← История

История · id 17048

نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

محمود مقديش

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والمياه بها تطرد) (٢٢١) في كل وجهة. ومنها إلى رحل الصفاصف مرحلة، وهو رحل عامر آهل على نهر يأتي من أفكان من جهة المشرق. ومن الرحل إلى أفكان مرحلة، وأفكان هذه مدينة (فيها أرحايات وحمّامات وخضر وفواكه كثيرة) (٢٢٢) وواديها يشقّها نصفين، ويمضي منها إلى تاهرت. ومنها إلى المعسكر مرحلة، والمعسكر قرية عظيمة لها أنهار وثمار. ومنها إلى جبل فرحان مارّا في أسفله إلى قرية عين الصفاصف، وبها فواكه كثيرة وزروع ونعم دارّة، مرحلة. [ومنها] (٢٢٣) إلى مدينة يلل مرحلة، ومدينة يلّل بها عيون ومياه كثيرة، وفواكه وزروع، وبلادها جيدة للفلاحة، وزروعها نامية. ثم إلى مدينة غزّة، وهي مدينة صغيرة القدر، مشهورة، وبها حمّام وديار حسنة ولها مزارع. ومنها إلى سوق ابراهيم مرحلة، وهي على قدر غزة. ومن سوق ابراهيم إلى بلدة التين (٢٢٤) مرحلة، وهي بلدة صغيرة حسنة كثيرة شجر التين جدا ويعمل بها من التين شرائح مثل الطوب، وبذلك تسمّى، ويحمل منها إلى كثير من الأقطار. تنس: ومنها إلى مدينة تنس مرحلة، وهي مدينة على مقربة من ضفة البحر الملح (٢٢٥)، على ميلين منه، وبعضها على جبل، وقد أحاط بها سور، وبعضها في سهل الأرض، وهي قديمة سورها حصين، وعليها حظائر مانعة دائرة بها، وشرب أهلها من عين، ولها في جهة المشرق واد كثير الماء وشربهم منه في أيام الشتاء والربيع، وبها فواكه وخصب واقلاع وحط، ولها أقاليم وعمارات وأعمال وزروع (٢٢٦)، وبها الحنطة رخيصة (٢٢٧)

стр. 72

جدا، وسائر الحبوب موجودة وتخرج منها إلى سائر الآفاق في المراكب، وبها من الفواكه كل طريفة، ومن السفرجل الطيّب ما يفوت الوصف. وهران: والطريق من تلمسان إلى وهران الساحلية مرحلتان كبيرتان، وقيل ثلاث مراحل، وذلك بأن تخرج من تلمسان إلى وادي وارو مرحلة، (ومنها (٢٢٨) إلى قرية تانيت مرحلة، ومنها إلى وهران) (٢٢٩). ووهران على مقربة من ضفة البحر، وعليها سور من تراب متقن، وبها أسواق مقدّرة وصنائع كثيرة وتجارات نافقة، وهي تقابل مدينة المرية من ساحل بر الأندلس، وسعة البحر بينهما مجريان. ومنها أكثر ميرة أهل ساحل الأندلس. ولها على بابها مرسى صغير لا يستر شيئا (٢٣٠). وعلى ميلين منها المرسى الكبير، وبه ترسي المراكب الكبار والسفن السفرية، وهذا المرسى يستر من كل ريح، وليس له مثال في سائر (٢٣١) حائط البحر من بلاد البربر. وشرب أهلها (٢٣٢) من واد يجري إليها من البر، وعليه بساتين وجنّات، وبه فواكه ممكنة، وأهلها في خصب، والعسل بها موجود، وكذلك السمن والزبد (٢٣٣) والغنم والبقر بها رخيصة، ومراكب الأندلس إليها مختلفة، وفي أهلها دهقنة وعزة أنفس ونخوة، (وكثيرا ما يتغلب عليها إفرنج الأندلس من أيدي المسلمين ثم يفتحها المسلمون منهم وساعة تاريخ الكتاب سنة ١٢٠٧ سبع ومائتين وألف (٢٣٤) بأيدي المسلمين، فتحها الأمير محمد باي (٢٣٥) أحد أمراء الجزائر سنة ١٢٠٥ (٢٣٦) خمس ومائتين وألف أثابه الله

стр. 73

وتقبل عمله، وهو رجل مسلم حسن الإسلام محبّ لأهل الخير وكل من ذكره ذكره بخير، أدام الله بقاءه وأعانه على طاعته، وأجرى الصالحات على يديه، ونصره على الكفرة أعداء الدين، وحفظه ورعاه) (٢٣٧). المسيلة: ومن مدينة تنس إلى المسيلة من بلاد بني حمّاد بالغرب الأوسط، وهي مدينة استحدثها علي بن الأندلسي في ولاية ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٢٣٨) بن علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وهي عامرة في بسيط من الأرض، ولها مزارع ممتدة، ولأهلها سوائم خيل وأنعام، ولها جنّات وعيون وفواكه، وبقول ولحوم، ومزارع قطن وحبوب، ويسكنها من البربر بنو برزال، وبنو زنداح، وهوّارة (٢٣٩)، وصدراتة (٢٤٠)، ومزاتة (٢٤١)، وهذه المدينة عامرة بالتجّار وهي على نهر فيه ماء كثير منبسط على وجه الأرض، وليس بالعميق، وهو عذب، وفيه سمك صغير، عليه طرق حمر حسنة، ولم ير في معمور الأرض سمك على صفته، وأهل المسيلة يفتخرون به ويكون مقداره من شبر فدون وربّما صيد منه الكثير، فاحتمل منه إلى قلعة بني حمّاد، وبينهما اثنا عشر ميلا. الطريق من وازلفن إلى مليانة: فالطريق أن تخرج من تنس إلى بني وازلفن مرحلة لطيفة في جبال وعرة شواهق متصلة، وهي قرية كبيرة لها كروم وجنّات ذوات سوان لزرع البصل، والحنّاء، والكمّون، ومعظمها على نهر شلف.

стр. 74

ومن تنس إلى شلف مرحلتان. ومن بني وازلفن إلى الخضراء مرحلة، وهي مدينة صغيرة حصينة على نهر صغير عليه عمارات متصلة وكروم، وبها من السفرجل كل بديع، ولها سوق وحمّام، وسوقها يجتمع إليه أهل تلك الناحية. مليانة: ومن الخضراء إلى مدينة مليانة مرحلة، وهي قديمة البناء، حسنة البقعة، كريمة المزارع، ولها نهر يسقي أكثر زروعها (٢٤٢) وحدائقها وجنّاتها، وعليه أرحاء، ولأقاليمها حظ من سقي نهر شلف وعلى ثلاثة أميال منها، وفي جنوبها الجبل المسمّى بجبل وانشريس يسكنه قبائل من البربر منها مكناسة وحرسون (٢٤٣) وأوربة (٢٤٤) وبنو أبي خليل وكتامة ومطماطة وبنو مليلت (٢٤٥) وبنو وارتجان (٢٤٦) وبنو أبي خليفة ويصلاتن (٢٤٧) وزولات وبنو واتمشوس (٢٤٨) وزواوة ونزار (٢٤٩) ومطقوره (٢٥٠) ووارترين (٢٥١) وبنو أبي بلال (٢٥٢) وايزكرو وبنو أبي حكيم وهوارة وطول هذا الجبل أربعة أيام وينتهي طرفه إلى قرب تاهرت (٢٥٣). الطريق من كزناية إلى المسيلة: ومن مدينة مليانة إلى كزناية مرحلة، وهو حصن قديم له مزارع وأسواق، وهو على نهر شلف وله سوق يوم الجمعة (٢٥٤)، يقصده بشر كثير.

стр. 75

ومن سوق كزناية إلى قرية ريغة (٢٥٥) مرحلة، ولهذه القرية أرض متّسعة وحروث ممتدة، وفواكه وبساتين، ولها سوق حسنة تقصد في [يوم معلوم من] (٢٥٦) كل جمعة يباع بها (٢٥٧) ويشترى. (وبهذه القرية كروم ومزارع) (٢٥٨) وعيون مطردة. ومنها إلى ماورغة (٢٥٩) مرحلة وهي قرية حسنة. ومنها (٢٦٠) إلى مدينة نقاوس مرحلتان، وهي مدينة صغيرة كثيرة الشجر والبساتين، وأكثر فواكهها الجوز، ومنها يتجهّز به إلى ما جاورها من الأقطار، وبها سوق قائمة ومعايش (٢٦١) كثيرة. ومن نقاوس إلى المسيلة أربع مراحل / وقيل ثلاث. ومن مدينة نقاوس إلى حصن بسكرة مرحلتان، وهو حصن منيع في كدية تراب عال، وبه سوق وعمارة، وفيه من التمر كل غريبة وطريفة. ومنه إلى حصن ماوس، وهو في أسفل جبل أوراس ثلاث مراحل، وهو حسن عامر بأهله، وكانت العرب تملك أرضه وتمنع أهله من الخروج منه إلا بخفارة رجل منهم ومنه إلى مدينة المسيلة أربعة أميال. قلعة بني حمّاد وما جاورها: (وفي الشرقي من قلعة بني حمّاد مدينة ميلة) (٢٦٢) على أربع مراحل منها، وقلعة بني حمّاد من أكبر البلاد قطرا، وأكثرها خلقا، وأغزرها خيرا، وأوسعها أموالا، وأحسنها قصورا ومساكن، وأعمّها فواكه وخصبا، وحنطتها رخيصة، ولحومها طيّبة، وهي في سند جبل يسمّى تاقربست (٢٦٣)، وأعلى هذا الجبل متّصل ببسيط من الأرض، ومنه

