كما يحصل الأجر أيضًا بتعهد الغرس والزرع والصبر على القيام بهما والمحافظة عليهما حتى تتحقق المنفعة المرجوة.
ثانيًا: إحياء الموات:
وقد نهى الإسلام عن ترك الأرض دون استغلال وانتفاع بها، فإن لم يفعل المسلم، فليعطها من يستفيد بها ويفيد منها.
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه ولا يكرها» (١).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «من كانت له أرض فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها، فهم أحق بها».
وفي هذا الصدد نوه الإسلام إلى إحياء الأرض الموات للانتفاع بخيراتها في مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥].
فإذا أحياها فهي له لا ينازعه أحد فيها طالما لم تكن لأحد من قبل.
روى البخاري وأحمد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها» (٢).
стр. 37
ولعل في أمر الإسلام لنا بالتماس الرزق في خبايا الأرض حثًّا على إحياء مواتها واستخراج كنوزها (١).
وهذا الفضل والترغيب في شأن الزراعة وعمارة الأرض من طرق الكسب الحلال (ما لم يزرع محرماً) وقاية للمسلم من الكسب الحرام وسائر طرقه غير المشروعة.
وإن في المساحات الواسعة من الصحراء المعطلة في بلد واحد من بلاد المسلمين كالسودان أو السعودية حلاً لمشكلات المسلمين الاقتصادية إذا توجهت أنظارهم إلى تعمير هذه الأراضي البور وهي تستوعب معظم أبناء المسلمين وتغنيهم عن الشرق والغرب، وعن التفكير في وسائل تحديد النسل، وفي ذلك حل لمشكلة البطالة، وتشغيل للقوى العاملة المعطلة، والأموال التي ينفق منها على هذه الأراضي موجودة لدى المسلمين إن صلحت النية، وحسن استخدامها.
ثالثًا: الصناعة:
أشار الإسلام إلى ضرورة الأخذ بالأسباب في مجال الصناعة بما يحقق التقدم الحضاري والسبق المادي ويعود على البشرية بالخير الوفير، والكسب الحلال كتدبير وقائي من الكسب الحرام.
ويرفع الإسلام من شأن الصناعة فيعدها من أفضل الأعمال.
عن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله» قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها
стр. 38
ثمناً، وأنفسها عند أهلها» قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق» (١) عاجز، أي أن من لم يحسن عمله فهو أخرق.
وقد نوه القرآن الكريم بعدد من الصناعات؛ منها:
أ- السفن:
فقد أشار إلى صناعة السفن، واستخدامها، والانتفاع بها، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤]. وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧].
وقال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر﴾ [القمر: ١٣].
ولفت النظر إليها فقال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢].
ب- الطائرات:
وأشار إلى وسائل النقل الحديثة التي تستخدم في السلم والحرب والنفع والضرر، كالطائرات، بقوله تعالى بعد أن ذكر بعض ما يستخدم في هذا الجانب: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
وكأن الله تعالى يلفت نظر الإنسان إلى شكل الطير وهيئته ليستخدم هذا الشكل، وهذه الهيئة، في صناعة ما يشبهها في الطيران لنفع الإنسان وخدمته، في مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩].
وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩].
стр. 39
فكأن في الآيتين وأشباههما إيحاء إلى الإنسان بالاعتبار والاستفادة.
- وإذا كنا قد أشرنا إلى بعض المواصلات البرية والبحرية والجوية فإن القرآن الكريم قد أشار إلى أن علم الغيب مليء دائمًا بكل جديد وبكل ما لم يكن موجودًا في زماننا كما تشير إليه الآية السابقة ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
جـ- الحديد:
ونوه القرآن الكريم بضرورة استخدام الحديد في مجال التصنيع كمصدر من مصادر القوة، والتقدم والعمران، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥].
وقد علم الله صنعة الدروع لنبيه داود ﵇ فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
وقد ألان الله تعالى له الحديد ليسهل استخدامه والانتفاع به فقال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ*أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ (١) وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ (٢) وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١].
وأشاد القرآن بما كان يصنع لسليمان عن طريق تسخير الجن له، فقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ (٣) وَتَمَاثِيلَ (٤) وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ (٥) وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ (٦)﴾ [سبأ: ١٣].
стр. 40
د- التعدين:
وإلى صناعة التعدين أشار القرآن الكريم في قوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ (١)﴾ [سبأ: ١٢].
وأشاد بسد ذي القرنين في قوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ (٢) قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٦ - ٩٧].
ويشير سبحانه إلى سبك الذهب والفضة (الحلية) وكذا النحاس والرصاص والحديد (المتاع) في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: ١٧].
هـ - الغزل والنسيج والحياكة:
ويشير القرآن الكريم إلى تعلم صناعة الغزل والنسيج والحياكة كحاجة ماسة للإنسان في ضرورة الانتفاع بها، فيقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦].
ويشير إلى بعض موادها في قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
كما يشير إلى بعض منافعها: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١].
وسرابيل الحر: الثياب من القطن والكتان والصوف وسرابيل البأس: الدروع.
