← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المقالة أن ما يذكر فيها راجع إلى موضوع الكتاب إذ البحث عن بلاد من بلدان المغرب وعن أمرائها وغير ذلك موقوف على معرفة تلك البلاد، وذكر غيرها تبع لها، فمن ثم مسّت الحاجة إلى ذكرها، وفيها أربعة أبواب.

стр. 37

الباب الأول في تحديد المغرب برا وبحرا البحر المظلم: اعلم (١) ان أول المغرب برا من جهة مغرب الشّمس هو البحر المحيط، ويسمّى البحر المظلم وبحر الظلمات وهو البحر الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى من حيث الوقوف والمشاهدة بالعيان وإن كان من المعلوم بالضّرورة أنه ينتهي بالآخر (٢) من جهة العلو إلى الهواء، ومن جهة السّفل إلى الأرض، لكن لم يقطع ظهره بالرّكوب أحد، فلهذا يقال لا يعلم ما وراءه إلا الله (٣). وفي هذا البحر من هذه الجهة الجزائر الخالدات الستّ التي أخذ منها بطليموس (٤) ابتداء أطوال (٥) البلدان لجميع الأرض، كما أخذ ابتداء الأعراض من خط الاستواء والاعتدال، وفي هذه الجزر جزيرتان في كل واحدة منهما صنم مبني بالحجارة وارتفاع (٦) كلّ صنم منهما مائة ذراع، وفوق كل صنم منهما صورة من نحاس تشير بيدها إلى خلف، أي ما ورائي شيء ولا مسلك، إحداها (٧) مسفهان (٨) والأخرى لقوس (٩) وإليها وصل الإسكندر ثم رجع. وحديث البحر المظلم وعجائبه يطول. وسنشير إلى بعض منه فيما بعد. وسمّي محيطا لإحاطته بالأرض من جميع الجهات وهي مغرقة في وسطه كالأترجّه الملقاة في بركة من ماء والقدر البارز من الأرض قيل الثلث، وقيل غير ذلك.

стр. 38

وما بقي من الأرض فغامر (١٠) في الماء. وكان مقتضى الاستدارة التي هي طبع الماء أن يحيط بجميع الأرض فلا يظهر منها شيء، لأنه أخفّ من الأرض طبعا فلا ينكشف منها شيء، وتكون إحاطته بها من جميع الجهات على حدّ سواء، لكن اقتضت الحكمة والمشيئة الأزليّة انكشاف بعض الأرض ليكون مسكنا للحيوانات البرية ومنبتا لمعاشها وسمّي مظلما لأن جهة الشّمال منه ممّا يلي القطب الشمالي مظلمة ليلا ونهارا في بعض الفصول، لأن القطب الشمالي يكون فيه محاذيا لسمت الرأس، فإذا بلغت الشّمس البروج الجنوبية اختلطت حصة الليل بحصة النهار وصار الدور كله ليلا فاستولت الظلمة وبطل قوس النهار، ومحل تفصيل ذلك علوم الهيئة. الحدود البرية للمغرب: ونهاية بر المغرب من جهة مشرق الشمس اسكندريّة وما يليها من البحر الثاني (١١)، ولذا يقال: إن إسكندريّة مصريّة مغربيّة. ونهايته من جهة الجنوب الصّحراء المتاخمة لبلاد السّودان، ونهايته من جهة الشّمال آخر بلاد الأندلس وما يليها من البحر المظلم. حفر الزقاق: وأما بحر المغرب ويسمّى البحر الشامي، والبحر الرّومي فهو فيما يحكى كان بركة منحازة، لا يتّصل بشيء من البحور، وكان أهل العدوة (١٢) من الأمم السالفة يغيرون على أهل الأندلس فيضرون بهم كل الضّرر (١٣)، ويكابدون منهم الأهوال الشّديدة فيحاربونهم جهد الطّاقة إلى زمن الاسكندر، فلما وصل إلى أهل الأندلس، أعلموه بحالهم وما هم عليه من التناكر (١٤) مع أهل السوس ببر العدوة، فقبل شكواهم، فأحضر

стр. 39

المهندسين، وقصد مكان الزقاق، وكان أرضا جافّة فأمرهم بوزن سطح ماء البحر المظلم، وسطح ماء البحر الشامي، فوجدوا سطح ماء البحر المظلم يشف علوه على سطح ماء البحر الشامي بشيء يسير، فأمر برفع البلاد التي على ساحل البحر الشّامي من جميع جهاته ونقلها من أخفض إلى أرفع، ثم أمر أن تحفر الأرض التي بين بلاد طنجة وبلاد الأندلس. فحضرت الفعلة وحفرت حتى وصل الحفر إلى الجبال التي في أسفل الأرض، وبنى عليها (١٥) رصيفا بالحجر والجيار أفراغا من ناحية الأندلس وكان طول البناء إثني عشر ميلا وهو بعد ما بين البحرين من المسافة. وبنى رصيفا آخر يقابله من ناحية أرض طنجة، وكان بعد ما بين الرصيفين ستة أميال فقط. فلما أكمل الرصيفين حفر من جهة البحر المظلم مدخلا للماء، فدخل ومرّ ماؤه بقوّة سيله بين الرّصيفين حتى دخل للبحر الشّامي، فارتفع ماؤه كثيرا لأن ارتفاع سطح المظلم وإن كان قليلا لكنه لعظمه بالنسبة للشّامي يعلو سطح الشّامي كثيرا لصغره بالنسبة للمظلم، وغرقت مدن كثيرة كانت على سواحل الشّامي فهلك من كان بها وارتفع الماء فوق الرصيفين نحو إحدى عشرة قامة. فأما الرّصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنه يظهر في أوقات صفاء البحر في جهة الموضع المسمّى بالصّفيحة ظهورا بيّنا طوله على خط مستقيم، وأهل الجزيرتين (١٦) يسمّونه القنطرة. وأما الرصيف الآخر الذي كان في بلاد طنجة فإن الماء حمله في صدره واحتفر ما خلفه من الأرض (قدر اثني عشر ميلا) (١٧) وما استقرّ حتى وصل الجبال من كلتا الجهتين. وطول هذا المجاز المسمّى بالزّقاق اثنا عشر ميلا وعلى طرفه (ببر الأندلس) (١٨) من جهة المشرق الجزيرة الخضراء، وعلى طرفه في (١٩) جهة المغرب جزيرة طريف ويقابل جزيرة طريف (في الجهة الثانية من برّ العدوة مرسى قصر مصمودة) (٢٠) ويقابل الجزيرة الخضراء من بر العدوة مدينة سبتة [وعرض البحر] (٢١) بين سبتة والجزيرة الخضراء ثمانية

стр. 40

عشر ميلا هي عرض المجاز. وبين جزيرة طريف وقصر مصمودة اثنا عشر ميلا هذا ما ذكره في «النزهة» (٢٢) و «خريدة العجائب» (٢٣). المدّ والجزر: ونقل (٢٤) الشيخ محمد بن محمود القزويني (٢٥) في «عجائب المخلوقات» عن كتاب «أخبار مصر» أنه بعد هلاك الفراعنة، كان بمصر ملوك بني دلوكة، وكانوا أصحاب رأي وكيد، فطمع ملوك الرّوم في ملك مصر، فاحتال بنو دلوكة في شق البحر المحيط من المغرب وهو بحر الظلمات فغلب على كثير من البلدان العامرة والممالك (٢٦) العظيمة، وامتدّ إلى الشّام وبلاد الروم، وصار حاجزا بين بلاد مصر والرّوم وهو الخليج الذي في زماننا هذا على أحد ساحليه المسلمون، وعلى الآخر النصارى من الإفرنج. وهناك مجمع البحرين وهما بحر الرّوم والمغرب عرضه (ستة فراسخ وطوله خمسة) (٢٧) فراسخ، وفيه يظهر مد ماء البحر، وهو (زيادته وجزره وهو) (٢٨) نقصانه في كل يوم وليلة كل واحد مرتين. وذلك أن البحر الأسود وهو بحر المغرب عند طلوع الشمس يعلو فينصبّ في مجمع البحرين حتى يدخل في بحر الرّوم وهو البحر الأخضر إلى وقت الزوال. فإذا زالت الشّمس غاض البحر الأسود وانصبّ فيه البحر الأخضر إلى غروب الشّمس ثم يعود المدّ إلى نصف الليل ثم الجزر إلى طلوع الشّمس (٢٩) وهكذا، وقال قبل ذلك (٣٠): تعرض للبحار أحوال عجيبة من ارتفاع مياهها ومدّها وهيجانها في أوقات مختلفة من الفصول الأربعة، وأوائل الشهور وأواخرها، وساعات الليل والنهار. وأما ارتفاعها فزعموا أن الشّمس إذا أثرت في

стр. 41

مياهها لطفت وتحلّلت وملأت مكانا أوسع ممّا كان فيه قبل فدافعت بعض أجزائها بعضا (٣١) إلى الجهات الخمس: المشرق والمغرب والشمال والجنوب والفوق، فيكون على سواحلها في وقت واحد رياح مختلفة. هذا ما ذكره (٣٢) في سبب ارتفاع مياهها. وأما مدّ بعض البحار في وقت طلوع القمر فزعموا أن في قعر تلك البحار صخورا صلدة وأحجارا صلبة فإذا أشرق (٣٣) القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح أشعّته إلى تلك الصّخور والأحجار التي في قرارها (٣٤) ثم انعكست من هناك متراجعة فسخنت تلك المياه ولطفت فطلبت مكانا أوسع وتموّجت [إلى ساحلها] (٣٥)، ودفع بعضها بعضا وفاضت على شطوطها (٣٦) ورجعت المياه التي كانت تنصبّ إليها إلى خلف، فلا تزال كذلك ما دام القمر مرتفعا إلى وسط سمائه، فإذا أخذ ينحطّ سكن غليان تلك المياه وبردت تلك الأجزاء وغلظت ورجعت إلى قرارها وجرت الأنهار على عادتها، فلا يزال كذلك إلى أن يبلغ القمر إلى الأفق الغربي ثم يبتدئ المدّ على مثال عادته في الأفق الشرقي، ولا يزال كذلك إلى أن يبلغ القمر إلى وتد الأرض فينتهي المدّ ثم إذا زال القمر عن وتد الأرض أخذ المدّ راجعا إلى أن يرجع القمر إلى الأفق الشّرقي. هذا قولهم في مدّ البحار وجزرها (٣٧). قلت: المناسب لكلامه الأول أن يسند المدّ والجزر للشّمس لا للقمر وخصوصا لما أخذ في تعليل المدّ بقوله: سخنت تلك المياه ولطفت الخ. فإن السّخانة واللّطافة تناسب الشمس لا القمر. كيف وقد قال في خواص القمر: زعموا أن تأثيراته بواسطة الرّطوبة كما أن تأثيرات الشّمس بواسطة الحرارة. لكن قال بعده: من خواصّ القمر أنه إذا صار في أفق من آفاق البحر أخذ ماؤه في المدّ مقبلا مع القمر، ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وسط سماء ذلك الموضع، فإذا صار هنالك انتهى المدّ منتهاه. فإذا انحطّ القمر من وسط سمائه جزر الماء ولا يزال كذلك راجعا إلى أن يبلغ القمر مغربه فعند ذلك ينتهي الجزر منتهاه. فإذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدأ المدّ مرّة ثانية إلا أنه أضعف