стр. 76

ملكت القلعة، وبهذه القلعة (٢٦٤) عقارب سود كثيرة تقتل في الحال، فيتحصن من ضررها بشرب نبات الفوليون الحرّاني، وهو بتلك القلعة كثير، فيزعمون أنه ينفع شرب درهمين منه لعام كامل (٢٦٥) فلا يصيب شاربها شيء من ألم تلك العقارب، وأول من بنى هذه القلعة حمّاد (٢٦٦) بن بلقين وإليها تنسب دولة بني حمّاد، وكانت قبل عمارة بجاية دار الملك لبني حمّاد، وفيها كانت ذخائرهم وجميع أموالهم وسلاحهم، وتبقى الحنطة بها إلى سنتين، وبها من الفواكه والنعم (شيء كثير) (٢٦٧) كله رخيص. [وبلادها وجميع ما ينضاف إليها] (٢٦٨) تصلح فيها السوائم لخصبها وإذا كثرت فلاحتها / أغنت وإذا قلّت كفت، وأهلها أبدا شباع، وأحوالهم صالحة، وهي متعلقة بجبل عظيم مطلّ عليها، وقد احتوى سورها المبني على جميع الجبل طولا وعرضا، وفي جنوبها (٢٦٩) أرض سهلة (٢٧٠) لا يرى الناظر فيها جبلا عاليا ولا شارفا إلا على بعيد (٢٧١)، وعلى مسيرة أربع مراحل ترى جبالا لا تتبين أرضها. ومن مدينة القلعة في جهة الشرق مدينة الغدير وبينهما ثمانية أميال. وبين الغدير والمسيلة (اثنا عشر ميلا) (٢٧٢). [وفي الشرقي من مدينة قلعة بني حمّاد مدينة ميلة] (٢٧٣) ومدينة ميلة (٢٧٤) حسنة كثيرة الأشجار والثمار، ومحاسنها ظاهرة ومياهها غدقة وأهلها من أخلاط البربر جملة، وكانت في طاعة يحيى بن العزيز صاحب بجاية.

стр. 77

قسنطينة وما جاورها: ومنها في الشرق إلى مدينة قسنطينة الهواء (٢٧٥) ثمانية عشر ميلا، ويصل بينهما جبل، والطريق به. ومدينة قسنطينة عامرة، وبها أسواق وتجارات (٢٧٦)، وأهلها مياسير ذووا أموال وأحوال واسعة، ومعاملات للعرب ومشاركة في الحرث والادّخار، والحنطة تقيم بها في مطاميرها مائة سنة لا تفسد، والعسل بها كثير وكذلك السمن، يتجهّز بهما إلى سائر البلاد. وقسنطينة على قطعة جبل منقطع مربّع فيه بعض استدارة لا يتوصّل إليه من مكان إلا من جهة باب في غربيها ليس بكثير السعة، وهناك مقابر أهلها حيث يدفنون موتاهم، ومع المقابر أيضا بناء قائم من بناء الروم الأوّل، وبه قصر قد تهدّم كلّه إلا قليل منه، وبه دار ملعب من بناء الروم / شبيه بملعب ثرمة (٢٧٧) من بلاد صقلية. وقسنطينة يحيط بها الوادي من جميع جهاتها كالعقد مستديرا بها، وليس للمدينة من داخلها سور يعلو أكثر من نصف قامة إلا من جهة القنطرة فإنه من أعجب البناءات (٢٧٨) لأن علوّها يشف على مائة ذراع [بالذراع] (٢٧٩) الرشاشي، وهي من بناء الروم قسيّ [عليا] (٢٨٠) على قسى سفلى، وعددها في سعة الوادي خمس، والماء يدخل على ثلاث منها ممّا يلي جانب الغرب، وهي كما وصفت قوس على قوس، والقوس الأولى يجري بها الماء أسفل الوادي (والقوس الأخرى) (٢٨١) فوقها وعلى ظهرها المشي والجواز إلى البر الثاني، وباقي القوسين اللتين من جهة المدينة فإنما هما مفردتان عن الجبل، وبين كل قوسين أرجل تدفع مضرة الماء ومصادرته عند حمله بسيوله، وعلى رقاب الأرجل قسيّ فارغة كالبنات صغار، فربّما زاد الماء في بعض الأوقات عند سيله فعلا الأرجل ومر في تلك الفرجات (٢٨٢)، وهي من أعجب ما رئي من البناء.

стр. 78

وليس في المدينة كلها دار كبيرة ولا صغيرة إلا وعتبة بابها حجر واحد، وكذلك جميع عضادات الأبواب فمنها ما يكون من حجرين ومنها ما يكون من أربعة أحجار، وبناؤها من التراب، وأرضها كلها حجر صلد، وفي كل دار منها مطمورتان وثلاث وأربع منقورة في الحجر، ولذلك تبقى بها الحنطة لبرودتها واعتدال هوائها، وواديها يأتي من جهة الجنوب فيحيط بها من غربيها ويمر شرقا مع دائر / المدينة ويستدير في جهة الشمال إلى أن يصب في البحر في غربي وادي سهر. وقسنطينة من أحصن بلاد الله، وهي مطلة على فحوص متصلة بها، ولها مزارع الحنطة والشعير ممتدة في جميع جهاتها، ولها في داخل المدينة ومع سورها (٢٨٣) مستقى يستقون منه ويتصرفون في أوقات حصارها ممن يطرقهم. وبين قسنطينة وباغاي (٢٨٤) ثلاث مراحل، وبين قسنطينة وبجاية ستة أيام، أربعة منها إلى جيجل. ومن جيجل إلى بجاية خمسون ميلا، وكذلك من قسنطينة إلى أبرس خمس مراحل (٢٨٥). ومنها إلى بجاية أربع مراحل. ومنها إلى قلعة بشر يومان. ومنها إلى تيفاش يومان كبيران. ومنها إلى قالمة يومان كبيران. ومنها إلى القصرين ثلاثة أيام. ومنها إلى دور مدين ستة أيام. ومنها إلى مرسى القلّ يومان [في أرض العرب] (٢٨٦). والطريق من قسنطينة إلى بجاية؛ من قسنطينة إلى النهر إلى فحص فارة إلى قرية بني خلف إلى حصن كلديس.

стр. 79

وحصن كلديس منيع جدا، ومنه لقسنطينة عشرون ميلا وليس بينهما جبل ولا خندق، وكلديس على جرف مطل على نهر قسنطينة. جبل سحاو: ومن حصن كلديس إلى جبل سحاو ثمانية أميال، وهو من أعظم الجبال علوا وأسماها ارتقاء وأصعبها مسلكا وعلى أعلاه حصن، ويصعد إلى أعلاه نحو من خمسة أميال، ويسار في أعلاه أيضا نحو من ثلاثة أميال، وينحدر منه إلى أسفل واد هناك / يسمّى وادي شال، ويمرّ معه إلى سوق يوسف وهي قرية في سند جبل ممتنع السلوك اثنا عشر ميلا، وهو جبل تخترقه مياه عذبة. سوق بني زندوي: ومنه إلى سوق بني زندوي (٢٨٧) وهو حصن في بسيط من الأرض قليل الحصانة، وهي سوق لها يوم في الجمعة، وأهل تلك الناحية يقصدونها في ذلك اليوم، وهذه القبيلة نعمر تلك الجهات، ولهم منعة وتحصّن، وهم أهل خلاف وقيام بعض على بعض، والجبايات التي يلتزمونها لا يؤدّونها إلاّ بعد نزول الخيل والرّجال عليهم في تلك النواحي. ومن عوائدهم التي هم عليها (٢٨٨) أن صغيرهم وكبيرهم لا يمشي من موضع إلى غيره إلا وهو شاكي السلاح. جيجل: ومن هذا الحصن إلى تالة وهو حصن خراب، وبه المنزل [ومنه] (٢٨٩) إلى المغارة إلى ساحل البحر [إلى مسجد بهلول، إلى المزارع] (٢٩٠) إلى مدينة جيجل، وهي مدينة على ضفة البحر، والبحر يحيط بها، ولها ربض. ومن (٢٩١) مدينة جيجل إلى طرف مزغيطن إلى جزائر العافية إلى فج الزرزور، إلى

стр. 80

حصن المنصوريّة (٢٩٢) على البحر إلى متّوسة، وهي قرية عامرة وبها معدن (٢٩٣) الجص ومنها يحمل إلى بجاية، وبينهما اثنا عشر ميلا، وكذلك من جيجل إلى بجاية الناصريّة خمسون ميلا. ومدينة جيجل لها مرسيان، مرسى منهما في جنوبها وهو مرسى وعر، والدخول إليه صعب لا يدخل إلا بخبير (٢٩٤) حاذق / ومرسى من جهة الشمال، ويسمّى مرسى الشعراء، وهو ساكن الحركة كالحوض، يحسن الإرساء به، لكنه لا يحتمل الكثير من المراكب لصغره، وهو رمل (٢٩٥). ومن جيجل إلى مدينة القلّ سبعون ميلا. والقلّ قرية عامرة وهي مرسى وعليه عمارات، والجبال تكتنفها من جهة البر. مدن أخرى: ومن القلّ إلى قسنطينة مرحلتان جنوبا، وعلى مقربة من بجاية إلى جهة الجنوب حصن سطيف وبينهما مرحلتان، وهو حصن كبير القطر كثير الخلق كالمدينة، كثير المياه والشّجر والفواكه، ومنه يحمل الجوز لكثرته به إلى سائر الأقطار، وهو بالغ الطّيب. ومنه إلى أشير زيري مرحلتان، وهو حصن حسن البقعة، كثير المنافع، وله سوق يوم معروف يجلب إليه كل طريفة، ويباع به كل لطيفة. ومنه إلى تامزكيدة مرحلة، ثم إلى المسيلة مرحلتان. والطريق من مدينة تلمسان إلى مدينة المسيلة (٢٩٦). ومن تلمسان إلى مدينة تاهرت أربع مراحل. وتخرج من تلمسان إلى تادرة، وهي قرية في حضيض جبل فيه عين ماء خرّارة مرحلة. ومنها إلى قرية ندّاي مرحلة، وهي قرية صغيرة في فحص أفيح، بها بئران معينان.