стр. 41
وقد ضرب القرآن المثل بهذه الصناعة إشادة بها، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]، وكان بعض النساء في البوادي يغزلن الوبر ويجدلن الشعر بهدف اتقاء الحر والقر.
و- الجلود:
وأشار القرآن الكريم إلى الانتفاع بصناعة الجلود، فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠].
ز- النهضة العمرانية:
وعن البناء والقصور المشيدة والنمو العمراني والحضارة المادية، يلفت القرآن النظر إليها في مثل قوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨].
وقوله: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤].
وقال: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي﴾ [الفجر:٩] أي يقطعون الصخر وينحتونه بالوادي. وقد كان قوم صالح ينحتون البيوت في الصخر والجبال.
وقال أيضا: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ (١) آيَةً (٢) تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩].
ح- الصيد:
وفي مجال الصيد البري والبحري يقول تعالى:
١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].
стр. 42
٢ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤].
٤ - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢].
والحلية هي اللؤلؤ والمرجان؛ ويقول الله تعالى عن استخراجهما:
٥ - ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢].
ط- فضل الصناعة:
ويرى بعض الفقهاء أن الصناعة أطيب المكاسب، مستأنسين بقول النبي ﷺ : «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (١).
ففيه فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره غيره له، وهو في مقام الاحتجاج على أن الكسب من عمل اليد.
المجتمع الصناعي: ولئن كان العمل غير الذهني لدى الإغريق اليونانية، وصمة اجتماعية يوجب التحقير لصاحبه ويرون أن المواطن الصالح لا يكون من العمال أبداً، ويرون أن بعض العمال عار، كما كانت نظرة العرب في جاهليتهم.
ولئن كانت النظرة اليهودية إلى العمل على أنه عقوبة، رمى الله بها البشر، جزاء عصيان أبيهم آدم في الجنة، (مع أنهم اليوم من أنشط الشعوب، وأحرصهم على العمل).
стр. 43
ولئن كانت بعض الشعوب الأخرى كذلك يحطون من شأن المجتمع الصناعي لأنه يقضي على القيم الإنسانية في رأيهم.
فإن الإسلام يشيد بالعمل في شتى ميادينه المشروعة، ويعتبر ضروب السعي للمعاش لونا من العبادة، ويرغب فيه، ويحث عليه، ويعتبره من أفضل الأعمال والقربات التي يُؤجَر المرء عليها، وهو فرض على الكفاية بالنسبة لجميع المسلمين، إذ لا بد أن يكون في المجتمع المزارع والتاجر والصانع والموظف، ومن يقوم على كل صغيرة وكبيرة من أحقر الأعمال أعظمها؛ وإلا أثموا جميعاً وتعطلت حياتهم.
ومع هذه الحوافز الإسلامية، فإننا نجد المسلمين في الركب المتأخر في ميدان الصناعة والحضارة المادية وأصبحوا عالة على غيرهم، وهم أصحاب الحضارة العريقة والتاريخ المجيد، وعلى كواهلهم قامت الحضارة الأوروبية المعاصرة.
رابعًا: التجارة:
وقد أشاد الإسلام بالتجارة ورغب فيها، وحث عليها، واعتبرها تسعة أعشار الرزق، ونوه بتجارة قريش في الجاهلية في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ* إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش].
كما دعا الإسلام إلى سلوك جميع السبل الداخلية والخارجية، واستخدام وسائل النقل البرية والبحرية والجوية، بحشد الطاقات وحفز الهمم في مجال التنمية والتجارة العالمية.
فيقول تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
стр. 44
ويقول: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: ٦٦].
وأمر سبحانه بالتجارة عقب آداب الفرائض، وذكرها بين العبادة والجهاد لبيان منزلتها، ولم يمنعها في موسم الحج.
وكانت التجارة سائدة في الجاهلية فأقرها الإسلام.
واحترفها كثير من أفاضل الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
وجاءت في سياق المدح القرآني لمن لم تشغلهم تجارتهم عن طاعة الله، كما جاءت في مقام الذم لمن شغلتهم تجارتهم وأموالهم عن طاعة الله وذكره. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].
ولذلك فإن التجارة قد ترفع صاحبها إلى أعلى الدرجات، وقد تهبط به إلى أسفلها، فإذا كان التاجر أميناً، صادقاً برّاً تقيّاً، سمحاً، فهو من الصنف الأول؛ وإن كان على العكس من ذلك فهو من الثاني.
وقد وردت أحاديث كثيرة تبين منزلة التاجر الصدوق الأمين، وأنه أول من يدخل الجنة، أو أنه شهيد، أو أنه بمنزلة الشهيد، أو أنه يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أو أنه تحت ظل العرش يوم القيامة، أو أنه لا يحجب عن أبواب الجنة (١).
стр. 45
أخرج الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» (١).
أما عن الصنف الثاني من التجار، فقد روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر التجار إنكم قد وليتم أمرًا هلكت فيه الأمم السابقة المكيال والميزان» (٢).
وروي مرفوعًا وموقوفًا عن رفاعة أن النبي ﷺ قال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتقى الله وبر وصدق» (٣).
