← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17049

اتقاء الحرام والشبهات في طلب الرزق

أحمد الطويل

Полный текст (124 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقصروا الطعام من لحوم الأنعام، على ما شاؤوا، وحرموا منه من شاؤوا، ومنعوا ركوبها والحمل عليها. ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. وحرموا شرب لبن الأنعام، وأكل ولد الشاة إذا كان ذكراً على النساء، وأباحوه للرجال، أما الأنثى فلا تذبح، والميتة يشتركون فيها. ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]. وأهل الجاهلية في تحريمهم لما أحل الله تعالى يبررون موقفهم، ويلقون بالتبعة على غيرهم، فقد قال تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]. ثم يقيم الله تعالى الحجة عليهم: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٠]. ويبين الله سبحانه أنه لم يحرم شيئًا مما حرمه هؤلاء، ولم يخص الذكر دون الأنثى كما زعموا بل كلها مخلوقة لله، ومسخرة لبني آدم: أكلاً وحمولة وحلباً، وغير ذلك من وجوه المنافع. قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤]

стр. 72

د- وفي الإسلام: وقد جاء الإسلام الخالد ليرفع عن اليهود وغيرهم، ما فرض عليهم من أغلال وقيود وآثام: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فحرم القتل، والوأد، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأكل المال بالباطل وغير ذلك، مما لا يتسع له المقام، وأشرنا إلى بعضه فيما سبق. وقد وضع الإسلام معيارًا للحلال والحرام، فأحل كل طيب نافع، وحرم كل خبيث ضار للدين والمال والبدن، وفيما يتعلق بالمطعومات والمشروبات كالخمر والميتة ولحم الخنزير .. الخ. ووضع الإسلام قاعدة كلية في الطعام المحرم تصحيحًا لأوضاع أهل الجاهلية. أخرج أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهم عفو، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]» (١).

стр. 73

٤ - التحليل والتحريم حق لله وحده: وإذا كان اليهود والنصارى وأهل الجاهلية قد حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم، فلا بد للمسلم أن يعتقد أن التحليل والتحريم حق الله وحده، وأنه ليس لأحد من البشر مهما كانت منزلته أو علت درجته أن يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، فالتحليل والتحريم حق لله وحده. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. وطاعة الحكام أو العلماء في تحليل ما حرم الله تعالى، أو تحريم ما أحل الله، عبادة لهم من دون الله، كما ذكر ذلك النبي ﷺ لعدي بن حاتم حين قال لما سمع النبي ﷺ يقرأ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١]. قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال النبي ﷺ : «إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم». وعن سلمان وابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، فلا تتكلفوه» (١).

стр. 74

٥ - ضرورات تبيح المحظورات: ومن يسر الإسلام وسماحته أن جعل الضرورات تبيح المحظورات، وأنه يجوز للمسلم أن يرتكب أخف الضررين عندما يغلب على ظنه أنه لو ترك ذلك لوقع في الضرر الأكبر، مع الأخذ في الاعتبار أن كل ضرورة تقدر بقدرها، ولا يجوز التجاوز عن القدر اللازم الذي هو ضرورة فِعْلية يتوقف عليها حياة المرء أو موته: قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]. وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]. وقال: ﴿مَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. ويشمل هذا كل ضرورة في الطعام أو الشراب أو اللباس أو الغريزة أو المعاملات .. الخ. ٦ - حكمة وجود المحظور: ووجود المحظور المحرم، أمر لا بد منه، ليتميز قوي الإيمان من ضعيفه، وقوي الإرادة من ضعيفها، وليقف المسلم أمام رغباته وشهواته ونزواته، وأمام أهواء نفسه الأمارة بالسوء، ووساوس الشيطان، وكأنه في اختبار لقوة الإيمان والإرادة والصمود، وتغلُّب مراد الله تعالى على مراد النفس وهواها؛ وقهر لفتنة الشيطان واتباع خطواته.

стр. 75

ولقد واجه آدم ﵇، هذا الاختبار بنهيه عن الأكل من الشجرة. ومع أن هذه القضية مرادة من الله تعالى لعمارة الأرض وتمحيص الإنسان والجزاء الأخروي، فإنه سبحانه سجل لنا تجربة آدم وذكر أسبابها ونتائجها، في القرآن الكريم، كي ينتفع بها الإنسان، ويأخذ العبرة منها. قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦]. وفي مجال إغواء الشيطان، وتزيينه المعصية للإنسان ومنها أكل الحرام وبيان أول النتائج المترتبة على هذا العصيان، وهو كشف العورة. يقول تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢١ - ٢٢]. ٧ - الترهيب من أكل الحرام: وكما رغب الإسلام في طلب الحلال رهب من الوقوع في الحرام؛ وبين أن المال فتنة. فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. وحذرنا من مخالفة أوامره واتباع طريق الشيطان ومنه أكل الحرام. فقال: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وفي جمع المال الحرام اتباع لخطوات الشيطان.