стр. 81

ومنها إلى مدينة تاهرت (٢٩٧) مرحلتان، وبين تاهرت والبحر أربع مراحل. وتاهرت كانت فيما سلف من الزمن مدينتين كبيرتين [إحداهما] (٢٩٨) قديمة [والأخرى] (٢٩٩) محدثة، والقديمة عامرة ولها مزارع وضياع / جمة، وبها من نتاج الخيل والبراذين كل حسن. والبقر والغنم كثير جدا، وكذا السمن والعسل. وجميع غلاّتها كثيرة، وبها مياه متدفقة، وعيون جارية، تدخل أكثر ديارهم، ويتصرفون بها، وعلى هذه المياه بساتين وأشجار تحمل ضروبا من الفاكهة الحسنة، وبالجملة فهي بقعة حسنة. ومن تاهرت إلى قرية أعبر مرحلة. [ومنها إلى قرية دارست مرحلة] (٣٠٠) وهي قرية صغيرة على نهر صغير جدا وزروعها كثيرة ومواشيها عامة. ومنها إلى مدينة ماما (٣٠١) مرحلتان، وهي مدينة صغيرة لها سور تراب وأكثره طوب، ولها بما استدار بسورها (٣٠٢) خندق محفور، ولها واد عذب عليه مزارع وغلات، واصابتها في الحنطة كثيرة. ومن مدينة ماما إلى قرية ابن مخبر (٣٠٣) مرحلة، وهي قرية كثيرة الزرع، عذبة المياه، وشربهم من العيون وسكّانها زناتة. ومنها إلى أشير زيري مرحلة. ومن أشير زيري إلى قرية سطيت (٣٠٤) مرحلة، وبها عين ماء جارية. ومنها إلى قرية هاز (٣٠٥) في فحص رمل مرحلة، وبها (عيون ومياه) (٣٠٦) وقد خربت. ومنها إلى المسيلة مرحلة.

стр. 82

وبين مدينة تلمسان وتاهرت تسكن قبائل من بني مرين (٣٠٧) وزيري وورتيد (٣٠٨) وماني (٣٠٩) وأومانوا وسنجاسة، وغمرة، ويلومان (٣١٠)، وورماكسين، وتجين (٣١١) وورشفّان (٣١٢)، ومغراوة، وبني راشد، وتمطلاس، ومنان (٣١٣)، وزقارة، وكل هذه القبائل / بطون زناتة، وهم أصحاب هذه الفحوص، وهم قوم رحّالة ظواعن ينتجعون من مكان إلى غيره لكنهم متحضرون، وأكثر زناتة فرسان يركبون الخيل، ولهم عادية لا تؤمن، ولهم معرفة بارعة وحذق وكياسة، ويد جيدة في علم الكف، ولا يدري أحد من الأمم أعلم من زناتة بعلم الكف، وهم منسوبون إلى جانا بن ضريس، وهو جالوت [الذي قتله داود ﵇] (٣١٤)، فجانا أبو زناتة كلها حسبما مرّ. ولنرجع إلى [ذكر] (٣١٥) وهران فنقول (٣١٦): منها إلى مدينة تنس مجريان، وهما من الأميال مائتا ميل وأربعة أميال (كل مجرى مائة ميل وميلان) (٣١٧). ومن مدينة تنس (إلى برشك على الساحل ستة وستون ميلا. ومن مدينة تنس) (٣١٨) إلى مليانة في البر مرحلتان. وبين مليانة وتاهرت ثلاث مراحل، ومدينة برشك مدينة صغيرة على تلّ، وعليها سور تراب، وهي على ضفة البحر (٣١٩)، وشرب أهلها من عيون، وماؤها عذب وبها فواكه وجمل مزارع وحنطة كثيرة وشعير. ومنها إلى شرشال عشرون ميلا، ويصل بينهما جبل منيع تسكنه قبيلة من البربر تسمّى ربيعة، ومدينة شرشال صغيرة القدر، وأهلها كلهم متحضرون، وبها مياه جارية وآبار عذبة، وبها فواكه حسنة كثيرة، وبها كروم وبعض [شجر] (٣٢٠) تين وما دار بها

стр. 83

من السكان فهم بواد لهم مواش وغنم كثيرة / والنخل والعسل عندهم كثير، وأكثر أموالهم الماشية. ومن شرشال إلى جزائر بني مزغنا سبعون ميلا (٣٢١). الجزائر: ومدينة الجزائر على ضفة البحر، وشرب أهلها من عيون عذبة على البحر، ومن آبار، وهي عامرة آهلة، وتجاراتها رابحة، وأسواقها قائمة، وصناعاتها نافقة، ولها بادية كبيرة، وجبال فيها قبائل من البربر، وزراعتها الحنطة والشعير، وأكثر أموالهم المواشي من البقر والغنم، ويتّخذون النحل، فكثر عندهم السمن والعسل فيتجهّز بهما إلى سائر البلاد والأقطار المجاورة لهم والمتباعدة عنهم، وأهلها قبائل، ولهم حرمة مانعة، هذا ما وصفها به في النزهة (٣٢٢). وأقول (٣٢٣): إن مدينة الجزائر - أدامها الله تعالى للإسلام، وأيّد عساكرها بالنصر (٣٢٤) على أعداء الدين - ليس في بلاد المغرب زمن التاريخ أنكى منها للكفّار، فهي حصن المغرب الحصين وقفله المتين منذ دخلتها العساكر العثمانية المنصورة المحمية، ولقد قصده أعداء الدين مرارا فهزمهم الله (٣٢٥)، وكبتهم وقهرهم حتى رمى طاغيتهم تاجه عن رأسه وحرم لبسه فدل (٣٢٦) على استمرار نحسه، وآخر خروجهم أواخر مائتين وألف (٣٢٧) فيما لا يحصى عدّه من المراكب والعدد. واستعانوا بجميع أجناسهم، واستلفوا

стр. 84

من بعضهم قناطير الأموال، واستمدّوا بالخيل والمال والرجال / طمعا في أخذ الجزائر لا ظفّرهم الله لظنّهم أنهم إذا غلبوا عليها فقد انحلّ قفل المغرب واستولوا على جميعه، قطع الله آمالهم ولا ظفّرهم إلا باللعنة والخزي والهوان وسوء المنقلب والخسران. فلما وصلوا نزلوا ليلا، ونصبوا حصونا وأسوارا من أخشاب (٣٢٨) وحديد تمشي على وجه الأرض بأشغال أحكموها بمكرهم وكيدهم، فدفعوا ذلك على عربات فمشى وهم من خلفه، فجعلوا يرمون المسلمين بالنيران وأنواع الصواعق والمدافع بشيء خارج عن الطاقة، فتوجهوا نحو المدينة وعساكر المسلمين، فلما رأى المسلمون مكر الكفرة جعلوا لهم أسوارا من الإبل، فأكثروا منها وقدّموها بين أيديهم، وضربوا من خلفها بالطبول والبوقات، وركبوا الخيول، وزنقوا الإبل، فتوجّهت نحو العدو، فصار ضرب العدو في الإبل وسلم المسلمون، ثم دفعوا الإبل على الكفرة (٣٢٩) فرفضتهم أسوارهم، ووقعت الهزيمة على الكفّار، وجاء للمسلمين النصر (٣٣٠)، فغنم المسلمون ما حصل بالبر من العدو، ولم ينج منهم إلا من أشرع قلاعه بالمراكب، وفرّوا منهزمين. وفي السنة الثانية (٣٣١) رجعوا بأكثر ممّا تقدم ولكن يئسوا من نزول البر، وعملوا حيلة ثانية وهي الإفساد وهم في البحر بأن أنشأوا أجفانا وجعلوا فيها المدافع والبونبة، وطمعوا أن يرموا على المدينة وحصونها وعساكر الإسلام ليطحنوهم ويحرقوهم / بالنار فركب المسلمون في مثل ما قدموا من الأجفان، وأرهقوهم عسكرا وعاجلوهم بالرمي فاشتغلوا بأنفسهم فغرق منهم جمع وهلك آخرون، فما لبثوا غير ساعة حتى جاء النصر ووقع على الكفرة اللئام (٣٣٢) الهزيمة والكسر فولّوا (٣٣٣) مدبرين وتفصيل هاتين الواقعتين ممّا يعد من أكبر غزوات المسلمين. ولما أعيت الكفرة الحيلة ورد الله كيدهم في نحرهم فأخذتهم القهرة والذلّة، وكثر نهب المسلمين لمراكبهم وقطعوا عليهم أسفارهم بالبحر، وطلبوا السّلم ببذل أموالهم للمسلمين ليأمنوا في أسفارهم وليمتاروا ويطمئنوا في أنفسهم، فأبى المسلمون عليهم ذلك، فجعلوا يلتجئون ويستغيثون بسلاطين الإسلام وبأولي الجاه من المسلمين حتى صالحوهم على ذلة الكفر وعزة

стр. 85

الإسلام (٣٣٤)، امتثالا لقوله علت كلمته: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (٣٣٥) وبالجملة فالجزائر ساعة التاريخ فريدة الدنيا ووحيدة العصر في صغر الجرم، وقوة النكاية في الكفر، مع شدة الحزم لا يماثلها في ذلك غيرها. فهي قامعة لجميع أنواع الكفّار مع كثرتها ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٣٣٦) وفي الجزائر من أسارى النصارى ما يعجز اللسان عن احصائه وذلك كله / فضل من الله أفاضه عليها منذ دخلتها العساكر العثمانية - زادها الله عزّا ونصرا -، وأمدهم الله وجميع عساكر الإسلام بالنصر والتأييد وروح منه، إنه عزيز حكيم. وتفصيل أحوال الجزائر وفتوحاتها ومغازيها وغنائمها وجملة أحوالها مفرد بالتأليف، وإنما المعنى ببرقة (٣٣٧) من سحائب فضائلها ليدعو المؤمن لهم بالنّصر على أعداء الدين وقبول العمل وحسن الجزاء يوم الدين. تامدفوس: ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول (٣٣٨): من الجزائر إلى تامدفوس شرقا ثمانية عشر ميلا، وتامدفوس مرسى حسن، عليه مدينة حصينة صغيرة خراب، وبها بقايا بناء قديم وهياكل وأصنام وحجارة ويذكر أنها كانت من أعظم البلاد قدرا (٣٣٩) وأوسعها قطرا. مرسى الدّجاج: ومن تامدفوس إلى مرسى الدجاج عشرون ميلا، ومدينة مرسى الدجاج كبيرة القطر لها حصن دائر بها وبها (٣٤٠) مرسى مأمون ومزارع متصلة، وإصابة أهلها في زراعتهم واسعة، وفيها من جميع الفواكه واللحوم أشياء كثيرة، تباع بالثمن اليسير، والتين يحمل منها منثورا وشرائح إلى سائر الأقطار، وأقاصي المدائن والأمصار، وهي بذلك مشهورة.