خامساً: الرعي:
والرعي حرفة عظيمة، وعمل شريف، له فضائل ومزايا جمة يعوِّد الصبر، والحلم والأناة والرفق، والصدق، والحكمة، والسياسة والحنكة.
ولذا فإن هذا العمل مارسه كل نبي «تقدمةً لهم ليكونوا رُعاة الخلق، ولتكون أممهم رعايا لهم» (٤).
стр. 46
روى البخاري وابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط» (١).
والرعي يشمل الإبل والبقر والغنم، ولكنه خص الغنم في الحديث لأنها أشد تفرقاً ونفرة من غيرها، وكأن في رعي الغنم دروساً وفوائد وعبراً، يستفيد منها كل نبي، بترويضها والصبر عليها، مع اختلاف طبائعها، وتجشم المصاعب في سبيلها، وكأن من يعتاد هذا يستطيع بعده أن يسوس الناس ويروضهم ويصبر على أذاهم ويتحمل المشاق في سبيل دعوته ويكون عنده من القوة المادية والمعنوية والطاقة الخلقية ما يجتاز بها مهمته بنجاح في تبليغ وحي ربه، ويكون أيضاً مثلاً أعلى، وقمة أخلاقية لقومه.
ويعمل في مجال الرعي قطاع كبير من أبناء المسلمين حاليًّا في بلاد عديدة، وهي ثورة عظيمة، وإنتاج وفير، وجانب هام في حياتنا لا يمكن الاستغناء عنه.
فما أجدرنا أن نقتفي أثر من اصطفاهم ربهم واختارهم على سائر البشر في التكسب من الطرق المشروعة كتدبير وقائي من الكسب غير المشروع مثل رعي بهيمة الأنعام.
سادسًا: حرف ومهن:
وطرق الكسب المشروعة لا تكاد تحصى كما أسلفنا، فالمهن كثيرة ومتعددة ومتجددة، كالطب والهندسة والصيدلة والطباعة والمساحة، والسباكة، والحدادة، وأعمال البناء والكهرباء، وإصلاح السيارات والأجهزة النافعة والقيادة والنظافة وغير ذلك.
стр. 47
سابعًا: الوظائف العامة:
أ- إتقان العمل الوظيفي كسب حلال:
يطلب الإسلام من المسلم أن يؤدي كل عمل يناط به- دينيًّا أو دنيويًّا- بإخلاص وإتقان وإحسان على الوجه الأكمل، ومن ذلك المهام الوظيفية، فهي تدخل في الكسب الحلال، والإخلال بواجباتها يدخل في نطاق الحرام.
فالمحافظة على ساعات العمل كاملة واستنفادها في أدائه، وبذل الجهد في هذا العمل، وعدم استغلاله في منافع شخصية أو مكاسب خارجة عن نطاق الراتب الوظيفي، كل هذا وغيره يعد إتقانًا للعمل وإحسانًا فيه.
وحقيقة هذا الإحسان كما فسره النبي ﷺ : «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). وأداء الواجب الوظيفي المشروع (٢) لون من ألوان العبادة، ولقد أثنى الله تعالى على من يحسنون العمل للدين والدنيا، وبين أنهم مجزيون عليه الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة.
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
وقد أمرنا تعالى بهذا الإحسان والإتقان، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠].
وأخبر أنه يشهد كل عمل نعمله ولا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء فقال:
стр. 48
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] (١).
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
هذه الآيات وأمثالها توجب على المسلم أن يكون أمينًا على عمله مخلصاً فيه، متقناً له، لأنه يؤمن ويعتقد أنه بمرأى من الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى السنة النبوية فإننا نجد الكثير، ومن ذلك:
١ - ما رواه شداد بن أوس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (٢).
стр. 49
٢ - وما رواه البيهقي في الشعب عن كليب أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن» (١).
٣ - وفي رواية عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (٢).
ومن هذا الإحسان الذي كتبه الله تعالى على كل شيء، والذي يحبه تعالى ويأمر به: الإحسان في أداء المهام الوظيفية، بأدائها على خير وجه، وعدم الإتجار بها أو التقصير فيها، أو استغلالها في الحصول على كسب غير مشروع من خلالها.
ب- خيانة الأمانة في المجال الوظيفي كسب حرام:
للأمانة في الإسلام مدلول واسع، فهي ترمز إلى معانٍ شتى، تهدف جميعها إلى شعور المرء بتبعته، وتحمله مسؤولية كل أمر يناط به، ليكون ذا ضمير يقظ، تصان به حقوق الله وحقوق الناس، وتحرس به الأعمال من دواعي التفريط والإهمال (٣).
والذي يعنينا من موضوع الأمانة هو حفظ الحقوق والواجبات الوظيفية وإن استطاع الموظف أن يهضمها، أو تهيأت له ظروف العدوان عليها عن طريق الاختلاس أو الرشوة، ومن ذلك الائتمان على أداء المهام الوظيفية بحفظ ما اؤتمن عليه وأدائه كاملًا مقابل ما يتقاضاه من راتب دون التطلع إلى مقابل آخر أو مكافأة إضافية، وهذا هو مقتضى القيام بواجب الأمانة الوظيفية:
стр. 50
عن بريدة أن النبي ﷺ قال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (١).