стр. 42

من الأولى ثم لا يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وتد الأرض فحينئذ ينتهي المدّ منتهاه في المرة الثانية في ذلك الموضع ثم يبتدئ بالجزر والرّجوع ولا يزال كذلك حتى يبلغ القمر أفق مشرق ذلك الموضع فيعود المدّ إلى مثل ما كان عليه أولا فيكون في كل يوم وليلة بمقدار سير القمر فيهما في ذلك البحر مدّان وجزران (٣٨) انتهى، والله أعلم. ثم قال: وأمّا هيجانها فكهيجان الأخلاط في الأبدان فإنك ترى صاحب الدم (والصفراء وغيرها) (٣٩) (عند نزول حمى أو غيرها) (٤٠) يهتاج به الخلط ثم يسكن قليلا قليلا، (فللبحر موادّ تمدّه حالا فحالا فإذا قويت هاجت ثم تسكن قليلا قليلا) (٤١) وقد عبّر النبي ﷺ عن ذلك بعبارة لطيفة فقال: إن الملك الموكل بالبحر يضع رجله في البحر (٤٢) فيكون منه المدّ ثم يرفع فيكون منه الجزر. انتهى (٤٣). قلت: ولا مانع من إرادة الحقيقة إذ العقل يجيزه، وما أخبر به الصادق ولم يكن لحمله على حقيقته وظاهره مانع فالحمل عليه أولى، أما مع وجود المانع الصارف فالعمل على مقتضاه واجب، ثم أن في الخمس الأول (٤٤) من الشهر والعشر الوسطى والخمس الأخيرة يقوى المدّ والجزر، وتسمّى تلك الأيّام أيّام حياة البحر وفيما عدا (٤٥) ذلك يقلّ ذلك فتسمّى تلك الأيّام أيام موته، وهذا الجزر والمدّ لا يظهر غاية الظّهور إلا في أقاصير البحار، ولصيّادي السّمك خبرة زائدة بذلك، لأن اصطيادهم يتيسّر في مدّة الحياة، لأن السّمك يدخل مع قوّة دخول الماء فيحصل فيما نصبوا (٤٦) له من الأعمال المعدّة لاصطياده، فإذا جزر الماء نزلوا فأخذوا ما حصل (٤٧) في مصائدهم (٤٨)، والظّاهر أن

стр. 43

هذه الحياة والممات راجعة بعد مراعاة التدبير الإلاهي إلى القمر، والسرّ فيه أن القمر إذا كان في غاية امتلائه، وذلك في العشر الوسطى أو غاية نقصانه وذلك في الخمس الأولى والخمس الأخيرة حصلت الحياة وإذا (٤٩) كان بين بين، وهو فيما سوى ذلك حصل الموت، فسبحان من جعل لكل شيء قدرا ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٥٠). حدود البحر الشامي: وأما تحديد هذا البحر فقد أشار إليه في «نزهة المشتاق» بقوله: وأما البحر الثاني الكبير المعروف بالبحر الشامي فإن مخرجه من البحر المظلم الذي هو في (٥١) جهة المغرب ومبدأه في الاقليم الرابع، ويسمّى هناك بحر الزّقاق لأن سعته هناك تكون ثمانية عشر ميلا، وكذلك طول الزّقاق من جزيرة طريف إلى الجزيرة الخضراء ثمانية عشر ميلا، فيمرّ مشرقا من جهة بلاد البربر بشمال الغرب (٥٢) الأقصى إلى أن يقرب (٥٣) بالغرب الأوسط ويصل إلى أرض افريقية إلى وادي الرّمل إلى أرض برقة وأرض لوبية (٥٤) ومراقية إلى اسكندريّة إلى شمال أرض التيه وأرض فلسطين وسائر بلاد الشام إلى أن ينتهي طرفه إلى السويدية (٥٥) وهو نهايته، ومن هناك ينعطف البحر راجعا إلى جهة المغرب فيتصل بالخليج القسطنطيني إلى جزيرة بلبونس برزنة وهناك يخرج الخليج البنادقي ويتّصل إلى مجاز صقليّة إلى بلاد روميّة إلى بلاد سغونية (٥٦) إلى أربونة. ويجتاز بجبل البركات (٥٧) فيمرّ بشرقي بلاد الأندلس إلى جنوبي وسطها وينتهي إلى الجزيرتين من حيث بدأ. وطول هذا البحر الشّامي من ابتدائه إلى انتهائه ألفا (٥٨) فرسخ ومائة وستة وثلاثون

стр. 44

فرسخا وفيه من الجزائر نحو مائة جزيرة بين صغار وكبار ومعمورة وخالية، ويخرج من هذا البحر الشّامي خليجان أحدهما خليج البنادقيين ومبدؤه من شرقي بلاد قلّورية من بلاد الرّوم من عند مدينة أذرنت (٥٩) فيمرّ في جهة الشّمال مع تغريب يسير فيمرّ بأرض ماري إلى ساحل شنت أنجل (٦٠) ثم يأخذ في جهة المغرب إلى بلاد أنكونة إلى أن يمر بساحل البنادقة، وينتهي طرفه إلى بلد انكلاية، ومن هناك ينعطف ريفه راجعا مع المشرق إلى بلاد جراوسه (٦١) وطاسية وبلاد أسقلونية إلى أن يتصل بالبحر الشّامي من حيث ابتدأ. وطول هذا الخليج من حيث ابتدأ إلى أقصى انتهائه ألفان ومائة ميل. ويخرج أيضا من البحر الشّامي الخليج الثاني المسمّى ببحر نيطس (٦٢) ومبدؤه من البحر الشامي حيث فم أندة وعرض فوهته هناك رمية سهم ولمسير ثلاث مجار يتصل (٦٣) بالقسطنطينية فيكون عرضه هناك أربعة أميال، ويمرّ كذلك ستين ميلا حتى يصل إلى بحر نيطس (٦٢) في جهة المشرق فيتصل من جهة الجنوب بأرض هرقلية إلى أرض أسترويلي إلى سواحل أطرابزندة إلى أرض أشكالة إلى أرض لانية، ويمرّ فينتهي طرف الخليج هناك حيث الخزرية ومنه ينعطف ريفه راجعا فيتّصل ببلاد الرّوسية (٦٤) وبلاد برجان وموقع نهر ديابوس، ويمرّ إلى موضع نهر دتو (٦٥) إلى أن ينتهي إلى مضيق فم الخليج القسطنطيني ويتّصل بالقسطنطينية ويمرّ بشرقي بلاد مقدونية (٦٦) إلى أن يتصل بالموضع الذي بدأ منه. وطول بحر نيطس من فم المضيق إلى حيث ينتهي ألف ميل وثلاثمائة ميل. انتهى.

стр. 45

الباب الثاني في الكلام على ضبط بر المغرب الأقصى وما يليه من الغرب الأوسط وذكر ما فيه من البلاد والعباد فنقول (١): إن فيما ذكر من بلاد السّوس الأقصى مدينة تاردانت وتيويوين (٢) وتانمللت (٣) وفيه من بلاد الصحراء نول لمطة (٤) وتازكغت (٥) وأغرنو. وفيه من بلاد البرّ سجلماسة ودرعة، وداي، وتادلة (٦) وقلعة مهدي ابن توالة (٧) وفاس ومكناسة وسلا وسائر المراسي (٨) التي على البحر الأعظم ومدينة تلمسان وتطّن (٩) وقرى (١٠) وصفروي ومغيلة وآقرسيف (١١) وكرانطة (١٢) ووجدة ومليلة (١٣) ووهران وتاهرت وأشير. وفيه من بلاد الغرب الأوسط تنس وبرشك وجزائر بني مزغنّا وتدلّس وبجاية وجيجل ومليانة والقلعة والمسيلة والغدير ومقّرة (١٤) ونقاوس وطبنة (١٥) وقسنطينة وتيجس (١٦) وباغية وتيفاش ودور مدين (١٧) ودار ملول وميلة (١٨).