стр. 86

تدلس: ومن مرسى الدجاج إلى مدينة تدلس أربعة وعشرون ميلا، وهي على شرف متحصنة، لها سور حصين، وديار ومتنزهات، وبها من رخص الفواكه والأسعار ما لا يوجد / بغيرها مثله، وبقرها وأغنامها كثيرة تباع بثمن رخيص، وتخرج من أرضها إلى كثير من الأراضي والآفاق (٣٤١). بجاية: ومن تدلس إلى مدينة بجاية في البر سبعون ميلا، وفي البحر تسعون ميلا، ومدينة بجاية على البحر فوق جرف حجر، ولها من جهة الشمال جبل يسمّى مسيون (٣٤٢)، وهو سامي العلو، صعب المرتقى، وفي أكنافه جمل من النبات المنتفع به في صناعة الطب مثل شجر الحضض (٣٤٣) والسقولوفندوريون (٣٤٤) والبرباريس (٣٤٥) والقنطوريون (٣٤٦) الكبير والزّراوند (٣٤٧) والقسطون (٣٤٨) والأفسنتين (٣٤٩) وغير ذلك من الحشائش.

стр. 87

وفي هذا الجبل كثير من العقارب صفر اللون، إلاّ أنّ ضررها قليل. ومدينة بجاية كانت مدينة الغرب الأوسط وعين بلاد بني حمّاد، والسفن إليها مقلعة، وبها القوافل وإليها منحطّة، والأمتعة إليها برّا وبحرا مجلوبة، والبضائع بها نافقة، وأهلها مياسير تجّار، وبها من الصّناعات والصنائع ما ليس بكثير من البلاد، وأهلها يجانسون تجّار الغرب الأقصى، وتجّار الصحراء وتجّار المشرق، وبها تحل الشدود وتباع البضائع بالأموال المقنطرة، ولها بواد ومزارع، والشعير والحنطة بها كثير، والتين وسائر الفواكه بها ما يكفي لكثير البلاد وبها دار صناعة لإنشاء الأساطيل للقتال، ولإنشاء السفن الحمّالة، والمراكب النقّالة، لأن الخشب في جبالها (٣٥٠) وأوديتها كثير موجود، ويجلب إليها من أقاليمها / الزّفت البالغ الجودة والقطران، وبها معادن الحديد الطيّب، موجودة ممكنة، وبها من الصناعات كل غريبة ولطيفة وعلى بعد ميل منها نهر يأتيها من جهة المغرب من نحو جبال جرجرة، وهو نهر عظيم يجتاز عند فم البحر [بالمراكب] (٣٥١) وكلّما بعد عن البحر كان ماؤه قليلا فيجوزه كل من شاء في كل موضع (منه وقد انمحى في هذه الأعصار أكثر معالمها، واندرس جل مفاخرها وانتقل جميع مآثرها لمدينة الجزائر، فهي اليوم الجامعة لجميع ما ذكر لبجاية وزيادة فوق ذلك) (٣٥٢) وبجاية قطب لكثير من البلاد وذلك (من (٣٥٣) بجاية إلى أيكجان) (٣٥٤) يوم وبعضه. ومن بجاية إلى بلزمة مرحلتان وبعض. ومن بجاية إلى سطيف يومان. وبين بجاية وباغية ثمانية أيام. وبين بجاية وقلعة بشر خمسة أيام. وهي من أعمال (٣٥٥) بسكرة. وبين بجاية وتيفاش ست مراحل.

стр. 88

وبين بجاية وقالمة ثماني مراحل. وبين بجاية وتبسة ستة أيام. وبين دورمدين وبجاية إحدى عشرة مرحلة. وبين بجاية والقصرين ستة أيام. وبين بجاية وطبنة (٣٥٦) سبع مراحل. وأصل عمارة بجاية في ذاتها كان بخراب قلعة حمّاد. الطريق من بجاية إلى القلعة: والطريق من بجاية إلى القلعة: تخرج من بجاية إلى المضيق إلى سوق الأحد (٣٥٧) إلى وادي وهت إلى حصن تاكلات وبه المنزل، وهو حصن منيع على شرف مطل على جبل بجاية / وبه سوق دائمة وبه فواكه ولحوم كثيرة رخيصة، وبحصن تاكلات قصور حسان وبساتين وجنّات كانت ليحيى بن العزيز صاحبها. ومن حصن تاكلات إلى تادرقت (٣٥٨) إلى سوق الخميس إلى حصن بكر، وبه المنزل. وحصن بكر حصين (وله مزارع) (٣٥٩) ممتدة، والوادي الكبير يجري مع أصلها ويحتويها، وفيه سوق وبيع وشراء. ومن حصن بكر إلى حصن وارفو ويسمّى أيضا وافو إلى القصر، وهو قرية، وهناك تترك وادي بجاية غربا وتمرّ في الجنوب إلى حصن الحديد مرحلة إلى الشعراء (٣٦٠) إلى قصر بني تراكش (٣٦١) إلى تاورت، وهي قرية كبيرة عامرة على نهر ملح (٣٦٢)، وبها المنزل، وشرب أهلها من عيون محتفرة ببطن واد يأتيها من جهة المشرق، وهذا الوادي لا ماء به. ومن تاورت إلى الباب وهي جبال يخترق بينها الوادي الملح. وهناك مضيق وموضع مخيف.

стр. 89

ومنه إلى السقائف، وهو حصن، ثم إلى حصن الناظور إلى سوق الخميس، وبه المنزل. وهذه الأرض كلها تجولها العرب وتضر بأهلها. وسوق الخميس حصن في أعلى جبل وبه مياه جارية، ولا تقدر العرب عليه أبدا لمنعته، وبه من المزارع والمنافع (٣٦٣) قليل. ومنه إلى الطماطة (٣٦٤) وهو فحص (٣٦٥) في أعلى جبل. ومنه إلى سوق الاثنين، وبه المنزل / وهو قصر حصين، والعرب محدقة بأرضه، وفيه رجال يحرسونه مع سائر أهله. ومنه إلى حصن تافلكانت (٣٦٦) وهو حصن حصين إلى تازكا، وهو حصن صغير. ومنه إلى قصر عطيّة، وهو حصن على أعلى جبل، ثم إلى حصن القلعة مرحلة. وجميع هذه الحصون أهلها مع العرب في مهادنة، وربّما أضرّ بعضهم ببعض، غير أن أيدي الأجناد بها مقبوضة، وأيدي العرب مطلقة (٣٦٧) في الإضرار، وموجب ذلك أن العرب لها ديّة مقتولها، وليس عليها دية فيمن تقتل. ومدن أخرى: ومن المسيلة إلى طبنة مرحلتان، وطبنة مدينة الزّاب وهي مدينة حسنة كثيرة المياه والبساتين والزّروع والقطن والحنطة والشّعير، وعليها سور من تراب، وأهلها أخلاط، وبها صنائع وتجارات، وأموال أهلها متصرّفة في ضروب من التجارات، والتّمر بها كثير وكذلك سائر الفواكه. ثم تخرج من المسيلة إلى مقرّة (٣٦٨) مرحلة، وهي مدينة صغيرة، وبها مزارع وحبوب، وأهلها يزرعون الكتّان، وهو عندهم كثير. ومن مقرة إلى طبنة ومدينة بجاية ست مراحل.

стр. 90

وكذلك من طبنة إلى باغاية (٣٦٩) أربع مراحل. ومن طبنة شرقا إلى دار ملّول مرحلة كبيرة، وكانت فيما سلف من الدّهر مدينة عامرة، وأسواقها / قائمة، ولها مزارع وغلاّت جمّة، وفيها حصن مطلّ فيه مرصد من البلد، ينظر إلى محال العرب في بلادهم ويتطلع منه إلى ما بعد من الأرض، وشربهم من ماء عيون بها جارية، وبين دار ملّول ونقاوس ثلاث مراحل، وجبل أوراس منها على مرحلة وزايد. ومن دار ملول إلى القلعة ثلاث مراحل. وجبل أوراس (قطعة يقال إنها متصلة من جبل درن بالمغرب كالاّم محني الأطراف) (٣٧٠) وطوله نحو من اثني عشر ميلا، ومياهه كثيرة، وعماراته متسعة [وفي أهله نخوة وتسلّط على من جاورهم من الناس] (٣٧١). وبين سطيف وقسنطينة أربع مراحل، وبقرب سطيف جبل به قبائل كتامة، وبه حصن حصين ومعقل منيع، وكان سابقا من عمالة بني حمّاد، ويتّصل بطرفه من جهة المغرب جبل يسمّى جلاوة، وبينه وبين بجاية مرحلة ونصف. وقبيلة كتامة تمتدّ عمارتها إلى أن تتجاوز أرض القل وبونة (٣٧٢). بلزمة: وبمقربة من قسنطينة حصن يسمّى بلزمة، وبينهما يومان، وهو حصن لطيف، وفي أهله عزة ومنعة، وله ربض وسوق، وبه آبار طيّبة، وماؤه غدق، وهو في وسط فحص أفيح، وبناؤه بالحجارة الكبار القديمة، ويذكر أهل تلك الناحية أنه من أيام المسيح ﵇ وهذا السّور يراه الراؤون من خارج عاليا، والمدينة في ذاتها مردومة بالتّراب والأحجار، فإذا نظر الناظر / من خارج رأى سورا كاملا، وإذا دخل المدينة لم يجد سورا لأن أرض الحصن متساوية لشرفات السور، وهذا غريب في البناء.

