فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك تحرّك شفتيك، فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت كثيراً أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبة من أبو الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبة من أبو الهيثم؟ فقال: لما أخرجت للسياط، ومدّت يداي للعقابين، إذا أنا بشاب يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. فقال: أنا أبو الهيثم العيّار اللص الطرّار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوطٍ بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان، لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن، لأجل الدين، قال: فضربت ثمانية عشر سوطاً بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفاً، وخرج الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين.
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال لي أبي: يا بني لقد أعطيت المجهود من نفسي، قال: وكتب أهل المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعت عن مقالتك ارتددنا عن الإسلام.
وعن أحمد بن سنان قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حلٍّ في يوم فتح بابك أو في فتح عمورية فقال: هو في حلّ من ضربي.
وقال إبراهيم الحربي: أحلّ أحمد بن حنبل من حضر ضربه، وكلَّ من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دواد داعية لأحللته.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل، ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين، يعني المتوكل قد وجّه إليك يعقوب المعروف بقوصرة، ومعه جائزة، ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال، فيّتسع القول لمن يبغضك.
стр. 177
فلما كان من الغد ورد يعقوب، فدخل عليه، فقال: يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول: قد أحببت أن آنس بقربك، وأن أتبَّرك بدعائك، وقد وجّهت إليك عشرة آلاف درهم معونةً على سفرك.
أخرج صرّةً فيها بدرة نحو مائتي دينار، والباقي دراهم صحاح، فلم ينظر إليها، ثم شدّها يعقوب، وقال له: أعود غداً حتى أبصر ما تعزم عليه وانصرف.
فجئت بإجّانة خضراء، فكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح خذ هذا صيّره عندك، فصيّرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحراً إذا هو ينادي: يا صالح، فقمت فصعدت إليه، فقال: ما نمت ليلتي هذه، فقلت: لم يا أبة؟ فجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، قد عزمت على أن أفرّق هذا الشيء إذا أصبحت، فقلت: ذاك إليك، فلما أصبح قال: جئني يا صالح بميزان؛ وقال: وجّهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجّه إلى فلان، يفرّق في ناحية، وإلى فلان، فلم يزل حتى فرّقها كلّها، ونفضت الكيس، ونحن في حالةٍ الله تعالى بها عليم.
فجاء بنيّ لي فقال: يا أبة أعطني درهماً، فنظر إليّ، فأخرجت قطعةً، فأعطيته، وكتب صاحب البريد: إنه قد تصدق بالدراهم من يومه، حتى تصدّق بالكيس.
قال عليّ بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين: قد علم الناس أنه قد قبل منك، وما يصنع أحمد بالمال؟ وإنما قوته رغيف. فقال لي: صدقت يا عليّ.
قال صالح: ثم أخرجنا ليلاً معنا حراس، معهم النفّاطات (١)، فلما أضاء الفجر قال لي: يا صالح معك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم، فأعطيتهم
стр. 178
درهماً درهماً، ودخلنا العسكر، وأبي منكّس الرأس، ثم أنزل دار إيتاخ، وجاء عليّ بن الجهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرّقها، وأمر أن لا يعلم بذلك فيغتمّ.
ثم جاءه أحمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويشتهي قربك، وتقيم ههنا تحدّث؟ فقال: أنا ضعيف.
ثم حمل إلى دار الخلافة. فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعداً وراء ستر، فلما دخل أبي الدار قال لأمه: يا أماه قد أنارت الدار. ثم جاء خادم بمنديل فيه ثياب فألبس، وهو لا يحرك يديه، فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم؟ ثم قال: يا صالح وجّه هذه الثياب إلى بغداد تباع وتصدّق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم شيئاً منها.
وأجريت له مائدة وثلج، وضرب الخيش، فلما رآه تنحّى، فألقى نفسه على مضربةٍ له، وجعل يواصل ويفطر في كل ثلاثةٍ على تمرٍ شهريز. فمكث كذلك خمسة عشر يوماً، ثم جعل يفطر ليلةً وليلةً، ولا يفطر إلا على رغيف، وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها، فيأكل من حضر.
وأمر المتوكل أن تشترى لنا دار، فقال: يا صالح لئن أقررت لهم بشراء دار، لتكونن القطيعة بيني وبينك، فلم يزل يدفع شرى الدار حتى اندفع.
ثم انحدرت إلى بغداد، وخلّفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قدم، وقد جاء بثيابي التي كانت عنده، فقلت له: ما جاء بك؟ فقال: قال لي: انحدر، وقل لصالح: لا تخرج، فأنتم كنتم آفتى، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحداً منكم معي، ولولا مكانكم لمن كانت توضع هذه المائدة؟
стр. 179
وفي رواية أخرى: ثم إنه مرض، فأذن له المتوكل في العود إلى بغداد فعاد.
