٥ - ومنها ما يكون فيه أمر أو نهي، فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه وغير ذلك من أسباب الاختلاف.
غير أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء راسخون يوافق أقوالهم الحقيقة، فيكونوا علماء بهذا الحكم .. وهم الراسخون في العلم، ويكون مشتبهاً على غيرهم (١).
- وعلى هذا فإن اختلاف العلماء في الحكم ينشأ من تعارض الأدلة، ويجتذبه جانبًا الفعل والترك، فيتردد بين الحلال والحرام، فيقال فيه بالكراهة أو الإباحة.
وقسمت الكراهة إلى كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، فيكون الحكم أقرب إلى الحل أو الحرمة، وذلك بسبب اختلاط الحلال بالحرام، وعدم ثبوت أي منهما بالدليل القاطع.
٥ - كيف تعرف الشبهة:
أخرج أحمد والطبراني عن وابصة بن معبد الأسدي قال «جئت رسول الله ﷺ وأنا لا أريد أن أدع من البر والإثم شيئاً، إلا سألته عنه، فأتبعه، وهو في عصابة من المسلمين حوله، فجعلت أتخطاهم لأدنو منه، فقال رسول الله ﷺ : دعوا واصبة، أدن مني يا واصبة، فأدناني حيث كنت بين يديه. فقال: أتسألني أم أخبرك؟ فقلت: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكث بهن صدري،
стр. 107
وقال: البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد، وإن أفتاك الناس وأفتوك» (١).
فالحلال البين لا يحصل منه في قلب المؤمن ريبة، والحرام البين لا يرتاب قلب المؤمن في حرمته؛ أما ما فيه شبهة وشك، فإن القلب يضطرب ويتردد في حكمه، وعلامة صدق الإيمان أن يترك المسلم ما يضطرب منه القلب، فيما لو خلي بينه وبين نفسه، بحيث لا يراه أحد من الخلق، فضلاً عما يطلع عليه الناس، وهذا هو الإثم الذي يحيك في الصدر، ويخاف الإنسان أن يطلع عليه الناس.
وأخرج مسلم بسنده عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس» (٢).
ولذا فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «دع ما يريبك إلا ما لا يريبك» (٣).
стр. 108
وفي رواية أنه قيل للنبي ﷺ : وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: «إذا أردت أمراً، فضع يدل على صدرك، فإن القلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة» (١).
٦ - حكم الشبهات:
اختلف العلماء في حكم الوقوع في الشبهات، فقيل: بالتحريم وهو مردود، وقيل: بالكراهة، وقيل: بالإباحة، وقيل: بالتوقف (٢).
وقد جاء في الحديث: أن من اتَّقَ الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
قال الإمام أحمد: ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثر ماله الحرام ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئًا يسيراً، أو شيئًا لا يعرف (٣).
وقال أحمد أيضاً في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا، أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي، وإن كان المال قليلاً اجتنبه كله، لأن القليل إذا تناول منه شيئاً، فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام، بخلاف الكثير.
ومن الفقهاء من حمل هذا على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم (٤).
стр. 109
٧ - موقف المسلم من الشبهات:
وسواء توقفنا في حكم الشبهة، أو قلنا بالكراهة فضلاً عن التحريم، فإن تركها أولى، أخذاً بالحيطة، وخوفاً من أن تفضي إلى الحرام، أو أن تكون حراماً في حد ذاتها، فيكون قد قارف الحرام من حيث لا يدري.
كيف لا؟ وقد كان السلف يتركون بعض الحلال، ولا يستكثرون منه خوفاً من طول السؤال، حيث يسبقهم غيرهم إلى دخول الجنة، ويحبسون عنها بسبب طول السؤال عن مصادر الكسب ووجوه الإنفاق.
ويؤيد هذا المعنى: ما جاء في الحديث: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام».
قال الخطابي: «ما شككت فيه، فالورع اجتنابه، وهو على ثلاثة أقسام:
واجب، ومستحب، ومكروه.