стр. 91

حصن بشر: وأما حصن بشر فهو قلعة عامرة من أعمال بسكرة، وهو في ذاته حصن جليل ومعقل جميل، وله عمارات، وبينه وبين بجاية أربعة أيام، وهو إلى قسنطينة أقرب، وبينهما يومان (٣٧٣). وقد ذكرنا من صفات البلاد وغرائب البقاع التي تضمنها هذا الباب ما فيه كفاية. فلنرجع إلى ذكر سواحل ما تضمنه، وأجوانه، ومراسيه، فنبدأ من فم الزقّاق داخلا في البحر الشامي مع ذكر مبادئ البحر المحيط من فم الزقاق، ونعرض عن باقيه غير ما تقدمت الإشارة إليه وذلك لأن الحاجة ماسّة كثيرا إلى مراسي البحر الشامي أكثر من مراسي المحيط (٣٧٤). سبتة: فنقول (٣٧٥): والابتداء من سبتة، قد تقدم أن سبتة تقابل الجزيرة الخضراء، وهي سبعة جبال صغار متصلة، طولها من المشرق إلى المغرب نحو ميل، ويتصل بها من جهة المغرب وعلى ميلين [منها] (٣٧٦) جبل موسى بن نصير فاتح الأندلس في صدر الإسلام، سمّي به لنزوله به عند إرادته عبور الأندلس، (وتجاه هذا الجبل) (٣٧٧) جنّات وبساتين، وأشجار وفواكه كثيرة، وقصب سكّر، وأترج، فيتجهز به إلى ما جاور سبتة من البلاد لكثرة الفواكه بها، ويسمّى / هذا المكان الجامع لهذا كله بليونش (٣٧٨) وبهذا الموضع مياه جارية، وعيون مطردة، وخصب زائد، ويلي المدينة من جهة المشرق جبل عال، يسمّى جبل المينة (٣٧٩)، وأعلاه بسيط، وبأعلاه سور بناه محمد بن أبي عامر عندما جاز إليها من الأندلس وأراد أن ينقل المدينة إلى أعلى الجبل فمات عند فراغه من بناء السور وعجز أهل سبتة عن الانتقال إلى هذه المدينة المسمّاة بالمينة فمكثوا في مدينتهم وبقيت المينة خالية، وإنما سمّيت سبتة بهذا الاسم لأنها جزيرة منقطعة، والسبت

стр. 92

القطع، لإحاطة البحر بها من جميع جهاتها، إلا من جهة المغرب فإن البحر يكاد يلتقي بعضه ببعض، ولم يبق بينهما إلا أقل من رمية سهم. واسم البحر الذي يليها شمالا «بحر الزقاق»، واسم البحر الذي يليها من الجنوب «بحر بسول»، وهو مرسى حسن يرسى به فيكنّ من كل ريح. الجزر والمدن والمراسي والمواقع الساحلية من سبتة إلى بونة: ومن مدينة سبتة إلى قصر مصمودة في جهة المغرب اثنا عشر ميلا. ومن قصر مصمودة إلى مدينة طنجة غربا عشرون ميلا. ومن مدينة طنجة ينعطف البحر المحيط آخذا في جهة الجنوب إلى أرض تشمش (٣٨٠). [ومن تشمش إلى] (٣٨١) قصر عبد الكريم وهو على مقربة من البحر، وبينه وبين طنجة يومان. ومن مدينة طنجة إلى مدينة أزيلا مرحلة [خفيفة جدا] (٣٨٢) / وعلى مقربة منها في طريق القصر مصب نهر سفدد (٣٨٣) وهو كبير تدخله المراكب (٣٨٤). ومن سبتة بين جنوب وشرق إلى حصن تطاون مرحلة، وبينه وبين البحر الشّامي خمسة أميال وتسكنه قبيلة من البربر تسمّى مجكسة (٣٨٥). ومنه إلى أنزلان وهو مرسى عامر، وهو أول بلاد غمارة. وبين سبتة وفاس على طريق زجان ثمانية أيام (٣٨٦). ومن تيقساس إلى قصر تازكا خمسة عشر ميلا (وله مرسى. ومنه إلى حصن مسطّاسة نصف يوم. ومن مسطّاسة إلى حصن كركال خمسة عشر ميلا) (٣٨٧).

стр. 93

ومن مدينة بادس (٣٨٨) إلى مرسى بوزكور عشرون ميلا. وبين بوزكور ومدينة بادس جبل متّصل يعرف بالأجراف، ليس فيه مرسى. ومن بوزكور (٣٨٩) إلى المزمة عشرون ميلا. ومن المزمة إلى واد بقربها، ومنه إلى طرف تغلال اثنا عشر ميلا. وهذا الطرف يخرج في البحر كثيرا، ومنه إلى مرسى كرط عشرون ميلا، وبشرقي كرط واد يأتي من جهة صاع. ومن كرط إلى جهة (٣٩٠) جون داخل في البحر عشرون ميلا. ومن كرط إلى مدينة مليلة (٣٩١) في البحر اثنا عشر ميلا وفي البر عشرون ميلا (٣٩٢). ومن مليلة إلى مصبّ الوادي الذي يأتي من آقرسيف (٣٩٣) عشرون ميلا، وأما مصبّ هذا الوادي (٣٩٤) جزيرة صغيرة، ويقابل هذا الموضع من البرية مدينة جراوة (٣٩٥). ومن مصبّ وادي آقرسيف إلى مرسى تافركنيت (٣٩٦)، على البحر، وعليه حصن منيع صغير أربعون ميلا. ومن تافركنيت إلى حصن تابحريت (٣٩٧) / ثمانية أميال، وهو حصن حصين، حسن آهل، وله مرسى مقصود. ومن تابحريت إلى هنين (٣٩٨) [على البحر أحد عشر ميلا. ومن هنين] (٣٩٩) على الساحل إلى مرسى الوردانية ستة أميال.

стр. 94

ومنها إلى جزيرة القشقار (٤٠٠) ثمانية أميال، ومنها إلى جزيرة أرشقول (٤٠١) [ويروى أرجكون] (٤٠٢) ومرساها فيه مياه ومواجل كثيرة للمراكب. ومن مصبّ الوادي إلى حصن أسلان ستة أميال على البحر. ومنه إلى طرف خارج في البحر عشرون ميلا، ويقابل هذا الطرف في البحر جزيرة الغنم. وبين جزيرة الغنم وآسلان اثنا عشر ميلا. ومن جزيرة الغنم إلى بني وزّار (٤٠٣) سبعة عشر ميلا، وبنو وزّار حصن منيع في جبل على البحر. ومنه إلى الدفالي، وهو طرف خارج في البحر اثنا عشر ميلا. ومن طرف الدفالي إلى طرف الحرشا اثنا عشر ميلا. ومنه إلى وهران اثنا عشر ميلا. ومن وهران (٤٠٤) إلى طرف مشانة روسية، خمسة وعشرون ميلا، وعلى التقوير اثنان وثلاثون ميلا. ومن طرف مشانة إلى مرسى أرزاو (٤٠٥) ثمانية عشر ميلا، وهي قرية كبيرة تجلب إليها الحنطة فيسير بها التجّار إلى كثير من البلاد. ومنها إلى مستغانم على البحر مع الجون، وهي مدينة صغيرة لها أسواق وحمّامات وبساتين وجنّات ومياه كثيرة، وسور على جبل مطل إلى ناحية المغرب، وهذا الجون تقويره أربعة وثلاثون ميلا، وروسيّة أربعة وعشرون / ميلا. ومن مستغانم إلى حوض فروج تقويرا أربعة وعشرون ميلا، وروسية خمسة عشر ميلا. وهو مرسى حسن وعليه قرية عامرة، ويلي حوض فروج في البحر ومع الشرق مدينة مازونة، على ستة أميال من البحر. وهي مدينة (بين أجبل في أسفلها) (٤٠٦) مزارع

стр. 95

وبساتين، وأنهار وأسواق عامرة، ومساكن مونقة، ولسوقها يوم معلوم في الشهر وبها أصناف من البربر ولها ضروب من الفواكه والألبان، والسمن والعسل بها كثير، وهي من أحسن البلاد بقعة (٤٠٧)، وأكثرها فواكه، وأرخصها. ومن حوض فروج إلى طرف البحر تقويرا أربعة وعشرون ميلا، وفي البر اثنا عشر ميلا، ومن هذا الطرف تأخذ جونا إلى جهة الجنوب. فمن هذا الطرف مع الجون إلى جزائر الحمام، أربعة وعشرون ميلا تقويرا وثمانية عشر روسية. ومن جزائر الحمام إلى مصبّ وادي شلف اثنان وعشرون ميلا. ومنه إلى قلوع الفراتين في وسط الجون اثنا عشر ميلا، والقلوع جباه بيض. ومن القلوع إلى مدينة تنس اثنا عشر ميلا مع الجون. ومنها إلى طرف الجون ستة أميال، فذلك من طرف جوج إلى طرف الجون تقويرا ستة وستون ميلا وروسية أربعون ميلا. ومن الطرف إلى مرسى أمتكوا عشرة أميال. ومن أمتكوا طالعا في الجون إلى مرسى وقور تقويرا أربعون ميلا. / وروسية ثلاثون ميلا، وهو مرسى ضيّق يستر من الريح الشرقية ولا يستر من غيرها، ووقور في آخر الجون. ومن وقور إلى مدينة برشك عشرون ميلا. وشرشال على البحر متصل بجبل كبير منيع يسكنه قوم من البربر يسمّون ربيعة كما تقدّم. ومن شرشال إلى طرف البطال وهو خارج في البحر إثنا عشر ميلا، ويقابل هذا الطرف جزيرة صغيرة في البحر. ومن طرف البطال ابتداء (جون هور) (٤٠٨)، وهذا الجون يقطع روسية بأربعين ميلا وتقويره بستين ميلا، وهور (٤٠٩) قرية صغيرة في وسط الجون على بعد من البحر، وبها قوم صيّادون للحوت ومكانه أقصار لا يسقط فيه أحد ويتخلص منه البتة. ومن آخر جون هور إلى جزائر بني مزغنا ثمانية عشر ميلا.