стр. 76

وأخرج البخاري والنسائي: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام» (١). وزاد رزين: (فإذ ذاك لا تستجاب لهم الدعوة). ففي الحديث ترهيب من الحرام وبيان عدم مبالاة الناس (آخر الزمان) بجمع المال من أي طريق كان، وفي الرواية الثانية بيان عدم استجابة الله دعاءهم إذ ذاك. وأخرج البخاري عن خولة الأنصارية ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» (٢). معناه: أنهم يأخذون المال، ويتخوضون (أي يتملكونه، كما يخوض الإنسان المال يمينًا وشمالًا). وفي رواية الترمذي: «إن هذا المال خضر حلو، من أصابه بحقه بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار» (٣). ففي الحديث على الروايتين وعيد بدخول النار، لمن يأخذ المال بغير حقه، ويجمعه من غير حله.

стр. 77

وعن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله، فيذهب إلى الجبل، فيحتطب، ثم يأتي به فيحمله على ظهره، فيبيعه فيأكل، خير له من أن يسأل الناس، ولأن يأخذ تراباً، فيجعله في فيه، خير له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه» (١). والترهيب في الحديث بتمثيل جعل التراب في الفم خير من أكل الحرام؛ والبعد عنه من أسباب دخول الجنة. روى مسلم بسنده عن جابر، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، فقال: «أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخل الجنة، قال: نعم. قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا» (٢). كما أن أكل الحرام من أسباب دخول النار. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تغبطن جامع المال من غير حله- أو قال: من غير حقه- فإنه إن تصدَّق به لم يقبل منه، وما بقي كان زاده إلى النار» (٣).

стр. 78

وبنحوه ما ورد في مراسيل أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: «من اكتسب مالًا من مأثم، فوصل به رحمه، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع ذلك كله فقذف به في جهنم» (١). ويصدق هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧]. والمرء مسؤول يوم القيامة، عن مصدر أمواله وموردها، بل لا تزول قدماه حتى يسأل، من أين آلت إليه هذه الأموال، وفي وجوه الحلال أم في وجوه الحرام أنفقها؟ عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (٢).

стр. 79

فإذا كان مصدر المال من طريق حرام، فإن هذا الجسم الذي نبت من حرام، النار أولى به، وإن اللقمة الواحدة من الحرام تنبت اللحم، كما ورد في عدد من الأحاديث والآثار (١). جاء من عدة طرق عن رسول الله ﷺ : «أيما لحم نبت من حرام فالنار أولى به» (٢). وأكل الحرام يقتضي بالضرورة عصيان الجوارح. يقول سهل بن سعد ﵁: «من أكل الحرام عصته جوارحه، شاء أم أبى، علم أم لم يعلم، ومن كانت طعمته حلالًا أطاعته جوارحه، ووفق للخيرات» (٣). وجاء في بعض الأخبار: أنه مكتوب في التوراة: (من لم يبال من أين مطعمه، لم يبال الله من أي أبواب النيران أدخله) (٤). وفي الأثر: (أنه يؤتى يوم القيامة بأناس معهم من الحسنات، كأمثال جبال تهامة، حتى إذا جيء بهم، جعلها الله هباء منثوراً، ثم يقذف بهم في النار. قيل: كيف ذلك؟ قال: كانوا يصلون، ويصومون ويزكون، ويحجون، غير أنهم إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه فأحبط أعمالهم) (٥). وفيه دليل على ضياع ثمرة العمل الصالح، نتيجة أكل الحرام.

стр. 80

٨ - صور من الكسب الحرام: وطرق الكسب غير المشروع متعددة ومتنوعة ومتجددة، كصور الكسب المشروع تماماً؛ فكل ما هو محرم لذاته أو كغيره، تحرم زراعته وصناعته والتجارة فيه، والتكسب عن طريقه وما كان من ذلك عن طريق الوظيفة أو الإخلال بواجباتها؛ وكذلك كل ما فيه أكل مال الغير بالباطل. وكل ما كان ضداً لأنواع الكسب المشروع التي ذكرناها فهو كسب محرم غير مشروع. أولًا: صور عامة: والحرام بين وظاهر في عينه ووصفه، وقيام الدليل على تحريمه، لا يخفى على أحد، فقد كان من آخر ما أوصى به النبي ﷺ أمته في خطبة الوداع: النهي عن انتهاك حرمة الدماء والأموال والأعراض. ومن الحرام في مجال التعاطي والاكتساب ما يأتي: في الطعام: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله ... إلخ وبيع ذلك، والتعامل فيه، والتكسب عن طريقه، فالله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه أي حرم بيعه وشراءه وتجارته وكسبه، وما إلى ذلك. وفي الشراب: الخمر، والحشيش وسائر المسكرات .. إلخ بتناول شيء من ذلك أو المتاجرة فيه أو العمل والكسب عن طريقه أو الإعانة عليها والمساهمة فيها بطريقة من الطرق، فقد لعن عاصر الخمر وساقيها وشاربها، وكل ما شابه ذلك فهو محرم.