فالواجب: ما يستلزم ارتكاب المحرم.
والمندوب: اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام.
والمكروه: اجتناب الرخص المشروعة (١).
والمطلوب: اتقاء الشبهات حيطة وورعاً.
وإذن فقد يكون ترك الشبهة واجبًا إذا استلزمت المحرم.
أدلة ترجيح ترك الشبهات:
وفيما يأتي أدلة شرعية على وجوب ترك الشبهات واتقائها وترجيح الترك على الفعل.
стр. 110
١ - جاء في الصحيح: «فمن ترك ما يشتبه عليه، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان» (١).
٢ - وفي بعض المراسيل عن النبي ﷺ : «من يرعى بجنبات الحرام يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات، يوشك أن يخالط الكبائر» (٢).
٣ - وقال ابن المنير شيخ البخاري: «المكروه: عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه؛ تطرق إلى الحرام، والمباح: عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر من المباح تطرق إلى المكروه» وهو يعني ترك المكروه وعدم إتيانه.
قال ابن حجر: «وهو منزع حسن» (٣).
ويؤيد كلام ابن المنير ما جاء في رواية ابن حبان في الزيادة (٤).
٤ - «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أربع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه».
وقد كان النبي ﷺ يترك ما فيه شبهة، خوفاً من الوقوع في الحرام.
стр. 111
٥ - وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، أو في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها» (١).
فالرسول ﵊ لم يتأكد لديه أن التمرة من الصدقة، ولما كانت الصدقة محرمة عليه ﷺ كما هو معلوم، تردد في حقيقتها وتركها، مع حاجته إليها، ورغبته فيها، خشية أن تكون حراماً.
٦ - وعن عطية بن عروة السعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به، حذراً مما به بأس» (٢).
٧ - وقال ﷺ لأبي هريرة ﵁: «كن ورعًا تكن أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس ..» (٣).
وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم الحق تجاه الشبهات.
стр. 112
- وفي أقوال الصحابة وأفعالهم الأمثلة الكثيرة على ترك الشبهات خشية الوقوع في الحرام، فمن الورع اتقاء الشبهات، ومن ذلك:
١ - ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «كان لأبي بكر الصديق ﵁ غلام، يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر. فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني، فأعطاني لذلك هذا الذي أكلته منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه» (١).
وما فعل أبو بكر ذلك إلا لأن كسب التكهن غير مشروع.
٢ - وقال أبو بكر الصديق ﵁: «كنا ندع سبعين بابًا من الحلال، مخافة أن نقع في باب الحرام» (٢).
٣ - وقال عمر ﵁: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام» (٣).
٤ - ولما شرب عمر من لبن إبل الصدقة غلطًا، أدخل إصبعه في فيه وتقيأ (٤).
٥ - أخرج مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم قال: شرب عمر بن الخطاب ﵁ لبناً، فأعجبه، فسأل الذي سقاه: من أين هذا اللبن؟ فأخبره، أنه قد ورد على ماء- قد سماه- فإذا نعم من نعم الصدقة،
стр. 113
وهم يسقون، فحلبوا من ألبانها فجعلته في سقائي، فهو هذا اللبن، فأدخل عمر يده فاستقاء» (١).
فهذه أحاديث وآثار تدل على أن المسلم ينبغي له ترك الشبهات ورعًا وتقوى وخوفًا من مصادفة الحرام.
ويحسن بنا أن نضرب لهذا الورع أمثلة حية.
أمثلة من الورع واتقاء الشبهات:
١ - روي أن عمر ﵁، وصله مسك من البحرين، فقال: وددت لو أن امرأة وزنَتْ حتى أُقَسِّمه بين المسلمين، فقالت امرأته (عاتكة): أنا أجيد الوزن، فسكت عنها، ثم أعاد القول، فأعادت الجواب، فقال: لا، أحببتِ أن تَضَعِيه بكفك، ثم تقولين: فيها أثر الغبار، فتمسحين بها، عنقك، فأصيب بذلك فضلًا على المسلمين (٢).