стр. 96

ومنها إلى تامدفوس ثمانية عشر ميلا، وهو مرسى، وعليه عمارات ومزارع متّصلة. ومنه إلى مرسى الدجاج (٤١٠) عشرون ميلا. ومنه إلى طرف بني جناد، وهو أيضا يدخل في البحر اثنا عشر ميلا. ومن مدينة تدلس إلى طرف بني عبد الله أربعة وعشرون ميلا تقويرا، وروسية عشرون ميلا. ومن طرف بني عبد الله إلى جون زفون (٤١١) [روسية عشرون ميلا وتقويرا ثلاثون ميلا. ومن زفون] (٤١٢) إلى الدهس (٤١٣) الكبير تقويرا ثلاثون ميلا، وروسية خمسة وعشرون ميلا، ومنه إلى الدهس الصغير ثمانية أميال. ومن الدهس إلى طرف جربة (٤١٤) خمسة أميال وهي مزارع كثيرة. ومن طرف جوبة] (٤١٥) إلى مدينة بجاية في البر ثمانية أميال، وفي البحر اثنا عشر ميلا، ومدينة بجاية في جون ينظر إلى الشرق. ومن مدينة بجاية إلى متوسة اثنا عشر ميلا على التقوير، وروسية ثمانية أميال. ومن متّوسة إلى المنصورية في وسط الجون على التقوير عشرة أميال. ومن المنصورية إلى فج الزّرزور اثنا عشر ميلا، ومنه إلى مزغيطن، وهو طرف خارج في البحر أحد عشر ميلا. ومن مزغيطن إلى مدينة جيجل خمسة أميال. ومن متوسة إلى فج الزّرزور روسية خمسة وعشرون ميلا. ومن فجّ الزّرزور إلى جيجل على التقوير عشرون ميلا. ومن جيجل إلى وادي القصب عشرون ميلا، وهناك مسقط واد يأتي من ظهر ميلة مع الجنوب.

стр. 97

ومن وادي القصب إلى مرسى الزّيتونة (٤١٦) على التقوير ثلاثون ميلا وروسيّة عشرون ميلا، ومرسى الزيتونة أول [جبال الرحمان، وهي] (٤١٧) جبال عالية مشرفة على البحر. ومنها إلى القلّ، وبها ديار وأناس ساكنون. ومن القلّ إلى مرسى أستورة (٤١٨) عشرون ميلا. ومن أستورة إلى مرسى الروم ثلاثون ميلا تقويرا وروسيّة ثمانية عشر ميلا. ومن مرسى الروم إلى تكوش ثمانية عشر ميلا، وهي رابطة، وبها قوم ساكنون. ومنها إلى رأس الحمراء ثمانية عشر ميلا. ومن رأس الحمراء إلى بونة في قاع الجون / ستة أميال، وسنذكر بونة فيما بعد - إن شاء الله تعالى -، فمن بجاية إلى بونة روسية مائتا ميل (٤١٩).

стр. 98

الباب الثالث: في الكلام على بقية الغرب الأوسط (١) وجميع الغرب الأدنى وفيه من المدن والقلاع (٢) والحصون وأجناس الأمم ما نذكر - إن شاء الله تعالى -. فمن المدن باغاية (٣)، ومسكيانة، ومجانة، وباجة، وبونة، ومرسى الخرز، وبنزرت، والأربس، وقسطيلية، وتقيوس، وزرود، وسبيطلة، وقفصة، والحمّة (٤)، وتونس، وقرطاجنة، وقليبية، وهرقلية (٥)، والقيروان، وصبرة، وسوسة، والمهدية، وصفاقس، وقابس، ورغوغا، وطرابلس، ولبدة مع ما سيذكر بعد - إن شاء الله تعالى - (٦). باغاية: فأما مدينة باغاية (٣)، فهي كبيرة عليها سوران من حجر، وربض عليه سور، وكانت به الأسواق، خلي الربض، ونقل السوق إلى المدينة، وهي أول بلاد التمر ولها واد يجري إليها من جهة الجنوب، منه شربهم ومن آبار عذبة، وكانت لها بواد وقرى، وعمارها برابر يعاملون العرب، وأكثر غلاتهم الحنطة والشعير، ويتصل بها قريبا جبل أوراس، وطوله نحو من إثني عشر يوما (٧) وأهله مسلطون على من جاورهم. ومن باغاية (٣) إلى قسنطينة ثلاث مراحل. ومن باغاية (٣) إلى طبنة الزاب أربع مراحل.

стр. 99

توزر: ومن باغاية إلى مدينة قسطيليّة أربع مراحل وهي تسمّى توزر ولها سور حصين / وبها نخل كثير جدا، وتمرها يعمّ بلاد إفريقية، وبها أترج كثير، حسن طيّب مع كثرة، فواكهه حسنة في نهاية الجودة، وماؤها غير طيب ولا مرّو (٨)، وسعر الطعام بها غال في أكثر الأوقات لأنه يجلب إليها، ولا يزرع بها من الحنطة والشعير إلا اليسير. وبقربها بين جنوب وشرق الحمّة بينهما مرحلة صغيرة (وقد يقال حمّة البهاليل احترازا من حمّة مطماطة) (٩) وماء الحمّة غير طيّب لكنه مشروب قنع به أهلها (ونخلها كثير وتمرها غزير) (١٠). ومنها إلى تقيوس نحو من عشرين ميلا، وهي مدينة حسنة عامرة، لها غلاّت الحنّاء والكمّون والكروياء، وبها نخل وتمر حسن، وجملة بقول طيّبة ناعمة. قفصة: ومن تقيوس إلى قفصة مرحلة، وقفصة مدينة حسنة (كانت) (١١) ذات سور (حصين فهدمه أبو فارس الحفصي ثم أعادوه من تراب يتحصّنون به من أعدائها) (١١)، ولها نهر جار أطيب من ماء قسطيلية، وفي وسطها العين المسمّاة بالطرميذ (١٢)، وأسواقها عامرة، ومتاجرها كثيرة، وصناعتها قائمة، ويطيف بها نخل كثير يشتمل على ضروب من التمر العجيب، وبها جنّات وبساتين، وقصور قائمة معمورة، وبها بزر الحنّاء والكمون والقطن. الطرقات من قفصة إلى ما جاورها: ومن مدينة قفصة إلى جهة الغرب ومع الجنوب مدينة قاصرة، ومدينة نقاوس، ومدينة / جمونس (١٣) في الشرق منها، وهذه البلاد كلها تتقارب في صفاتها، ونخيلها، ومياهها، وغلاّتها، والحنطة بها أبدا قليلة لأنها تجلب إليها من غيرها، ومدينة قفصة مركز والبلاد بها دائرة.

стр. 100

فمن قفصة إلى مدينة القيروان شمالا مع الشرق أربع مراحل، وعلى جهة المغرب مع الجنوب مدينة بيلقان (١٤) على خمس مراحل، وقد استولت عليها يد الخراب فهي متغلّبة بوادي الأعراب. ومن قفصة في جهة الجنوب إلى ناحية جبل نفّوسة مدينة زرّود، وبينهما خمس مراحل. ومن قفصة إلى نفطة مرحلتان صغيرتان، وهي مدينة متحضرة عامرة بأهلها، لها أسواق وتجارات ونخيل وغلاّت، ومياه جارية. ومن قفصة (١٥) إلى نفزاوة جنوبا يومان وبعض يوم. ومن توزر إلى نفزاوة يوم ونصف يوم كبير. جبل نفوسة: ومن قفصة إلى جبل نفوسة في الجنوب نحو من ستة أيام، وهو جبل عال يكون نحوا من ثلاثة أيام، وفيه منبران لمدينتين تسمّى إحداهما شروس (١٦) وهي في الجبل، وبها مياه جارية وكروم وتين، وأكثر زروعهم الشعير الطّيب المتناهي في الطيب، ولأهلها في صنعة الخبز منه حذق ومهارة فاقوا في ذلك على الناس (١٧). وفيما بين جبل نفوسة ومدينة نفزاوة مدينة لوحقة (١٨)، وتتصل / بها غربا مدينة بسكرة وبادس (١٩) وكل هذه البلاد تتقارب في مقاديرها وصفاتها ومتاجرها وأسواقها. ومن جبل نفوسة إلى وارقلان اثنا عشر مرحلة. قابس: (ومن قفصة إلى مدينة قابس مرحلة وبعض منها) (٢٠). وقابس مدينة جليلة عامرة حفت بها من نواحيها غابات وجنّات ملتفّة، وحدائق مصطفّة، وفواكه عامة رخيصة، وبها من التمر والزرع والصنائع والضياع ما ليس بغيرها

стр. 101

من البلاد (وكان) (٢١) عليها سور منيع محيط بها، ومن ورائه (٢٢) خندق، ولها أسواق عامرة وتجارات رابحة وبضاعات نافقة وكان بها فيما سلف طرز يعمل به الحرير الحسن، وبها إلى الآن مدابغ للجلود ويتجهّز بها منها، ولها واد يأتيها من غدير كبير، وعلى هذا الغدير (٢٣) قصر [سجّة] (٢٤) بينه وبين قابس ثلاثة أميال، وهو مدينة صغيرة متحضرة وبها من ناحية البحر أيضا سوق وباعة، وكان به حريريّون كثيرون وشربهم من الوادي، وهو غير طيب لكنه مشروب، وبين قابس والبحر ستة أميال من جهة الشمال، ويتّصل بغابة أشجارها إلى البحر رملة متصلة مقدار ميل، وهذه الغابة أشجار وكروم (وكان) (٢٥) بها زيتون (٢٦) يعتصر منه زيت كثير يتجهّز به إلى سائر / النواحي، وبها نخل ملتفّ به من الرطب الذي لا يوجد مثله (وذلك أنهم يجنون نخيلهم طرية فيودعون جنيها في جرار الفخار، ويسدون عليها سدا محكما، فإذا كان بعد مدة خرجت عليه عسلية سكنجبينية بين حلاوة وحموضة، وإذا كان صالحا علته سكرية) (٢٧) ومرساها في البحر ليس بشيء لأنه لا يستر من ريح، وإنما ترسي القوارب بواديها، وهو نهر صغير يدخله المدّ والجزر، وترسي به السفن الصغار وليس بكثير السعة، فإن الذي يدخله المدّ ويرسي به نحو من رمية سهم ولا يدخل فيه ولا يخرج منه إلا وقت المدّ إذ وقت الجزر تبقى السّفن غير عائمة، وفي أكثر أهل قابس (شراسة أخلاق) (٢٨) وقلة دماثة (وكانوا ذوي) (٢٩) زي ونظافة، وفي باديتها عتو وفساد وقطع سبل، (وبين أهلها عداوة ومقاتلة على مائهم وهي منقسمة بقسمين سواء، فيستبيحون دماء بعضهم مع أن بها فقهاء وصالحين لغلبة أهل البغي والفساد على أهل الفضل والصلاح كما هو شأن أهل الزمان) (٣٠).