стр. 81

في اللباس: يحرم لبس الحرير والذهب بالنسبة للرجال، واستخدام آنية الذهب والفضة .. إلخ والتحريم يكون بالاستعمال الممنوع والكسب عن طريقه والمساهمة فيه بشكل من الأشكال. وفي الاقتصاد: يحرم الربا والغلول والسرقة والغش والتطفيف في الكيل والميزان والاحتكار والنهب ... إلخ. وقد حرم الإسلام ذلك كسبًا وتعاطيًا وإعانة ومساهمة، فقد لعن آكل الربا وكاتبه وموكله وشاهده وكذلك غيره. كما حرم الإسلام السلب والغصب وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل المال بالباطل ومنه الرشوة ولعب الميسر والقمار والاختلاس، والتكسب عن طريق السحر والعرافة والكهانة والشعوذة. ومن الأمور المحرمة: بيع ما ليس عند الإنسان وتلقي السلع قبل وصولها لرفع أثمانها على المسلمين. وبيع الملامسة، والمنابذة، والحصاة، وبيع الرجل على بيع أخيه، وبيع حاضر لباد. وبيع النجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، وبيعتان في بيعة. وكسب المال من الطرق غير المشروعة: كالحرف والمهن المحرمة! وكذلك التجارة في مثل المسكرات والمخدرات ... إلخ. والصناعة أو الزراعة في كل ما هو محرم لذاته أو لغيره لما فيه من ضرر يعود على الفرد أو الجماعة أو عليهما معاً.

стр. 82

كما حرم الإسلام كل ما فيه غبن أو غرر أو ضرر بالمسلمين. أو إشاعة للفاحشة والرذيلة بينهم مما يقوض المجتمع ويفسد الأخلاق، وضروب الحيل والاستغلال. وكسب الإماء، ومهر البغي، وثمن الكلب. وعسب الفحل، وهو ما يؤخذ على مائه. والقسامة بالضم وهي: ما يأخذه القسام على عادة السماسرة بأن يأخذ من كل ألف عشرة مثلاً .. وعدم إتقان العمل بالانتقاص من ساعاته والانتدابات المزعومة والارتشاء .. إلخ. ثانيًا: صور خاصة: أ- الزراعة المحرمة: وسوف نضرب أمثلة للزراعة والصناعة والتجارة التي حرمها الإسلام وحرم الاكتساب عن طريقها. فقد حرم الإسلام الاكتساب من كل زراعة أو نبات يحرم تناوله أو تعاطيه، أو لا يعرف استعماله إلا في الضرر كزراعة الحشيش والأفيون والبانجو والكوكايين ونحوها كالتبغ والتنباك والدخان والبودرة .. إلخ. وليس للمسلم عذر في ترويج الحرام، أو الاكتساب منه بأي طريق من الطرق، كمن يزرع المحرم ليبيعه لغير المسلمين. أو يبيع العنب أو التمر أو البصل لمن يعلم أنه يتخذها للخمر. أو من يبيع الخنازير للنصارى، وذلك لأن المال المكتسب في هذه الحالة عوض عن عين ومنفعة محرمة.

стр. 83

ب- الصناعات والحرف: وكل صنعة حرمها الإسلام لما فيها من ضرر يعود على الفرد أو المجتمع، في عقيدته أو أخلاقه، أو عرضه. وكل حرفة أو مهنة كانت كذلك، يحرم الكسب منها، كصناعة كل مسكر ومخدر والعمل فيه بالترويج أو الدعاية أو التوزيع، ونحو ذلك. ويحرم الكسب عن طريق البغاء المشروع في البلاد الغربية، والمباح في الجاهلية، فإن الإسلام قد حرمه حرمة قاطعة، واعتبره كسباً قذراً رخيصاً، وعده من أبشع صور الكسب وأشنعها. فقد روى البخاري وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كسب الإماء» (١). وقد كانت الأمة تتكسب بفرجها، والبغاء في حد ذاته من أكبر الكبائر، فضلاً عن أن يكون طريقاً للكسب والسحت. جـ- التماثيل والصور: وحرم الإسلام الكسب عن طريق صناعة التماثيل والصلبان ونحوها من كل ما هو مجسد. عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند ابن عباس ﵄، إذ أتاه رجل، فقال: يا أبا عباس: إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: «من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا». فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه. فقال: «ويحك! إن أبيت

стр. 84

إلا أن تصنع، فعليك هذا الشجر، وكل شيء ليس فيه روح» (١) متفق عليه. وكذلك الصور التي لا ضرورة لها مما يثير الغرائز، وينشر الرذيلة، أو ما فيه حرمة مزدوجة كتصوير الأنبياء والملائكة. د- كسب تجاري محظور: حرم الإسلام كل كسب في التجارة جاء عن طريق ظلم أو غش أو خداع أو استغلال أو احتكار. أو كان في ذاته محرمًا كالخمور ومشتقاتها، والخنازير والتماثيل، والمخدرات والمسكرات. أو كان الانتفاع به محرماً كالأجهزة والأدوات الهدامة. ومن ذلك: ثمن الكلب والهر. وعسب الفحل: «وهو الأجر الذي يؤخذ على مائه». والقُسامة بالضم: هي ما يأخذه القسام على عادة السماسرة، كاتفاقهم على أن يأخذ من كل ألف عشرة مثلًا. ومهر البغي .. إلخ (٢). مما سبق ذكره. فهذا وغيره كسب غير مشروع، حرمه الإسلام لذاته أو لغيره، لما فيه من ضرر يعود على الفرد أو الجماعة أو عليهما معًا. ...

стр. 85

الفصل الثاني في آثار أكل الحرام ١ - مقدمة. ٢ - أثر الحرام على العقيدة. ٣ - أثر الحرام على العبادة. ٤ - أثر الحرام على الاقتصاد. ٥ - الجزاء الأخروي لآكل الحرام: أ- الظلم ظلمات يوم القيامة. ب- مصير آكل الحرام في الآخرة.