فهذا ورع عظيم، وتنزه فوق مستوى الشبهة من عمر ﵁.
٢ - وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة، قالت: كان عمر ﵁، يدفع إلى امرأته طيبًا من طيب المسلمين لتبيعه، فباعتني طيبًا، فجعلت تقوم، وتنقص، وتكسر بأسنانها، فتعلق بأصبعها شيء منه، فقالت به هكذا- نفَّضَتْهُ- ثم مسحت به خمارها؛ فدخل عمر ﵁، فقال: ما هذه الرائحة؟ فأخبرته، فقال: طيب المسلمين تأخذينه؟! فانتزع الخمار من رأسها، وأخذ يدلكه في التراب ويشمه، ثم يصب الماء، ثم يدلكه في التراب ويشمه، حتى لم يبق له ريح.
стр. 114
قالت: ثم أتيتها مرة أخرى، فلما وزنت علق منه شيء بإصبعها فأدخلت إصبعها في فيها، ثم مسحت به التراب» (١).
فهذا التصرف من عمر ﵁ ورع وتقوى، وزيادة في الحيطة، والحذر من الشبهة، وإلا فإن غسل الخمار، لن يعيد الطيب إلى المسلمين، ولكنه أتلف رائحته على امرأته زجراً وردعاً وخوفاً أن يتعدى هذا إلى غيره.
٣ - وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك المسلمين، فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة، وقال: هل ينتفع منه إلا برائحته (لما استبعد هذا منه) (٢).
٤ - وجاءت أخت بشر الحافي إلى أحمد بن حنبل، وقالت: إنا نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعل الظاهرية، ويقع الشعاع علينا، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟ (يعني: هل يجوز لنا أن نغزل في ضوء شعاع غيرنا؟) فقال أحمد: من أنت عافاك الله؟ قالت: أخت (بشر الحافي) فبكى أحمد!! وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها (٣).
- قلت: هذه حيطة بالغة، وربما يدخل هذا في باب التنطع في الورع، ولكنه يدل على حرص شديد وورع عظيم واتقاء للشبهات، وبعد في النظر لتحري الحلال المحض، وترك كل ما يأتي عن طريق آخر، مما يشك فيه خشية الوقوع في الشبهات.
٥ - وقال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان الأهواز: إن قصب السكر، أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك في الجهة التي أنت فيها، فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه إلا القليل، فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين
стр. 115
ألفاً، قال: فأتى صاحب السكر، فقال: يا هذا، إن غلامي كان قد كتب إليَّ، فلم أعلمك، فأقلني فيما اشتريته منك (استرد مني ما اشتريته منك) فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن. وقد طيَّبتُه لك: قال: فرجع. فلم يحتمل قلبه، فأتاه فقال: يا هذا، إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأحب أن تسترد هذا البيع؛ قال: فما زال به حتى رده عليه (١).
٦ - وكان الحجاج بن دينار؛ قد بعث طعاماً إلى البصرة، مع رجل وامرأة، أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة، فوجدت الطعام منقصاً فحبسته، فزاد الطعام؛ فازددت فيه كذا وكذا؛ فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا وعملت بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي هذا، فتصدق منه بجميع ذلك الثمن- ثمن الطعام- على فقراء البصرة فليتني أسلم إذا فعلت ذلك (٢).
فهذه آثار رائعة في اتقاء الشبهة، وتحري الحلال والمحافظة على الأموال الخاصة والعامة، وإن من يقرأ هذا الورع العظيم، وكان ممن يستحل الشبهات أو يتهاون فيها لحري به أن يقلع من فوره، إن كان عنده قلب، أو ذرة من إيمان، أو بقية من ضمير حي!! فالمسلم القابض على دينه، إذا عرضت له شبهة، ينبغي له أن يقف عندها ويتبين حكمها، فإن أفضت إلى حرام أو مكروه اجتنبها، وكذلك الشأن إن تردد حكمها، فإن أفضت إلى حرام أو مكروه اجتنبها، وكذلك الشأن إن تردد الحكم بين الحرمة والكراهة، فأقل درجاته في هذه الحالة أنه مكروه، والكراهة ليست للتنزيه.