стр. 102

صفاقس: ومن مدينة قابس إلى مدينة صفاقس (٣١) نازلا مع الجون سبعون ميلا. وبين قفصة وصفاقس بين جنوب وغرب ثلاثة أيام، ومدينة صفاقس / قديمة (اسلامية) (٣٢) عامرة، لها أسواق كثيرة، وعمارة شاملة، وعليها سور حصين من حجارة، في غاية السمو، وأبوابها مصفحة بصفائح من حديد منيعة، وعلى سورها محارس نفيسة للرّباط، وأسواقها نافقة، وشرب أهلها من المواجل (وكان) (٣٣) يجلب إليها من قابس نفيس الفواكه، وعجيب أنواعها، ويصاد بها من السمك ما يعظم خطره ويكبر قدره (قبل أن تدخله الأمكاس وظلم الأنجاس) (٣٤) وأكثر صيدهم بالزّروب المنصوبة لهم في الماء الميت بضروب من الحيل، وأكثر غلاّتها (في سابق الزمن) (٣٥) الزيتون والزيت. وبها منه ما ليس يوجد بغيرها مثله، وبها مرسى حسن ميت الماء. قال في «نزهة المشتاق» (٣٦): «وبالجملة فهي من عز البلاد، ولأهلها نخوة، وفي أنفسهم عزة، وهي الآن معمورة وليست مثل ما كانت عليه من العمارة والأسواق والمتاجر في الزمن القديم» أهـ. يعني وقت تأليفه لكتابه. وكان (٣٧) زمن استيلاء الخبيث لجار عليها وغيرها، - عليه لعنة الملك الجبّار - فإنها في تلك المدة (٣٨) قتلت أبطالها وعلماؤها جهادا في سبيل الله حسبما يأتي إن شاء الله تفصيل ذلك في المقالة الثامنة.

стр. 103

وقال التجاني (٣٩) في «رحلته» وصلنا ظهرا إلى صفاقس فرأيت / مدينة حاضرة ذات سورين يمشي الراكب بينهما، ويضرب البحر في الخارج منهما، وكانت بها غابة زيتون ملاصقة لسورها فأفسدتها العرب، فليس بخارجها الآن شجرة قائمة، وفواكهها مجلوبة إليها من قابس (٤٠). قلت (٤١): وهذا كان في تلك الأعصار وأما الآن منذ دخلت العساكر العثمانية (٤٢)، ولا سيّما في دولة سيدي حسين باي بن علي (٤٣) وعترته، فصفاقس لها بساتين وجنّات مشتملة على غرائب الأشجار، وبدائع الثّمار خصوصا الفستق (٤٤) الذي لا يوجد مثله إلاّ مجلب، والتين والكروم المختلفة الألوان والأشكال، والكمثرى بجميع أنواعها، خصوصا السكّري منها، والتفّاح بجميع طعومه، والمشمش الفائت الحصر، واللّوز بجميع أنواعه، والمقاثي، والبطيخ بجميع أنواعه وأشكاله، وعيون

стр. 104

البقر بأنواعه، وأنواع الرياحين من الورد والفل، والياسمين (٤٥)، والقرنفل إلى غير ذلك. وبالجملة فبساتين صفاقس في هذه الأعصار مشهورة، ولأهلها بها قصور (٤٦) يسكنونها زمن الحر، ولا يتخلف أحد عن الخروج بجميع أهله، ويعملون من شرائح التين والزبيب والفستق واللّوز ما يعمّ أكثر البلاد، وبساتينها محيطة بها كنصف دائرة من البحر / إلى البحر، تبعد من السور إلى منتهاها شمالا بقدر سبعة أميال أو أزيد، فتتصل بساتينها بزيتون السّاحل القريب من قصر الجم ، وهذا القصر أحد عجائب الدنيا من أبنية الأوائل. قصر الجم: قال التجاني (٤٧): هو أعظم حصون إفريقية بناء وأشهرها على القدم، وليس بعد الحنايا التي بقرطاجنة بناء أضخم منه ولا أعجب، وشكله مستدير، وارتفاعه في الهواء مائة ذراع، وذكر البكري أن تكسير دائرته في الأرض ميل (٤٨)، ويقال أن الكاهنة المعروفة بكاهنة لواتة حصرها عدوها في هذا الحصن فحفرت منه سربا في الحجر الصلّد نفذت به إلى مدينة سلّقطة، يعني التي على البحر، وكانت أختها هنالك فكان الطعام يجلب إليها في ذلك السرب على ظهور الدّواب، وقد قاتل أهله يحيى بن إسحاق الميورقي - الآتي ذكره إن شاء الله - فأعياه وارتحل عنه خائبا، ويذكر أنهم رموه منه بعد الحصر الطويل بالسّمك حيّا، وأنهم جلبوه من ذلك النقب النافذ إلى سلقطة، فحينئذ أيس منهم، وارتحل عنهم. وإلى جانب هذا الحصن قرية عامرة بها جنّات، ومزارع متّسعة، ومسجد جامع، وأسواق نافقة، يسكنها قوم من البربر كانوا قبل هذا ساكنين بقصر ملّيتة، من أرض زوارة بأرض / طرابلس، فأخلته العرب وأجلتهم منه، فسكنوا بهذه الأرض.

стр. 105

ومن هذا الموضع يظهر الكوكب المعروف بسهيل، وليس يظهر بتونس ولا ما قاربها، قيل وقد يظهر من جبل سهيل من أعمال مالقة، وبه سمي الجبل وإليه ينسب أبو القاسم السهيلي (٤٩) العالم. ثم قال (٥٠): وكان مسيرنا منذ فارقنا الجم في الزيتون القديم المتصل المعروف بزيتون الساحل وقد أذهب إفساد العرب أكثره، وغير بعد الاستواء أسطره، فكأنه كان مغروسا على «قالة» (٥١) معلومة، وأسطر متناسبة منظومة، فأبطل الإفساد أكثر ذلك، وعلى هذا الزيتون كان مدار غلات إفريقية في القديم، وقد روى أن (ابن أبي سرح) (٥٢) لما افتتح إفريقية، وقتل ملكها وجد أكثر أموالهم الذّهب والفضّة، فغنم منها ما ملأ أيدي جنده، وسألهم أنّى لكم هذا؟ فجعل أحدهم يلتمس شيئا في الأرض حتى أتاه بنواة (٥٣) زيتون فقال له: من هذا أصبنا هذه الأموال. قال الرشّاطي في كتابه المسمّى «باقتباس الأنوار»: إنما سمّي هذا الموضع الساحل وليس بساحل بحر لكثرة ما فيه من سواد الزيتون والشجر والكرم، ولما قتل عبد الله بن الزبير جرجيرا أصاب الروم الرعب فلجؤوا إلى الحصون والقلاع فاجتمع / أكثرهم بحصن الجم وطلبوا من عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير عساكر الإسلام أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطارا ذهبا على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم وقبض المال (٥٤). وذكر (٥٥) بعض أهل هذا الحصن أنه مبني على سبعة أدوار من وسطه إلى خارجه، فالدّور الخارج أقواس متّصلة بعضها ببعض بين كل قوسين دعامة عدة أقواس السّفلى أربعة وستون، ثم الدّور الذي فوق هذا كذلك أربعة وستّون، ثم كذلك الثالث، فجملتها مائة واثنان وتسعون قوسا. قال: وهكذا الدّور الأدخل منه ثم الذي يليه، وهكذا إلى الوسط، فعلى هذا تكون أقواس السطر الخارج أكبر، وأقواس الدور الذي في الوسط ألطف، وفي جهة الغرب من هذا الحصن كان أصل المدينة، وهي إلى الآن

стр. 106

يستخرج منها غرائب الرّخام الذي كان عضادة أبواب الدّور وغيرها، ويحمل منه الحكّام ما يحتاجون إليه، ولم يبق من هذه المدينة بناء قائم على وجه (٥٦) الأرض إنما يستخرج الرخام من تحت الأرض. ولقد حاول (٥٧) بعض الأمراء هدم هذا الحصن عقوبة لأهله فخسر أموالا فائتة الحصر، ولم يؤثر فيه شيئا فعجز عنه، وتركه ومسافة ما بين صفاقس والجم خمسون ميلا (٥٨). جمال: ومنه إلى جمال ثمانية وعشرون ميلا، / وهي بلدة عظيمة كثيرة الزّيتون، وإصابة الشّعير والحنطة، وبها سوق في الجمعة يوم السبت، يقصد من كل مكان، ويباع به كل شيء، وللناس به اعتناء للتجارة. ومن جمّال لسوسة ثمانية عشر ميلا (٥٩). المهدية: ومن صفاقس إلى المهدية مرحلتان، وكانت (٦٠) مدينة ذات حطّ وإقلاع للسفن الحجازية القاصدة إليها من بلاد المشرق، وسفن المغرب والأندلس، وبلاد الرّوم، وغيرها من البلاد، وإليها تجلب البضائع الكثيرة بقناطير الأموال على مر اللّيالي والأيّام، (ثم انقطع ذلك بعد اخراب الإفرنج لها كما يأتي - إن شاء الله تعالى -) (٦١) وهي ممّا أحدثه عبيد الله المهدي فسمّيت باسمه، وهي في نحر البحر، وهي من القيروان على مرحلتين، وكانت فيما سلف كثيرة السفّار والتجّار، مقصودة بالبضائع من سائر الأقطار، وتجارتها نافقة، والهمم على أهلها موقوفة، وإليها راجعة، ولها حسن مبان، نظيفة المنازل، وديارها حسنة، وحمّاماتها جليلة وبها خانات كثيرة، وهي في ذاتها حسنة الداخل والخارج بهية المنظر، وأهلها حسان الوجوه، نظاف الثّياب، ويعمل بها من الأكسية الحسنة الرقيقة الجيدة، المنسوبة إليها ما يحمل ويتجهّز به إلى جميع الآفاق،