стр. 86

الفصل الثاني في آثار أكل الحرام ١ - مقدمة: الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المستفيضة، يقرر كل منهما ما أعده الله تعالى في الدار الآخرة من العذاب وسوء العقاب لآكل الحرام، فضلا عما يلحقه من نتائج وخيمة وآثار سيئة في الدنيا. ومن المقرر شرعاً أن كل ما نص القرآن الكريم على تحريمه وتوعد عليه بالعذاب يوم القيامة، أو بغضب الله تعالى أو لعنته أو وصف فاعله بالفسق، أو ورد نفي الإيمان عنه، أو التبرؤ منه، كل ما ورد فيه شيء من ذلك فهو كبيرة من الكبائر. وأكل الحرام من ربا وسرقة ورشوة وغلول وغصب وظلم .. إلخ. من كبائر الذنوب لأن الله تعالى قد توعد على كل منها بألوان الوعيد المختلفة. ومنها ما عده النبي ﷺ نصاً في كبائر الذنوب وذكره ضمن أكبر الكبائر كأكل الربا وأكل مال اليتيم. ٢ - أثر أكل الحرام على العقيدة: وأكل الحرام على هذا الأساس يؤثر في عقيدة المسلم إذ فيه لعنه وطرده من رحمة الله تعالى إذا هو فعل ذلك معتقداً حرمته، أما إذا استحل أكله فهو كفر مخرج من الملة. فمن المقرر شرعاً أن من استحل محرماً قطعياً كفر وخرج عن ملة الإسلام.

стр. 87

فارتكاب كبائر الذنوب كأكل أموال الناس بالباطل يقدح في إيمان العبد وينقصه بهذه المعاصي، ويؤثر في توحيده وعقيدته بحيث يجعل إيمانه غير كامل. وهذه آثار ونتائج تعود على المرء من جراء أكل الحرام، فأكل الحرام يتنافى مع الإيمان الكامل، وفيه ظلم للنفس وإساءة إليها بارتكاب المحرم، ومخالفة للنهي. وفيه إساءة للأهل والأبناء بإطعامهم من حرام وإنبات أجسادهم من سحت، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به. وفي أكل الحرام ظلم للغير، واعتداء على ماله وقد نهى الإسلام عن ذلك، فكل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه ... إلخ. ٣ - آثار الحرام على العبادات: مما لا شك فيه أن الله تعالى لا يقبل من العمال والأقوال إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، موافقًا لهدي النبي ﷺ . كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وكما قال أيضا: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. والعمل الصالح المقبول على هذا النحو، لا بد له أولاً من طيب المأكل والمشرب والملبس شرطاً أساساً لقبول العبادة بشتى أنواعها ويراد بقبول العمل والعبادة أو عدم قبولها، ثلاثة معان أو مراتب: الأول: الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة الكرام، والمباهاة به.

стр. 88

الثاني: حصول الأجر والثواب عليه. الثالث: سقوط الفرض عنه. والمقصود أن العمل يكون مقبولًا بالمعنيين الأولين. أما المعنى الثالث وهو سقوط الفرض عنه .. فإنه حاصل ولكن بدون رضا عنه، ولا أجر عليه (١). وقد كان السلف الصالح يخشون على أنفسهم ألا يقبل الله منهم عملهم، ويتحرون هذه الآية ويضعونها نصب أعينهم هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. ويشهد لهذا المعنى ما قاله أبو عبد الله الباجي الزاهد، ﵀، حيث قال: خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله ، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل. وذلك إذا عرفت الله ، ولم تعرف الحق لم تنتفع. وإن عرفت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع. وإن عرفت الله وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع. وإن عرفت الله وعرفت الحق، وأخلصت العمل، ولم يكن على السنة لم تنتفع. وإن تمت الأربع، ولم يكن الأكل من حلال، لم تنتفع (٢).

стр. 89

وقال وهب بن الورد: «لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك أحلال أم حرام» (١). هذا: وإن آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ ، ناطقة بربط قبول سائر العبادات من دعاء وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وصدقة، وغير ذلك من صالح الأعمال بتحري الحلال من الكسب والتعاطي؛ وسنذكر بعضا منها: أولًا: الدعاء: ففي الدعاء، وهو مخ العبادة، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. وعباد الله الذين استجابوا له، هم من يفعلون الحلال ويتركون الحرام، فيكونون أهلاً للإجابة قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وإجابة الدعاء منوطة بأكل الحلال وترك الحرام وتوقي الشبهات: أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين: فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» (٢).

стр. 90

فقد جمع الحديث بين القرآن والسنة في الأمر بالأكل من الطيبات، ورتب عدم قبول الدعاء على أكل الحرام، وذلك لأن استمداد مصدر القوة في الحركات والأنفاس قائم على الغذاء الحرام. ولذلك فإن النبي ﷺ يقول: «فأنى يستجاب لذلك؟» استفهام على سبيل التعجب والاستبعاد. وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال بخصوص المال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه: أمن الحلال أم من الحرام؟» وزاد رزين: «فإذ ذاك لا تستجاب لهم دعوة» (١). ففيه بيان أن الحرام يكون سبباً في عدم إجابة الدعاء. ولذا: فقد قيل لسعد بن أبي وقاص ﵁: «تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: «ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت» (٢). وكما أن أكل الحرام يكون سبباً لعدم إجابة الدعاء، فإن ترك القيام بالواجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يكون سبباً مانعاً من إجابة الدعاء أيضاً. عن حذيفة بن اليمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعونه فلا يستجيب لكم» (٣).