وقد مدح الله تعالى من يؤدي العمل المنوط به بقوة وأمانة، فقال: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
وأداء المهام الوظيفية على أكمل وجه يدخل ضمن حدود الأمانة التي حملها الإنسان- على ظلمه وجهله وعجزه وضعفه- بعد أن ناءت السماوات والأرض والجبال عن حملها وأشفقن منها (٢).
والموظف مؤتمن من قبل الدولة على وظيفته، ومطلوب منه أن يؤدي واجباته في دقة وأمانة كما أمره ربه. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فإذا توافرت فيهم هذه الصفة فهم من أهل الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨ والمعارج: ٢٣].
стр. 51
والقيام بواجب الأمانة في جميع المجالات، ومنها المجال الوظيفي، من أسباب دخول الجنة؛ عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم» (١).
فإذا خان المسلم الأمانة الموكولة إليه، فأخل بواجباته الوظيفية فقد ارتكب ما يقدح في أمانته، وما يباعده عن الجنة، ويتحقق بهذا إخبار النبي ﷺ عن مجيء الوقت الذي تقبض فيه الأمانة من القلب، ويبقى أثرها.
عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت» (٢).
أي النقطة في الشيء من غير لونه.
وكما أمرنا الله تعالى بأداء الأمانة فقد نهانا عن الخيانة في شتى صورها، ومنها خيانة المهام الوظيفية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
стр. 52
وأخبر أنه لا يحب الخائنين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨].
وإذا خان المسلم واجباته الوظيفية فهو غير أهل لأن يتولى أمرًا من أمور الدولة، لأنه قد ضيع الأمانة، وإضاعتها من علامات الساعة.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا وُسِد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١).
على أن المهام الوظيفية- كثرت أم قلت- أمانة عظيمة، وعبء ثقيل، يسبب الخزي والندامة يوم القيامة لمن لم يحسن القيام بواجباتها، ويؤدي ما عليه فيها نحو الله والعباد.
عن أبي ذر ﷺ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» (٢).
وخيانة المهام الوظيفية، فيه غدر، وغلول، وكسب حرام، والغادر ينصب له لواء يوم القيامة ضمن أهل الغدر والخيانة ليعرف به من الملأ.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة، ينصب يوم القيامة يعرف به» (٣).
وكلما عظمت المهام الوظيفية كلما عظم شأن الأمانة فيها.
стр. 53
ج - المسؤولية الوظيفية والكسب الحلال:
ولابد للمسلم أن يدرك إدراكاً جازماً أنه مسؤول أمام ربه مسؤولية تامة عن أداء ما كلف به من الأعمال الوظيفية. قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولونَ﴾ [الصافات: ٢٤].
والله سبحانه سيطلعنا يوم القيامة على جوانب التقصير ويحاسبنا عليه.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
والوظيفة أمانة ومسؤولية، والله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «كلكم راع فمسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (١).
فإذا أدى المسلم مسؤوليات وواجبات وظيفته على الوجه الأكمل كان أجره منها كسباً حلالاً وإلا فقد دخل في نطاق الحرام.
* * *
стр. 54
الفصل الثالث
السعي على المعاش في حياة أفضل البشر
١ - مقدمة.
٢ - العمل في حياة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
٣ - العمل في حياة الخلفاء الراشدين ﵃.
٤ - العمل في حياة الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 55
الفصل الثالث
السعي على المعاش في حياة أفضل البشر
١ - مقدمة:
طلب الرزق الحلال، والسعي على أمر المعاش، وبذل الأسباب في ذلك ليس خاصاً بعامة الناس، بل يشمل أيضاً أفضل خلق الله على الإطلاق.
ولو كانت الأرزاق تأتي دون سعي عليها لكان أولى بها صفوة البشر، بل كانت حياتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مثالاً فريداً في الجد والنشاط والشظف والتقشف وطلب الرزق من وجوهه المشروعة.
وسوف نرى ذلك جلياً فيما يأتي:
٢ - العمل في حياة الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:
وإذا تتبعنا حياة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، نجدها مليئة بالعبر العظيمة في مجال الأخذ بالأسباب، والسعي على المعاش، وهم المصطفون الأخيار، المبلغون عن الله رسالته، والأمناء على وحيه، والذين قال تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
وقال عنهم أيضًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠].
ومع ذلك فقد كانوا مثلًا أعلى على مر العصور وقدوة حسنة لأممهم في كل شيء، ومن ذلك التكسب من الطرق المشروعة.
стр. 56
أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن زكريا ﵇ كان نجارًا» (١).
وقال ابن عباس ﵄: «كان آدم ﵇ حراثًا، ونوح نجارًا، وإدريس خياطًا، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجرًا، وداود زرّادًا، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم وسلم رعاة» (٢).
ويستفاد من الحديث والأثر وغيرهما أن رسل الله جميعاً كانوا يزاولون الأعمال بأيديهم، ويسعون على معاشهم وتحصيل قوتهم وقوت من يعولون.