стр. 46

البربر وأصولهم وافريقية وتسميتها: وكان الغالب على ما ذكرناه من البلاد البربر (١٩) وهم جيل من الناس كما قال في «القاموس» (٢٠) والجمع البرابرة وهم كما قال بالمغرب، وأمّة أخرى بين الحبشة والزنج، وكلهم من ولد قيس عيلان، وهم بطنان من حمير صنهاجة وكتامة بضمّ أولهما صاروا (٢١) إلى المغرب أيام فتح افريقش (٢٢) الملك افريقية. قال ابن خلكان (٢٣): «إفريقية سمّيت بافريقين بن قيس بن صيفي الحميري وهو الذي افتتح افريقية وسمّيت به وقتل (٢٤) ملكها جرجير ويومئذ سمّيت البربر بربرا. قال لهم ما أكثر بربرتكم ويقال افريقين وافريقش». اهـ. وقيل أن افريقش الذي ملك افريقية هو ابن أبرهة ذي المنار بن الاسكندر ذي القرنين، فلما تملك افريقش بعد أبيه أبرهة نقل البربر من أرض فلسطين ومصر والسّاحل إلى مساكنهم اليوم. وكانت البربر بعثت يوشع ﵇. وأفريقش هو الذي بنى افريقية وبه سميّت وكانت مدة ملكه مائة وأربعا وستين سنة. وقال التجاني (٢٥): إن بلاد البربر كانت أرض فلسطين وما جاورها من الشّام. وكان ملكهم جالوت الذي قتله داوود ﵇، وتفرّقوا في البلاد وتوجّه أكثرهم الى افريقية وبلاد المغرب، وكانت افريقية للروم فأجلتهم العرب البرابر عنها إلى جزائر البحر كصقلية وغيرها، ثم تراجعت الروم إلى بلادها على موادعة (٢٦) وصلح مع البربر، فاختارت البربر سكنى الجبال والرّمال وأطراف البلاد. وصار (٢٧) الرّوم إلى البلدان والعمائر حتى جاء الإسلام وافتتحت البلاد ففرّ جميع من فيها إلا من أسلم أو أدّى

стр. 47

الجزية. وقال: أهل (٢٨) توزر من بقايا الرّوم الذين كانوا بافريقية قبل الفتح الاسلامي وكذلك أكثر أهل بلاد الجريد (٢٩) لأنهم من (٣٠) حين دخلوا (٣١) الإسلام أسلموا على أموالهم وفيهم قوم من العرب الذين سكنوها بعد الفتح (٣٢) وفيها أيضا من البربر الذين دخلوها في قديم الزّمان عند خروجهم من بلادهم أهـ (٣٣). واسم جالوت (٣٤) ضريس ابن لاوي بن نفجار بن لاوي الأكبر بن لوي بن قيس ابن الياس بن؟؟؟. ولما دخلت قبائل البربر إلى المغرب تفرّقوا فنزلت مزّاتة ومغيلة وضريسة الجبال ونزلت لواتة أرض برقة ونزلت طائفة من هوّارة جبال نفّوسة ونزل الغير منهم بالمغرب الأقصى، ونزلت معهم قبائل مصمودة، فعمروا تلك البلاد (وقبائل البربر كثيرة، تذكر كل قبيلة عند ذكر بلادها وأمهات) (٣٥) القبائل زناتة، ونفزة، ونفزاوة، ولمطة، ومطماطة، وصنهاجة، وهوارة، وكتامة، ولواتة، وورفجوم (٣٦) ومزّاتة وصدراتة، ويصلاسن (٣٧)، ومديونة، وربوجة، ومداسة (٣٨)، وقالمة (٣٩)، وأوربة (٤٠)، وهطيطة، ووليطة، وبنو منهوس، وبنو سمجون، وبنو وارقلان، وبنو يسدران (٤١)، وورداسا، وبنو زيرجي (٤٢)، وزرهون، وزناتة، كلهم أبناء جالوت (٤٣) بن ضريس، ونفزاوة أبناء

стр. 48

نفجار، وصنهاجة (٤٤) ولمطة أخوان لأب واحد وأم واحدة، وأبوهما لمط بن زعزاع (٤٥) من أولاد حمير، وأمّهما تازكاي (٤٦) العرجاء، وأبوهما زناتي. وكان المسور بن المثّنى (٤٧) بن كلاع بن أيمن بن سعيد بن حمير، من أمراء العرب ساكنا مع قومه في بلاد الحجاز، فضاعت له إبل فخرج يطلبها ويبحث عنها إلى أن عبر نيل مصر، وسار في بلاد المغرب يطلبها، فمرّ بجبال طرابلس، فقال لغلامه: أين نحن من الأرض؟ فقال له الغلام: نحن بأرض إفريقية، فقال: لقد تهوّرنا. والتهوّر عند العرب الحمق، فسمّي لهذا اللفظ هوّارا، ونزل المسور المذكور بقوم من زناتة فحالفهم، ورأى بأرضهم تازكاي أم صنهاج ولمط، وكانت إمرأة جميلة بدنة بارعة الكمال، فولع بها المسور، فسأل عنها، فوجدها خلوا عن الأزواج، فرغب في زواجها وتزوّجها ومعها ابناها (٤٨) صنهاج ولمط (وهما ابنا لمط الأكبر) (٤٩) فولد للمسور منها ولد سمّاه المثنى (فسمّى أولاده هوارة لما قاله أبوه المسور) (٥٠) ثم مات المسور عنها وبقي ولده المثنّى مع أخويه صنهاج ولمط عند أمهم تازكاي وعند أخوالهم من زناتة. ثم ولد للمط ولصنهاج أولاد كثيرة فكثر نسلهم وتسلّطوا على الأمم، فاجتمع عليهم قبائل البربر فأزعجوهم إلى الصّحارى المجاورة للبحر المظلم، الأعظم، فنزلوها وبها قبائلهم متفرّقة بنواحيها وهم أصحاب إبل ونجب عتاق، رحّالة لا يقيمون بمكان واحد. ولباس الرّجال منهم والنساء أكسية الصّوف ويربطون على رؤوسهم عمائم الصّوف المسمّاة بالكرازي وعيشهم من ألبان الإبل ولحومها مقدّدة وربّما جلبت إليهم الحنطة والزبيب، لكن الزبيب أكثر لأنهم كثيرا ما ينقعون الزّبيب في الماء بعد دقّه ويشربون صفوه نقيعا حلوا. وفي بلادهم عسل كثير وليس عندهم مدينة يأوون إليها إلا مدينة نول لمطة (٥١) ومدينة ازقي للمطة (٥٢).

стр. 49

نول لمطة: (فأما مدينة نول فمنها إلى البحر ثلاثة أيام) (٥٣) ومنها إلى سجلماسة ثلاثة عشرة مرحلة، ومدينة نول كبيرة عامرة على نهر يأتي إليها من جهة المشرق وعليه قبائل لمطة وقبائل لمتونة. (ولمتونة قبيلة من صنهاجة) (٥٤) وبهذه المدينة تصنع الدرق اللّمطيّة التي لا شيء أبدع منها ولا أصلب منها ظهرا ولا أحسن منها صنعا، وبها يقاتل أهل المغرب لحصانتها وخفة حملها (٥٥) وبهذه المدينة يصنع السرج (٥٦) واللجم وأقتاب الإبل، وتباع بها الأكسية المسمّاة بالسفسارية (٥٧) والبرانيس (٥٨) التي يساوي الزوج منها خمسين درهما دينارا وأقل وأكثر. وعند أهلها الغنم والبقر الكثير جدا، وكذا السمن واللبن، وإلى هذه المدينة يلجأ أهل تلك الجهات فيما يعرض لهم من مهمّات حوائجهم. ومن قبائل لمطة مسّوفة ووشان وتمالتة [ومن قبائل صنهاجة بنو منصور، وتمية وجدالة، ولمتونة وبنو ابراهيم] (٥٩) وبنو تاشفين وبنو محمد [وجمل من صنهاجة] (٦٠). آزكّي: وأما مدينة آزكّي وتسمّى تازكغت (٦١) فإنها من بلاد مسّوفة وهي أول مراقي الصحراء، ومنها إلى سجلماسة ثلاثة عشرة مرحلة، ومنها إلى نول سبع مراحل، وهذه المدينة ليست بالكبيرة لكنها متحضّرة وأهلها يلبسون مقندرات (٦٢) ثياب الصوف ويسمّونها بلغتهم القداور وهذه المدينة تسمّى أيضا قوقدم (٦٣) باللغة الجناوية.

стр. 50

ومن أراد الدخول إلى بلاد سلا وتكرور وغانة من بلاد السودان فلا بدّ له من هذه المدينة. سجلماسة: وأما سجلماسة فهي بلاد كبيرة كثيرة العامر وهي مقصد الوارد والصّادر، كثيرة الحضر والجنّات، رائقة البقاع والجهات، ولا حصن لها، وإنما هي قصور وديار وعمارات متّصلة على نهر كثير المياه يأتيها من جهة المشرق من الصحراء، يزيد في الصيف كزيادة النّيل سواء، ويزرع على مائه حسبما يزرع فلاّحو مصر، ولزراعته إصابة كثيرة معلومة. وفي الأعوام الكثيرة المياه المتواترة بخروج هذا النهر، ينبت لهم ما حصدوه في العام السابق من غير بذر إن أبقوا جذوره نابتة بأرضها، وحكى الحوقلي (٦٤) أن البذر بها (٦٥) يكون عاما واحدا والحصاد منه في كل سنة إلى تمام سبع سنين، لكن (٦٦) تلك الحنطة التي تنبت من غير تجديد بذر تتغيّر عن حالها حتى تكون بين الحنطة والشعير وتسمّى هذه الحنطة يرّدن تيزواو (٦٧) وبها نخل كثير، وأنواع من التمر لا يشبه بعضها بعضا. وفيها الرطب المسمّى بالبرني أخضر اللون، شديد الحلاوة، صغير النّوى وبها الحنّاء والكمّون، والقطن والكروياء، فيتجهّز به منها إلى غيرها وبناءاتها حسنة. درعة: ومن سجلماسة إلى أغمات وريكة (٦٨) (نحو من ثماني مراحل) (٦٩). ومن سجلماسة إلى درعة ثلاث مراحل. ودرعة ليست بمدينة يدور بها سور ولا حفير، وإنما هي قرى متّصلة وعمارات متقاربة، ومزارع كثيرة يتناول ذلك فيها جمل وأخلاط من البربر. وهي على نهر سجلماسة النازل إليهم (٧٠)، وعليه يزرعون الحنّاء

стр. 51

والكمّون والكروياء والنيلج (وهو النيلة) (٧١) [وشجر] (٧٢) الحناء يكبر بها حتى يكون في قوام الشجر يصعدون إليه ومنه يأخذون بذره ويتجهّز به إلى كل الجهات لعدم وجوده بغيرها. السّوس: ومن أرض درعة إلى السّوس الأقصى أربعة أيام. ومدينة السّوس هي تارودنت (٧٣). وبلاد السّوس قرى كثيرة وعمارات متّصلة بعضها ببعض وبها من الفواكه الجليلة أجناس كثيرة مختلفة كالجوز والتّين والعنب العذاري والسّفرجل والرّمان [الامليسي] (٧٤) والأترج الكبير المقدار، الكثير العدد والمشمش والتفّاح [المنهدّ] (٧٥) وقصب السّكّر الذي ليس على قرار الأرض مثله طولا وعرضا (٧٦) وحلاوة وكثرة ماء فيعمل منه سكّر يعم الأرض، ويشف على أنواع سكّر غيره في الصفاء والطيب، ويعمل ببلاد السوس الأكسية الرقيقة والثياب الرفيعة التي لا يقدر أحد على عمل مثلها بغيرها من البلاد، ورجالها ونساؤها (٧٧) سمر، وفي نسائهم جمال فائق وحسن بارع، وحذق صناعات. وهي بلاد حنطة وشعير وأرزّ ممكن بأيسر ثمن وأسعارها رخيصة (٧٨)، والغالب على أهلها الجفاء وغلظ الطبع وقلة الانقياد. وهم أخلاط من البربر المصامدة ولباسهم الأكسية من الصّوف التفافا وعلى رؤوسهم الشعور الكثيرة. وبين تارودنت وتيويوين (٧٩) يوم في جنات وبساتين وكروم وأشجار وثمار وفواكه، واللحوم عندهم رخصية جدا. والغالب عليهم الشره (٨٠) والبطر. ومن مدينة السوس إلى مدينة أغمات ست مراحل في قبائل من البربر المصامدة

