشّيخ وإكرامه، فبنى للزّاوية وكالتين وأجرى للزاوية إنعامات من قوت الطّلبة وتحبيسات وغير ذلك. وتفقّه بالشّيخ علماء أجلّة يخرج عددهم عن الحصر، ومن جملتهم الشّيخ الصّالح المكاشف سيدي علي الفرجاني (٥٥٤) نقل عنه أنّ الشّيخ كان يقرئ الإنس والجنّ معا، وشرح مختصر الشّيخ خليل بشرح لم يكمل. ولمّا عمّت بركاته وتزايدت خيراته امتدحه أهل / الفضل من شعراء زمانه كالشّيخ أبي عبد الله سيدي محمّد إبن المؤدّب الشّرفي - رحمه الله تعالى - فإنّه إمتدحه بقوله:

стр. 1053

[الطويل] تذكّرت عهدا من ليال تقضّت ... علينا بوصل ثمّ ألوت (٥٥٥) وولّت وعادت كأحلام تراءت لنائم ... فلمّا تولّى النّوم عنه تولّت أحنّ لذكراها وأصبو تشوّقا ... إليها وأرجو أن تمنّ بعودة ومن لي بها يوما تعود وتلتقي ... ونظفر يوما باجتماع الأحبّة ألا ليت شعري هل أفوز بوصل من ... له القلب يصبو كلّ يوم وليلة وأشتاق لقياه إذا ما ذكرته ... لعلّي أحظى من شذاه بنفحة بنفسي من بالعلم حاز مزيّة ... ورتبته فيها علت كلّ رتبة سما قدره بالعلم فخرا ورفعة ... ورفعته بالعلم أعظم رفعة أيا طالبا للعلم إن رمت تجتني ... ثمار علوم من رياض أنيقة فلا تعد إبراهيم ذا الفخر والعلا ... وذاك إبن عبد الله يا خير نسبة فشمّر وجدّ السّير واقطع مفاوزا ... إليه وخض بحرا وحطّ بجربة لتنظر نجما يهتدى بضيائه ... وشمسا إذا ما الليل أظلم ذرّت له منطق في الدّرس يعذب لفظه ... ويسحر ألبابا بأعظم (٥٥٦) رقّة يفوق لئالي (٥٥٧) الدّر درّا بنظمه ... ويخجل من حسناه كلّ يتيمة إذا مشكل يوما تعسّر فهمه ... جلاه وأبداه بأوضح حجّة وإن أمّه صاد من العلم يشتكي ... ظلما (٥٥٨) يلق بحرا يحوي كل ذخيرة (٥٥٩) فيا لك من بحر زلال إذا جرت ... جداوله بالعلم أروت وروّت فبادره واشرب من رحيق زلاله ... وغص بحره تظفر بكلّ فريدة وقبّل يديه والتمس من نواله ... وحيّي محيّاه بأزكى تحيّة سلام عليه كلّما لمع الضيا ... وغابت نجوم في السّماء وعنّت (٥٦٠) وما غرّدت (٥٦١) عند الصباح ترنّما ... حمائم في أعلى الغصون وغنّت (٥٦٢)

стр. 1054

وكانت ولادته ببلدة جمّنة سنة سبع وثلاثين وألف (٥٦٣)، وتوفّي ليلة الجمعة خامس أشرف الرّبيعين بمولده ﵊ سنة أربع وثلاثين ومائة وألف (٥٦٤)، فكانت مدّة إقامته بالمدرسة خمسين سنة، ولم يخلّف ﵀ عقبا ودفن بالمدرسة (٥٦٥). فلمّا سمع سيدي حسين باي ﵀ أمر ببناء قبّة على الشّيخ فبنيت وجاءت على أحسن ما ترى العين، وأبهج شيء عند النّفس مع أنّها بالحجر والجير، ولكن نور من الله قلّ أن يرى مثلها. قيل إنّ بعض الأمراء أمر بعض المهندسين ببناء قبّة على بعض الصّالحين فجاءت في غاية الحسن والبهجة فأمره السّلطان أن يبني له مثلها، فبنى قبّة لم ير عليها ما على قبّة الصّالح من النّور فغضب السّلطان وقال: إنّما أمرتك ببناء مثل الأخرى فما هذه؟ فقال: والله بذلت جهدي في إستقصاء الصّنعة في هذه أكثر من الأخرى، فهذه القبّة وأين الصّالح؟ لو نقلته لكانت كالأخرى، فتلك جسد بروحه وهذه جسد بلا روح، وشرف البقاع وحسنها إنّما هو بساكنها. ترجمة الشّيخ عمر بن محمّد الجمّني: وقام بالزّاوية بعد الشّيخ ﵀ الشّيخ الهمام الفاضل والعمدة الكامل إبن أخيه، وهو الشّيخ سيدي عمر بن محمّد - المقدّم الذّكر - فكان قيامه أحسن قيام، وله مشاركة تامّة في المعقول والمنقول. ترجمة الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الجمّني: وبعد وفاته / خلفه أخوه شيخنا الشّيخ أبو إسحاق سيدي إبراهيم بن محمّد، فقام بالزّاوية قيام أخيه ولحظه الباشا ﵀ لحظا قويّا وأحبّه لحب الشّيخ الأكبر،