وإليك هذا المختصر فيما يتعلق ببعض رسل الله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام:
آدم:
فقد كان آدم أبو البشر حراثًا وزراعًا، وكان صانعاً يصنع آلات الزراعة بيده وبمساعدة زوجته له، وكان بنَّاء، قيل: إنه أول من بنى الكعبة الشريفة بيده.
إدريس:
وكان إدريس أول من خاط الملابس بعد أن كانوا يلبسون الجلود ...
نوح:
وكان نوح يرعى الغنم لقومه، وكان نجارًا، صنع سفينة النجاة بيده من الخشب والمسامير، وكان هذا سببًا لسخرية بعض الجهلاء منه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].
стр. 57
يوسف:
وكان يوسف وزيرًا على خزائن مصر ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. وكان من قبل خادمًا في بيت عزيز مصر.
صالح وشعيب:
واشتغل صالح وشعيب بالتجارة.
موسى:
وكان موسى راعياً لغنم شيخ مدين ثماني أو عشر سنوات على أن يزوجه ابنته التي شهدت له بالقوة والأمانة والعفة التي شاهدتها منه ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
وقد حمد موسى ربه الذي ساق إليه هذا العمل ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].وكان موسى كاتباً يكتب التوراة بيده.
داود:
وكان داود زرّاداً يصنع الدروع، وقد ألان الله له الحديد، فاحترف مهنة الحدادة التي يمتهنها بعض الناس اليوم، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠].
سليمان:
وكان سليمان يصنع المكاتل من الخوص، وقد طوع الله له النحاس ليصنع التماثيل الجائزة في شريعته، ويصنع المحاريب، وأحواض المياه، والقدور الروابي. قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢].
وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
стр. 58
زكريا وعيسى:
وكان زكريا وعيسى نجارين، وكان عيسى يأكل من غزل أمه الصدِّيقة (مريم).
محمد ﷺ :
حتى رسول الله ﷺ فقد رعى الغنم في صباه على قراريط لأهل مكة (١) والقيراط نصف عشر الدينار.
واشتغل ﷺ بالتجارة في شبابه مع ميسرة غلام خديجة ﵂ (٢).
وكان ﷺ ينقل الحجارة ويشد الحجر الأسود بنفسه في بناء الكعبة الشريفة (٣). وكان ﷺ لا يحب أن يتميز على أصحابه، ففي بناء المسجد النبوي كان ينقل الحجارة بنفسه، ويشجع أصحابه على العمل.
تقول أم سلمة ﵂: «فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته بيده».
ورأى الصحابة المشاركة الفعلية والروح العالية فنشطوا في البناء وجدوا في العمل وهم ينشدون:
«لئن قعدنا والرسول يعمل
لذاك منا العمل المضلل» (٤)
стр. 59
وكانت الصخرات القوية التي يعجز عنها القوم تتفتت، تحت ضربات النبي ﷺ يوم الخندق (١).
وكان ﷺ أقرب الناس إلى العدو إذا حمى الوطيس، واشتد البأس في الحروب، وبهذا ضرب النبي ﷺ المثل الأعلى في وجوب العمل، وعدم التمييز عن الرعية.
وهكذا هؤلاء وغيرهم من رسل الله وأنبيائه، ممن اختار الله سبحانه واصطفى، لم يقعدوا عن طلب الرزق، ولم يرزقوا دون كد وتعب، وأخذ بالأسباب، بما لهم من منزلة عند الله تعالى، أو من حق القيادة والريادة لأممهم، وإنما عملوا بأيديهم، وسعوا في تحصيل عيشهم، ليستن بهم غيرهم ويحذوا حذوهم، فيطلبون الدنيا من حلها، وقاية لهم من الحرام، والكسب غير المشروع، وليس هناك استثناء في هذا المقام، حتى خاتم الرسل وصفوة خلقه ﷺ .
٣ - العمل في حياة الخلفاء الراشدين ﵃:
الصديق:
كان أبو بكر الصديق ﵁ تاجراً ميسورًا في الجاهلية، ومن أغنياء قريش، وظل هكذا في الإسلام وقد أنفق أمواله في سبيل الله كنشر الدعوة وعتق الرقاب.
«ولما تولى الخلافة شوهد ذاهباً إلى السوق ومعه أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة ﵄، فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قالا: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمر المسلمين!! قال: فمن
стр. 60
أين أطعم عيالي؟ قالا: انطلق حتى نفرض لك شيئاً، ففرضوا له أجراً من بيت المال، كي يتفرغ لشؤون المسلمين» (١).
الفاروق:
وكان عمر تاجراً يذهب إلى الأسواق ويكتسب رزقه، ويقول: «ألهاني الصفق في الأسواق عن سماع حديث النبي ﷺ » ويقول: «ما من موضع يأتيني فيه الموت أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي: أبيع وأشتري» (٢).
وكثيرًا ما نعى على المتعطلين تواكلهم قائلًا: «السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة».
وكان يبذل النصيحة للقراء وهم محل ثقته وتقديره، وأهل رأيه ومشورته.