стр. 52

[يقال لهم أنتي نتات] (٨١) وبنو واسنو (٨٢) وأنكطوطاون (٨٣) وأنسطيط (٨٤) وأرعن وأكنفيس (٨٥) وأنتوزكيت (٨٦) وكل هذه القبائل من البرابر المصامدة المعمرين لهذه البلاد والجهات. ومن السّوس نفيس الجبل، وهي مدينة صغيرة حولها عمارات وطوائف من قبائلها المنسوبين إليها، وبها الحنطة والفواكه ما لا يوجد في غيرها كثرة. وبها جامع وسوق نافقة وبها من الزبيب ما لا نظير له منظرا وحلاوة وكثرة وغلظا. جبل درن: والطريق من تارودنت (٨٧) السوس إلى مدينة أغمات وريكة مع أسفل جبل درن الأعظم الّذي ليس جبل مثله إلا القليل في السمو وكثرة الخير وطول المسافة، واتصال العمارات، ومبدؤه من البحر المحيط في أقصى السّوس ويمرّ مع الشّرق مستقيما حتى يتّصل بجبل نفّوسة فيسمّى هناك بذلك، ويتصل بعد ذلك بجبال طرابلس، ثم يرق هناك وينقطع أثره. وقد حكى غير واحد أن طرف هذا الجبل يصل إلى البحر [حيث الطرف] (٨٨) المسمّى أوثان من برقة. وفي هذا الجبل كل طريفة من الثّمار وغرائب الأشجار، والماء يطرد منه وبوسطه وجوانبه يوجد النبات أبدا مخضرّا في كلّ الأزمان، وعلى أعلاه جمل من قلاع وحصون تنيف على بضع وسبعين حصنا، ومنها الحصن المنيع القليل مثله في حصون الأرض بنية وتحصينا ومنعة، وهو في أعلى الجبل ومن حصانته وثقافة مكانه أن أربعة رجال يمسكونه ويمنعون الصّعود إليه، لأن الصّعود إليه من مكان ضيّق وعر المرتقى لأنه يشبه الدّرج الحرج. ولا ترتقي إليه دابّة إلا بعد جهد ومشقّة. واسم هذا الحصن تانمللت (٨٩) وهو كان عمدة محمّد بن تومرت حين ظهر بالمغرب

стр. 53

- كما يأتي إن شاء الله - وهو الذي زاد في تشييده ونظر في تحصينه وجعله مدّخرا لأمواله وبه قبره لأمره بذلك، ولما مات بجبل الكواكب احتمله المصامدة إليه ودفنوه به فقبره هناك يزار من جميع بلادهم وعليه قبّة عالية بلا تزويق ولا كلفة بل متقنة الصّنع محكمة البناء. وفي هذا الجبل من الفواكه التي لا توجد في غيره، تينا وعنبا مستطيلا عسليّا لا يوجد في أكثره نوى، ومنه يتخذ زبيب يتنقل (٩٠) عليه ملوك المغرب لرقّة قشرته (٩١) وعذوبة طعمه واعتدال غذائه، وفيه الجوز واللوز، وأما السّفرجل والرمّان فيباع الحمل منه بقيراط واحد لكثرته، وبه من الأجّاص والمشمش والكمثرى والأترج والقصب الحلو كثير حتى أن أهل هذا الجبل لا يبيعونه بينهم ولا يشترونه لكثرته (٩٢). أغمات وريكة: ومدينة أغمات وريكة (٩٣) أسفل هذا الجبل من شماله في فحص أفيح طيّب التّراب كثير النّبات والأعشاب والمياه تخترقه يمينا وشمالا وتطرد بساحاته ليلا ونهارا، وحولها جنّات محدقة وبساتين وأشجار ملتفة ومكانها أحسن مكان من الأرض فرجة الأرجاء طيّبة الثّرى عذبة الماء صحيحة الهواء، ولها نهر ليس بالكبير يشق المدينة ويأتيها من جنوبها (٩٤)، فيمرّ إلى أن يخرج من شمالها (٩٤) عليه أرحاء طحينهم، فيدخل النهر المدينة يوم الخميس والجمعة والسبت والأحد وباقي الجمعة يأخذونه لسقي جنّاتهم وأرضهم، فيقطعونه عن البلد فلا يجري منه إليها شيء (٩٥). وهذا الجبل (٩٦) المشرف على المدينة إذا جاء الشّتاء نزل عليه الثّلج فإذا سخن الهواء، وذهب الشّتاء تحلّلت الثّلوج النازلة فيسيل ذوبانها إلى المدينة وربّما جمد به النّهر في وسط المدينة حتى يجتاز عليه الأطفال فلا يتكسر لشدّة جموده.

стр. 54

وأهل هذه المدينة هوّارة المتبربرون بالمجاورة وهم أملياء تجّار مياسير، يدخلون بلاد السودان بأعداد الجمال الحاملة لقناطير الأموال من أنواع النحاس [الأحمر] (٩٧) والأكسية والثّياب والعمائم والمآزر وصنوف النظم من الزجاج والأصداف والأحجار والعطر وآلات الحديد المصنوع، وما منهم رجل يسفر (٩٨) عبيده ورجاله إلا وله في قوافلهم المائة جمل والسبعون [والثمانون] (٩٩) جملا كلها موقرة (١٠٠). ولم يكن في دولة الملثّمين أحد أكثر منهم أموالا، ولا أوسع أحوالا، وعلى أبوابهم علامات تدلّ على مقادير أموالهم وذلك أنّ الواحد منهم إذا ملك أربعة آلاف دينار يمسكها مع نفسه، وأربعة آلاف دينار يصرفها في تجارته، أقام عن يمين بابه ويساره عرصتين مبنيتين بالآجر والطوب والطّين، من الأرض إلى أعلى السقف، وكلما ازداد أربعة آلاف دينار زاد عرصة، فإذا مر أحد بدار ونظر إلى تلك العرص مع الأبواب قائمة عدّها (١٠١) فيعلم من عددها (١٠٢) كم مبلغ مال صاحب تلك الدّار، وبعد انقراض دولة الملثمين وتولّي المصامدة تغيّرت أحوالهم ومع هذا فهم لم يزالوا مياسير أملياء، لهم نخوة واعتزاز لا يتحوّلون عنه (١٠٣). مراكش: وعلى اثنى عشر ميلا من أغمات مدينة استجدّها يوسف بن تاشفين في صدر سنة سبعين وأربعمائة (١٠٤) بعد أن اشترى أرضها من أهل أغمات بجملة أموال، وهي مرّاكش اختطّها له ولبني عمّه وهي في وطئ من الأرض، ليس حولها شيء من الجبال إلاّ جبل صغير يسمّى ايجليز (١٠٥)، ومنه قطع الحجر الذي بني منه قصر أمير المسلمين علي ابن يوسف بن تاشفين وهو المعروف بدار الحجر. وليس في مدينة مرّاكش حجر البتّة إلاّ ما

стр. 55

كان من هذا الجبل، وإنما بناؤها من الطّوب والطّين والطّوابي المقامة من التّراب، وماؤها الذي تسقى به البساتين مستخرج بصنعة هندسية حسنة من استخراج عبيد الله بن يونس المهندس، وذلك أن ماؤهم ليس ببعيد الغور، يوجد إذا احتفر قريبا من وجه الأرض، فجاء عبيد الله المذكور إلى مرّاكش في أول بنائها وليس بها إلا بستان واحد لأبي الفضل مولى أمير المسلمين المقدم الذكر، فقصد إلى أعلى الأرض ممّا يلي البستان فاحتفر فيه بئرا مربّعة كبيرة التربيع، ثم احتفر منها ساقية متّصلة الحفر على وجه الأرض وهو يحفر بتدريج من أرفع إلى أخفض متدرّجا إلى أسفله بميزان إلى أن وصل الماء إلى البستان وهو ينسكب مع (١٠٦) وجه الأرض يصبّ فيه، فهو دائم مع الأيام لا يفتر. وإذا نظر النّاظر إلى سطح الأرض لم ير بها كبير ارتفاع يوجب خروج الماء من قعرها إلى وجهها، وإنما يدرك ذلك من علم وزن الأرض، فاستحسن ذلك أمير المسلمين من فعل المهندس المذكور وأحسن إليه بأموال وأثواب، وأكرم مثواه مدة مقامه عنده، فلما نظر الناس ذلك استخرجوا مياها، وأنشؤوا البساتين الكثيرة والجنّات، واتّصلت بذلك عمارات مراكش وحسن منظرها. ومدينة مرّاكش في وقت بنائها من أكبر مدن المغرب الأقصى، وكانت دار ملك لمتونة ومدار ملكهم، وبها عدة قصور لكثير من الأمراء والقوّاد وخدّام الدّولة، وأزقّتها واسعة ورحابها فسيحة، ومبانيها سامية، وأسواقها مختلفة (١٠٧) جدا، وسلعها نافقة، وبنى جامعها يوسف بانيها وأميرها، فلما تغلبت عليها المصاميد وتملّكوها - حسبما يأتي إن شاء الله تعالى - تركوا ذلك المسجد (١٠٨) عطلا مغلق الأبواب، ولا يقيمون فيه صلاة، وبنوا لأنفسهم مسجدا جامعا يصلّون فيه (١٠٩). وشرب أهل مراكش من الآبار ومياهها كلها عذبة وآبارها قريبة معينة. وكان علي بن يوسف قد جلب إليها عينا بينها وبين المدينة عدة أميال، ولم يستتم ذلك فأتمّه المصامدة فأدخلوا الماء إلى المدينة وجعلوا منه سقايات بقرب دار الحجر وهي الحضيرة التي فيها القصر منفردا متحيّزا بذاته خارج عن المدينة (١١٠).