стр. 91

وارتكاب المحرمات والمعاصي يكون أيضًا سببًا مانعا من إجابة الدعاء. يقول بعض السلف: «لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طرقها بالمعاصي» (١). وقال مالك بن دينار: «أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله إلى نبيه أن أخبرهم: إنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليَّ أكفاً قد سفك بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعداً» (٢). كما أن فعل الطاعات والأعمال الصالحة تكون سبباً في قبول الدعاء وإجابته وكشف الغم، وتفريج الكرب، والخروج من المحن، كما في الحديث المتفق عليه. عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خرج ثلاث يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان، شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحِلاَب- بكسر الحاء وفتح اللام- فآتي به أبوي، فيشربان، ثم أسقي الصِّبية، وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون (٣) عند رجلي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر. اللهم إن كنتَ تعلم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرُج عنا فُرجة، نرى منه السماء. قال: ففُرِج عنهم.

стр. 92

وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي، كأشد ما يحب الرجل النساء فقالت: لا تنال ذلك منها، حتى تعطيها مائة دينار (١)، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله، ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً بفرَق (٢) من ذرة فأعطيته، وأبى ذاك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، حتى اشتريت منه بقراً وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك. اللهم إن كنت تعلم، إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فكشف عنهم» متفق عليه (٣). فقد حفظ الثالث حق الأجير ونماه له ووفاه له كاملاً بعد استثماره وتعهده لمدة طويلة، حفظًا للأمانة وخوفًا من أكل حق الغير بالباطل، فكان الجزاء من الله تعالى بأن شفع هذا العمل لصاحبه وفرج الله عنه كربته، وهكذا كل من يعطي لأحد حقه ولا يأكل المال بالباطل. وفي الحديث بيان أن تفريج الكرب، وحل العقد، والخروج من المحن، إنما يكون بتقوى الله تعالى، والتقرب إليه بصالح الأعمال، لا بالأموال

стр. 93

والعقارات وغيرها؛ وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. وكما ثبت أن دعوة الولد الصالح لأبيه عمل صالح يجري له بعد مماته. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان، انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). فدل هذا كله: على قبول الدعاء وإجابته بسبب أكل الحلال وتحريه في كل شيء، والقيام بالواجبات، وفعل الطاعات وكثرة العمل الصالح. كما أن التوسع في الحرام، أكلاً وشربًا وملبسًا، وفعل المعاصي، وعدم القيام بالواجب أسباب مانعة من إجابة الدعاء وقبوله. ثانيًا: الصدقة: والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. والحرام سواء أكان مالاً أم متاعاً أم غير ذلك، غير طيب، لأنه خبيث، ومن مصدر خبيث غير مشروع، فهو بالتالي غير مقبول. ينص على ذلك الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].

стр. 94

ففي الآية أمر بالنفقة من الكسب الطيب، سواء أكانت النفقة تطوعا أم صدقة واجبة، وفيها نهي عن النفقة من الخبيث في هذه الوجوه وغيرها، والخبث أعم من الرداءة، فهو يأتي بمعنى الحرام أيضًا. كما قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل» (١). ففي الحديث أنه لا يصعد إلى الله تعالى إلا ما كان من كسب طيب وأن الصدقة من حلال تربو عند الله كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (٢). ففيه نفي قبول الصدقة إن كانت من الغلول، وهو مال حرام. وقال سفيان الثوري: «من أنفق من الحرام في طاعة الله، كان كمن طهر الثوب النجس بالبول، والثوب النجس لا يطهره إلا الماء، والذنب لا يكفره إلا الحلال» (٣). والمتصدق من مال غيره ارتكب إثمًا بصدقته هذه، وأجرها لصاحب المال:

стр. 95

أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به، لم يكن له فيه أجر. وكان إصره عليه» (١). ثالثًا: سائر العبادات: وكذلك الشأن في سائر العبادات، فكيف يقبل الله تعالى الصلاة ممن تغذى بالحرام وكانت أنفاسه التي يناجي بها ربه، تمتد طاقتها من الحرام، وكل جسم غذي بالحرام فالنار أولى به. أو كيف يقبل الله منه صلاته وقد لبس ثوبًا من حرام، أو فيه شيء منه. أو توضأ بماء مغصوب مثلًا. أو وقف يصلي في بيته على فراش جاء من طريق حرام. أو كان البيت نفسه أو إيجاره الذي يدفع قد آل إليه من طريق حرام ... إلخ. أو كان يسكن في بيت مغصوب رغمًا عن صاحبه بقوة القانون!! وكذلك الحج: لا بد أن يكون من نفقة طيبة وكسب حلال، خاليًا من الفسوق، وهو شامل للمال الحرام، وذلك لكي يكون الحج مبرورًا مقبولًا. فإذا كان الزاد أو الراحلة من طريق حرام، أو بعض ذلك من حرام، فحجه غير مبرور، وهو بالتالي غير مقبول، ويتعرض صاحبه لرد تلبيته عليه. وكذلك الحال في كل ما يتقرب به العبد إلى ربه كأضحية أو وفاء بنذر، أو كفارة أو صداق امرأة، أو المساهمة في وجه من وجوه الخير، أو كتب علم، أو آلة مهنة، أو وسيلة سفر، أو عمل أو إكرام ضيف .. إلخ أو غير ذلك مما لا يحصى.