ويقول: «يا معشر القراء التمسوا الرزق ولا تكونوا عالة على الناس، وكان في استطاعته أن يعطيهم من بيت المال» (٣).
ذي النورين:
وكان عثمان يبيع الثياب في جاهليته وإسلامه، وقد جهز ثلث جيش العسرة من تجارته وربحه، وظل يضع في حجر النبي ﷺ حتى قال ﷺ : «ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض» (٤).
стр. 61
وكان عثمان يتصدق ويفضل ما عند الله من مضاعفة الحسنات على ربح الدنيا، فليس في وسع أحد أن يعطي عطاء رب العالمين.
علي:
وكان علي بن أبي طالب يعمل بيده الشريفة، ويؤجر نفسه بتمرات، لاستخراج الماء من البئر لعمل الطين. وينال منه الكد والتعب، وتمجل (١) يداه من حبل الليف.
روى ابن قتيبة في المعارف: أن علياً سقى بالدلاء على تمرات (٢).
وكان ﵁ يحمل الماء، ويطحن الحب على الرحى هو وزوجه الزهراء ﵄.
ولما فتح الله على النبي ﷺ سألاه خادماً يعينهما على شؤون الحياة، فأبى أن يعطيهما ويترك أهل الصفة، وأرشدهما إلى التسبيح والتحميد والتكبير إذا أخذا مضجعهما وأن ذلك خير لهما مما طلبا.
«أخرج الشيخان من حديث علي: أن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى فأتى النبي ﷺ شيء. فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي ﷺ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم، فقال: «على مكانكما» فقعد بيننا حتى وجدتُ برد قدميه على صدري، وقال: «ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني؟
стр. 62
إذا أخذتما مضاجعكما: تكبرًا أربعًا وثلاثين، وتسبحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدا ثلاثًا وثلاثين فهو خير لكما من خادم» (١).
وإن لنا في هؤلاء الصحابة الكرام خلفاء رسول الله ﷺ على شؤون الأمة أسوة حسنة في طلب الكسب المشروع، وعدم الإثراء على حساب الغير من الطرق غير المشروعة.
٤ - العمل في حياة الصحابة ﵃:
ولقد كان أصحاب النبي ﷺ يسعون على أرزاقهم، ويسلكون طرق الكسب في غير كسل ولا تواكل، فكان منهم التجار البارعون، وهذه أسواق الجاهلية، تشهد بذلك: سوق عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، وبنو قينقاع، وحباشة ..
عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج» رواه البخاري (٢).
وكانوا يتاجرون في البر والبحر تجارة داخلية وخارجية.
وهاتان رحلتا الشتاء والصيف تشهدان بذلك.
وكان من الصحابة ﵃ الصناع والزراع ومحترفو سائر الحرف والأعمال.
стр. 63
واشتهر الأنصار بأنهم أهل زرع وبساتين ونخيل.
كما اشتهر المهاجرون بأنهم أهل تجارة وصفق في الأسواق.
وكان النبي ﷺ يشجعهم على ذلك.
وهذه الأعمال جعلتهم أهل عفة وكرامة واكتفاء، وأصحاب فضل ونفع للآخرين.
وجعلتهم أيضًا في غنى عن الحرام، وفي وقاية من طرق الكسب غير المشروع كالربا والرشوة .. الخ.
وفي الحديث الآتي مثال لهمتهم العالية، وأخلاقهم النبيلة:
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع، قال عبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك؟ أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال النبي ﷺ : «مهيم؟ (١)» قال: تزوجت. قال: «كم سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب- أو وزن نواة من ذهب- شك إبراهيم (٢). يعني راوي الحديث.
وقد مات عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن ثروة ضخمة من تجارته.
стр. 64
وإعجاب المرء بإيثار سعد وسماحته لا يقل عن إعجابه بنبل عبد الرحمن الذي أبى إلا أن يتاجر، ويزاحم اليهود في أسواقهم، ويكتسب من عرقه ما يعف به نفسه، ويحصِّن به فرجه.
وهذا خباب بن الأرت كان حدادًا، وعبد الله بن مسعود كان راعيًا، وسعد بن أبي وقاص كان يصنع النبال، والزبير بن العوام كان خياطًا، وبلال بن رباح وعمار بن ياسر كانا خادمين، وسلمان الفارسي كان حلاقًا ومؤبرًا للنخل، وخبيرًا بفنون الحرب، والبراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا تاجرين (١).
ولقد عاب أعداء الإسلام على المسلمين أن الأساكفة كانوا من الأنصار (٢) مما يفيد حرصهم على اكتفائهم الذاتي في مجتمعهم، واحترامهم للعمل المشروع مهما كان شأن المهنة أو الحرفة التي تقيهم من الوقوع في الحرام وطرقه غير المشروعة.
стр. 65
الباب الثاني في الحرام البين
الفصل الأول
في الكسب الحرام
١ - تمهيد.
٢ - التعريف بالحرام.
٣ - نبذة تاريخية عن الحرام.
٤ - التحليل والتحريم حق الله وحده.
٥ - الضرورات تبيح المحظورات.