وينطبق هذا على الشبه المالية والأخلاقية وغيرهما، فما دام الحكم متموجاً بين الحلال والحرام، غير بيِّن الوجه، فإن الواقع فيه مجازف بنفسه في الوقوع في الحرام لسببين:
стр. 116
أحدهما: احتمال أن يكون في هذا الأمر عناصر محرمة قطعًا فهو يقع فيها مع خليط من الحلال، وينبغي ترك الحلال المخالط للحرام براءة للذمة من الإثم والنقيصة.
ثانيهما: أن تكون الشبهة آتية من مجاورة حدود الحرام فيهون عليه القرب من الحرام والدخول فيه شيئًا فشيئًا (١).
٨ - تعليل اتقاء الشبهات:
ذكر الحافظ ابن حجر أن الحلال في حد ذاته مباح، ولكن حيث يؤول فعله مطلقاً إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه كالإكثار من الطيبات، فإنه كما يقول العلماء: يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه، الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا أمر معلوم عند الناس جميعًا (٢).
قلت: إذا كان هذا عن الحلال المباح، فإن الشبهات ينبغي اتقاؤها من باب أولى، لأن احتمال الحل قائم، واحتمال الحرمة قائم، ومن يقدم على الشبهة لا يأمن أن تكون حرامًا في نفس الأمر، فيصادف الحرام وهو لا يدري، ويعرِّض دينه وعرضه للقدح والذم.
٩ - أمثلة من المتشابه:
والمسائل المشتبهة هي التي تحتاج إلى البحث والاجتهاد حتى يعلم حقيقتها، والحكم الشرعي بالنسبة لها؛ حيث إن الشبهة غامضة لا يعلم حكمها كثير من الناس، أهي من قبيل الحلال أم من الحرام، ولكن هذا
стр. 117
اللبس والاشتباه لا يخفى على بعض الناس، وهم المجتهدون، الفاهمون، الواعون، وفيما يلي أمثلة من الأمور المشتبهة والتي ينبغي اتقاؤها تعاطيًا وتعاملاً وكسباً وإعانة ... ورعًا وزهدًا وخوفًا من الوقوع في الحرام.
ومن ذلك:
- من المطعومات: المشتبه في حلها وتحريمها: الخيل والبغال والضب (١) .. وكل طعام خالطه لحم أو شحم خنزير بحيث لم يغلب عليه، أما إذا غلب عليه فهو محرم اتفاقاً.
- ومن المشروبات: الأنبذة ... وما خالطه شيء من الكحول. وما فتَّر البدن .. ومنها المواد التي تدخل إلى الجسم عن طريق حاسة الشم والتنفس (كالدخان وغيره).
- ومن الملبوسات: ما اختلف في إباحة لبسه: كجلود السباع ونحوها ... والثياب يلبسها الكافر فيظن نجاستها لعدم تحرزه عن النجاسة في العادة.
- ومن المكاسب: المختلف فيها: كمسائل: العينة (٢) والتورق (٣) .. إلخ.
وكل مال أو كسب فيه شبهة محرمة.
стр. 118
وعلى وجه العموم: فكل ما تردد حكم فعله، أو تركه، بين الكراهة والإباحة، فهو من المتشابه الذي يكون تركه ورعًا وتحفظًا واتقاء للشبهة، أما ما دار حكم فعله أو تركه بين التحريم والكراهة، فينبغي على المسلم تركه واجتنابه.
وهذه قاعدة عامة يدخل تحتها كل ما فيه شبهة.