стр. 96

ومن هذا يتبين مدى تأثير الحرام، كسبًا وتعاطيًا على عدم قبول العبادة والعمل، وعلى الفرد والمجتمع ومن يعول. ٤ - آثار الحرام على الاقتصاد الإسلامي والتطور الحضاري: أما آثار الحرام وأضراره ونتائجه فيما يتعلق بالاقتصاد الإسلامي والتطور الحضاري فهي خطيرة جدًّا، وذلك لأن أي مال يدخله السحت يتعرض للزوال والدمار، وهذا أمر مشاهد. فإذا كان منع الزكاة سببًا للقحط والجوع، كما قال ﷺ : «ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين» (١). أي المجاعة والقحط. فوجود المال الحرام مختلطًا بالمال الحلال يؤثر عليه ويكون سببًا في هلاكه، ناهيك عن الحرام الخالص. والاقتصاد الإسلامي يعتمد أساسًا على الكسب الحلال المشروع كي يثمر ويفيد. وفي أكل الحرام دمار وخراب على الاقتصاد الإسلامي، لأنه كسب حرام، يعوق النمو الاقتصادي، والتقدم الحضاري، ويُعطل حركة الإنتاج والاستثمار، ويعرض أموال المسلمين للضياع، ويضعف شوكتهم، بسبب عدم مشروعية مصدر المال، أو اختلاطه بالحرام، وإن نما الاقتصاد وزاد، وهو من مصدر حرام، فهو ابتلاء من الله تعالى، ومحنة وشقاء، حيث يملي سبحانه للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

стр. 97

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. فلا بد لبناء الصرح الاقتصادي من استقلال إسلامي، وبعد عن الحرام، حتى تقوى شوكة المسلمين، ويمكن لهم في الأرض، وينصرون على عدوهم. ٥ - الجزاء الأخروي لآكل الحرام: أولًا: الظلم ظلمات يوم القيامة: لا شك أن أكل المال بالباطل، واكتسابه من طريق غير مشروع ظلم للآخر، وتعد على حقه، وهذا الظلم يأتي جزاؤه مضاعفاً يوم القيامة. والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، وفسره إياس بن معاوية وغيره بأنه: التصرف في ملك الغير بغير إذنه (١). قلت: والمال الحرام ملك للغير، فيدخل في قول إياس دخولاً أولياً، وهو حرام على الغير ملكاً وتصرفاً. وقد لعن الله تعالى الظالمين في قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. واستحقوا هذه اللعنة جزاء لما ارتكبته أيديهم الآثمة من ظلم العباد، والله تعالى غير غافل عما يعمله الظالمون، ومعنى هذا مؤاخذته سبحانه لهم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢]. والظالم يتخلى عنه الصديق والحميم والقريب في الدنيا، وليس له ناصر ولا شفيع في الآخرة: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].

стр. 98

وقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه. وجعله محرماً بين العباد. عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎: أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ...» (١) الحديث. والظلم يأتي مضاعفاً يوم القيامة: عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ..» (٢) الحديث. والله تعالى يملي للظالم ولكن لا يهمله دون عقاب. عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٣). فهذه أدلة واضحة على تحريم الظلم وأنه يأتي يوم القيامة مضاعفًا، وأن الله تعالى توعد الظالمين بالعقاب الشديد، ولا ريب أن أكل المال الباطل من أنواع هذا الظلم؛ وحقوق العباد لا بد فيها من القصاص، بردها أو الاستحلال من صاحبها، ولا يكفرها التوبة إذ من شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها، ولا يكفرها العبادة أو الأعمال الصالحة، بل ولا الجهاد ذروة سنام الإسلام، حتى ولا الاستشهاد في سبيل الله، إذ هي من الحقوق التي لا مناص من استيفائها في الدنيا أو الآخرة.

стр. 99

وسأذكر بعض الأدلة على ذلك: ١ - أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» (١). والمال الحرام إذا لم يُردَّ إلى صاحبه فإنه دين يبقى في ذمة آكله، أو هو بمثابة الدَّين، بل أعظم منه حيث لا يكفره شيء حتى ولا الشهادة في سبيل الله أو الجهاد فيه، ولأنه لم يؤخذ ابتداء عن طيب نفس كالدين. ٢ - وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله: تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب. مقبل غير مدبر». ثم قال رسول الله ﷺ : «كيف قلت؟» قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإنه جبريل قال لي ذلك» (٢). ٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» (٣). فهو من حقوق العباد التي لا بد فيها من الرد والاستحلال أخرج الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدواوين عند

стр. 100

الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]. وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله من صوم يوم تركه أو صلاة، فإن الله لا يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً، فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة» تفرد به أحمد (١). فلابد إذن من رد الحقوق إلى أهلها في الدنيا أو الاستحلال منها قبل أن تؤخذ منه حسنات في الآخرة، أو يتحمل من أوزار من ظلمه قدرها. ٤ - وشبه النبي ﷺ حق الآخرين بأنه قطعة من النار، فيما رواه البخاري ومسلم عن أم سلمة ﵂ (٢). وأخذ الحقوق من أهلها يوم القيامة يتعدى الإنسان إلى غيره من المخلوقات. ٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٣).