٩ - وفاة الإمام أحمد: توفي ﵁ في سنة إحدى وأربعين ومائتين، وقد استكمل سبعاً وسبعين سنة.
قال المروزي: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومرض تسعة أيام وتسامع الناس، فأقبلوا لعيادته، ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون، فربما أذن للناس، فيدخلون أفواجاً يسلّمون عليه، فيرد عليهم بيده.
وقال أبو عبد الله: جاءني حاجبٌ لابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك، فقلت له: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
ووضأته فقال: خلّل الأصابع، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس، حتى ملؤوا السكك والشوارع، فلما كان صدر النهار قبض ﵀، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجّت.
وعن إسحاق قال: مات أبو عبد الله وما خلّف إلا ست قطع أو سبع، وكانت في خرقةٍ كان يمسح بها وجهه قدر دانقين.
وعن حنبل قال: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال: هذا من شعر النبي ﷺ ، فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففعل ذلك به بعد موته.
وعن صالح بن أحمد قال: قال لي أبي جئني بالكتاب الذي فيه حديث ابن إدريس عن ليث عن طاووس أنه كان يكره الأنين، فقرأته عليه، فلم يئنّ إلا في الليلة التي مات فيها.
стр. 180
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده، وبيدي الخرقة لأشد بها لحييه، فجعل يعرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه، ويقول ببيده هكذا: لا بعد لا بعد، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبة أي شيء هذا، قد لهجت به في هذا الوقت، تعرق حتى نقول: قد قضيت، ثم تعود فتقول: لا بعد، لا بعد.
فقال لي: يا بني ما تدري ما قلت؟ قلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ على أنامله يقول لي: يا أحمد فتَّني، فأقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت.
وعن بنان بن أحمد القصباني أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل فيمن حضر، قال: فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة، وحزر من حضرها من الرجال ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة.
وعن موسى بن هارون قال: يقال: إن أحمد بن حنبل لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس عليها للصلاة فحزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف.
وقال أبو بكر المروزي: رأيت أحمد بن حنبل في النوم كأنه في روضة، وعليه حلّتان خضراوان، وعلى رأسه تاج من النور، وإذا هو يمشي مشيةً لم أكن أعرفها، فقلت: يا أحمد ما هذه المشية التي لم أكن أعرفها لك؟ فقال: هذه مشية الخدّام في دار السلام، فقلت: ما هذا التاج الذي أراه على رأسك؟ فقال: إن ربي أوقفني، وحاسبني حساباً يسيراً، وحباني وقرّبني وأباحني
стр. 181
النظر إليه، وتوّجني بهذا التاج، وقال لي: يا أحمد، هذا تاج الوقار توّجتك به كما قلت: القرآن كلامي غير مخلوق.
وعن أبي يوسف بن لحيان قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كأن على كل قبر قنديلاً فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نوّر لأهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم، قد كان فيهم من يعذَّب فرحم.
وعن أبي علي بن البناء قال: لما ماتت أم القطيعي دفنها في جوار أحمد بن حنبل، فرآها بعد ليال، فقال: ما فعل الله بك؟ فقالت: يا بني رضي الله عنك، فلقد دفنتني في جوار رجل تنزل على قبره في كل ليلةٍ - أو قال في كل ليلة جمعةٍ - رحمةٌ، تعمّ جميع أهل المقبرة، وأنا منهم [صفة الصفوة: ٢/ ٣٣٦ - ٣٥٩].
١٤ - الداعية المجاهد سعيد بن جبير
تقديم:
سعيد بن جبير الداعية الذي وقف في وجه الظلم والطغيان، وسلّ سيفه لحرب الحجاج، وعندما ظفر به الحجاج وأراد قتله، وقف في وجهه وقوف الجبال الصمّ الراسيات، لم تلن قناته، ولم ترتخ مفاصله، وأحسن جواب الحجاج، وحاوره فخصمه وأفحمه، أراد الحجاج الطاغية غلبته وإذلاله، فباح لسانه بقول فصيح، وحجَّة غالبة، وأقدم على الموت إقدام الذي لا يبالي به، فامتلأ الحجاج غيظاً، ولم يجد أمامه إلا أن يقتله، وكان ذلك ما كان سعيد يؤمله، ولم يبق الحجاج بعده إلا أياماً، ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأخذه الله إليه مذموماً مغلوباً مدحوراً، وقد أحسّ الحجاج بأنه غلب، فكان لا يهدأ باله، ولا تستقر أحواله ويكثر من قول: ما لي ولسعيد بن جبير، ويوم القيامة تجتمع الخصوم، فيحكم بينهم العزيز العليم.