١٠ - أمثلة من المختلف فيه:
وسوف أضرب ثلاثة أمثلة للمسائل المختلف فيها بين الحرمة والكراهة، فأقل درجاتها أنها من المشتبهات التي ينبغي توقيها؛ مخافة أن تكون من الحرام المحض فيقع العبد في المحظور وهذه الأمثلة الثلاثة لمن يستحلها، أو يكتسب عن طريقها، أو يساهم في مجالاتها:
المثال الأول: الدخان:
١ - قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤].
والدخان ليس من الطيبات باتفاق.
٢ - والدخان يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] دخولًا أوليًّا، ولا يخرجه من الخبائث إلا من انقلبت عنده الحقائق.
والعبرة بالطباع السليمة، التي لم تألفه أو تستحسنه بتزيين الشيطان له في أعينهم.
ولا يماري عاقل في أن الله تعالى إذا ميز الخبيث والطيب يوم القيامة فإن الدخان يكون من جملة الخبائث لا الطيبات، وهو خبيث في الدنيا عند غير شاريه ومحبيه.
стр. 119
٣ - المسرف المبذر قرين الشيطان كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] وصرف القرش الواحد فيما يضر ولا ينفع من الإسراف والتبذير.
٤ - واتفق الأطباء والعقلاء على أن التدخين ضار للبدن وعددوا أمراضه الخبيثة، والإسلام يحرم كل ما فيه ضرر للنفس أو ضرر للآخرين، «لا ضرر ولا ضرار».
وبالتالي فهو ضار لدين المسلم، لأن فيه مخالفة صريحة لهذه المبادئ الإسلامية المذكورة.
وهو ضار للمال مهما كثر في يد صاحبه، فقد نهينا عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
٥ - وهو يحدث في الجسم فتوراً واسترخاء.
وإذا قال مدمن في التدخين: إنه لا يحدث فتورًا، قلنا: وكذلك الحشيش من المسكرات بالنسبة لمن تسمم جسمه بها، لا يتأثر منها، ولكن العبرة بالجسم الخام السليم الذي لم يسبق له التدخين، فإذا دخن لأول مرة يحدث له ما هو قريب من السكر.
٦ - وقد نهى النبي ﷺ فيما أخرجه أبو داود عن أم سلمة ﵂ عن كل مسكر ومفتر (١).
٧ - وما دام هذا هو الحكم، والنهي يقتضي الترك دون تردد فإنه لا يجوز تعاطيه ولا المتاجرة فيه، ولا ترويجه، ولا الإعانة على ذلك بتأجير المحل مثلاً للتجارة فيه، أو بشرائه لمتعاطيه، أو بتقديم (الطفاية) له، أو الكسب عن طريقه.
стр. 120
المثال الثاني: الغناء:
١ - قال تعالى في خطابه لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
عن ابن عباس ﵄ صوت الشيطان: الغناء والمزامير واللهو.
وقال مجاهد: هو اللهو والغناء.
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦].
قال مجاهد: لهو الحديث: الاستماع إلى الغناء؛ والإضلال عن سبيل الله نتيجة طبيعية للغناء والسماع لا تتخلف؛ وقال الحسن البصري، نزلت الآية في الغناء والمزامير.
٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١].
والسمود هو الغناء بلغة حِمْير، يقال: اسمُدي يا فلانة، أي غني لنا.
قال عكرمة: وكانوا إذا سمعوا الغناء تغنوا، ليصدوا الناس عن القرآن الكريم بالغناء.
٤ - وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. والغناء خضوع وخنا بالقول.
٥ - وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]. والغناء لغو بلا شك لخلوه من الفائدة (١).
стр. 121
٦ - وروى البخاري عن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» (١) والمعازف آلات اللهو.
وغير ذلك كثير من الأحاديث الواردة في الغناء لم نشأ تقصيها لأنه يخرج عن موضوعنا.
٧ - أما أقوال الأئمة الأربعة في الغناء فهي معلومة من مواطنها بالحرمة وعدم الجواز (٢).