стр. 101

مما تقدم تبين أن حقوق العباد لا تسقط إلا باستيفائها في الدنيا أو الاستحلال من صاحبها وأنها ظلم للعباد يأتي مضاعفاً يوم القيامة، ومن ذلك المال والكسب الحرام. ثانيًا: مصير آكل الحرام في الآخرة: وأكل الحرام خزي وعار في الدنيا، وربما كان سببًا لفساد الذرية؛ وعدم التوبة منه يكون سببًا من أسباب إفلاس العبد يوم القيامة: أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (١). وإذا كان أكل أموال الناس بالباطل سببًا من أسباب دخول النار فإنه كذلك سبب يمنع من دخول الجنة، حيث تكون النار أولى بكل لحم نبت من سحت. عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام» (٢). لهذا وغيره: يجب على المسلم أن يتحرى طلب الحلال في كسبه ومعاشه وسائر حالاته، وأن يتجنب الحرام في جميع شؤونه حتى ينجو من عقاب الله تعالى، وينبغي عليه كذلك أن يتقي الشبهات حتى لا يصادف الحرام من حيث لا يدري.

стр. 102

الباب الثالث في المشتبهات ١ - تمهيد: ٢ - تعريف المتشابه. ٣ - كمال الدين. ٤ - أسباب الاشتباه. ٥ - كيف تعرف الشبهة. ٦ - حكم الوقوع في المشتبهات. ٧ - موقف المسلم من التشابه ٨ - تعليل اتقاء الشبهات. ٩ - نماذج من المتشابه. ١٠ - أمثلة من المختلف فيه.

стр. 103

الباب الثالث في المشتبهات ١ - تمهيد: إذا كان في الشرع: الحلال المحض، المقطوع بحله، والحرام المحض المقطوع بحرمته، فإن هناك أمورا تتردد بين الحل والحرمة ويشتبه الحكم فيها على بعض الناس لسبب من أسباب الاشتباه، وقد يظهر هذا الحكم للراسخين في العلم، وقد لا يظهر. ومن هنا فقد نجد من بين الأحكام الشرعية من يفتي فيها من أهل العلم بالحرمة، ومنهم من يفتي بالكراهية في المسألة نفسها، وقد يفتي بعضهم بالحل أيضاً. وذلك في ما ليس فيه نص قطعي صريح، لعموم الدليل، أو عدم تحديد مفهومه، أو اجتماع الأمر والنهي فيه، أو غير ذلك. والمسلم القابض على دينه يتقي الشبهات مخافة أن يقع في الحرام من حيث لا يدري، فلا يستهين بالمكروه مثلاً لاحتمال أن يكون حراماً في حقيقة الأمر، وقد يكون في متناول المسلم أنواع من الكسب والأموال فيها ريبة أو شبهة، فينبغي عليه أن يكف عنها وأن يتركها ورعاً وحفظاً لدينه، وخوفاً من الوقوع في الحرام. ٢ - تعريف المتشابه: يأتي التشابه والاشتباه: بمعنى الالتباس، والمشتبهات تعني المشكلات.

стр. 104

- فالمتشابه هو ملتبس الحكم غير معلومه على وجه القطع. - والمتشابه هو الذي لم يتعين حكمه على التعيين أهو من قبيل الحلال أم من قبيل الحرام. - والمشتبهات: أمور مشكوك في حلِّها مرتاب في حرمتها فلها شبه من الحلال البين، وشبه من الحرام البين (١). ٣ - كمال الدين: لم يُقبض النبي ﷺ إلا وقد أكمل الدين بوحي ربه، فلم يترك شيئًا مجهول الحكم. كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وكما قال ﷺ : «تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك» (٢). وقال أبو ذر ﵁: «توفي رسول الله ﷺ ، وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علمًا» (٣). ولما شك ناس في موت النبي ﷺ قال عمه العباس ﵁: «والله ما مات رسول الله ﷺ حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً، وأحل الحرام، وحرم الحلال، ونكح وطلق، وحارب وسالم» (٤).

стр. 105

فلم يترك النبي ﷺ حلالًا، ولا حرامًا، إلا بينه، لكن بعضه كان أظهر من بعض. فما ظهر بيانه واشتهر، وعلم من الدين بالضرورة، لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام. أما ما كان دون ذلك، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو تحريمه، وقد يخفى على بعض من ليس منهم (١). وقد يظهر في حياة الناس من المعاملات والأحوال والأحكام ما لم يكن موجودًا من قبل فيقاس على غيره. ومن هنا كانت المتشابهات التي خفي حكمها على بعض الناس، فلم يعلم أهي من الحلال البين، أم من الحرام البين، لوجود شبهة، أو علة تلحقها بأحدهما، فيلزم التحفظ والتبيين حتى لا يقع في المحرم من حيث لا يدري. ٤ - أسباب الاشتباه: من الأحكام ما لم يشتهر بين حملة الشريعة، فاختلف في تحليله وتحريمه لأسباب منها: ١ - أن يكون النص غير واضح الدلالة عند بعض أهل العلم. ٢ - قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر: فيتمسكون بما بلغهم. ٣ - أو يبلغ النصان معاً من لم يبلغه التاريخ، فيقف، لعدم معرفته للناسخ والمنسوخ. ٤ - ما ليس فيه نص صريح معين، وإنما يؤخذ من مفهوم، أو عموم، أو قياس، فتختلف أفهام العلماء كثيرًا في هذا النوع.