стр. 107

في كل وقت / وكل حين ما ليس يقدر على عمل مثله في غيرها من البلاد والأمصار لجودته وحسنه، وشرب أهلها من المواجل (٦٢) وآبارها غير عذبة وكان يحيط بها سور حسن مبني من الحجارة، وعليها بابان من حديد لفّق بعضه على بعض من غير خشب، وليس يدرى في معمور الأرض مثلهما صنعة ووثاقة، وهما من عجائبها الموصوفة (ولم تكن) (٦٣) لها جنّات ولا بساتين، وإنما يجلب إليها من قصور المنستير ما تحتاجه من الثمار، وبينهما في البحر ثلاثون ميلا. والمنستير قصور ثلاثة يسكنها العبّاد والصلحاء والأعراب لا تضرهم في شيء من شجرهم ولا من عماراتهم (لأنها محل رباط وعبادة، والمنستير سيأتي اسم من عمل عليها سورا) (٦٤). وكان أهل المهدية يدفنون موتاهم بالمنستير (تبركا بها) (٦٥) يجلبونهم في الزوارق إليها فيدفنوهم بها، ثم يعودون إلى بلدهم، (ولم تكن) (٦٦) بالمهدية جبانة معروفة. (وفي المهدية كانت وفاة الإمام المازري - رحمه الله تعالى ونفعنا به - ومنها نقل للمنستير) (٦٧). وكانت المهدية مدينتين إحداهما المعهودة (٦٨) والثانية زويلة، فالمهدية يسكنها السلطان وجنوده وبها قصره الحسن البناء العجيب الإتقان، والارتقاء (وكانت قبل استيلاء الإفرنج عليها) (٦٩) بها طيقان الذهب / التي تفتخر بها ملوكها. وفي «خريدة العجائب» (٧٠): ولها أبواب من حديد في كل باب ما يزيد على مائة قنطار ولما بناها وأحكمها قال: الآن أمنت (على الفاطميين) (٧١) ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٧٢).

стр. 108

وكان (٧٣) بمدينة زويلة الأسواق الجميلة، والمباني الحسنة والشّوارع الواسعة والأزقّة الفسيحة، وأهلها تجّار مياسير نبلاء، ذوو أذهان ثاقبة، وأفهام ذكية، وجل لباسهم البياض. ولهم همم في أنفسهم وملابسهم، وفيهم (٧٤) الجمال، ولهم معرفة زائدة في التجارة وطريقتهم حميدة في المعاملات. ولهذه المدينة أسوار عالية حصينة جدا (٧٥) تطيف بها من جميع جهاتها البريّة والبحريّة، وجميعها مبني بالحجارة، وفيها فنادق كثيرة، وحمّامات جمّة، ولهذه المدينة من جهة البر خندق كبير يستقرّ به ماء السماء، وبخارجها من جهة غربيها حمى كان قبل دخول العرب لأرض إفريقية وإفسادهم لها (في أيام صنهاجة كله) (٧٦) جنّات وبساتين بجميع الثمار العجيبة والفواكه الطيبة، ولم يبق منها بهذا الحمى شيء (ثم تراجع الأمر في هذا الأعصار، وكثرت بها بساتين الفواكه والزيتون الذي في غاية الجودة / وكثرة الإصابة) (٧٧). وبمقربة من هذه المدينة قرى كثيرة، ومنازل وقصور، (ورباطات للعبّاد يطول تتبعها) (٧٨)، وسكّانها بواد (متحضرة) (٧٩) لهم زروع كثيرة، ومواش وأغنام، وأبقار، وإصابات كثيرة من الزروع، وبها زيتون كثير، يعتصر منه زيت طيّب يعمّ سائر بلاد إفريقية. (وقد اندرس أكثرها لاستيلاء مفسدو البوادي عليها، والمهدية قاعدة بلاد إفريقية وقطب مملكتها في سالف الزمن. فأما زويلة فلم يبق لها أثر، وأما المدينة المعهودة فقد أخربها الإفرنج، على يد الحسن آخر الملوك الصنهاجيين (٨٠) - حسبما يأتي ذلك إن شاء الله - وهي الآن تعد من القرى، وسيأتي لها مزيد بيان - إن شاء الله تعالى -) (٨١).

стр. 109

نفزاوة: ولنرجع (٨٢) الآن إلى نفزاوة فنقول: إن مدينة سبيطلة كانت مدينة جرجيس ملك الروم الأفارقة، وكانت من أحسن البلاد منظرا، وأكبرها قطرا، وأكثرها مياها، وأعدلها هواء، وأطيبها ثرى، وكان بها بساتين وجنّات فافتتحها المسلمون في صدر الإسلام، وقتلوا بها ملكها جرجيس كما يأتي. ومنها إلى مدينة قفصة مرحلة وبعضها. ومنها إلى القيروان سبعون ميلا. القيروان: والقيروان أم أمصار / وقاعدة أقطار (أسسها الصّحابة الأخيار - رضي الله تعالى عنهم وعني بهم -) (٨٢) فكانت أعظم مدن المغرب قطرا، وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا، وأوسعها أحوالا، وأتقنها بناء، وأربحها تجارة، وأكثرها جباية، وأنفقها سلعة، وأنماها ربحا، (وهي مأوى الأولياء والصالحين، والأتقياء العابدين ممن غلب عليه) (٨٣) التمسّك بالخير، (والعلم والعمل) (٨٤) والوفاء بالعهد، والتخلي عن الشبهات والمحظورات، ومنبع العلوم والولاية والصّلاح والهداية، فهي لأهل المغرب أصل كل خير، والبلاد كلها عيال عليها، فما من غصن في الآفاق المغربية مطلقا إلا منها علا، ولا فرع في جميع نواحيها إلا عليها ابتنى، فضلها ظاهر على جميع البلاد، وإليها ينتمي فضلاء جميع العباد، كيف لا ومنها خرجت علوم المذهب، وإلى أئمتها كل عالم ينتسب، ولا ينكر هذا الفضل خاص ولا عام، ولا يزاحمها في هذا الفضل أحد على طول الأمد والأيام، (قال سيدي أبو إسحاق الجبنياني) (٨٥) - نفعنا الله به وبأمثاله آمين -: القيروان رأس وما سواها جسد. ما قام بردّ الشّبه والبدع إلا أهلها، ولا قاتل وقتل على

стр. 110

احياء السنّة إلا أئمتها، فجزاهم الله عنّا وعن المسلمين أحسن الجزاء، اللهم انفعنا بمحبّتهم واحشرنا يا ربّنا / في زمرتهم وأعد علينا من بركتهم (٨٦). ولما اختلفت الأمراء وانتقلت الدّولة تسلط عليها أهل البغي والفساد من البرابر والبدو والشيع، فتوالت عليها الحوائج حتى بكت عليها العيون وقرحت القرائح لما صارت ملعبة لأهل الطغيان والفجور، فتسلطوا عليها بالتخريب والتثريب، فلم يبق بها (٨٧) من أصول أخيارها إلا النزر القليل مستضعفين، واستولت عليها أخلاط بغاة، أجهر الناس عصيانا، وأكثرهم طغيانا، وكذا شأن كل بلاد يضعف أخيارها، ويطغى فجارها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قيل انها سترجع إلى ما كانت عليه وهيهات. (أما عمارة الأسواق وسعة الأرزاق فهي - والحمد لله - قد تراجعت بعض تراجع. وأما العمارة وسعة البلاد فإلى الآن ما رجعت لأنه قيل أن المسجد الأعظم كان بها وسطا، وهو الآن في ركن من أركانها. وأما العلم فبعيد أن ترجع كما كانت، ولكن فضل الله واسع وليس لما يعطي الله مانع، وسيأتي ذكر شيء ممّا نالها من المحن فيكون كالشرح لما ذكر) (٨٨). ومياه (٨٩) القيروان قليلة وشرب أهلها من فساقي بني الأغلب، فمنها الماجل الكبير، وهو من عجيب البناء لأنه مبني على تربيع، وفي وسطه بناء قائم كالصومعة، وذرع كل جهة / منه مائتا ذراع، فيمتلئ كله ماء إذا سالت الأودية. والقيروان كانت مدينتين إحداهما اسمها القيروان، والثانية صبرة، (وهي في دولة صنهاجة الذين بنوها) (٩٠) كانت دار الملك، قيل كان فيها من أيام عمارتها ثلاثمائة حمّام، وأكثرها للديار وباقيها مبرز للناس قاطبة، وهي الآن خراب، ليس بها ساكن، وعلى ثلاثة أميال منها قصور رقادة الشاهقة الذري الحسنة البناء، الكثيرة البساتين والثمار، وبها كانت الأغالبة تربع في أيام دولتهم، وزمن بهجتهم، وهي الآن خراب لا ينتظر جبرها. (والقيروان لا يحتاج لوصفها بكثرة الحنطة والفلاحة لأنها مشهورة بذلك، وأما اللّحوم والعسل والسمن والزيت فأمر خارج عن الوصف، وثمارها من غيرها لأن الفتن لم
следующие страницы →