٦ - حكمة وجود المحظور.
٧ - الترهيب من الحرام.
٨ - صور من الكسب الحرام.
стр. 66
الفصل الأول
في الكسب الحرام
١ - تمهيد:
إذا كان الإسلام قد أمر بتحري الحلال، وحث عليه، ورغب فيه، وفي القناعة به، ونهى عن التسول والبطالة، وأمر بالعمل، وطلب الرزق من أسبابه المشروعة.
إذا كان الإسلام قد أمر بذلك، فإنه نهى نهياً جازماً عن الكسب الحرام، وتحصيل المال من طرق غير مشروعة والتحايل على ذلك بسبب أو آخر، وقد بين الإسلام ما يترتب على أكل الحرام من آثار سيئة وعواقب وخيمة في الدنيا والآخرة يعود أثرها على مكتسب الحرام، وعلى من يعول من أهله وأولاده.
كما يؤثر أكل الحرام على عقيدة المسلم وعبادته، وعدم قبول صدقته ودعائه .. الخ.
وفي الإسلام محرمات لذاتها جاء النهي الجازم عن تعاطيها والتكسب منها لما فيها من خبث وضرر، كالخمر والميتة ولحم الخنزير وشحمه، سواء أدركنا علة التحريم فيها أم لا.
كما حرم الإسلام السرقة والغصب والظلم والرشوة والربا، وما إلى ذلك.
وحرم الكسب من كل طريق غير مشروع.
стр. 67
وفي القرآن الكريم أمثلة لما حرمه الله تعالى على المسلم طعاماً وشراباً وكسباً وتعاطياً.
أ- ففي محرمات المطعومات يقول تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
ويقول أيضاً: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، والمنخنقة هي التي ماتت خنقًا، والموقوذة: التي وقذت، أي رميت بشيء فماتت، والمتردية: التي تردت من أعلى إلى أسفل فماتت، والنطيحة: التي نطحتها غيرها فماتت.
وفي تحريم الخمر، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وفي تحريم أموال اليتامى يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
وفي تحريم الربا يقول تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ب-وفي تحريم سائر أنواع الكسب غير المشروع وأكل أموال الناس بالباطل، كالغصب والسرقة، والنهب والسلب، والقمار، والزور، والرشوة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وهدفنا من ذلك هو الترهيب والتحذير من أكل الحرام عن طريق الكسب غير المشروع.
وفيما يلي نعرض ذلك:
стр. 68
٢ - التعريف بالحرام:
المعنى اللغوي:
الحرام: هو المقيد بالحظر (١).
أو هو: الممنوع من فعله (٢) والحرام ضد الحلال (٣).
المعنى الشرعي:
الحرام: هو الأمر الذي نهى الشارع عن فعله نهياً جازماً بحيث يتعرض من خالف النهي لعقوبة الله في الآخرة، وقد يتعرض لعقوبة شرعية في الدنيا أيضاً (٤).
وعرفه بعضهم بأنه: ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام (٥) وهو تعريف مختصر شامل.
٣ - نبذة تاريخية عن الحرام:
أ- في اليهودية:
ولقد ترك اليهود أوامر التوراة، وخالفوها بارتكاب المحرمات، واقتراف المنهيات؛ فكفروا بآيات الله، وأشركوا به، وقالوا عزير ابن الله، وقتلوا أنبياءهم، وعبدوا العجل وسفكوا الدماء، وخالفوا أحكام التوراة، كالرجم، والقصاص في الأنفس والأطراف والأعضاء، وأكلوا الربا، واعتدوا
стр. 69
في السبت، وأكلوا الرشوة، وتعاملوا بها، وكانت خصلة من خصالهم فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً.
واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير في مجال الطعام، والشراب وغيرهما.
وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كانوا يقولون ما لا يفعلون.
لهذا وغيره؛ ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، وكان من نتائج ذلك أن حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، عقابًا لهم، وجزاء على عصيانهم، وقسوة قلوبهم. قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كثيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. ولذا: فقد حقت عليهم لعنة الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
ب- وفي النصرانية:
جاء عيسى ﵇ ليحل برسالته بعض ما حرم على بني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠].
ولكن النصارى في العصور اللاحقة، غيروا وبدلوا، وتطرفوا وحرفوا، فترهَّب بعضهم واعتزل النساء والحياة والأحياء، وتباهى بعضهم بأن الماء لم
стр. 70
يمس جسده سنين عدداً؛ فانحرفوا بهذا وغيره عن جادة الحلال والحرام وحقيقته. قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
ج - وفي الجاهلية:
أباح الناس لأنفسهم في الجاهلية عبادة الأصنام، وقتل الأولاد خوف الفقر، ووأد البنات خوف العار، والاستقسام بالأزلام (١) وشرب الخمر، ولعب الميسر، وارتكاب الفواحش، وأنواعاً من الأنكحة المحرمة.
وفي مقابل هذا حرموا على أنفسهم ما أحل الله لهم، فبحروا البحيرة، وسيبوا السائبة ووصلوا الوصيلة، وأول من فعل هذا عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين إبراهيم .. كما روى البخاري عن عائشة (٢).