стр. 1055

وأمر ببناء دور في الزّاوية فوق الدّور الذي بناه مراد باي - رحمه الله تعالى -. وفي أيّامه أرسل الشّيخ الصّالح سيدي عبد الرّحمان أبو سيف (٥٦٦) مكتوبا للشّيخ يأمره ببناء الفسقيه الكبيرة خارج الزّاوية تحت الوكالة الصّغرى، وأرسل من المال مائة دينار وقال: كلّما تزيده عرّفني به أرسل لك به، فبنيت وكانت من الأعمال النافعة المتقبّلة إن شاء الله تعالى. وفي أيّامه عظم النّفع وكثر الوارد على المدرسة حتّى بلغ عدّة الطّلبة سنة قراءتنا بها مائتين وسبعين طالبا، ما بين متعلّم للسّنّة ومتعلّم للقرآن الكريم، وعظم الإجتهاد مبلغا لم نره في غيرها شرقا ومغربا لأنّ عادتهم في قراءة المختصر أنّ يوم الإبتداء ينظر الطّلبة درسا من أوّله ودرسا من النّصف الثّاني وهو باب البيوع، فإذا جاء الليل دخل (٥٦٧) نجباء الطّلبة وتبع كلّ واحد منهم طائفة من المبتدئين فيقدّمون الدرس الأوّل إلى جوف اللّيل ثمّ يذهبون إلى خلواتهم لاستراحة النّوم، فإذا قرب الفجر جاء رجل عيّنه الشّيخ بيده عمود يضرب به أبواب الخلوات فيوقظهم ولا ينتقل عن باب خلوة حتّى يفتح صاحبها بابها، فإذا فتح باب خلوته إنتقل لغيرها، فتوقد المصابيح ويقدّمون لهم درس البيوع فيوافق / فراغهم طلوع الشمس، فيدخل سيدي أحمد بن عبد الصّادق (٥٦٨) بشرح الخرشي فيقرئ الدّرس الأوّل ثمّ يخرجون، ويرجع بعد الزّوال فيكمل الدّرس الثّاني، وإذا جاء الليل فعل المتقدّمون فعلهم الأوّل، فإذا أصبح الصّبح دخل سيدي إبراهيم بن محمد بالشّيخ عبد الباقي فيقرئ الدّرس الأوّل من المختصر ويخرج فيدخل سيدي أحمد بن عبد الصّادق فيقرئ ما قدّمه الطّلبة أوّل الليل، ويخرج قرب الزّوال فيأكلون نصيبا من تمر حبس الزّاوية ويسبغون وضوءهم، ويرجع سيدي أحمد بن عبد الصادق فيقرئ ما قدّمه الطلبة آخر الليل ثمّ يخرج فيدخل سيدي إبراهيم بن محمّد فيقرئ باب البيوع وهكذا يستمرّ الحال، فيقدّم المقدّمون ويقرئ سيدي أحمد ما قدّموه ويقرئ سيدي إبراهيم ما أقراه سيدي أحمد فتكون الختمة (٥٦٩) الواحدة بثلاث ختمات في تسعة أشهر، والذي يظهر فيه التأهّل من المقدّمين يجيزه الشّيخ ويرجع إلى بلاده، فيذهب كلّ سنة منهم
следующие страницы →