стр. 182
ترجمته:
١ - التعريف به: قال ابن الجوزي: سعيد بن جبير، مولى لبني والبة. يكنى أبا عبد الله بن الحارثية، من بني أسد بن خزيمة.
٢ - عبادته وتبتله: عن عبد الله بن مسلم قال: كان سعيد بن جبير إذا قام إلى الصلاة كأنه وتدٌ.
عن القاسم بن أبي أيوب الأعرج، قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش.
وقال القاسم بن أبي أيوب: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعاً وعشرين مرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١].
قال يزيد بن هارون: أنبأنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين.
عن هلال بن خبّاب قال: خرجت مع سعيد بن جبير في أيام مضين من رجب، فأحرم من الكوفة بعمرة، ثم رجع من عمرته، ثم أحرم بالحج في النصف من ذي القعدة، وكان يخرج في كل سنة مرتين مرة للحج ومرة للعمرة.
وعن أبي سنان، عن سعيد بن جبير، قال: لدغتني عقرب، فأقسمت عليّ أمي أن أسترقي، فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ، وكرهت أن أحنثها (١).
٣ - كان مستجاب الدعوة: قال أصبغ بن يزيد الواسطي: كان لسعيد بن جبير ديكٌ كان يقوم الليل بصياحه، (قال): فلم يصح ليلةً من الليالي حتى
стр. 183
أصبح، فلم يصلِّ سعيد تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته؟ قال: فما سمع له صوتٌ بعدها، فقالت أمّه: يا بني لا تدع على شيء بعدها.
عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية.
عن يحيى بن عبد الرحمن قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] حتى يصبح.
٤ - ما جرى لسعيد مع طاغية عصره الحجاج: قال المصنف: كان سعيد ابن جبير فيمن خرج على الحجاج من القراء، وشهد دير الجماجم (١)، فلما انهزم أصحاب الأشعث هرب فلحق بمكة، فأخذه بعد مدة طويلة خالد بن عبد الله القسري، وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعث به إلى الحجاج.
وعن أبي حصين قال: أتيت سعيد بن جبير بمكة، فقلت: إن هذا الرجل قادم، يعني خالد بن عبد الله، ولا آمنة عليك، فأطعني واخرج، فقال: والله لقد فررت حتى استحييت من الله، قلت: والله إني لأراك كما سمّتك أمك، سعيداً.
قال: فقدم مكة، فأرسل إليه فأخذه، فأخبرني يزيد بن عبد الله قال: أتينا سعيد بن جبير حين جيء به، فإذا هو طيب النفس، وبنيّة له في حجره، فنظرت إلى القيد فبكت، فشيّعناه إلى باب الجسر، فقال له الحرس: أعطنا كفلاء، فإنا نخاف أن تغرق نفسك. قال يزيد: فكنت فيمن كفِّل به.
عن داود بن أبي هند قال: لا أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال: ما أراني إلا مقتولاً، وسأخبركم أني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة
стр. 184
الدعاء، ثم سألنا الشهادة، فكلا صاحبي رزقها، وأنا أنتظرها، فكأنه رأي أن الإجابة عند حلاوة الدعاء.
عن عمر بن سعيد قال: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دعي ليقتل، فجعل ابنه يبكي، فقال: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة.
عن الحسن قال: لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال: أنت الشقي بن كسير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير. قال: بل أنت الشقي بن كسير، قال: كانت أمي أعرف باسمي منك، قال: ما تقول في محمد؟ قال: تعني النبي ﷺ ، قال: نعم. قال: سيد ولد آدم، المصطفى، خير من بقي وخير من مضى.
قال: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ قال: الصديق خليفة رسول الله ﷺ ، مضى حميداً وعاش سعيداً، ومضى على منهاج نبيه ﷺ لم يغير ولم يبدّل.
قال: فما تقول في عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة الله خيرة رسوله، مضى حميداً على منهاج صاحبيه، لم يغير، ولم يبدل.
قال: فما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظلماً، المجهّز جيش العسرة، الحافر بئر رومة، المشتري بيته في الجنة، صهر رسول الله ﷺ على ابنتيه، زوّجه النبي ﷺ بوحي من السماء.
قال: فما تقول في عليّ؟ قال: ابن عم رسول الله ﷺ وأول من أسلم، وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين.
قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك. قال: بثّ بعلمك (١)، قال: إذاً نسوءك ولا نسرّك. قال: بثَّ بعلمك. قال: اعفني. قال: لا عفا الله عني إن
стр. 185
أعفيتك. قال: إني لأعلم أنك مخالفٌ لكتاب الله، ترى من نفسك أموراً تريد بها الهيبة، وهني التي تقحمك الهلاك، وسترد غداً فتعلم.
قال: أما والله لأقتلنك قتلةً لم أقتلها أحداً قبلك ولا اقتلها أحداً بعدك، قال: إذاً تفسد عليّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، قال: يا غلام، السيف والنَّطع، فلما ولّى ضحك، قال: قد بلغني أنك لم تضحك، قد كان ذلك، قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: من جرأتك على الله ، ومن حلم الله عنك، قال: يا غلام اقتله، فاستقبل القبلة فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، فصرف وجهه عن القبلة فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قال: اضرب به الأرض، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. قال: اذبح عدو الله فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم.
قال ابن ذكوان: إن الحجاج بن يوسف بعث إلى سعيد بن جبير، فأصابه الرسول بمكة، فلما سار به ثلاثة أيام رآه يصوم نهاره، ويقوم ليله، فقال الرسول: والله إني لأعلم أني أذهب بك إلى من يقتلك، فاذهب إلى أي طريق شئت، فقال له سعيد: إنه سيبلغ الحجاج أنك قد أخذتني، فإن خلّيت عني خفت أن يقتلك، ولكن اذهب بي إليه.
قال: فذهب به، فلما دخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد ابن جبير. فقال: بل شقيّ بن كسير. فقال: أمّي سمّتني. قال: شقيت. قال: الغيب يعلمه غيرك، قال له الحجاج: أما والله لأبدلنّك من دنياك ناراً تلّظى، قال سعيد: لو علمت أن ذلك إليك ما اتخذت إلهاً غيرك.
стр. 186
ثم قال له الحجاج: ما تقول في رسول الله ﷺ ؟ قال: نبيٌّ مصطفى، خير الباقين وخير الماضين، قال: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ قال: ثاني اثنين إذ هما في الغار أعزّ الله به الدين، وجمع به بعد الفرقة، قال: فما هو عمر بن الخطاب ﵁؟ قال: فاروق وخيرة الله من خلقه، أحبَّ الله أن يعزّ الدين بأحد الرجلين، فكان أحقُّهما بالخيرة والفضيلة، قال: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: مجّهز جيش العسرة، والمشتري بيتاً في الجنة، والمقتول ظلماً، قال: فما تقول في عليّ؟ قال: أوّلهم إسلاماً، وأكثرهم هجرة، تزوج بنت رسول الله ﷺ التي هي أحب بناته إليه.
قال: فما تقول في معاوية؟ قال: كاتب رسول الله ﷺ قال: فما تقول في الخلفاء منذ كان رسول الله ﷺ إلى الآن؟ قال: سيُجزون بأعمالهم، فمسرورٌ ومثبور (١)، ولست عليهم بوكيل. قال: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: إن يكن محسناً فعند الله ثواب إحسانه، وإن يكن مسيئاً فلن يعجز الله.
قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت بنفسك أعلم، قال: بثَّ فيَّ علمك، قال: إذاً أسوءك ولا أسرّك، قال: بثَّ. قال: نعم، ظهر منك جورٌ في حدّ الله، وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء الله، قال: والله لأقطّعنك قطعاً، وأفرِّقنَّ أعضاءك عضواً عضواً. قال: إذاً تفسد عليّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، والقصاص أمامك. قال: الويل لك من الله، قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، قال: اذهبوا به فاضربوا عنقه، قال سعيد: إني أشهدك إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة.
стр. 187
فلما ذهبوا به ليقتل تبسّم، فقال له الحجاج: ممَّ ضحكت؟ قال: من جرأتك على الله ، فقال الحجاج: أضجعوه للذبح فأضجع فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. فقال: الحجاج: اقلبوا ظهره إلى القبلة، فقرأ سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. فقال: كبُّوه على وجهه، فقرأ سعيد: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. فذبح من قفاه.
قال: فبلغ ذلك الحسن بن أبي الحسن البصري فقال: اللهم يا قاسم الجبابرة اقسم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثاً حتى وقع في جوفه الدود فمات.
عن خلف بن خليفة، عن أبيه، قال: شهدت مقتل سعيد بن جبير، فلما بان رأسه قال: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم قالها الثالثة فلم يتمّها.
عن يحيى بن سعيد، عن كاتب الحجاج، يقال له يعلى، قال: كنت أكتب للحجاج، وأنا يومئذ غلام حديث السن، فدخلت عليه يوماً بعد ما قتل سعيد ابن جبير، وهو في قبة لها أربعة أبواب، فدخلت مما يلي ظهره، فسمعته يقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ فخرجت رويداً، وعلمت إنه إن علم بي قتلني، فلم ينشب (١) الحجاج بعد ذلك إلا يسيراً.