стр. 56

نهر تانسيفت: وعلى ثلاثة أميال من مراكش نهر يسمّى تانسيفت (١١١) وليس بالكبير لكنه دائم الجري. وزمن الشتاء يحمل بسيل كبير لا يبقي ولا يذر، وبنى عليّ بن يوسف [بن تاشفين] عليه قنطرة عجيبة البناء متقنة الصّنع فجلب إلى عملها صنّاع الأندلس وجملا من أهل المعرفة بالبناء فشدّوها وأتقنوا بنيانها حتى كملت، فلم تلبث أعواما يسيرة حتى أتى السّيل على أكثرها وحلّ عقدها ورمى بها في البحر الزاخر، وهذا الوادي يأتي إليه الماء من عيون ومياه منبعثة من جبال درن من ناحية مدينة أغمات أيلان . أغمات أيلان: ومدينة أغمات أيلان صغيرة في أسفل جبل درن، وهي في الشرق من أغمات وريكة (١١٢) وبينهما ستة أميال، وبهذه المدينة يسكن يهود تلك النّاحية، وهي مدينة حسنة كثيرة الخصب، كاملة النعم، وكانت اليهود لا تسكن مدينة مرّاكش عن إذن أميرها علي بن يوسف ولا تدخلها إلا نهارا، وتنصرف عنها عشيّة، وليس دخولهم إليها في النهار إلا لأمور له وخدم تختصّ به، ومتى عثر على واحد منهم بات فيها استبيح ماله ودمه، فكانوا ينافرون المبيت فيها حياطة على أنفسهم وأموالهم. عود إلى ذكر مرّاكش: وأهل مرّاكش يأكلون الجراد ويباع منه بها كل يوم الثلاثون حملا فما دونها بقبالة عليه، وكانت أكثر الصنائع بمراكش متقبلة، عليها مال لازم مثل سوق الدّخان والصّابون والصّفر والمغازل، وكانت القبالة على كلّ شيء يباع دقّ أو جلّ، كل شيء على قدره (١١٣). فلما ولي المصامدة وصار الأمر إليهم قطعوا القبالات بكل وجه وأراحوا منها (وتوعدوا عليها بالقتل) (١١٤).

стр. 57

الطريق من مرّاكش إلى أم ربيع: ويسكن بقبلة (١١٥) مراكش قبائل البربر أيلان وهم مصاميد، وحولها من قبائل البربر أيضا نفيس وبنو يدفر، ودكّالة ورجراجة وزودة وهسكورة (١١٦) وهزرجة، ويسكن بغربي أغمات وشرقيها مصاميد وريكة. ومن مدينة مرّاكش إلى مدينة سلا على ساحل البحر تسع مراحل أولها تونيّن، وهي قرية على أول فحص أفيح لا عوج به ولا أمتا، وطول هذا الفحص مرحلتان ويسكنه من قبائل البربر قزولة ولمطة وصدّراتة. ومن تونين إلى قرية تيقطين (١١٧) مرحلة إلى غفسيق مرحلة، وهي قرية على آخر الفحص المذكور، وصحن هذا الفحص المذكور كله (نبات السدر المثمر للنبق) (١١٨) وفيه السلاحف البرية التي تفوق السلاحف البحرية كبرا وعظما، وأهل تلك النواحي يتّخذون من صدفها (١١٩) دساتر (١٢٠) للغسل، ومعاجن للدقيق. ومن قرية غفسيق إلى قرية أم ربيع (١٢١) مرحلة، وهي قرية كبيرة جامعة، وبها أخلاط من برابر رهونة وبعض زناتة وتامسنا. وقبائل تامسنا شتّى فمنهم برغواطة ومطماطة وبنو تسلت (١٢٢) وبنو ويغمران (١٢٣)، وزقارة وبعض من زناتة، وبنو يجفش من زناتة. وكل هذه القبائل أصحاب حرث ومواشي وجمال. والغالب عليهم الفروسية. وآخر سكناهم (١٢٤) مرسى فضالة. ومرسى فضالة على البحر المحيط الغربي، وبينها وبين وادي أم ربيع ثلاث مراحل. وأم ربيع على واد كبير خرّار يجاز بالمراكب، سريع الجري، كثير الانحدار، كثير الصخور والجنادل، وبهذه القرية ألبان وأسمان، ونعم رغدة (١٢٥)، وحنطة في نهاية

стр. 58

الرخص، وبها بقول ومزارع المقاثي (١٢٦) والقطن والكتّان (١٢٧)، وهي في جنوب الوادي، ويجتاز هذا الوادي إلى غيطة كبيرة من الطرفاء والأنشام، وهي غابة كبيرة ملتفّة والأسود بها كثيرة، وربّما أضرّت بالمار، غير أن أهل تلك النواحي لا يهابونها، وقد تمهروا في مقاتلتها بأنفسهم من غير سلاح، وانما يلقونها بأنفسهم عراة، يلفّون أكسيتهم على أذرعتهم، ويمسكون معهم قتات من شوك السدر، وسكاكينهم بأيديهم لا غير، وقد لقيت الأسود منهم هناك نكايات فلا مهابة لها عندهم بذلك. ومن أم ربيع إلى قرية ايجيسل (١٢٨) مرحلة، وهي قرية حسنة وبها عيون كثيرة دفّاعة بالماء بين صخور صلدة، وهذا الماء يصرف في كثير من زروعهم. آنقال: ومن هذه القرية إلى قرية آنقال مرحلة، ويقال لها دار المرابطين، وبها عين عليها أقباء، وماؤها معين، وهي حسنة في موضعها، كثيرة الزرع والمواشي والإبل والبقر، ويقابلها فحص طويل قد انحشرت إليه طيور النعام (١٢٩)، فهي في أكنافه سارحة، وعلى مراقيه دارجة، وهى آلاف لا تعدّ ولا تحدّ، وأهل تلك النواحي يصيدونها طردا بالخيل فيقبضون منها جملا كثيرة كبارا وصغارا، وأما بيضها الموجود في هذا الفحص فلا يحاط به كثرة ولا يحصى، ومنه يحمل إلى كل البلاد، وطعامها وخيم يفسد المعدة، وأما لحوم النعام فباردة يابسة وشحومها نافعة من الصّمم تقطيرا ومن سائر الأوجاع البدنية. مكول: ومن آنقال إلى قرية مكول مرحلة، وقرية مكول على بطح (١٣٠)، ويتّصل بها فحص يقال له فحص خرّاز وطوله اثنا عشر ميلا لا ماء به، وقرية مكول كالحصن الكبير، عامرة بالبربر، ولها سوق نافقة، يجلب إليها جميع المجلوبات من السلع والمتاجر التي يحتاج إليها، وبها زروع كثيرة ومواش وأنعام.

стр. 59

ايكسيس: ومن مكول إلى قرية ايكسيس (١٣١) مرحلة صغيرة، والطريق على فحص خرّاز، وفي آخر الفحص واد ماؤه جار دائما، وعليه غابات ثمار، والأسود فيها ظاهرة للناس، عادية عليهم بالليل والنهار، لا تستتر في غياضها، وفي قرية ايكسيس بيت متّخذ لصيد الأسود حتى انه ربّما صيد منها في الجمعة الثلاثة والأربعة، والأسود تفر من النار إذا رأتها ولا سبيل لها إلى صاحب نار. سلا: ومن قرية ايكسيس إلى مدينة سلا [مرحلة، ومدينة سلا] (١٣٢) الحديثة على ضفّة البحر، وكانت في قديم الزمن مدينة شالة (١٣٣) على ميلين من البحر، وموضعها على ضفّة نهر أسمير الذي يتّصل الآن بمدينة سلا الحديثة، وهناك مصبّه في البحر. وأما شالة القديمة فهي الآن خراب، وبها بقايا بنيان قائم وخراب وهياكل سامية، ويتّصل بخرابها عمارات متّصلة وزروع ومواش (١٣٤) لأهل سلا الحديثة. وسلا الحديثة على ضفّة البحر، منيعة من جهة البحر، لا يقدر أحد من المراكب على الوصول إليها من جهته (١٣٥) وهي مدينة حسنة حصينة في أرض رمل، ولها أسواق نافقة وتجارات ودخل وخرج وتصرف لأهلها وسعة أموال ونمو أحوال، والطعام بها كثير رخيص جدا، وبها كروم وجنّات وحدائق وبساتين وغلاّت ومزارع، ومراكب أهل إشبيلية وسائر المدن الساحلية من الأندلس يقلعون عنها ويحطّون بها بضروب من البضائع، وأهل إشبيلية يقصدونها بالزّيت الكثير، وهو بضاعتهم، ويتجهزون منها بالطّعام إلى سائر بلاد الأندلس السّاحلية، والمراكب الواردة عليها لا ترسي منها في شيء من البحر لأنّ مرساها مكشوف، وإنما ترسي المراكب بها في الوادي الذي قدّمنا ذكره، وتجوز المراكب على فمه بدليل لأن في (١٣٦) فم الوادي أحجارا وتروشا تنكسر عليها

стр. 60

المراكب وفيه أعطاف لا يدخلها إلا من يعرفها، وهذا الوادي يدخله المدّ والجزر في كل يوم مرتين، وإذا كان المدّ دخلت المراكب به إلى داخل الوادي، وكذلك تخرج في وقته، وفي هذا الوادي أنواع من السّمك وضروب الحيتان، وهو بها لا يكاد يباع ولا يشترى لكثرته، وجودته ظاهرة، وكل شيء من المأكولات في مدينة سلا موجود بأيسر القيمة وأهون الثمن (١٣٧). فضالة: ومن مدينة سلا مع البحر إلى جزائر الطير اثنا عشر ميلا، ومنها في جهة الجنوب إلى مرسى فضالة اثنا عشر ميلا، ومرسى فضالة ترده المراكب من بلاد الأندلس وحائط البحر الجنوبي فتحمل منه أوساقها طعاما شعيرا وحنطة وفولا وحمصا وكذا تحمل منه الغنم [والمعز] (١٣٨) والبقر. الطريق من فضالة إلى آسفي: ومن فضالة إلى مرسى انفا أربعون ميلا، وهو مرسى مقصود تأتي إليه المراكب وتحمل منه الحنطة والشعير وتتصل به في ناحية البر (١٣٩) عمارات من البربر من بني يدفر ودكّالة (١٤٠) وغيرهما. ومن آنفا إلى مرسى مازيغن [خمسة وستون ميلا روسية. ومن مازيغن] (١٤١) إلى البيضاء جون ثلاثون ميلا. ومن البيضاء (١٤٢) إلى مرسى الغيط خمسون ميلا، وهو جون ثان. ومن الغيط إلى آسفي خمسون ميلا. ومن آسفي (١٤٣) إلى طرف جبل الحديد ستّون ميلا. ومن طرف جبل الحديد إلى الغيط الذي في الجون خمسون ميلا وكذلك من طرف مازيغن إلى آسفي روسية خمسة وثمانون [ميلا] (١٤٤) وتقويرا مائة وثلاثون ميلا.