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ (٣) وَلَا سَائِبَةٍ (٤) وَلَا وَصِيلَةٍ (٥) وَلَا حَامٍ (٦) وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
стр. 71
وقصروا الطعام من لحوم الأنعام، على ما شاؤوا، وحرموا منه من شاؤوا، ومنعوا ركوبها والحمل عليها. ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨].
وحرموا شرب لبن الأنعام، وأكل ولد الشاة إذا كان ذكراً على النساء، وأباحوه للرجال، أما الأنثى فلا تذبح، والميتة يشتركون فيها. ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩].
وأهل الجاهلية في تحريمهم لما أحل الله تعالى يبررون موقفهم، ويلقون بالتبعة على غيرهم، فقد قال تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨].
ثم يقيم الله تعالى الحجة عليهم: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٠].
ويبين الله سبحانه أنه لم يحرم شيئًا مما حرمه هؤلاء، ولم يخص الذكر دون الأنثى كما زعموا بل كلها مخلوقة لله، ومسخرة لبني آدم: أكلاً وحمولة وحلباً، وغير ذلك من وجوه المنافع.
قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤]
стр. 72
د- وفي الإسلام:
وقد جاء الإسلام الخالد ليرفع عن اليهود وغيرهم، ما فرض عليهم من أغلال وقيود وآثام: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فحرم القتل، والوأد، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأكل المال بالباطل وغير ذلك، مما لا يتسع له المقام، وأشرنا إلى بعضه فيما سبق.
وقد وضع الإسلام معيارًا للحلال والحرام، فأحل كل طيب نافع، وحرم كل خبيث ضار للدين والمال والبدن، وفيما يتعلق بالمطعومات والمشروبات كالخمر والميتة ولحم الخنزير .. الخ.
ووضع الإسلام قاعدة كلية في الطعام المحرم تصحيحًا لأوضاع أهل الجاهلية.
أخرج أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهم عفو، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]» (١).
стр. 73
٤ - التحليل والتحريم حق لله وحده:
وإذا كان اليهود والنصارى وأهل الجاهلية قد حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم، فلا بد للمسلم أن يعتقد أن التحليل والتحريم حق الله وحده، وأنه ليس لأحد من البشر مهما كانت منزلته أو علت درجته أن يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، فالتحليل والتحريم حق لله وحده.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩].
وطاعة الحكام أو العلماء في تحليل ما حرم الله تعالى، أو تحريم ما أحل الله، عبادة لهم من دون الله، كما ذكر ذلك النبي ﷺ لعدي بن حاتم حين قال لما سمع النبي ﷺ يقرأ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١].
قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال النبي ﷺ : «إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم». وعن سلمان وابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، فلا تتكلفوه» (١).
стр. 74
٥ - ضرورات تبيح المحظورات:
ومن يسر الإسلام وسماحته أن جعل الضرورات تبيح المحظورات، وأنه يجوز للمسلم أن يرتكب أخف الضررين عندما يغلب على ظنه أنه لو ترك ذلك لوقع في الضرر الأكبر، مع الأخذ في الاعتبار أن كل ضرورة تقدر بقدرها، ولا يجوز التجاوز عن القدر اللازم الذي هو ضرورة فِعْلية يتوقف عليها حياة المرء أو موته:
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣].
وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
وقال: ﴿مَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
ويشمل هذا كل ضرورة في الطعام أو الشراب أو اللباس أو الغريزة أو المعاملات .. الخ.
٦ - حكمة وجود المحظور:
ووجود المحظور المحرم، أمر لا بد منه، ليتميز قوي الإيمان من ضعيفه، وقوي الإرادة من ضعيفها، وليقف المسلم أمام رغباته وشهواته ونزواته، وأمام أهواء نفسه الأمارة بالسوء، ووساوس الشيطان، وكأنه في اختبار لقوة الإيمان والإرادة والصمود، وتغلُّب مراد الله تعالى على مراد النفس وهواها؛ وقهر لفتنة الشيطان واتباع خطواته.
стр. 75
ولقد واجه آدم ﵇، هذا الاختبار بنهيه عن الأكل من الشجرة.
ومع أن هذه القضية مرادة من الله تعالى لعمارة الأرض وتمحيص الإنسان والجزاء الأخروي، فإنه سبحانه سجل لنا تجربة آدم وذكر أسبابها ونتائجها، في القرآن الكريم، كي ينتفع بها الإنسان، ويأخذ العبرة منها.
قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦].
وفي مجال إغواء الشيطان، وتزيينه المعصية للإنسان ومنها أكل الحرام وبيان أول النتائج المترتبة على هذا العصيان، وهو كشف العورة. يقول تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢١ - ٢٢].
٧ - الترهيب من أكل الحرام:
وكما رغب الإسلام في طلب الحلال رهب من الوقوع في الحرام؛ وبين أن المال فتنة. فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
وحذرنا من مخالفة أوامره واتباع طريق الشيطان ومنه أكل الحرام. فقال: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].
وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وفي جمع المال الحرام اتباع لخطوات الشيطان.