وفي رواية أخرى: عاش بعده خمسة عشر يوماً، وفي رواية: ثلاثة أيام وكان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ كلما أردت النوم أخذ برجلي.
стр. 188
عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو يحتاج إلى علمه.
قال المؤلف: أسند سعيد بن جبير عن علي ﵁، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي موسى وابن المغفل، وعديّ بن حاتم، وأبي هريرة، وغيرهم، وأكثر رواياته عن ابن عباس.
٥ - عمره يوم وفاته: وقتل في سنة أربع وتسعين، وقيل سنة خس وتسعين، وفي مدة عمره ثلاثة أقوال: أحدها سبع وخمسون سنة، وقد رويناها آنفاً. والثاني: تسع وأربعون سنة.
قال أبو نعيم الفضل بن دكين في جماعة، والثالث: اثنتان وأربعون سنة. قاله علي ابن المديني [صفة الصفوة: ٣/ ٧٧ - ٨٦].
стр. 189
المراجع مرتبة على حروف المعجم
١ - أحكام الجنائز، للشيخ ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٩ م.
٢ - أخلاق المسلم، أ. د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، سوريا، الطبعة الرابعة، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.
٣ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار ابن الجوزي، السعودية، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.
٤ - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٣٨٥ هـ.
٥ - تفسير القرآن العظيم، للحافظ إسماعيل بن كثير، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.
٦ - سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، بيت الأفكار الدولية، جدة.
٧ - الجامع الصحيح، لمحمد بن إسماعيل البخاري، بيت الأفكار الدولية، جدة، ١٤١٩ هـ - ١٩٨٨ م.
٨ - الجامع الصحيح، لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، بيت الأفكار الدولية، جدة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.
٩ - جامع العلوم والحكم، لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت.
١٠ - جامع المسائل، لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الثانية، ١٤٢٧ هـ.
١١ - شرح العقيدة الواسطية، للدكتور صالح بن فوزان، وزارة الأوقاف، قطر، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.
١٢ - الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك، مؤسسة الرسالة، بيروت، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
١٣ - الزهد والورع والعبادة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: حماد سلامة، ومحمد عويضة، مكتبة المنار، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.
١٤ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.
١٥ - سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة التاسعة، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٤ م.
١٦ - شرح النووي على مسلم، ليحيى بن شرف النووي، دار الخير، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.
١٧ - صحيح الجامع الصغير، للشيخ ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
стр. 190
١٨ - صفة الصفوة، لجمال الدين، أبي الفرج بن الجوزي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
١٩ - عمدة الحفاظ، لأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.
٢٠ - الفوائد، لمحمد بن أبي بكر بن القيم، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولي، ١٤٢٤ هـ - ١٩٩٣ م.
٢١ - الفرقان لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار طويق، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.
٢٢ - الكليات، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.
٢٣ - لسان العرب، لابن منظور، ترتيب يوسف خياط، ونديم مرعسلي، طبعة لسان العرب، بيروت، الطبعة الأولى.
٢٤ - مجلة البحوث الإسلامية، تصدر عن رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض.
٢٥ - مجموعة المسلم في التوبة والترقي في مدارج الإيمان، للأستاذ الدكتور منير البياتي، دار النفائس، عمان، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ هـ.
٢٦ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع ابن قاسم، نشر المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى.
٢٧ - المجموع القيم، لابن القيم، لمنصور بن محمد المقرن، دار طيبة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.
٢٨ - مختصر روضة العقلاء، لابن حبان البستي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.
٢٩ - مختصر الفتاوى المصرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: حامد الفقي، دارب ابن القيم، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٦٨ هـ - ١٩٤٩ م.
٣٠ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.
٣١ - المطلع على أبواب المقنع، لمحمد ابن أبي الفتح الحنبلي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.
٣٢ - المفردات، للحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٨١ هـ - ١٩٦١ م.
٣٣ - الهدية في مواعظ الإمام ابن تيمية، تحقيق: سليم الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.
٣٤ - موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول ﷺ ، إشراف صالح بن عبد الله بن حميد، دار الوسيلة، جدة، الطبعة الخامسة، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.
٣٥ - الوابل الصيب من الكلم الطيب، لمحمد بن أبي بكر، ابن قيم الجوزية، دار الدعوة، القاهرة.
٣٦ - الوصية الصغرى، لشيخ الإسلام ابن تيميمة، تحقيق: سليم الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.