стр. 61

آسفي: ومرسى آسفي كان فيما سلف آخر مرسى تصل إليه المراكب، وأما الآن فهي تجوزه بأكثر من أربعة مجار، وآسفي عليه عمارات وبشر (١٤٥) كثير من البرابر: رجراجة وزودة، وأخلاط من البرابر، والمراكب تحمل منه أوساقها في وقت السفر وسكون موج البحر المظلم. وإنما سمّي هذا المرسى بآسفي لأنه اجتمع ثمانية رجال أبناء عم بلشبونة (١٤٦) من بلاد الأندلس يسمّون المغرورين لاغترارهم بانشائهم مركبا حمّالا، وأدخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر ثم دخلوا البحر المظلم في أول طاروس الريح الشرقية، فجروا بها نحو احد عشر يوما، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج، كريه الرائحة كثير النشوز، قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف فردّوا قلاعهم في اليد الأخرى وجروا مع الرّيح في ناحية الجنوب اثني عشر يوما فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عد ولا تحصيل، وهي سارحة بلا راع ولا ناظر عليها، فقصدوا الجزيرة فنزلوا فيها، فوجدوا عين ماء جارية، وعليها شجرة تين برّي، فأخذوا من تلك الغنم، فذبحوا فوجدوا لحومها مرّة لا يقدر أحد على أكلها، فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوما إلى أن لاحت لهم جزيرة، فنظروا فيها إلى عمارة وحرث فقصدوا إليها ليروا ما فيها، فما كان غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق هناك، فأخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر، فأنزلوا بها [في دار] (١٤٧) فرأوا فيها رجالا شقرا زعرا، شعورهم سبطة، وهم طوال القدود، ولنسائهم جمال عجيب فاعتقلوا منها في بيت ثلاثة أيام، ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلّم باللّسان العربي، فسألهم عن حالهم، وفيما جاؤوا وأين بلدهم، فأخبروه بكل خبرهم، فوعدهم خيرا، وأعلمهم أنه ترجمان الملك، فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أحضروا بين يدي الملك، فسألهم عمّا سألهم الترجمان عنه فأخبروه بما أخبروا الترجمان بالأمس من أنهم اقتحموا البحر ليروا ما به (١٤٨) من الأخبار والعجائب ويقفوا على نهايته، فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان: أخبر القوم

стр. 62

أن أبي أمر قوما من عبيده فركبوا هذا البحر (١٤٩) وأنهم جروا في عرضه شهرا إلى أن انقطع عنهم الضّوء، وانصرفوا (١٥٠) من غير فائدة تجدي، ثم أمر الملك التّرجمان أن يعد القوم خيرا، وأن يحسن ظنّهم بالملك ففعل، ثم صرفوا (١٥١) إلى موضع حبسهم إلى أن بدأ جري الريح الغربية، فعمر بهم زورقا، وعصّبت أعينهم، وجروا بهم في البحر برهة من الدهر، قال القوم: قدّرنا أنه جرى بنا ثلاثة أيام بلياليها حتى جيء بنا إلى البر، فأخرجنا وكتّفنا إلى خلف وتركنا بالساحل إلى أن تضاحى النهار، وطلعت الشمس ونحن في ضنك وسوء حال من شدة الكتاف، حتى سمعنا غوغاء وأصوات الناس، فصحنا بجملتنا، فأقبل القوم إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة، فحلّونا من وثاقنا وسألونا (١٥٢) فأخبرناهم بخبرنا، وكانوا برابر، فقال لنا أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم؟ فقلنا: لا، فقال: إن بينكم وبين بلدكم مسيرة شهرين، فقال زعيم القوم: وا أسفي، فسمّي المكان (١٥٣) إلى اليوم آسفي (١٥٤). مرسى ماست: ومن مرسى آسفي إلى مرسى ماست في طرف الجون مائة وخمسون ميلا. ومرسى ماست (١٥٥) مرسى حسن يكنّ من بعض الرياح، والمراكب تصل إليه فتخرج منه الحنطة والشعير، ويتّصل به من قبائل البربر دكّالة، وأرض دكالة كلها منازل وقرى، ومناهل ومياهها قليلة. داي وتادلة: ومن مدينة أغمات مع الشرق والشمال إلى مدينة داي وتادلة أربعة أيام، وبين داي وتادلة مرحلة.

стр. 63

ومدينة داي في أسفل جبل خارج من جبل درن، وهي مدينة بها معدن النحاس [الخالص] (١٥٦) الحلو، ولونه إلى البياض يحتمل التّزويج ويدخل في لحام الفضة وهو إذا طرق جاد، ولم يتشرح (١٥٧) كما يتشرح غيره من أنواع النحاس، وهذا المعدن ينسبه العوام إلى السوس، وليست مدينة داي من بلاد السوس، لأن بينهما مسافات أيام كثيرة، ومن هذا المعدن يحمل إلى سائر البلاد، ويتصرف به في كثير من الأعمال. ومدينة داي صغيرة، لكنها كثيرة العامر، والقوافل عليها واردة ومنها صادرة، ويزرع بها وبأرضها كثير القطن، وبمدينة تادلة أكثر، فيخرج منها إلى كلّ الجهات، ومنه كل ما يعمل من الثّياب القطنية ببلاد المغرب [الأقصى] (١٥٨). وبهذين البلدين أرزاق ومعايش وخصب ونعم شتّى، وأهلها أخلاط من البربر. وفي شرقي تادلة وداي من البرابر بنو وليم (١٥٩) وبنو ويزكون (١٦٠)، ومنداسة. ويسكن بهذا الجبل النازل (١٦١) إلى داي قوم من صنهاجة يقال لهم أملو (١٦٢). الطريق من تادلة إلى فاس: ومن مدينة تادلة إلى مدينة تطّن وقرى أربع مراحل، وهي مدينة صغيرة، لكنها متحضرة يسكنها قوم من أخلاط البربر، وبها مزارع وحنطة كثيرة ولها مواش وأغنام. ومن مدينة تطّن وقرى إلى مدينة سلا التي على الساحل يومان. ومن مدينة سلا إلى مدينة فاس أربع مراحل. فاس: ومدينة فاس منقسمة بمدينتين بينهما نهر كبير يأتي من عيون تسمّى عيون صنهاجة، وعليه في داخل المدينة أرحاء كثيرة لطحن الحنطة بلا ثمن له خطر، والمدينة الشّمالية منهما تسمّى القرويين، والجنوبية تسمّى الأندلسيين، وماء الأندلسيين قليل، يشقها نهر

стр. 64

واحد، يمر بأعلاها وينتفع ببعض منه، وأما مدينة القرويين فمياهها كثيرة تجري منها في كل شارع وزقاق ساقية متى شاء أهل الموضع فجّروها فغسلوا مكانهم منها ليلا، فتصبح أزقتهم ورحابهم مغسولة، وفي كل دار، صغيرة كانت أو كبيرة ساقية ماء [نقيا كان أو غير نقي] (١٦٣)، وفي كل مدينة منهما جامع ومنبر وإمام، وبين المدينتين أبدا (١٦٤) فتن ومقاتلات، وبمدينة (١٦٥) فاس ضياع ومعائش ومبان سامية ودور وقصور، ولأهلها اهتمام بحوائجهم ومبانيهم وجميع آلاتهم، ونعمها كثيرة، والحنطة بها رخيصة الأسعار جدا دون غيرها من البلاد القريبة منها، وفواكهها كثيرة، وخصبها زائد، وبها في كل مكان منها عيون نابعة ومياه جارية، وعليه قباب مبنيّة، ودواميس محنيّة، ونقوش وضروب منها الزينة، وبخارجها الماء نابع مطرد من عيون غزيرة، وجهاتها مخضرّة مونقة، وبساتينها عامرة، وحدائقها ملتفّة، ورياضها مزهرة، وفي أهلها عزة ومنعة (١٦٦). ومنها إلى مدينة تاودا (١٦٧)، وقد خربت، مرحلتان، كان ابتناها أمراء الملثمين. ومنها إلى سجلماسة ثلاثة عشرة مرحلة. والطريق على صفروي إلى قلعة مهدي إلى تادلة إلى داي إلى شعب الصفا (١٦٨). ويشق الجبل الكبير إلى جنوبه، ومن هناك إلى سجلماسة. صفروي: فأما مدية صفروي فمنها إلى فاس مرحلة، وكذلك منها إلى قلعة مهدي مرحلتان. وصفروي مدينة صغيرة (١٦٩) متحضرة، بها أسواق قليلة (١٧٠) وأكثر أهلها فلاّحون، وزروعهم كثيرة، ولهم جمل مواش وأنعام، ومياههم عذبة غدقة.