стр. 106

٥ - ومنها ما يكون فيه أمر أو نهي، فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه وغير ذلك من أسباب الاختلاف. غير أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء راسخون يوافق أقوالهم الحقيقة، فيكونوا علماء بهذا الحكم .. وهم الراسخون في العلم، ويكون مشتبهاً على غيرهم (١). - وعلى هذا فإن اختلاف العلماء في الحكم ينشأ من تعارض الأدلة، ويجتذبه جانبًا الفعل والترك، فيتردد بين الحلال والحرام، فيقال فيه بالكراهة أو الإباحة. وقسمت الكراهة إلى كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، فيكون الحكم أقرب إلى الحل أو الحرمة، وذلك بسبب اختلاط الحلال بالحرام، وعدم ثبوت أي منهما بالدليل القاطع. ٥ - كيف تعرف الشبهة: أخرج أحمد والطبراني عن وابصة بن معبد الأسدي قال «جئت رسول الله ﷺ وأنا لا أريد أن أدع من البر والإثم شيئاً، إلا سألته عنه، فأتبعه، وهو في عصابة من المسلمين حوله، فجعلت أتخطاهم لأدنو منه، فقال رسول الله ﷺ : دعوا واصبة، أدن مني يا واصبة، فأدناني حيث كنت بين يديه. فقال: أتسألني أم أخبرك؟ فقلت: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكث بهن صدري،

стр. 107

وقال: البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد، وإن أفتاك الناس وأفتوك» (١). فالحلال البين لا يحصل منه في قلب المؤمن ريبة، والحرام البين لا يرتاب قلب المؤمن في حرمته؛ أما ما فيه شبهة وشك، فإن القلب يضطرب ويتردد في حكمه، وعلامة صدق الإيمان أن يترك المسلم ما يضطرب منه القلب، فيما لو خلي بينه وبين نفسه، بحيث لا يراه أحد من الخلق، فضلاً عما يطلع عليه الناس، وهذا هو الإثم الذي يحيك في الصدر، ويخاف الإنسان أن يطلع عليه الناس. وأخرج مسلم بسنده عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس» (٢). ولذا فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «دع ما يريبك إلا ما لا يريبك» (٣).

стр. 108

وفي رواية أنه قيل للنبي ﷺ : وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: «إذا أردت أمراً، فضع يدل على صدرك، فإن القلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة» (١). ٦ - حكم الشبهات: اختلف العلماء في حكم الوقوع في الشبهات، فقيل: بالتحريم وهو مردود، وقيل: بالكراهة، وقيل: بالإباحة، وقيل: بالتوقف (٢). وقد جاء في الحديث: أن من اتَّقَ الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. قال الإمام أحمد: ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثر ماله الحرام ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئًا يسيراً، أو شيئًا لا يعرف (٣). وقال أحمد أيضاً في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا، أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي، وإن كان المال قليلاً اجتنبه كله، لأن القليل إذا تناول منه شيئاً، فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام، بخلاف الكثير. ومن الفقهاء من حمل هذا على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم (٤).

стр. 109

٧ - موقف المسلم من الشبهات: وسواء توقفنا في حكم الشبهة، أو قلنا بالكراهة فضلاً عن التحريم، فإن تركها أولى، أخذاً بالحيطة، وخوفاً من أن تفضي إلى الحرام، أو أن تكون حراماً في حد ذاتها، فيكون قد قارف الحرام من حيث لا يدري. كيف لا؟ وقد كان السلف يتركون بعض الحلال، ولا يستكثرون منه خوفاً من طول السؤال، حيث يسبقهم غيرهم إلى دخول الجنة، ويحبسون عنها بسبب طول السؤال عن مصادر الكسب ووجوه الإنفاق. ويؤيد هذا المعنى: ما جاء في الحديث: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام». قال الخطابي: «ما شككت فيه، فالورع اجتنابه، وهو على ثلاثة أقسام: واجب، ومستحب، ومكروه. فالواجب: ما يستلزم ارتكاب المحرم. والمندوب: اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام. والمكروه: اجتناب الرخص المشروعة (١). والمطلوب: اتقاء الشبهات حيطة وورعاً. وإذن فقد يكون ترك الشبهة واجبًا إذا استلزمت المحرم. أدلة ترجيح ترك الشبهات: وفيما يأتي أدلة شرعية على وجوب ترك الشبهات واتقائها وترجيح الترك على الفعل.

стр. 110

١ - جاء في الصحيح: «فمن ترك ما يشتبه عليه، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان» (١). ٢ - وفي بعض المراسيل عن النبي ﷺ : «من يرعى بجنبات الحرام يوشك أن يخالطه، ومن تهاون بالمحقرات، يوشك أن يخالط الكبائر» (٢). ٣ - وقال ابن المنير شيخ البخاري: «المكروه: عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه؛ تطرق إلى الحرام، والمباح: عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر من المباح تطرق إلى المكروه» وهو يعني ترك المكروه وعدم إتيانه. قال ابن حجر: «وهو منزع حسن» (٣). ويؤيد كلام ابن المنير ما جاء في رواية ابن حبان في الزيادة (٤). ٤ - «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أربع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه». وقد كان النبي ﷺ يترك ما فيه شبهة، خوفاً من الوقوع في الحرام.
следующие страницы →