٨ - والغناء إذا صحبه آلات الموسيقى والطرب فهو محرم وإن كان ذِكراً وتسبيحاً.
٩ - وقد رخص الإسلام في الغناء وضرب الدف في العرس إذا كان الغناء من النساء للنساء وبألفاظ خالية من الفحش والبذاءة.
كما رخص في الغناء واللهو في العيدين في حدود الأدب وعدم الخلاعة والمجون.
كما رخص فيما يقال لتحميس العمال وتشجيعهم على العمل بالكلام الهادف النبيل.
- وليس في وسع مسلم أن يترك كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين إلى أقوال أخرى ممن ينسبون إلى التصوف، أو الذي تولى كبره في الغناء وهو ابن حزم الظاهري، ومن نحا نحوه.
стр. 122
وإنما وضعت الغناء في المتشابه أيضاً نظرًا لما يثار حوله من كلام لبعض المنتسبين إلى العلم بالجواز.
والرخصة فيه إذا خلا من المعازف، والكلام الخارج عن حدود اللياقة، ولم يكن من امرأة أجنبية لرجال، أو سماع اليسير منه لمن يتستر في بيته، وفي هذا كله تفصيل طويل.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يجوز العمل في مجال الغناء والموسيقى وآلات اللهو بيعاً وشراءً وتصنيعاً وكسباً وتأجيراً واستخداماً .. فكله كسب غير مشروع، وما أكثر المكاسب من هذا المجال في أيامنا، فأصحابه كما يقال: نجوم المجتمع!! وهم أهل المكاسب العالية والمستوى الرفيع والوجاهة بين الناس.
المثال الثالث: اللحية:
١ - أخرج البخاري ومسلم والموطأ والترمذي والنسائي وأبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «انهكوا الشوارب، واعفوا اللحى» وفي رواية «احفوا الشوارب» وفي أخرى قال: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب» (١).
٢ - وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب، وأوفوا اللحى، خالفوا المجوس» (٢).
وغير ذلك كثير من الأحاديث التي تأمر بإعفاء اللحية وتنهى عن حلقها. وقد حرم حلق اللحية الحنفية والمالكية والحنابلة.
стр. 123
وقيل في مذهب الشافعية بالكراهية، ورد عليه بأن الشافعي في كتابه «الأم» نص على التحريم.
وقال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة (١).
وقال الشيخ علي محفوظ ﵀: «وقد اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية، وحرمة حلقها، والأخذ القريب منه» (٢).
وضم إليهم الظاهرية في الفتح الرباني (٣) وأحكام الإسلام لا تخضع لعادات الناس، ولألسنتهم، ولا تخص زماناً دون زمان، أو مكاناً دون مكان.
وإنما وضعت التمثيل باللحية في باب الشبهات ولم أضعه في باب المحرمات نظراً للفرق الذي يقول به الأصوليون بين الواجب والسنة المؤكدة بالعقاب على مخالفة الأول دون الثاني، والواجب يقابل السنة المؤكدة في بعض المذاهب.
ويقول بعضهم بوجوب إعفاء اللحية، وبالتالي معاقبة حالقها، وبعضهم يقول: بأنها سنة مؤكدة ويستدل الأولون بأن الأمر للوجوب لم يصرفه صارف ولا صارف له هنا.
ولما في الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
فالعمل في مجال حلق اللحية كسب غير مشروع، وعمل غير مشروع، والذي يحتاط لدينه يترك كل كسب يأتي من طريق حرام أو فيه شبهة حرام.
стр. 124
وبعد: فلعلِّي أكون قد ألقيت بعض الضوء على الحلال البين والحرام البين، والمشتبه فيه، من حيث حقيقة كل منها، ووسائل تحصيل الرزق الحلال، واجتناب الكسب الحرام، أو ما فيه شبهة حرام. وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل من اطلع عليه، وأن يجزي من أهدى إلينا عيوبنا فيه خير الجزاء، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المؤلف