стр. 65

قلعة مهدي: وأما قلعة مهدي فهي حصن حصين فوق جبل شامخ، ولها أسواق وعمارات، ومزارع وغلاّت، وبقر، وغنم، وبساتين (١٧١) واسعة. ومن قلعة مهدي إلى تادلة، مرحلتان، ويسكن قبلة قلعة مهدي قبائل من زناتة من بني سمجون (١٧٢) وبني عجلان وبني تسكدلت (١٧٣)، وبني عبد الله، وبني موسى، وبني ماروى (١٧٤) وتكلمّان (١٧٥) وأريلوشن (١٧٦) وأنتقفاكن (١٧٧)، وبني سامري. مغيلة: وبين فاس ومدائن مكناسة أربعون ميلا في جهة الغرب. ومكناسة مدائن عدة وهي في طريق سلا، والطريق إليها من فاس إلى مدينة مغيلة. ومغيلة كانت متحضّرة، كثيرة التجارات، متّصلة العمارات، وهي في فحص أفيح كثير الأعشاب والخضر والنواوير والأشجار والثمار، وبقي منها عمارات، وخراباتها متّصلة، والمياه تخترق في كل جانب منها، ومكانها حسن، وهواؤها معتدل. ومن مغيلة إلى وادي سنات، إلى فحص النخلة، إلى مكناسة. مكناسة: ومكناسة هي المسمّاة تاكررت (١٧٨) وهي باقية على حالها لم يدركها كثير تغيّر، وهي مدينة حسنة مرتفعة على الأرض، يجري في شرقيها نهر صغير، وعليه أرحاء، وتّتصل بها عمارات وجنات وزروع، وأرضها طيبة للزّراعة (١٧٩)، ولها مكاسب،

стр. 66

وأحوالها طائلة، وسمّيت مكناسة باسم مكناس البربري لما نزلها مع بنيه عند دخولهم (١٨٠) المغرب، وأقطع كل ابن من بنيه قطعة (١٨١) يعمرها مع ولده، وكل هذه المواضع التي أحلهم فيها تتجاور وتتقارب أمكنة بعضها من بعض، وبلاد مكناسة منها التي تسمّى بني زياد، وهي مدينة عامرة لها أسواق عامرة، وحمّامات وديار حسنة، والمياه تخترق أزقتها، ولم يكن في أيام المللثم بعد تاقررت (١٨٢) أعمر قطرا من بني زياد، وبينهما نحو من ربع ميل (١٨٣). بني تاورة: ومنها إلى بني تاورة نحو ذلك، وبين تاورة وتاقررت نحو ذلك، وكانت مدينة تاورة متحضرة جامعة عامرة، والماء يأتيها من جنوبها (١٨٤) من نهر كبير، فينقسم في أعاليها (١٨٥) ويمرّ ما انقسم هناك من المياه فيخترق جميع أزقّتها [وشوارعها] (١٨٦) وأكثر دورها، وبين تاورة وبني زياد مدينتان صغيرتان إحداهما القصر، وهي مدينة صغيرة في الطريق. السوق القديمة: ومن تاقررت إلى السّوق القديمة على رميتي سهم، وهذه المدينة بناها بعض أمراء الملثمين (١٨٧) وجعل لها سورا حصينا، وبنى بها قصرا حسنا، ولم تكن بها أسواق كثيرة ولا طائل تجارات، وإنما كان ذلك الأمير يسكنها مع جملة (١٨٨) بني عمّه، والمدينة الأخرى في شرقي هذه المدينة، وتعرف ببني عطّوش، وهي ديار متّصلة، وعمارات في بساتين لهم، ولهم هناك أشجار وغلاّت وزيتون كثير وتين وأعناب وفواكه جمة رخيصة في أسعارها، وفي أسفل هذه المنازل قبيلة من مكناسة على مجرى الماء الذي يأتي من بني

стр. 67

عطّوش، وتسمّى [هذه القبيلة] (١٨٩) بنو برنوس، وهي منازل وديار [لهم] وبها مزارع وكروم، وعمارات وزيتون (١٩٠) ورمّان وتين كثير، وفواكههم تباع لكثرتها بالثّمن اليسير. وفي شمال قصر أبي موسى سوق يقصد إليها في كل يوم خميس فيجتمع إليها جميع قبائل بني مكناس، وهي سوق نافقة لما جلب إليها، وهي تقصد من قريب وبعيد، وتسمّى السّوق القديمة. ومن قبائل بني مكناس المجاورة لهذه البلاد بنو سعيد وبنو موسى ويسكنها من غير قبائل مكناسة بنو بسيل ومغيلة، وبنو مصعود (١٩١) وبنو علي وورياغل ودمّر وصبغاوة (١٩٢)، وهي من أخصب البقاع أرضا وأنماها زرعا، وأكثرها خيرا، وأنجبها نتاجا، وهم برابر يلبسون الأكسية، ويربطون الكرازي على رؤوسهم. قصر عبد الكريم: ومن بلاد مكناسة في جهة الغرب (١٩٣) إلى قصر عبد الكريم ثلاث مراحل. ويسكن هذا القصر قوم من البربر يسمّون دنهاجة، وهي مدينة صغيرة عامرة بأخلاط دنهاجة، وهي على نهر أولكس (١٩٤) ويجري هذا النهر من جهة الجنوب وبينها وبين البحر نحو (من ثلاثة أميال) (١٩٥). ومن قصر عبد الكريم إلى مدينة سلا [التي على البحر المالح] (١٩٦) مرحلتان من القصر إلى المعمورة ومن المعمورة إلى سلا. ونهر أولكس نهر كبير من أنهار الغرب المشهورة، وتمدّه أنهار كثيرة وعيون نابعة، وعليه عمارات وقرى وديار. عود إلى ذكر فاس: ومدينة فاس قطب ومدار لمدن المغرب الأقصى، ويسكن حولها قبائل من البربر،

стр. 68

يتكلمون بالعربية، وهم بنو يوسف وفندلاوة (١٩٧) وبهلول وزواوة ومجاصة وصباية وسلالجون (١٩٨)، ومدينة فاس حضرتها الكبرى، ومقصدها الأشهر، وإليها تشدّ الركائب وتقصد القوافل، ويجلب إلى حضرتها كل غريبة من الثياب والبضائع والأمتعة الحسنة، وأهلها مياسير، ولها من كل شيء حسن أكبر نصيب، وأوفر حظ. ومن مدينة فاس (١٩٩) إلى مدينة سبتة التي على بحر الزّقاق شمالا، سبع مراحل. الطريق من فاس إلى تلمسان: ومن فاس إلى مدينة تلمسان تسع مراحل، والطريق بينهما أن تخرج من فاس إلى نهر سبو (٢٠٠) وهو نهر عظيم يأتي من نواحي جبل القلعة لابن توالة (٢٠١)، ويمرّ حتى يحاذي فاس من جهة شرقيها وعلى ستة أميال منها، وهناك يقع نهر فاس مع ما اجتمع معه من سائر العيون والأنهار الصغار، وعليه قرى وعمارات. ويمرّ الطريق منه إلى نمالتة (٢٠٢) مرحلة، وهي قرية وعمارات على نهر لها يأتيها من جهة الجنوب يقال له وادي ايناون. ومنها إلى كرّانطة (٢٠٣) مرحلة، وكانت فيما سلف من الزمن مدينة لها كروم كثيرة وفواكه ومزارع على السقي. ومنها إلى باب زناتة نحو من عشرة أميال، وهو واد عليه حرث يسقى به، وبه أغنام وأبقار وزروع كثيرة تقرب من نهر أيناون (٢٠٤). ومنها إلى قلعة كرمطة مرحلة، وبها سوق وزروع وضرع، وهذه القلعة مطلة على نهر أيناون.

стр. 69

ومن كرمطة في أسفل الجبل إلى مزاور (٢٠٥) وهي قلعة صغيرة أكثرها خلاء مرحلة، وبها القمح والشعير كثير. ومنها إلى وادي مسون مرحلة، والطريق عليه إلى (٢٠٦) تابريدا (٢٠٧)، وهو حصن منيع على أكمة مطلة على وادي ملوية. ووادي ملويّة يصل (٢٠٨) إلى وادي صاع فيجتمعان ويصبّان بالبحر ما بين جراوة ابن قيس ومليلة (٢٠٩). ومنها إلى صاع مرحلة، وهي مدينة لطيفة على نهر كبير يشقّ أرباضها ويخترق ديارها، وقد أخربها المصامدة. ومنها إلى جراوة مرحلة، وبين جراوة والبحر ستة أميال، وكانت عامرة. ومنها إلى ترنانة (٢١٠) مرحلة، وهي قلعة عليها حصن منيع، ولها سوق عامرة، وبها مياه كثيرة، ولها جنّات وكروم. ومنها إلى العلويين مرحلة، وهي قرية كبيرة على نهر يأتيها من القبلة، وفواكهها فاضلة، وخيراتها شاملة، ومنها إلى تلمسان مرحلة لطيفة. تلمسان: وتلمسان مدينة قديمة (٢١١) ولها سور حصين، متقن الوثاقة، وهي مدينتان في واحدة، يفصل بينهما سور، ولها نهر يأتيها من جبلها المسمّى بالصخرتين، وهذا الوادي يمر بشرقي المدينة، وعليه أرحاء كثيرة، وما جاورها من المزارع كلها (تسقى منه) (٢١٢) وغلاّتها ومزارعها كثيرة، وفواكهها جمة، وخيراتها شاملة، ولحومها سمينة، وبالجملة فهي حسنة لرخص أسعارها ونفاق أشغالها، وربح تجاراتها، ولم يكن في بلاد المغرب

стр. 70

بعد مدينة أغمات [وفاس أكثر من أهلها أموالا ولا أرفه منهم حالا] (٢١٣). وفاس أكبر من تلمسان قطرا، وأجلّ منها قدرا، وأكثر خيرا ومالا (٢١٤) وأعلى همّة في المباني، واتخاذ الدّيار الحسنة، وجبل الصخرتين معترض في قبلتها وفيه كروم وأرحاء (٢١٥) في سفحه على ساقية كبيرة عذبة قوية، تسمّى ساقية النّصراني، وعليها روابط ومتعبدات ومباني للصالحين (٢١٦)، وجنّات عظيمة القدر، وهناك عين تسمّى الفوّارة (٢١٧)، ويصل ماؤها إلى المدينة. وبمقربة من المدينة عين مشهورة تسمّى عين أم يحيى، تدخل منها للمدينة ساقية تصبّ في جابية في المدينة، ومن هناك تنصرف للديار والسقايات والحمّامات والخانات وغير ذلك (٢١٨). وعلى جبل الصّخرتين حصن بناه المصامدة قبل أخذ تلمسان، ولم يزالوا قاطنين به إلى أن فتحوا تلمسان. ومدينة تلمسان قبل بلاد المغرب، وهي على طريق، الداخل فيه والخارج منه فلا بدّ له منها والاجتياز بها على كل حال. الطريق من تلمسان إلى تنس: والطريق من تلمسان إلى مدينة تنس سبع (٢١٩) مراحل، تخرج من تلمسان إلى قرية العلويين وهي قرية كبيرة عامرة على ضفة نهر، ولهم بها جنّات ومياه جارية. ومنها إلى قرية بابلوت مرحلة، وهي قرية جليلة كثيرة الأهل والعمارات على نهر تسقى منه مزارع. ومن بابلوت إلى قرية سي (٢٢٠) التي على نهر مرغيت مرحلة، وهي صغيرة (والعيون

стр. 71

والمياه بها تطرد) (٢٢١) في كل وجهة. ومنها إلى رحل الصفاصف مرحلة، وهو رحل عامر آهل على نهر يأتي من أفكان من جهة المشرق. ومن الرحل إلى أفكان مرحلة، وأفكان هذه مدينة (فيها أرحايات وحمّامات وخضر وفواكه كثيرة) (٢٢٢) وواديها يشقّها نصفين، ويمضي منها إلى تاهرت. ومنها إلى المعسكر مرحلة، والمعسكر قرية عظيمة لها أنهار وثمار. ومنها إلى جبل فرحان مارّا في أسفله إلى قرية عين الصفاصف، وبها فواكه كثيرة وزروع ونعم دارّة، مرحلة. [ومنها] (٢٢٣) إلى مدينة يلل مرحلة، ومدينة يلّل بها عيون ومياه كثيرة، وفواكه وزروع، وبلادها جيدة للفلاحة، وزروعها نامية. ثم إلى مدينة غزّة، وهي مدينة صغيرة القدر، مشهورة، وبها حمّام وديار حسنة ولها مزارع. ومنها إلى سوق ابراهيم مرحلة، وهي على قدر غزة. ومن سوق ابراهيم إلى بلدة التين (٢٢٤) مرحلة، وهي بلدة صغيرة حسنة كثيرة شجر التين جدا ويعمل بها من التين شرائح مثل الطوب، وبذلك تسمّى، ويحمل منها إلى كثير من الأقطار. تنس: ومنها إلى مدينة تنس مرحلة، وهي مدينة على مقربة من ضفة البحر الملح (٢٢٥)، على ميلين منه، وبعضها على جبل، وقد أحاط بها سور، وبعضها في سهل الأرض، وهي قديمة سورها حصين، وعليها حظائر مانعة دائرة بها، وشرب أهلها من عين، ولها في جهة المشرق واد كثير الماء وشربهم منه في أيام الشتاء والربيع، وبها فواكه وخصب واقلاع وحط، ولها أقاليم وعمارات وأعمال وزروع (٢٢٦)، وبها الحنطة رخيصة (٢٢٧)

стр. 72

جدا، وسائر الحبوب موجودة وتخرج منها إلى سائر الآفاق في المراكب، وبها من الفواكه كل طريفة، ومن السفرجل الطيّب ما يفوت الوصف. وهران: والطريق من تلمسان إلى وهران الساحلية مرحلتان كبيرتان، وقيل ثلاث مراحل، وذلك بأن تخرج من تلمسان إلى وادي وارو مرحلة، (ومنها (٢٢٨) إلى قرية تانيت مرحلة، ومنها إلى وهران) (٢٢٩). ووهران على مقربة من ضفة البحر، وعليها سور من تراب متقن، وبها أسواق مقدّرة وصنائع كثيرة وتجارات نافقة، وهي تقابل مدينة المرية من ساحل بر الأندلس، وسعة البحر بينهما مجريان. ومنها أكثر ميرة أهل ساحل الأندلس. ولها على بابها مرسى صغير لا يستر شيئا (٢٣٠). وعلى ميلين منها المرسى الكبير، وبه ترسي المراكب الكبار والسفن السفرية، وهذا المرسى يستر من كل ريح، وليس له مثال في سائر (٢٣١) حائط البحر من بلاد البربر. وشرب أهلها (٢٣٢) من واد يجري إليها من البر، وعليه بساتين وجنّات، وبه فواكه ممكنة، وأهلها في خصب، والعسل بها موجود، وكذلك السمن والزبد (٢٣٣) والغنم والبقر بها رخيصة، ومراكب الأندلس إليها مختلفة، وفي أهلها دهقنة وعزة أنفس ونخوة، (وكثيرا ما يتغلب عليها إفرنج الأندلس من أيدي المسلمين ثم يفتحها المسلمون منهم وساعة تاريخ الكتاب سنة ١٢٠٧ سبع ومائتين وألف (٢٣٤) بأيدي المسلمين، فتحها الأمير محمد باي (٢٣٥) أحد أمراء الجزائر سنة ١٢٠٥ (٢٣٦) خمس ومائتين وألف أثابه الله

стр. 73

وتقبل عمله، وهو رجل مسلم حسن الإسلام محبّ لأهل الخير وكل من ذكره ذكره بخير، أدام الله بقاءه وأعانه على طاعته، وأجرى الصالحات على يديه، ونصره على الكفرة أعداء الدين، وحفظه ورعاه) (٢٣٧). المسيلة: ومن مدينة تنس إلى المسيلة من بلاد بني حمّاد بالغرب الأوسط، وهي مدينة استحدثها علي بن الأندلسي في ولاية ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٢٣٨) بن علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وهي عامرة في بسيط من الأرض، ولها مزارع ممتدة، ولأهلها سوائم خيل وأنعام، ولها جنّات وعيون وفواكه، وبقول ولحوم، ومزارع قطن وحبوب، ويسكنها من البربر بنو برزال، وبنو زنداح، وهوّارة (٢٣٩)، وصدراتة (٢٤٠)، ومزاتة (٢٤١)، وهذه المدينة عامرة بالتجّار وهي على نهر فيه ماء كثير منبسط على وجه الأرض، وليس بالعميق، وهو عذب، وفيه سمك صغير، عليه طرق حمر حسنة، ولم ير في معمور الأرض سمك على صفته، وأهل المسيلة يفتخرون به ويكون مقداره من شبر فدون وربّما صيد منه الكثير، فاحتمل منه إلى قلعة بني حمّاد، وبينهما اثنا عشر ميلا. الطريق من وازلفن إلى مليانة: فالطريق أن تخرج من تنس إلى بني وازلفن مرحلة لطيفة في جبال وعرة شواهق متصلة، وهي قرية كبيرة لها كروم وجنّات ذوات سوان لزرع البصل، والحنّاء، والكمّون، ومعظمها على نهر شلف.

стр. 74

ومن تنس إلى شلف مرحلتان. ومن بني وازلفن إلى الخضراء مرحلة، وهي مدينة صغيرة حصينة على نهر صغير عليه عمارات متصلة وكروم، وبها من السفرجل كل بديع، ولها سوق وحمّام، وسوقها يجتمع إليه أهل تلك الناحية. مليانة: ومن الخضراء إلى مدينة مليانة مرحلة، وهي قديمة البناء، حسنة البقعة، كريمة المزارع، ولها نهر يسقي أكثر زروعها (٢٤٢) وحدائقها وجنّاتها، وعليه أرحاء، ولأقاليمها حظ من سقي نهر شلف وعلى ثلاثة أميال منها، وفي جنوبها الجبل المسمّى بجبل وانشريس يسكنه قبائل من البربر منها مكناسة وحرسون (٢٤٣) وأوربة (٢٤٤) وبنو أبي خليل وكتامة ومطماطة وبنو مليلت (٢٤٥) وبنو وارتجان (٢٤٦) وبنو أبي خليفة ويصلاتن (٢٤٧) وزولات وبنو واتمشوس (٢٤٨) وزواوة ونزار (٢٤٩) ومطقوره (٢٥٠) ووارترين (٢٥١) وبنو أبي بلال (٢٥٢) وايزكرو وبنو أبي حكيم وهوارة وطول هذا الجبل أربعة أيام وينتهي طرفه إلى قرب تاهرت (٢٥٣). الطريق من كزناية إلى المسيلة: ومن مدينة مليانة إلى كزناية مرحلة، وهو حصن قديم له مزارع وأسواق، وهو على نهر شلف وله سوق يوم الجمعة (٢٥٤)، يقصده بشر كثير.

стр. 75

ومن سوق كزناية إلى قرية ريغة (٢٥٥) مرحلة، ولهذه القرية أرض متّسعة وحروث ممتدة، وفواكه وبساتين، ولها سوق حسنة تقصد في [يوم معلوم من] (٢٥٦) كل جمعة يباع بها (٢٥٧) ويشترى. (وبهذه القرية كروم ومزارع) (٢٥٨) وعيون مطردة. ومنها إلى ماورغة (٢٥٩) مرحلة وهي قرية حسنة. ومنها (٢٦٠) إلى مدينة نقاوس مرحلتان، وهي مدينة صغيرة كثيرة الشجر والبساتين، وأكثر فواكهها الجوز، ومنها يتجهّز به إلى ما جاورها من الأقطار، وبها سوق قائمة ومعايش (٢٦١) كثيرة. ومن نقاوس إلى المسيلة أربع مراحل / وقيل ثلاث. ومن مدينة نقاوس إلى حصن بسكرة مرحلتان، وهو حصن منيع في كدية تراب عال، وبه سوق وعمارة، وفيه من التمر كل غريبة وطريفة. ومنه إلى حصن ماوس، وهو في أسفل جبل أوراس ثلاث مراحل، وهو حسن عامر بأهله، وكانت العرب تملك أرضه وتمنع أهله من الخروج منه إلا بخفارة رجل منهم ومنه إلى مدينة المسيلة أربعة أميال. قلعة بني حمّاد وما جاورها: (وفي الشرقي من قلعة بني حمّاد مدينة ميلة) (٢٦٢) على أربع مراحل منها، وقلعة بني حمّاد من أكبر البلاد قطرا، وأكثرها خلقا، وأغزرها خيرا، وأوسعها أموالا، وأحسنها قصورا ومساكن، وأعمّها فواكه وخصبا، وحنطتها رخيصة، ولحومها طيّبة، وهي في سند جبل يسمّى تاقربست (٢٦٣)، وأعلى هذا الجبل متّصل ببسيط من الأرض، ومنه
следующие страницы →